أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

- ابن إدريس الحلي المزيد...
487 /
5

[المقدمة]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد خاتم النبيين، و سيّد المرسلين، و على آله الميامين الطيبين الطاهرين، و على صحبه المنتجبين، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..

و بعد: فهذه الحلقة الثالثة من موسوعة ابن إدريس، و هي تضمّ أجوبة المسائل التي قد أشار إلى بعضها في كتابه السرائر، و أطرى بعضها، خصوصا (كتاب خلاصة الاستدلال على من منع من صحّة المضايقة بالاعتلال) هكذا أسماه في السرائر في باب أحكام قضاء الفائتة من الصلوات فراجع (ج 1) فستجد الإطراء الكثير.

و تعرف رسالته هذه ب(المواسعة و المضايقة)، و له غيرها من المسائل الفقهيّة و هي الغالبة على غيرها، و من هنا نعلم أنّها كانت قبل تأليفه كتاب السرائر، لإحالته فيها عليها، كما فيها من موضوعات المسائل المختلفة ففي

6

العقائد، الفرق بين الناصب و المستضعف من المخالفين، و الخارجي و النصيرية و أحكامهم في الطهارة و النجاسة.

و من موضوعات المسائل المختلفة ما يتعلّق بالرجال و التاريخ، فتجد الترحّم و الترضّي على ابن عباس، كما تجد إطراء الشيخ المفيد و السيّد المرتضى و الشيخ الطوسي و سلّار و ابن البراج و أبي الصلاح الحلبي، إلى غير هؤلاء الأعلام، و من المواضيع المسئول عنها ما يتعلّق بالفيزياء فقد بحث حول رجع الصدى و هو تصادم الصوت بالهواء و تموّجه إلى غير ذلك.

و إذا حقّقنا النظر في منهجيّة المؤلّف في أجوبة المسائل نجده، هو ذلك العالم النحرير الّذي رأيناه في كتابه السرائر، ليس بأقلّ عزيمة و لا أضعف شكيمة، فهو هو باعتداده برأيه، و اعتماده على جهده، و يبدو لي أنّ جميع تلك المسائل لم تكن من المسائل الافتراضية، التي زخرت بها كتب الفروع الفقهيّة عند الأحناف و الشافعية و غيرهم من بقية المذاهب خاصة (1)، بل الكثير منها له واقعية الحدوث، و لا شك أنّ وقوع النازلة ثمّ السؤال عن حلّها له دلالة على الالتزام الديني عند السائل، و الانصياع لأخذ الحكم من المرجع الديني الّذي يراه أهلا للمرجعية.

____________

(1)- لقد جمع بعضهم من الفتاوى الغريبة التي ذكرها السبكي فقط في طبقات الشافعية فحسب فنافت على المائة، و من راجع حاشية البيجوري يجد العجائب و الغرائب ما يفوق حد الوصف، و لا يزال الكتاب محل تدارس و قد أعيدت طبعاته مرارا.

7

أمّا المسائل الافتراضية الوقوع، فقليل شأنها و تهوين بل توهين أمرها، لأنّها سيرة بعض المخالفين، الذين عرف عنهم أنّهم أصحاب أ رأيت إن كان كذا، و أ رأيت إن لم يكن كذا ... و قد نعي عليهم هذا الاسلوب و هذا اللون من الحوار العلمي غير الرصين و لا المتين خصوصا فيما لا يقبل و لا يعقل (1).

أمّا فقهاؤنا الشيعة الاثني عشرية، فلم يكونوا كذلك، بل أنّ أجوبة المسائل التي عندهم، إنّما تعني النوازل التي تمر بالناس في شتى مجالات الحياة من عبادات و معاملات و عقائد و غير ذلك من الموضوعات التي تلامس الحياة، فيفزع السائل فيها إلى أحد الفقهاء، طالبا الحلّ الّذي يعمل بموجبه في نازلته، و بالتالي تلك المسائل و أجوبتها تشكّل رافدا فقهيّا مهمّا يصوّر لنا واقع الحياة و المجتمع في تاريخ النوازل التي تولّدت عنها المسائل، فتنفع الباحثين اجتماعيا و سياسيا و تاريخيا، حيث تحكي نتاج عقول تلاقحت بين السائل و المجيب، في بيئة معيّنة و حقبة معيّنة.

____________

(1)- ذكر البيجوري في حاشيته على شرح ابن القاسم الغزي على متن أبي شجاع 1: 139 الطبعة الثانية ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1420:

(و لو شق ذكره نصفين فأدخل أحدهما في زوجة و الآخر في زوجة أخرى وجب الغسل عليه دونها، و لو أولج أحدهما في قبلها و الآخر في دبرها وجب الغسل عليهما، و لو كان له ذكران أصليان أجنب بكلّ منهما، أو أحدهما أصلي و الآخر زائد فإن لم يتميز فالعبرة بهما معا، و إن تميّز فالعبرة بالأصلي و لا عبرة بالزائد ما لم يسامت ...) و هكذا استمر البيجوري في ذكر الفروع المترتبة على ما ذكره آنفا و كلّها هذيان من وساوس الشيطان، و كم له في كتابه أمثالها.

8

و هي بحق يمكن عدّها من المصادر التي يجب أن يعنى بها المؤرّخون و الباحثون أيضا كما يعنى بها الفقهاء و المحدّثون، لأنّها من الوثائق الأمينة، تجسّد طبيعة الفكر الفقهي لدى الفقيه، و طبيعة التفقّه لدى السائل، كما ينبغي أن تحظى باهتمام الدارسين الاجتماعيين لمعرفة مراحل التطوّر في المجتمع، و معرفة مدى استجابته للنوازل و المتغيّرات، و البحث عن حلولها لدى الفقهاء، و هذا يعني أنّ تطور المجتمع في حاجاته ليس بعيدا في واقعه عن الفقه الإسلامي، و ليس جامدا على قديم الفتاوى، بل للمستحدثات أحكامها.

و أخيرا تبقى أجوبة المسائل هذه ثروة في التراث الفقهي لم تنشر قبل اليوم، لذلك رأيت أن أتولّى تحقيقها بعد أن غفل عنها الكثير من الباحثين، فلم تحظ بعنايتهم كما حظيت السرائر، و لعلّ بعضهم لم يعرف عنها شيئا، لذلك رأيت من الواجب تحقيقها و إصدارها تباعا مع السرائر في موسوعة ابن إدريس.

و إن وفّقنا اللّه سبحانه سنكمل الموسوعة بكتاب التعليقة من التبيان الّذي طبع، و ليته لم يطبع بتلك الصورة التي مسخته، لكثرة الأخطاء في جزئيه زادت على الثمانمائة، و من الفظيع فيها أنّ بينها سبع و ثلاثون آية طبعت خطأ. و هذا ما يحزّ بالنفس، و الحديث عن هذه الطبعة ذو شجون، و قد مرّ مزيد بيان عنها في مقدمة الكتاب مع إثبات فهرس الخطأ و الصواب لتلك الطبعة المسيخة.

و الآن إلى ما يتعلّق بكتابنا هذا مسائل ابن إدريس، فإنّ عدد المسائل فيه (240) مسألة في مختلف فنون المعرفة كما قلنا، و قد ذكره شيخنا خاتمة السلف

9

المرحوم الحجة الشيخ آغا بزرك في كتابه الذريعة فقال: مسائل ابن إدريس للشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس بن الحسين بن القاسم بن عيسى البجلي (كذا) الحلّي المولود 558 (1) و المتوفى 18 شوال 598، و المسائل جمعها تلميذه الشيخ جعفر بن أحمد بن الحسين بن قمرويه الحائري في يوم الأربعاء تسع بقين من رجب 588، و كتب بخطّه عليها أنّها مسائل في أبعاض الفقه، أملاها سيدنا الشيخ الأجل العالم الأوحد السعيد الموفق محمّد ابن إدريس أيّده اللّه بالتأييد على حسب اقتضاء الحاجة إليها، لا يزال موفّقا للخير ....

و في آخره: تمّت المسائل و جواباتها و الحمد للّه، ثمّ ذكر الكاتب اسمه و تاريخه كما مرّ، و كتب بعدها المختصر الّذي في إثبات المضايقة أيضا لابن إدريس كما مرّ بعنوان: (المختصر 20: 175) و رأيت هذه النسخة عند الشيخ محمّد السماوي بنجف (2).

أقول: ما ذكره شيخنا في تاريخ جمع المسائل (في يوم الأربعاء تسع بقين من رجب 588) فيه و هم أيضا، و كذلك ما ذكره في (المختصر: 20/ 175) حيث قال: المختصر في المضايقة للشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن

____________

(1)- هذا من سهو القلم، و قد تقدّم في مقدّمة منتخب التبيان تحقيق ذلك، و أنّ ولادته كانت في سنة 543 أو نحوها، و ما ذكره الشيخ فهو سنة بلوغ ابن إدريس الحلم، فراجع.

(2)- الذريعة: 20/ 330.

10

إدريس العجلي الحلّي المولود 558 (1) و المتوفى 598، و هو مختصر في إثبات المضايقة في قضاء الصلوات. و قال في آخره: (و إذ قد استدللنا على صحّة المضايقة بالأدلّة القاهرة التي يجب على كلّ مصنّف متأمّل الانقياد إليها، فلنستدلّ الآن و نبيّن حدود آخر أوقات الصلوات الخمس على الصحيح من المذهب المعمول عليه عند المحصّلين من الأصحاب).

ثمّ ذكر كثيرا من أخبار الأوقات إلى أن قال: (تمّ المختصر و ما رويته فيه من الأخبار فعن ثلاث طرق: طريق منها عن الشيخ عربي بن الياس ... الطريق الثاني عن محمّد بن عليّ بن شهرآشوب عن جدّه ابن كياكي عن أبي جعفر الطوسي، و الطريق الثالث: عن السيد نظام الشرف ابن العريضي، عن أبي عبد اللّه الحسين بن طحال، عن أبي عليّ الطوسي، و الطريقان الأولان بحق السماع).

ثمّ كتب تلميذه الكاتب للنسخة: (وافق الفراغ من تعليقه عاشر رجب سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة ... كتبه العبد الفقير إلى (رحمه اللّه) ... جعفر بن أحمد بن الحسين بن عمرويه الحائري) رأيت النسخة عند العلّامة الشيخ محمّد السماوي.

أقول: و الصحيح في تاريخ الفراغ ما يلي صورته: (و وافق الفراغ منه يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر اللّه الأصم رجب من شهور سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة. كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربّه و شفاعة نبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) جعفر بن أحمد بن

____________

(1)- هذا من سهو القلم، و قد تقدّم في مقدّمة منتخب التبيان تحقيق ذلك، و أنّ ولادته كانت في سنة 543 أو نحوها، و ما ذكره الشيخ فهو سنة بلوغ ابن إدريس الحلم. فراجع.

11

الحسين بن قمرويه الحائري حامدا للّه مثنيا عليه و مصلّيا على نبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم)) (1).

فعلى هذا لا يمكن تصويب ما جاء في طبقات أعلام الشيعة (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) في صفحة/ 30 ط بيروت، من أنّ الفراغ كان في 10 رجب، كما أنّ الصحيح في اسم جد الكاتب (قمرويه) و ليس (عمرويه) كما مرّ ذكره عن شيخنا (قدّس سرّه) في 20: 175 من الذريعة، و من الغريب ذلك، و أظنّه من سهو القلم مصحفا، كيف لا يكون ذلك و هو (قدّس سرّه) قال في ترجمة الكاتب في الأنوار الساطعة: (و قمرويه: اسم مسجد كان في الجانب الغربي من بغداد على شاطئ دجلة، و لعلّه نسبه إلى (قمر) جزيرة في وسط بحر الزنج كما في معجم البلدان).

و حيث انتهينا من تصحيح بعض سقطات الأقلام، فلنرجع إلى أصل المسائل لنقرأ ما فيها، و حيث كانت النسخة المشار إليها هي الوحيدة الفريدة- فيما أعلم- و قد سقط من أولها بعضها، غير أنّا علمنا بالقرائن أنّها مبدوءة برسالة (خلاصة الاستدلال على من منع من صحّة المضايقة بالاعتلال) و بهذا الاسم ذكرها شيخنا الرازي (قدّس سرّه) في (الذريعة: 7/ 211) و قال: حكى بهذا العنوان عنه الشهيد في (غاية المراد) الإجماع على المضايقة، و أورد جملة من عين ألفاظه، و لكن المصنّف عبّر عنه في آخر الكتاب ب(المختصر) كما يأتي في الميم.

و قد ذكره هناك في 20: 175 كما مرّ نقله.

و قد استقرّت النسخة المشار إليها من المسائل في مكتبة آية اللّه الحكيم

____________

(1)- لاحظ صورة الخط من آخر النسخة المشار إليها.

12

العامة في النجف الأشرف، و هي برقم/ 570 مخطوطات، و أوّلها كما يلي:

13

أجوبة مسائل و رسائل في مختلف فنون المعرفة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[1] [خلاصة الاستدلال على من منع من صحّة المضايقة بالاعتلال]

... عن ما أخذ الشّريعة و الآثار كابرا عن كابر، متّصلا ذلك بالأئمّة الهادين إلى وقتنا هذا، لا يتعاجم فيه اثنان، تطابقا يقطع العذر و يزيل الارتياب، و أدلّة العقول التي لا يدخلها الاحتمال، شاهدة بأنّ الحجة في اجتماعها لدخول معصوم قد دلّ الدليل العقلي على وجوده فيها، و قوله داخل في أقوالها، و لا يلتفت إلى الخلاف الحادث بعد الاجتماع المنعقد لأنّه تقدّمه أو تأخّر عنه، و لأنّ المخالف للإجماع عند محقّقي أصحابنا إذا تعيّن و عرف باسمه و نسبه أو جيله أو حضره بلد، فإنّ الحقّ فيمن عداه ممن لا يعرف بلده و لا نسبه و لا اسمه، لأنّه إذا تعيّن المخالف قطعنا أنّ قول المعصوم الّذي هو عندنا علّة صحّة الإجماع، بخلاف ما يقوله مخالفونا، خارج عنه غير داخل معه، بل قوله موافق لقول غير المعيّنين بالبلدان و الأنساب.

فعلى هذه الطريقة قد تعيّن المخالف للإجماع في هذه المسألة بالبلد و الجنس و الأنساب، لأنّه يقول و يقرّ على نفسه نحن أهل خراسان قد خالفنا في ذلك و ما أجمعنا معكم، الآن فقد تعيّن كما ترى في المقال و إن كان قديمهم موافقا

16

بلا إشكال، كبني بابويه (1) (رحمهم اللّه)، فإنّهم لم يتعرّضوا لخلاف هذه المسألة في تصنيف لهم، و لا أودعوه كتابا.

و الأشعريين (رحمهم اللّه) كسعد بن عبد اللّه (2) صاحب كتاب الرحمة، و كان جليل القدر واسع الرّواية كثير التّصانيف ثقة، و سعد بن سعد الأشعري (3)،

____________

(1)- (و بنو بابويه من بيوتات القميين الذين ذاع صيتهم بالعلم و الفضيلة، و لا يعرف على التحقيق مبدأ سكناهم قم ... و أول من لمع نجمه منهم و شذى طيبه في أرجاء قم و غيرها، هو الشيخ الجليل وجه الشيعة و فقيههم أبو الحسن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه ...) له ترجمة وافية في مقدمة كتاب من لا يحضره الفقيه بقلم سماحة المرحوم آية اللّه السيّد حسن الموسوي الخرسان فراجع 1: 6- 11 ط دار الكتب الإسلامية، نجف و في ص 74 ذكر في عنوان أعلام بيته ما يناهز العشرين علما عالما فراجع تراجمهم هناك.

(2)- هو سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري القمي، أبو القاسم، ثقة جليل القدر، واسع الأخبار، كثير التصانيف، وصفه النجاشي بقوله: شيخ هذه الطائفة و فقيهها و وجهها، كان قد سمع من أحاديث العامة، و سافر في طلب الحديث.

و عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، له كتب منها كتاب الرحمة، و هو يشتمل على كتب جماعة عدّها الشيخ في الفهرست، توفّي يوم الأربعاء لسبع و عشرين مضت من شوال سنة 299 و قيل: 300 و قيل: 301. (شرح مشيخة الفقيه للمرحوم آية اللّه السيّد حسن الموسوي الخرسان (قدّس سرّه): 7- 8 في آخر ج 4 من لا يحضره الفقيه ط دار الكتب الإسلامية نجف).

(3)- سعد بن سعد الأشعري من أصحاب الإمامين الرضا و الجواد (عليهما السلام)، و روى عنهما كتابه (المبوّب) كما في رجال النجاشي، و قد ذكره سيدنا الأستاذ في معجم رجال الحديث 8: 60- 67 ط الأولى في النجف.

17

و محمّد بن عليّ بن محبوب الأشعري القمي (1) صاحب كتاب نوادر المصنّف، و القميين أجمع كعليّ بن إبراهيم بن هاشم (2)، و محمّد بن الحسن بن الوليد (3) و غيرهما لم يزالوا عاملين بالأخبار المتضمّنة للمضايقة، دائنين بها في أديانهم (كذا) مودعوها كتبهم، آحادا كانت أو متواترة، ذاكرين في تصنيفهم أنّه لا يحلّ لأحد ردّ الخبر الموثوق بروايته و إن كان واحدا.

و حفظتهم الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه (4) صاحب

____________

(1)- هو محمّد بن عليّ بن محبوب الأشعري القمي، أبو جعفر، شيخ القميين في زمانه، ثقة عين فقيه صحيح المذهب له كتب و روايات، فمن كتبه (الجامع) و هو يشتمل على عدّة كتب الفقه و أبوابه، ذكرها مفصّلا الشيخ و النجاشي في كتابيهما (شرح مشيخة الفقيه: 105).

و سيأتي له في مستطرفات السرائر، ما استطرفه المصنّف- ابن إدريس (رحمه اللّه تعالى)- من كتابه نوادر المصنفين، فراجع ما ذكرناه هناك حوله سندا و متنا.

(2)- هو عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمي قال النجاشي: (ثقة في الحديث ثبت معتمد، صحيح المذهب سمع فأكثر) و أثنى عليه الطبرسي في أعلام الورى بقوله: (من أجل رواة أصحابنا) و كان من مشايخ الكليني و أكثر الرواية عنه في كتابه الكافي، توفي بعد سنة 307، و بقي من آثاره كتاب التفسير المطبوع مكررا مع جزء من تفسير أبي الجارود، راجع الذريعة 4: 302 تجد تفصيل ذلك.

(3)- محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (أبو جعفر شيخ القميين و فقيههم، و متقدّمهم و وجههم، و يقال: إنّه نزيل قم و ما كان أصله منها، ثقة ثقة، عين مسكون إليه، له كتب منها: كتاب تفسير القرآن، و كتاب الجامع ... مات سنة 343) كذا في رجال النجاشي، و هو من مشايخ الصدوق و أكثر عنه، و تبعه فيما يذهب إليه من آراء في الفقه و الرجال.

(4)- الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه المتوفى سنة 381 ترجمه سماحة المغفور له آية اللّه السيّد حسن الموسوي الخرسان (قدّس سرّه) في مقدّمة كتاب من لا يحضره الفقيه ترجمة وافية في 80 صفحة و هي أوفى ترجمة- فيما أعلم- كتبت عنه، و قد رجع إليها من كتب عن الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) من بعده فراجع.

18

كتاب من لا يحضره الفقيه كان فقيها مبرزا له نحو من ثلاثمائة مصنّف مجمع على فضله، ذكر في كتابه المشار إليه أنّه لا يحلّ ردّ الخبر، أو ما هذا معناه و إن كان من أخبار الآحاد.

و خرّيت هذه الصناعة و رئيس الأعاجم المتقدّم لهم في علم الفقه و الكلام و أصول الفقه، يذكر في كتابه الموسوم ب(العدّة) العمل بأخبار الآحاد إذا كانت عن ثقات طائفتنا، و يضارب عن ذلك و يجعله مذهبا له، و يستدلّ على صحّته.

و أخبار المضايقة في كتب أصحابنا مثبتة لا يخلّ أحد منهم بها أو بعضها، عملوا بظواهرها و دانوا بالفتوى بها، إذ نحن و إياهم متعبّدون بظواهر النصوص لا يصرفنا عنها إلّا الدليل الواضح و البرهان اللائح، و هذه الأخبار المشار إليها هي من الكثرة على حدّ يحصل بمثل عددها من التّواتر و هي أعيان احاديث الأئمّة (عليهم السلام).

فمنها ما أودعه الشّيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في كتابه تهذيب الأحكام، و رواه عن شيخه أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، و الحسين بن عبد اللّه، و أحمد بن عبدون، كلّهم عن أحمد بن محمّد بن الوليد، عن أبيه، عن الحسن بن الحسين بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها فقال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإن دخل وقت صلاة و لم يتمّ ما قد فاته، فليقض ما لم يتخوّف بأن يذهب وقت

19

هذه الصلاة التي قد حضرت، و هذه أحقّ بوقتها فليصلّها، فإذا قضاها فليصلّ ما قد فاته ممّا قد مضى، و لا يتطوّع بركعة حتى يقضي الفريضة

(1)

.

و عنه عن محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألته عن رجل نسي الظّهر حتى دخل وقت العصر، قال: تبدأ بالظّهر و كذلك الصّلوات، و تبتدئ بالتي نسيت، إلّا ان تخاف أن يخرج وقت الصلاة، فتبدأ بالّتي أنت في وقتها، ثمّ تقضي التي نسيت

(2)

.

و عنه عن ابن أبي جيد القمّي، عن محمّد بن الحسين، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن أبي جعفر قال: إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فإن كنت تعلم إذا صلّيت التي فاتتك كنت من الأخرى في وقت، فابدأ بالّتي فاتتك فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول:

وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (3)

و إن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك فاتتك التي بعدها، فابدأ بالتي أنت في وقتها و اقض الأخرى

(4)

.

____________

(1)- تهذيب الأحكام 2: 266.

(2)- نفس المصدر 2: 268.

(3)- طه: 14.

(4)- تهذيب الأحكام 2: 268.

20

و بهذا الاسناد عن الحسين بن سعيد، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن الحلبي قال: سألته عن رجل نسي أن يصلّي الأولى حتى صلّى العصر، قال:

فليجعل صلاته الّتي صلّى الأولى ثمّ ليستأنف العصر، قال: قلت: نسي الأولى و العصر جميعا، ثمّ ذكر عند غروب الشمس، فقال: إن كان في وقت لا يخاف فوت أحدهما فليصلّ الظهر ثمّ ليصلّ بعد ذلك العصر، و إن هو خاف أن يفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخّرها فتفوته فتكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها، ثمّ ليصلّ الأولى بعد ذلك على أثرها

(1)

.

و عنه، عن الشيخ أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النّعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي الظّهر حتى غربت الشّمس و قد كان صلّى العصر فقال: كان أبو جعفر- أو كان أبي (عليهما السلام)- يقول: إذا أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، و إلّا صلّى المغرب ثمّ صلّاها

(2)

.

و بهذا الإسناد عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن الوشاء، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى

____________

(1)- تهذيب الأحكام 2: 269.

(2)- نفس المصدر 2: 269.

21

فقال: إذا نسي الصّلاة أو نام عنها صلّى حين يذكرها، فإن ذكرها و هو في صلاة بدأ بالتي نسي، و إن ذكرها و هو مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة، ثمّ صلّى المغرب، ثمّ صلّى العتمة بعد، فإن كان صلّى بالعتمة وحده فصلّى منها ركعتين ثمّ ذكر أنّه نسي المغرب أتمّها بركعة، فيكون صلاة المغرب ثلاث ركعات ثمّ يصلّي العتمة بعد ذلك

(1)

.

و بهذا الإسناد عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أمّ قوما في العصر، فذكر و هو يصلّي أنّه لم يكن صلّى الأولى قال: فليجعلها الأولى الّتي فاتته و يستأنف بعدها صلاة العصر، و قد قضى القوم صلاتهم

(2)

.

الطاطري، عن محمّد بن زياد، عن حماد، عن عمرو بن يحيى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يصلّي على غير القبلة، ثمّ تبيّنت له القبلة و قد دخل في وقت صلاة أخرى قال: يعيدها قبل أن يصلّي هذه التي قد دخل وقتها

(3)

.

عنه، عن محمّد بن زياد، عن حماد بن عثمان، عن معمر بن يحيى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى على غير القبلة، ثمّ تبيّن له القبلة و قد دخل وقت صلاة أخرى، قال: يصلّيها قبل ان يصلّي هذه التي دخل وقتها إلّا أن يخاف فوت

____________

(1)- تهذيب الأحكام 2: 269.

(2)- نفس المصدر 2: 269.

(3)- نفس المصدر 2: 46.

22

التي دخل وقتها

(1)

.

و عنه، عن أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النّعمان، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمّد ابن قولويه القمّي، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلّيها أو نام عنها فقال:

يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصّلاة و لم يتم ما قد فاته، فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصّلاة التي قد حضرت، و هذه أحق بوقتها فليصلها، فإذا قضاها فليصلّ ما قد فاته، و لا يتطوّع بركعة حتى يقضي الفريضة كلّها

(2)

.

و بهذا الإسناد عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء، و كان عليك قضاء صلوات، فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها ثمّ صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة.

قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): و إن كنت قد صلّيت الظّهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها، فصلّ أيّ ساعة ذكرتها و لو بعد العصر، و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها.

____________

(1)- تهذيب الأحكام 2: 46.

(2)- نفس المصدر 2: 266.

23

و قال: إن نسيت الظّهر حتى صلّيت العصر، فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى، ثمّ صلّ العصر فإنّما هي أربع ركعات مكان الأربع.

فإن ذكرت أنّك لم تصلّ الأولى، و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين، فصلّ الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر.

و إن كنت ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتى دخل وقت المغرب، و لم تخف فواتها فصل العصر ثمّ صلّ المغرب.

و إن كنت قد صلّيت المغرب فقم فصلّ العصر.

و إن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين، ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر ثمّ سلّم ثمّ صلّ المغرب.

و إن كنت قد صلّيت العشاء الآخرة و نسيت المغرب فقم فصلّ المغرب.

و إن ذكرتها و قد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة، فانوها المغرب ثمّ سلّم، ثمّ قم فصلّ العشاء الآخرة.

و إن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صلّيت الفجر، فصلّ العشاء الآخرة، و إن ذكرتها و أنت في ركعة أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء، ثمّ قم فصلّ الغداة و أذّن و أقم.

و إن كانت المغرب و العشاء الآخرة قد فاتتك جميعا فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثمّ العشاء الآخرة، فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت

24

بهما، فابدأ بالمغرب ثمّ بالغداة ثمّ صلّ العشاء الآخرة.

و إن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب، فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة، ابدأ بأوّلهما لأنّهما جميعا قضاء، أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلّا بعد شعاع الشمس.

قال: قلت: لم ذلك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوته

(1)

.

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في مسائل الخلاف (2): جاء هذا الخبر مفسّرا للمذهب كلّه، فأمّا ما تضمّنه من أنّه إذا فرغ من العصر و ذكر أنّ عليه ظهرا فليجعلها ظهرا، فإنّما هي أربع ركعات مكان أربع، محمول على أنّه إذا قارب الفراغ منها، لأنّه لو كان انصرف عنها بالتسليم لما صحّ نقل النيّة فيها.

فتأمّل أرشدك اللّه هذا الحديث فانّه قال الشيخ (رحمه اللّه) الا ترى أنّه متبنّيا لوقت القضاء و دالّ على وجوب التّرتيب فيه، و وجوب عدول المصلّي بنيّته إلى الفائت من الصّلوات و قد دخل في الحاضرة، فلو كان الوقت الأوّل أو الثاني أو الثالث وقتا للحاضرة لما وجب العدول إلى الفائتة بنيّته، بل كان الواجب المضيّ فيها من غير عدول إلى نيّة يخالف ما قد أخذ فيه،

لقولهم (عليهم السلام): «الصلاة على ما افتتحت

____________

(1)- تهذيب الأحكام 3: 158.

(2)- الخلاف 1: 136 المسألة/ 139 ط الثانية مطبعة رنكين في طهران سنة 1377 ه. و 1: 386 ط مؤسسة النشر الإسلامي.

25

عليه»

(1) و لا خلاف بين أصحابنا في وجوب النيّة و العدول إلى الفائتة، و انّه إذا لم يعدل بنيّته إلى الفائتة لم يصحّ المؤدّاة المأخوذ عنها، فلو لا أنّه وقت لغيرها لصحّت فيه.

و الّذي ينبّهك على ذلك ما أورده السيد المرتضى قدّس اللّه روحه جوابا عن مسألة من المسائل الرسيّات- و هي مشهورة و كان سائلها (2) مدقّقا عالما فقيها حاذقا ملزما لخصمه، محتجا عليها بما لا يكاد يتفصّى منه، إلّا من كان في درجة السيّد المرتضى- يدلّ على ذلك مسألة السائل (3):

إذا كان صحّة العبادة تفتقر إلى نيّة التعيين و إلى إيقاعها للوجه الّذي شرّعت له من وجوب أو ندب على جهة القربة بها إلى اللّه تعالى و الإخلاص له

____________

(1)- في تهذيب الأحكام 2: 197 ح 776 بلفظ: (قال سألت أبا عبد اللّه عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن انّها نافلة، أو قام في النافلة فظن أنّها مكتوبة، فقال: هي على ما افتتح الصلاة عليه) و لم أقف على لفظ ما في المتن إلّا في الكتب الفقهية كالمختلف و المنتهى و النهاية للعلّامة و الذكرى للشهيد الأوّل و جامع المقاصد للمحقق الكركي و الروض و المسالك للشهيد الثاني و غيرها، نعم ورد في عوالي اللئالي 1: 205 و أحسبه نقلا بالمعنى، و ان و هم غير واحد في تخريجه عن الوسائل في الباب الثاني من نية الصلاة مع أنّ الذي فيها ما ذكرته عن التهذيب.

(2)- هو الشريف السيّد أبو الحسين المحسّن بن محمّد بن الناصر الحسيني الرسّي، و يكفينا في الدلالة على تعريف فضله ما كتبه السيّد الشريف المرتضى (قدّس سرّه) في أول جوابه على المسائل الرسيّات، من وصفها دالة على حسن تدبّر و جودة تبحر و أنس ببواطن العلوم و دفائنها و كوامنها، و لم يقصر ثناء الشيخ ابن إدريس عليه عن ذلك فلاحظ المتن.

(3)- لقد قابلنا ما في المتن على نسخة من أجوبة المسائل المذكورة بخط المرحوم الشيخ السماوي (قدّس سرّه).

26

في حال ابتدائهما، و اتّفق العلماء بالشّرع على وجوب المضيّ فيما له هذه الصّفة من العبادات بعد الدّخول فيها، و قبح إعادتها إذا وقعت مجزية، لكون ذلك ابتداء عبادة و لا دليل عليهما، فما الوجه فيما اتّفقت الطائفة الإمامية على الفتوى به من نقل نيّة من ابتداء بصلاة حاضرة في أوّل وقتها إلى الفائتة حين الذّكر لها؟

فإن كان قد صلّى بعض الحاضرة و فيه نقض ما حصل الاتّفاق عليه من وجوب المضيّ في الصّلاة بعد الدّخول فيها بالنيّة لها و عقدها بتكبيرة الإحرام، و خلاف لوجوب تعيين جملة العبادة بالنيّة، و مقتض لكون الصلاة ركعتين من فريضة الظّهر الحاضرة المعيّنة لها مجزية عن صلاة الغداة الفائتة من غير تقدّم نيّة لها و هذا عظيم جدا.

فأجاب السيّد المرتضى بأن قال: اعلم أنّ النيّات غير مؤثّرة في العبادات الشرعيّة صفات يحصل عنها كما نقوله في الإرادة أنّها مؤثرة و كون الخبر خبرا، و كون المريد مريدا، و هو الصّحيح على ما بيّناه في كتبنا، لأنّ قولنا: خبرا يقتضي تعلّقا بين الخطاب و بين ما هو خبر عنه، و ذلك التعلّق لا بدّ من كونه مستندا إلى صفة تقتضيه اقتضاء العلل، و قد دللنا على ما أغفل المتكلّمون إيراده في كتبهم، و تحقيقه من الدّلالة في أنّ كون الخبر خبرا يقتضي تعلّقا بالمخبر عنه، و أنّ المرجع بذلك لا يجوز أن يكون مجرّد كون المريد مريدا لكونه خبرا، بل لا بدّ من تعلّق مخصوص في مسألة مفردة أمليتها، تختص هذا الوجه.

و دليلنا فيها على ذلك: بأنّ الخبر لو لم يكن متعلّقا على الحقيقة بالمخبر عنه

27

على صفة اقتضت هذا التعلّق، لم يكن في الأخبار صدق و لا كذب، لأنّ كونه صدقا يفيد تعلّقا مخصوصا، و كونه كذبا يقتضي نقيض ذلك التعلّق، فلو لم يكن هناك تعلّق حقيقي لما انقسم الخبر إلى الصدق و الكذب، و قد علمنا انقسامه إليهما، و ليس في العبادات الشّرعية لها ما يحصل بالنيّة الّتي هي إرادة مخصوصة على صفة، و إنّما تتعيّن بالنيّة أحكام هذه العبادات، و يسقط بها عن الذمّة ما كان غير ساقط، و يجزى ما كان لولاها لا يجزي، و هذه إشارة منّا إلى أحكام مخصوصة، لا إلى صفات خاصّة لهذه العبادات.

فإذا قال الفقيه: إنّ النيّة تعيّن صفات العبادات، فإنّما يشير إلى هذه الأحكام الّتي ذكرناها، لأنّك لو استفسرته عن مراده لما فسّره إلّا بذكر هذه الأحكام التي ذكرناها.

و الّذي يبيّن ما ذكرناه: أنّ النيّة لو أثّرت في العبادات صفة مقتضاه عنها، لوجب أن تؤثّر ذلك قبل العبادة بهذه الشّرعيات، لأنّ المؤثّر في نفسه لا يتغيّر تأثيره، و قد علمنا أنّ مصاحبة هذه النيّة للعبادة قبل الشّرع لا حكم لها و لا تأثير، فصحّ ما نبّهنا عليه، و إذا صحّت هذه الجملة التي عقدناها زال التعجّب من نقل النيّة عن أداء الصّلاة الحاضر وقتها إلى غير وقتها إلى قضاء الفائتة، لأنّ ما صلّاه بنيّة الأداء لم يخلص على صفة لا يجوز انقلابه عنها.

و انّما قيل له: إذا دخلت في صلاة حضر وقتها فانو أداءها و استمرّ على ذلك إلى آخرها، ما لم تذكر أنّ عليك فائتة، فإن ذكرت فائتة فانقل نيّتك إلى

28

قضاء الفائتة، و هو إذا كان في بقيّة من صلاته يمكنه الاستدراك، لأنّ الصلاة انّما يثبت حكمها بالفراغ من جميعها، لأنّ بعضها معقود ببعض، فهو إذا نقل نيّته إلى قضاء الفائتة صارت الصلاة كلّها قضاء للفائتة لا أداء للحاضرة، لأنّ هذه أحكام شرعية يجب إثباتها بحسب أدلّة الشّرع.

و إذا كان ما رتّبناه هو المشروع الّذي أجمعت الفرقة عليه، وجب العمل به، و اطّراح ما سواه، و غير مسلّم ما مضى في أثناء الكلام من حصول الاتفاق على وجوب المضيّ في الصّلاة بعد الدخول بها بالنيّة، لأنّا نقسّم ذلك على ما فصّلناه، و لا نوجب المضيّ في الصّلاة على كلّ حال، و غير مسلّم أيضا أنّ الركعتين اللّتين دخل فيهما و نوى أداء الظهر ثمّ نقل نيّته قبل الفراغ فيها إلى قضاء الفائتة من صلاة الفجر لمّا ذكرناه، أنّ الركعتين تكونان من الظهر، بل إنّما تكونان من الظّهر إذا لم تتغيّر النيّة و استمرّت على الحالة الأولى.

و لا عجب من أن تقع هاتان الركعتان عن قضاء الفجر لما نقل نيته إلى ذلك، و إن كانت النيّة لم تتقدّم في افتتاح الصّلاة، لأنّها و إن تأخّرت فهي مؤثّرة في كون تلك الصّلاة قضاء و إخراجها من أن تكون أداء، لأنّا قد بينّا أنّ ذلك إشارة إلى أحكام شرعية يجب إثباتها و نفيها بحسب الأدلّة الشرعيّة.

و ليس يجب أن يتعجّب مخالفونا من مذهبنا هذا و هم يروون عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: «من ترك صلاة ثمّ ذكرها فليصلّها وقت ذكره لها فذاك وقتها» (1) و إن

____________

(1)- جواهر الكلام 13: 84 نقلا عن أجوبة المسائل الرسيات للمرتضى. فليصلّها إذا ذكرها.

29

كان وقت الذّكر متعيّنا لقضاء الفائتة، فكيف يصلّي فيه صلاة أخرى في غير وقتها، و الوقت المضروب لصلاة الظّهر و إن كان واسعا، فإنّه إذا ذكر في أوّله و قبل تضيّقه فوت صلاة قبلها خرج ذلك الوقت عند الذكر من أن يكون وقتا للظّهر و خلص الوقت لقضاء الفائتة.

و لهذا نقول: انّه إذا تضيّق وقت الصلاة الحاضرة و لم يتسّع إلّا لأدائها، لم يجز أن يقضي فيه الفائتة و خلص لأداء الحاضرة، لئلّا تفوت الحاضرة و تلحق بالماضية و كان مالك ... (1) لترتيب الصّلاة الفائتة على الحاضرة، يذهب إلى أنّه متى ذكر في آخر وقت صلاة حاضرة أنّه قد فاتته أخرى قبلها بدأ بقضاء الفائتة، و إن فاتته الحاضرة، و خالف باقي الفقهاء في ذلك، فإن كان عجب، فليكن من مالك، لأنّه بصيرورته للترتيب أوجب قضاء الماضية و إن فاتته الحاضرة ... (2)،

إلى هاهنا ألفاظ السيّد بعينها.

ألا ترى إلى قول القائل و إقراره بأنّ الإماميّة اتّفقت على الفتوى بنقل نيّة من ابتدأ بصلاة حاضرة في أوّل وقتها إلى الفائتة إلى حين الذّكر لها، و إن كان قد صلّى بعض الحاضرة، و إلزام السيّد و إقراره عليه.

و قوله هو المشروع الّذي اجتمعت الفرقة المحقّة عليه، يدلّ على نفي الخلاف في ذلك، و الخبر المقدّم ذكره يصرّح بأنّ صلاة الأداء لا تصحّ ممن

____________

(1)- في المتن و في الرسيات نسخة السماوي كلمة (حراسه) و لعلّها جرايته بمعنى ما يجري عليه.

(2)- بياض في الأصل بمقدار كلمة (و لعلّه فالعجب منه).

30

عليه صلوات فائتة إلّا في آخر الوقت، بحيث ما إذا اشتغل بغيرها فاتته و خرج وقتها، و هذا الخبر مشهور في روايات أصحابنا، و مودع في تصانيفهم، و جميع رواته فقهاء معروفون بالصّلاح و العلم، و أكثرهم مصنّفون، و ما هذه صفته من الأخبار لا ريب في مخبره عند من قال بأخبار الآحاد و عمل بها إذا كانت من عدول طائفتنا.

و اعلم انّ الّذي ورد من الأخبار في هذا المعنى أكثر من أن يحصى، و فيما أوردناه هاهنا كفاية.

و أنت إذا انصفت و تأمّلت هذه الأخبار بعين الإنصاف، وجدتها سائرها دالّة على أنّه إن كان الوقت واسعا يجب أن تبدأ بالفائتة، و إن كان ضيّقا وجب الابتداء بالحاضرة، و ليس بين الوقتين وقت يكون الإنسان مخيّرا.

فإن قيل: هذه أخبار آحاد، قيل له: فبمثل عدد هذه الأخبار استدلّ الشيخ (رحمه اللّه) على تحريم ذبائح أهل الكتاب.

و قال ما هذا حكايته: فهذه جملة ممّا ورد عن أئمة آل محمّد (عليهم السلام) في تحريم ذبائح أهل الكتاب، و قد ورد من الطّريق الواضح بالأسانيد المشهورة، و هو عن جماعة ممثلهم في السّر و الدّيانة و الثّقة و الحفظ و الأمانة، يجب العمل، و بمثله في العدد يتواتر الخبر، و يجب العمل لمن تأمّل و نظر.

ألا ترى إلى ذهاب من انتمت رئاسة الإماميّة إليه في وقته، المقدّم في سائر العلوم بانّه يحصل التّواتر بمثل عدد هؤلاء الرواة، و السيّد المرتضى (قدّس سرّه) سلطان

31

هذه الصّناعة و تقدّمه و فضله غير مجهول، قال في المسائل الرّسيّات و هي مشهورة معروفة لهم في حدّ التواتر، و لمن يحصّل ما تقرّر من كلام الشيخ المفيد و هو: و ليس من شرط الخبر المتواتر أن يكون رواته متباعدي الدّيار، مختلفي الآراء و الأقطار، لا يحصرهم بلد و لا يحصيهم عدد، على ما مضى في المسألة على ما يظنه من لا خبرة له، لأنّ التّواتر قد يحصل بأهل بلد واحد، بل بأهل محلّة واحدة، مع اتفاق الآراء و الأوطان و اختلافها، فلا معنى لاعتبار ذلك، و لا تأثير في الحكم المطلوب له (1). هذه ألفاظه بعينها.

ألا تراه قد حكم بتواتر خبر من هذا عدده- و من بحره اغترف هذا الفن، و هو أسّه و معدنه- و أنت إذا استقريت كتب المشهورين من فقهاء الطائفة المصنّفة على جهة الفتاوي المحرّرة من الأسانيد و الكتب المسندة التي ذكروا فيها الأسانيد على كلّ مسألة، وجدتها خالية من الخلاف فيما قطعنا على صحّته، و أوجبنا العمل به و تيقّنا إجماع الطائفة عليه.

فمن جملتهم: الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان رضي اللّه عنه ذكر في كتابه الّذي وسمه بالرسالة المقنعة، في أحكام فوائت الصلاة ما هذا صورته:

و من فاتته صلاة بخروج وقتها، قضاها كما فاتته و لم يؤخّرها، إلّا أن يمنع منه تضيّق وقت فرض ثان عليه (2).

____________

(1)- في المسائل الرسيّات المسألة السابعة نسخة مصوّرة عن خط المرحوم الشيخ السماوي.

(2)- المقنعة: 53 ط حجرية سنة 1274 ه.

32

فجعل القضاء مستغرقا لجميع الأوقات إلّا وقتا يغلب في ظنّه أنّه من تشاغل بالقضاء خرج وقت الأداء و صار قضاء، و هذا الشيخ كان من جلّة أصحابنا و حذّاقهم و مبرّزيهم في الكلام و الفقه و أصوله.

و مما يضحك الثكلى و هم من يقول: إنّ الشيخ المفيد ما يدلّ كلامه في المقنعة على وجوب المضايقة، و هذا من قائله يدلّ على قلّة تأمّله و غفلته و ذاك: أنّ المفيد قد أورد في جواب أهل الحائر لما سألوه عن سهو النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ما أنا حاكيه و هو:

فصل، و الخبر المروي أيضا في نوم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فلما استيقظ صلّى ركعتين، ثمّ صلّى صلاة الصّبح، من جنس الخبر عن سهوه في الصلاة، و إنّه من أخبار الآحاد الّتي لا يوجب علما و لا عملا، و من عمل عليه فعلى الظنّ يعمل في ذلك دون اليقين، و قد سلف قولنا في حظر ذلك ما يغني عن إعادته في هذا المكان، مع أنّه يتضمّن ما عليه عصابة الحقّ، ألا ترى أنّهم لا يختلفون في أنّه من فاتته صلاة فريضة، فعليه أن يقضيها في أيّ وقت ذكرها من ليل أو نهار ما لم يكن الوقت مضيّقا لصلاة فريضة حاضرة، و إذا حرم على الإنسان أن يؤدّي فريضة قد دخل وقتها ليقضي فرضا قد فاته، كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض أولى (1).

هذا الفصل لفظه بعينه، ألا ترى إلى قوله: يتضمّن خلاف ما عليه عصابة الحقّ، و إقراره بأنّهم مجمعون على القول بالمضايقة، و نعوذ باللّه من صدّ الفهم

____________

(1)- راجع مسألة عدم سهو النبيّ ص 27 في ج 10 من سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد.

33

و التّخييل و التلبيس على الناس.

و منهم السيد المرتضى أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوي قدس اللّه روحه، فإنّه أورد في كتابه المعروف بالمصباح في أحكام الشّريعة في أحكام فوائت الصّلاة ما هذا جملته:

فقال: كلّ صلاة فاتت إمّا بالنسيان أو غيره من الأسباب، فيجب قضاؤها في حال الذكر لها في سائر الأوقات، إلّا أن يكون آخر وقت فريضة حاضرة يغلب فيه على ظنّ المصلّي أنّه متى شرع في قضاء الفائتة خرج الوقت و فاتت الصّلاة الحاضر وقتها، فيجب أن يبدأ بالحاضرة و تعقّب بالماضية، و متى لم يخش ضيق الوقت الحاضر عن قضاء الماضية فصلاة الوقت، وجب تقديم الماضية و تقديم الوقت، و التّرتيب واجب في قضاء الصّلوات، أن يبدأ بقضاء الأوّل فالاوّل، فإن اتّسع الوقت لقضاء جميع الفوائت و خشي فوت صلاة الوقت بدأ بما يتّسع له الوقت في القضاء على الترتيب، ثمّ عقّب لصلاة الوقت و أتى بعد ذلك بباقي القضاء (1).

هذه ألفاظه بعينها في المصباح.

و أجاب أيضا و قد سأله الشريف أبو الحسن المحسّن بن محمّد بن الناصر الحسيني الرسّي (رحمه اللّه) في جملة مسائله المنسوبة إليه بالرسيّات و انا أورد السّؤال ليقع

____________

(1)- المصباح للسيّد المرتضى لم أقف عليه فعلا.

34

الجواب موقعه:

إذا كان إجماعنا يستقلّ بوجوب تقديم الفائت من فرائض الصّلوات على الحاضر منها إلى أن يبقى إلى وقته مقدار فعله، فما القول فيمن صلّى فرضا حاضرا في أوّل وقته أو ثانيه و عليه فائت، أو يجزيه ذلك مع كونه مرتكبا للنّهي؟ أو يجب عليه إعادة الصّلاة في آخر الوقت؟

فإن كان مجزيا فما فائدة قولهم (عليهم السلام): لا صلاة لمن عليه صلاة؟ و كيف يكون مجزية مع كونه مرتكبا للنّهي بفعلها في آخر وقتها قبل القضاء؟ و إن كانت غير مجزية فكيف حكم بفسادها و قد أوقعها مكلّفها بنيّتها المخصوصة، و أتى بجميع أحكامها و شروطها في وقت يصحّ فعلها فيه بإجماع، فإعادتها بعد فعلها على هذا الوجه يحتاج إلى دليل، و لا أعلم دليلا؟

و ما حكم من عليه صلوات كثيرة لا يمكن قضاؤها إلّا في زمان طويل اشتغل بقضائها في جميع زمانه إلّا آخر وقت الفريضة الحاضرة، فذلك يقطعه عن التعيّش و سدّ الخلّة، و يمنعه من النوم و غيره، و إن كان مباحا له التّشاغل بسدّ الخلّة و حفظه الحياة بالرّاحة بالنوم مع تعلّق فرض القضاء بذمّته، فهل مباح له ما خرج عن ذلك و زاد عليه ما هو مستغن عنه في الحال؟ أم لا يجوز التّشاغل بما زاد على ما يحفظه به حياته و حياة من يجب عليه القيام به من لباس و غذاء، و ما حكم فرض يوم و ليلته في زمان إباحة النّوم و التعيّش في أوّل وقته مع ما عليه من الفوائت؟ أم يؤخّرها إلى آخر وقته و إن كان متشاغلا عنه بالمكسب؟ و هل يجوز

35

لمن عليه فرائض فائتة غير الصّلاة أن يبتدئ بما خوطب به من جنسها؟ أم حكم سائر الفرائض حكم الصّلاة في وجوب التقديم على الحاضر؟

الجواب و باللّه التوفيق:

اعلم أنّ من صلّى فرضا حاضر الوقت في أول وقته أو قبل تضيّق أدائه و عليه فريضة صلاة فائتة، فإنّه يجب أن يكون ما فعله غير مجز عنه، و أنّه يجب عليه إعادة تلك الصلاة في آخر وقتها، لأنّه منهيّ عن هذه الصلاة، و النّهي يقتضي الفساد و عدم الإجزاء، و لأنّ هذه الصّلاة مفعولة في غير وقتها المشروع لها، لأنّه إذا ذكر أنّ عليه فريضة فائتة، فقد تعيّن عليه بالذكر أداء تلك الفائتة في ذلك الوقت بعينه، فإذا صلّى في هذا الوقت غير هذه الصلاة، كان مصلّيا لها في غير وقتها المشروع لها، فيجب عليه الإعادة لا محالة.

و أمّا ما مضى في الكلام من القول بأنّ وجوب الإعادة يحتاج إلى دليل فقد ذكرنا الدليل على ذلك، و لا نسلّم أنّه أوقع هذه الصلاة على جميع شرائطها المشروعة في وقت يصحّ فعلها فيه، لأنّه من شرط هذه الصلاة مع ذكر الفائتة أن تؤدّى بعد قضاء الفائتة، فالوقت الّذي أدّاها فيه وقت لم يضرب لها الآن، و إن كان يصحّ أن يكون وقتا لها لو لم يذكر الفائتة، و هذا ما لا شبهة فيه للمتأمّل.

و أما المسألة الثانية فالواجب على من عليه صلوات كثيرة لا يمكنه قضاؤها إلّا في زمان طويل، أن يقضيها في كلّ زمان إلّا في وقت فريضة حاضرة يخاف فوتها متى تشاغل بالقضاء، فيقدّم أداء الحاضرة حتى يعود إلى

36

التشاغل بالقضاء، فإن كان محتاجا إلى تعيّش ليسدّ به جوعته و ما لا يمكنه به دفعه من خلّته، فإنّ ذلك الزّمان الّذي يتشاغل فيه بالتعيّش مستثنى من أوقات القضاء، كما استثنينا منها زمان الصّلاة الحاضرة، و لا يجوز له الزّيادة على مقدار الزمان الّذي لا بدّ منه في طلب ما يمسك الرّمق، و إنّما أبحنا له العدول عن القضاء الواجب لضرورة التعيّش، فيجب أن يكون ما زاد عليها غير مباح.

و حكم من عليه فرض نفقته في وجوب تحصيلها كحكم نفقته في نفسه، فأمّا فرض يومه و ليلته في زمان التعيّش فلا يجوز له أن يفعله في آخر الوقت كما قلناه من قبل، فإنّ الوجه في ذلك لا يتغيّر بإباحة التعيّش، فأمّا النوم فيجري ما يمسك الحياة به منه في وجوب التشاغل به مجرى ما يمسك الحياة من الغذاء و تحصيله، و أما الفرائض الفائتة غير الصّلاة، فليست جارية مجرى الفائت من الصّلاة في تعيّن وقت القضاء.

ألا ترى أنّ من فاته صيام أيّام من شهر رمضان، فإنّه مخيّر في تقديم القضاء و تأخيره إلى أن يخاف هجوم شهر رمضان الثاني، فيتضيّق عليه حينئذ القضاء، فيجوز لمن عليه صيام أيّام من شهر رمضان أن يصوم نذرا عليه، أو يصوم عن كفارة لزمته، و لو صام نفلا أيضا لجاز، و إن كان مكروها، و ليس كذلك الصّلاة الفائتة، لأنّ وقت الذكر لها تعيّن في فعلها بشرط أن لا يقتضي فوت صلاة حاضر وقتها (1).

____________

(1)- المسائل الرسيات 222/ أ- 223/ ب.

37

ألا ترى إلى إقرار السائل بأنّ الإجماع مستقر بوجوب تقديم الفائت من الصّلوات، و أنّ من صلّى فرضا حاضرا في أوّل وقته أو ثانيه و عليه فائت يكون مرتكبا للنّهي، و موافقة السيّد له على ذلك و فتياه بالمضايقة و تشديده فيها، و هو مجمع على فضله، متوحّد في الفقه و أصوله، و مذهبه معروف، في ترك القياس و اطّراح العمل بأخبار الآحاد، و ما كان يودع كتبه، و لا يفتي في الأحكام الشرعية إلّا بما علم إجماع الطائفة عليه، و قاده الدليل إليه.

و منهم الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي رضي اللّه عنه ذكر في كتابه المعروف بالنهاية في باب قضاء ما فات من الصّلوات فقال: من فاتته صلاة فريضة فليقضها حين يذكرها أيّ وقت كان، ما لم يكن وقت صلاة فريضة حاضرة قد تضيّق وقتها، فإن حضر وقت صلاة و دخل فيها في أوّل وقتها، ثمّ ذكر أنّ عليه صلاة عدل بنيّته إلى ما فاته من الصلاة ثمّ استأنف الحاضرة.

مثال ذلك: أنّه إذا فاته صلاة الظّهر فإنّه يصلّيها ما دام يبقى من النّهار بمقدار ما يصلّي فيه الظهر و العصر، يبدأ بالظّهر ثمّ يعقّبه بالعصر، فإن لم يبق من النّهار إلّا مقدار ما يصلّي فيه العصر بدأ به، ثمّ قضى الظّهر (1).

و ذكر أيضا في كتابه الموسوم بالمبسوط (2) ما يلائم ما ذكره في النهاية.

____________

(1)- النهاية: 125- 126.

(2)- المبسوط 1: 126.

38

ثمّ قال: و من فاتته صلوات كثيرة و تحقّقها، قضاها كما فاتته، يبدأ بالأوّل فالاوّل حتى يقضيها كلّها، سواء دخل في حدّ التكرار أو لم يدخل.

ثمّ قال: و متى كانت عليه صلوات كثيرة، فإنّه يقضي أولا فأولا، فإذا تضيّق وقت صلاة فريضة حاضرة قطع القضاء و صلّى فريضة الوقت ثمّ عاد إلى القضاء على التّرتيب (1).

و ذكر أيضا في كتابه مسائل الخلاف فقال: من فاتته صلوات حتى خرجت أوقاتها، فعليه أن يقضيها على التّرتيب الّذي فاتته، الأولى فالأولى، قليلا كان ما فاته أو كثيرا، دخل في حدّ التّكرار أو لم يدخل، فإن ذكر في غير وقت صلاة حاضرة قضاها و لا مسألة، و إن ذكرها و قد دخل وقت صلاة أخرى، فإنّه يبدأ بالفائتة ما لم يتضيّق وقت الحاضرة، و هو أن لا يبقى من الوقت إلّا مقدار ما يصلّي فيه الحاضرة، فإذا كان كذلك بدأ بالحاضرة ثمّ بالفائتة.

و إن دخل في أول الوقت في الحاضرة ثمّ ذكر أنّ عليه صلاة أخرى، و قد صلّى منها ركعة أو ركعتين أو أكثر، فلينقل نيّته إلى الفائتة ثمّ يصلّي بعدها الحاضرة- و ذكر اختلاف الفقهاء المخالفين لنا- ثمّ قال: دليلنا إجماع الفرقة فإنّهم لا يختلفون في ذلك (2).

فكان حجّته العظمى على خصمه الإجماع، و قوله لا يختلفون في ذلك

____________

(1)- المبسوط 1: 127.

(2)- الخلاف 1: 134- 135، الطبعة الثانية مطبعة رنكين سنة 1377 ه.

39

مشعر بنفي الخلاف جملة، لأنّ عادته في هذا الكتاب انّه إذا استدلّ على مسألة فيها خلاف شاذ قال: دليلنا إجماع الفرقة، و اقتصر على ذلك، و إن لم يكن فيها خلاف أصلا قال: دليلنا إجماع الفرقة فإنّهم لا يختلفون في ذلك.

و هذا المصنّف كثير التصنيف واسع الدّراية متطلّع على الأخبار، بصير بالمذهب ناقد الأحاديث، عارف بالرّجال، عالم بالفقه و أصوله، حاذق في صناعته، غير مدافع في ذلك، ثقة في النّقل، كثير المحاسن، و اشتغال الفقهاء من أصحابنا بكتبه و عنايتهم بها أوفر و أكثر من الاشتغال بغيرها، قد أفتى بما سطرناه و صنّف ما قدّمناه.

و منهم الشيخ أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البرّاج رضي اللّه عنه (1)، فإنّه ذكر في كتابه المهذّب في باب قضاء الفائت من الصّلاة:

اعلم أنّ جميع الأوقات أوقات لقضاء ما فات من الصّلاة، إلّا ما يعرض فيه شغل لا بدّ منه ممّا يقوم بالنّفس على الاقتصاد، أو يتضيّق وقت فريضة حاضرة، و حدّ تضيّق الوقت أن يصير الباقي منه مقدار ما يؤدّي فيه تلك الصلاة.

____________

(1)- ابن البرّاج: هو القاضي أبو القاسم سعد الدين، عز المؤمنين، وجه الأصحاب و فقيههم، كان قاضيا بطرابلس، و له مصنفات منها (كتاب المهذّب البارع) الّذي نقل عنه المصنّف في المقام، توفّي سنة 481 بطرابلس، و دفن بحجرة القاضي، ترجمه شيخنا الرازي في طبقات أعلام الشيعة القرن الخامس: 107.

40

و كلّ صلاة واجبة فاتت فإنّ قضاءها واجب من غير تراخ، إلّا أن يكون قد تضيّق وقت صلاة حاضرة، فإنّه متى كان ذلك وجب صلاة الحاضرة ثمّ يقضي الفائتة بعد ذلك، فإن صلّى الحاضرة و الوقت متسع و هو عالم بذلك، لم تنعقد صلاته و كان عليه قضاء الفائتة ثمّ يصلّي الحاضرة، فإن لم يكن عالما و ذكرها و هو في الحاضرة نقل نيّته إليها، ثمّ صلّى الحاضرة و يقضي الفائتة، و لا يصلّي الحاضرة إلّا أن يتضيّق الوقت إذا كان قد فاتته عدّة صلوات، فإذا تضيّق بالوقت صلّى الحاضرة ثمّ عاد إلى القضاء، و إذا نسي شيئا قضاه وقت الذّكر له (1).

و ذكر أيضا في كتابه التّعريف ما هذا حكايته: و يجب قضاء الفائت من الصّلاة أيّ وقت كان، لأنّ الأوقات كلّها أوقات للقضاء، إلّا أن يتضيّق وقت فريضة حاضرة، فانّه يصلّي الحاضرة و يرجع إلى القضاء، بدليل الإجماع من الطائفة المحقّة.

ألا ترى إلى استدلاله بإجماع الفرقة على وجوب المضايقة.

و هذا شيخ آخر من المصنّفين الّذين يعتدّ بتصنيفهم، و يحتج بقولهم، و كان متقدّما في زمانه، جيّد التّصنيف، حسن الألفاظ، مبرزا في علوم كثيرة، مقتدى بأقواله معتدّا بفتاواه.

____________

(1)- المهذّب البارع 1: 125- 126 ط مؤسسة النشر الإسلامي.

41

و ذكر أبو يعلى سلّار (1) في المراسم ما هذه حكايته: الخامس القضاء، أحكامه: كلّ صلاة فاتت فلا يخلو أن تكون فاتت بعمد أو بتفريط أو سهو، فالاوّل و الثاني يجب فيهما القضاء على الفور، و الثالث على ضربين: أحدهما يسهو عنهما جملة فهذا يجب عليه قضاؤه وقت الذكر ما لم يكن آخر وقت فريضة حاضرة، و الثاني أن يسهو سهوا يوجب الإعادة كما بينّا، و هذا يجب أيضا أن يقضيه على الفور (2).

و هذا سلّار عجميّ خراساني أم عربيّ عراقي؟! قد أفتى بالمضايقة!

و وجدت مسطورا لبعض من تقصّيت بخلاف ما قلناه غير محصل و لا صادر عن دراية، قد غلط فيه غلطا فاحشا على سلّار و قال: إن كان الشيخ أبو جعفر يفتي بالمضايقة، فقد ذكر شيخ أبو يعلى في الأحكام النّبوية ما يحكم بصحّة صلاة من صلى مع كلّ صلاة صلاة، و الشرع لا يفرّق بين مفت و مفت، معتقدا أنّ سلّار قال بخلاف القول بالمضايقة، و قد قدّمنا من كلام سلّار ما يقضي بصحة المضايقة، و هذا من أفحش الغلط على المصنّفين، غير أنّ العصبيّة تعمي و تصمّ.

بل لما خفي عليه مراد سلّار بقوله مع كلّ صلاة زلّت قدمه، فأضاف

____________

(1)- أبو يعلى سلّار- سالار- ابن عبد العزيز الديلمي، فقيه ثقة عين، له كتاب (المراسم العلوية و الأحكام النبوية) طبع مكررا، ترجم السيوطي في بغية الوعاة أبا يعلى سلار و ذكر أنّه توفّي سنة 448 هإلّا أنّ الساوجي ذكر في نظام الأقوال أنّه توفّي بعد الظهر يوم السبت لست خلت من رمضان سنة 463، كذا ذكره شيخنا الرازي (قدّس سرّه) في كتابه طبقات أعلام الشيعة القرن الخامس: 86.

(2)- المراسم: 11، ضمن الجوامع الفقهية.

42

الخطأ إلى سلّار، لأنّ سلار قال في أول كلامه: و الثالث على ضربين أحدهما يسهو عنها فهذا يجب قضاؤه وقت الذكر له ما لم يكن وقت فريضة حاضرة، فإن أراد بقوله الثاني مع كلّ صلاة صلاة من غير اعتبار آخرية الوقت، فهذا متناقض متضادّ لا يتأتّى من العلماء المحصّلين، بل يتأتّى من السّفهاء الغافلين، و إنّما مراد سلّار، و مقصوده لما قال في تقسيماته الّتي قسّمها: فإنّ من فاتته صلاة واحدة و لا يدري ما هي فليصلّ اثنتين و ثلاثا و أربعا ثمّ قال: فإن كانت فاتته دفعات عدّة و لا يذكر كم مرّة فليقض اثنتين و ثلاثا و أربعا، حتى يغلب على ظنّه أنّه قد قضى الركعات أو زاد عليها.

ثمّ قال: فإن كانت الخمس بأجمعها و لم يذكر كم مرّة فاتته، فليصلّ مع كلّ صلاة صلاة لأنّهنّ جنس المسألتين الأوّلتين اللّتين قال فيهما يصلّي اثنتين و ثلاثا و أربعا، فيجعله قسما ثالثا و مسألة ثالثة يعني بخمس نيّات، و خمس تكبيرات إحرام، و خمس صلوات من جنس صلوات اليوم و اللّيلة، لا على ترتيب المسألتين الأوليتين، بل على صفة صلاة اليوم و اللّيلة، لأنّ المسألتين الأوليتين بثلاث تكبيرات إحرام و ثلاث نيّات في قوله اثنتين و ثلاثا و أربعا.

فهذا معنى قول سلّار: (يصلّي مع كلّ صلاة صلاة) (1) لا ما غلط عليه، و قوله مع كلّ صلاة صلاة مشعر و دالّ على ما ذكرناه، لأنّ أحدا لا يقول لا يجوز للقاضي أن يقضي ما فاته إلّا مع كلّ صلاة صلاة فاتته، فتبيّن وفقك اللّه

____________

(1)- قارن المراسم: 11، ضمن الجوامع الفقهية.

43

التصانيف التي حكيناها، و الفتاوي التي رويناها عن الفقهاء (1) المعتمدين، و خلّدوها كتبهم على اختلاف عباراتهم و تباين أوصافهم، كيف لم يختلفوا في معنى ذلك، بل اتّفقوا عليه و في فقد الخلاف بينهم دليل على صحّة الإجماع.

و قد كان هؤلاء المذكورين أبصر و أحذق في صناعة الفقه بالأخبار و أنقدها، فلو كان لها فحوى يخالف ظاهرها لما أخلّوا به، فلا تمسّك لمن لا تبصرة له في هذا الشأن بأنّ لها معاني يخالف ظاهرها، بل نحن و إيّاه متعبّدون بحكم ظواهر النّصوص إلى أن يقوم دليل يعدلنا عنه، و يجب علينا العمل بالعموم الوارد في الشّرع إلى أن يقوم دليل الخصوص.

فقد أريتك أنّه ما خالف مصنّف من أصحابنا، و لا مصنّف في هذه المسألة، و لا وجد في كتاب مسطور خلاف ما نحن عليه إلى الآن، إلّا ممّن تعجز همّته عن القيام بمفروضات اللّه سبحانه على حدودها.

و ذكر الفقيه أبو الصّلاح الحلبي (2) تلميذ السيّد المرتضى، و هذا الرجل كثير المحاسن صاحب تصانيف جيدة حسنة الألفاظ في كتاب له يعرف بالكتاب الكافي:

____________

(1)- كلمة مطموسة.

(2)- أبو الصلاح الحلبي: تقي الدين بن نجم فقيه عين ثقة، من تلاميذ الشريف المرتضى و الشيخ الطوسي له كتاب في الكافي يرويه عن تلميذه المفيد النيسابوري كما ذكره منتجب الدين في فهرسته، ترجمه شيخنا الرازي في طبقات أعلام الشيعة القرن الخامس: 39 فراجع.

44

فصل؛ في القضاء و أحكامه:

يجب قضاء ما فات من صلوات الخمس، و هو مثل المقضي و ليس هو، و هو وقته حين ذكره، إلّا أن يكون آخر وقت فريضة حاضرة يخاف بفعل الفائت فوتها، فيلزم المكلّف بأداء الحاضرة و يقضي الفائت، و ما عدا ذلك فى سائر الأوقات فوقت للفائت لا يجوز للمتعبّد فيه تعيّن القضاء من فرض حاضر و لا نفل، فإن كان الفائت متعيّنا قضاه بعينه، محصورا كان أو مشكوكا في عدده، و إن كان غير متعيّن و كان صلاة واحدة فليقض صلاة يوم كاملا ينوي لكلّ صلاة قضاء الفائت، و إن كان عدّة صلوات غير معيّنات و لا محصورات فعليه أن يقضي صلاة يوم بعد يوم حتى يغلب في ظنّه براءة ذمّته من الفائت.

و إن كان الفائت المتعيّن و غير المتعيّن كثيرا لا يتمكّن من فعله في وقت واحد كصلاة عام أو عامين، فعليه أن يقضي في جميع أوقات الليل و النهار إلّا ما غلبه النوم و شبهه، أو ممّا اشتغل فيه بما يحفظ الحياة من التكسّب، أو أواخر أوقات الفرائض الحاضرة المضيّقة، من حيث كان فرض القضاء لا بدل منه كصلاة الوقت حين يبقى منه مقدار فعلها، و كما لا يجوز التّشاغل عنها فيه فكذلك حكم القضاء.

فإن كان صلّى صلاة حاضرة قبل أن يضيق وقتها و هو ذاكر للفائت فهي باطلة، و إن كان ذلك عن سهو فذكر الفائت و هو لم يخرج عنها لزمه نقل النيّة إلى الفائت إن أمكن ذلك، فإذا خرج عنه صلّى فرض الفائت، فإن لم يفعل فصلاته

45

غير مجزية (1)، هذه ألفاظه بعينها.

و السّيد ابن زهرة العلوي (2) بحلب يفتي بما نصرناه، و صنّف في كتابه الموسوم بالغنية مثل ما سطرناه (3)، فهؤلاء أصحابنا ما بين عراقي و خراساني و شامي و مغربي و مصري و بحراني ساحلي يفتون بالمضايقة و ليس لأحد أن يقول: إنّ في القول بوجوب المضايقة حرجا و تكليفا بما لا يطاق، من حيث أنّه يتعذّر على المكلّف تمييز الزّمان الّذي يكون مقداره وفقا لأداء الغرض الحاضر من غير نقصان عنه و لا زيادة عنه، لأنّ هذا تمسّك واه و قول عجيب، و شبهة ضعيفة جدا، و ذلك أنّه وصف الممكن المتأتي بالمستحيل المتعذّر، و هذا من قائله قدح في حكمة اللّه، لأنّه لم يكلّفنا إلّا دون طاقتنا.

بل صيّروا الممكن متعذّرا لعجزهم عن أدائه في وقته المضروب له، و ذلك أنّ من علم آخر وقت، و تحقّق وجوب المضايقة إذا بقي من الوقت ما يغلب على ظنّه أنّه المقرّر الّذي يحتاج في أداء الفريضة إليه، يعلم و يقطع أنّ ذلك وقت المضايقة الّذي يجب عليه فيه أداء الفرض الحاضر وقته، فإن صلّى و الحال هذه،

____________

(1)- الكافي لأبي الصلاح الحلبي: 149- 150 ط منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أصفهان.

(2)- السيّد ابن زهرة: هو أبو المكارم حمزة بن عليّ بن زهرة الحلبي من شيوخ المصنّف، و قد ذكره في كتابه السرائر مكررا و قال: شاهدته و رأيته و كاتبته و كاتبني ... و قد ترجمته مع شيوخه في مقدّمة السرائر فراجع، توفي سنة 585 و قبره في حلب بسفح جبل الجوشن عند مشهد السقط المحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، و تشرفت بزيارتهما سنة 1399 ه.

(3)- لاحظ الغنية: 40، ضمن الجوامع الفقهية.

46

ثمّ فرغ من الصّلاة و قد بقي من الوقت ما يقصر عن إعادة الفرض، أو خرج الوقت و هو في الصّلاة لم يخرج منها غير أنّه قد صلّى معظمها و بقي له ركعة أو ركعتان و تمّمها بعد أن خرج الوقت كانت صلاته مجزية، بهذا جاءت الآثار عنهم (عليهم السلام).

و يعارض المخالف و الطاعن بهذا التمسّك بالتيمّم، لأنّ اللّه تعالى قد كلّف من لم يجد الماء لطهارته أن يتيمّم في آخر وقت و يصلّي عند تضيّقه، و عليه إجماع الطائفة، فإنّه لا خلاف بينهم أنّ من شرط صحّة التيمّم تضيّق الوقت بحيث إذا اشتغل بالطّلب و التيمّم و الصّلاة خرج الوقت، و لا خلاف أيضا بينهم أنّ من تيمّم و صلّى قبل أن يتضيّق الوقت أنّ تيممه غير صحيح و صلاته غير مجزية، إذ لا خلاف في ذلك بين الإمامية باتّفاق، و لا يتجاسر أحد منهم أن يعتلّ بمثل ما اعتلّ في المضايقة بالحرج، و كلاهما في التكليف سواء حذو النّعل بالنّعل.

فليت شعري من أيّ وجه أشبه القول بالمضايقة تكليف ما لا يطاق، و قد أريناهم بوجوب نظيرها في التيمم، فيلزمهم على قود اعتلالهم بالحرج و تكليف ما لا يطاق أن يسقطوا فرض التيمم في وقته، و يجوّزوا فعله قبل تضيّق الوقت، و هذا ما لا يذهبون إليه، و لا يمكن إماميّا القول به.

و ليس للمخالف في المسألة تمسّك بظاهر قوله عزّ و جلّ: أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (1) لأنّ أكثر ما في هذه الآية أن يكون لفظها عموما،

____________

(1)- الإسراء: 78.

47

و العموم عند أصحابنا جميعا لا صيغة له، خلافا للمعتزلة في مذهبهم، فهو معرّض للتخصيص، و نحن نخصّ هذا العموم ببعض ما تقدّم في أدلّتنا.

على أنّ مخالفينا في المسألة لا بدّ لهم من ترك هذا الظاهر، لأنّه لا يجوز أداء صلاة حاضر وقتها في أوّل الوقت لمن عليه قضاء فوائت و لا للمتيمّم، فإذا أخذ بظواهر الآية و الأمر و أدّيا الصّلاة بعد الدّلوك بلا فصل و لا تأخير، فبالإجماع منّا و من المخالف لنا، صلاة هذين المكلّفين في هذا الوقت غير صحيحة و لا شرعية و لا مأمور بها.

و أيضا فصيغة الأمر الحقيقي و الأمر إذا ورد من الحكيم اقتضى بعرف الشّرع عند محقّقي أصول الفقه الفور و البدار دون التّراخي، و لا خلاف بيننا أنّ الصّلاة لا تجب أوّل الوقت وجوبا موسّعا خلافا لأصحاب الشافعي، لأنّهم يذهبون إلى أنّها تجب بأوّل الوقت وجوبا مضيقا و اعترضوا في ترك الواجب، فأجاب السيّد المرتضى في الذريعة (1) أنّه لا بدّ من العزم الّذي هو البدل على أدائها في آخر وقتها ليقوم مقام البدل و انفصل به عن ترك المندوب، و خلافا لأصحاب أبي حنيفة، لأنّهم يذهبون إلى أنّ الوجوب لا يتعلّق إلا بآخر الوقت.

فعلى هذا التقرير و التحرير للآية لا تعلّق فيها للمخالف، لأنّ المكلّف لا يجب عليه بظاهر الآية، و الأمر فعل الصّلاة وجوبا مضيّقا بعد الزّوال بلا فصل، فلا مندوحة له عن ترك ظاهر الآية و العدول عنه، فإذا ترك الظاهر

____________

(1)- الذريعة 12: 147 و 153.

48

على ما بينّاه و خرج عنه، فلا فرق بينه فيه و بيننا إذا حملنا الأمر في الآية على من لم يكن عليه فوائت، لأنّ من عليه فوائت مأمور بإقامة الصّلاة في سائر أوقاته، لأنّ الأوقات جميعها أوقات للقضاء، قبل الدّلوك مثل ما بعد الدّلوك، ما خلا الوقت الّذي يخاف فيه من فوت الحاضرة إذا اشتغل بالفائتة، فيختصّ هذا الوقت بالحاضرة لئلّا تصير الصّلاتان قضاء، و لئلّا يكون مخلّا بواجب مع قدرته على أدائه قبل خروج وقته، و إذا قمنا من الآية مقامه و هو المستدلّ علينا بالآية بطل استدلاله.

و هذه طريقة النظار، و ذوي الاستدلال و الاعتبار صحيحة مرضيّة مستقيمة، قد كرّرها السيّد المرتضى، و استدلّ بها على خصومه و مخالفيه في كتابه الانتصار كثيرا، لما اعترض المخالف عليه في وجوب الزكاة في عروض التّجارة بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً (1) و عروض التجارة من جملة الأموال فهي داخلة تحت ظاهر الآية فيجب فيها الزكاة.

فأجابه بأن قال: إنّ أكثر ما في هذه الآية أن يكون لفظها عموما و العموم معرّض للتّخصيص، و نحن نخصّ هذا العموم ببعض ما تقدّم من أدلّتنا، على أنّ مخالفينا لا بدّ لهم من ترك هذا الظاهر في عروض التّجارة، لأنّهم يضمرون في تناول هذا اللّفظ لعروض التّجارة أن يبلغ قيمتها نصاب الزكاة، و هذا ترك للظاهر و خروج عنه، و لا فرق بينهم فيه و بيننا إذا حملنا اللّفظة في الآية على

____________

(1)- التوبة: 103.

49

الأصناف الّتي أجمعنا على وجوب الزكاة فيها، فإذا قمنا في ذلك مقامهم و هم المستدلّون بالآية بطل استدلالهم بمثل هذا الكلام، و يبطل قولهم بتعلّقهم بقوله سبحانه: وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (1) هذه ألفاظه بعينها (2).

و إنّما حداني على إيراد ألفاظ السيّد، لئلّا يظن ظانّ أنّ استدلالي قد تفرّدت بطريقته، و هذا نظير استدلالي بعينه و وزانه، و أيضا نعارض المخالف لنا في المسألة على الآية الّتي استدلّ بها و احتجّ بظاهرها من قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ بقوله عزّ و جلّ: أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (3).

و قد فسّرها الراسخ في العلم الباقر، و استدلّ (عليه السلام) بها على وجوب البدأة بالتي فاتت في خبر عبد اللّه بن زرارة (4)، عن أبيه زرارة (5)، عن أبي جعفر (عليه السلام)

____________

(1)- المعارج: 25.

(2)- الانتصار: 79.

(3)- طه: 14.

(4)- عبد اللّه بن زرارة بن أعين الشيباني روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ثقة، له كتاب يرويه عنه عليّ بن النعمان ... هكذا قال النجاشي، و عدّه الشيخ الطوسي في أصحاب الصادق (عليه السلام)، و ترجمه البرقي و غيره.

(5)- زرارة بن أعين من أكابر رجال الشيعة فقها و حديثا و معرفة بالكلام، وردت في مدحه روايات دلّت على سموّ مكانته و جلالة شأنه عند الأئمة (عليهم السلام)، أغنت عن الإطناب في مدحه، توفّي سنة 150 هبعد الإمام الصادق (عليه السلام) بسنتين (شرح مشيخة الفقيه: 9).

50

و قد قدّمناه

قال: إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى، فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت التي قد فاتتك كنت من الأخرى في وقت، فابدأ بالّتي قد فاتتك فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول:

وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي

.

ألا تراه (عليه السلام) فسّر الذكر بآية ذكر الصّلاة المنسيّة دون غيرها، فهذه آية مثل آيته، فهما جميعا عامتا اللّفظ، و إذا خاطب الحكيم جلّت عظمته بعمومين و أمكننا العمل بهما جميعا، وجب علينا و تحتّم الأخذ بهما معا، و لا يجوز لنا أن نسقط أحدهما، فنعمل بالآية التي قال اللّه عزّ و جلّ فيها: أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ و نخصّها بمن لا قضاء عليه، و الآية الأخرى لمن عليه صلاة فائتة و ذكرها، فنكون عاملين بالآيتين و العمومين معا من غير إسقاط لأحدهما.

و هذه طريقة مرضيّة عند من تكلّم في أصول الفقه، على أنّ في الآية المستدلّ بها علينا المحتجّ بها على باطله، قد جعلها مجنّة و قوّى بها ظنّه، و صيّرها عكّازا يعتمد عليه، و هي عين قلائد دلالته و متمسكاته ما يسقط شبهته، و يفلّ حده، و يوجب ردّه، و يحلّ عقده في قوله جلّ و علا: أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ.

فالألف و اللام في الصلاة و أمثال هذا الموضع الاستغراق الجنسي عند أهل اللسان الّذين أنزل عليهم القرآن دون التّعريف أو العهد، و مثله: (أهلك النّاس الشّاة و البعير و الدّرهم و الدّينار) و لم يريدوا شاة بعينها، و لا بعيرا بعينه، و لا درهما و لا دينارا بعينهما.

51

و المخالف لنا في المسألة يستدلّ بهذه الآية على أنّها الصّلاة المؤدّاة يجب تأديتها و إقامتها بعد الدّلوك، فمن أين له ذلك؟ و لم لا يكون الفائتة، لأنّ مكلّفها مأمور بها بعد الدّلوك مثل ما هو مأمور بإقامتها قبل الدّلوك، و ليس هو بتخصيصها أولى منّا، فإذا فقدتا جميعا الدّليل على التّخصيص فأقمنا في آيته مقامه و بطل احتجاجه و تمسّكه بظاهرها، فقد صار على هذا قابضا على الماء متمسّكا ببيت العنكبوت، بل قد سلمت آيتنا و صارت قاضية لنا عليه، و شاهدة لصحّة قولنا بالمضايقة، و اختصاص الفائت بالأوقات أجمع حين الذّكر له، سوى آخر وقت الحاضرة الّتي يخاف من الاشتغال بالفائت خروج وقتها، و هذا بيّن بحمد اللّه للمنصف الخالي من العصبيّة، التارك لها جانبا، نعوذ باللّه منها، فإنّها المردية للأديان في سائر الأزمان.

فإن قيل: الاتفاق حاصل على أنّ ما تعيّن زمانه من العبادات الشرعية لا يحتاج إلى نيّة التعيين فيه، بل نيّة القربة كافية مجزية لصوم رمضان، فالذّاهب إلى المضايقة يقول قد تعيّن آخر الوقت للأداء، و لا يصحّ أن يقع فيه صلاة سوى المؤدّاة، لأنّ الوقت قد تعيّن لها، فيلزم على الاستدلال أن لا يلزمه نيّة التعيين، و هذا لا يقوله أحد من الطائفة، و لا يتجاسر على ارتكابه و إلزامه أحد منهم، فإذا لم يلتزم ما ألزم به و قال بالمضايقة خرج من الإجماع المتّفق عليه من أنّ الزمان إذا تعيّن للعبادة فلا يحتاج إلى نيّة التعيين على ما مضى في الالتزام؟

الجواب عن هذه الشبهة المحيلة أن يقال: قد أبعدت المرمى و ما أفضيت

52

و ما أصبت، و الفرق بين زمان رمضان و بين زمان أداء الصّلاة في آخر وقتها أوضح من فلق الصّبح، و بينهما بون كبير كبعد المشرقين، و ذلك أنّ زمان أداء الصّلاة في آخر وقتها زمان كان يمكن إلّا يتعيّن فيه أداء هذه الفريضة بأن يكون مكلّفها قد قدّمها عليه و ما أخّرها إليه، فقد صارت هذه العبادة على هذا الوجه غير متعيّنة، و ليس كذلك صوم رمضان لأنّه زمان لا يمكن أن يقع فيه من جنس هذا الصوم سواه فقد تعيّن له خاصّة، لأنّ صوم رمضان لا يجوز و لا يمكن أن يتقدّم عليه و لا يتأخّر عنه بحال، ففارق بذلك أداء الصّلاة في آخر الوقت.

و بمثل هذا الجواب أجاب السيّد المرتضى عن هذا السّؤال في المسائل الرسيّات (1)، فقد دللت بما يمسكه و من يريده لينظره من هناك، و الدليل الحاسم للشغب على صحّة القول بالمضايقة: أنّ المخالف و المؤالف في المسألة من أصحابنا الإمامية حرسهم اللّه بأجمعهم متّفقون على أنّ الواجب على ضربين:

موسّع و مضيّق، فالموسّع ما للمكلّف أن يفعله و له أن لا يفعله، مع البدل الّذي هو العزم على فعله، في آخر وقته.

المضيّق: الواجب الّذي لا يجوز الإخلال به و لا يجوز تركه إلّا بذلك، بل يجب الإتيان به عند الذّكر له على الفور و البدار، فعلى هذا التحرير و التّحديد المتفق عليه فرض القضاء مضيّق لا بدل له، و فرض الأداء موسّع له بدل هو العزم على ما تبيّن في غير موضع، و إذا كان كذلك لم يجب الاشتغال بالواجب

____________

(1)- لاحظ المسائل الرسيات، ورقة 223/ أ.

53

الموسّع و ترك الواجب المضيّق، بل يجب و يتحتّم و يتعيّن الاشتغال و الابتداء بالواجب المضيّق و ترك الواجب الموسّع إلى أن يتضيّق وقته، و هو أن يخاف فواته بخروج وقته فحينئذ يجب الاشتغال به لئلّا يكون المكلّف مخلّا بواجب، و هو قادر على أدائه قبل فوات وقته.

و بهذا الاعتبار و الاستدلال يقول أصحابنا المحقّقون: إنّ من لزمه ردّ وديعة و قضاء دين ثمّ دخل في الصلاة، إنّه إن كان الوقت موسّعا فسدت صلاته لأنّ الواجب عليه تقديمها على الردّ، إلّا أن ينتهي الحال فيمن له الحقّ إلى الضّرورة، و ضرر يدخل على صاحب الوديعة فيفسد صلاته و إن أدّاها في آخر الوقت، و إنّما كان على ذلك لأنّ ردّ الوديعة واجب مضيّق، و الصلاة في أوّل وقتها أو ثانيه أو ثالثه واجب موسّع، و كلّما منع من فعل الواجب المضيّق يكون محظورا قبيحا، و القبيح لا يتقرّب به إلى اللّه سبحانه، لأنّ الواجب المضيّق هو الّذي ليس لمن وجب عليه أن يخلّ به، و كل فعل لا يكون المكلّف مخلا بالواجب إلّا به، و لا ينفكّ مع الإخلال منه فلا بدّ من كونه محظورا قبيحا.

فإذا صحّ هذا التقرير فلا معدل و لا محيص عن القول بوجوب المضايقة، لأنّ الصّلاة المؤدّاة في أوّل وقتها أو ثانيه أو ثالثه لمن عليه قضاء فرائض فعلها قبيح، قبل تضيّق وقتها، لأنّها قبل ذلك من الواجبات الموسّعات، و القضاء من الواجب المضيّق، فقد صار القضاء مع الأداء بمنزلة ردّ الوديعة، فكما أنّ الردّ يتحتّم و يتعيّن بالمطالبة، و يجب تقديمه على الصلاة في أوّل وقتها و ثانيه و ثالثه إلى

54

أن يخاف فواته، فكذلك الصلاة الفائتة مع المؤدّاة الموسّع وقتها.

فهذا من أول الأدلّة الواضحة على وجوب المضايقة و أقواها، دافعه معاند للحق لا يحسن مكالمته.

فإن قيل: أ ليس إذا زالت الشمس فقد دخل وقت صلاة الظهر لمن عليه فوائت و وجبت عليه، و إذا كان كذلك، فقد اشتركت المؤدّاة بدخول وقتها مع القضاء في الوجوب، فلأيّ شيء منع من أدائها في ثاني وقتها و أوّله؟ و كيف يعيّن فرض المؤدّاة بآخر الوقت دون أوّله؟

قلنا: إنّما كان كذلك لأنّ الوجوب في آخر الوقت مرتّبا على أوّله، و إن اشتركا في تعلّق الوجوب لا يتضيّق و يتعيّن فعلها في الوقت الأخير و هو موسّع في الأوّل، فلهذا افترقا، و لأجل ذلك اعتبر في الحائض و المسافر آخر الوقت دون أوّله.

و لك أن تجيب أيضا بأن تقول: ما دخل وقتها، لأنّ الوقت للفائت دونها، فإذا تضيّق الوقت فقد دخل وقتها، و بعد فإنّ كيفيّة أداء الصّلاة معتبرة بحال المكلّف في وقت الأداء، لو صحّ ذلك أنّ فرض العبد بعد زوال الشمس أن يصلّي الظّهر أربع ركعات، فإن أعتق و في الوقت بقية لزمته الجمعة، و على هذا لا يمتنع أن تجب المؤدّاة بدخول وقتها على من عليه فوائت، و لا يجب عليه أداؤها إلّا عند تضيّق وقتها، كما لا يمتنع أن يلزم الحاضر الصّلاة تامّة إذا أدرك أوّل وقتها ثمّ سافر قبل خروج الوقت أدّاها مقصورة، لأنّ حاله في وقت الأداء