الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج1

- السيد علي بن موسى بن طاووس المزيد...
515 /
7

حياة المؤلف:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

هو السيد علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد [1] بن إسحاق [2] بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود [3] بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام).

ولد (رضوان اللّه عليه) في الحلّة قبل ظهر يوم الخميس في منتصف محرّم سنة 589 هو نشأ بها- يحدّث نفسه عن تاريخ نشأته و دراسته في كشف المحجّة- ثمّ هاجر إلى بغداد و أقام فيها نحوا من 15 سنة في زمن العباسيّين، و عاد في أواخر عهد المستنصر المتوفّى سنة 640 هإلى الحلّة، فبقي هناك مدّة من الزمن ثم انتقل إلى المشهد الغروي، فبقي فيها ثلاث سنين.

ثم انتقل إلى كربلاء فبقي هناك ثلاث سنين، ثم انتقل إلى الكاظمين فبقي فيها ثلاث سنين، و كان عازما على مجاورة سامّراء أيضا ثلاث سنين، و كان سامراء يومئذ كصومعة في بريّة، ثم عاد إلى بغداد سنة 652 هباقتضاء المصالح في دولة المغول، و بقي فيها إلى حين احتلال المغول

____________

[1] يكنى أبا عبد اللّه و لقب بالطاوس، لانه كان مليح الصورة و قدماه غير مناسبة لحسن صورته، و هو أول من ولي النقابة بسورا.

[2] قال النوري في المستدرك 3: 466 عن مجموعة الشهيد الأول: «كان إسحاق يصلي في اليوم و الليلة خمسمائة ركعة عن والده».

[3] في عمدة الطالب: 178: كان داود رضيع الامام الصادق (عليه السلام) حبسه المنصور و أراد قتله ففرّج اللّه تعالى عنه بالدعاء الذي علّمه الصادق لامّه و يعرف بدعاء أم داود في النصف من رجب مذكور العمل به في الإقبال و غيره.

8

بغداد فشارك في أهوالها و شملته آلامها.

يقول في ذلك في كشف المحجّة: «تمّ احتلال بغداد من قبل التتر في يوم الاثنين 18 محرم سنة 656 ه، و بتنا ليلة هائلة من المخاوف الدنيويّة، فسلّمنا اللّه جلّ جلاله من تلك الأهوال» (1).

كلّف السيّد في زمن المستنصر بقبول منصب الإفتاء تارة و نقابة الطالبيّين تارة أخرى، حتى وصل الأمر بأن عرض عليه الوزارة فرفضها، غير انه ولي النقابة بالعراق من قبل هولاكو سنة 661 و جلس على مرتبة خضراء، و في ذلك يقول الشاعر علي بن حمزة مهنّئا:

فهذا عليّ نجل موسى بن جعفر * * * شبيه عليّ نجل موسى بن جعفر

فذاك بدست للإمامة أخضر * * * و هذا بدست للنقابة أخضر

لأنّ المأمون العبّاسي لما عهد إلى الرضا (عليه السلام) ألبسه لباس الخضرة و أجلسه على و سادتين عظيمتين في الخضرة و أمر الناس بلبس الخضرة. (2)

و استمرّت ولاية النقابة إلى حين وفاته و كانت مدّتها ثلاث سنين و أحد عشر شهرا. (3)

كانت بين السيد و بين مؤيد الدين القمّي وزير الناصر ثم ابنه الظاهر ثم المستنصر مواصلة و صداقة متأكّدة، كما كانت صلة أكيدة بينه و بين الوزير ابن العلقمي و ابنه صاحب المخزن.

و لمّا فتح هولاكو بغداد في سنة 656 هأمر أن يستفتي العلماء أيّما أفضل: السلطان الكافر العادل أو السلطان المسلم الجائر؟ فجمع العلماء بالمستنصرية لذلك، فلمّا وقفوا على المسألة أحجموا عن الجواب، و كان رضي الدين علي بن الطاوس حاضر المجلس و كان مقدّما محترما، فلمّا رأى احجامهم تناول الورقة و كتب بخطّه: الكافر العادل أفضل من المسلم الجائر، فوضع العلماء خطوطهم معتمدين عليه. (4)

____________

(1) كشف المحجّة: 115، فرج المهموم: 147، الإقبال: 586.

(2) الكنى و الألقاب 1: 328.

(3) البحار 107: 45.

(4) الآداب السلطانية: 11.

9

أسرته، اخوته، خلفه الصالح:

الف- أبوه:

هو السيد الشريف أبو إبراهيم موسى بن جعفر [1] بن محمد بن أحمد بن محمد بن الطاوس، كان من الرواة المحدثين، كتب رواياته في أوراق و لم يرتّبها، فجمعها ولده رضي الدين في أربع مجلدات و سماه: «فرحة الناظر و بهجة الخاطر ممّا رواه والدي موسى بن جعفر».

روى عنه ولده السيد علي، و روى عن جماعة منهم: علي بن محمد المدائني و الحسين بن رطبة، توفّي في المأة السابعة، و دفن في الغريّ. (1)

ب- امّه:

كانت أمّه بنت الشيخ ورام بن أبي فراس [2]، فهو جدّه لأمّه- كما صرّح به في تصانيفه-، و كانت أمّ والده سعد الدين بنت ابنة الشيخ الطوسي، و لذا يعبّر في تصانيفه كثيرا عن الشيخ الطوسي بالجدّ أو جدّ والدي، و عن الشيخ أبي علي الحسن بن الشيخ الطوسي بالخال أو خال والدي.

ج- اخوته:

1- السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس، فقيه أهل البيت و شيخ الفقهاء و ملاذهم، صاحب التصانيف الكثيرة البالغة إلى حدود الثمانين التي منها: كتاب البشرى في الفقه في ستّ مجلّدات، شواهد القرآن، بناء المقالة العلوية.

هو من مشايخ العلامة الحلّي و ابن داود صاحب الرجال، قال عنه ابن داود في كتابه الرجال: «ربّاني و علّمني و أحسن إلىّ» (2)، توفّي بعد أخيه السيد رضي الدين بتسع سنين، أي في سنة 673 ه.

2- السيد شرف الدين محمد بن موسى بن طاوس، استشهد عند احتلال التتر بغداد سنة 656 ه.

3- السيد عز الدين الحسن بن موسى بن طاوس، توفّي سنة 654 ه. (3)

____________

[1] هو صهر الشيخ الطوسي على بنته.

[2] ما ذكره الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين و تبعه في ذلك السيد الخونساري في الروضات من ان أمّ السيد ابن طاوس هي بنت الشيخ الطوسي. فباطل من وجوه- راجع خاتمة المستدرك 3: 471.

____________

(1) البحار 107: 39.

(2) رجال ابن داود: 46.

(3) عمدة الطالب: 19.

10

د- زوجته:

هي زهراء خاتون بنت الوزير ناصر بن مهدي، تزوّجها بعد هجرته إلى مشهد الكاظم (عليه السلام).

هأولاده:

1- صفي الدين محمد بن علي بن طاوس، الملقب بالمصطفى، ولد يوم الثلثاء المصادف 9 محرّم سنة 643 هفي مدينة الحلّة، و قد كتب والده كشف المحجّة وصيّة إليه، ولي النقابة بعد أبيه، توفّي سنة 680 هدارجا.

2- رضي الدين علي بن علي بن طاوس، ولد يوم الجمعة 8 محرم سنة 647 ه، نسب إليه كتاب «زوائد الفوائد» الذي هو في بيان اعمال السنة و الآداب المستحسنة، ولي النقابة بعد أخيه و بقيت النقابة بعده في ولده. [1]

3- شرف الاشراف: قال والدها عنها في سعد السعود: ابنتي الحافظة لكتاب اللّه المجيد شرف الاشراف، حفظته و عمرها اثنا عشرة سنة.

4- فاطمة: قال والدها عنها فيها أيضا: فيما نذكره من مصحف معظم تامّ أربعة أجزاء، وقفته على ابنتي الحافظة للقرآن الكريم فاطمة، حفظته و عمرها دون تسع سنين.

الثناء عليه:

قد اثنى عليه كل من تأخر عنه و اطراه بالعلم و الفضل و التّقي و النسك و الكرامة:

قال عنه الشيخ النوري في خاتمة المستدرك: «السيد الأجل الأكمل الأسعد الأورع الأزهد، صاحب الكرامات الباهرة رضي الدين أبو القاسم و أبو الحسن علي بن سعد الدين موسى بن جعفر طاوس آل طاوس، الّذي ما اتفقت كلمة الأصحاب على اختلاف مشاربهم

____________

[1] النقابة: هي تولية شئون العلويّين، تدبير أمورهم و الدّفع عمّا ينالهم من العدوان، فتولاها من هذا البيت السيد أبو عبد اللّه محمد الملقب بالطاوس، كان نقيبا بسورى- و هو من اعمال بابل بالقرب من الحلّة- كما تولّاها اخوه أحمد في هذا البلد و تولّاها ابن أخيه مجد الدين محمد بن عز الدين الحسن بن أبي إبراهيم موسى بن جعفر، فإنه خرج إلى السلطان هلاكو و صنّف له كتاب البشارة و سلّم الحلة و النيل- في قرب حلّه- حفره الحجاج الثقفي و هو يمتد من الفرات الكبير و المشهدين من القتل و النهب و ردّه إليه حكم النقابة بالبلاد الفراتيّة، و تولّاها ابن أخيه و هو غياث الدين عبد الكريم ابن جمال الدين أبي الفضائل أحمد بن أبي إبراهيم موسى بن جعفر، كما تولّاها ولده أبو القاسم علي بن غياث الدين السيد عبد الكريم، و تولّاها ولده أحمد و حفيده عبد اللّه، و تولاها في نصيبين من أهل هذا البيت أبو يعلى محمد بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى، و كان أديبا شجاعا كريما فاضلا- عمدة الطالب: 180- 178.

11

و طريقتهم على صدور الكرامات عن أحد ممن تقدّمه أو تأخّر عنه غيره- ثم تبرّك بذكر بعض كراماته.» (1)

و قال أيضا: «و كان (رحمه اللّه) من عظماء المعظّمين لشعائر اللّه تعالى، لا يذكر في أحد من تصانيفه الاسم المبارك الّا و يعقّبه بقوله: جلّ جلاله.» (2)

اثنى عليه الحر العاملي في أمل الأمل بقوله: «حاله في العلم و الفضل و الزهد و العبادة و الثقة و الفقه و الجلالة و الورع أشهر من ان يذكر، و كان أيضا شاعرا أديبا منشئا بليغا.» (3)

قال التستري في المقابس: «السيد السند المعظم المعتمد العالم العابد الزاهد الطيب الطاهر، مالك أزمّة المناقب و المفاخر، صاحب الدعوات و المقامات، و المكاشفات و الكرامات، مظهر الفيض السنيّ و اللطف الخفيّ و الجليّ.» (4)

قال الماحوزي في البلغة: «صاحب الكرامات و المقامات، ليس في أصحابنا أعبد منه و أورع.» (5)

قال المحدّث القمي عنه: «. رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسني الحسيني، السيد الأجل الأورع الأزهد قدوة العارفين. و كان (رحمه اللّه) مجمع الكمالات السّامية حتى الشعر و الأدب و الإنشاء، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء» (6).

و قال أيضا: «السيد رضي الدين أبو القاسم الأجل الأورع الأزهد الأسعد، قدوة العارفين و مصباح المتهجّدين، صاحب الكرامات الباهرة و المناقب الفاخرة، طاوس آل طاوس السيد بن طاوس (قدس اللّه سرّه) و رفع في الملإ الأعلى ذكره.» (7)

مشايخه و المجيزين له:

1- الشيخ أسعد بن عبد القاهر بن أسعد الأصفهاني، صاحب كتاب رشح الولاء في شرح

____________

(1) خاتمة المستدرك 3: 367.

(2) خاتمة المستدرك 3: 469.

(3) أمل الأمل 2: 205.

(4) المقابس: 16.

(5) منتهى المقال: 357.

(6) الكنى و الألقاب 1: 328.

(7) فوائد الرضوية: 330.

12

دعاء صنمي قريش، أجازه في صفر سنة 635 ه.

2- بدر بن يعقوب المقري الأعجمي، المتوفّى سنة 640 ه.

3- تاج الدين الحسن بن علي الدربي.

4- الشيخ الحسين بن أحمد السوراوي، قال في الفلاح: اجازني في جمادى الآخرة سنة 609 ه.

5- كمال الدين حيدر بن محمد بن زيد بن محمد بن عبد اللّه الحسيني، قرأ عليه السيد في يوم السبت السادس عشر من جمادى الثانية سنة 620 ه.

6- سديد الدين سالم بن محفوظ بن عزيزة بن وشاح السوراوي الحلي، قرأ عليه التبصرة و بعض المنهاج.

7- أبو الحسن علي بن يحيى بن علي الحنّاط- كما في بعض الكتب، نسبته إلى بيع الحنطة- أو الخيّاط- كما في بعض، نسبته إلى عمل الخياطة- أو الحافظ- كما في بعض آخر، صرح السيّد في كتبه بأنّه اجازه سنه 609 ه.

8- شمس الدين فخّار بن معد الموسوي.

9- نجيب الدين محمد السوراوي- كما في بعض الإجازات، لكن في الرياض: الشيخ يحيى بن محمد بن يحيى السوراوي.

10- أبو حامد محيي الدين محمد بن عبد اللّه بن زهرة الحسيني الحلبي.

11- أبو عبد اللّه محبّ الدين محمد بن محمود المعروف بابن النّجار البغدادي، المتوفّى سنة 643، صاحب كتاب «ذيل تاريخ بغداد».

12- صفي الدين محمد بن معد الموسوي.

13- الشيخ نجيب الدين محمد بن نما.

14- الشريف موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن الطاوس- والده.

تلاميذه و الرواة عنه:

1- إبراهيم بن محمد بن أحمد بن صالح القسّيني، أجاز له في سنة وفاته جمادى الآخرة سنة 664 ه.

2- السيد أحمد بن محمد العلوي.

3- جعفر بن محمد بن أحمد بن صالح القسّيني، أجاز له في سنة وفاته.

13

4- الشيخ تقي الدين الحسن بن داود الحلي.

5- جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، العلامة.

6- السيد غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاوس.

7- السيد علي بن علي بن طاوس ابن المؤلف، صاحب كتاب زوائد الفوائد.

8- علي بن محمد بن أحمد بن صالح القسيني، أجاز له في سنة وفاته.

9- الشيخ محمد بن أحمد بن صالح القسّيني.

10- الشيخ محمد بن بشير.

11- السيد محمد بن علي بن طاوس، ابن المؤلف.

12- السيد نجم الدين محمد بن الموسوي.

13- الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي.

14- سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر- والد العلامة.

آثاره الثمينة و تصانيفه القيّمة:

1- الإبانة في معرفة أسماء كتب الخزانة.

2- الإجازات لكشف طرق المفازات فيما يخصّني من الإجازات.

3- أسرار الصلاة.

4- الأسرار المودعة في ساعات الليل و النهار.

5- الاصطفاء في تاريخ الملوك و الخلفاء.

6- اغاثة الداعي و اعانة السّاعي.

7- الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرّة في السنة- و هو الكتاب الذي بين يدي القارئ.

8- الأمان من إخطار الاسفار و الأزمان.

9- الأنوار الباهرة.

10- البهجة لثمرة المهجة.

11- التحصيل من التذييل.

12- التحصين في أسرار ما زاد على كتاب اليقين.

13- التراجم فيما نذكره عن الحاكم.

14- التعريف للمولد الشريف.

14

15- التمام لمهام شهر الصيام.

16- التوفيق للوفاء بعد التفريق في دار الفناء.

17- جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع.

18- الدروع الواقية من الاخطار فيما يعمل مثلها كل شهر على التكرار.

19- ربيع الألباب في معاني مهمّات و مرادات.

20- روح الأسرار و روح الأسمار، ألّفه بالتماس محمد بن عبد اللّه بن علي بن زهرة.

21- ريّ الظمآن من مرويّ محمد بن عبد اللّه بن سليمان.

22- زهرة الربيع في أدعية الأسابيع.

23- السعادات بالعبادات.

24- سعد السعود.

25- شفاء العقول من داء الفضول.

26- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف.

27- الطرف من الإنباء و المناقب في شرف سيد الأنبياء و عترته الاطائب.

28- غياث سلطان الورى لسكان الثرى.

29- فتح الأبواب بين ذوي الألباب و بين ربّ الأرباب.

30- فتح الجواب الباهر في شرح وجوب خلق الكافر.

31- فرج المهموم في معرفة الحلال و الحرام من علم النجوم.

32- فرحة الناظر و بهجة الخواطر.

33- فلاح السائل و نجاح المسائل.

34- القبس الواضح من كتاب الجليس الصالح.

35- كشف المحجّة لثمرة المهجة.

36- لباب المسرّة من كتاب مزار ابن أبي قرّة.

37- اللطيف في التصنيف في شرح السعادة بشهادة صاحب المقام الشريف (جعله في ضمن كتاب الإقبال).

38- المجتنى من الدعاء المجتبى.

39- محاسبة النفس.

40- مسالك المحتاج إلى مناسك الحاج.

15

41- مصباح الزائر و جناح المسافر.

42- مضمار السبق في ميدان الصدق، و هو الكتاب الذي بين يدي القارئ.

43- الملاحم و الفتن في ظهور الغائب المنتظر.

44- الملهوف على قتلي الطفوف.

45- المنتقى في العوذ و الرقي.

46- مهج الدعوات و منهج العنايات.

47- المواسعة و المضايقة.

48- اليقين باختصاص مولانا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين.

وفاته و مدفنه الشريف:

توفّي (رضوان اللّه عليه) في بغداد بكرة يوم الاثنين خامس شهر ذي القعدة من سنة 664 ه.

امّا مدفنه الشريف فقد اختلف فيه الأقوال:

قال الشيخ يوسف البحراني: «قبره غير معروف الآن.» (1)

ذكر المحدث النوري: «انّ في الحلّة في خارج المدينة قبّة عالية في بستان نسب إليه و يزار قبره و يتبرّك به، و لا يخفى بعده لو كان الوفاة ببغداد- و اللّه العالم.» (2)

قال السيد الكاظمي في خاتمة كتابه: تحية أهل القبور بما هو مأثور: «و الذي يعرف بالحلّة بقبر السيد علي بن طاوس في البستان هو قبر ابنه السيد علي بن السيد علي المذكور، فإنه يشترك معه في الاسم و اللقب.» (3)

يدفع هذه الشكوك ما ذكره السيد في فلاح السائل من اختياره لقبره في جوار مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) تحت قدمي والديه.

قال (قدس سرّه): «و قد كنت مضيت بنفسي و أشرت إلى من حفر لي قبرا كما اخترته في جوار جدّي و مولاي علي بن أبي طالب (عليه السلام) متضيّفا و مستجيرا و وافدا و سائلا و آملا، متوسّلا بكلّ ما يتوسّل به أحد من الخلائق إليه و جعلته تحت قدمي والديّ (رضوان اللّه عليهما)، لانّه وجدت اللّه جلّ جلاله يأمرني بخفض الجناح لهما و يوصيني بالإحسان إليهما، فأردت ان يكون رأسي مهما

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 241.

(2) خاتمة مستدرك الوسائل 3: 472.

(3) هامش لؤلؤة البحرين: 241.

16

بقيت في القبور تحت قدميهما.» (1)

مضافا إلى ما ذكره ابن الفوطي في كتابه الحوادث الجامعة، قال: «و فيها- أي في سنة 664 هتوفي السيد النقيب الطاهر رضي الدين علي بن طاوس و حمل إلى مشهد جدّه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قيل: كان عمره نحو ثلاث و سبعين سنة.» (2)

ما ذكره هو الصحيح و مقدّم على أقوال الآخرين لمعاصرته لتلك الفترة، و لهذا أفضل من ارّخ حوادث القرن السابع الهجري.

و بالجملة: هو الحسني نسبا، و المدني أصلا، و الحلّي مولدا و منشأ، و البغدادي مقاما، و الغروي جوارا و مدفنا.

كلام حول المؤلف و تأليفاته:

اهتمّ السيد بالتصنيف بالجانب الدعائي اهتماما زائدا على التصنيف في سائر الجوانب، حتى كأنّه الصفة الغالبة لمصنّفاته، و أشار إلى سبب هذا الأمر في إجازته و قال:

«و اعلم انّه انّما اقتصرت على تأليف كتاب غياث سلطان الورى لسكّان الثرى من كتب الفقه في قضاء الصلوات عن الأموات، و ما صنّفت غير ذلك من الفقه و تقرير المسائل و الجوابات لأنّي كنت قد رأيت مصلحتي و معاذي في دنياي و آخرتي في التّفرّغ عن الفتوى في الأحكام الشرعية لأجل ما وجدت من الاختلاف في الرواية بين فقهاء أصحابنا في التكاليف الفعلية، و سمعت كلام اللّه جلّ جلاله يقول عن أعزّ موجود عليه من الخلائق محمد (صلى اللّه عليه و آله):

«وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ. لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمٰا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حٰاجِزِينَ» (3).

فلو صنّفت كتابا في الفقه يعمل بعدي عليه كان ذلك نقضا لتورعي عن الفتوى و دخولا تحت حظر الآية المشار إليه لأنه جلّ جلاله إذا كان هذا تهديده للرسول العزيز الأعلم لو تقوّل عليه، فكيف يكون حالي إذا تقوّلت عليه جلّ جلاله و أفتيت أو صنّفت خطأ أو غلطا يوم حضوري بين يديه.» (4)

____________

(1) فلاح السائل: 73.

(2) الحوادث الجامعة: 356.

(3) الحاقة: 44- 47.

(4) الإجازات المطبوع في بحار الأنوار 107: 42.

17

و كان من فضل اللّه جلّ جلاله عليه ان قد هيّأ له من الكتب و غيرها من أسباب التصنيف ما لم يهيّئه لأحد في عصره و ما بعده، حيث إنه جرى ملكه على الف و خمسمائة مجلد من الكتب عند تأليفه لكتاب الإقبال (1) به في سنة 650 ه. صرّح نفسه في كتاب كشف المحجة الّذي ألّفه لولده محمد سنة 649، ان خصوص كتاب الدعاء الموجودة عنده أكثر من ستين مجلّدا و قال: «و هيّأ اللّه جلّ جلاله عندي مجلدات في الدعوات أكثر من ستّين مجلّدا فاللّه اللّه في حفظها و الحفظ من أدعيتها فإنها من الذخائر التي تتنافس عليها العارفون في حياطتها و ما اعرف عند أحد مثل كثرتها و فائدتها.» (2)

و ذكر في أواخر مهج الدعوات الّذي ألّفه قبل وفاته بسنتين (3) و في كتاب اليقين الّذي يعدّ من أواخر تصانيفه، انّ في خزانة كتبه أكثر من سبعين مجلدا من كتب الدعاء.

جعل السيد تصانيفه الدعائيّة تتمّات لكتاب مصباح المتهجّد لشيخ الطائفة محمد بن حسن الطوسي (قدس سرّه)، و ألّف عدّة مجلدات في أدعية الأيام و الأسبوع و الشهور و السنة، ذكر في مقدمة كتاب فلاح السائل الذي يعدّ أول كتابه في هذا المضمار في علّة تصنيف هذه الكتب و تعداده:

«فانني لمّا رأيت بما وهبني اللّه جل جلاله من عين العناية الإلهية في مرآة جود تلك المراحم و المكارم الربانيّة كيف انشأني و ربّاني و حملني في سفن النجاة على ظهور الآباء و أودعني في البطون و سلّمني مما جرى على من هلك من القرون و هداني إلى معرفته- الى ان قال:- و عرفت ان لسان المالك المعبود يقول لكل مملوك مسعود: أي عبدي قد قيدت السابقين من الموقنين و المراقبين و المتقين و أصحاب اليمين يأملون فلا يقدرون على زيادة الدرجات الآن و أنت مطلق في الميدان فما يمنعك من سبقهم بغاية الإمكان أو لحاقهم في مقامات الرضوان، فعزمت أن أجعل ما اختاره اللّه جل جلاله مما رويته أو وقفت عليه و ما يأذن جلّ جلاله لي في إظهاره من إسراره و ما هداني إليه، كتابا مؤلّفا اسميه كتاب تتمات مصباح المتهجد و مهمات في صلاح المتعبد، و ها انا مرتب ذلك باللّه جلّ جلاله في عدة مجلدات يحتسب ما أرجوه من المهمات و التتمات:

المجلد الأول و الثاني: أسميه كتاب فلاح السائل في عمل يوم و ليلة و هو مجلدان (4).

____________

(1) ذكره الشهيد في مجموعته التي نقلها الجبعي عن خطه.

(2) كشف المحجة: 131.

(3) مهج الدعوات: 347.

(4) الجزء الثاني من هذا الكتاب مفقود.

18

و المجلد الثالث: اسميه كتاب زهرة الربيع في أدعية الأسابيع.

و المجلد الرابع: اسميه كتاب جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع.

و المجلد الخامس: اسميه كتاب الدروع الواقية من الاخطار فيما يعمل مثله كلّ شهر على التكرار.

و المجلد السادس: اسميه كتاب المضمار للسبّاق و اللحاق بصوم شهر إطلاق الأرزاق و عتاق الأعناق.

و المجلد السابع: اسميه كتاب السالك المحتاج إلى معرفة مناسك الحجّاج.

و المجلد الثامن و التاسع: اسمّيهما كتاب الإقبال بالأعمال الحسنة فيما نذكره مما يعمل ميقاتا واحدا كل سنة.

و المجلد العاشر: اسميه كتاب السعادات بالعبادات التي ليس لها وقت معلوم في الروايات بل وقتها بحسب الحادثات المقتضية و الأدوات المتعلقة بها.»

الّف السيد بعد هذه الكتب كتاب مهج الدعوات و منهج العنايات، قال في مقدّمة الكتاب:

«فانّني كنت علقت في أوقات رياض العقول و نقلت من خزائن بياض المنقول من الإحراز و القنوتات و الحجب و الدعوات المعظمة عن النبي و الأئمة النّجب و مهمات من الضراعات المتفرقة في الكتب ما هو كالمهج لاجسادها و المنهج لمرتادها».

ثم ألّف كتاب المجتنى من الدعاء المجتبى في ذكر دعوات لطيفة و مهمات شريفة [1].

ما أورده السيد (قدس اللّه جلّ جلاله سرّه) في عشرة مجلدات كتابه و غيرها من كتب الأدعية من الأدعية و الأعمال كلّها منقول من تلك الكتب الكثيرة التي لم يهيّأ لأحد قبله و لا بعده، و ليس فيها من منشئات السيد إلّا في عدّة مواضع صرّح فيها بأنه لم يجد في كتب الأدعية دعاء خاصّا به فأنشأ دعاء من نفسه- كما يظهر من بعض فصول كتاب المضمار و الدروع الواقية- و أكثر تلك الكتب كانت عنده معتمدة صحيحة مرويّة، و البعض الذي وجده و لم يكن له طريق معتبر إليه اكتفى فيه بعموم الحديث فيمن بلغه ثواب على عمل- كما أشار إليه في أول كتاب فلاح السائل.

ما يمتاز كتب السيد عن غيره هو في الحقيقة لصفاء ذاته و نورانيته و خلوص عمله، و أكثر كتبه مشحون بالمواعظ و النظريات الأخلاقية و ذكر كيفية معاملة العبد مع مولاه.

____________

[1] من منن اللّه عليّ ان وفّقني لتصحيح أغلب هذه الكتب كجمال الأسبوع و الدروع الواقية و مهج الدعوات و المجتنى و المضمار و الإقبال و سائر كتب السيد كسعد السعود و فرج المهموم و محاسبة النفس، و له الحمد كما هو أهله.

19

اما تأثير الدعوة الأخلاقية لا يأتي من مجرد شحن الكتاب بالنظريات الأخلاقية المجرّدة بل لروحية المؤلف أعظم الأثر في اجتذاب القلوب إلى الخير و الصواب، و من هنا اشترطوا في الواعظ ان يكون متّعظا.

و من العجيب ان قلب الرجل الاخلاقي يبرز ظاهرا على قلمه في مؤلفاته فتلمسه في ثنايا كلماته و بالعكس ذلك الرجل الذي لا قلب له فإنك لا تقرء منه الّا كلاما جافّا لا روح فيه مهما بلغت قيمته في حساب النظريات الأخلاقية و غيرها.

و في نظري ان قيمة كتب السيد في الروح المؤمنة التي تقرأها في ثناياه أكثر بكثير من قيمته العلميّة، و انّي لا تحدّى قارئ هذه الكتب إذا كان مستعدّا للخير ان يخرج منه غير متأثّر بدعوته.

و هذا هو السرّ في اشتهار كتبه و الإقبال عليه، على انّه لا يزيد عن ناحية علميّة على بعض الكتب المتداولة التي لا نجد فيها هذا الذوق و الروحانية، و كتبه يكشف لنا عن نفسيّة المؤلف و ما كان عليه من خلق عال و ايمان صادق.

حتّى ان السيد ميّز بين كتبه و كتاب مصباح الزائر الذي ألّفه في بداية ما شرع في التأليف، بأنه خالية من الأسرار الربانيات و سلك فيه سبيل العادات (1).

ذكر السيد نفسه في جواب من قال: ان في أيدي الناس المصباح و غيره من المصنّفات ما ليس عندهم نشاطا للرغبة إليه فأي حاجة كانت إلى زيادة عليه:

«ان الذي أودعناه كتابنا هذا ما هو مجرّد زيادات و عبادات، و لا كان المقصود جمع صلوات و دعوات، و انّما ضمنّاه ما لم يعرف فيما وقفنا عليه المخالف و المؤالف مثل الذي هدانا اللّه جل جلاله بتصنيفه إليه، من كيفية معاملات اللّه جلّ جلاله بالإخلاص في عبادته و من عيوب الأعمال الّتي تفسد العمل و تخرجه من طاعة اللّه جلّ جلاله إلى معصية- الى ان قال:- مع ان الذي عملنا هذا العمل لأجله قد كان سلفنا أجرة أكثر من استحقاقنا على فعله، و أعطانا في الحال الحاضرة ما لم تبلغ آمالنا إلى مثله و وعدنا وعد الصدق بما لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين من فضله، فقد استوفينا أضعاف أجرة ما صنّفناه و وضعنا، و مهما حصل بعد ذلك إذا عمل عامل بمقتضاه و رغب فيما رغّبناه فهو مكسب على ما وهبناه.» [1]

و بالجملة للسيد (قدس اللّه جلّ جلاله إسراره) لتأليفه اجزاء كتاب التتمات و جمعها من تلك

____________

[1] ذكره في آخر كتاب إقبال الأعمال.

____________

(1) كشف المحجة: 139.

20

الكتب حقّ عظيم على جميع الشيعة، و كلّ من ألّف بعده كتابا في الدعاء فهو عيال عليه، مغترف من حياضه، متناول من موائده.

كلام حول كتاب المضمار و الإقبال:

هذا الكتاب الّذي بين يدي القارئ يشتمل على تأليفين ثمينين من تأليفات السيد، و هما كتاب المضمار السباق و اللحاق بصوم شهر إطلاق الأرزاق و عتاق الأعناق، [1] و كتاب الإقبال بالأعمال الحسنة فيما نذكره مما يعمل ميقاتا واحدا كل سنة.

ذكر السيد في كتاب المضمار اعمال شهر رمضان و أدعيتها و كيفية معاملة العبد مع مولاه في هذا الشهر و ذكر في كتاب الإقبال اعمال سائر الشهور، و هو في مجلدين: أشار في المجلد الأول من كتاب الإقبال فوائد شهر شوال و شهر ذي القعدة و شهر ذي الحجة، و ذكر في المجلد الثاني منه إعمال بقية الشهور.

صرّح السيد في مواضع من كتاب الإقبال ان تأليف كتاب المضمار قبل كتاب الإقبال، و أشار في خاتمة كتاب الإقبال أنه فرغ من تأليفه يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة خمسة و خمسون و ستمائة في الحائر الحسيني على مشرفها آلاف التحية و الثناء.

يظهر من بعض فصول الكتاب انه الحق بهذين الكتابين فصولا بعد تأليفهما، كما الحق فصلا في سنة ستين و ستمائة بعد ان وجد تعليقة غريبة على ظهر كتاب عتيق وصل إليه في معرفة أول شهر رمضان، و الحق فصلا في الثالث عشر من ربيع الأول سنة 662 حين تفطن فيه لانطباق حديث الملاحم على نفسه، و الحق في آخر شهر المحرم فصلا في سنة 656، و ذكر في ذلك الفصل انقراض دولة بني العباس في تلك السنة و جعل السلطان إياه نقيب العلويين و العلماء فيها.

ذكر السيد في خلال كتاب الإقبال كتاب اللطيف في التصنيف في شرح السعادة بشهادة صاحب المقام الشريف، و شرح فيه ما جرى في يوم عاشوراء من وصف الإقبال و القتال.

حيث إن هذين الكتابين طبع مرّات في مجلد واحد و اشتهر كلاهما باسم كتاب الإقبال، جعلناهما تحت عنوان الإقبال، و حيث إن أوّل شهور السنة في العبادات شهر رمضان، جعلنا المضمار مقدّما على الإقبال.

____________

[1] عبّر السيد عن كتابه هذا، بالمضمار من تحرير النيات للصيام.

21

كيفية التحقيق و التعليق:

1- اعتمدت في تصحيح الكتاب على نسخ الموجودة منه، إليك بعضها:

ألف- النسخة المحفوظة في مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) في مدينة مشهد المقدسة برقم 3319، فرغ ناسخه من كتابتها سنة 957.

ب- النسخة المحفوظة في مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) في مدينة مشهد المقدسة برقم 3318، فرغ ناسخه من كتابتها سنة 1074.

ج- النسخة المطبوعة الّتي قوبلت بعدّة نسخ سنة 1320.

جدير بالذكر: يوجد نسخ أخرى من هذا الكتاب في مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) و مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي العامة، التي راجعنا إليها عند الحاجة، و يوجد في هامش بعضها خطوط بعض العلماء كوالد المجلسي (رحمه اللّه) يطول بذكرها الكلام، و النسخة الأولى أقدم نسخ الموجودة من هذا الكتاب.

2- يوجد في هذين الكتابين موارد يظهر بالتأمل و المراجعة بنسخ الخطية انها من إضافات النّساخ، كأدعية الأيام في شهر رمضان من مجموعة مولانا زين العابدين (عليه السلام)، و من اختيار المصباح لسيد بن الباقي.

3- سقط من كتاب المضمار خطبة المؤلف في أولها و سقط بعضها من المجلد الأول من كتاب الإقبال، و أيضا سقط من كتاب المضمار حديث تعظيم شهر رمضان من رواية المفيد (رحمه اللّه) و بقي منه سطر واحد، و حيث اننا وجدنا هذه الرواية ذكرناها في المتن و حفظا لكلام المؤلف جعلناها بين المعقوفتين.

4- استخرجت النصوص الحديثيّة و الأدعية الواردة في المتن من مصادرها الأصلية الموجودة، و استقصيت كل ما نقله الشيخ في مصباحه و الكفعمي في مصباحيه، و العلامة المجلسي في بحار الأنوار و المحدث الحر العاملي في الوسائل و المحدث النوري في المستدرك، مع ذكر مظانها في الهامش، و لا نقصد به التوثيق المصدري و انّما تفيدنا في تقويم النص و ضبط الاعلام و أمور أخرى.

5- اعتمدت بقدر الإمكان على التلفيق بين الكتاب و ما نقل في كتب الأدعية و المجاميع الحديثية، لإثبات نصّ صحيح أقرب ما يكون لما تركه المؤلف، لعدم العثور على نسخة اصلية قابل للاعتماد عليه، و وجود السقط و التحريف في النسخ.

6- بذلت جهد الإمكان في ضبط الاعلام الواردين في الكتاب خصوصا عند اختلاف

22

الكتب، و شرحت بعض مفاهيم المشكلة و الألفاظ عند الحاجة إليها.

7- نظرا لأهميّة الفهرس في مساعدة القارئ في استخراج المطالب التي يحتاجها، رتّبت مجموعة من الفهارس الفنية بمقدار ما يتحمله الكتاب من ذلك.

و في الختام نشكر شكرا جزيلا لسماحة العلامة المحقق حجة الإسلام السيد عبد العزيز الطباطبائي، الذي شملني عنايته الابويّة في تحقيق هذا الكتاب و سائر ما من اللّه جلّ جلاله عليّ بتحقيقها، جزاه اللّه عنّي خير الجزاء و وفّقه لما يحبّ و يرضى.

يوم ولادة مولانا والد الحجة أبي محمّد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) 8 ربيع الثاني سنة 1414 هجواد القيومي الأصفهاني

23

الباب الأول فيما نذكره من فوائد شهر رمضان

و فيه فصول:

فصل (1) في تعظيم شهر رمضان

[من الروايات [1] في تعظيم شهر رمضان ما

رواه شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في أماليه، قال:

حدّثنا أبو الطيّب الحسين بن محمّد التمّار، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الشّاهد، قال:

حدّثنا أبو الحسين أحمد بن محمّد بن أبي مسلم، قال: حدّثنا أحمد بن خليس الرّازي، قال:

حدّثنا القاسم بن الحكم العرنيّ، قال: حدّثنا هشام بن الوليد، عن حمّاد بن سليمان السّدوسي، قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمّد السّيرافي، قال: حدّثنا الضحّاك بن مزاحم، عن عبد اللّه بن العبّاس بن عبد المطلب أنّه سمع النّبي (صلى اللّه عليه و آله) يقول:

____________

[1] لم يوجد في النسخ المخطوطة الموجودة من الإقبال خطبة المؤلف في أوّله- كما هي دأبه في تصانيفه- و كما لم يوجد في النسخ ما ذكرناه في العنوان من الباب الأول و الفصل الأول، و أيضا سقط من النسخ هذا الحديث، و الموجود منه آخر الحديث، «الملائكة و تستبشر و تهني- إلخ»، و بما ان هذا الحديث هو ما ذكره المؤلف ذكرناه في المتن، و حفظا لكلام المؤلف جعلناه في المعقوفتين.

24

إنّ الجنّة لتنجّد

(1)

و تزيّن من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كان أوّل ليلة منه هبّت ريح من تحت العرش يقال لها: المثيرة، تصفق ورق أشجار الجنان و حلق المصاريع

(2)

، فيسمع لذلك طنين لم يسمع السّامعون أحسن منه، و تبرزن

(3)

الحور العين حتّى يقفن بين شرف الجنّة، فينادين: هل من خاطب إلى اللّه عزّ جلّ فيزوّجه؟ ثم يقلن: يا رضوان ما هذه اللّيلة؟ فيجيبهنّ بالتّلبية، ثم يقول: يا خيرات حسان! هذه أوّل ليلة من شهر رمضان، قد فتحت أبواب الجنان للصّائمين من امّة محمد (صلى اللّه عليه و آله).

قال: و يقول له عزّ و جلّ: يا رضوان! افتح أبواب الجنان، يا مالك! أغلق أبواب الجحيم عن الصائمين من امّة محمّد، يا جبرئيل! أهبط إلى الأرض فصفّد مردة الشياطين، و غلّقهم بالأغلال، ثمّ اقذف بهم في لجج البحار حتّى لا يفسدوا على امّة حبيبي صيامهم.

قال: و يقول اللّه تبارك و تعالى في كلّ ليلة من شهر رمضان ثلاث مرّات: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ من يقرض الملي

(4)

غير المعدم و الوفيّ غير الظّالم؟

قال: و انّ للّه تعالى في آخر كلّ يوم من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النّار، فإذا كانت ليلة الجمعة و يوم الجمعة، أعتق في كلّ ساعة منهما ألف ألف عتيق من النّار، و كلهم قد استوجبوا العذاب، فإذا كان في آخر يوم من شهر رمضان أعتق اللّه في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أوّل الشهر إلى آخره.

فإذا كانت ليلة القدر أمر اللّه عزّ و جلّ جبرئيل (عليه السلام)، فهبط في كتيبة من الملائكة إلى الأرض، و معه لواء أخضر، فيركز اللّواء على ظهر الكعبة، و له ستّمائة جناح، منها جناحان لا ينشرهما إلّا في ليلة القدر، فينشرهما تلك اللّيلة، فيتجاوزان المشرق و المغرب، و يبثّ جبرئيل الملائكة في هذه اللّيلة، فيسلّمون على كلّ قائم و قاعد، و مصلّ

____________

(1) نجد البيت: زيّنه، تنجّد الشيء: ارتفع.

(2) المصاريع جمع مصراع، و المراد مصراع الباب.

(3) كذا في النسخ، و القياس: تبرز.

(4) المليء: الغني و المقتدر، يعني من يقرض الغني الوفي الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء.

25

و ذاكر، و يصافحونهم و يؤمّنون على دعائهم حتّى يطلع الفجر.

فإذا طلع الفجر نادى جبرئيل (عليه السلام): يا معشر الملائكة! الرّحيل الرّحيل، فيقولون: يا جبرئيل! فما ذا صنع اللّه تعالى في حوائج المؤمنين من امّة محمد؟ فيقول: انّ اللّه تعالى نظر إليهم في هذه اللّيلة فعفا عنهم و غفر لهم إلّا أربعة.

قال: فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و هؤلاء الأربعة: مدمن الخمر، و العاق لوالديه، و القاطع الرحم، و المشاحن

(1)

.

فإذا كانت ليلة الفطر، و هي تسمّى ليلة الجوائز، أعطى اللّه العاملين أجرهم بغير حساب، فإذا كانت غداة يوم الفطر بعث اللّه الملائكة في كلّ البلاد، فيهبطون إلى الأرض و يقفون على أفواه السّكك، فيقولون: يا امّة محمد اخرجوا إلى ربّ كريم، يعطي الجزيل و يغفر العظيم، فإذا برزوا إلى مصلّاهم قال اللّه عزّ و جلّ للملائكة: ملائكتي! ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ قال: فتقول الملائكة: إلهنا و سيّدنا جزاؤه إن توفّي أجره.

قال: فيقول اللّه عزّ و جلّ: فانّي أشهدكم ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم عن صيامهم شهر رمضان و قيامهم فيه رضاي و مغفرتي، و يقول: يا عبادي! سلوني فوعزّتي و جلالي لا تسألوني اليوم في جمعكم لآخرتكم و دنياكم إلّا أعطيتكم، و عزّتي لأسترنّ عليكم عوراتكم ما راقبتموني، و عزّتي لآجرتكم

(2)

و لا أفضحكم بين يدي أصحاب الخلود، انصرفوا مغفورا لكم، قد أ رضيتموني و رضيت عنكم.

قال: فتفرح]

(3)

الملائكة و تستبشر و يهنّئ بعضها بعضا بما يعطي اللّه هذه الأمّة إذا أفطروا

(4).

و من ذلك ما رواه محمد بن أبي القاسم الطبري في كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى بإسناده إلى الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن

____________

(1) المشاحن: المباغض الممتلئ عداوة.

(2) أجاره اللّه من العذاب: أنقذه.

(3) الموجود من الحديث في النسخ من هنا إلى آخر الحديث.

(4) رواه المفيد في أماليه: 229، عنه المستدرك 7: 429، أورده الصدوق بسند آخر في فضائل الأشهر الثلاثة: 125 مع اختلاف، عنه البحار 96: 339.

26

الحسين، عن أبيه السيد الشهيد الحسين بن علي، عن أبيه سيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال:

انّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) خطبنا ذات يوم فقال:

أيّها النّاس! انّه قد أقبل إليكم شهر اللّه بالبركة و الرّحمة و المغفرة، شهر هو عند اللّه أفضل الشهور، و أيّامه أفضل الأيّام، و لياليه أفضل الليالي، و ساعاته أفضل الساعات، و هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة اللّه، و جعلتم فيه من أهل كرامة اللّه، أنفاسكم فيه تسبيح، و نومكم فيه عبادة، و عملكم فيه مقبول، و دعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا اللّه ربّكم بنيّات صادقة و قلوب طاهرة، ان يوفّقكم اللّه لصيامه و تلاوة كتابه، فإنّ الشّقي من حرم غفران اللّه في هذا الشهر العظيم.

اذكروا بجوعكم و عطشكم فيه جوع يوم القيامة و عطشه، و تصدّقوا على فقرائكم و مساكينكم، و وقّروا كباركم، و ارحموا صغاركم، و صلوا أرحامكم، و احفظوا ألسنتكم، و غضّوا عمّا لا يحلّ النّظر إليه أبصاركم، و عمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم، و تحنّنوا على أيتام النّاس يتحنّن على أيتامكم، و توبوا إلى اللّه من ذنوبكم، و ارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنّها أفضل السّاعات، ينظر اللّه عزّ و جلّ فيها بالرّحمة إلى عباده، و يجيبهم إذا ناجوه، و يلبّيهم إذا نادوه و يستجيب لهم إذا دعوه.

أيّها النّاس! انّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكّوها باستغفاركم، و ظهوركم ثقيلة من أوزاركم، فخفّفوا عنها

(1)

بطول سجودكم، و اعلموا انّ اللّه عزّ و جلّ ذكره اقسم بعزّته ان لا يعذّب المصلّين و الساجدين، و ان لا يروعهم بالنّار،

يَوْمَ يَقُومُ النّٰاسُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ.

أيّها النّاس! من فطّر منكم صائما مؤمنا في هذا الشّهر كان له بذلك عند اللّه عتق رقبة و مغفرة لما مضى من ذنوبه، فقيل: يا رسول اللّه و ليس كلّنا نقدر على ذلك؟ فقال (عليه السلام): اتّقوا النار و لو بشقّ تمرة، اتّقوا النار و لو بشربة من ماء.

أيّها النّاس! من حسّن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزلّ فيه الاقدام، و من خفّف منكم في هذا الشّهر عمّا ملكت يمينه خفّف اللّه عليه حسابه، و من كفّ فيه شرّه كفّ اللّه عنه غضبه يوم يلقاه، و من أكرم فيه يتيما أكرمه

____________

(1) فخففوها (خ ل).

27

اللّه يوم يلقاه، و من وصل فيه رحمه وصله اللّه برحمته يوم يلقاه، و من قطع فيه رحمه قطع اللّه عنه رحمته يوم يلقاه، و من تطوّع فيه بصلاة كتب اللّه له براءة من النّار، و من أدّى فيه فرضا كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، و من أكثر فيه من الصّلاة عليّ ثقّل اللّه ميزانه يوم تخفّ الموازين، و من تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.

أيّها الناس! انّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة فاسألوا ربّكم ان لا يغلقها عليكم، و أبواب النّيران مغلقة فاسألوا ربّكم ان لا يفتحها عليكم، و الشياطين مغلولة فاسألوا ربكم الّا يسلّطها عليكم.

قال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): فقمت و قلت: يا رسول اللّه! ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن! أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم اللّه عزّ و جلّ، ثم بكى، فقلت: يا رسول اللّه! ما يبكيك؟ فقال: يا علي! لما يستحلّ منك في هذا الشهر، كأنّي بك و أنت تصلّي لربك و قد انبعث أشقى الأولين و الآخرين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فيضربك ضربة على قرنك

(1)

تخضب منها

(2)

لحيتك.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فقلت: يا رسول اللّه! و ذلك في سلامة من ديني؟ فقال (عليه السلام): في سلامة من دينك، ثم قال:

يا علي! من قتلك فقد قتلني، و من أبغضك فقد أبغضني، و من سبّك فقد سبّني، لأنّك منّي كنفسي، روحك من روحي، و طينتك من طينتي، انّ اللّه عزّ و جلّ خلقني و إيّاك، و اصطفاني و إيّاك، و اختاروني للنبوّة و اختارك للإمامة، فمن أنكر امامتك فقد أنكر نبوتي.

يا عليّ أنت وصيي و أبو ولدي و زوج ابنتي و خليفتي على أمّتي في حياتي و بعد موتي، أمرك أمري و نهيك نهيي، أقسم بالّذي بعثني بالنّبوة و جعلني خير البريّة أنّك حجّة اللّه على خلقه و أمينه على سرّه و خليفته في عباده

(3)

.

____________

(1) القرن: الزيادة العظيمة التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، و في الإنسان موضعه من رأسه.

(2) بها (خ ل).

(3) بشارة المصطفى:.، رواه الصدوق في أماليه: 84، فضائل الأشهر الثلاثة: 77، عيون الأخبار 1: 295، عنهم الوسائل 10: 313، البحار 96، 358، أخرجه مختصرا في الكافي 4: 67، التهذيب 3: 57 و 152، الفقيه 2: 58، أورد صدره مع اختلاف في دعائم الإسلام 1: 269، عنه المستدرك 7: 437 و 354.

28

و من ذلك ما

رواه الشيخ علي بن عبد الواحد بن علي بن جعفر النهدي في الكتاب المشتهر بالمأثور من العمل في الشهور من عمل شهر رمضان، قال: حدّثني عبد اللّه بن محمد الثعالبي و محمد بن موسى القزويني، عن علي بن حاتم، قال: حدّثني (1) حميد بن زياد، قال:

حدثنا أحمد بن الحسين النخاس (2)، عن زكريا المؤمن، عن عبد الملك بن عتبة (3)، عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

إذا كان أول ليلة من شهر رمضان غفر اللّه لمن شاء من الخلق، فإذا كانت اللّيلة التي تليها ضاعفهم، فإذا كانت اللّيلة الّتي تليها ضاعف كلّما أعتق، حتّى آخر ليلة في شهر رمضان تضاعف مثل ما أعتق في كلّ ليلة

(4)

.

و من ذلك ما رواه أيضا علي بن عبد الواحد المشار إليه (رضوان اللّه عليه)، عنهما، عن علي بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه، قال: حدثنا علي بن محمد، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى قابل، الّا ان يشهد عرفة.

(5) فصل (2) في تعظيم التلفّظ بشهر رمضان

رأيت و رويت من (6) كتاب الجعفريات، و هي ألف حديث بإسناد واحد عظيم

____________

(1) حدثنا (خ ل).

(2) في الأصل: أحمد بن الحسن، ما أثبتناه هو الصحيح، راجع معجم الرجال 2: 100.

(3) عنبسة (خ ل).

(4) رواه مع اختلاف في الكافي 4: 68، و الصدوق في الفقيه 2: 98، الأمالي: 56، ثواب الأعمال: 92، فضائل الأشهر الثلاثة: 74، و الشيخ في التهذيب 4: 153، و في أماليه 2: 111، عنهم الوسائل 10: 310.

(5) رواه الصدوق في الفقيه 2: 99، و الكليني في الكافي 4: 66، و الشيخ في التهذيب 4: 192، عنهم الوسائل 10: 305، أورده في دعائم الإسلام 1: 269، عنه البحار 96، 342، المستدرك 7، 437، رواه في البحار 96:

375 عن أمالي الشيخ.

(6) في (خ ل).

29

الشأن، إلى مولانا موسى بن جعفر (عليهما السلام)، عن مولانا جعفر بن محمد، عن مولانا محمد بن علي، عن مولانا علي بن الحسين، عن مولانا الحسين، عن مولانا علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليهم أجمعين) قال:

لا تقولوا رمضان، فإنّكم لا تدرون ما رمضان، فمن قاله فليتصدّق و ليصم كفّارة لقوله، و لكن قولوا كما

(1)

قال اللّه تعالى: شهر رمضان.

(2)

و هذا الحديث وقف فيه الإسناد في الأصل عن مولانا علي (صلوات اللّه عليه)، و قد روينا في غير هذا [الكتاب] (3) انّ كلّما روي عن مولانا عليّ فهو عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

فصل (3) فيما نذكره من علل التشريف بتكليف الصيام

اعلم انّ أصل علّة التكليف انّه تشريف لعبادة من يستحقّ العبادة، لأنّه جل جلاله أهل لها، فهذه العلّة الأصليّة في التكاليف الإلهيّة.

و امّا تعيين وجه اختيار اللّه جلّ جلاله من العبد ان تكون خدمته له بجنس من الطاعات و على وجه متعيّن في بعض الأوقات، فهذا طريقة عن العالم بالغائبات على لسان رسله (عليهم السلام)، و على لسان ملائكته و من شاء من خاصّته عليهم أفضل الصلوات.

فممّا (4) رويناه في علّة التشريف بالصّيام بطرق كثيرة في عدة أحاديث:

منها ما

رويناه بإسنادنا إلى جدي أبي جعفر الطوسي، بإسناده إلى الشيخين المعتمدين علي بن حاتم القزويني في كتابه كتاب علل الشريعة، و إلى الشيخ أبي جعفر

____________

(1) قولوا شهر رمضان كما قال اللّه تعالى: شهر رمضان (خ ل).

(2) الجعفريات: 59، عنه المستدرك 7، 438، رواه الكليني في الكافي 4: 69، و الصدوق في الفقيه 2: 173، معاني الأخبار: 315، فضائل الأشهر الثلاثة: 93، عنهم البحار 96: 377، الوسائل 10: 319، ذكره مع اختلاف في بصائر الدرجات: 331، عنه المستدرك 7: 438، رواه الراوندي في نوادره: 47، عنه البحار 96: 377.

(3) هو الظاهر.

(4) و مما (خ ل).

30

محمد بن بابويه ممّا ذكره في كتاب من لا يحضره الفقيه، فقالا جميعا بإسنادهما إلى هشام بن الحكم

انه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن علة الصيام فقال:

انما فرض اللّه الصيام ليستوي

(1)

به الغني و الفقير، و ذلك انّ الغني لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئا قدر عليه، فأراد اللّه عزّ و جلّ ان يسوّي بين خلقه، و ان يذيق الغني مسّ الجوع و الألم، ليرقّ على الضعيف و يرحم الجائع.

(2) و من ذلك بالإسناد المشار إليه من كتاب ابن بابويه أيضا، فيما رواه عن مولانا الحسن بن علي بن أبي طالب (صلوات اللّه عليهما) قال:

جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله ان قال له: لأيّ شيء فرض اللّه عز و جلّ الصّوم على أمّتك بالنهار ثلاثين يوما، و فرض على الأمم أكثر من ذلك؟ فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله):

انّ آدم (عليه السلام) لمّا أكل من الشّجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما، ففرض اللّه على ذرّيته الجوع و العطش، و الذي يأكلونه بالليل تفضّل من اللّه عزّ و جلّ عليهم، و كذلك كان على آدم، ففرض اللّه ذلك على أمّتي، ثم تلا هذه الآية

«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» (3).

قال اليهودي: صدقت يا محمد، فما جزاء من صامها؟ فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله):

ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلّا أوجب اللّه عزّ و جلّ له سبع خصال: أوّلها:

يذوب

(4)

الحرام في جسده، و الثانية: لا يبعد من رحمة اللّه تعالى، و الثالثة: يكون قد كفّر خطيئة أبيه آدم، و الرابعة: يهوّن اللّه عز و جل عليه سكرات الموت، و الخامسة: أمان من الجوع و العطش يوم القيامة، و السادسة: يعطيه اللّه عزّ و جلّ براءة من النار، و السابعة:

يطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، قالت اليهود: صدقت يا محمد.

(5)

____________

(1) ليسوّي (خ ل).

(2) الفقيه 2: 73، علل الشرائع: 378، فضائل الأشهر الثلاثة: 102، عنهم الوسائل 10: 7.

(3) البقرة: 183.

(4) لا يدوم (خ ل).

(5) الفقيه 2: 74، الخصال 2: 530.

31

الباب الثاني فيما نذكره من الرواية بأن أوّل السنة شهر رمضان و اختلاف القول في الكمال و النقصان

فممّا رويناه في ذلك بعدة أسانيد إلى مولانا الصادق (عليه السلام) انّه قال:

إذا سلم شهر رمضان سلمت السنة، و قال: رأس السنّة شهر رمضان.

(1) و روينا بإسنادنا إلى محمد بن يعقوب الكليني من كتاب الكافي بإسناده إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

انّ الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السموات و الأرض، فغرّة الشهور

(2)

شهر اللّه عزّ و جل و هو شهر رمضان، و قلب شهر رمضان ليلة القدر، و نزّل القرآن في أوّل ليلة شهر رمضان، فاستقبل

(3)

الشهر بالقرآن.

(4)

و رويناه أيضا عن أبي جعفر بن بابويه من كتاب من لا يحضره الفقيه.

(5) و من ذلك ما رويناه بإسنادنا إلى علي بن فضال من كتاب الصيام بإسناده إلى ابن

____________

(1) رواه الشيخ في التهذيب 4: 333، عنه الوسائل 10: 311.

(2) غرة الشهور أي أوّلها، في النهاية: غرة كل شيء أوّله، أو المراد بها أفضلها و أكملها، و في النهاية: كل شيء ترفع قيمته فهو غرة.

(3) و استقبل (خ ل).

(4) الكافي 4: 67.

(5) رواه الصدوق في الفقيه 2: 99، الأمالي: 60، فضائل الأشهر الثلاثة: 87، عنهم الوسائل 10: 353 و 306، رواه الشيخ في التهذيب 4: 192، عنه البحار 58، 376.

32

أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

شهر رمضان رأس السنة.

(1) و بهذا الاسناد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إذا سلم شهر رمضان سلمت السنة.

و ذكر الطّبري في تاريخه انّ فرض صوم شهر رمضان نزل به القرآن في السنة الأولى من هجرة النبي (صلى اللّه عليه و آله) في شعبانها (2).

و اعلم انّني وجدت الروايات مختلفات في انّه هل أوّل السّنة المحرّم أو شهر رمضان، لكنّني رأيت من عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين و كثيرا من تصانيف علمائهم الماضين، انّ أوّل السّنة شهر رمضان على التعيين، و لعلّ شهر الصيام أوّل العام في عبادات الإسلام، و المحرم أول السنة في غير ذلك من التواريخ و مهامّ الأنام.

لأن (3) اللّه جلّ جلاله عظّم شهر رمضان، فقال جل جلاله «شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ»، (4) فلسان حال هذا التّعظيم كالشاهد لشهر رمضان بالتقديم.

و لانّه لم يجر لشهر من شهور السّنة ذكر باسمه في القرآن و تعظيم امره الّا لهذا الشهر، شهر الصيام، و هذا الاختصاص بذكره كأنّه ينبّه- و اللّه اعلم- على تقديم امره.

و لأنّه إذا كان أوّل السنة شهر الصيام، و فيه ما قد اختصّ به من العبادات الّتي ليست في غيره من الشهور و الأيّام، فكأنّ (5) الإنسان قد استقبل أول السنة بذلك الاستعداد و الاجتهاد، فيرجى ان يكون باقي السنة جاريا على السّداد و المراد، و ظاهر دلائل المعقول و كثير من المنقول انّ ابتداءات الدخول في الأعمال، هي أوقات التّأهب و الاستظهار لأوساطها و لأواخرها على كلّ حال.

____________

(1) عنه البحار 58: 376.

(2) تاريخ الطبري 2: 394.

(3) زيادة: و ربما كان له احتمال في الإمكان (خ ل).

(4) البقرة: 185.

(5) فكان (خ ل).

33

و لانّ فيه ليلة القدر الّتي يكتب فيها مقدار الآجال و إطلاق الآمال، و ذلك منبّه على انّ شهر الصيام هو أوّل السنة، فكأنّه فتح لعباده في أوّل دخولها أن يطلبوا أطول (1) آجالهم و بلوغ آمالهم، ليدركوا آخرها و يحمدوا مواردها و مصادرها.

و

روى محمد بن يعقوب و ابن بابويه في كتابيهما- و اللفظ لابن يعقوب- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

ليلة القدر هي أول السنة و هي آخرها

(2). و لأنّ الاخبار بأنّ شهر رمضان أول السنة أبعد من التقيّة، و أقرب إلى انّه مراد العترة النبويّة، و حسبك شاهدا و تنبيها و آكدا، ما تضمّنته الأدعية المنقولة في أول شهر رمضان بأنّه أول السنة على التعيين و البيان.

و اعلم انّ اختلاف أصحابنا في شهر رمضان، هل يمكن ان يكون تسعة و عشرين يوما على اليقين، أو انّه ثلاثون لا ينقص أبد الآبدين، فإنّهم كانوا قبل الآن مختلفين، و امّا الآن فلم أجد ممّن شاهدته أو سمعت به في زماننا، و ان كنت ما رأيته أنّهم يذهبون إلى انّ شهر رمضان لا يصحّ عليه النقصان، بل هو كسائر الشهور في سائر الأزمان.

و لكنّني اذكر بعض ما عرفته ممّا كان جماعة من علماء أصحابنا معتقدين له و عاملين عليه، من انّ شهر رمضان لا ينقص ابدا عن الثلاثين يوما.

فمن ذلك ما حكاه شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في كتاب لمح البرهان، فقال عقيب الطعن على من ادّعى و حدث هذا القول و قلّة القائلين به ما هذا لفظه المفيد:

ممّا يدلّ على كذبه و عظم بهته انّ فقهاء عصرنا هذا، و هو سنة ثلاث و ستّين و ثلاثمائة، و رواته و فضلاؤه، و ان كانوا أقلّ عددا منهم في كلّ عصر مجمعون عليه و يتديّنون به و يفتون بصحته و داعون إلى صوابه، كسيّدنا و شيخنا الشريف الزكي أبي محمد الحسيني أدام اللّه عزّه، و شيخنا الثقة الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه

____________

(1) طول (خ ل).

(2) الفقيه 2: 156، الكافي 4: 160، الخصال 2: 519، عنهم الوسائل 10: 353، البحار 58: 378.

34

أيده اللّه تعالى، و شيخنا الفقيه أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، و شيخنا أبي عبد اللّه الحسين بن علي بن الحسين أيدهما اللّه، و شيخنا أبي محمد هارون بن موسى أيده اللّه.

أقول انا: و من أبلغ ما رأيته و رؤيته في كتاب الخصال للشيخ أبي جعفر محمد بن بابويه (رحمه اللّه)، و قد أورد أحاديث بأنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما، و قال ما هذا لفظه:

قال مصنف هذا الكتاب: مذهب خواص الشيعة و أهل الاستبصار منهم في شهر رمضان انّه لا ينقص عن ثلاثين يوما ابدا، و الاخبار في ذلك موافقة لكتاب و مخالفة للعامة، فمن ذهب من ضعفة الشيعة إلى الأخبار الّتي وردت للتقيّة في انه ينقص و يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان و التمام، اتّقي كما تتّقي العامة، و لم يكلّم الّا بما يكلّم به العامّة و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه- هذا آخر لفظه. (1)

أقول: و لعلّ عذر المختلفين في ذلك و سبب ما اعتمد بعض أصحابنا قديما عليه بحسب ما ادّتهم الأخبار المنقولة إليه، و رأيت في الكتب أيضا انّ الشيخ الصدوق المتفق على أمانته، جعفر بن محمد بن قولويه تغمده اللّه برحمته، مع من (2) كان يذهب إلى انّ شهر رمضان لا يجوز عليه النقصان، فإنّه صنّف في ذلك كتابا و قد ذكرنا كلام المفيد عن ابن قولويه.

و وجدت للشيخ محمد بن أحمد بن داود القمي (رضوان اللّه جلّ جلاله عليه) كتابا قد نقض به كتاب جعفر بن قولويه، و احتجّ بأنّ شهر رمضان له أسوة بالشهور كلّها.

و وجدت كتابا للشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، سمّاه لمح البرهان، الذي قدمنا ذكره قد انتصر فيه لأستاده و شيخه جعفر بن قولويه، و يرد على محمد بن أحمد بن داود القمي، و ذكر فيه ان شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين و تأوّل اخبارا ذكرها تتضمّن انه يجوز ان يكون تسعا و عشرين.

____________

(1) الخصال 2: 531.

(2) مع ما كان (خ ل).

35

و وجدت تصنيفا للشيخ محمد بن علي الكراجكي يقتضي انّه قد كان في أول أمره قائلا بقول جعفر بن قولويه في العمل على انّ شهر الصيام لا يزال ثلاثين على التمام، ثمّ رأيت له مصنّفا آخر سمّاه الكافي في الاستدلال، قد نقض فيه على من قال بأنّه لا ينقص عن ثلاثين و اعتذر عمّا كان يذهب إليه، و ذهب إلى انّه يجوز ان يكون تسعا و عشرين.

و وجدت شيخنا المفيد قد رجع عن كتاب لمح البرهان، و ذكر انه قد صنف كتابا سماه مصابيح النور، و انه قد ذهب فيه إلى قول محمد بن أحمد بن داود في ان شهر رمضان له أسوة بالشهور في الزيادة و النقصان. (1)

أقول: و هذا أمر يشهد به الوجدان و العيان، و عمل أكثر من سلف و عمل من أدركناه من الاخوان، و انّما أردنا ان لا يخلو كتابنا من الإشارة إلى قول بعض من ذهب إلى الاختلاف من أهل الفضل و الورع و الإنصاف، و انّ الورع و الدين حملهم على الرجوع إلى ما عادوا إليه، من انّه يجوز ان يكون ثلاثين و ان يكون تسعا و عشرين.

أقول: و ان كان الأمر كما قاله العلماء المنجّمون، من انّ الهلال يتعذّر معرفته على التّحقيق، فربّما قوى ذلك دعوى من يدّعي انّ شهر رمضان لا ينقص ابدا، و يقول انّه قد أهلّ قبل رؤية الناس له و ان لم يروه.

أقول: و ممّا وقفت عليه من قول المنجّمين في انّ رؤية الهلال لا يضبط بالتحقيق ما ذكره محمد بن إسحاق المعروف بالنديم في كتاب الفهرست في الجزء الرابع عند ترجمة يعقوب بن إسحاق القندي، و قال في مدحه له: انه فاضل دهره و واحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ثم ذكر كتبه في فنون عظيمة من العلوم، و قال في كتبه النجوميّات كتاب رسالته في انّ رؤية الهلال لا تنضبط بالحقيقة و انما القول فيها بالتقريب- هذا آخر لفظه.

أقول (2) و قد روينا من كتاب من لا يحضره الفقيه لأبي جعفر محمد بن بابويه رضوان

____________

(1) الرسالة العدديّة: 15- 22، عنه المستدرك 7: 407- 410.

(2) فصل (خ ل).

36

اللّه عليه، انّ الهلال قد يستتر عن الناس عقوبة لهم في عيد شهر رمضان و في عيد الأضحى، فقال ما هذا لفظه

بإسناده عن رزين قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

لما ضرب الحسين بن علي (عليهما السلام) بالسيف و سقط ثم ابتدروا قطع رأسه، نادى مناد من بطنان العرش: ألا أيّتها الأمة المتحيرة الضالة بعد نبيّها لا وفّقكم اللّه لأضحى و لا فطر- و في خبر آخر: لصوم و لا فطر- قال: ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فلا جرم و اللّه ما وفّقوا و لا يوفّقون حتى يثور ثائر

(1)

الحسين (عليه السلام).

(2)

فصل: و رأيت في المجلد الأول من دلائل الإمامة لمحمد بن جرير بن رستم الطبري

عند ذكره للاسراء بالنبي (صلى اللّه عليه و آله) عنه ما هذا لفظه:

و لكن أخبركم بعلامات الساعة: يشيخ الزمان و يكثر الذهب و تشحّ الأنفس و تعقم الأرحام و تقطع الأهلّة عن كثير من الناس.

أقول: فهذا أيضا ممّا يقتضي انّ الهلال قد يستتر عقوبة من اللّه جلّ جلاله، فيكون الظّاهر بمعرفة الهلال على اليقين بدلالة من ربّ العالمين، قد تشرّف (3) بما يعجز عنه شكر الشاكرين، و الحمد للّه الذي جعلنا بذلك عارفين.

____________

(1) الثائر: الطالب بالثأر، و هو طلب الدم، يقال: ثأرت القتيل فأنا ثائر أي قتلت قاتله، و المراد به صاحب الأمر (عليه السلام) الذي ينتقم من قتلته.

(2) رواه الصدوق في الفقيه 2: 175، علل الشرائع: 389، عنهما الوسائل 10: 296، رواه في الكافي 4: 170 عنه الوسائل: 10: 295.

(3) شرف عنه (خ ل).

37

الباب الثالث فيما نذكره من الاستعداد لدخول شهر رمضان

و فيه فصول:

فصل (1) فيما نذكره من فضل بذل الطعام لافطار الصوم و الاستظهار للصيام بإصلاح الطعام

اعلم انّ فضل إطعام الطّعام معقول فضله بأنوار العقول المصدّقة للأنبياء و المرسلين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و ذلك:

انّ القيام لأهل الصيام بالطعام كأنّه تملّك لطاعتهم و سلب (1) منهم لعبادتهم، فانّ القوة الموجودة في الأجساد الّذين تؤثرهم بالزّاد، تصير كأنّها قوّة العبد المطعم لهم الّتي في جسد مهجته.

فكما انّ قوّة جسده كلّما حصل بها كان معدودا من عبادته، فكذا يكون كلّما صدر عن القوّة بتفطير الصائم تكون مكتوبة لمن يطعمه في ديوان طاعته، فكأنّك قد اتّخذتهم مماليك يتعبون في خدمتك، و أنت ساكن، و يحملون ذخائرك إلى دار إقامتك، و أنت قاطن، و يخافون في مصلحتك، و أنت آمن، و حسبك ان تبتاع كلّ مملوك منهم بمقدار

____________

(1) في الأصل: تمليك، سبب، ما أثبتناه هو الظاهر.

38

طعامه و شرابه، و هذا فضل عظيم يعجز القلم عن شرح أبوابه و ثوابه.

أقول: و امّا من طريق المنقول:

فقد روينا بإسنادنا إلى محمد بن يعقوب الكليني، و أبي جعفر محمد بن بابويه، و جدّي أبي جعفر الطوسي رضي اللّه عنهم، بإسنادهم إلى الصادق (عليه السلام) انه قال:

من فطّر صائما فله أجر مثله.

(1) و بالإسناد عن أبي الحسن (عليه السلام) انّه قال:

تفطيرك أخاك الصائم أفضل من صيامك.

(2) و بالإسناد المقدّم أيضا عن الصادق (عليه السلام) انّه قال لسدير:

هل تدري أيّ ليال هذه؟ قال: نعم جعلت فداك هذه ليالي شهر رمضان، فما ذاك؟ فقال له: أ تقدر على ان تعتق في كل ليلة من هذه الليالي عشر رقاب من ولد إسماعيل؟ فقال له: بأبي أنت و أمي لا يبلغ مالي ذلك، فما يزال ينقص حتى بلغ به رقبة واحدة، في كلّ ذلك يقول: لا أقدر عليه، فقال له: أ فما تقدر ان تفطر في كلّ ليلة رجلا مسلما؟ فقال له: بلى و عشرة، فقال (عليه السلام) له: فذلك الذي أردت يا سدير، إفطارك أخاك المسلم يعدل رقبة من ولد إسماعيل.

(3) و بالإسناد أيضا عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال:

من فطّر في هذا الشهر مؤمنا صائما كان له بذلك عند اللّه عزّ و جلّ عتق رقبة مؤمنة، و مغفرة لما مضى من ذنوبه، فقيل له: يا رسول اللّه ليس كلّنا نقدر ان نفطر صائما؟ فقال: انّ اللّه تبارك و تعالى كريم يعطي هذا الثّواب منكم من لم يقدر الّا على مذقة

(4)

من لبن يفطر بها صائما، أو شربة من

____________

(1) الفقيه 2: 134، الكافي 4: 68، التهذيب 4: 201، مصباح المتهجّد 2: 626، أخرجه عن المصادر الوسائل 10: 138.

(2) الفقيه 2: 134، الكافي 4: 68، التهذيب 4: 201، عنهم الوسائل 1: 140، رواه في مصباح المتهجّد 2: 626، المحاسن: 396، عنه البحار 96: 317، و رواه في البحار 96: 317 عن مكارم الأخلاق: 158.

(3) الفقيه 2: 134، الكافي 4: 68، التهذيب 4: 201، المقنعة: 54، عنهم الوسائل 10: 139.

(4) مذق اللبن: مزجه بالماء، سقاه المذق أو المذقة: أي اللبن الممزوج بالماء.

39

ماء عذب، أو تميرات لا يقدر على أكثر من ذلك.

(1) أقول: و في هذا الشّهر بملك ملوك أهل الفضائل، فقد رويت عن جماعة منهم ابن بابويه قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير و أعطى كل سائل. (2)

و امّا الاستظهار للصيام بإصلاح الطعام:

فاعلم انّني انّما ذكرت انّ ذلك من المهام، لانّني وجدت الدّاخلين في صيام شهر رمضان، باعتبار ما تقوّوا به من الطعام و الشراب عدّة أصناف:

صنف منهم: كانت قوّته على الصوم من طعام حرام، فدخوله في الصّيام كنحو من وجب عليه الحجّ و فرّط فيه، فأخذ جملا حراما حجّ عليه.

و صنف منهم: كانت قوّته على الصّوم من طعام حرام و حلال مختلطا، فانّ دخوله في الصّيام كمن وجب عليه الحجّ و فرّط فيه، فأخذ جملا له بعضه بقدر الحلال من الطعام و لغيره بعضه بقدر الحرام و حجّ عليه.

و صنف منهم: كانت قوّته على الصيام بطعام حرام لا يعلم كونه حراما أو مختلطا من حلال و حرام، لا يعلم ذلك و يعتقد حلالا، فهو كنحو من وجب عليه الحجّ ففرّط فيه و استأجر جملا لا يعلم انّ الجمّال غصبه، أو كان ثمنه من حلال أو حرام، و اشتراه بعين الذهب، فإذا ظفر صاحب الجمل أو الشّريك بالجمل استعاده و منعه من العمل أو شركه فيما حصّل من الأمل.

و صنف: كانت قوّته على الصّيام بطعام حلال، لكنّه كان يأكله أكل الدّوابّ بمجرّد الشهوات، فحاله كحال من دخل حضرة الملوك، حين استدعوه للحضور لمجالستهم و ضيافتهم و كرامتهم، و ما تأدّب في المجيء إليهم في دوابّه و ثيابه و أسبابه، و كان في طريقه غافلا عنهم و مهوّنا بآداب السلوك إليهم، و قد كان قادرا ان يركب من الدّوابّ و يلبس

____________

(1) الفقيه 2: 135، الكافي 4: 68، التهذيب 3: 57 و 4: 201، مصباح المتهجّد 2: 627، المحاسن: 396، عنهم الوسائل 10: 138.

(2) رواه الصدوق في أماليه: 57، ثواب الأعمال: 96، فضائل الأشهر الثلاثة: 75، عنهم الوسائل 10: 315.

40

من الثّياب، و يستعمل من الأسباب ما يقرّبه إليهم فلم يفعل، و أتلف ما اكله بالشّهوات، و أتلف ساعات من عمره كانت من بضائع السعادات، و خاصّة إذا كان السلطان مطّلعا عليه في طريقه، و ناظرا إلى سوء توفيقه، فان عاتبوه فبعد لهم، و ان اكرموه فبفضلهم، و حسبه انّه نزل عن ان يكون ملكا يقرّ (1) بعين ربّ الأرباب، و رضي ان يكون كالدوابّ.

و صنف (2): دخل في صيام شهر رمضان بقوّة طعام كان قد اكتسبه بالمعاملة لمولاه جلّ جلاله و عمل فيه برضاه، و أكل منه بحسب ما يقوّيه على خدمة مالكه، فهذا دخل دار ضيافتهم و كرامتهم من الباب الّذي أرادوه، و اقتضى عدلهم و فضلهم ان يكرموه.

و صنف (3): دخل في الصّيام من طعام كان تارة يكون فيه معاملا للّه جلّ جلاله، و تارة معاملا للشّهوات، فله معاملة المراقبة (4) فيما عامل مولاه به، و عليه خطرات المعاتبة فيما ترك فيه معاملة مولاه بسوء أدبه.

و اعلم انّ هذه الأصناف المذكورين على أصناف آخر:

صنف: لمّا كان دخوله بطعام حرام و كان فطوره على حرام أو مختلط من حلال و حرام، فله حكم الإصرار.

و صنف: لمّا كان طعامه على ما لا يعلمه حراما أو مختلطا و فطوره (5) على مثل الّذي ذكرنا، فله وسيلة العذر بأنّه ما تعمّد سخط مولاه.

و صنف: لمّا كان طعامه على مقتضى الشّهوات و كان فطوره كذلك، فهو قريب من الدوابّ في تلك الحركات و السكنات.

و الصنف: الّذي عامل اللّه جلّ جلاله في الطعام و الفطور و جميع الأمور، فهو الّذي ظفر برضا مولاه و تلقّاه بالسرور.

____________

(1) يعزّ، يستقر (خ ل).

(2) صنف منهم (خ ل).

(3) صنف منهم (خ ل).

(4) وسيلة المراقبة (خ ل).

(5) فطره (خ ل).

41

و صنف: لمّا كان طعامه على طرق مختلفة: تارة معاملة للّه جلّ جلاله، و تارة للشّهوة و فطوره كذلك، فحاله كما قلناه في طعامه في نقصه و تمامه.

و صنف: لمّا كان طعامه امّا حراما أو مختلطا أو للشهوة (1)، لكنّه هذّب فطوره، فكان في فطوره على حال معاملة للّه جل جلاله، فحاله حال المراقبين أو التائبين، و هو قريب من المسعودين.

و صنف: لمّا كان طعامه معاملة للّه و كان فطوره للشهوة، فحاله كحال من كان مجالسا للملوك أو قريبا منهم، ثم فارقهم و قنع ان يكون بهيمة من الأنعام أو مفارقا للأنام و بعيدا عنهم.

أقول: و إذا كان الأمر هكذا في خطر الطعام، و كان قد تغلّب بنو أميّة و ولاة كثيرون على فساد أموال أهل الإسلام، و نقلها عن وجوهها الشرعية.

حتّى

لقد روينا من كتاب مسائل الرجال لمولانا أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليهما السلام)، قال محمد بن الحسن: قال محمد بن هارون الجلاب:

قلت له: روينا عن آبائك انّه يأتي على النّاس زمان لا يكون شيء أعزّ من أخ أنيس أو كسب درهم من حلال؟ فقال لي: يا أبا محمّد انّ العزيز موجود، و لكنّك في زمان ليس فيه شيء أعسر من درهم حلال أو أخ في اللّه عزّ و جل.

أقول: فقد روي لنا عن خواصّ العترة النبويّة انّ إخراج الخمس من الأموال المشتبهات، سبب لتطهيرها من الشبهات، و هذا الوجه ظاهر في التأويل، لأنّ جميع الأموال و من هي في يده مماليك للّه جل جلاله، فله سبحانه ان يجعل تطهيرها بإخراج هذا القدر القليل، و يوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، لأجل الإيثار بالخمس لرسوله (صلوات اللّه عليه و آله) و لعترته، و لأجل معونتهم على مقامهم الجليل.

أقول: و قد نصّ اللّه جلّ جلاله في القرآن الشريف على لسان رسوله (صلوات اللّه عليه و آله)، انّ الدعاء طريق إلى القبول و بلوغ المأمول، فينبغي ان يدعو بعد الاستظهار

____________

(1) للشبهة (خ ل).

42

بإخراج الخمس من كلّما يتقلّب فيه، بما سوف نذكره عند وقت الإفطار من دعوات لزوال الشبهات.

فصل (2) فيما نذكره من الاستظهار لشهر الصّيام بتقديم التّوبة و الاستغفار

روينا ذلك بإسنادنا إلى أبي جعفر بن بابويه من كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام)، فقال بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال:

دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) في آخر جمعة من شهر شعبان، فقال لي:

يا أبا الصّلت انّ شعبان قد مضى أكثره، و هذا آخر جمعة فيه، فتدارك فيما بقي تقصيرك فيما مضى منه، و عليك بالإقبال على ما يعنيك، و أكثر من الدّعاء و الاستغفار و تلاوة القرآن، و تب إلى اللّه من ذنوبك، ليقبل شهر رمضان إليك و أنت مخلص للّه عزّ و جلّ، و لا تدعنّ امانة في عنقك إلّا أدّيتها، و في قلبك حقدا على مؤمن إلّا نزعته، و لا ذنبا أنت مرتكبه إلّا أقلعت عنه، و اتّق اللّه و توكّل عليه في سرّ أمرك و علانيتك،

«وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللّٰهَ بٰالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّٰهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً». (1)

و أكثر من ان تقول فيما بقي من هذا الشهر:

اللّهُمَّ انْ لَمْ تَكُنْ غَفَرْتَ لَنا فيما مَضى مِنْ شَعْبانَ فَاغْفِرْ لَنا فيما بَقِيَ مِنْهُ.

فانّ اللّٰه تبارك و تعالى يعتق في هذا الشهر رقابا من النار لحرمة شهر

(2)

رمضان.

(3) أقول: و قد قدّمنا في عمل اليوم و اللّيلة من كتاب المهمات (4)، كيفية الاستغفار المكفّر للسّيّئات و شروط الدعاء و صفات الصلوات المنقولات، فانظر في تلك الجهات فإنّه من المهمات.

____________

(1) الطلاق: 3.

(2) لحرمة هذا الشهر (خ ل).

(3) عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 2: 51، عنه البحار 97: 73.

(4) هذا كتاب المهمات (خ ل).

43

فصل (3) فيما نذكره من صوم ثلاثة أيام قبله لزيادة فضل الصيام

روينا ذلك بإسنادنا إلى أبي جعفر بن بابويه أيضا في كتاب من لا يحضره الفقيه، فقال عند ذكر ثواب صوم شعبان ما هذا لفظه:

و قال الصادق (عليه السلام):

من صام ثلاثة أيّام من آخر شعبان و وصلها بشهر رمضان، كتب اللّٰه له صوم شهرين متتابعين.

(1) و في روايات انّه يفرق بين شعبان و شهر رمضان بإفطار يوم أو يومين. (2)

فلعلّ المراد بذلك انّ من صام شعبان جميعه (3) يراد منه الإفطار بينه و بين شهر رمضان يوما أو يومين لئلّا يضعف بالمندوب عن الواجب، و من لم يصم شهر شعبان فيراد منه ان يصوم أيّاما من آخر شعبان يصلها بشهر رمضان، ليكون الأيّام المندوبة مطهّرة للإنسان من العصيان، و ممهّدة لكمال الدخول في شهر رمضان.

فصل (4) فيما نذكره من الدعاء آخر ليلة من شعبان لدخول شهر رمضان

نرويه من عدّة طرق عن الصادق (عليه السلام) انّه كان يقول

في آخر ليلة من شعبان و أوّل ليلة من شهر رمضان:

اللّهُمَّ انّ هذَا الشَّهْرَ الْمُبارَكَ، الَّذِي انْزَلْتَ فيهِ الْقُرْآنَ، وَ جَعَلْتَهُ هُدىً لِلنّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ قَدْ

(4)

حَضَرَ، فَسَلِّمْنا فيهِ وَ سَلِّمْنا مِنْهُ، وَ سَلِّمْهُ لَنا و تَسَلَّمْهُ مِنّا، فِي يُسْرٍ مِنْكَ وَ عافِيَةٍ، يا مَنْ أَخَذَ الْقَلِيلَ وَ شَكَرَهُ، و سَتَرَ

____________

(1) الفقيه 2: 93، ثواب الأعمال: 84، رواه الكليني في الكافي 4: 91، و الشيخ في التهذيب 4: 307، الاستبصار 2: 137، و المفيد في المقنعة: 59، عنهم الوسائل 10: 495.

(2) راجع الوسائل 10: 519.

(3) جميعا (خ ل).

(4) فقد (خ ل).

44

الْكَثِيرَ وَ غَفَرَهُ، اغْفِرْ ليَ الْكَثِيرَ مِنْ مَعْصِيَتِكَ وَ اقْبَلْ مِنِّي الْيَسِيرَ مِنْ

(1)

طاعَتِكَ.

اللّهُمَّ انِّي اسْأَلُكَ أنْ تَجْعَلَ لِي الىٰ كُلِّ خَيْرٍ سَبِيلًا، وَ مِنْ كُلِّ ما لٰا تُحِبُّ مانِعاً، يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يا مَنْ عَفا عَنِّي وَ عَمّا خَلَوْتُ بِهِ مِنَ السَّيِّئاتِ، يا مَنْ لَمْ يُؤاخِذْني بِارْتِكابِ الْمَعاصي، عَفْوَكَ عَفْوَكَ عَفْوَكَ يا كَريمُ، الٰهي وعَظْتَني فَلَمْ أَتَّعِظْ، وَ زَجَرْتَني عَنِ الْمَعاصي فَلَمْ انْزَجِرْ، فَما عُذْري، فَاعْفُ عَنّي يا كَريمُ عَفْوَكَ عَفْوَكَ.

اللّهُمَّ انّي اسْأَلُكَ، الرّاحَةَ عِندَ الْمَوْتِ، وَ الْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسابِ، عَظُمَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدك فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ، يا اهْلَ التَّقْوىٰ وَ يا اهْلَ الْمَغْفِرَةِ، عَفْوَكَ عَفْوَكَ.

اللّهُمَّ انّي عَبْدُكَ وَ ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، ضَعيفٌ فَقيرٌ إلىٰ رَحْمَتِكَ، وَ انْتَ مُنْزِلُ الْغِنىٰ وَ البَرَكَةِ عَلَى الْعِبادِ، قاهِرٌ قادِرٌ مُقْتَدِرٌ، احْصَيْتَ أَعْمالَهُمْ وَ قَسَّمْتَ ارْزاقَهُمْ، وَ جَعَلْتَهُمْ مُخْتَلِفَةً الْسِنَتُهُمْ وَ الْوانُهُمْ، خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، لٰا يَعْلَمُ

(2)

الْعِبادُ عِلْمَكَ، وَ لٰا يَقْدِرُ الْعِبادُ قَدْرَكَ، وَ كُلُّنا فَقيرٌ إلىٰ رَحْمَتِكَ، فَلٰا تَصْرِفْ وَجْهَكَ عَنِّي، وَ اجْعَلْني مِنْ صالِحِ خَلْقِكَ في الْعَمَلِ وَ الأَمَلِ وَ الْقَضاءِ وَ الْقَدَرِ.

اللَّهُمَّ أَبْقِني خَيْرَ الْبَقاءِ، وَ أَفْنِني خَيْرَ الْفَناءِ، عَلىٰ مُوالاةِ أَوْلِيائِكَ وَ مُعاداةِ أَعْدائِكَ، وَ الرَّغْبَةِ إلَيْكَ وَ الرَّهْبَةِ مِنْكَ، وَ الْخُشُوعِ وَ الْوَقارِ، وَ التَّسْلِيمَ لَكَ وَ التَّصْدِيقِ بِكِتابِكَ، وَ اتِّباعِ سُنَّةِ رَسُولِكَ (صلواتك عليه و آله).

اللَّهُمَّ مَا كانَ فِي قَلْبي مِنْ شَك أَوْ رَيْبَةٍ، اوْ جُحُودٍ أَوْ قُنُوطٍ

(3)

، أَوْ فَرَحٍ أَوْ

____________

(1) في (خ ل).

(2) اللهم لا يعلم (خ ل).

(3) قنط: يئس.

45

مَرَحٍ

(1)

، أَوْ بَذَخٍ

(2)

أَوْ بَطَرٍ

(3)

، أَوْ فَخْرٍ اوْ خُيَلاءَ،

(4)

اوْ رِياءٍ اوْ سُمْعَةٍ، اوْ شِقاقٍ اوْ نِفاقٍ، اوْ كِبْرٍ اوْ فُسُوقٍ، اوْ عِصْيانٍ اوْ عَظَمَةٍ، اوْ شَيْءٍ لٰا تُحِبُّ.

فَاسْأَلُكَ يا رَبِّ انْ تُبَدِّلَني مَكانَهُ ايماناً بِوَعْدِكَ، وَ وَفاءً بِعَهْدِكَ وَ رِضا بِقَضائِكَ، وَ زُهْداً في الدُّنْيا وَ رَغْبَةً فيما عِنْدَكَ، وَ أَثَرَهً وَ طُمَأنِينَةً وَ تَوْبَةً نَصُوحاً، اسْأَلُكَ ذٰلِكَ يا رَبِّ بِمَنِّكَ وَ رَحْمَتِكَ يا ارْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَ يا رَبَّ الْعالَمينَ.

الهي انْتَ مِنْ حِلْمِكَ تُعْصىٰ، فَكَأَنَّكَ لَمْ تَرَ، وَ مِنْ كَرَمِكَ وَ جُودِكَ تُطاعُ، فَكَأنَّكَ لَمْ تُعْصَ، وَ انَا وَ مَنْ لَمْ يَعْصِكَ سُكّانُ ارْضِكَ، فَكُنْ عَلَيْنا بِالْفَضْلِ جَواداً وَ بِالْخَيْرِ عَوّاداً يا ارْحَمَ الرّاحِمِينَ، وَ صَلَّى اللّٰهُ عَلىٰ مُحَمَّدٍ

(5)

وَ آلِهِ صَلاةً دائِمَةً لٰا تُحْصى وَ لٰا تُعَدُّ، وَ لٰا يَقْدِرُ قَدْرَها غَيْرُكَ يا ارْحَمَ الرّاحِمينَ.

(6). فصل (5) في ذكر زيارة الحسين (عليه السلام) في أوّل ليلة من شهر رمضان و ليلة النصف منه و آخر ليلة منه

روينا ذلك بإسنادنا إلى أبي المفضل الشيباني، قال: حدّثنا أبو محمد شعيب بن محمد بن مقاتل البلخي بنوقان طوس في مشهد الرضا (عليه السلام)، قال: حدّثني أبي، عن أبي بصير الفتح بن عبد الرحمن القمي، عن علي بن محمد بن فيض بن مختار، عن أبيه، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)

انّه سئل عن زيارة أبي عبد اللّٰه الحسين (عليه السلام) فقيل: هل في ذلك وقت هو أفضل من وقت؟

فقال: زوروه صلّى اللّٰه عليه في كلّ وقت و في كلّ حين فانَّ زيارته (عليه السلام)

____________

(1) مرح الرجل: اشتد فرحه و نشاطه حتى جاوز القدر و تبختر و اختال.

(2) بذخ- كفرح- تكبر و علا.

(3) بطر: طغى بالنعمة أو عندها فصرفها إلى غير وجهها.

(4) الخيلاء: العجب و الكبر.

(5) صل على محمد (خ ل).

(6) رواه الشيخ في مصباحه: 850، و الكفعمي في بلد الأمين: 192.

46

خير موضوع، فمن أكثر منها فقد استكثر من الخير و من قَلّل قُلّل له، و تحرّوا

(1)

بزيارتكم الأوقات الشريفة، فإنّ الأعمال الصالحة فيها مضاعفة، و هي أوقات مهبط الملائكة لزيارته.

قال: فسئل عن زيارته في شهر رمضان؟ فقال:

من جاءه (عليه السلام) خاشعا محتسبا مستقيلا مستغفرا، فشهد قبره في إحدى ثلاث ليال من شهر رمضان: أوّل ليلة من الشهر أو ليلة النّصف أو آخر ليلة منه، تساقطت عنه ذنوبه و خطاياه الّتي اجترحها

(2)

، كما يتساقط هشيم

(3)

الورق بالريح العاصف، حتّى انّه يكون من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه، و كان له مع ذلك من الأجر مثل أجر من حجّ في عامّه ذلك و اعتمر، و يناديه ملكان يسمع نداءهما كلّ ذي روح الّا الثقلين من الجنّ و الإنس، يقول أحدهما: يا عبد اللّٰه طهّرت فاستأنف العمل، و يقول الآخر:

يا عبد اللّٰه أحسنت فأبشر بمغفرة من اللّٰه و فضل

(4). فصل (6) فيما نذكره من الاختلاف في ترتيب نافلة شهر رمضان

اعلم، انّ الظاهر في العمل في ترتيب نافلة شهر رمضان هو ما قد تضمّنه مصباح جدّي أبي جعفر الطوسي (رضوان اللّٰه جلّ جلاله عليه)، انّه قال:

تصلّي في العشرين ليلة من الشّهر، كلّ ليلة عشرين ركعة، ثمان ركعات بين العشاءين و اثنتي عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة، و تصلّي ليلة تسع عشرة منه مأة ركعة، و كذلك ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين، تسقط ما فيها من الزّيادات، و هي عشرون ركعة في ليلة تسع عشرة، و ثلاثون في ليلة إحدى و عشرين، و ثلاثون في ليلة

____________

(1) تحرّى: طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن.

(2) الاجتراح: الاكتساب.

(3) الهشيم: نبت يابس متكسر.

(4) عنه البحار 101: 99.

47

ثلاث و عشرين، الجميع ثمانون ركعة، تفرّقها في أربع جمع، في كلّ جمعة عشر ركعات، اربع منها صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و ركعتان صلاة فاطمة (عليها السلام)، و اربع ركعات صلاة جعفر (عليه السلام)، و تصلّي ليلة آخر جمعة من الشّهر عشرين ركعة صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و في آخر ليلة سبت منه عشرين ركعة صلاة فاطمة (عليه السلام)، فيكون ذلك تمام ألف ركعة، و تصلي ليلة النصف زيادة على هذه الألف مأة ركعة، تقرء في كلّ ركعة الحمد مرة و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» عشر مرات، و هكذا تصلّي المأة (1).

و هذا الترتيب في نوافل شهر رمضان هو اختيار الشيخ المفيد في كتاب المقنعة (2).

و قال المفيد في الرسالة العزيّة ما معناه:

انّه يصلّي في العشرين ليلة الأوّلة، كلّ ليلة عشرين ركعة ثماني بين العشاءين، و اثنتي عشرة ركعة بعد عشاء الآخرة، و يصلّي في العشر الآخر كلّ ليلة ثلاثين ركعة، و يضيف إلى هذا الترتيب في ليلة تسع عشرة و ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين كل ليلة مأة ركعة و ذلك تمام الألف ركعة.

قال: و هو رواية محمد بن أبي قرة في كتاب عمل شهر رمضان فيما أسنده عن علي بن مهزيار (3)، عن مولانا الجواد (عليه السلام)، يقتضي ترتيب الرسالة العزية (4).

أقول: و قال الشّيخ محمد بن أحمد الصفواني في كتاب التعريف، و هي رسالة منه إلى ولده، و قد زكّاه أصحابنا عند ذكر اسمه و أثنوا عليه في باب صلاة شهر رمضان:

و اعلم يا بنيّ انّ صلاة شهر رمضان تسعمائة مأة ركعة، و في رواية أخرى ألف ركعة، و روي تسعة آلاف مرة «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»، و روي عشرة آلاف مرة «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» في كل ركعة عشر مرات، و روي انّه يجوز مرّة مرّة، فمنها في العشر الأول و الثاني في كلّ ليلة عشرين ركعة، يكون أربعمائة ركعة، في كلّ ركعة عشر مرات «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»، فان

____________

(1) لم نجده في المصباح، ذكره مع اختلاف في المبسوط 1: 133.

(2) المقنعة: 28.

(3) مهران (خ ل).

(4) عنه الوسائل 8: 36.

48

لم يمكن فمرّة، و في العشر الأواخر ثلاثين ركعة في كلّ ليلة، في كلّ ركعة عشر مرات «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»، فان لم يمكن فمرّة إلّا في ليلة إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين، فانّ فيهما مأة في كلّ ركعة بعد فاتحة الكتاب عشر مرات «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»، و قد روي انّ في ليلة تاسع و عشرين (1) أيضا مأة ركعة، و هو قول من قال بالألف ركعة، الّا انّ المعول عليه في ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين- هذا لفظه (2).

و لعلّ ناسخ كتابه غلط، فأراد أن يكتب: ليلة تسع عشرة، فكتب تاسع و عشرين، إلّا أنّنا كذا وجدناه في نسختنا و هي عتيقة، تاريخها ذو الحجة سنة اثنتي عشرة و أربعمائة.

أقول: و

ذكر الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه فقال:

و ممّن روى الزّيادة في التطوّع في شهر رمضان زرعة عن سماعة و هما واقفيان، قال:

سألته (عليه السلام) عن شهر رمضان كم يصلّي فيه؟ قال:

كما يصلّي في غيره، الّا انّ لشهر رمضان على سائر الشهور من الفضل ما ينبغي ان يزيد في تطوّعه، و ان أحبّ و قوي على ذلك ان يزيد في أوّل الشهر إلى عشرين ليلة، كلّ ليلة عشرين ركعة، سوى ما كان يصلّي قبل ذلك، يصلّي من هذه العشرين اثنتي عشرة ركعة بين المغرب و العتمة، و ثمان ركعات بعد العتمة، فإذا بقي من شهر رمضان عشر ليال، فليصلّ ثلاثين ركعة في كل ليلة- ثم قال:- و في ليلة إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين يصلّي في كل واحدة منهما مأة ركعة.

ثم قال: إنّما أوردت هذا الخبر في هذا الباب مع عدولي عنه و تركي لاستعماله، ليعلم الناظر في كتابي هذا كيف يروي و من رواه، و ليعلم من اعتقادي فيه انّي لا أرى بأسا باستعماله (3).

أقول: و روى عبيد اللّٰه الحلبي في كتاب له و ابن الوليد في جامعه ما معناه: انّ النبي

____________

(1) في الوسائل: تسع عشرة.

(2) عنه الوسائل 8: 36.

(3) الفقيه 2: 138، رواه أيضا الشيخ في التهذيب 3: 63، الاستبصار 1: 462، عنهم الوسائل 8: 31.

49

(صلى اللّه عليه و آله) لم يصلّ نافلة شهر رمضان (1).

و لعلّ روايتهما لها تأويل من التّقية، أو غلط من الرّواة، أو غير ذلك من البيان.

أقول: فمن الروايات في انّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) صلّى نوافل شهر رمضان، ما

رويناه بإسنادنا إلى أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري (رضوان اللّٰه جلّ جلاله عليه) قال: قال أبو علي بن همام، قال: حدثنا علي بن سليمان الرازي، قال: حدثني أبو القاسم بن أبي خليس المدائني، قال: حدثني أبو علي محمد بن أحمد بن مطهر (2)، قال:

كتبت إلى سيدي أبي محمد صاحب العسكر (عليه السلام): انّ رجلا يقول: انّ رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) لم يزد في صلاته في شهر رمضان على ما كان يصلّي في غيره.

فكتب في الجواب: كذب، فضّ اللّٰه فاه، كان رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) يصلّي في عشرين ليلة من شهر رمضان عشرين ركعة في كلّ ليلة، و في ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين مأة ركعة، و في العشر الأواخر في كلّ ليلة ثلاثين ركعة.

(3) أقول: و روي هذا الحديث بغير هذه الألفاظ علي بن عبد الواحد النهدي، عن علي بن حاتم، قال: حدثنا أحمد بن علي، قال: حدثنا محمد بن أبي الصّهبان، عن محمد بن سليمان، قال:

انّ عدة من أصحابنا اجتمعوا على هذا الحديث، منهم: يونس بن عبد الرحمن، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه؛ و صباح الحذاء، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن؛ و سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

قال محمد: و سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن هذا الحديث فأخبرني به،

و قال هؤلاء جميعا: و سألنا عن الصلاة في شهر رمضان كيف هي و كيف فعل رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله)، فقالوا جميعا:

____________

(1) عنه الوسائل 8: 44.

(2) في التهذيب و الوسائل: أحمد بن محمد بن مطهر.

(3) عنه الوسائل 8: 34، رواه الشيخ في التهذيب 3: 67، الاستبصار 1: 466.

50

انّه لمّا دخلت

(1)

عليه أول ليلة من شهر رمضان صلّى رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) المغرب، ثمّ صلّى اربع ركعات الّتي كان يصلّيها بعد المغرب في كلّ ليلة، ثم صلى ثمان ركعات، فلمّا صلّى العشاء الآخرة و صلّى الركعتين اللّتين كان يصلّيهما بعد العشاء الآخرة، و هو جالس في كلّ ليلة، ثم قام فصلّى اثنتي عشرة ركعة ثمّ دخل بيته، فلما رأى ذلك الناس و نظروا إلى رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) و قد زاد في صلاته حين دخل شهر رمضان سألوه عن ذلك، فأخبرهم انّ هذه الصلاة صلّيتها لفضل شهر رمضان على الشهور.

فلمّا كان من اللّيل قام يصلّي فاصطفّ الناس خلفه، فانصرف إليهم فقال: ايها الناس انّ هذه الصلاة نافلة و لن يجمع في النافلة

(2)

، فليصلّ كل رجل منكم وحده و ليقل ما علّمه اللّٰه من كتابه، و اعلموا انّه لا جماعة في نافلة، فافترق النّاس فصلّى كل رجل منهم على حياله لنفسه.

فلمّا كان ليلة تسع عشرة من شهر رمضان اغتسل حين غابت الشمس و صلّى المغرب بغسل، فلمّا صلّى المغرب و صلّى اربع ركعات الّتي كان يصلّيها فيما مضى في كلّ ليلة بعد المغرب دخل إلى بيته، فلمّا أقام بلال لصلاة عشاء الآخرة خرج النبي (صلى اللّه عليه و آله) فصلّى بالناس، فلمّا انفتل صلّى الركعتين و هو جالس، كما كان يصلّي كل ليلة، ثم قام فصلّى مأة ركعة، يقرء في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مرة و

«قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»

عشر مرات، فلمّا فرغ من ذلك صلّى صلاته التي كان يصلّي في كلّ ليلة في آخر الليل و أوتر، فلمّا كان ليلة عشرين من شهر رمضان فعل كما كان يفعل قبل ذلك من الليالي في شهر رمضان، ثمان ركعات بعد المغرب و اثنتي عشرة ركعة بعد عشاء الآخرة.

فلمّا كان ليلة إحدى و عشرين اغتسل حين غابت الشمس و فعل فيها مثل ما فعل في ليلة تسع عشرة، فلمّا كان في ليلة اثنتين و عشرين زاد في صلاته فصلّى ثمان

____________

(1) دخل (خ ل).

(2) في التهذيب: نجتمع للنافلة.

51

ركعات بعد المغرب و اثنتين و عشرين ركعة بعد عشاء الآخرة، فلمّا كان ليلة ثلاث و عشرين اغتسل أيضا كما اغتسل في ليلة تسع عشرة، و كما اغتسل في ليلة إحدى و عشرين ثمّ فعل مثل ذلك.

قال: فسألته

(1)

عن صلاة الخمسين ما حالها في شهر رمضان؟ قال: كان رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) يصلّي هذه الصلاة و يصلّي صلاة الخمسين على ما كان فعل في غير شهر رمضان لا ينقص منها شيئا.

(2) أقول: هذا آخر لفظ هذه الروايات من أصل مصنّفه الذي كتب في حياته تغمده اللّٰه برحمته.

و حيث قد ذكرنا الرّواية بترتيب نافلة شهر رمضان على هذا الوصف، فينبغي ان نذكر الرواية بالتّرتيب الآخر في نافلة شهر رمضان، فإنّه أبلغ في الاستظهار و الكشف.

و روى أيضا علي بن عبد الواحد النهدي في كتابه قال: حدّثنا عبد اللّٰه بن محمد، قال:

أخبرنا علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر بن بطّة، عن محمد بن الحسن- يعني الصفار-، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

قال: و أخبرنا عبد اللّٰه بن محمد، قال: أخبرنا الحسين بن علي بن سفيان، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين، عن ابن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

تصلّي في شهر رمضان زيادة ألف ركعة، قال: قلت: و من يقدر على هذا؟ قال:

ليس حيث تذهب، أ ليس تصلّي في تسع عشر منه، في كلّ ليلة عشرين ركعة، و في ليلة تسع عشرة مأة ركعة، و في ليلة إحدى و عشرين مأة ركعة، و في ليلة ثلاث و عشرين مأة ركعة، و تصلّي في ثمان ليال من العشر الأواخر، في كلّ ليلة ثلاثين ركعة، فهذه تسعمائة و عشرين ركعة.

____________

(1) في التهذيب: قالوا: فسألوه.

(2) عنه الوسائل 8: 32، رواه الشيخ في التهذيب 3: 64، الاستبصار 1: 464.

52

قال: قلت: جعلني اللّٰه فداك فرّجت عنّي لقد كان ضاق بي الأمر، فلمّا ان أتيت بالتّفسير فرّجت عنّي، فكيف تمام الألف ركعة؟ قال:

تصلّي في كلّ يوم جمعة في شهر رمضان اربع ركعات لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و تصلّي ركعتين لابنة محمد (عليهما السلام)، و تصلّي بعد الركعتين اربع ركعات لجعفر الطيار (عليه السلام)، و تصلّي في ليلة جمعة في العشر الأواخر في آخر جمعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) عشرين ركعة، و تصلّي في عشية الجمعة ليلة السبت عشرين ركعة لابنة محمّد عليهما و على ذريتهما السلام.

ثم قال: اسمع و عه و علّم ثقاة إخوانك هذه الأربع و الركعتين، فإنّها أفضل الصلوات بعد الفرائض، فمن صلّاها في شهر رمضان أو غيره انفتل و ليس بينه و بين اللّٰه عزّ و جل من ذنب.

قال: ثمّ قال: يا مفضل بن عمر! تقرء في هذه الصلوات كلّها أعني صلاة شهر رمضان، الزيادة منها بالحمد و

«قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»

، ان شئت مرّة و ان شئت ثلاث مرّات، و ان شئت خمس مرات، و ان شئت سبعا، و ان شئت عشرا، و امّا صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّه تقرء فيها بالحمد في كلّ ركعة و خمسين مرة

«قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»

، و تقرء في صلاة ابنة محمّد صلّى اللّٰه عليهما في أوّل ركعة الحمد و

«إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»

مأة مرة، و في الركعة الثانية الحمد و

«قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»

مأة مرة.

فإذا سلّمت في الركعتين سبّح تسبيح فاطمة (عليها السلام)، و هو اللّٰه أكبر- أربع و ثلاثون مرة، و سبحان اللّٰه- ثلاث و ثلاثون مرة، و الحمد للّٰه ثلاث و ثلاثون مرة، فواللّٰه لو كان شيء أفضل منه لعلّمه رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) ايّاها.

و قال لي: تقرء في صلاة جعفر (عليه السلام) في الركعة الأولى الحمد و

«إِذٰا زُلْزِلَتِ»

، و في الثانية الحمد و الْعادِياتِ، و في الثالثة الحمد و

«إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ»

، و في الرابعة الحمد و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ احَدٌ»، ثم قال لي: يا مفضل

ذٰلِكَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ، وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

.

(1)

____________

(1) عنه الوسائل 8: 29، رواه الشيخ في التهذيب 3: 66، و المفيد في المقنعة: 28.

53

و قال علي بن عبد الواحد النهدي في كتابه: و أخبرنا عبد اللّٰه بن الحسين الفارسي رحمة اللّٰه، قال: أخبرنا محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

أقول: و قد زكّى المفيد (1) في كتاب كمال شهر رمضان محمد بن سنان و بالغ في الثناء عليه و روى في ذلك حديثا يعتمد عليه.

قال السيد الإمام العالم العامل الفقيه الكامل العلامة، رضي الدين ركن الإسلام جمال العارفين، أنموذج السلف الطاهر، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاوس- مصنّف هذا الكتاب-:

قد ذكرنا هاتين الرّوايتين بألفاظ الرواة، احتياطا لمراقبة مالك الأسباب، و سنذكر في عمل ليلة تسع عشر من شهر رمضان من هذا الكتاب ما يكون عندنا من تأويل في الجمع بينهما، على ما نرجوه أقرب إلى الصواب، و بين الرواة تفاوت في العدالة و الجرح، و لم نذكره نحن تنزيها عن الاغتياب و خوفا من يوم الحساب.

و لعلّ رواية الحلبي و رواية محمد بن الوليد في ترك نافلة شهر الصيام لعذر مقبول في شريعة الإسلام، فإنّ ظاهر روايتهما المشار إليهما، و ظاهر مذهب ابن بابويه (رضوان اللّه عليه) ترك هذا الترتيب في نافلة (2) شهر رمضان، و الاقتصار على نافلة اليوم و الليلة كغيره من الأزمان.

و قال الشيخ علي بن الحسن بن فضال في كتاب الصيام- و قد أثنى عليه بالثقة جدي أبو جعفر الطوسي و أبو العباس النجاشي (3)- ما هذا لفظه: حدثني هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

ممّا كان رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله) يصنع في شهر رمضان، كان يتنفّل في كلّ ليلة، و يزيد على صلاته الّتي كان يصلّيها قبل ذلك منذ أوّل ليلة إلى تمام عشرين

____________

(1) في النسخ: الفئتين، و ما أثبتناه لعله هو الظاهر، و اللّٰه العالم.

(2) صلاة (خ ل).

(3) رجال النجاشي: 257، الرقم: 676، الفهرست، 92.

54

ليلة، في كلّ ليلة عشرين ركعة، ثمان ركعات منها بعد المغرب، و اثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، و يصلّي في العشر الأواخر في كلّ ليلة ثلاثين ركعة، اثنتي عشرة ركعة منها بعد المغرب، و ثماني عشرة بعد العشاء الآخرة، و كان يجتهد في ليلة تسع عشرة اجتهادا شديدا، و كان يصلّي في ليلة إحدى و عشرين مأة ركعة، و يصلّي في ليلة ثلاث و عشرين مأة ركعة و يجتهد فيهما.

(1) أقول: و لو ذكرنا كلّما وقفنا عليه من اختلاف الترتيب بين الرّوايات كنّا قد خرجنا عمّا قصدناه.

____________

(1) عنه الوسائل 8، 30، رواه الشيخ في التهذيب 3: 62، الاستبصار 1: 462.

55

الباب الرابع فيما نذكره ممّا يختصّ بأوّل ليلة من شهر رمضان

و فيه فصول:

فصل (1) فيما نذكره من فضل غسل أول ليلة منه

رواه ابن أبي قرة في كتاب عمل شهر رمضان بإسناده إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

يستحبّ الغسل في أول ليلة من شهر رمضان و ليلة النصف منه.

(1) أقول: و قد ذكره جماعة من أصحابنا الماضين، فلا نطيل بذكر أسماء المصنّفين.

و وقت اغتسال شهر رمضان قبل دخول العشاء، و يكفي ذلك الغسل لليلته جميعها.

و روي

انّ الغسل أوّل الليل، و روي بين العشاءين

(2)، و روينا ذلك عن الأئمة الطاهرين.

أقول (3) و رأيت في كتاب اعتقد انّه تأليف أبي محمد جعفر بن أحمد القمي عن الصادق (عليه السلام):

من اغتسل أول ليلة من شهر رمضان في نهر جار و يصبّ على

____________

(1) عنه الوسائل 3: 325.

(2) عنه الوسائل 3: 325، راجع الفقيه 2: 156، الكافي 4: 153.

(3) فصل (خ ل).

56

رأسه ثلاثين كفّا من الماء، طهر إلى شهر رمضان من قابل.

(1) و من (2) ذلك الكتاب المشار إليه عن الصّادق (صلوات اللّه عليه):

من أحبّ ان لا يكون به الحكّة، فليغتسل أوّل ليلة من شهر رمضان، فإنّه من اغتسل أوّل ليلة منه لا يصيبه حكّة إلى شهر رمضان من قابل.

(3) و سيأتي في أوّل يوم من شهر رمضان ما رويناه فيه من الغسل أيضا.

فصل (2) فيما نذكره من الروايات بمعرفة أول شهر رمضان

اعلم انّ الروايات الّتي وقفت عليها كثيرة في المصنّفات، و إذا كان العمل على رؤية الهلال و الشّهادات، فأيّ فائدة في تكثير إيراد ما وقفنا عليه من علامات ذلك و الأمارات.

لكن قد اقتضت الاستخارة انّنا لا نخلّي كتابنا هذا من شيء من الروايات:

فمن ذلك ما وجدته مرويّا

عن جدي أبي جعفر الطوسي بإسناده قال: أخبرنا أبو أحمد أيدّه اللّٰه تعالى، قال: حدثنا أبو الهيثم محمد بن إبراهيم المعروف بابن أبي رمثة من أهل كفرتوثا بنصيبين، قال: حدثني أبي، قال:

دخلت على الحسن العسكري (صلوات اللّه عليه) في أوّل يوم من شهر رمضان، و النّاس بين متيقّن و شاك، فلمّا بصر بي قال لي: يا أبا إبراهيم في أيّ الحزبين أنت في يومك؟ قلت: جعلت فداك يا سيّدي انّي في هذا قصدت، قال: فإنّي أعطيك أصلا إذا ضبطته لم تشكّ بعد هذا ابدا، قلت: يا مولاي منّ عليّ بذلك.

فقال: تعرف أيّ يوم يدخل المحرّم، فإنّك إذا عرفته كفيت طلب هلال شهر رمضان، قلت: و كيف يجزي معرفة هلال محرم عن طلب هلال شهر رمضان؟ قال:

____________

(1) عنه الوسائل 3: 325.

(2) أقول: و من (خ ل).

(3) عنه الوسائل 3: 325.