رسائل الشريف المرتضى - ج4

- السيد المرتضى المزيد...
355 /
15

(52) (جوابات المسائل المصريات)

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

ما وجد من المسائل الواردة من النيل و جوابها سوى ما شذ منها:

المسألة السادسة [الحوادث لا يمكن حدوثها الا بمحدث]

قوله [زيد] بهاؤه:

ان حشرات الأرض و البراغيث حوادث لا محدث لها، من أي طريقة قال (1) و الى أي شيء ذهب و ما يقبل منهما، و العمل (2) و الصبيان أيضا بغير ذنب له عوض أم لا، و ان كان ليس له عوض فما بال غيره؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

انه رأى استحالة حدوثها هنا لتعذر فعل الأجسام و يليه (3) الحياة علينا و خفي عليه

____________

(1) في الأصل «قالوا» و صححناه بقرينة ما سيأتي.

(2) كذا في الأصل.

(3) كذا في الأصل.

18

وجه الحكمة و المصلحة في وقوعها من القديم تعالى فقال: لا يصح وقوعها منه، فلما رأى تعذر وقوعها من الفاعل المحدث و قد ثبت حدوثها قال: انها حوادث لا محدث لها. و لو علم وجه الحكمة لأضافها الى القديم تعالى.

فأما العوض فهو ثابت فيما يدخل عليها من الآلام كما يستحقه غيرها من المؤلمات، و الدليل على ثبوت العوض في الموضعين واحد.

المسألة السابعة (في الرعد و البرق و الغيم)

ما هو قوله تعالى «وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ» (1) و هل هنا برد أم لا؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الغيم جسم كثيف، و هو مشاهد لا يمكن الشك فيه.

و أما الرعد و البرق فقد روي أنهما ملكان (2).

و الذي نقوله هو: ان الرعد صوت من اصطكاك أجرام السحاب، و البرق يبعد (3) أيضا من تصادمهما (4).

و قوله «مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ» لا شبهة فيه أنه كلام اللّٰه تعالى، و أنه لا يمتنع أن يكون جبال البرد مخلوقة حال ما ينزل البرد.

____________

(1) سورة النور: 43.

(2) انظر: بحار الأنوار 59- 378.

(3) كذا في النسخة، و لعل الصحيح: يحدث.

(4) في الأصل «من تصادقهما».

19

المسألة الثامنة [الدليل على حياة الفاعل]

إذا كان الفاعل لا يكون الا حيا فما ينكر ألا يكون الا جسما.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الفاعل لا يكون الا قادرا، و كون الحي حيا يصح أن يكون قادرا، فمن هذا الوجه [يصح] (1) ان يكون الفاعل حيا. و ليس كونه جسما مصححا لكونه فاعلا و لا قادرا، فلا يجب ذلك فيه.

و الفاعل منا انما احتاج الى كونه جسما لأنه قادر بقدرة و حي بحياة، و للقدرة و الحياة تأثير في محلهما، فيصير محلهما آلة في فعله. فمن هو قادر لا بقدرة و حي لا بحياة و لا يحتاج الى ذلك معارف (2) كونه جسما لكونه حيا.

المسألة التاسعة [تعقل من لا مثل له و لا ضد]

فان قيل: كيف يعقل من لا مثل له و لا ضد.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان إثبات المثل و الضد و الخلاف تابع للدليل، و إن كان إثبات مخالف

____________

(1) زيادة منا لاستقامة الكلام.

(2) كذا في النسخة.

20

للذات لا بد منه، لان تميزها من غيرها نفسها [..] (1)، الا أنه يكفي أن يعلم أن لها مخالفا (2) على جهة الجملة، فأما إثبات ضد و مثل فمنه بدأ و يجوز أن يكون و يجوز أن لا يكون بحسب الدليل.

و القدر التي يتقدر بها لا مثل لواحدها، لأنه لا يصح أن تتعلق قدرتان بمقدور واحد.

و إذا كان الدليل قد دل على أن القديم تعالى لا مثل له و لا ضد له- بما بيناه في موضعه- وجب أن نقول به و عجب (3) فيما دل الدليل عليه.

المسألة العاشرة [تعقل فاعل من دون لمس]

فان قيل: كيف يعقل فاعل (4) من غير ملامسة و لا اتصال.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الفاعل انما يحتاج فيما كونه فاعلا الى ما يصح الفعل من كونه قادرا و ما يجري مجراه، و ليس الملامسة و الاتصال من ذلك في شيء. و قد بينا أنه انما يحتاج إلى الجسمية فبينا (5) لأجل القدرة و الحياة فصار محلهما آلة في استعمالهما، فاحتيج الى الاتصال في الملامسة لأجل استعمال القدرة و الحياة، فمن هو حي لا بحياة لا يحتاج الى ذلك.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) في الأصل «مخالف».

(3) كذا في النسخة.

(4) في الأصل «فاعلا».

(5) كذا في النسخة.

21

المسألة الحادية عشر [القدرة على خلق الأجسام]

فإن قيل: فمن أين هذا أن تكون الأجسام خلق غيره، فمن أقدره عليها من جسم آخر.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

انه إذا ثبت أن القدر لا يصلح لها فعل الأجسام و كان وقوع الأجسام بها محالا لم يصح ما ذكر في السؤال، و قد ذكرت في الذخيرة و الشيوخ (1) و غيرهما من كتب الشيوخ.

و بهذا توصلنا إلى إبطال قول المفوضة الذين قالوا: ان اللّٰه تعالى فوض الى محمد (2) و علي (عليهما السلام) الخلق و الرزق و غير ذلك.

المسألة الثانية عشر [القدرة على الاختراع من غير مباشرة]

فإن قيل: ما تنكرون أن يعطيه قدرة على الاختراع من غير مباشرة و لا تولية (3).

(الجواب) و باللّه التوفيق:

انه إذا كان مستحيلا بالقدرة فعل الجسم، لأن القدرة لا يصح الفعل بها الا باستعمال محلها في الفعل ان كان مباشرا أو في سبب الفعل الى اثنين من حيث كان

____________

(1) كذا في النسخة.

(2) في الأصل «آل محمد».

(3) في الأصل «و لا متولدة».

22

في العالم خير و شر، و لا يجوز أن يكون الخير و الشر من فاعل واحد (1).

المسألة الثالثة عشر [وقوع الخير و الشر من فاعل واحد]

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الخير و الشر لا يستحيل وقوعهما من فاعل واحد، و لهذا يفعل الواحد منا (2) الخير و الشر.

و إذا كان كذلك فما الملزم (3) لنا أن يكونا فاعلين، و انما كان يجب ذلك لو كان الخير يقع من فاعل واحد مستحيل أن يقع الشر منه، و الشر يقع عن فاعل يستحيل أن يقع عنه [..] (4)، فلا وجه لإثبات الاثنين.

المسألة الرابعة عشر [تعقل الشيء من دون ان يكون جسما]

[..] هو لا ظلمة و لا ضياء و لا زمان و لا مكان و لا شيء [..] (5).

(الجواب) و باللّه التوفيق:

____________

(1) اختلط هنا بقية جواب المسألة الثانية عشر و صدر السؤال من المسألة الثالثة عشر، كما يظهر عند إمعان النظر في العبارة.

(2) في الأصل «منها».

(3) في الأصل «فما الملزوم».

(4) بياض في النسخة.

(5) بياض في النسخة.

23

إذا كانت الظلمة اسما لجسم [فيه سواد و الضياء اسما لما] (1) فيه بياض و الزمان اسما لحركات الفلك و المكان اسما لما اعتمد عليه جسم آخر، و كان جميع ذلك معلقا بالأجسام و الأعراض التي قد ثبت أنها محدثة، فالمحدث لا بد أن يكون وجوده لم يكن و لا يتصور، و قد عقل يعني الظلمة و الضوء و الزمان و المكان، لأنه تعلق بوجود الأجسام و الاعراض، و قبل وجودها لا يجب أن يكون شيئا.

المسألة الخامسة عشر [حدوث شيء و لا من شيء]

فان قيل: كيف يعقل حدوث شيء و لا من شيء.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان أراد كيف يعقل حدوث شيء و لا من شيء موجود، فإنه يعقل ذلك، لأن الشيء إذا كان موجودا أو محدثا فقد صح وجوده و احداثه و استغنى بوجوده عن وجود ثان. و إن أراد من شيء معدوم فما حدثت الأشياء الا من أشياء معدومة، لأن الأجسام و الاعراض كانت معدومة قبل وجودها ثم وجدت، و قد عقل حدوث شيء لا من شيء موجود.

المسألة السادسة عشر [الإضافة إلى الطبع مضاف الى العرض]

فان قيل: لم لا يكون قديم العالم [..] (2).

____________

(1) الزيادة منا لاستقامة الكلام.

(2) بياض في النسخة.

24

(الجواب) و باللّه التوفيق:

[..] (1) أولا معقولة حتى يقال أوجبته الطبائع [..] (2) الطبائع الا بأنها لا تعقل، لأن كل ما تضيفونه الى الطبع مضاف عندنا الى عرض من الأعراض أو الى غيره مما دل الدليل عليه، فمن ادعى أنه يرجع الى طبع فعليه الدلالة.

و إذا ثبت أن الطباع معقولة صح إثبات إضافة ما يريد إضافته اليه، و إذا لم تكن معقولة فقد بطل ما قاله من أصله و استغنينا عن الكلام معه.

المسألة السابعة عشر [استغناء الطبائع أو عدمه]

فان قيل: فما تنكر أن تكون الطبائع حية قادرة عالمة قديمة مستغنية عن محل أو غيره.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان هذه المسألة تجري مجرى التي قبلها، و انما يصح الكلام في أن الطبائع حية و قادرة أو عالمة أو قديمة أو غير ذلك إذا ثبتت الطبائع، فأما إذا لم تثبت فلا معنى للكلام في صفاتها، لأن الصفات فرع، فإذا بطل الأصل بطل الفرع.

____________

(1) بياضات في النسخة.

(2) بياضات في النسخة.

25

المسألة الثامنة عشر [تمثل جبرئيل في صورة دحية الكلبي]

نزول جبرئيل (عليه السلام) بالوحي في صورة الكلبي (1) كيف كان يتصور بغير صورته، ثم هو القادر عليها أو القديم تعالى يشكل و ليست صورة جبرئيل، فإن كان الذي من القرآن من صورة غير جبرئيل ففيه ما فيه، و ان كان من جبرئيل فكيف يتصور بصورة البشر. و هذه القدرة قد رويت أن إبليس يتصور و كذلك الجن.

أريد توضيح أمر الفلك و ما كان يسمعها جبرئيل من الوحي أمن الباري تعالى أم من [وراء] (2) حجاب، و كيف كان يبلغه و هو جبرئيل يعلم من صفات الباري أكثر مما نعلمه أو مثله، و أين محله من السماء، و هل القديم إذا خطر ببال جبرئيل يكون متحيرا فيه مثلنا و يكون سبحانه لا تدركه الأوهام، أو منزه علينا و جميع الملائكة أيضا.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان نزول جبرئيل (عليه السلام) بصورة دحية كان لمسألة من النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) للّٰه تعالى في ذلك، فأما تصوره فليس بقدرته بل اللّٰه تعالى يصوره كذلك حقيقة لا شكلا (3).

____________

(1) لقد تمثل جبرئيل للنبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في صورة دحية بن خليفة الكلبي في مواقع عديدة. أنظر: سفينة البحار 1- 441، الإصابة 2- 161، أسد الغابة 2- 130.

(2) في الأصل: ان الباري تعالى أمن حجاب.

(3) في الأصل «لا شكيك».

26

و الذي كان يسمعه (1) النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) من القرآن من جبرئيل في الحقيقة كان، فأما إبليس و الجن فليس يقدران (2) على التصور.

و كل قادر بقدرة فحكمهم (3) سواء في أنهم لا يصح أن يصوروا (4) نفوسهم، بل اقتضت المصلحة أن يتصور بعضهم بصورة يصوره اللّٰه تعالى للمصلحة.

فأما جبرئيل (عليه السلام) و سماعه الوحي فيجوز أن يتكلم اللّٰه تعالى بكلام يسمعه فيعلمه، و يجوز أن يقرأه من اللوح المحفوظ.

فأما ما يعلم جبرئيل من صفات اللّٰه تعالى، و طريقه الدليل، و هو و العلماء فيه واحد.

فأما محله من السماء، فقد روي أنه في السماء السابعة (5).

فأما ما يخطر بباله، فلا يجوز أن يتجوز فيه، لأن جبرئيل (عليه السلام) معصوم لا يصح (6) أن يفعل قبيحا.

المسألة التاسعة عشر [معنى الصفة في القديم تعالى]

قول أبي علي الجبائي أن القديم تعالى بكونه سميعا بصيرا صفة زائدة، أريد

____________

(1) في الأصل «يسميه».

(2) في الأصل «يقدر».

(3) في الأصل: فحمك هم.

(4) في الأصل: أن يصور.

(5) انظر حول جبرئيل: بحار الأنوار 59- 248- 265. و لم نجد الحديث المزمع إليه في الكتاب.

(6) في الأصل «لا يفتح».

27

أن توضح الصفة هل تجعلونها مثل القدرة و العلم أو غير ذلك؟

(الجواب):

ان الصفة في الأصل هي قول الواصف، فأما الصفة التي [يوصف] تعالى بكونه [قادرا] (1) و عالما و غير ذلك، فالمراد بها فاعلة الذات من الحال التي يختص بها، سواء كانت للنفس أو للمعنى أو لفاعل.

فأما القدرة و العلم فليست عندنا صفة، انما يسميها الصفاتية أصحاب الأشعري و أما نحن فنسمي الصفة و الحال ما أوجبته القدرة و العلم من كونه قادرا أو عالما أو [ما] يجري (2) مجرى ذلك.

المسألة العشرون [كلام اللّٰه تعالى كيف يكون]

كلام اللّٰه تعالى هل يكلم به أو أحدثه مثل غيره من المحدثات، و كلامه لموسى (عليه السلام) من الشجرة كيف كان و قد كان تعالى و ما كان أن يكلمه اللّٰه الا وحيا.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

انه إذا أحدثه فقد تكلم به، لان المتكلم هو فاعل الكلام، فإذا فعل الكلام فقد تكلم به و قد أحدثه، و المعنى فيهما واحد.

و أما كلام موسى (عليه السلام) من الشجرة، فاللّه تعالى كلمه، و لذلك قال

____________

(1) الزيادتان منا لاستقامة الكلام.

(2) في الأصل «أو يجري».

28

«وَ كَلَّمَ اللّٰهُ مُوسىٰ تَكْلِيماً» (1).

و أما قوله «وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلّٰا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ» (2)، فقد قال أيضا «أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» فمن بعضها [يفسر] (3) بعض.

المسألة الحادية و العشرون [حول الكعبة و الميثاق و العقل و الروح]

الكعبة كانت قبلة من تقدمنا أولنا لإبراهيم (عليه السلام) (4).

و قول الحجاج للحجر «وفيت بعهدي و تعهدت ميثاقي» (5)، أ يسمع الحجر ذلك أو يحدث فيه يوم القيامة العلم بذلك، و هل الميثاق له (6) أصل، فإن كان هناك ميثاق فيجب أن نذكره ان كنا عقلاء في ذلك الوقت، و ان كنا غير ذلك فحوشي أن يؤخذ الميثاق على غير عاقل. فأيضا فهذا مما يقوى به أصحاب التناسخ، لأنهم يحتجون علينا بأن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان بألفي عام.

و أريد أيضا أن تشرح صورة الأرواح هل خلقت قبل الأبدان أم لا، و أكثر تعلقهم بهذا الخبر و كون الأرواح قديمة قبل الأجسام.

و هذه الأرواح إذا فارقت الأبدان هل تحس أم لا، و هل الحسيات عليها و على

____________

(1) سورة النساء: 164.

(2) سورة الشورى: 51.

(3) الزيادة منا.

(4) كذا في النسخة.

(5) انظر وسائل الشيعة 5- 402- 407، ففي أحاديث وردت هذه الجملة «أمانتي أديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة».

(6) في الأصل «و هو الميثاق».

29

الأبدان أو عليها وحدها.

و إذا نام الإنسان ما يعدم من البدن منها و ما الذي يبقى فيه.

و العقل أين مستقره من البدن، و هل هو في العالم سواء أو يتفاضل الناس فيه و هل الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) لهم علينا مزية فيه أو نحن و هم فيه سواء، بأن اكتساب علوم فلا بد (من أصل الماء أعني) (1) بذلك الأصل (2)، و هل يكبر مع الصبي كلما كبر أو الذي يكسبه علوم.

و الروح في الإنسان لم روح، و أين مستقر العقل، و هل هو داخل فيها أو خارج عنها، و الإنسان من هو؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الكعبة معلوم أنها قبلتنا، و أما كونها قبلة من تقدمنا فغير معلوم، و هو مجوز.

و أما قول الحاج للحجر، فانا تعبدنا بذلك أن نقول هذا اللفظ عند الحجر و كيف يجوز أن يسمع الحجر و السمع يفتقر الى كونه حيا و معلوم أنه جماد.

و أما قوله «هذا الميثاق» الأصل ميثاق الذر، و هو قوله «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ» (3).

و ليس الأمر كذلك، لأن الميثاق الذي يعنيه هو الميثاق الذي أخذه اللّٰه تعالى علينا بالحج على لسان نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و إذا كان كذلك و لا مالة (4) علينا إلا في خطابه للحجر، و قد قلنا انه عبادة من اللّٰه تعالى لنا بذلك.

و أما قوله ان هذا [..] (5) أهل التناسخ.

____________

(1) كذا و العبارة غير مستقيمة.

(2) كذا.

(3) سورة الأعراف: 172.

(4) كذا في النسخة.

(5) بياض في الأصل.

30

فقد بينا في مواضع من كلامنا و كلام شيوخنا بطلان التناسخ بأدلة لا يمكن دخول الشبهة عليها، فكيف يرجع عليها بمثل ذلك.

فأما قوله: انهم قالوا ان الأرواح مخلوقة قبل الأبدان بألفي عام.

فمن جملة الدعاوي الباطلة التي يفتقرون في تصحيحها إلى الأدلة الظاهرة، و لا دليل. و نحن فقد دللنا على حدوث الأجسام جميعها روحا كانت أو غير روح، و دللنا على حاجتها الى محدث في مواضع. و عمدة كلامهم على أن الروح نفسها حية، و الحي عندنا هو الجسم الذي الروح له. و هذه المسألة مبنية على معرفة الإنسان الحي الفعال من هو، فإذا عرف سقط كلامهم و ثبت ما نقوله.

و من الذي يسلم لهم أن الأرواح قديمة، و الأرواح عندنا جملة من الأجسام، و قد دللنا على حدوثها.

و قوله: و هذه الأرواح إذا فارقت الأبدان هل تحس.

فقد قلنا: ان الذي يحس هو الحي، و الحي هو الذي تحله الحياة، و هو الجملة التي تدرك المدركات. و إذا كانت الأرواح إذا انفردت لا يكون لها هذا الحكم لم يجز أن تحس (1)، لأن الحس عبارة عن إدراك.

و قوله: و هل الحساب عليها أو على الأبدان.

و الحساب على الحي المكلف المأمور المنهي، و إذا كانت الأرواح لا تقوم بنفسها- أعني عن كونها حية- و انما هي تابعة فالحساب على من هي تابعة له لا عليها.

و أما قوله: إذا نام الإنسان ما الذي يعدم من البدن و ما الذي يبقى.

فالروح عندنا عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي، و هذا الهواء الحال

____________

(1) في الأصل «أن يحسن».

31

في حالتي النوم و الانتباه (1).

و قوله: و العقل أين مستقره.

فمستقره القلب، و قد ذكرنا ذلك في مسألة أخرى، و قد قلنا: ان الناس فيه سواء لا يتفاضلون. و لا مزية للأنبياء (عليهم السلام) علينا فيه، و انما المزية (2) في علوم أخرى.

و قوله: و هل يكبر مع الصبي.

فإنه من فعل اللّٰه تعالى، و هو مجموع علوم بين الناس فيه خلاف هل يكون في من ليس بعاقل يعضد أم لا. و الظاهر أن اللّٰه تعالى يفعله (3) متى شاء بأن يفعله صغيرا كان من يفعله فيه أو كبيرا، لأنه يتعلق به باختياره تعالى متى [شاء] (4) أن يفعله فعله، و قد فعله لعيسى (عليه السلام) و هم أطفال.

و قوله: و الروح في الإنسان ثم روح.

و الروح روح واحدة، و قد قلنا انها عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي، و إذا لم يكن في مخارق حي فهو هواء و روح.

و قوله: و أين مستقرها.

فقد قلنا: مخارق الحي.

و قوله: أين مستقر العقل منها.

فليس الروح هي العاقلة، و تكون الروح داخلة في العقل و لا العقل فيها.

____________

(1) في الأصل «في الانتباه».

(2) في الأصل «و انما المزيلة».

(3) في الأصل «لفعله».

(4) الزيادة منا.

32

و قوله: و الإنسان من هو.

فهذه المسألة أصل لجميع (1) هذه المسائل، و هي مسألة طويلة لا يحتملها هذا الموضع، و قد أشرنا إلى تفصيلها.

المسألة الثانية و العشرون [أول ما خلق اللّٰه تعالى]

إذا كان القديم تعالى قديما فيما لم يزل فكيف يقطع عليه أن [..] (2) السماوات و الأرض و ما فيهما أول ابتداء خلقه، فهل الشريعة تقطع بذلك أو غيره. توضح ذلك. و هو قديم فيما لم يقطع بذلك.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

انا لا نقطع على أن السماوات و الأرض أول ما خلق، و ذلك فجوز (3) اللّٰه تعالى هو العالم بذلك، و ليس في العقل و لا في الشرع ما يقطع به عن ذلك.

المسألة الثالثة و العشرون [حقيقة الفراغ و هل له نهاية]

الفراغ له نهاية، و القديم تعالى يعلم منتهى نهايته، و هذا الفراغ أي شيء هو. و كذلك الطبقة الثانية من الأرض و الثامنة من السماء نقطع ان هناك فراغا

____________

(1) في الأصل «لجميعهم».

(2) بياض في النسخة.

(3) كذا.

33

أم لا، فان قلت لا طالبناك بما وراء الملاء، و هل القديم تعالى يعلم أن هناك نهاية، فإن قلت نعم طالبناك أي شيء وراء النهاية؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الفراغ لا يوصف بأنه منتهاه و لا أنه غير منتهاه على وجه الحقيقة، و انما يوصف بذلك مجازا و اتساعا.

و أما قوله: و هذا الفراغ أي شيء هو. فقد قلنا انه لا جوهر و لا عرض و لا قديم و لا محدث و لا هو ذات و لا معلوم كالمعلومات.

فأما الطبقة الثانية من الأرض فما نعرفها، و الذي نطق به القرآن «سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً» (1) «وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» (2). فأما غير ذلك فلا طريق يقطع به من عقل و لا شرع.

المسألة الرابعة و العشرون [تكليف أهل جابرقا و جابرسا]

قول الحسن و الحسين (عليهما السلام): ما بين جابرقا و جابرسا حجة للّٰه غيرنا.

هل هذه جابرقا و جابرسا لهما تحقيق و ما تكليفهم.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الخبر قد ورد بذلك، و لا يقطع عليه بصحة و لا بطلان، لأنه من أخبار

____________

(1) سورة نوح: 15.

(2) سورة الطلاق: 12. و الآية «اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ».

و لعله قصد هذه الآية فجاءت كلمة «طباقا» عفوا.

34

الآحاد، فلن نقطع (1) على صحته، فان قد اتصل بهم خبر نبينا (عليه السلام) فهم متعبدون بما في العقل و شريعته و يجرون مجرانا، و ان لم يكن قد اتصل بهم خبر نبينا (عليه السلام) فهم متعبدون بما في العقل فقط.

المسألة الخامسة و العشرون [تكليف الأطفال يوم القيامة]

الأطفال ما حكمهم يوم القيامة، أطفال المؤمنين و الكافرين، يعني من له أربعون يوما و ما زاد عليه.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

المروي أن [أولاد] (2) المؤمنين يدخلون الجنة تفضلا عليهم، أو يرون بذلك سرور آبائهم، فيكون من جملة ثواب الإباء. فأما أولاد الكفار فحكمهم حكم غيرهم ممن ليس بعاقل في أنه يعاد للعرض ثم يصير ترابا.

المسألة السادسة و العشرون [عقاب من قاتل اماما]

من قاتل اماما عادلا و هو مؤمن بجميع الشريعة إلا خروجه على الامام و قتل و لم يصح منه توبة، هل يجوز أن يقتص منه بقدر ظلمه للإمام و يدخل الجنة.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

____________

(1) في الأصل «فإن قطع».

(2) زيادة منا لاستقامة الكلام.

35

مقاتلة الامام العادل كفر [..] (1) عقاب فاعله عقاب الكفار على وجه الدوام، و لا يصح العفو عنه و الشفاعة فيه، و لا يسقط عقابه الا بالتوبة.

المسألة السابعة و العشرون [الملائكة و الجن بعد انتهاء التكليف]

إذا حصل أهل الجنة في الجنة ما حكم الملائكة، هل يكونوا في جنة بنى آدم أو غيرها، و هل يراهم البشر، و هم يأكلون و يشربون مثل البشر أو تسبيح و تقديس، و هل يسقط عنهم التكليف. و كذلك الجن.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

انه يجوز أن يكونوا في الجنة مع بنى آدم، و يجوز أن يكونوا في جنة سواها، فان الجنان كثيرة: جنة الخلد، و جنة عدن، و جنة المأوى، و غير ذلك مما لم يذكره اللّٰه تعالى.

و أما في رؤية البشر لهم فلا تصلح الا على أحد الوجهين: اما أن يقوي اللّٰه تعالى (2)، أو يكيف الملائكة.

و أما الأكل و الشرب فمجوز، و اللّٰه تعالى ينبئهم بما فيه لذتهم، فان جعل لذتهم في الأكل و الشرب جاز، و ان جعلها في غيره جاز.

و أما التكليف فإنه يسقط عنهم، لأنه لا يصح أن يكونوا مكلفين مثابين في حالة واحدة.

و الكلام في الجن يجري هذا المجرى.

____________

(1) بياض في النسخة.

(2) كذا، و لعل الصحيح: اما أن يقوى اللّٰه تعالى رؤية البشر.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

(53) (جوابات المسائل الواسطيات)

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

المسألة الخامسة من المسائل الواسطيات [إنكاح النواصب و الغلات]

هل يجوز للمؤمن أن يزوج ابنته الناصب أو الغالي أو فيها (1) ما يخرج من حد النكاح الى السفاح، و ما الفرق بينهما في هذه الحالة، و ما حقيقة بعدهما جمعا من حقائق الإسلام على مقتضى الاعتقاد و أصول الدين؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

الناصب كالغالي في الكفر و الخروج عن الايمان، و لا يجوز مناكحة كل واحد منهما مع الاختيار. و لا فرق بينهما في أنهما كافران لا يتعلق عليهما أحكام أهل الإسلام.

فأما مقادير عقاب كل واحد منهما و زيادة بعضه على بعض أو نقصانه فمما يعلمه اللّٰه تعالى و لا طريق لنا الى تحقيقه و تفصيله.

____________

(1) كذا.

40

المسألة السادسة من الواسطيات [ميراث أهل الذمة]

هل يرث المسلم ممن مات من أهل بيته ممن هو من أهل الذمة على مقتضى الشريعة أو الإسلام يمنعه من ميراث أهل المخالفين لملته، لقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): أهل ملتين لا يتوارثون. بحسب ما ذكره ابن محبوب «ره» في كتاب المشيخة (1).

(الجواب) و باللّه التوفيق:

انه لا يختلف أصحابنا في أن المؤمن يرث الكافر و ان كان الكافر لا يرث المؤمن و ما يروى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من قوله «ان أهل ملتين لا يتوارثون» ان كان صحيحا فإنه خبر واحد غير مقطوع به، فمعناه أن كل واحد منهما لا يرث صاحبه و ذلك لا يمنع من أن يورث المسلم الكافر، لأن التوارث تفاعل و لا يكون الا بين اثنين على كل واحد واحد، و إذا كان من جهة واحدة لم يكن تفاعلا و لا توارثا.

المسألة السابعة من الواسطيات [الصلاة في ثوب إبريسم ممزوج]

مع ثبوت الخبر أنه لا يجوز الصلاة في ثوب إبريسم الا أن يكون ممزوجا بقطن أو كتان، فهل تجب الصلاة في ثوبين أحدهما إبريسم و الأخر كتان وجوبهما جميعا مجرى الثوب الممزوج إذا كان المعتمد في ذلك نقض الصلاة في الحرير

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 377.

41

إذا لم يكن معه غيره.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الثوب إذا كان حريرا محضا لا يخالطه قطن أو كتان فلبسه حرام و الصلاة فيه أيضا غير جائزة، و لا يجري الثوبان اللذان أحدهما حرير محض و الأخر قطن مجرى ثوب واحد ممزوج، لأن لابس الثوبين و أحدهما حرير محض لابس لما حرم من الحرير، و ليس كذلك الثوب الممزوج.

المسألة الثامنة من الواسطيات [عدة وفاة الذمي]

إذا مات الذمي عن زوجته فكم أقل ما يجب أن تعتد بعده فتحل للمستمتع بها من المسلمين؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

لا يجوز التمتع و لا أن ينكح الدوام و التأبيد امرأة الذمي إذا مات عنها زوجها (1) الذمي إلا بعد أن تعتد العدة المفروضة في ذلك على الزوجة الحرة المسلمة.

المسألة التاسعة من الواسطيات [المرأة المتسامحة في نفسها عن مراعاة الطلاق]

إذا ثبت على المرأة المتسمحة في صيانة نفسها أنها تتزوج كثيرا و لا تراعي طلاقها الا بالخروج من بيت زوجها لا ينضبط لها استقرارهم و طلب الخلاص من

____________

(1) في الأصل «عن زوجها».

42

حالهم و تزوجهم، فكيف يكون السبيل للراغب فيها الى التزوج بها؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان نكاح (1) المرأة المتزوجة في دينها المتسمحة فيما يلزمها من عدة أو غيرها مكروه و ان لم يكن محرما، و كل امرأة لم يعلم أنها في حبال زوج أو عدة منه جاز نكاحها على ظاهر الأمر فيه و ليس يلزمه ما في الباطن، فمن أراد الاحتياط مع من خاف أن تكون فرطت في عدتها جاز له أن يلزمها أن تعتد عدة كاملة قبل العقد عليها و ان لم يكن ذلك واجبا.

المسألة العاشرة من الواسطيات [لا حد للمستمتعات في العدد]

هل تجري المستمتعات بهن مجرى الزوجات في التحصين، فيحرم على المستمتع الزيادة على الأربع أو تجري مجرى الإماء في كثرة العدد و ترك الالتفات الى هذا الباب.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

لا خلاف بين أصحابنا في أن للمتمتع أن يجمع بين النساء أكثر من أربع حرائر و أنهن يجرين مجرى الإماء اللواتي يستباح بملك اليمين وطؤهن، و قوله تعالى «مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ» (2) و كل ظاهر من قرآن أو سنة يقتضي ذلك الزائد على أربع، نحمله على أن المراد نكاح الدوام دون المتعة.

____________

(1) في الأصل «ان النكاح».

(2) سورة النساء: 3.

43

المسألة الحادية عشر من الواسطيات [طلاق المضطر ثلاثا كم يعد]

إذا اضطر الرجل المؤمن إلى التزوج في أسفاره أو حسب اختياره و هو مقارب لمن يتقيه و لا يتمكن أن يجعل طلاقه لهن بحسب اعتقاده فيطلقهن إذا اضطر الى ذلك تطليق الثلاث مع مكان واحد، فهل يجزيه ذلك مع التقية أو هن في حباله حين لم يطلقهن على مقتضى المذهب الذي يعتقده فيحرم عليه حينئذ التزويج بعد الأربع اللواتي طلقهن على ما شرح أولا.

(الجواب) و باللّه التوفيق:

لا تقية على أحد في أن يطلق امرأته الطلاق الذي تذهب إليه الإمامية، فإنه إذا طلقها تطليقة واحدة في طهر لا جماع فيه بمشهد من عدلين فقد فعل السنة و خلاف ذلك هو البدعة و ان وقع الطلاق معه عند المخالف.

الا أنه يمكن أن يسأل عمن طلق نساء له أربعا بلفظ واحد.

و الجواب: انه إذا طلق جميعهن و هن في طهر لإجماع فيه بلفظ واحد بمشهد من عدلين فقد وقعت بهن تطليقة واحدة، و لا يحل له أن يتزوج بأخرى إلا بعد أن يخرجن من العدة و يبن منه بالخروج منها.

المسألة الثانية عشر من الواسطيات [جواز التمتع للمستمتع بها قبل انقضاء العدة]

هل يجوز للمستمتع بالامرأة إذا بانت عنه بخروج الأجل المسمى بينها و بينه أن يستمتع بها قبل انقضاء عدتها أو بعد ذلك، أو تحرم عليه بالمتعة الأولى من

44

إعادتها و مراجعة الاستمتاع بها، و ما الحكم و الرخصة في ذلك؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

يجوز للمستمتع بالمرأة بعد انقضاء عدتها منه أن يعاود الاستمتاع بها، و يجوز له بعد انقضاء الأجل المضروب و قبل أن تعتد منه أن يعاود التمتع. و انما العدة شرط في إباحة نكاح غيره لها و ليست شرطا في نكاحه هو إياها.

45

(54) (المسائل الرملية)

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

(1)[حكم الطلاق بعد ارتفاع الدم و إيلاء المرأة]

مسألة من المسائل الرملية، قال:

إذا كان الطلاق لا يقع بالمرأة الا و هي طاهر في طهر لا ملامسة فيه، فما الحكم في رجل قصد الى امرأة و هي طاهر فلامسها ثم آلى منها عقيب ملامستها و ارتفع الدم عنها فتربصت به أربعة أشهر لم يقربها وجب عليه فيها مرافعته الى الحاكم بعد الأجل فأمره بالكفارة فامتنع منها، أ يلزمه الطلاق و هي في طهر قد وقعت فيه الملامسة فيكون قد أفتى بضد ما يقتضيه المذهب، أم يتركه على حاله لا يكفر و لا يطلق فيخالف الإجماع في ذلك؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان الطلاق انما لا يقع في طهر تخللته الملامسة إذا كانت المرأة ممن تحيض و تطهر، فأما إذا ارتفع الدم عنها و يئست من الحيض و دام ارتفاع الدم (1) فان

____________

(1) في الأصل «و ليس ارتفاع الدم».

48

الطلاق يقع بها على كل حال.

و إذا كان الأمر على ما أوضحنا و صادف انقضاء الأربعة أشهر مرافعة المرأة لزوجها الى الحاكم اليائس من الحيض فالحاكم يأمره بالكفارة، فإذا امتنع ألزمه الطلاق، فان طلق وقع طلاقه، لأن طلاقه طلاق يائسة.

اللهم الا أن يسأل عمن صادف مرافعة من زوجته الى الحاكم بعد انقضاء الأجل حيضا و امتنع الزوج من الكفارة، و قيل لنا: كيف تقولون هاهنا أ يلزمه الطلاق و هو لا يقع منه أو تمسك عن إلزامه فيكون غير مكفر و لا مطلق؟

و الجواب عن ذلك:

انا نقول: انه ألزمه الطلاق بشرط طهارة زوجته، فكأنه يقول له: قد ألزمتك و حكمت عليك بأن تطلق زوجتك إذا طهرت فقد صار الطلاق لازما لما امتنع من الكفارة لكن على الوجه المطلوب.

و هذا بين بحمد اللّٰه و توفيقه.

(2)[حكم الخلاف في رؤية الهلال]

مسألة من المسائل الرملية:

ما القول في من طلب هلال شهر رمضان فلم يره، أو رآه و جوز رؤية غيره له من قبل في بلد آخر و كانت رويته لا تعطي معرفة له، أي شيء يعتقد و على أي شيء يقول؟

و كذلك إذا ظهر آخر الشهر لقوم و استتر عن قوم حتى وجب الصيام على من استتر عنهم و الإفطار على من ظهر لهم، أ ليس يؤدي هذا الى نقصانه عند بعض

49

المكلفين و تمامه عند آخرين فتبطل حقيقة شهر رمضان في نفسه، أو يكون له حقيقة عند اللّٰه تعالى لم ينصب لخلقه دليلا يتفقون به عليها و يعتقدونها على وجهها، و يؤدي أيضا الى اختلاف الأعياد و فساد التواريخ و مماثلة أهل الاجتهاد في الخلاف؟

(الجواب) و باللّه التوفيق:

ان تكليف كل مكلف يختص به و لا يتعلق بغيره، فليس بمنكر أن يختلف تكليف الشخصين في الوقت الواحد، كما لا يمتنع اختلاف تكليف الشخص الواحد في الوقتين و الوجهين و في الوقت الواحد و الوجه الواحد إذا كان التكليف على التخيير.

و إذا صحت هذه الجملة فما المانع من أن يكون تكليف من رأى هلال شهر رمضان الصوم و تكليف من لم يره و لا قامت حجة برؤيته الفطر، و كذلك حكمها في رؤية الفطر.

و أي فساد في اختلاف التكليف إذا اختلفت وجوهه أو طرقه؟ أو ليس اللّٰه تعالى قد كلف واجد الماء الطهارة به دون غيره و أسقط من فاقد الماء تكليف الطهارة به و كلفه التيمم بالتراب و جعل تكليفهما في صلاة واحدة مختلفا كما ترى، و لم يقتض ذلك فسادا.

و كذلك تكليف المريض الصلاة من قعود و الصحيح الصلاة من قيام، فاختلف التكليف فيهما لاختلاف أسبابهما به.

و من طلب جهة القبلة و غلب في ظنه بأمارة لاحت له أنها في بعض الجهات وجب عليه ان يصلي إليها بعينها، و من طلبها في تلك الحال و غلب في ظنه بأمارة أخرى أنها في جهة سواها وجب عليه أن يصلي الى خلاف الجهة الأولى. و كل واحد منهما مؤد فرضه و ان اختلف التكليف.

50

و لو ذهبنا الى ما ذكر مما يختلف فيه التكليف من ضروب الشرائع لطال القول و اتسع.

و لسنا نعيب أصحاب الاجتهاد بالاختلاف في التكليف على ظن المسائل، لأن الاختلاف إذا كان عن دليل موجب للعلم و حجة صحيحة لم يكن معيبا. و انما عبناهم بالاجتهاد و القياس في الشريعة، لأنه لا دليل عليهما و لا طريق إليهما.

51

(55) (شرح القصيدة المذهبة)

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّٰه رب العالمين، و العاقبة للمتقين، و صلاته على سيدنا محمد نبيه و آله الطاهرين.

سأل الأستاذ الفاضل أبو الحسن علي بن شهفيروز أدام اللّٰه عزه تفسير قصيدة أبي هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الملقب بالسيد رضي اللّٰه عنه البائية التي أولها «هلا وقفت على المكان المعشب»، و إيضاح معانيها و مشكل ألفاظها.

و أنا أجيب الى ذلك على ضيق وقتي و تقسيم فكري و كثرة قواطعي.

و من اللّٰه أستمد المعونة و التوفيق في كل قرب و طلب.

(1)

هلا وقفت على المكان المعشب * * * بين الطويلع (1) فاللوى من كبكب

المعشب: هو المكان الكثير العشب، و العشب معروف، و منه مكان معشب

____________

(1) في بعض النسخ «ظويلع» و هو لهجة بعض المناطق العربية.

54

و عشيب و عاشب. و جمع العشب أعشاب.

و الطويلع: ماء لبني تميم في ناحية الضمان. و يكون مصغرا من أحد شيئين:

اما أن يكون من «طلع على القوم» أي أشرف عليهم، و اما من قولهم «اطلع الرجل» إذا قاء، و الطلعاء القيء. فإن كان الأول فهو تصغير «طالع» لاشراف موضعه من الوادي الذي هو فيه و علوه، و ان كان من الثاني فهو تصغير على الأصل كأنه قال اطلع الرجل أي قاء، فطلع القيء، كما أنهم قالوا: أتاع الرجل إذا قاء أيضا، كما قال القطامي:

و ظلت تعبط الأيدي كلوما * * * تمج عروقها العلق المتاعا

قالوا: أتاع القيء، نفسه. و إذا كان الاسم على ما قلنا طالعا، فان تصغيره «طويلع» الا أن التصغير دخله بعد أن صار اسما، لأن الصفة لا تصغر.

و اللوى مقصورا: انحناء بعد منقطع الرملة، و اما اللواء بالمد فهو الذي يعقد للوالي.

و أما «كبكب» فهو جبل معروف، و هو المطل على عرفات، و هو فعلل من الكبة و هي معظم الحرب. و كذلك كبة النار معظمها و جاحمها، و منه قوله تعالى «فَكُبْكِبُوا فِيهٰا هُمْ وَ الْغٰاوُونَ» (1)، و معناه فكببوا، كقولك فتحت الأبواب إذا أردت تكثير الفعل. و يجوز أن يكون المعنى: ألقوا على وجوههم فيها.

و يمكن أيضا أن يكون اشتقاق «كبكب» من المتكبب، و هو المجتمع المتلون.

فان قيل: كيف يقول «بين الطويلع فاللوى من كبكب» و الكلام يدل على تقارب الموضعين، لأنه قال: هلا وقفت على المكان المعشب، بين كذا و كذا، و قد قلتم ان الطويلع بناحية الضمان، و كبكب جبل مطل على عرفات و بينهما بون

____________

(1) سورة الشعراء: 94.

55

بعيد؟

قلنا: ليس يمتنع أن يأمره بالوقوف على كل مكان معشب بين هذين الموضعين و ان تباعدا. و يجوز أيضا أن يكون أمره بالوقوف على مكان بعينه معشب بين الطويلع فكبكب و ان تباعد ما بينهما، و هذا أحسن.

(2)

فنجاد توضح فالنضايد فالشظا * * * فرياض سخة فالنقا من جونب

النجاد: جمع نجد، و هو الطريق المرتفع. و النجد أيضا: الأرض المستوية و جمعها نجود. و نجاد السيف حمائله. و النجاد أيضا اللجام.

و توضح: موضع مشهور، قال النابغة:

الواهب المائة الأبكار زينها * * * كالعين ترعى في مسالك أهضب

و توضح بالحمى حمى .. كانت إبل الملوك ترعاه، فلذلك ذكره النابغة و هو من «وضح الأمر» إذا بان و انكشف، و منه وضح الصبح: إذا بان و ظهر.

و أما «النضائد» فمشتقة من نضدت الشيء: إذا عبأت بعضه الى بعض.

و النضد ما نضدت من متاع البيت بعضه على بعض. و النضد أيضا الشريف من الرجال و جمعه أنضاد. و النضائد أعمام الرجل و أخواله.

و الشظاء: موضع يشبه أن يكون سمي بذلك لبروزه و ظهوره، من قولهم شظي الفرس و تشظى شظى: إذا تحرك شظاه، و هو عصبة بين الوظيف و الابجر.

و يجوز أن يكون مشتقا من المشقة و الشدة، من قولهم: شظي الأمر شظا و شظوظا إذا شق و اشتد.

56

و أما «سنحة» فمشتقة من السنح بمعنى الاعتراض، يقال سنح سنوحا إذا عرض سنح الطريق متنه. و السانح ما أولاك ميامنه، و البارح ما أولاك مياسره من الوحش و الطير (1).

و أما «النقا» فهو قطعة من الرمل تنقاد محدودبة به، و التثنية نقوان و نقيان لغتان.

و أما «جونب» فهو اسم موضع بلا شك، إلا أنني لست أعرف جهته و ناحيته الى الان، و قد تصفحت ما يجب أن يكون ذكره فيه فلم أجد، و ان وجدت مستقبلا ما يدل على هذا الموضع بعينه و جهته استأنف ذكره بمشيئة اللّٰه تعالى.

(3)

طال الثواء على منازل أقفرت * * * من بعد هند و الرباب و زينب

أما «الثواء» فهو الإقامة، يقال ثويت بالمكان و أثويت. و الثوية: المنزل الذي يثوى اليه، و الثوي الضيف. و الثوية أيضا: عين تنبعث من حجارة للراعي يرجع إليها ليلا.

و أقفرت: بمعنى خلت من أهلها، يقال أرض قفر و قفرة للتي لا شيء بها.

____________

(1) هذا على نسخة «سنحة» بالنون و الحاء المهملة، و أما على نسخة «سخة» بالسين المفتوحة و تشديد الخاء المعجمة فهو مائة في رمال عبد اللّٰه بن كلاب، أو «سخنة» بضم السين و سكون الخاء المعجمة و نون فهو بلدة في برية الشام يسكنها قوم من العرب. أنظر: معجم البلدان 3- 196.

57

(4)

أدم حللن بها و هن اوانس * * * كالعين ترعى من مسالك اهضب

الأدم من الرجال و النساء: البيض الى السمرة، و من الإبل و الضباع: البيض إلى الحمرة.

و قوله «أوانس» يعني النساء، و قد مضى ذكرهن في البيت الأول.

و العين: بقر الوحش، الواحدة عيناء، سميت بذلك لكبر عينها.

و أهضب: جمع هضبة، و هو ما ارتفع من الأرض.

(5)

يضحكن من طرب بهن تبسما * * * عن كل أبيض ذي غروب اشنب

الطرب: ما يستخف الإنسان من فرح أو حزن، قال الشاعر:

و أدالوا طربا في أمره * * * طرب الواله أو كالمختبل

و قوله «يضحكن تبسما» مناقض، لأن الضحك الاستغراب و المبالغة إلى غاية لا يدركها التبسم، الا أنه أقامه مقامه فأجرى عليه اسمه (1).

____________

(1) في الهامش: قوله «أقامه مقامه فأجرى عليه اسمه» لعل الشاعر البليغ المجمع على بلاغته، أراد أن هؤلاء الغواني المشبب بهن موصوفات بغاية و قوة الحياء، مصونات عن كل خصلة مبتذلة، فإذا غلبهن عجب من شيء لم يدرك منهن ما يدرك من غيرهن من الإعلان بالضحك الذي يسمع للعجب، و انما يدرك منهن التبسم. و هذا غاية المدح فيهن، مفيد معنى الكناية المطلوب. و اللّٰه أعلم.

58

«و الغروب» جمع غرب، و هو من كل شيء حده، و انما أراد تحديد الأسنان و ذلك من علامة حداثة السن.

و الشنب: برد الأسنان و عذوبتها، يقال: رجل أشنب و امرأة شنباء.

(6)

حور مدامعها كأن ثغورها * * * و هنا صوافي لؤلؤ لم يثقب

حور: جمع حوراء، من الحور الذي هو شدة بياض العين و شدة سواد سوادها. و قيل بل هو أن يكون البياض محدقا بالسواد. و انما يكون ذلك في البقر و الظباء، و يستعار للناس.

و وهن الليل: قريب من نصفه، و أراد أن ثغورهن وصف من النساء (كذا) يعني يضيء في هذا الوقت من الليل كما يضيء الصافي من اللؤلؤ. و خص ما لم يثقب منه لأنه قبل الثقب لا يلبس و لا يستعمل و لا يستبذل فيتدنس بذلك.

(7)

انس حللن بها نواعم كالدمى * * * من بين محصنة و بكر خرعب

الانس: جمع آنسة.

و الدمى: جمع دمية، و هي الصورة.

و المحصنة: العفيفة، و هي أيضا ذات الزوج، و المراد بها هاهنا ذات زوج حتى يقابل قوله «بكر خرعب».

و أما «الخرعب» مق النساء و الخرعبة: فهي الطويلة اللينة العصب.

59

(8)

لعساء واضحة الجبين اسيلة * * * وعث المؤزر جثلة المتنقب

اللعس: أن تشتد حمرة الشفة حتى تضرب الى السواد، امرأة لعساء و نساء لعس.

و وضح الجبين: بياضه و إشراقه.

و الأسئلة: السهلة الخد.

و قوله «وعث المؤزر» أي هي ثقيلة الردف مع لين و .. كالواعث من الرمل: و هو ما اجتمع منه في سهولة و لين.

فأما قوله «جثلة المتنقب» فالجثل: الكثيف و الكثافة في الوجه ليس فيها جمال توصف الحسناء به، و انما توصف بالسهولة في الخد و الوجه. و ما أعلم الى أي شيء ذهب في هذا المعنى (1).

(9)

كنا و هن بنضرة و غضارة * * * في خفض عيش راغد مستعذب

النضرة: الحسن، يقال نضر الشيء فهو ناضر أي حسن.

و الغضارة: البهجة.

____________

(1) في الهامش: قوله «و ما أعلم الى أى شيء ذهب» إذا كان المتنقب يصح إطلاقه على هن المرأة، عمل بالاستعارة: شبه تستره و إخفاءه بالوجه المتنقب بالنقاب، فأطلق عليه، فالأمر ظاهر، و الكثافة في الهن و العظم مما تحمد به المرأة، بل تمدح به حتى قالت الاعرابية:

ان هني لهن .. ان جلست فوق .. كالارنب الرانى ..

فلعل السيد الحميري يريد هذا مع أنه ذكر أنها أسيلة الوجه أى الخد و انها ثقيلة الردف.

أو يقال انه أراد به جثلة الشعر من الرأس ..

60

و الخفض: لين العيش.

و الراغد: الواسع.

(10)

أيام لي في بطن طيبة منزل * * * عن ريب دهر حائر متقلب

طيبة: مدينة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، و من أسمائها: طيبة و يثرب و المدينة و الدار و المسكينة و جابرة و المجبورة و المحبة و المحبوبة و العذراء و الرعبوبة و القاصمة و يندد (1)، فذلك ثلاثة عشر اسما.

ريب الدهر: خطوبه و طوارقه، و أصل الريب و الريبة الشك، يقال رابني الدهر إذا خفت منه و شككت فيه، في توجه الشر منه.

و معنى «عن ريب دهر» أي بدلا و عوضا عن ريب دهر، يقولون أعطيتك كذا من كذا أي بدلا عنه.

(11)

فعفا و صار الى البلا بعد البنا * * * و أزال ذلك صرف دهر قلب

عفا: بمعنى درس، يقولون: عفا الموضع يعفو عفوا، و عفا فهو عاف إذا درس. و عفا القوم يعفون: إذا كثروا، و عفا الشعر و غيره إذا كثر.

____________

(1) انظر: «عمدة الاخبار في مدينة المختار» 551 للشيخ احمد بن عبد الحميد العباسي.

61

و البناء: جمع بنية.

و صرف الدهر: تقلبه و تصرفه.

و القلب: المتقلب المتردد في الأمور، و من أوصاف الذئب: القلوب و القلب.

(12)

و لقد حلفت و قلت قولا صادقا * * * تاللّه لم آثم و لم اتريب

الإثم: الذنب و الفعل القبيح، و الإثم أيضا عند قوم الخمر، و الإثم بالفتح مصدر قولهم «ان الناقة لتأثم المشي أثما» إذا أبطأت.

و معنى لم أتريب: لم أجيء بريبة و بما يشك فيه.

(13)

لمعاشر غلب الشقاء عليهم * * * و هوى امالهم لأمر متعب

أي حلفت لهؤلاء القوم الذين وصفتهم أن الشقاء غلب عليهم و أمالهم بهواهم الى الأمر المتعب.

(14)

من حمير أهل السماحة و الندى * * * و قريش الغر الكرام و تغلب

يشبه أن يكون انما خص بخطابه و وعظه حمير التي هي قبيلته لأن الانحراف عن أمير المؤمنين كان فيهم فاشيا شائعا، و قد روي في الأخبار أن داخلا دخل على السيد في غرفة له، فقال له السيد: لقد لعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه

62

الغرفة كذا و كذا سنة، و كان والداي يلعنانه في كل يوم كذا و كذا مرة، ثم قال:

و لكن الرحمة غاصت علي غوصا فاستنقذتني.

و لقد صدق في قوله، لأن من شأن الولد أن ينشأ في الأغلب و الأكثر على مذهب والديه لالفه لهما و تمرنه باستماع ما يقولانه، و لكن اللّٰه تعالى اسمه يوفق من يشاء.

(15)

اين التطرب بالولاء و بالهوى * * * أ الى الكواذب من بروق الخلب

البرق الخلب: الذي لا مطر فيه، و هو مأخوذ من الخلب و الخلاب الذي هو الغدر و الخداع، يقال رجل خلاب و خلبوت بالتاء أي غادر. و الخلب أيضا:

الطير. و الخلب: قلب النخلة. و الخلب: الليف واحده خلبة. و الخلب: القطع، و قد خلبت الشيء أخلبه خلبا، و به سمي المنجل: المخلب، و منه سمي مخلب الطائر. و الخلب: حجاب القلب. و يقال انه يخلب النساء: أي تحبه النساء.

فكأنه قال: إلى أين تذهبون بأهوائكم و ولائكم؟ أ تذهبون الى ما لا محصول له و لا ثمرة فيه و لا نفع يعود منه. و جعل الاعتقاد الذي لا يعود بنفع كالبرق الخلب الذي لا يتعقبه المطر.

(16)

أ إلى أمية أم الى شيع التي * * * جاءت على الجمل الخدب الشوقب

ذكر القبيلة نفسها و أراد أبناءها و من نسلت، و هذا في الكلام المنظوم و المنثور كثير.

63

و أما «الخدب» فهو الضخم، يقولون رجل خدب إذا كان عظيما، و رجل في خدب أي هوج، و هو رجل أخدب. و خدب جمع خدب. و درع خدباء أي واسعة.

و الشوقب: الطويل، يقولون حافر شوقب إذا كان واسعا.

و انما أراد بالتي جاءت على الجمل الذي وصفه: عائشة بنت أبي بكر الصديق فإنها جاءت في يوم الجمل راكبة على جمل هذه صفته.

و قيل ان اسم هذا الجمل «عسكر»، و شوهد من هذا الجمل في ذلك اليوم كل عجب، كلما أنبتت منه قائمة من قوائمه ثبت على أخرى، حتى روى أن أمير المؤمنين نادى: اقتلوا الجمل فإنه شيطان. و ان محمد بن أبي بكر و عمارا (رحمة اللّٰه عليهما) توليا عقره بعد طول زمانه. و روي أن هذا الجمل بقي باركا ضاربا بجرانه سنة لا يأكل منه سبع و لا طائر.

(17)

تهوى من البلد الحرام فنبحت * * * بعد الهدو كلاب أهل الحوأب

إنما قال «تهوى من البلد الحرام» لأنها أقبلت من مكة تريد البصرة.

و تقول العرب: أتانا بعد هدو من الليل، و بعد هدء من الليل، و هدي من الليل- على مثال فعل- أي حين سكنوا، و الجمع هدوء على مثال فعول.

و الحوأب: ماء في الطريق ما بين البصرة و مكة من مياه بني كلاب.

و الحوأب: الوادي الكثير الماء، قال الراجز:

هل لك من شربة بالحوأب * * * فصعدي من بعدها و صوبى

64

و يجوز أن يكون هذا الماء انما سمي بالحوأب للسعة و الكثرة، و قد قيل انما سمي بالحوأب نسبة الى بنت كلب بن وبرة.

و روي أنه لما جاءت عائشة الى هذا الموضوع نبحتها كلاب الحوأب، فقالت عائشة: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. فقالت: ردوني ردوني فاني سمعت رسول اللّٰه يقول «أبصري لا تكوني التي تنبحها كلاب الحوأب».

فقالوا: ليس هذا ماء حوأب، فأبت أن تصدقهم، فجاؤا بخمسين شاهدا من العرب، فشهدوا أنه ليس بماء حوأب، و حلفوا لها، فكسوهم أكسية و أعطوهم دراهم، و كانت هذه أول شهادة زور حدثت في الإسلام (1).

(18)

يحدو الزبير بها و طلحة عسكرا * * * يا للرجال لرأي أم مشجب

معنى «يحدو» يسوق، يقال: حدوته أي سقته، و حداني إليه أي ساقني، و الاسم الحداء.

و انما قال «يا للرجال» بفتح اللام لأنه استغاث بهم، و كسر اللام في قوله «لرأي أم» لأنه المستغاث له.

و الشجب: الهلاك، يقال شجب يشجب شجبا فهو شاجب، و أشجبت زيدا إذا أهلكته.

و الأم هاهنا عائشة، لقول اللّٰه عز و جل «النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ

____________

(1) انظر تفصيل القصة في تاريخ الطبري 4- 456 فما بعد، مروج الذهب 2- 353.