الرسائل العشر (للشيخ الطوسي)

- الشيخ الطوسي المزيد...
336 /
5

حياة الشيخ الطوسي

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمد رسول اللّٰه و على آله أمناء اللّٰه

الشيخ الطوسي و آثاره هو المفسّر، المحدث، الفقيه، الأصوليّ، المتكلّم، الرّجالي في القرن الخامس الهجري، الشيخ أبو جعفر، محمد بن الحسن بن عليّ بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة، ولد في شهر رمضان عام 385 هأي بعد أربع سنوات من وفاة الشيخ الصدوق المتوفّى عام 381 هفي طوس (ظاهرا) و في سنة 408 هبعد مضي 23 عاما من عمره الشريف، ورد بغداد، العاصمة العلمية للإسلام، و مركز الخلافة آن ذاك. و باشر لدى وروده جهوده العلميّة بالتلمذ على مشايخها العظام، فلازم الفقيه المتكلم المعروف بالشيخ المفيد محمّد بن محمد بن النعمان المشهور ب«ابن المعلم» مدّة خمس سنوات، آخذا منه حتى وفاته عام 413 ه، فنونا مختلفة من العلم. و بعد وفاة الشيخ المفيد أصبح يعدّ من أبرز طلاب السيد المرتضى، علم الهدى، فلقد أولاه عناية خاصة و قرّر له مبلغ 12 دينارا شهريّا. و بقي ملازما له حتى عام وفاة السيد الأستاذ سنة 436 ه، فأمضى معه 23 عاما في تحصيل العلم و الأدب حتى نبغ، و صار بعد وفاة أستاذه زعيم الشيعة و تحمل مسئولياته القيادية الجسام.

و بقي في بغداد بعد وفاة أستاذه حتى عام 448 أي مدة 12 سنة. و بعد ذلك و على أثر حدوث الاختلافات الشديدة السنة و الشيعة، و تبدّل الأوضاع السياسيّة، و انتقال الحكم من آل بويه الذين كانوا شيعه إلى السلاجقة السّنّيين، انتقل إلى النّجف الأشرف.

8

و هكذا أمضى الشيخ الطوسي 40 عاما- من 408 هإلى 448- في بغداد، كان القسط الأكبر منها في مجال تحصيل العلوم، و الباقي لزعامته و تدريسه. و قد كان في نفس الوقت مشغولا بالتأليف بالإضافة إلى الدرس و التدريس و لقد تابع جهده العلمي في مدينة النجف الصغيرة التي تبعد عن الكوفة فرسخا واحدا. و كانت النجف تقريبا في ذلك الوقت قد أصبحت موئلا يقصده طلاب العلم لمتابعة درسهم بالقرب من مرقد الإمام على (عليه السلام). و في تاريخ 22 المحرم عام 460 هو بعد انقضاء 75 سنة من عمر مليء بالمشاغل العلميّة و تربية مئات العلماء، و تأسيس و تقوية أقدم الحوزات العلميّة للشيعة الإمامية، و بعد تأليف و تصنيف حوالي 50 كتابا و رسالة في مختلف الفنون، انتهى الشيخ الطوسي حياته العلميّة، و دفن في منزله الخاص الواقع شمالي البقعة المطهرة العلويّة، و الذي تحوّل فيما بعد إلى مسجد بناء على وصية منه رضي اللّٰه عنه. و يعرف حاليّا بمسجد الشيخ الطوسي و بذلك كانت مدة إقامته في النجف الأشرف 12 سنة- أي من 448 إلى 460 ه.

كان هذا عرضا سريعا لحياة الشيخ الطوسي و أما التفصيل فكالتّالى: لقد مرّ معنا أن حياة الشيخ الطوسي تتلخّص بحسب محال إقامته في ثلاث مراحل:

1- الفترة الواقعة من ولادته إلى هجرته إلى بغداد (من 385 إلى 408 ه) 2- الفترة الواقعة من إقامته في بغداد إلى هجرته إلى النجف (من 408 إلى 448 ه) 3- فترة إقامته في النّجف حتّى وفاته (من 448 إلى 460 ه) و في مجال تفصيل ذلك نقول:

المرحلة الاولى من ولادته إلى هجرته إلى بغداد

فعلا و على حسب المصادر الموجودة لدينا، فإنّ المعلومات عن هذه المرحلة من حياة الشيخ قليلة جدا بل معدومة رأسا. فالمترجمون القدامى إنما قالوا عن هذه المرحلة من حياة الشيخ: انه ولد في شهر رمضان عام 385 ه، و في عام 408 ورد بغداد و إنه كان ينسب إلى طوس [1]. و بهذا الكلام المبهم وضعوا إمامنا أسألة عديدة:

____________

[1] اكتفى أبو العباس النّجاشي معاصر الشيخ الطوسي في رجاله ص 316 بتوصيف الشيخ بالطوسي. و كذا الشيخ

9

هل إنه ولد في طوس أو في بلد آخر؟

هل هو من أهل النّاحية الكبيرة من طوس «نوقان» التي تحوّلت فيما بعد إلى مدينة «مشهد» المقدسة العظيمة، أم هو من ناحية «طابران» المعبّر عنها حاليّا ب«شهر طوس» أى مدينة طوس، و الّتي كانت محلّ ولادة و مرقد الشاعر الحماسى الكبير «الفردوسي»، أو كان من ناحية أخرى في طوس؟

هل كانت عائلته من أهل طوس و من طبقة العلماء و رجال الدّين هناك؟

من هم أساتذته و مشايخه في تلك الديار؟

و هل أقام أثناء هجرته إلى بغداد في مدينة؟ في أي من المدن العلمية آن ذاك، مثل «نيسابور» و «الري» و «قم» أم لا؟

و فعلا لا نستطيع الإجابة على شيء من هذه الأسئلة. و القدر المسلّم لدينا هو أنّ الشّيخ الطوسي كان ينسب إلى «طوس»، و قبل قدومه إلى بغداد كان قد قطع شوطا بعيدا في الحصول على المقدّمات العلميّة التي يحتاج إليها طالب العلم. لأنه بمحض وصوله الى بغداد بدأ مباشرة جهوده العلميّة، و أخذ يحضر عند الأساتذة الكبار، كالشّيخ المفيد، كما أنّه شرع حين ذاك بتأليف كتابه الكبير في الحديث «تهذيب الاحكام» بما فيه من البحوث الفقهيّة و الأدبيّة الّتي سنتعرض لها فيما بعد. فليس لنا إلّا الاعتراف بأنّه كان مؤهّلا بحسب الحصيلة العلميّة التي كانت عنده لدى وروده بغداد لدراسة المرحلة النّهائية من العلوم العقليّة و النقليّة. و في رأينا أنه لو كان للشّيخ الطوسي مشايخ مشهورون قبل الهجرة إلى بغداد، لكان ذكرهم في آثاره و كتاباته، مع العلم بأنّه لم يذكر شيئا عن علماء تلك الدّيار، حتى عن والده- لو فرض أنه كان من أهل العلم و أخذ عنه الشيخ.

نعم، نجد أنّ العلّامة الطّهراني صاحب كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» قد أشار إلى أن «أبا زكريّا محمد بن سليمان الحرّاني» (أو حمدانى) كان أحد مشايخه، و تابع في كلامه: «إنه من أهل طوس و المظنون أنه من مشايخه قبل هجرته إلى العراق (2)» و هذا القول ليس الّا مجرّد احتمال، فمجرّد نسبة هذا الرجل أي محمد بن سليمان، إلى طوس غير كاف

____________

الطوسي نفسه في كتابه «الفهرست» ص 188 و في سائر كتبه من دون التصريح بولادته بطوس. و أمّا العلامة الحلّي فقال في «خلاصة الأقوال» ص 148: «ولد (قدّس اللّٰه روحه) في شهر رمضان سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة و قدم العراق في شهور سنة ثمان و أربعمائة ..» فهو أيضا لم يشخص محل ولادة الشيخ.

____________

(2)- مقدمة التبيان ص أي

10

لإثبات ذلك، و أنّ الشيخ الطوسي تتلمذ عليه في طوس.

كما أنّ صاحب الذريعة، و تبعه بعض آخر من المترجمين المعاصرين، قد كتبوا حول نسبة الشّيخ إلى طوس بأنّ مدينة «مشهد مدفن الإمام الرّضا (عليه السلام)» كانت مجمعا لعلماء الشيعة في ذلك الوقت، و بسطوا الكلام في مكانتها العلميّة [3] و لا شكّ في أنّ طوس كانت في ذلك الزّمان مهدا للعلم و الأدب، و خرج منها علماء مشهورون، فعند ما كان الشيخ الطوسي يقضي مرحلة الطفولة و الشّباب، كان الشاعر الفارسي «الفردوسي» في «طابران» طوس مشتغلا بسرد «الشّاهنامه» ديوان شعره الخالد. فلو كان هذا البلد مولد الطّوسي و محل إقامته، فيبعد جدّا أن لا يتّفق لقاؤه إياه، مع أن «الفردوسي» كان شيعيّا و كان في أوج الشهرة في أواخر أيّام حياته. بل لا يبعد كونهما من عائلة واحدة، إذا لاحظنا سلسلة آباء الشيخ «الحسن بن على بن الحسن»، و أنّ الفردوسي كان اسمه «الحسن بن علىّ على أحد الأقوال. [4] كما أنّه في «نوغان» طوس- و في نفس العام الّذي غادر الطوسي بلاده (لو كان من أهلها) و ورد بغداد اي عام 408 هولد، نظام الملك وزير السلاجقة، و تعلّم العلم و الأدب بنفس البلد. و من حسن الاتفاق أن اسمه أيضا «الحسن بن على».

إضافة إلى المجهولات و الأسئلة الّتي بقيت بلا جواب حول حياة الطوسيّ قبل هجرته إلى بغداد، هناك سؤال آخر: و هو أنّ الطّوسي و عائلته في الأصل هل كانوا من العائلات الشيعيّة أو من أهل السّنّة؟

لا ريب في أنّ الطوسيّ لدى وصوله إلى بغداد مباشرة التحق بحلقة الشّيخ المفيد العالم الشيعي المعروف كما حضر عند غيره من علماء الإماميّة، و أنّه منذ ذلك الوقت كان مدافعا عن هذا المذهب مجدّا في نشره و إرساء دعائمه. و هذا الأمر وحده لعلّه يكفي

____________

[3] مقدمة التبيان ص ج، مقدمة رجال الشيخ ص 5 و 6، مقدمة بحار الأنوار ص 69 و قد جاء في هذه المصادر و غيرها، أنّ الشيخ الطوسي ولد بطوس. و الظاهر أنّه لا مستند لهذا القول سوى كونه منسوبا إلى طوس، و هذا كما عرفت لا يكفي لذلك. و انى لم أقف إلى الآن على من تنبه لهذه النكتة، و لا على من استند في قوله إلى كلام أحد من القدماء.

[4]- يقول إبراهيم پورداود في مقدمة كتاب «داستان بيژن و منيژه» إن اسم الفردوسي جاء في الترجمة العربية عن الشاهنامة للبندارى: «منصور بن الحسن»، و في تاريخ گزيده و مجالس النفائس: «حسن بن علي»، و في تذكرة دولت شاه السمرقندي و آتشكده آذر: «حسن بن إسحاق بن شرفشاه»، و في المقدمة البايسنغريّة على الشاهنامة و مجمل الفصيحي: «منصور بن فخر الدّين أحمد فرّوخ».

11

للتعريف بعقيدته و مذهب عائلته فيما قبل الهجرة إلى بغداد. مع أنّ أسماء آبائه أيضا يؤيّد ذلك. و جميع من كتب عن الشيخ الطوسي من علماء الشيعة أكّدوا انتمائه إلى هذا المذهب من أوّل شبابه، و هذا عندهم من المسلّمات، و لم يقل أحد منهم خلافه.

إلّا أنّ عديدا من أهل السنّة نسبوه إلى المذهب الشّافعي على اختلاف تعابيرهم.

و الظاهر أنّ المدعي الأوّل لهذا الرأي هو تاج الدين السبكى [5] في «طبقات الشّافعيّة» فيقول ما حاصله: «أبو جعفر الطّوسيّ فقيه الشيعة و مصنفهم كان ينتسب إلى مذهب الشافعي .. ورد بغداد، و تفقّه على مذهب الشّافعي، و تعلّم الكلام و الأصول عند أبي عبد اللّٰه محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بالمفيد، فقيه الإماميّة ..» (6) و بعد السّبكى قال العلّامة السيوطي في كتابه «طبقات المفسّرين»: «محمد بن الحسن بن علىّ أبو جعفر شيخ الشيعة و عالمهم .. ورد بغداد، و تفقّه في فنون الفقه على مذهب الشّافعي، فلازم الشيخ المفيد فصار على أثره رافضيّا (7) و ممن صرّح أخيرا بذلك الكاتب الشّلبي في «كشف الظّنون» فقال: «كان ينتمي إلى مذهب الشّافعي» إلّا أنّ الشلبى قد خلط ما بين الطوسي و أمين الإسلام الطبرسي، كما انه خلط أيضا بين تفسير «التبيان» للطوسي، و تفسير «مجمع البيان» للطبرسي، بالإضافة إلى أخطاء أخر صدت منه في هذا الصدد.

و هنا يطرح هذا السؤال نفسه: ما السّبب في نسبة الشيخ إلى مذهب الشّافعي على لسان عديد من علماء السنّة فقط؟ و لما ذا امتنع علماء الشيعة من ذكره؟ فسكتوا عنه؟ لعلّ قائلا يقول إنّ السّبب الوحيد هو التعصّب و الطائفيّة، لكنّه قول باطل، إذ لو كان الشّيخ شافعيّا في بدء امره فانتقل إلى التّشيّع، لكان ذلك مفخرة للشيعة و ليس عارا عليهم، لأنّه قبل كلّ شيء دليل على أصالة هذا المذهب و قوّته. مع أنّ علماء الشيعة لم يتحاشوا عن الاعتراف بذلك في ترجمة علماء كبار أمثال «ابن قبة» [8] و «العيّاشي» [9] فانتقال رجل معروف و عالم كبير مثل الشيخ الطوسي و لو في أوائل أمره من مذهب الشّافعي إلى المذهب الشّيعي،

____________

[5]- السّبكي بضم السّين نسبة إلى سبك العبيد قرية في مصر، و هو قاضي القضاة تاج الدين، عبد الوهّاب بن علي بن عبد الكافي المتوفّى عام 771 ه.

[8]- هو أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة (بكسر الأول و تخفيف الثّاني) زحف الرازيّ، كان معتزليّا رجع الى المذهب الإماميّ، رجال النّجاشي ص 290.

[9]- هو أبو النّصر محمد بن مسعود بن محمد بن عيّاش السلمي السمرقندي المعروف ب«العياشي» وزان

____________

(6)- طبقات الشافعية ج 3 ص 51.

(7)- طبقات المفسّرين ص 29.

12

لا يعد فخرا للشافعيّة، و لا نقصا للشّيعة، بل الأمر على عكس ذلك.

على أنّ علماء السنّة لم ينسبوا أحدا من كبار الشّيعة الآخرين كالشيخ المفيد، و السيّد المرتضى و أمثالهم إلى مذهب آخر، فما هو السّبب إذا؟

في رأيي أن اعتدال الشّيخ و إنصافه في الأبحاث الكلامية، و نقله لآراء علماء المذاهب الإسلاميّة في كتاباته لا سيّما في تفسير التبيان و كتاب «الخلاف»، و ترويجه للفقه التفريعى و إشاعته طريقة «الاجتهاد» بين الشّيعة على النّحو المعمول به عند أهل السّنّة كما ستعرف و اقتباسه عباراتهم و خصوصا من كتب الامام الشافعي و لا سيّما في كتابه «المبسوط»، و إيراده للروايات من طرقهم.، و تصميمه على جمع روايات الفريقين في كتابه «تهذيب الأحكام» في بدء العمل- و إن انصرف عنه فيما بعد- و أمثال هذه الأمور لعلّها كانت باعثة على صدور هذا الوهم من جانب العلماء الثّلاثة المذكورين. أو أنّ الشّيخ الطوسي اشتبه عليهم بشخص آخر منسوب إلى طوس، كما حصل ذلك بالفعل لصاحب «كشف الظّنون» الذي اشتبه به مع الشيخ الطّبرسي المتوفى عام 548 ه، أي بعد الطّوسي بمدة 88 عاما.

بل من المعلوم عدم إحاطة هؤلاء المذكورين معرفة كاملة بالشّيخ الطّوسي و كتاباته فالسّبكى مثلا اكتفى بذكر تفسير القرآن و «الأمالي» من كتبه الكثيرة، و أنّه توفي بالكوفة [1]. و الكاتب الشّلبى أيضا بدوره ارتكب تلك الأخطاء الواضحة [2] و كيف كان فلقد تحدث غيرهم من علماء السنة عن حياة الطوسي، و لم ينسبوا إليه ما نسبه هؤلاء الثّلاثة. و بعض المعاصرين من أهل السّنّة عرّفوه كما كان عليه في نفس الأمر، و قالوا عنه: «كان عالما على المنهاجين الإمامي و السنّي». [3]

و من المتيقّن لدينا أن عائلات شيعيّة كانت تعيش بطوس حين ذاك و إنّ وجود «الفردوسي» الشاعر لدليل واضح على ذلك. كما نعلم أيضا أنّ جمهور المواطنين و الأهالي في

____________

«العبّاسي» كان أوّلا من أهل السنة ثم تشيّع و كان متضلّعا بالحديث و الأخبار و له فيها تآليف كثيرة، رجال النّجاشي ص 270.

[1]- اتفق وفاة الشيخ بالنّجف دون الكوفة. و لعلّ السبكى أراد بالكوفة تلك المدينة و ضواحيها فتعمّ النّجف.

[2]- مثل ابن حجر في لسان الميزان ج 5، ص 135. و ابن كثير و ابن الجوزي في كتابيهما في التّاريخ فلاحظ.

[3]- قاله الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه الامام الصادق، كما رواه عنه السيد محمد صادق آل بحر العلوم في مقدمته على رجال الشيخ الطوسي ص 27.

13

تلك المنطقة كانوا من أهل السّنّة، و من أتباع الشّافعي ظاهرا، فإنّ نشأة الوزير نظام الملك (408- 485 ه) في «نوقان» و الإمام الغزالي (450- 505 ه) في «طابران» على مذهب الشافعي، و كذلك غيرهما من العلماء تؤيّد ذلك.

و من المحتمل أيضا أن أسره الشيخ الطوسي كانت من شيعة آل البيت بطوس، لكنّها كانت تحت ستار التقيّة و كانوا يظهرون الشافعيّة خوفا من الإساءة لهم كما حصل بالفعل «للفردوسى» بعد وفاته حيث رفضوا دفنه في مقابر المسلمين لكونه رافضيا.

المرحلة الثانية من وروده بغداد حتّى هجرته إلى النّجف

وضع بغداد آن ذاك علميّا و مذهبيّا و سياسيّا

لمعرفة بغداد كما كانت حين ذاك، قد لا يكفى كتاب، إلّا أنّنا نحتاج هنا إلى رسم صورة و لو مبهمة عن مكانتها السياسيّة و العلمية في تلك الأيام: فنقول:

لقد تمّ بناء بغداد على يد أبى جعفر المنصور الخليفة العبّاسيّ الثّاني، حيث جعلها مركز الخلافة رسميا عام 146 ه. [1] و بذلك صارت بغداد مركز الثقل السياسيّ للعالم الإسلامي الواسع من ذلك الوقت إلى آخر أيّام العباسيين عام 654 هفحكمت الأقاليم الإسلاميّة كلها. و كذلك أصبحت بغداد أكبر قاعدة علميّة ثقافية في العالم، فكانت مجمع العلماء و الخبراء في شتّى العلوم و الفنون. و قصدها العلماء و طلّاب العلم من كلّ فجّ عميق، و توطّنوا بها مدى حياتهم أو أقاموا فيها برهة من الزمان لاكتساب العلم و تعلّمه، أو لنشره و تعليمه ثم ارتحلوا عنها.

إن أكبر الفقهاء و أئمّة المذاهب الإسلاميّة: مثل الإمام أبي حنيفة (85- 150 ه) و الإمام الشافعي (150- 204 ه) و الإمام أحمد بن حنبل (164- 241 ه) و الإمام داود الظّاهري (202- 270 ه). و كذلك كبار المحدّثين و من جملتهم مؤلفوا الصّحاح

____________

[1]- على رأي الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد ج 1 ص 66، جلس الخليفة المنصور على عرش الخلافة عام 136 ه، و في عام 145 بدأ تخطيط بغداد و بناءها، و في عام 146 تم بناؤها؟ و انتقل بلاط الخلافة إليها، و تم الجدار الخارجي و سائر عمليات البناء في أواسط عام 149. و قد رويت في ذلك روايات أخرى متفاوتة في ذلك بعض الشيء.

14

الستة [1]، و أكبر المؤرخين: مثل محمّد بن إسحاق (م 150 ه) أو بعدها و الواقدي (130- 207 ه) و ابن واضح اليعقوبي (م 284 ه) و ابن سعد كاتب الواقدي (م 230 ه) و المسعودي (م 346 ه) و الطّبري (224- 310 ه) و البلاذري (م 279 ه) و ابن قتيبة الدّينوري (م 276 ه) و أبي الفرج الأصفهاني (م 360 هتقريبا) [2] فإنهم قضوا عامة حياتهم أو شطرا منها في بغداد، و بعضهم مدفون فيها، كما أنّ بعضا آخر منهم مثل المسعودي، و البلاذريّ، و اليعقوبي، و الدّينوري قد ولدوا و نشأوا ببغداد.

و أمّا الشّعراء المعروفون أمثال «المتنبّي» فلعلّنا لا نجد (سوى عدد منهم) ممن قصد بغداد، للاتصال ببلاط الخلفاء أو الوزراء و كبار الرّجال من ذوي الأيدي و الألسن، و أولى المال و الجاه، و التقرّب منهم و إنشاد المديح فيهم، و الحصول على صلاتهم، و رفع الحاجات إليهم، و العكوف ببابهم أو الانصراف من عندهم مأجورين شاكرين.

و كذلك فإنّ العلوم العقليّة، و الفلسفيّة، و الرياضية، و الطبيّة، المعبّر عنها ب«علوم الأوائل» أو «العلوم الدخيلة»، لأوّل مرّة في الإسلام، وضع حجرها الأساسي، و استحكمت دعائمها، في بغداد، فاستجلب من أجلها كبار العلماء و المترجمين من أطراف الأرض و أكناف البلاد، و حشروا في بغداد، و اشتغلوا بترجمة الكتب أو تأليفها في تلك الفنون. و قد ظهرت أوّل مؤسّسة علمية أو مجمع علميّ أو دار الكتب المعروف ب«بيت الحكمة» ببغداد، في عهد الخليفة هارون الرّشيد، فكانت محلّا و مرجعا للعلماء و المترجمين [3]. ثم أسّست مدارس

____________

[1]- هذه الكتب تعتبر أصح كتب الحديث عند أهل السّنّة مثل الكتب الأربعة عند الشيعة. و هؤلاء الستة هم 1- أبو عبد اللّٰه محمّد بن إسماعيل البخاري (194- 256 ه) 2- مسلم بن الحجّاج النيشابوري (204- 261 ه) و هما صاحبا الصّحيحين 3- أبو داود سليمان بن أشعث السجستاني (202- 275 ه) 4- أبو عيسى محمد بن عيسى التّرمذي (209- 279 ه) 5- أبو عبد الرحمن أحمد بن على بن شعيب النّسائي (215- 303 ه) 6- أبو عبد اللّٰه محمد بن يزيد القزويني (209- 273 ه) المعروف ب(ابن ماجة) و هؤلاء الأربعة هم أرباب السنن الأربع المعروفة بأسمائهم.

[2]- قد جاءت تراجم هؤلاء المذكورين في مصادر كثيرة من بينها تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.

[3]- قد اختلفوا في عنوان هذا المركز هل انه كان مدرسة، أو دار الكتب أو معهدا للدراسة و التأليف و الترجمة أو محلا لجميع هذه الأمور، فلاحظ كتاب تاريخ العلوم العقلية في الإسلام (باللغة الفارسيّة) للأستاذ الدكتور ذبيح اللّٰه صفا ص 48. و قد جاء في كتاب «دليل خارطة بغداد» ص 254 أنّ بيت الحكمة و كذلك مكتبة شابور، و دار العلم للشريف الرّضي، كلها كانت واقعة على الضفة الغربية من بغداد و لا يعلم بالضّبط متى أسّس بيت الحكمة و ربّما يرجح وجوده قبل عصر الرشيد و كانت دائرا قطعا إلى عصر ابن النّديم صاحب الفهرست، فليلاحظ المصدر المذكور.

15

أخرى بقيت إلى عصر الشيخ الطوسي، و استفاد هو منها كما ستقف عليه.

و لأجل الوقوف على وضع «بغداد» في تلك الأعصار فإن من اللازم، الرجوع الى كتابين ألّفا حين ذاك: أحدهما كتاب «الفهرست» لابن النديم. و الآخر «تاريخ بغداد».

أما الفهرست فقد ألّف في سنة 377 هكما هو المنصوص عليه في مواضع منه. و قد كان مؤلّفه «ورّاقا» مشتغلا ببيع الكتب و استكتابها للنّاس، و قد عمل فهرستا لكلّ ما وصل إليه من الكتب، و كان صديقا لكثير من العلماء و أئمة المذاهب المعاصرين له و لعشاق الكتب و الظّاهر أنّ دكّانه كان محلّ تردد العلماء و الراغبين بالكتب، و ملتقى أفئدتهم و أفكارهم.

أمّا «تاريخ بغداد» فهو للخطيب البغدادي المعاصر للشّيخ الطوسي الّذي أقام معه في بغداد، زمنا بعيدا و بعده إلى سنة 463 هو كان يتردّد على بغداد حتّى توفّي فيها في تلك السنة [1]. و قد التقى بكثير من العلماء المعاصرين له، و قليل من العلماء الّذين عاشوا ببغداد أو تردّدوا عليها، و لم يذكرهم الخطيب في كتابه هذا الذي يحتوي على ترجمة 7831 شخصا بالتفصيل أو الإيجاز و مع ذلك فلم يذكر الخطيب الشيخ الطوسي إمام الشيعة في عصره في قليل و لا كثير.

موقف الشّيعة في بغداد

هذا الّذي مرّ معنا، انّما يظهر لنا بغداد من النّاحية العلميّة بشكل كلّي. و أمّا من ناحية الشّيعة و التشيع فيها فلا بد و أن نشير إلى أنه من عصر الإمام الصّادق (عليه السلام) المتوفّى عام 148 هفما بعده قد دخلها أكثر الأئمة من آل البيت (عليهم السلام). و من بينهم الإمامان السابع و التاسع- أي الإمام موسى بن جعفر الكاظم و الإمام محمّد بن على الجواد (عليهم السلام)- و أقاما فيها برهة من الزّمان ثم ماتا أو استشهدا بها و دفنا بمقابر قريش الّتي صارت فيما بعد بلدة مستقلة تسمّى «الكاظمين» أو «الكاظميّة».

و كذلك فان قسما كبيرا من علماء الشّيعة و رجالهم كانوا يترددون على بغداد منذ تأسيسها، و بعضهم استوطنوا بها، و منهم من كان على علاقة و ارتباط بالخلفاء أو الوزراء فيها. و لا سيّما في أيام «البرامكة». فمن جملة الرجال المشهورين و العائلات المعروفة هشام

____________

[1]- كان نزل الخطيب البغدادي في أواخر عمره بمحلّة درب السلسلة قرب المدرسة النظاميّة و توفي هناك عام 463 ه(أي بعد وفاة الطوسي بثلاث سنوات) و قد شيّعه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أوّل شيخ للنظاميّة و حملوه إلى جامع المنصور في الطرف الغربي من بغداد فلاحظ دليل خارطة بغداد ص 319.

16

بن الحكم [1] و محمد ابن أبى عمير، و علي بن يقطين و أسرته، و أسره ابن قولويه، و الإسكافي، و الصّفواني، و الشّريفين المرتضى و الرّضي حيث كانوا مستوطنين ببغداد، و كان كلّما مرّ الزمان على بغداد، يزداد اجتماع الشيعة فيها حتّى أصبحت مركز الشّيعة الرّئيسي في القرن الثالث و الرابع و الخامس. فكان لعلماء بغداد من هذه الطائفة المقام الأوّل و الزّعامة المطلقة على جميعها. و من جملتهم «السفراء الأربعة» أو «النّواب الأربعة» [2] الّذين عاشوا في بغداد في النّصف الأخير للقرن الثّالث إلى شطر من القرن الرابع- أى من سنة 260 الى سنة 329 هبالضّبط-، و كانوا يتحملون مسئولية الوكالة و النّيابة الظاهرة للإمام (عليه السلام) الغائب عن الأبصار، و كانوا مراجع للشّيعة الإماميّة عامّة، و مقابرهم لا زالت موجودة في نواحي بغداد القديمة إلى هذا العصر و تزار من قبل الشيعة.

و تمّ تأسيس علم الكلام عند الشّيعة، الذي يقوم بمهمة الدفاع عن المذهب، في بغداد على يد «هشام بن الحكم» استمر حتى بلغ الذروة في أواخر القرن الرابع على يد الشيخ المفيد حيث أحدث بمهارته في المحاورات الكلاميّة و الدروس الّتي كان يلقيها على

____________

[1]- كان هشام مولى لبني شيبان أو «كندة» ولد بالكوفة و نشأ بواسط و اتّجر إلى بغداد، و توطّن بها أخيرا، فلازم يحيى بن خالد البرمكي، و تولّى مجالس كلامه و مناظراته. و هو الذي فتق الكلام في الإمامة و هذّب المذهب في النظر على حد تعبير الشيخ الطوسي. كانت له مهارة رائعة في المناظرة و البداهة في الجواب.

و أسماء كتبه المذكورة في الفهارس تدلّ على أنه كان خصما لدودا للفلاسفة و أتباعهم من المعتزلة. و الظّاهر أنّه أوّل من تصدى للرّد على فلاسفة اليونان و إيران، و أوّل من ألّف في الإمامة. كان هشام محل عناية الإمامين الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و له عنهما رواية. كان مقيما ببغداد في قصر الوضّاح، و مات بعد زوال البرامكة بمدة قليلة عام 179 ه، أو في خلافة المأمون عام 199 ه. و خلّف تلاميذ مثل ابن أبى عمير و يونس بن عبد الرحمن و غيرهما. و فنّ الكلام عند الشيعة الإمامية بدأ من هشام و انتقل من طريق هؤلاء إلى من بعدهم حتّى انتهى إلى الشيخ المفيد و من في طبقته. ملخّص من رجال النّجاشي و فهرست الطوسي و رجال الكشّي في ترجمة هشام.

[2]- و هم: 1- عثمان بن سعيد العمري كان وكيلا للإمام الهادي و الإمام العسكري ثمّ الإمام المهدي (عليهم السلام). 2- ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان العمرى، و قد بقي حوالي خمسين سنة في هذا المنصب إلى أن توفّي عام 304 أو 305 ه. 3- أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقام بالأمر بعد أبي جعفر العمري حتّى توفّي عام 326 ه. 4- أبو الحسن عليّ بن محمد السمري، حيث قام بالأمر بعد النّوبختي إلى أن توفّي عام 329، و قد صدر التوقيع الشريف من قبل الصاحب (عليه السلام) على يده إعلاما بانتهاء دور النّيابة الخاصة و الغيبة الصغرى و بعد ذلك بدأت الغيبة الكبرى و صار الأمر إلى الفقهاء الذين يعبّر عنهم ب«النّواب العامة» للإمام (عليه السلام).

17

الناس ثورة علميّة، و قد ترك جماعة من النّاس مذهبهم و دخلوا في المذهب الإمامي نتيجة لقدرته الكلاميّة و منطقه القويّ. و قد يخرّج من مدرسته، الرجل الكلامي المجرب الشريف المرتضى علم الهدى رضي اللّٰه عنه في رجال آخرين.

و جدير بالذكر أن المفيد و المرتضى و شيوخهم و المعاصرين لهم و حتى الشيخ الطّوسي نفسه كما يبدو من مطاوي التاريخ، كانوا قبل كلّ شيء مراجع للناس في علم الكلام و دفع شبهات المخالفين. و الظّاهر أنّ هذا العلم في تلك الأعصار قد كانت له الرّتبة الأولى بالنسبة إلى باقي العلوم حتى الفقه و الحديث. فكان إمام الشيعة و رئيسهم المقدّم على غيره هو العالم المتكلّم دون العالم الفقيه، كما هو المعتاد في الأزمنة المتأخرة و يدلّ على هذا الأمر تلك الرسائل المتعددة الّتي نجدها في قائمة تصانيف تلك الطبقة من العلماء التي هي أجوبة مسائل وردت إليهم من البلاد البعيدة. و كذلك الكتب التي ألّفوها ردّا على مخالفيهم و تفنيدا لآرائهم. حيث إنّ أكثرها في المسائل الكلاميّة، و إن كان للفقه منها حظّ وافر.

و بعد علم الكلام كانت الأهمية العظمى للفقه و الأصول، و لعل الاهتمام بالحديث كان أكبر من الاهتمام بهما أيضا بل إنّ الحديث كان أسهل تناولا لاعتماده بصورة رئيسية على النّقل، و كانت بغداد ملتقى العلماء و المحدثين من كلّ بلد، و محل تردّدهم، و ليس مبالغة في القول لو ادعينا أنّ الأحاديث الإسلامية و من جملتها الرّوايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد انتقلت من أكثر البلاد و جمعت في بغداد عند الشيوخ.

و بقطع النظر عن رواة الشيعة في القرنين الثّاني و الثالث، فان عندنا شخصية شيعية مشهورة، ألا و هو محدّث الشّيعة و حافظهم أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الّذي كان في مدينة «الرّيّ» زعيما للشيعة، ثم انتقل إلى بغداد بسبب مجهول لعلّه العمل على رواية كتاب الكافي و بثّ أحاديث في بغداد مركز الشيعة يوم ذاك، و هناك فارق الدنيا و قبره الآن مزار معروف. و يحتمل قويّا أنّه ألّف هذا الكتاب قبل هجرته إلى بغداد لكنّه حدّث به فيها، فإنّ أكثر رواة الكافي كانوا يعيشون في بغداد و فيها حدّثوا به للآخرين، كما أنّ شيوخ الكليني عامّتهم من مشايخ قم و الرّي [1] و ما قاربها من البلاد.

____________

[1]- رجال النجاشي ص 266. و كان الكليني مشتهرا ب«الرازي» و «البغدادي» و «السلسلي» نسبة إلى درب السلسلة الواقعة في باب الكوفة ببغداد و كان يحدث في هذا المكان بالكافي عام 327، و كأنّه في نفس هذه السّنة انتقل إلى بغداد، فلاحظ مقدمة الكافي للدكتور حسين على محفوظ ص 18 و لنا مقالات حول

18

و المفروض انّه كان مشتغلا بتأليف الكافي في مدة عشرين سنة كما يقول النجاشي و كذلك فقد دخل بغداد معاصره أحد رجال الشّيعة بقم، على بن بابويه القمّي والد الشيخ الصدوق، و صاحب التآليف الكثيرة و اتّصل بوكيل الناحية المقدّسة [1]، كما أنّ الشيخ الصدوق، نفسه ورد بغداد عام 355 ه[2] نعم. لقد بدأ حديث أهل البيت (عليهم السلام) و روايات الشيعة، تنتشر و تتركّز أوّلا في مركزين رئيسيين هما مدينة (قم) و (الكوفة)، ثم صارت بغداد ملتقى هذين الطريقين للحديث إذ المحدثون كانوا يتردّدون من قم و الكوفة و غيرهما، إلى بغداد، و يحملون معهم الأحاديث فيروونها بها، و أحيانا كانوا يقيمون هناك.

كما و ظهرت و جمعت كتب الشيعة أيضا من البلاد القريبة أو البعيدة في بغداد بنفس النّسبة التي اجتمع فيها علماؤهم. فإنّ محمد بن مسعود العيّاشي مثلا أحد أقطاب الشيعة في سمرقند، قد كانت له مؤلّفات عديدة أتى ببعضها إلى بغداد لأوّل مرة أبو الحسن القزويني القاضي في عام 356 ه[3] و في النهاية ازدهرت المكتبات الشيعية ببغداد، و من جملتها مكتبة أبى نصر شابور بن أردشير [4] وزير بهاء الدولة البويهي ابن عضد الدّولة، الّتي تأسّست سنة 381 في محلة «بين السورين» [5] إحدى محلّات «الكرخ» في

____________

الكافي في مجلّة آستان قدس رضوي في ادوارها الأولى و الثانية.

[1]- كان على بن بابويه في بغداد عام 328- اي قبل وفاته بسنة- كما في رجال النّجاشي ص 199، و على رأي الشيخ الطوسي في رجاله ص 482 ورد بغداد سنة تناثر النجوم، أي في نفس سنة 329 التي توفّي فيها، و سمع منه «التلعكبري» فيها.

[2]- رجال النّجاشي ص 303. و قد كان الصدوق في بغداد عام 352 هأيضا و سافر في هذه الأثناء أسفارا إلى الكوفة و همدان و مكة، فلاحظ مقدمة بحار الأنوار ج 1 ص 36 لصديقنا المجاهد العلامة الشيخ عبد الرحيم الرّباني الشيرازي (رحمه اللّٰه تعالى)، و لنا ترجمة مطولة عن الصدوق في مقدمة كتاب «المقنع» للصدوق.

[3]- يقول العلامة الحلي في «الخلاصة» ص 101 في ترجمته: «قدم بغداد سنة ست و خمسين و ثلاثمائة و معه من كتب العيّاشي قطعة، و هو أوّل من أوردها بغداد و رواها ..».

[4]- يقول عنه ابن الأثير في تاريخه الكامل ج 7 ص 324: «كان كاتبا سديدا و قد أسّس مكتبته عام 381 ه، و جمع فيها أكثر من عشرة آلاف كتاب ..» و جاء في هامش هذا الكتاب، أنّ هذا الرّجل تولّى الوزارة لبهاء الدولة ثمّ لمشرف الدولة ثلاث مرّات. و كان رجلا عفيفا، محسنا، سليم النّفس، حسن المعاشرة، الّا أنه كان سريع العزل لعماله حتى لا يبتلوا بالترف و الإفراط في العيش. و قد وقف على مكتبته أوقافا و أملاكا و توفي عام 416 هعن عمر يقارب التسعين.

[5]- كانت بغداد الأصلية تسمّى «مدينة السّلام» واقعة على الضفة الغربية من «دجلة» قريبة من

19

بغداد بجهد هذا الوزير الشّيعي الفاضل، و كانت تشتمل على نفائس الكتب النّادرة و تضاهي مكتبة «بيت الحكمة» و كذلك مكتبة الشّريف المرتضى التي كتب عنها أنّها حوت 80 ألف كتابا [1] كما أن أخاه الشّريف الرّضي أسّس أيضا مؤسّسة باسم «دار العلم» كان فيها مكتبة مهمة [2].

و بالإضافة إلى هذه المكتبات الثلاث، كانت هناك بالطبع مكتبات أخرى شخصية لعلماء الشّيعة و يعلم من فهرست ابن النديم أنه قد كان لكتب الشّيعة رواج في سوق البيع حين ذاك في بغداد و أنه وقع قسم كبير منها بيد ابن النديم حيث سمّاها في فهرسته مع ذكر شيء من مزاياها. [3]

إن المكانة التي أحرزها الشّيعة في بغداد كان الفضل يعود فيها بشكل أساسيّ إلى رجال كانت لهم منزلة و شأن من أمثال علي بن يقطين [4] الذين عملوا مع العبّاسيين

____________

«الكاظميّة» حاليّا، بنيت مدوّرة لها أربعة أبواب باسم الكوفة، و البصرة، و الشام و خراسان و كانت هندستها بهذه الكيفيّة: 1- خندق محيطة بالبلد. 2- المثنى المبينة بالآجر و الساروج سدا للسيل. 3- فيصل خارجي في عرض 50 ذراعا: مساحة خالية عن أىّ بناء حفاظا على المدينة من العدوّ و الحريق. 4- السّور الأعظم في ارتفاع 30 ذرعا، و ضخامة 5- 22 ذراعا في الأسفل، و 12 ذراعا في الأعلى. 5- فيصل داخلي في عرض 150 ذراعا: مساحة بدون بناء، دفاعا عن المدينة. 6- جدار ثان محيط بميدان واسع في الدّاخل، و محيط بالأبنية و القصور. و كان الحدّ الفاصل بين الجدارين يسمى «بين السورين». و بعد ذلك تم بناء الكرخ جنوبيّ المدينة ثم انهدمت أركان المدينة تدريجيّا، و بنيت مكانها محلّات منضمّة إلى محلة الكرخ، و قد سمّيت تلك المحلّات باسم مكانها من المدينة القديمة، مثل محلّة باب الكوفة، محلة باب البصرة، و هكذا.

و في رأيي أنّ مكتبة شابور كانت واقعة في مكان كان قبل ذلك يسمي «بين السورين» و لم أر من تنبه لذلك بهذا الشرح. لاحظ دليل خريطة بغداد ص 49.

[1]- قال أبو القاسم التنوخي ملازم السيد المرتضى: قد أحصينا كتب السيد فكانت 80 ألف مجلّد من مصنفاته و محفوظاته و مقرواته. و قال الثعالبي قد قومت بثلاثين ألف دينار، بعد أن أهدى القسم الكبير منها للوزراء و الرؤساء، روضات الجنات ص 383 و 384.

[2]- دار العلم هذه كانت مدرسة يسكن فيها الطلبة، و قد هيئت لهم كلّ ما يحتاجون إليه (و منها المكتبة). روضات الجنّات ص 575.

[3]- قد ذكر الشيخ الطوسي في الفهرست ص 163 أسماء كتب العيّاشي نقلا من الفهرست لابن النّديم، و كأنّه لم يكن له مصدر سوى ذلك.

[4]- كان يقطين والد علىّ من دعاة آل العباس، و تعقبه مروان الحمار ففرّ من موطنه الكوفة، كما فرت أمّ علىّ مع ابنه هذا و أخيه عبيد إلى المدينة حتى رجعوا إلى الكوفة بعد استقرار الحكم لآل عبّاس. و كان عليّ من المقرّبين لدى البلاط العباسي، ذا مكانة مرموقة عند السّفاح، و المنصور، و المهدي، و الرشيد و توفّى عام

20

منذ بداية أمرهم، و كانت لهم مناصب كبيرة و مكانة هامة لديهم حتّى إنّ «البرامكة» لم يكونوا منقطعين عن رجال الشيعة و علمائهم، فإنّ «هشام بن الحكم» العالم الشّيعي كان ملازما ليحيى بن خالد البرمكي كما مرّ معنا. [1]

و من خلال مطالعة التّاريخ و الأحاديث المرويّة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و غيرها نعرف بأنه قد كان هناك رجالات شيعيّة كانت تحتلّ مناصب مهمة في العاصمة و سائر البلاد. و يتضح هذا أكثر و نحن نرى أنّ الخلفاء كانوا ينزلون على رأي زعماء الشيعة في تكفير و طرد أشخاص من أمثال «ابن أبي العزاقر» [2] و «الحسين بن منصور الحلّاج» [3] حيث أجروا عليهم أحكام الإعدام جريا على العمل بفتاويهم. فهذا دليل على أنّ الطائفة الإماميّة في القرن الرابع الهجري كانت معترفا بها بشكل رسميّ لدى البلاط العبّاسيّ. و كان لرأي علمائهم أكبر الأثر فيه. مع الاعتراف بذلك كلّه لا ينبغي إنكار حقيقة أنّ مكانة الشيعة و موقعهم السّياسيّ و الاجتماعي في بغداد و في العراق و إيران بصورة عامة قد بلغ قمته في عصر «الدّيالمة» فهذه الأسرة الّتي نشأت من أصل فارسيّ و كانت تدين بالولاء لأهل البيت قد حكمت البلاد حتى بغداد مركز الخلافة العباسيّة لمدّة مائة و ثلاثة عشر عاما- أى من سنة 334- إلى 447 هو كانت أزمّة الأمور كلّها بيدهم، فلم يبق للخليفة سوى الاسم و رسوم الخلافة الظاهرية. و أعظم ملوك الدّيالمة هو عضد الدّولة البويهي الّذي أخضع بغداد في سنة 367 و ضمّها إلى ملكه، و بقي على

____________

182 هفي بغداد بعد أن عاش 57 سنة، و كان الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) محبوسا حين ذاك. و صلى عليه وليّ العهد محمّد بن الرشيد. و قد توفّي والده يقطين بعده عام 185 ه. كان علي هذا و ذرّيته من المؤلفين للكتب، و من رواة حديث آل البيت (عليهم السلام) فلاحظ فهرست الطوسي ص 117 و رجال النّجاشي ص 206 و غيرهما من المصادر.

[1]- فلاحظ الهامش رقم 18.

[2]- هو أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني ادعى النيابة الخاصة عن المهدي (عليه السلام)، بل الألوهيّة و الحلول. و حينما أعلن الشيخ الحسين بن روح وكيل النّاحية المقدسة فساد عقيدته، أخذه الخليفة و أجرى عليه حكم الإعدام بفتوى من القضاة في شهر ذي القعدة عام 322 ه، وفيات الأعيان ج 1 ص 418.

[3]- هو أبو معتب الحسين بن المنصور البيضاوي المعروف ب«الحلّاج» له دعاوي باطلة و مقالات مشهورة، كان يعدّ نفسه أحد الأبواب للنّاحية المقدسة في الغيبة الصغرى، و صدر توقيع من النّاحية المقدسة في تكذيبه. و قد ذمّه علماء الشيعة المعاصرون له أو المتأخرون عنه لكن بعضا آخر منهم أمثال نصير الدين الطوسي، و الشيخ بهاء الدين العاملي و القاضي نور اللّٰه التّستري قد دافعوا عنه، و أوّلوا كلماته الظاهرة في الكفر و على كلّ حال فهناك خلاف بين العلماء في شأنه لاحظ روضات الجنات ص 225.

21

قيد الحياة حتّى عام 372 ه. و هو أوّل من سمّى ب«الملك» رسميّا في الخطبة بعد اسم الخليفة.

و أوّل من أعلن رسميّا مرقد عليّ (عليه السلام) في النجف و بنى عليه القبّة و المقام، و قد أوصى بأن يدفنوه إلى جواره (عليه السلام). [1]

كان هذا الملك يكنّ احتراما كبيرا للشيخ المفيد، و يوليه عناية خاصة، حتّى إنّه كان يزوره أحيانا في بيته. و على العموم فقد نضجت المحافل الشيعية و مجامعهم كمّا و كيفا في عصر الدّيالمة، و أصبحت حلقاتهم العلميّة و دروسهم، و مناظراتهم مع أرباب المذاهب الأخرى تزدهر بشكل علنى، و كانت لعلمائهم علاقات قويّة مع السلاطين و الوزراء.

و من جملتهم الشيخ الصّدوق محمّد بن علي بن الحسين المتوفى عام 381 هو أخوه الحسين بن علي بن بابويه فكان لهما اتّصال دائم بالوزير العالم الأديب «الصاحب بن عبّاد» [2] و قد اتفق للشّيخ الصدوق مناظرات بالرّي في حضرة الملك ركن الدّولة و ابنه الملك عضد الدّولة. [3]

و مع نمو تجمعات الشيعة حين ذاك في بغداد، أخذت أماكنهم على الأيام تنفصل هذه عن أماكن أهل السنة، فأصبحت محلة «الكرخ» مركزا شيعيا و بذلك بدأت التحركات و الحروب بين الطائفتين، حتى إن الخليفة التجأ إلى أن يعيّن للشيعة نقيبا، لعله كان في نفس الوقت نقيبا للعلويين أيضا، فكانت النقابة انتهت حين ذاك إلى الشريف أبي أحمد، ثم انتقلت إلى ولديه الشريف الرضي، ثم الشريف المرتضى ثم الى أبي أحمد عدنان ابن الشريف الرضي و هكذا فيمن بعده. و كانت هذه الأسرة من أكبر العائلات الشّيعية ظهورا و شهرة في بغداد و كانوا في نفس الوقت مراجع دينية للشيعة جميعا، علاوة على منصب النقابة، كما أن منصب إمارة الحجّ و النّظر في المظالم في بعض ضواحي العراق كانت مفوضة

____________

[1]- وفيات الأعيان ج 3 ص 21 فما بعدها.

[2]- ألف الشيخ الصدوق كتابه «عيون أخبار الرضا (عليه السلام)» للصاحب، و اتى في أوّله بجملة من فضائله و محاسنه، كما سجّل قصيدته السنية في تبجيل الإمام الرضا (عليه السلام) و مرقده، التي مطلعها هكذا:

يا زائرا سائرا إلى طوس * * * مشهد طهر و أرض تقديس

و أما أخوه الحسين بن بابويه فكان عالما كثير الرواية و له أيضا كتاب ألفه للصاحب، لاحظ رجال النّجاشي ص 54.

[3]- روضات الجنّات ص 560 فما بعدها. و كان موضوع البحث موقف الصحابة بعد النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و موقف الشيعة و رأيهم فيهم.

22

إليهم. (1)

قدوم الشّيخ الطّوسي إلى بغداد

في مثل تلك الظّروف ورد بغداد الشيخ الطّوسيّ الطالب الشّاب البالغ من العمر 23 عاما، و هو على استعداد تام للتقدم العلمي و الاستفادة من الدروس العالية، ورد بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية البالغة حين ذاك أوجها الثقافى. و الحافلة بآلاف من العلماء في جميع الفنون و من جميع المذاهب الإسلامية. و منذ وصوله لفت أنظار الشيوخ و الاساتذة إليه و يتبيّن لدينا من ملاحظة مشايخ الطوسي في الحديث و الرّواية و قسم من تأليفاته، أنه استفاد في السّنين الأولى من إقامته ببغداد أقصى ما يمكن استفادته من الفرص التي كانت متوفرة له حين ذاك. و هذا واضح من خلال استقراء رواياته في كتب الحديث، و في كتابه «الفهرست» مع تصريح كبار العلماء و المترجمين له، و من جملتهم شيخنا الأكبر العلّامة الطّهراني في مقدمة التبيان (2)، و العلّامة المتتبع السّيد محمد صادق آل بحر العلوم، في مقدمة فهرس الطّوسي (3)، حيث يتحصل لدينا أن القسم الأكبر من نقوله و رواياته إنّما هما عن خمسة أشخاص أدركهم الشيخ الطوسي في أواخر أيّامهم، و لم يلازمهم مدة طويلة، و مع ذلك فقد أخذ علومهم و سمع جميع رواياتهم في تلك الفرصة العابرة و المدة القصيرة.

فمن جملة هؤلاء الخمسة بل المقدّم عليهم الشيخ المفيد حيث أدرك الشيخ الطوسي خمس سنوات من آخر أيّام «المفيد» فقط، في حال أنّ المفيد هو العمدة في منقولات الشيخ تقريبا. و قد ذكر الطّوسي في ترجمة المفيد بعد سرد مؤلّفاته قوله: «سمعنا منه هذه الكتب بعضها قراءة عليه و بعضها يقرأ عليه غير مرّة و هو يسمع» (4) فظاهر هذا الكلام يدلّنا على أنّه أخذ منه جميع تلك الكتب، و درسها على أستاذه بطريقة السماع أو القراءة، و بعضها بشكل مكرّر. في مدة لا تتجاوز خمسة أعوام. مع أنّه في نفس الوقت حسب ما ستعرف ألّف قسما كبيرا من كتاب «تهذيب الاحكام».

و الثاني من الخمسة هو الحسين بن عبيد اللّٰه الغضائري المتوفى عام 411 ه، أى

____________

(1)- روضات الجنّات ص 383.

(2)- مقدمة التبيان ص أح.

(3)- مقدمة الفهرست ص 11 و 18.

(4)- فهرست الطوسي ص 126.

23

بعد قدوم الشيخ بغداد بثلاث سنوات فقط. مع أنّ روايته عنه في الفهرست و التهذيب و غيرهما كثيرة جدّا.

و الثالث منهم، أحمد بن محمّد بن موسى المعروف ب«ابن الصلت الأهوازي» الذي توفي عام 409 هاي بعد قدوم الشيخ بسنة واحدة و من المسلم به لدينا أن الشيخ روى عنه و عن الغضائري بعض رواياتهما على الأقلّ بطريقة السماع أو القراءة، و لم يكتف بالإجازة منهما، فإنه يقول عن الغضائري: «كثير السّماع، و له تصانيف ذكرناها في الفهرست، سمعنا منه و أجاز لنا بجميع رواياته ..» (1) و قد نصّ الشيخ في الفهرست على أنّه قرأ أكثر كتب الكافي للكليني على الغضائري. (2) و كذلك سمع من «ابن الصّلت الأهوازي» في سلخ شهر ربيع الأوّل عام 409 ه. بمسجده الواقع بشارع «دار الرقيق» و قد مرّ علينا أنّه توفي في نفس السنة. (3)

و الرّابع منهم، هو أبو عبد اللّٰه، أحمد بن عبد الواحد البزاز المعروف ب«ابن الحاشر» و «ابن عبدون» المتوفّى سنة 423 ه.

و الخامس من هؤلاء الشيوخ الخمسة، هو أبو الحسين على بن أحمد بن محمّد بن أبى جيد القمي، الّذي كان يروي مباشرة عن محمّد بن الحسن بن الوليد المتوفّى عام 343 ه، و عن أحمد بن محمد العطّار، الذي سمع الحديث في سنة 356 ه (4) و نحن لا نعلم سنة وفاة «ابن أبى جيد» هذا، إلّا أنّ الشيخ الطوسي ترحّم عليه في مشيخة كتابه «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار» (5) و هذا الكتاب يعتبر من الكتب التي ألّفها الشيخ في أوائل حياته العلمية.

و بالإضافة إلى هؤلاء الخمسة من مشايخ الطوسي فنحن نمر على تراجم أشخاص آخرين قد درس و قرأ الشيخ الطوسي كتبهم الكثيرة عليهم ذكرهم الشيخ في كتابيه «الفهرست» و «الرجال» أو في مشيخة «التهذيب» و «الاستبصار». و منهم أستاذه الكبير علم الهدى الشريف المرتضى حيث قال في الفهرست بعد ذكر كتبه:

____________

(1)- رجال الطوسي ص 470.

(2)- فهرست الطوسي ص 161.

(3)- مقدمة رجال الطوسي للسيد محمد صادق آل بحر العلوم ص 35.

(4)- شرح مشيخة تهذيب الاحكام للسيد حسن الخرسان ص 34.

(5)- مشيخة الاستبصار ص 303.

24

«قرأت هذه الكتب أكثرها عليه، و سمعت سائرها يقرأ عليه دفعات كثيرة» (1). و الخبراء يعلمون و لا يخفى عليهم أنّ قراءة أو سماع الكتب الكبيرة و المتعددة إلى جانب تحقيقها و درايتها يستوعب وقتا طويلا. و يبدو أن الشيخ الطوسي جهد كثيرا ليحصّل في السنوات الأولى التي قضاها في بغداد و عند كبار المشايخ و الأساتذة العظام على أقصى ما يمكنه من المعلومات، مستغلا حياتهم و آخر أنفاسهم حتى لا يسبقوه بموتهم، فيفوته شيء من علمهم.

و بذلك نعتقد أن الدراسة استغرقت كل وقته، ليله و نهاره في تلك السنين.

الشيخ المفيد و ملازمة الشيخ الطوسي له

يعتبر المفيد أعظم مشايخه و أساتذته، لا سيّما في العلوم النقليّة حيث كان معظم استناده إليه. كان المفيد رئيس متكلّمى الشيعة و رأس فقهائها في عصره يقول اليافعي: «.. البارع في الكلام و الفقه و الجدل، و كان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة و العظمة في الدولة البويهية» (2) و قد وصفه معاصره ابن النديم هكذا: «انتهت في عصرنا رئاسة متكلّمى الشيعة إليه، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضى الخاطر، شاهدته فرأيته بارعا» (3). و إذا التفتنا إلى أنّ ابن النديم يكتب هذا الكلام عن المفيد المتوفّى عام 413 هو قد نصّ على انّه ألف فهرسته عام 377 هحكمنا بأنه شاهد المفيد و كتب عنه في أواسط أيّام المفيد حيث لم يتجاوز الأربعينات، و عاش بعد ذلك دهر أو اكتسب شهرة فوق ما كتب عنه.

و أمّا الخطيب البغدادي الذي هو بدوره أدرك المفيد في شبابه فيحكي لنا كيف جعل المفيد أهل السنّة في ضيق شديد بقوّة حجته و تأثير كلامه بين النّاس حتّى أقبلوا على ما كان يدعوهم اليه من مذهب آل البيت، يقول الخطيب: «هلك به خلق من الناس إلى أن أراح اللّٰه المسلمين منه ..» (4)

فيتبيّن لنا من خلال أقوال المترجمين للمفيد، سواء ممن كانوا معاصرين له و من أهل حلقته، أو من غيرهم من الشّيعة أو من أهل السنة، أنّ المفيد كان بارعا في قوّة الحجّة، و الغلبة على خصمه، حاضر الجواب، نشيطا للبحث و المناظرة، و لم يكن في زمانه من

____________

(1)- فهرست الطوسي ص 126.

(2)- مقدمة الرجال للسيد محمد صادق آل بحر العلوم ص 7 نقلا عن مرآة الجنان لليافعي.

(3)- فهرست ابن النديم ص 266 و 293.

(4)- تاريخ بغداد للخطيب ج 3 ص 23.

25

يدانيه أو يضاهيه في هذا المضمار.

كان المفيد معاصرا للقاضي عبد الجبّار رئيس المعتزلة المتوفّى عام 415، اي بعد وفاة المفيد بعامين. [1] و كذلك للقاضي أبي بكر الباقلاني رئيس الأشاعرة ببغداد المتوفّى عام 403 ه. و كان للمفيد معهما مناظرات مذكورة في كتب التراجم، و قد اشتهر بسببها المفيد (1) و عطفت نظر الملك عضد الدولة عليه فقدره حق قدره، فكان يزوره في بيته. و قد جاء في الكتب أنّ لقب «المفيد» أعطاه إياه «علي بن عيسى الرّماني» (296- 384 ه) أحد المتكلّمين البارزين في ذلك الزمان، بعد مباحثة جرت بينهما أيّام شباب المفيد، و كانت الغلبة فيها للمفيد. فأرسل الرّماني على الفور رسالة إلى الشيخ أبى عبد اللّٰه المعروف ب«جعل» أستاذ الشّيخ المفيد يوم ذاك يوصيه بالمفيد خيرا.

ولد محمد بن محمّد بن النعمان المفيد في عائلة عريقة تنتهي بالنسب إلى يعرب بن قحطان ب(31) واسطة، في شهر ذي القعدة الحرام عام 336 ه. و في ليلة الجمعة يوم الثّالث من رمضان عام 413 هانتقل إلى رحمة اللّٰه في بغداد، و صلّى عليه تلميذه الشّريف المرتضى في ميدان «الأشنان» في جموع كثيرة حتّى إنّ الميدان على سعته قد ضاق بالنّاس و لم ير يوم أكبر منه من كثرة النّاس للصلاة عليه، و من كثرة بكاء المخالف و الموافق عليه (2) و يقول فيه ابن كثير الشامي: «شيّعه ثمانون ألفا من الرّافضة و الشيعة» (3) و قد نسب إلى المفيد حوالي 200 مؤلّف من جملتها حوالي 180 كتابا و رسالة سمّاها تلميذه أبو العبّاس النّجاشي في رجاله. (4) و كثير منها ردود على أقطاب المذاهب و الآراء: أمثال الجاحظ، و ابن عبّاد، و علي بن عيسى الرّمّاني، و أبى عبد اللّٰه البصريّ، و ابن نباتة، و الجبّائي، و ابن كلاب، و الخالدي، و النّفسي، و النّصيبي، و الكرابيسي، و العتبى، و الحلّاج، [2] و غيرهم. بالإضافة إلى رسالات أكثر عددا من ذلك كتبها المفيد جوابا على

____________

[1]- كان عبد الجبّار رئيس معتزلة بغداد، ثم دعاه الوزير الصاحب بن عباد إلى الرّي فكان هناك مشتغلا بالتأليف و التدريس إلى آخر حياته فتوفي بها عام 415 هفيبدو أنّ اتصال المفيد به كان في أيّام الشباب، أمّا عبد الجبّار فقد كان في سن الكهولة حين ذاك لأنّه قد مات عن عمر يناهز التّسعين كما يحدّثنا ابن الأثير في تاريخه الكامل ج 7 ص 31.

[2]- بعض هؤلاء يعدّون من الرجال المعروفين، و البعض الآخر مثل ابن كلاب و النّسفي، و الكرابيسي

____________

(1)- لاحظ روضات الجنّات ص 563 للوقوف على تفصيل هذه المناظرة و الّتي بعدها و غيرها من أحوال المفيد.

(2)- فهرست الطوسي ص 187.

(3)- روضات الجنّات ص 564.

(4)- رجال النّجاشي ص 316.

26

أسئلة وردت عليه من البلاد البعيدة و القريبة و معظمها حول مسألة الإمامة و العقائد و الأحكام الفقهية الخاصّة بالشّيعة و بعض هذه الكتب يعتبر مناقشة و إبطالا لآراء بعض مشايخه أمثال ابن الجنيد، و الشيخ الصّدوق و غيرهم في مسائل مثل العمل بالقياس، و الاعتقاد بسهو النّبي و نحوها.

قضى الشيخ الطوسي مع أستاذه المفيد كما أشرنا إليه سابقا، مدة خمس سنوات، و في حياته و بإشارة منه (1) شرع في شرح رسالة المقنعة للمفيد التي تعدّ متنا فقهيا جامعا متقنا، و ربما كانت أوّل كتاب فقهي للشيعة من نوعها. و هذا الشّرح هو كتاب «تهذيب الأحكام» أحد الكتب الأربعة المشهورة في الحديث، و الأجزاء الأولى من هذا الكتاب التي حررها في زمن حياة أستاذه تعتبر أقوى دليل على مقدرة الشّيخ الطوسي الأدبيّة و العلمية، مع أنّه حين ذاك لم يمض عليه أكثر من حوالي خمس و عشرين سنة من العمر. [1]

السيّد المرتضى و ملازمة الشيخ الطوسي له

جلس مجلس المفيد رسميّا لدى وفاته مباشرة أحد تلامذته و صهره الشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفري [2] المعروف ب(أبى يعلى الجعفريّ) فتصدى لإدارة حوزته و حلقته و كان هذا الرّجل على حدّ تعبير «النّجاشي» فقيها متكلما قائما بالأمرين. و بقي حيّا إلى عام 463 ه[3] أي إلى بعد وفاة الطّوسي بثلاث سنوات- و قد شارك أبو يعلى هذا و سلّار بن عبد العزيز مع النّجاشي في تغسيل السيد المرتضى،

____________

و العتبى لم يتيسر لنا الوقوف على حالهم بعد شيء من المراجعة إلى المصادر.

[1]- قد صرح الأستاذ الكبير آية اللّٰه البروجردي في درسه بأنّ أبحاث الشيخ الطوسي في التهذيب حول كيفية الوضوء لدليل على مقدرته الأدبيّة، و العلمية و على تضلّعه فيها و تعمقه في كيفيّة الاستدلال.

[2]- قد نصّ النّجاشي في رجاله ص 316 و كذلك العلامة الحلّي في الخلاصة ص 164 على خلافة أبى يعلى هذا للشيخ المفيد، و أما مصاهرته للمفيد فقد ذكرها ابن حجر في لسان الميزان ج 5 ص 368. و العلامة الشيخ عبد الرحيم الرباني (رحمه اللّٰه) مع تصريحه بذلك مرّات في مقدمته الطويلة لبحار الأنوار، إلّا أنه يصرّح في ص 129 من المقدمة بأنّ صهر المفيد هو أبو يعلى حمزة بن محمد الجعفري و كأنه في نظره شخص آخر غير أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، على أنه قيّد وفاته بسنة 565، و كلاهما عندي خطأ.

[3]- رجال النّجاشي ص 316. و لا يخفى على البصير أن تاريخ وفاة أبي يعلى (463 ه) ملحق بكلام النّجاشي قطعا لأنّ النّجاشي قد توفّي عام 450 همع إمكان وقوع الخطأ في الرقم، لأنّ أبا يعلى الجعفري لو جلس

____________

(1)- روضات الجنّات ص 564.

27

كما يقول النّجاشي (1) و لكن. و مع الاعتراف بذلك، فلا شكّ في أنّ الزعامة و رئاسة المذهب انتقلت بعد المفيد إلى تلميذه الأكبر الشريف المرتضى رضي اللّٰه عنه.

و كما مرّ معنا فإنّ أسره السيّد كانت من ذي قبل، ذات اعتبار و مكانة لدى الخلفاء العباسيّين، و كان السيّد المرتضى حين ذاك أكبر شخصية في هذه الأسرة بعد وفاة أبيه أبي أحمد النّقيب عام 400 ه. و بعد وفاة المفيد ضمت إلى هذا المجد و العزّة رئاسة المذهب و المرجعية العلميّة فبلغت بها إلى دورة مجدها.

كان السيّد المرتضى وحيد عصره في فنون الأدب، و الشّعر، و الكلام، و الاطلاع على الآراء و المذاهب و الملل و النّحل، و إنّ اللّٰه سبحانه و تعالى قد أتم عليه النّعمة و أكمل له الرحمة و أسبغ عليه من فضله في شتى الجهات. و قد قال فيه معاصره الثّعالبي، «انتهت الرّئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد و الشرف و العلم و الأدب و الفضل و الكرم، و له شعر في نهاية الحسن ..» (2) و وصفه أبو العبّاس النّجاشي تلميذه بقوله: «أبو القاسم المرتضى حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، و سمع من الحديث فأكثر، و كان متكلما، شاعرا، أديبا، عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا ..». (3) و كذلك يقول عنه تلميذه الآخر الشيخ الطوسي في كتاب رجاله، و السّيد حيّ بعد: «على بن الحسين الموسويّ يكنى أبا القاسم الملقب بالمرتضى، ذو المجدين علم الهدى أدام اللّٰه أيّامه، أكثر أهل زمانه أدبا و فضلا، متكلم فقيه جامع للعلوم كلّها مدّ اللّٰه في عمره ..» (4) و قال الطوسي في ترجمة السيّد بعد وفاته في كتابه الفهرست: «.. الأجلّ المرتضى رضي اللّٰه عنه، متوحّد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدم في العلوم: مثل علم الكلام، و الفقه، و أصول الفقه، و الأدب، و النّحو، و الشعر، و معاني الشعر، و اللّغة و غير ذلك، و له ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت. و له من التّصانيف و مسائل البلدان شيء كثير ..» (5)

____________

مجلس المفيد عام وفاته أي سنة 413 هفقد كان حين ذاك في سن يليق بهذا المقام فلو صح أنه مات عام 463 فلا بد أن يعد من المعمرين. و المعلوم لدينا أنّ أبا يعلى قد كان حيّا عام 436 هالذي توفي فيه المرتضى علم الهدى و اشترك هو مع النّجاشي في تغسيل السيّد.

____________

(1)- رجال النّجاشي ص 207.

(2)- مقدمة البحار ص 125 نقلا عن يتيمة الدهر ج 1 ص 53.

(3)- رجال النّجاشي ص 206.

(4)- رجال الطوسي ص 484.

(5)- فهرست الطوسي ص 125.

28

يحصل لدينا من كلام كلّ من ترجم للسيّد المرتضى أنّه كان له مزيتان بارزتان:

إحديهما، المقام العالي و المكانة المرموقة، و ذاك المجد و الرئاسة و العزة الظاهرة و ثانيتهما، إلمامه بكلّ علوم عصره و تبحره في الفنون و المعارف المتداولة في زمانه و بهذا كان السّيد يعتبر ذا المجدين كما أنّ الميز البارز الذي أحرزه أستاذه الشيخ المفيد حسب ما اعترف به كلّ من كتب عنه، هو القدرة في البحث و المناظرة و الغلبة على الخصم في مضمار الجدال و الكلام.

و يبدو من مطاوي تراجم كثيرة في «تاريخ بغداد» تأليف الخطيب البغدادي، المعاصر للسيد المرتضى، أن العلماء و الأدباء و الشعراء كانوا يترددون على السيد لقضاء حوائجهم و حل معضلاتهم و مشاكلهم العلمية لديه، و كانوا يكنون له احتراما بالغا. و جدير بالذكر أنّ الخطيب البغدادي مع إيراده لأمثال هذه المذكرات عن السيد في تضاعيف التراجم كثيرا، قد اكتفى في ترجمة السيد الخاصة به بكلام موجز عنه في سطور (1) و لقد جاء في مرثية يرثي بها أبو العلاء المعري، أبا أحمد الحسين بن موسى النقيب، والد المرتضى و الرضي المتوفى عام 400 هأبيات خص بها المعرى هذين الأخوين، البالغين حين ذاك أوج الشهرة و منتهى العزة و هي هذه:

أبقيت فينا كوكبين سناهما * * * في الصبح و الظلماء ليس بخلاف

متأنّقين و في المكارم ارتقا * * * متألقين بسؤدد و عفاف

قدرين في الأرداء بل مطرين في * * * الإجداء، بل قمرين في الإشداف

رزقا العلاء فأهل نجد كلّما * * * نطقا الفصاحة مثل أهل دياف

ساوى الرّضي المرتضى و تقاسما * * * خطط العلا بتناصف و تصاف

(2) نعم .. و كما يقول أبو العلاء: فإن الشريف الرضي كان شريكا لأخيه المرتضى في جميع الفضائل إلّا أنّ الخبراء و أهل الأدب: يقدّمونه على المرتضى في صناعة الشعر.

و كيف كان فهذان الأخوان أصبحا شمسين مضيئتين في الأندية الأدبيّة و العلميّة في بغداد في عصرهما الذي يعتبر من أرقى الأدوار العلميّة و الثقافية في تاريخ الإسلام لكنّ السيّد الرّضي فارق الحياة شابا عام 406 هو ترك أخاه و كلّ العلماء و أدباء عصره مصابين في فراقه. حتى إنّ المرتضى لشدّة تأثره على أخيه و من ثقل المصيبة عليه التجأ إلى حرم

____________

(1)- لاحظ تاريخ بغداد ج 11 ص 402.

(2)- لاحظ شروح سقط الزند السفر 2 القسم 3 ص 1297 فما بعدها، و روضات الجنّات ص 575 نقلا عن ابن خلكان.

29

الكاظميّة إلى أن ذهب إليه الوزير فخر الملك بعد الصلاة على جنازة الرّضي و أرجع المرتضى إلى بغداد.

على أنّ ترجمة كاملة عن حياة المرتضى و الرضي تحتاج إلى تأليف كتاب، و نحن قد اكتفينا هنا بشكل مختصر كي نضع أمام القراء مثالا عن البيئة التي نشأ فيها الشيخ الطوسي و للدلالة على تلك الشخصيات الّتي تربى عندها و المفاخر التي ورثها عنهم هذا الرجل العبقري و بالنظر إلى سنة قدوم الشيخ الطوسي أي عام 408 هو الى السنة التي توفّي فيها السيد الرّضي و هي سنة 406 هفإنه لا يبقى عندنا شك في أنّه لم يتفق لقاء الشيخ للسيد الرّضي. و الجدير بالذكر بل العجيب عندنا أنّ الشيخ الطوسي لم يذكره في كتاب الرجال و الفهرست مع أنه كان صاحب تآليف قيّمة أمثال «نهج البلاغة» و «مجازات القرآن» و «المجازات النّبويّة» و «خصائص الأئمة» و «حقائق التنزيل» و «ديوان شعر كبير» و غيرها، و لم يظهر لنا إلى الآن وجه ذلك. لكن الشيخ النجاشي معاصر الشيخ الطوسي قد أدرك السيد الرّضي و كتب عنه ترجمة قصيرة في رجاله كما يأتي: «محمد بن الحسين ..

أخبرنا أبو الحسن الرّضي نقيب العلويين ببغداد، أخو المرتضى كان شاعرا مبرّزا له كتب ..

توفي في السادس من المحرم سنة ست و أربعمائة مائة» (1) و مع المقايسة بين هذا الذي وصف النجاشي به الرضي و الذي ذكره في شأن أخيه المرتضى حسب ما تقدّم، يتبيّن مدى التفاوت بين هذين الشقيقين الفاضلين. و قد ذكر النجاشي في رجاله قصة بشأن «ابن قبة» المتكلّم المشهور سمعها في مجلس الرّضي بحضرة الشيخ المفيد عن أبي الحسين ابن المهلوس العلوي الموسوي (2) و هذا دليل على أنّ الشيخ النجاشي كان يتردّد على السيد الرضى في حياته و يحضر مجلسه، كما أنه يروى كتبه عنه من غير واسطة.

و هكذا .. فبعد وفاة الشيخ المفيد لازم الشيخ الطوسي السيّد المرتضى، و لم يكن حين ذاك، يتجاوز 28 سنة من العمر كما أشرنا إليه، و نظرا لاستعداده الجيّد و حسن قريحته فقد أولاه السيد عناية بالغة و خصّص له 12 دينارا شهريا في الوقت الذي قرر لسلّار بن عبد العزيز 8 دنانير. على أنّ هذا الأمر بنفسه يدلّنا على أنّ الشيخ كان و لا يزال يعيش كأحد الطلبة الغرباء في بغداد و كان بحاجة إلى مساعدة الأستاذ. و قد استقى من ينبوع علمه الفيّاض مدة 23 عاما- اي من سنة 413 إلى سنة 436 هعدا ما أخذه عنه قبل

____________

(1)- رجال النّجاشي ص 283.

(2)- رجال النّجاشي ص 266.

30

ذلك في حياة الشيخ المفيد، كما أنه نال أكبر حظ ممكن من التقدم و الرقي في ظلّ أستاذه البالغ منتهى المجد و العظمة.

و في رأيي أنا أنّ الشيخ الطوسي لم يكن بحاجة ماسّة إلى علم السيد في الرواية و الحديث و لأنّه في السنوات الخمس التي قضاها مع المفيد و غيره من الأساتذة و المشايخ الكبار الذين سمينا بعضهم كان قد تزوّد بأكبر قدر ممكن من المنقولات و الروايات عنهم مباشرة من غير حاجة إلى توسيط السيد و غيره ممن يعتبرون من تلامذة هؤلاء المشايخ و هذا ما يظهر جليا مما قاله الشيخ في ترجمة السّيد في كتاب رجاله: «يروى عن التلعكبري و الحسين بن على بن بابويه و غيرهم من شيوخنا» (1) و لهذا لم نجد السيد في طريق شيء من روايات كتابي التّهذيب و الاستبصار الذين هما أهم كتبه الحديثيّة، و لا في غيرهما من كتبه إلّا نادرا. نعم ذكر الشيخ في الفهرست طريقه إلى كتاب الكليني بواسطة السيد أيضا فما عده من الطرق العديدة إلى هذا الكتاب، فقال: «.. و أخبرني السيد الأجل المرتضى عن أبي الحسين أحمد بن على بن سعيد الكوفي عن الكليني ..» (2).

أمّا علوم الكلام و التفسير و اللغة و العلوم الأدبية عموما و كذلك الفقه و الأصول فالظاهر أنّ الشيخ الطوسي استفاد فيها من السّيد إلى حدّ كثير، فقد حكى الشيخ كثيرا من آراء السّيد في كتابه «عدة الأصول» و في كتبه الكلاميّة و التفسير، و انتقد بعضها.

و في «الفهرست» بعد أن سمّى قسما كبيرا من تأليفات السيّد يقول: «قرأت هذه الكتب أكثرها عليه و سمعت سائرها يقرأ عليه دفعات كثيرة» (3) و من المسلّم به أنّ الشيخ قد صنف بعض كتبه المهمة في حياة السيد حيث سأل اللّٰه فيها دوام علوه كالتهذيب، و الاستبصار، و النهاية و المفصح في الإمامة، و كتاب الرجال، و قسما من أوّل الفهرست و عدّة الأصول. و أهمّها تلخيص الشّافي الذي يعتبر من أهم كتبه الكلاميّة في الإمامة، و هو تلخيص كتاب الشّافي للسيد المرتضى. الذي لم يؤلّف قبله في الإمامة كتاب على طرازه. و قد فرغ الشيخ من تلخيص الشّافي سنة 432 هأي قبل أربع سنوات من وفاة السيد المرتضى. (4) و حيث إنّ الشيخ صنّف أكثر هذه الكتب بالتماس من ابن البراج أو غيره كما ستقف عليه فان هذا يعبر عن مرجعيته و أهليته

____________

(1)- رجال الطوسي ص 485.

(2)- فهرست الطوسي ص 126.

(3)- فهرست الطوسي ص 126.

(4)- لاحظ آخر تلخيص الشافي.

31

و مكانته العلمية حين ذاك. بل الظاهر أن الشيخ كان يجيب على الأسئلة الواردة من البلاد مع وجود السيد مثل ما نرى أنّ الشيخ و السيد أجابا معا على «المسائل الرازيّة» و هي 15 مسألة في «الوعيد» كانت أرسلت إلى السيد. و علاوة على تلخيص الشّافي، فقد شرح الشيخ قسم الكلام من كتاب «جمل العلم و العمل» للسيد بعد وفاته، و سمّاه «تمهيد الأصول» و وعد في أوّله بأن يكتب شرحا لهذا الشّرح أو لكتاب «الذّخيرة» للسيد و قد بدء بكتاب شرح الشّرح و لكنّه لم يتمه. و يستفاد من كتاب «تمهيد الأصول» أنّ الشيخ بقي ملازما لدرس السيد حتى أواخر حياته. [1]

ولد السيد المرتضى في شهر رجب عام 355 هو توفّى في 25 ربيع الأوّل عام 436 هبعد أن استوفى من العمر ثمانين سنة و ثمانية أشهر و بضعة أيّام (1) فأصبح الشيخ الطوسي خليفته و وارثه و وارث أستاذه المفيد في المرجعية العامة دون معارض و لا منازع.

الشيخ الطوسي بعد السيد المرتضى

و بعد وفاة السيد بقي الشيخ في بغداد حتّى عام 448 همبجلا معظما مشغولا بالدرس و البحث و التّأليف و الإجابة على الأسئلة الواردة من البلاد المختلفة، و الظاهر أنّه كأستاذيه المفيد و السيد كان يحظى بعناية خاصة من قبل ملوك آل بويه و الخلفاء المعاصرين له. و إنى إلى الآن لم أقف على وثيقة تدلّنا على أنّ الشيخ خرج من بغداد في تلك الظروف الّتي قضاها في بغداد، مع أنّه من المستبعد جدا أن لا يزور على الأقلّ في هذه المدة الطّويلة الإمام الحسين في كربلاء، و أمير المؤمنين (عليهما السلام) في النجف أو لا يسافر إلى سامراء لزيارة الإمامين العسكريين (عليهما السلام).

و قد قال الشيخ في ترجمة أحمد بن نوح أبي العباس السيرافي: «مات عن قرب إلّا أنّه كان بالبصرة و لم يتّفق لقائي إياه» (2) و هذا الرّجل من جملة الأساتذة و الشيوخ الكبار في علمي الحديث و الرّجال، و قد وصفه النّجاشي بقوله: «و هو أستاذنا و شيخنا و من استفدنا منه» (3) و هذا أي إدراك النّجاشي للسيرافي يعتبر عند العلماء أحد أسباب

____________

[1]- جاء في نسخة قديمة من هذا الكتاب موجودة في المكتبة الرضوية (ورقة 3) قوله: «و ذكر (رحمه اللّٰه) في كثير من تدريسه». و قال في أواسط مبحث اللطف: «و كان (رحمه اللّٰه) في آخر تدريسه يشكّ في ذلك».

____________

(1)- فهرست الطوسي ص 126.

(2)- فهرست الطوسي ص 62.

(3)- رجال النجاشي ص 68.

32

ترجيح النّجاشي على الشيخ الطوسي في الرجال و الحديث فكان لقاء مثل هذا الشيخ بمكان من الأهمية للشيخ الطوسي و مع ذلك لم يخرج الطوسي إلى البصرة لزيارته و الأخذ منه مباشرة.

و يعلم من إجازة الشيخ المكتوبة عام 445 هعلى ظهر نسخة من كتابه «مقدمة في المدخل إلى علم الكلام» أنّه كان في ذاك التاريخ في «حدود دار السّلام» اي في ضواحي بغداد. و الظاهر أنّ الشيخ قد ألّف أكثر كتبه و أماليه في بغداد و انه ألف قسما منها قبل وفاة أستاذه السيد المرتضى و قسما آخر بعده. و يمكننا أن نقف على مكانته العلمية و رئاسته العامة حين ذاك من خلال هذه الكتب و مقدماتها و من الأسئلة الواردة عليه من البلدان و قد عبر نظام الدين محمود بن علي الخوارزمي كاتب النسخة المذكورة المكتوبة سنة 444 ه، عبّر عن الشيخ بقوله: «مقدمة الكلام تصنيف الشيخ الإمام الورع قصوة العارفين و حجة اللّٰه على العالمين، لسان الحكماء و المتكلمين، أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي متعنا اللّٰه بطول بقائه و نفعنا بعلومه». [1]

الشيخ الطوسي و النجاشي

أبو العبّاس النّجاشي المعاصر للشيخ الطوسي صاحب كتاب الرّجال المعروف الذي ألّفه قبل سنة 450 هالّتي توفّي هو فيها، و بعد عام 436 هالذي توفّي فيه السيد المرتضى [2] و الظاهر أنّه كتبه في بغداد. و قد وصف الشيخ الطّوسي بقوله: «محمد بن الحسن بن على الطوسي أبو جعفر جليل من أصحابنا، ثقة عين، من تلامذة شيخنا أبى عبد اللّٰه ..» (1) ثم يفهرس جملة من كتب الشيخ الطوسي التي كان ألّفها إلى يوم ذاك

____________

[1]- مقدمة التبيان للعلامة الطهراني ص 1 ه. قد كان العلامة الطهراني رأي هذه النسخة في مكتبة الأستاذ السيد محمد مشكاة (رحمه اللّٰه). و راجعت أنا الأستاذ مشكاة لرؤية هذه النسخة و زيارة إجازة الشيخ الطوسي بخطه لكاتب النسخة، فقال: كانت هذه النسخة أمانة عندي لبعض أصدقائي فاستردّها، و لا أدري ما هو مصيرها. ثم بعد ذلك بسنين حينما كنت أجمع الوثائق عن الشيخ الطوسي للمؤتمر الألفي للطوسي، كتب إليّ الفاضل فخر الدّين نصيري، أنّ هذه النسخة محفوظة لديه. و على كل حال فهي من جملة عديد من النسخ التي تحمل خط الشيخ الطوسي. فلاحظ خاتمة كتاب الجمل و العقود المصحّح و المترجم بجهدنا.

[1]- قد جاء في رجال النّجاشي ص 207 أنّ السيّد توفي في 5 ربيع الأوّل عام 436 هو أنّه تصدى لغسله، و هذا دليل على تأليفه كتاب الرّجال بعد موت السيّد و هناك شواهد أخرى على ذلك إلّا أنّ النّجاشي عبر عن السيد في أول كتابه بقوله: «السيد الشريف أطال اللّٰه بقاءه و أدام توفيقه» حيث انّ الظاهر منه السيد المرتضى و أنه كان في قيد الحياة حينذاك.

____________

(1)- رجال النّجاشي ص 287.

33

و من جملتها كتاب «الفهرست» و كثير من كتبه المهمة المشهورة سوى أجوبة المسائل. و هذا دليل آخر على فراغ الشيخ من تأليف تلك الكتب و رواجها بين الطائفة حين ذاك. و كلمة «عين» في كلام النّجاشي التي وصف بها الشيخ الطوسي، تعبير واضح عن مكانة الشيخ و اشتهاره بين النّاس و شخوص الأنظار إليه. و للأسف لم نعثر في شيء من كتب الشيخ الطوسي و لا في رجال النّجاشي على ما يدل على وجود علاقة بين هذين العالمين العلمين مع اشتراكهما في أكثر الشيوخ و الأساتذة، و كونهما من المتصلين بالمفيد و المرتضى و المقربين عندهما فإن النجاشي يقول في السيد المرتضى: «توليت غسله و معي الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري و سلّار بن عبد العزيز» (1) و يظهر من هذه الجملة علاقة النّجاشي بابى يعلى الجعفري و سلّار، و علاقة الثّلاثة بالسيد المرتضى، و كلهم من تلامذة المفيد و السيد و من المعاصرين للشيخ الطوسي إلّا أنّه في هذا الكلام لم يذكر الشيخ معهم، كما أن الشيخ أيضا لم يتعرض في ترجمة السيد في الفهرست (2) لمن تصدى لغسله و تجهيزه مع أنّه كان حاضرا هناك بحسب العادة بل لم يتعرض الشيخ في شيء من كتبه كالفهرست و الرجال لترجمة النجاشي أصلا، و هذا مما يثير العجب. و مع ذلك كلّه فإن العلامة الحلي عدّ الشيخ الطوسي ممّن روى عن النجاشي [1].

و على كل حال فلا ريب في أنّ النّجاشي قد ألّف «رجاله» أو بتعبير أصحّ «فهرسته» [2] بعد فهرست الطوسي، و كان أستاذنا الكبير آية اللّٰه البروجردي (رضوان اللّٰه تعالى)

____________

[1]- مقدمة رجال الطوسي للعلامة السيد محمد صادق آل بحر العلوم ص 38 نقلا عن إجازة العلامة الحلّي لبني زهرة، و خاتمة المستدرك ص 510 و مقدمة التبيان ص أح، و إجازات بحار الأنوار ط كمپاني ص 28.

[2]- التعبير عن رجال النّجاشي بالفهرست نبّه عليه لأوّل مرة الأستاذ البروجردي (رحمة اللّٰه تعالى عليه)، و يصدقه ملاحظة وضع الكتاب، مع أن النّجاشي صرح في أوله بأنه قصد بذلك التأليف الإجابة على ما كان المخالفون يقولونه للشيعة «انّه لا سلف لكم و لا مصنّف» و أصرح في ذلك قوله في أول الجزء الثاني من الكتاب ص 157: «الجزء الثاني من كتاب أسماء مصنّفي الشيعة و ما أدركنا من مصنّفاتهم و ذكر طرف من كناهم و ألقابهم و منازلهم و أنسابهم و ما قيل في كل رجل منهم من مدح و ذمّ ..».

و الفرق بين «الرجال» و «الفهرست» أنّ الهدف من الأوّل التعريف برجال الحديث، و بالثّاني التعريف بالمصنّفين و المؤلفين، و إن كان أكثر الرواة مؤلفين، و أكثر المؤلفين القدامى، مصنّفين. و ما قاله

____________

(1)- رجال النّجاشي ص 207.

(2)- فهرست الطوسي ص 126.

34

عليه يعتقد بأنّ النّجاشي في كتابه هذا لم يغفل عن تصحيح أغلاط صدرت عن الشيخ في فهرسته من دون أن يصرّح بذلك أو يسمي الشيخ، فأتى بوجه الصواب. و إنّى وقفت على مواضع من هذا القبيل حيث إنّ المقايسة بين الكتابين و سياق تعبير النجاشي يسجل صدق كلام الأستاذ و إصابة رأيه. [1] و لا شبهة في أنّ النّجاشي أشدّ تضلّعا و أكثر تعمّقا في علم الرجال من معاصره الشيخ الطوسي بل يعتبر هذا العلم من اختصاصه بالذّات. و قد كان من أهالي الكوفة و بغداد، و له معاشرة قديمة مع العائلات في البلدين و معرفة كاملة بالعائلات الشيعية و إحاطة بدقائق أمورهم، و أنسابهم حيث يسمي آباء الرّجال بالضبط على عدّة وسائط، و قد أدرك و رأى في طفولته بعض الشيوخ المتقدمين أمثال التلعكبري.

[2]

____________

النّجاشي في أوّل الجزء الثاني عن كتابه هذا يعطي أنه أراد الجمع بين الأمرين إلّا أنه قدم الهدف الأوّل أي الفهرست على الثاني. ثم إنّ المفهرسين المتأخرين كصاحبي كشف الظنون و الذريعة و كثير غيرهما، رتّبوا كتبهم بحسب ترتيب أسامي الكتب، في حين أنّ المتقدمين مثل ابن النّديم و الطوسي و النّجاشي رتّبوها بحسب أسامي المؤلّفين، فكانوا يبدءون بالتعريف بالمؤلّف ثم يذكرون كتبه. إلّا أن هناك فرقا بين ابن النديم و غيره، فقد قسّم ابن النديم الّذي ألف فهرسته عام 377 هأي قبل النّجاشي و الطوسي بأكثر من خمسين سنة إلى أقسام بحسب العلوم و الفنون.

و جريا على ذلك اضطرّ إلى تسمية بعض المؤلفين في بابين أو أكثر لكونه ذا فنون عدة، و قد ألف في كل منها كتابا. على أنّ هناك فارقا آخر بين ابن النديم و غيره، و هو أنّه جمع في كتابه أسماء كتب جميع الفرق حتى غير المسلمين، في حين أنّ النّجاشي و الطوسي لم يرتّبا كتابيهما بحسب الموضوعات و الفنون. و لم يتعرضا الّا للمصنفين من الشيعة الإمامية أو من له اتصال و ارتباط بهذه الطائفة بوجه من الوجوه.

[1]- فمن باب المثال، يقول الشيخ الطوسي في الفهرست ص 204 في ترجمة هشام بن الحكم: «كان هشام يكنى أبا محمد و هو مولى بني شيبان، كوفي تحوّل إلى بغداد ..» و يقول النّجاشي في رجاله ص 338: «هشام بن الحكم أبو محمد مولى كندة، و كان ينزل في بني شيبان بالكوفة انتقل إلى بغداد سنة 199 ..».

و مثله كثير و قد قلنا إنّ النّجاشي ألّف كتابه بعد الشيخ و ذكر الشيخ الطوسي و كتبه و منها الفهرست في رجاله، فلا بدّ و أن يكون الفهرست، مرجعا له و ملحوظا عنده حال التأليف.

[2]- يقول النّجاشي في الرجال ص 292 في ترجمة الكليني: «.. كنت أتردّد إلى المسجد المعروف بمسجد اللؤلؤي، و هو مسجد «نفطويه النّحوي» أقرأ القرآن على صاحب المسجد، و جماعة من أصحابنا يقرءون كتاب الكافي على أبى الحسين أحمد بن أحمد الكوفي الكاتب، حدثكم محمّد بن يعقوب الكليني ..» و يقول فيه ص 308 في ترجمة هارون بن موسى التلعكبري المتوفى عام 385 ه: «كنت أحضر داره مع ابنه أبي جعفر و النّاس يقرءون عليه ..» و عليه فقد رأى النّجاشي التلعكبري و لم يرو عنه، كما أنّه أدرك أبا المفضّل الشيباني الشيخ الكثير الرواية (297- 387 ه) و سمع منه، و قد كان الشيباني في ذاك الوقت عالي الإسناد يروي عن محمّد بن جرير الطبري المتوفى عام 310 ه. فلاحظ رجال النّجاشي ص 282.

35

هذا مع أنّ الشيخ كان ذا فنون كثيرة و مشتغلا بعلوم أخرى سوى الرّجال حسب ما دريت بالإضافة إلى تصديه لمقام المرجعيّة العامة التي كانت بالطبع شاغلة لبعض وقته.

و امّا النّجاشي فلا ندري مقدار حظّه من ذلك و من إقبال العامة عليه و الرئاسة له على الناس.

قال سليمان بن الحسن الصهرشتي في كتابه «قبس المصباح»: «أبو الحسين أحمد بن علي الكوفيّ النجاشي، أخبرني ببغداد في آخر شهر ربيع الأوّل سنة 442، و كان شيخا بهيا ثقة، صدوق اللسان عند الموافق و المخالف.» [1] و نعلم من هذه العبارة مكانة النّجاشي عند الشيعة و أهل السنة، و وجوده ببغداد في تلك السنّة أي في الوقت الذي يتوطّنها الشيخ الطوسي رئيسا معظما عالي الصوت مشهورا عند الخاص و العامّ. كما أنّ قول الصّهرشتي: «و كان شيخا بهيا» يعبر عن وضعه في ظاهر الحال.

و قد أتى النجاشيّ بشيء موجز عن حياته في كتاب الرّجال (1)، و كان جدّه الأعلى عبد اللّٰه النّجاشيّ والى «الأهواز» و له كتاب إلى الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) و جوابه (عليه السلام) إليه مبسوط مشهور. و الظاهر أنّ أحد تلامذة النّجاشي زاد في الكتاب بعد ترجمته قوله: «أطال اللّٰه بقاه و أدام علوه و نعماه» و كذلك زاد في أوّل الجزء الثاني من الكتاب قوله: «الشيخ الجليل أبو الحسين .. أطال اللّٰه بقاه و أدام علوه و نعماه». (2) كما أنّ ذكر تاريخ وفاة أبي يعلى الجعفري عام 463 هفي الكتاب (3) أي بعد وفاة النّجاشي ب13 سنة لو صحّ فهو ملحق بالكتاب قطعا أو وقع فيه خلط حسب ما سبق منّا في الهامش.

و على كلّ فمعلوم لنا أنّ النّجاشي كان يقطن بغداد مع الشيخ الطوسي و كان موثوقا به عند أهل العلم من الفريقين، مشهورا بصدق اللّسان. و أنّ العلماء المتأخّرين يعتبرون النّجاشي من مشايخ الإجازات و بعضهم قدموه على الشيخ في علم الرّجال لوجوه

____________

[1]- لاحظ خاتمة رجال النّجاشي حيث حكاه عن العلامة بحر العلوم في فوائده، نقلا عن العلامة المجلسي في مزاره، نقلا عن قبس المصباح لسليمان بن الحسن الصهرشتي. و كان هذا الرجل من تلامذة الشيخ الطوسي و النّجاشي و أبى يعلى الجعفري و أبى الفرج مظفّر بن علي بن حمدان القزويني، و كلهم من تلامذة الشيخ المفيد البارزين، راجع مقدمة بحار الأنوار، للشيخ ميرزا عبد الرحيم الشيرازي (رحمه اللّٰه) ص 15.

____________

(1)- رجال النّجاشي ص 79.

(2)- رجال النّجاشي ص 157.

(3)- رجال النّجاشي ص 317.

36

ذكروها. [1]

و النجاشي هو احمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد بن عبد اللّٰه النّجاشي و كنيته أبو الحسين أو أبو العباس أو أبو الخير. و المعروف ب«ابن الكوفي» ولد في شهر صفر سنة 372 هببغداد (ظاهرا). و توفي في جمادى الأولى عام 450 هعن عمر ناهز (78) سنة في «مطيرآباد» من ضواحي «سامراء» (1) و لعلّ السبب لانتقاله في أخريات حياته إلى تلك الناحية هي المشاجرات و المشاكل و الحروب بين السنة و الشيعة، و تحول السلطة من «آل بويه» الشيعية إلى «آل سلجوق» السّنيين، نفس السّبب الباعث على هجرة الشيخ الطوسي من بغداد الى النجف الأشرف كما سيمرّ معنا.

و للنّجاشي غير كتاب الرّجال، كتب أخرى مثل: كتاب الجمعة و ما ورد فيها من الأعمال، كتاب الكوفة و ما فيها من الآثار و الفضائل، أنساب بني نضر بن قعين و أيّامهم و أشعارهم، كتاب مختصر الأنواء و مواضع النّجوم التي سمتها العرب (2) و يحصل لدينا من ملاحظة أسماء الثلاثة الأخيرة اختصاص النّجاشي بعلم الأنساب.

و أيّام العرب و الكوفة و ما إليها. و الظاهر أنّ أسره النّجاشي كانت و لا تزال من زمن جدّهم عبد اللّٰه النجاشي من العائلات العلميّة المهتمين بعلم الحديث و حمله و درايته و نقله و روايته. و من جملتهم جدّه «أحمد بن العباس» الذي كان أحد مشايخ التلعكبري حيث سمع منه عام 335 ه (3)، و أبوه «علي بن أحمد» أحد شيوخ النّجاشي نفسه (4).

____________

[1]- و قد بحث في ذلك العلامة بحر العلوم في الفوائد الرجالية بالتفصيل، و أخيرا قدم النّجاشي على الطوسي لوجوه ستة:

1- أنّ الطوسي ألف كتابيه الفهرست و الرّجال قبل النّجاشي.

2- تراكم أشغال الشيخ و تفنّنه في العلوم، و اما النّجاشي فكاد يكون مختصا بالرجال.

3- تقدم النّجاشي في علم التاريخ و السير و الأنساب المرتبطة بالرّجال.

4- كون النّجاشي من أهل الكوفة و روايته كثيرا عن الكوفيين.

5- إدراكه الشيخ الجليل العارف بفنّ الرجال أحمد بن الحسين الغضائري.

6- تقدم عصر النّجاشي قليلا على الشيخ الطوسي و إدراكه كثيرا من الشيوخ المتضلّعين في علم الرجال مع عدم إدراك الشيخ إياهم مثل: أحمد بن علي بن نوح السيرافي، و أحمد بن محمد بن الجندي، و أبي الفرج محمد بن علي الكاتب و غيرهم. فلاحظ روضات الجنّات ص 18.

____________

(1)- لاحظ رجال النّجاشي ص 79، و روضات الجنّات ص 17 و 18 و خلاصة الأقوال للعلامة الحلّي ص 21.

(2)- رجال النّجاشي ص 79.

(3)- شرح مشيخة التهذيب للسيد حسن خرسان ص 21.

(4)- روضات الجنّات ص 17 و 383.

37

و قد صرّح في كتاب رجاله بأنّه يروى جميع كتب الشيخ الصدوق عن أبيه و قرأ بعضها عليه فقال: «و قال لي: أجازني (يعني الصدوق) جميع كتبه لمّا سمعنا منه ببغداد» (1) و على رأى العلامة الخوانساري صاحب الروضات يستفاد من أواخر إجازة العلامة الحلي المطوّلة لبني زهرة أنّ الشيخ الطوسي أيضا كان يروى عن «أبى الحسن علي بن أحمد» والد النّجاشيّ. (2)

احداث بغداد و هجرة الشيخ إلى النّجف

ان نظرة إجمالية في تاريخ بغداد تدلّنا على أنّ بغداد قد استولت عليها في النّصف الأوّل من القرن الخامس أثناء إقامة الشيخ الطوسي بها، أوضاع متشنّجة و صراعات حصلت بين الطوائف المتخاصمة، و من أهمّها ما كان يجري بين الشيعة و السنّة، و كذلك بين الذين يؤيدون حكم «آل بويه» و يدافعون عنه، و أنصار الخلافة العباسية أو من مال إلى الفاطميّين بمصر. و بذلك تعاظم الخطب حسب تزايد الخلاف، و اشتد الخطر على الشيعة و على شيخهم و إمامهم الشيخ الطوسي. و في وسط ذلك الجو المشحون بالإخطار و المسيطر على النّاس، غادر الشيخ بغداد مهاجرا الى النجف خائفا يترقب.

دخل طغرل بك السلجوقي بغداد عام 447 هو قد اتفق خروج الشيخ عنها بعد ذلك بمدة في سنة 448 ه (3) و لكن إحراق مكتبته و الكرسي الذي كان يجلس عليه في الدرس كان في شهر صفر عام 449 هكما يحدثنا ابن الجوزي و ابن الأثير (4) على أنّ بيت الشيخ قد أغير عليه لدي هجرة الشيخ و بناء على ما نقله ابن حجر عن ابن النّجار حدث إحراق كتبه في فترات عديدة و أكثر من مرّة، أمام جمهور الناس في باحة مسجد النّصر، و كان الشيخ يختفي عن النّاس حفاظا على نفسه، و هو في بغداد (5). و هذا قابل للجمع مع ما يحدثنا به ابن كثير من أنّ إحراق مكتبة الشيخ وقع في سنة 448 أثناء خروجه عن بغداد. و أنّهم أخذوا الكتب مع الكرسيّ و نقلوها إلى محلة الكرخ بالإضافة إلى ثلاث رايات بيضاء كان الشيعة يحملونها معهم أثناء زيارتهم للنجف فأشعلوا فيها النّار هناك

____________

(1)- رجال النّجاشي ص 279.

(2)- روضات الجنّات ص 383.

(3)- لاحظ المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 173.

(4)- المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 179، و الكامل لابن الأثير ج 8 ص 81.

(5)- لسان الميزان ج 5 ص 135.

38

(1) و لعلّ بعض مصنّفات الشيخ أيضا قد مسته النار في تلك الأحداث. على أنّ محلّة الكرخ و مكتبة الشابور التي تحدثنا عنها سابقا قد أحرقتا في عام 450 أو 451 ه. (2)

و جدير بالذكر انّ الشيخ الطوسي كان مشاهدا لجميع هذه الأخطار و الاضطرابات في تمام أيّام إقامته في بغداد، و حتّى أنه رأى بأم عينيه كيف أنّ الشيخ المفيد أبعد عن بغداد عام 409 (3)، أي بعد قدوم الشيخ بسنة واحدة و مع ان مشاهدة هذا الوضع المضطرب لا بدّ و أن يؤثر في نفس الشيخ، و يترقب أن نجد آثار هذا الوضع الروحي في كتاباته و آثاره إلا أن العجيب هنا أن شيئا منها لا يحكي عن اي اضطراب روحي أو تبلبل فكري و لا يشير إلى وقوع شيء من تلك الأحداث. بل على العكس من ذلك، فانّ جميع إنشاءاته و آثاره و إملاءاته حاكية عن روح هادئة و نفس مطمئنّة، و ارادة جازمة محكمة كما أن مناظراته و أبحاثه في كتبه و ردوده على الفرق الأخرى خالية تماما من أي نوع من أنواع التعصب المذموم، عارية عن الحساسية المترقبة في تلك الأحوال عادة مع انه بحث في كتبه الفقهية و الكلامية و الأصولية مع كل فريق، و خاض كل معضلة و ولج كل فجّ عميق.

نعم نجد الشيخ في ابتداء كتاب الغيبة الذي ألفه عام 447 ه (4) أي في بحبوحة الصراع و الأزمات المتلاحقة يقول: «.. و أنا مجيب إلى ما سأله و ممتثل ما رسمه مع ضيق الوقت، و شعث الفكر، و عوائق الزمان، و صوارف الحدثان ..» و مع الاعتراف بأنّ هذه العبارة تحكي عن نهاية الضغط و غلبة اليأس عليه و عن انتهاء أمد صبره على الأحداث غير الملاءمة، فنحن نرى الشيخ في نفس الوقت و في وسط تلك الظروف، يقدم بهذه الكلمات كتابا يعد في موضوعه من أحسن الكتب الى هذا الزمان، و من أوثق الآثار في بابه.

و بعد هجرة الشيخ من بغداد و إحاطة الفتن بها كان من الطبيعي أن تنحلّ حوزة الشيعة و تتفكك مجتمعاتهم في بغداد، و أن يغادرها سائر العلماء أيضا أو يعيشوا فيها منعزلين مستورين عن الناس، فقد قلنا إن النجاشي قد هاجر إلى مطيرآباد في سامراء حيث توفّى فيها عام 450 ه.

____________

(1)- البداية و النّهاية ج 12 ص 97.

(2)- الكامل لابن الأثير ج 8 ص 88.

(3)- الكامل ج 7 ص 300.

(4)- يقول الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة ص 85: «.. في هذا الوقت الذي هو سنة سبع و أربعين و أربعمائة ..».

39

و في نفس الوقت ازدهرت حلقات أهل السنة و ازداد نشاطهم في ظل حكم طغرل بك المدافع عنهم بتمام الهمة و المقدرة. و ينبغي أن لا ننسى أنّ المدرسة المعروفة ب«النظاميّة» قد أسّست لفقهاء الشّافعية عام 457 هأي بعد تسع سنوات فقط من هجرة الشيخ الطوسي- على يد نظام الملك وزير السلطان آلب أرسلان السلجوقي و افتتحت رسميّا عام 459 ه (1)

المرحلة الثالثة الفترة الواقعة بين هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف و بين وفاته.

إنّنا لا نعلم شيئا عن كيفية هجرته و عمّن كان في صحبته، و لا عن أحواله في النّجف، و لكن يمكن القول بشاهد الحال و قياس الأحوال، أنّ الهجرة كانت محفوفة بالخوف و الاضطراب بل الحرمان و الافتقار. و لعل هذه الحالة لازمته حتّى وفاته أذان النّجف و بقية المشاهد المشرفة لآل البيت (عليهم السلام) قد فقدت رونقها الّذي كان مزدهرا بشكل ملموس في عهد «الديالمة» إذ أنها قد فقدت حالة الجلال و الأبّهة التي كانت تعتريها حين قدوم أو مغادرة أحد ملوك الدّيالمة و رجالهم بتلك المشاهد المشرفة و لا سيّما حرم علي (عليه السلام). كما أنّ الشيعة عامة قد فقدوا الحرّية في إقامة تلك المراسم و الحفلات المذهبيّة المكشوفة هناك كما كان الحال في ظلّ حكم «الديالمة».

هذا و يمكن الانتهاء الى هذه النتيجة و هي أنّ هذا العالم الحر المهذب الطاهر القلب و برفقة بعض طلبة العلم، و أبناء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قد أقاموا بتلك الزّاوية المقدسة- و هي بعد تعد قرية صغيرة و لم تكن أصبحت مدينة- أقاموا فيها محزونين و متأسفين على ذهاب الأيّام الذهبيّة متفرغين إلى البحث و الدرس، بعيدين عن الفتن و الثورات، و عن التّدخل في الأوضاع الجارية.

و هكذا استمرّ على هذا الوضع لمدة 12 عاما- أي من عام 448 إلى 460 هحتّى ليلة 22 محرّم الحرام من تلك السّنة، حيث انتقلت روحه الطاهرة إلى الجنّة الباقية. و يقول الحسن بن المهدي السليقي أحد تلامذة الشيخ: «تولّيت أنا و الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن عبد الواحد العين زربي و الشيخ أبو الحسن اللؤلؤي غسله في تلك الليلة و دفنه» [1]

____________

[1]- خلاصة الأقوال ص 148. ثم ان هذا الحادث و هو تجهيز الشيخ و دفنه بيد عديد من خواصه في نفس الليلة الّتي قبضت روحه الطاهرة مباشرة من دون انتظار الغد و احتفال الناس عامة لتشييع جسمان إمامهم الأكبر لدليل على سيطرة حالة مضطربة على البلد يوم ذاك.

____________

(1)- دليل خارطة بغداد ص 154.

40

و قد دفنوه في منزله الذي تحول إلى مسجد بعد وفاته بناء على وصيته [1].

و يقع حاليا في جهة الشمال من البقعة العلوية، و يبعد حوالي 200 مترا من الصحن الشريف [2]، و بهذه المناسبة سمي باب الصحن المنتهى إلى مسجد الطوسي ب«باب الطوسي» و أخيرا سمي الشارع الجديد في تلك النّاحية ب«شارع الطوسي».

مؤلفات الشيخ الطوسي و آثاره

نتيجة لخبرة الطوسي و تبحّره في العلوم الدّينيّة المتداولة في عصره فله آثار كثيرة في تلك العلوم، و يعتبر كلّ كتاب منها من أفضل و أجود ما كتب في موضوعه، و بنفس الوقت فان تلك الآثار واجدة لامتيازات مهمة: منها اتساقها في العبارات السهلة الواضحة و الخالية عن الإبهام و الإغلاق كما أنها، مترسلة ذات حلاوة، كما كان عادة أبناء ذلك الزّمان.

و منها حسن تنظيم كتبه و اشتمالها على أبواب و فصول مرتّبة و منها أنّ الشيخ الطوسي كان يرمي في كلّ تأليف إلى هدف معقول مع الأخذ بعين الاعتبار، المستويات العلمية عند الطلبة الذين سيستفيدون منه، و ذلك بالتفريق بين المبتدئين و المتوسطين أو المنتهين الى الدرجات العالية في العلم.

و منها أنّه كان لا يخلّط بين الفنون المختلفة بدمج مسائلها بعضها في بعض بل يفرد لكلّ فنّ كتابا أو رسالة تخصّه حسب ما ستعرف بعض التفصيل عن كتبه الفقهيّة فيما بعد و هذا هو السر فيما نراه في كتب الشيخ من إرجاع القاري إلى كتبه الأخرى بكثرة و لا سيّما في تفسير التبيان، حيث أحال كثيرا من المباحث إلى محالها من سائر مصنفاته.

هذه المميّزات اضافة إلى مكانة الشيخ البارزة في المذهب الإمامي حيث يعتبر هو مفصلا و مجددا لهذا المذهب، قد خلّدت كتب الشيخ الطوسي فلن يستغني عنها العلماء في الأجيال المتوالية مهما بلغوا من العلم.

و يبلغ عدد مؤلفاته (رحمه اللّٰه) سواء في ذلك الكتب و الرسائل منها 45 كتابا [3] و بشكل كلّي يمكن تقسيمها على تسعة مواضيع على النحو التالي: 1- الحديث

____________

[1]- ذكرت وصية الشيخ بذلك في مقدمة التبيان للعلامة الطهراني ص أس فقط بلا سند.

[2]- قد جاء في مقدمة التبيان ص س، و روضات الجنّات ص 854 و مقدمة رجال الطوسي ص 117 تفصيل عن عمارة هذا المسجد و تجديدها مرات فلاحظ.

[3]- قد أنهى العلّامة الطهراني كتب الشيخ الطوسي في مقدمة التبيان (ص أو) إلى 47 كتابا و رسالة،

41

و الأخبار. 2- الرّجال و التّراجم و الفهرست. 3- التفسير. 4- الفقه. 5- الأصول. 6-

الكلام. 7- الأدعية و الأعمال. 8- التّاريخ و المقتل. 9- الأجوبة على المسائل في موضوع واحد أو أكثر من المواضيع المذكورة آنفا، و هي الأسئلة الواردة عليه من البلاد القريبة و البعيدة و التي هي تعبير عن بسط رئاسته و شهرته في البلاد، و نحن نذكر أسماء الكتب نباعا بملاحظة الترتيب الآنف لهذه المواضيع:

الأوّل- كتب الحديث ثلاثة كتب:

1- تهذيب الأحكام أحد الكتب الأربعة المعروفة و هو شرح كتاب المقنعة للشيخ المفيد بدء به في حياة أستاذه، و بإشارة منه كما قيل.

2- الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، و هو أيضا من جملة الكتب الأربعة، استخرجها الشيخ من روايات التهذيب و خصّها بما اختلف من الأخبار و قد عالجها بالجمع بينها في حال أنّ التهذيب يشمل الخلاف و الوفاق.

3- الأمالي أو المجالس في الأخبار و الروايات أملاها الشيخ في النّجف في 45 مجلسا.

الثّاني كتب الفهرست و الرجال، ثلاثة كتب

1- الأبواب المعروفة برجال الشيخ و هي شاملة لحدود 9800 ترجمة لرواة الحديث و أرباب التأليف.

2- الفهرست الحاوي لأسماء و تراجم 900 نفر من مصنفي الشيعة مع ذكر آثارهم و كتبهم.

3- اختيار معرفة الرّجال المعروف ب«رجال الكشّي و هو اختيار كتاب ألّفه أبو عمرو محمد بن عمرو بن عبد العزيز الكشيّ باسم «معرفة النّاقلين عن الأئمة الصادقين».

الثّالث كتب التفسير، ثلاثة كتب:

1- التبيان في تفسير القرآن، عشرة أجزاء مع مقدمة حول القرآن و التفسير.

2- المسائل الدّمشقيّة في تفسير القرآن شاملة لإثني عشرة مسألة في تفسير القرآن.

3- المسائل الرجبيّة في تفسير آي من القرآن.

الرابع كتب الفقه، أحد عشر كتابا

____________

و على ما سنذكره في ذيل هذا المبحث تبلغ إلى 48 كتابا إلا أنك ستعرف أن بعضها مكرر إذ ربما كان لكتاب واحد اسمان، أو لم يثبت صحة نسبته إلى الشيخ الطوسي.

42

1- النّهاية في مجرد الفقه و الفتوى، و هي فقه كامل منصوص اكتفى الشيخ فيها بما نصت عليه الروايات من الاحكام.

2- المبسوط في الفقه الحاوي على جميع أبواب الفقه منصوصها و تفريعها.

3- الجمل و العقود في العبادات.

4- الخلاف في الأحكام، أو مسائل الخلاف في الفقه التطبيقي و الغرض منه الموازنة بين المذاهب الفقهيّة في مختلف الآراء.

5- الإيجاز في الفرائض، موجز في أحكام الإرث.

6- مناسك الحج في مجرد العمل (اي بدون الأدعية المستحبة).

7- المسائل الحلبيّة في الفقه.

8- المسائل الجنبلائية في الفقه الشاملة ل24 مسألة فقهيّة.

9- المسائل الحائرية في الفقه الشاملة لحوالى 300 مسألة فقهية.

10- مسألة في وجوب الجزية على اليهود و المنتمين إلى الجبابرة.

11- مسألة في تحريم الفقّاع.

الخامس، كتب الأصول، كتابان:

1- العدة أو عدة الأصول، و هو أبسط كتاب في علم الأصول عند القدماء من الإماميّة و هذا الكتاب يعادل كتاب «الذريعة إلى أصول الشريعة» للسيد المرتضى.

2- مسألة في العمل بخبر الواحد و بيان حجيّة الأخبار.

السادس، الكتب الكلاميّة، 16 كتابا.

1- تلخيص الشّافي في الإمامة، تلخيص و تنظيم كتاب الشّافي للسيد المرتضى.

2- تمهيد الأصول أو التمهيد في الأصول، شرح قسم الكلام من كتاب جمل العلم و العمل للسيد المرتضى.

3- الاقتصاد الهادي إلى طريق الرّشاد فيما يجب على العباد من أصول العقائد و العبادات الشرعية، كلام مع فقه موجز في آخره.

4- المفصح في الإمامة، كتاب مختصر جامع في الإمامة.

5- ما لا يسع المكلف الإخلال به.

6- ما يعلّل و ما لا يعلل، و لا يعلم بالضّبط كونهما فقها أو كلاما.

7- مقدمة في المدخل إلى علم الكلام، و لم يعمل مثله على حدّ قول المصنف.

8- رياضة العقول، شرح مقدمة في المدخل إلى علم الكلام.

43

9- أصول العقائد، غير تام خرج منه التوحيد و قسم من العدل.

10- شرح الشرح في الأصول. في رأيي أن هذا الكتاب هو نفس الكتاب السابق، و هو شرح على كتابه تمهيد الأصول، الذي هو شرح على جمل العلم و العمل كما سبق، إذ المؤلف نصّ في أوّل التمهيد على أنّه بصدد الشرح لهذا الشرح أو لكتاب الذّخيرة للسيد.

11- الغيبة، في غيبة الإمام المهديّ (عليه السلام)، من مباحث الإمامة.

12- مسألة في الأصول، وصفها الشيخ بأنّها مليحة.

13- الفرق بين النّبي و الامام، أو المسائل في الفرق بين النبي و الإمام.

14- المسائل الرازية في الوعيد، خمس عشرة مسألة وردت على السيد المرتضى من «الرّي» و أجاب عنها السيد و الشيخ كلاهما.

15- النّقض على ابن شاذان في مسألة الغار.

16- مسائل أصول الدين، أو مسائل الطوسي متن موجز في العقائد.

السابع كتب الأدعية و أعمال الشهر خمسة كتب:

1- مصباح المتهجد في أعمال السنة، كتاب جامع في بابه بنظم جيّد.

2- مختصر المصباح في الأدعية و العبادات، أو المصباح الصغير، اختصار الكتاب السابق.

3- مختصر في عمل يوم و ليلة في العبادات، أو «يوم و ليلة» في الصلوات الخمس اليوميّة و تعقيباتها.

4- أنس الوحيد، لعلّه في الأدعية أو مجموعة مثل الكشكول.

5- هداية المسترشد و بصيرة المتعبد في الأدعية و العبادات.

الثّامن في التاريخ و المقتل، كتابان:

1- مختصر أخبار المختار بن أبي عبيدة الثّقفي، أو أخبار المختار.

2- مقتل الحسين (عليه السلام).

التّاسع أجوبة المسائل المختلفة ثلاثة كتب:

1- المسائل القمية، أو جوابات المسائل القمية، لا يعلم مواضيعها.

2- مسائل ابن البرّاج، في الفقه على ما يظهر من بعض القرائن.

3- المسائل الإلياسية مائة مسألة في الفنون المختلفة.

و لقد ذكر المؤلف هذه الكتب و الرسائل البالغ عددها 48 تأليفا في كتاب

44

«الفهرست» عدا ستة منها و هي: 1- التبيان 2- شرح الشّرح الذي قلنا عنه إنّه نفس كتاب أصول العقائد. 3 و 4- مسألة في وجوب الجزية، و المسائل القمية المذكورتان في نسخة من الفهرست كانت عند المولى عناية اللّٰه القهبائي. 5- مسائل ابن البراج، ذكرها في مقدمة التبيان نقلا عن الفهرست و ليست فيه. 6- مسائل أصول الدين الموجود منها نسختان في المكتبة الرّضويّة بمشهد. و للعلّامة السّيد محمد علي الروضاتي بحث مستوفى في هذه الرسالة و رسالتين أخريين باسم المسائل الكلامية (1) و رسالة في الاعتقادات في المجلد الثالث من ذكري «الشيخ الطوسي الألفيّة» و هناك ثلاث رسائل باسم «إثبات الواجب» و «مسائل الطوسي» و «ثلاثون مسألة» مذكورة في بعض المصادر و من جملتها في مقالة مطولة في المجلد المذكور للأستاذ الدكتور السيد محمد باقر الحجتى و هي اجمع مصدر بحث حول مؤلفات الشيخ الطوسي و نسخها الموجودة في مكتبات العالم. و هذه الرسائل يجب البحث عنها هل هي رسائل متعددة أو بعضها متحد مع بعض، و هل الجميع للشيخ الطوسي أو منسوب اليه و هو من تأليف غيره، كما يقال عن رسالة «إثبات الواجب» أنها لنصير الدين الطوسي.

و بعد. فان البحث عن آثار الشيخ و مؤلّفاته واسع الأطراف جدا، و له أبعاد مختلفة و هي أوّلا، الكشف عن صحّة انتساب كل منها إلى الشيخ الطوسي.

ثانيا، الكشف عن النّسخ الموجودة من آثار الشيخ، و قد أدى الدكتور حجّتي واجبه بقدر الإمكان في هذه النّاحية، في المقال المذكور.

ثالثا، بيان الخصائص و الفوائد و الشروح و التّعليقات الراجعة إلى تلك الآثار، و قد تعرّض العلامة الطّهراني في مقدمة «التبيان» و في كتابه «الذريعة» لما وقف عليه من ذلك.

رابعا، نقد الطبعات المتعددة لكتب الشيخ الأمر الذي لم يقم به أحد إلى الآن حسب ما نعلم.

خامسا، دراسة النّقود التي وجّهها المحقّقون إلى بعض كتب الشيخ مثل التهذيب و المبسوط و الخلاف و غيرها المذكورة في «روضات الجنّات» (2) و «خاتمة المستدرك» (3) و مصادر أخرى و لنا مذكرات في هذا الصدد.

____________

(1)- ياد نامه شيخ طوسي ج 3 ص 702.

(2)- روضات الجنّات ص 588.

(3)- خاتمة المستدرك ص 756.

45

سادسا، التحقيق حول تأريخ تأليف هذه الكتب و ضبط المتقدم و المتأخر منها، و قد بدأ صاحب الروضات أصل هذا البحث (1) و بعده العلامة السّيد رضا الصدر في مقال له حول آثار الشيخ الفقهية نشر في المجلد الثالث من ذكري الطوسي (2) و لنا ملاحظات و مذكرات في هذا الصدد أيضا.

و ليس لدينا مجال واسع الآن للخوض في هذه النواحي، فاننا إنما نريد أن نقدم بحثا موجزا عن حياة الشيخ و آثاره تصديرا لهذه المجموعة، و لكن من الواجب إعطاء بعض التفصيل عن آثار الشيخ الفقهية هنا بمناسبة ما قمنا به من تصحيح كتاب «الجمل و العقود» في إطار هذه المجموعة، لكي يمتاز فضله على سائر كتب الشيخ الفقهية.

تحقيق حول كتب الشيخ الطوسي الفقهية و تنوعها

مع إلقاء نظرة إجمالية على مسيرة الفقه في مذهب الإمامية يتحصل لدينا أنّ فقهاء هذا المذهب قد غيّروا طريقتهم القديمة المتبعة في الفقه في أواخر القرن الثّالث الهجري أو أوائل القرن الرابع، و اتّخذوا طريقة جديدة في تدوين هذا العلم. فقبل هذا الوقت، كانت الكتب الفقهيّة لهذه الطائفة عبارة عن سلسلة مجموعات من الروايات و الأحاديث الواصلة إليهم عن أئمتهم في الأحكام و الحلال و الحرام و العبادات و المعاملات و غيرها من أقسام الفقه. و قد جمعت بالتدريج خلال القرون الثلاث التي مضت على الطّائفة، كتب تحمل عنوان: الأصل، أو الجامع، أو النّوادر، أو المسائل أو غيرها، و كان البعض منها مفصّلا مشروحا، و البعض الآخر مختصرا، و بعضها منظم مبوب، و بعضها متفرق من دون تنظيم معيّن. هذه الآثار ظهرت على مسرح الوجود على يد المحدثين و فقهاء المذهب، الّذين يمثّلون المذهب و فقهه، و كان بعضهم من أصحاب الأئمة (عليهم السلام).

و بعض هذه الكتب كان مختصا بروايات موضوع واحد كالحجّ و الصلاة و الصّوم و نحوها و البعض الآخر شاملا لمواضيع شتى، و أحيانا كان جامعا لكل ما يتعلق بالمذهب من الأحكام و الأخلاق و المعارف و العقائد و تفسير القرآن و هي الكتب التي كانوا يعبرون عنها ب«الجامع» [1] و في جميع هذه الكتب التي كانت على شكل الرواية و الحديث الذي ينتهي سنده إلى الأئمة من آل البيت لم يكن للمؤلف حظ سوى الجمع و الرواية، دون

____________

[1]- للاطلاع الكامل على مزايا و خصائص هذه الكتب الحديثية و سير الحديث عند الشيعة لاحظ مقالاتنا «تحقيق در باره كتاب كافي» في مجلة آستان قدس الرضويّة دورتها الأولى و الثانية.

____________

(1)- روضات الجنّات ص 589.

(2)- يادنامه شيخ طوسي ج 3 ص 264.

46

البحث و الدراية.

أمّا الطريقة الجديدة التي اتبعت بعد القرن الثالث فبدأت بإخراج المسائل الفقهيّة من قالب الرواية و الحديث و إيراد السّند إلى صورة الفتوى فكان الفقيه بدل أن يروى للناس في كل حكم رواية أو روايات، يعمد إلى استنباط الحكم منها حسب فهمه ثم يعرضه كفتوى على من استفتاه أو من قلّده في دينه. و قد يقال إنّ أول من سلك هذه الطّريقة و فتح هذا الباب على الناس في المذهب الإمامي هو أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، المتوفّى عام 329 ه، والد المحدث و الفقيه الكبير الشيخ الصدوق حيث أبرز فتاويه في رسالته إلى ولده التي أورد كثيرا من ألفاظها الشيخ الصدوق في كتبه الفقهية: كالفقيه و المقنع و الهداية و بعد علي بن بابويه تأسى الآخرون به و ألفوا في الفقه على منواله و في طليعتهم ولده الشيخ الصدوق في الكتب المذكورة و لا سيّما المقنع و الهداية و طبعا لا يعنى هذا القول أنّه توقّفت عمليّة نقل الحديث و جمع الروايات الفقهيّة و السّير الصعودي فيها في الفترة الجديدة اكتفاء بإيراد الفتاوى بل الأمر بالعكس فنجد العلماء لم يتركوا الطّريقة القديمة بل توسّعوا فيها و أتقنوا العمل في جمع الأحاديث، و ساروا في ذلك مع الزمن إلى يومنا هذا، مع أنّ هذا الفن من العلم كغيره من الفنون تعرض خلال العصور تارة إلى التألّق و التقدم و أخرى إلى الركود و التأخر. و لكن مع كلّ هذا لم يتوقّف رأسا و لن يتوقّف ما دام باب الفقه و الاجتهاد مفتوحا. إذ الحديث ليس سوى كلام الرسول و الأئمة و نص فتاويهم، و هو بعد القرآن يعتبر أكبر مصدر للفقه. بل حاجة الفقه في الفروع و الأحكام الجزئية إلى الروايات أشدّ من حاجته إلى القرآن الكريم الحاوي لأصول الاحكام و كلّياتها، دون الفروع الحادثة مع الزمن التي عنونت في خلال الأحاديث. و نحن نعلم أنّ تشخيص صحيح الحديث عن سقيمه لا يتيسر إلّا بالنظر إلى السّند. فالفقيه مهما بلغ من رفض التقليد، و الاستقلال بالرأي في المسائل الفقهية، و عدم التسليم لرأي غيره من الفقهاء فلا يستغني في وقت من الأوقات عن الحديث و الرجوع إليه.

و لن يتخلى عن مراجعة كتب الحديث فلا يسد باب التأليف في الحديث أبدا. و هكذا رأينا أنّهم بعد هذه الانطلاقة الجديدة بدأوا بتدوين المجامع الكبيرة و المعتبرة عند الشيعة التي من جملتها الكتب الأربعة المشهورة، حيث ظهرت كلها في الفترة الجديدة من الفقه إلّا أن هذا النوع من الفقه أي الفقه المستند ينبغي أن يعدّ نوعا من الفقه في الفترات المتأخرة، أما قبل تلك الفترة الحادثة فقد كان الفقه عند الشيعة الإمامية منحصرا في الفقه الحديثي أو الفقه المأثور فلو فرض وجود أشكال أخرى من الفقه حين ذاك، فإنما كانت

47

لا تتجاوز الدرس و المحاورة إلى التأليف و التصنيف. و لو كانت موجودة فبشكل نادر و خاص بمسائل محدّدة و هي التي كانت مدار نقاش بين الشيعة و السّنة أو بين الشيعة أنفسهم و التي خرجت عن كونها مسألة فقهية بحتة و تجلببت جلباب الكلام. و كيف كان فلم يصلنا منه شيء ملحوظ.

و في بداية التحول الجديد خرج الفقه من صورة الرّواية و اتّخذ شكل الفتوى، و هذا من غير شك يحكي عن توسع الفكر و رفض الجمود الفقهي و هو بذاته يعتبر جرأة علمية و ثورة على العادة المتبعة و الطريقة التقليدية عند القدماء، و قد دونت تلك الفتاوى و لكن بنفس الوقت كانوا يراعون جانب الاحتياط فيوردون الفتوى بنفس الألفاظ الصادرة عن مصادر التشريع، فكانت ألفاظ الروايات تذكر بدون ذكر السند أو الانتساب إلى الامام، فهذا أوّل الشوط في هذا المضمار، و لهذا تعتبر الكتب المؤلّفة على هذا الطّراز كرسالة علي بن بابويه إلى ولده الصدوق، و بعض كتب الصدوق نفسه كالمقنع نصوصا حديثية، و كانت طريقة القدماء الرجوع إليها كنص صدر من لسان الإمام إذا لم يعثروا على رواية أو نصّ آخر موثوق به. و على حدّ تعبير بعضهم يرجعون إليها «عند إعواز النّصوص» و نحن نسمّي هذا النوع من الفقه «الفقه المنصوص» و على حدّ تعبير الأستاذ الكبير آية اللّٰه البروجردي (رضوان اللّٰه تعالى عليه): «المسائل المتلقاة».

لكن الفقهاء مع الأيام توسعوا و أبرزوا جرأة أكثر من ذي قبل، فرفضوا قيود الألفاظ و هدموا حصار الاحتياط، و تحرّروا من الوساوس فبدءوا بالدّقة في الروايات و عرض بعضها على بعض، و إخراج المسائل المستنبطة من مجموع الرّوايات و النصوص المعتبرة لديهم، بألفاظ تعبر عن فتاويهم و آرائهم من دون تقيّد بألفاظ النّصوص. و هذه المرحلة من الفقه ينبغي تسميتها و التعبير عنها ب«الفقه المستنبط» أو بضمها إلى المرحلة السابقة عليها فتسميان جميعا بالفقه المنصوص، لأنّ الفقه مع هذا التوسّع بالبالغ بعد لم يكن خارجا عن نطاق النّصوص في محتواه و إن كان خارجا و عاريا من ألفاظ النّصوص.

و في نفس الوقت أو بعده بقليل نرى تقدّما ملحوظا نحو الاجتهاد بشجاعة بالغة، و سعي مشكور، و جهد مترقّب، و دراية كافية أبرزها رجال ذلك العصر و من جملتهم بل في طليعتهم مترجمنا الشيخ الطوسي رضي اللّٰه عنه و عنهم. و هو أنّهم خرجوا عن حدود الفقه المنصوص، و اعتمدوا على أساس القواعد الكلّية و النّصوص العامة من الكتاب و السنة، بالإضافة إلى الأدلة العقلية، و الأسس المحرّرة في علم أصول الفقه، فخاضوا في الفروع المستحدثة، و الحاجات اليوميّة التي تمر على الناس مما لم يرد في النصوص، و لم يعنون في

48

فقه الإمامية، بل ربما لم يتفق وجوده. و استنبطوا أحكامها و لم يتحاشوا عن إبداء النظر فيها، و هم في نفس الوقت كانوا يجتنبون العمل بالقياس جدّا حيث إنّه كان ممنوعا عنه في مذهبهم أكيدا. و مع ذلك فكانوا يجيبون على الأسئلة الواردة و الحاجات الطارئة في الحياة استلهاما من النّصوص و القواعد العامّة عدا القياس.

و هذا اللّون من الفقه هو غاية الاجتهاد و نهاية المطاف، و مع فقده يعتبر الاجتهاد ناقصا مبتورا عاجزا عن الوفاء بحاجات النّاس. و في الحقيقة يعتبر هذا التّحول الجديد بداية التكامل في الاجتهاد، و بعبارة أصح قيام الاجتهاد بمعناه الحقيقي بين الشيعة، في الوقت الّذي كان الاجتهاد و الاستنباط من هذا الطّراز سائدا عند أهل السنّة و لا سيّما في المذهب الحنفي من قبل حوالي قرنين أي من أواسط القرن الثّاني الهجري استنادا إلى الرأي و القياس بمعناه الواسع المحظور على أصول الشيعة أو بإشكال أخرى حسب المذاهب الفقهية الموجودة حين ذاك.

و هكذا نرى أنّ المذهب الشيعي مع محافظته على أصوله المسلّمة قد تأثر بالآخرين من حيث شاء أو لم يشأ، و لكنّه لم يفارق أصوله و لم يتخلّ عن ذاتيته طرفة عين ابدا.

و هناك مجال للبحث و الدراسة فيمن أبدى أوّلا هذه الشجاعة و الجرأة و عمد إلى فتح هذا الباب على المجتهدين بعد أن كان مقفلا إمامهم في المذهب الإمامي. فعند العلامة الطّباطبائي بحر العلوم، و قبله السيد نعمة اللّٰه الجزائري في شرح التهذيب و بعده صاحب الرّوضات، و غيرهم، كان المؤسّس الأول لهذا الأساس هو الحسن بن أبي عقيل العماني المعاصر للشيخ الكليني (م 329 ه) و بعده محمّد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي المعاصر للشيخ الصدوق (م 381 ه). و كان الشيخ المفيد تلميذا لهذين و كان له حسن ظنّ بالعماني و ابن الجنيد فتابع طريقتهما و منه تسرى ذلك إلى طلابه الذين تخرجوا عليه، و منهم السيد المرتضى و الشيخ الطوسي، و من عاصرهما. (1) هذا رأيهم.

و لكننا مع الاعتراف بصدق هذا الرأي و صحته، لا يمكننا إنكار هذه الحقيقة و هي أنّ هذا اللون من الفقه كان رواجه و استقراره رسميا بين الشيعة على يد الشيخ الطوسي، فله الفضل في نشره و الدّفاع عنه، و الوقوف أمام المخالفين له، و إن كان المؤسّس غيره ممّن سميناهم أو لم نسمهم. فإنّ الشيخ نفسه قد شرح في أوّل كتاب «المبسوط» كيف كان وضع الفقه عند الشيعة، و ما كان هدفه من تأليف كتبه الفقهيّة مثل النهاية و المبسوط

____________

(1)- لاحظ لتفصيل ذلك روضات الجنات ص 168 و 561 و 590.

49

و غيرهما فقال: «اما بعد فاني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة المنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإماميّة و يستنزرونه، و ينسبون إلى قلّة الفروع و قلة المسائل، و يقولون إنهم أهل حشو و مناقضة، و أنّ من ينفي القياس و الاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل، و لا التّفريع على الأصول- و بعد ردّ هذه التهمة عن الشيعة يقول-:

و كنت على قديم الوقت و حديثه متشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك (أي الفروع) تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع و تشغلني الشواغل، و تضعف نيّتي أيضا فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه، و ترك عنايتهم به، لأنهم ألفوا الأخبار و ما رووه من صريح الألفاظ، حتّى انّ مسألة لو غيّر لفظها و عبّر عن معناها بغير اللّفظ المعتاد لهم لعجبوا منها، و قصر فهمهم عنها. و كنت عملت على قديم الوقت كتاب النّهاية، و ذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم و أصولها من المسائل و فرقوه في كتبهم، و رتبته ترتيب الفقه، و جمعت من النظائر، و رتبت فيه الكتب على ما رتّبت، للعلّة التي بينتها هناك، و لم أتعرض للتفريع على المسائل، و لا لتعقيد الأبواب و ترتيب المسائل و تعليقها و الجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتّى لا يستوحشوا من ذلك، و عملت بآخره مختصر جمل العقود في العبادات، سلكت فيه طريق الإيجاز و الاختصار و عقود الأبواب فيما يتعلق بالعبادات، و وعدت فيه أن أعمل كتابا في الفروع خاصّة يضاف إلى كتاب النّهاية، و يجتمع معه يكون كاملا كافيا في جميع ما يحتاج إليه ..» و هكذا شرح طريقته المتبعة في كتابه «المبسوط» مع الإشارة إلى كتاب «الخلاف» مصرحا بأنّ كتابي النّهاية و المبسوط لا نظير لهما و كذلك كتاب «الخلاف» يعتبر كتابا لا سابق له في بابه. (1)

و للأسف فمع تقدم كتب ابن أبي عقيل و ابن الجنيد في هذا المضمار لم يبق شيء منها سوى جملة من الفتاوى المنقولة عنهما في الكتب، فليس في إمكاننا مقايسة كتبهما مع كتب الشيخ الطوسي، لتحديد موقف الشيخ و عمله بالضبط و ما أتى به من الجديد المبتكر. إلّا أنّه معلوم لدينا أنّ طريقة ابن أبي عقيل و ابن الجنيد لم تواجه استقبالا حافلا من قبل سائر العلماء في ذلك العصر بل اتهموا ابن الجنيد بأنّه كان يعمل بالقياس و يفتي به (2) حتّى جاء العلامة الحلّي بعد قرون عدة فنفى عنه هذه التهمة (3) و كيف كان

____________

(1)- لاحظ شرح ذلك في مقال العلامة السيد رضا الصدر في (يادنامه شيخ الطوسي ج 3 ص 264).

(2)- روضات الجنّات ص 537.

(3)- روضات الجنّات ص 537 نقلا عن الخلاصة للعلامة الحلّي.

50

الأمر فيعلم مما ذكرنا شجاعة الشيخ الطوسي و درايته في فتح باب الاجتهاد بمصراعيه على الشيعة في حزم بالغ مراعيا جانب الاحتياط و التدريج حتى لا يستوحشوا، و لا يتهموه بمتابعة أهل السنة و العمل بطريقة القياس. و لكن الشيخ الطوسي و إن عصمه اللّٰه من هذه الوصمة في عصره إلى أمد بعيد إلّا أنّه لم يبق بريئا إلى الأبد فقد جاء محمد بن احمد بن إدريس المتوفّى سنة 578 هصاحب كتاب السرائر في القرن السادس أي بعد الشيخ بقرن فوجّه نقوده إليه في هذا الكتاب بأنّه اتخذ طريقة أهل السنة و أشاعها في الشيعة (1) و بعده جاءت الطائفة الأخباريّة في القرن الحادي عشر فما بعده فزادوا في الطنبور نغمة أخرى و وجهوا حملاتهم إلى هذا الشيخ المبجّل العظيم (2) هذا و في نفس الوقت الذي شاع بين الشيعة الإمامية الفقه التفريعي الذي تحدثنا عنه، شاعت بينهم المقايسة و الموازنة بين المذاهب الفقهية في المسائل التي كانت مثارا للاختلاف و تضارب الآراء. فاستحدث فنّ آخر من فنون الفقه كانوا يعبرون عنه ب«مسائل الخلاف» و نحن نعبر عنه ب«الفقه التطبيقي» قياسا على «الحقوق التطبيقي».

و لا شكّ في أنّ الشيخ الطوسي كان سابق هذا الميدان في جميع فنون الفقه من بين معاصريه بل بين شيوخه و أساتذته و إنّ كتبه في ذلك، و لا سيّما كتاب «النهاية» في الفقه المنصوص، و كتاب «المبسوط» في الفقه التفريعي، و كذلك كتاب «الخلاف» في الفقه التطبيقي لمن أحسن الكتب في تلك الفنون.

ثمّ إنّ أحد الفنون الفقهية التي ظهرت من خلال التفنن في الفقه و انشعابه إلى شعبات، هو إخراج أصول المسائل الفقهية بأقصر عبارة ممكنة مع مراعاة التّرتيب و النّظم، و إدراجها في فصول، و عقدها في عقود و تحت أرقام معيّنة و لا بأس بأن نسمّيها ب«الفقه الكلاسيكي». و للشيخ الطوسي فضل التقدم في ذلك أيضا، فإنّ كتابه «الجمل و العقود» حسب ما هو الظاهر من اسمه، و الواضح من تقديم المصنّف لهذا الكتاب و مما قاله في وصفه في مقدمة كتاب المبسوط، انه كان يهدف إلى هذا الهدف، فإنّ الجمل و العقود تعني المطالب المعقودة في سلك خاص و المنتظمة بعضها مع بعض، و لعل هذا الكتاب هو الأوّل من نوعه و العمل المبتكر في موضوعه و قد بذل المؤلّف أقصى جهده في تنظيم الأبواب و عقد المسائل و عدّ الواجبات و المحرمات و المستحبات و المكروهات و الأجزاء و الشرائط و الآداب

____________

(1)- روضات الجنّات ص 574.

(2)- روضات الجنّات.

51

في كل واحدة من العبادات الخمس، و إحصائها في أرقام محدّدة لا يتصور أحسن منها.

و ليس مبالغة لو ادّعينا أنّه لا يوجد فيما عندنا من المتون الفقهيّة حتّى المتأخّرة عن هذا الكتاب من آثار كبار الفقهاء كتاب بهذا النّظم الجيّد و الأسلوب المبتكر هذا مع ما أضفناه إليه من الأرقام الهندسية في الطبع الأخير و يمكن القول بأنّ غرض الشيخ من هذا التأليف كان نفس الهدف الذي رامه العلماء أمثال ابن مالك الأندلسي في ألفيته في النّحو، و العلامة بحر العلوم في منظومته الفقهية، و الفيلسوف السبزواري في منظومته في المنطق و الفلسفة و غيرهم في غيرها فكلّ هؤلاء كانوا بصدد ضبط المطالب العلميّة و تنظيمها تسهيلا للحفظ و لا سيّما للمبتدئين و الفارق أنّ هؤلاء و أمثالهم قاموا بهذا العمل في صناعة الشّعر و الشيخ الطوسي و كثير من أمثاله قاموا به باستخدام طريقة النثر و قد قال في ديباجة الكتاب «.. ليسهل على من يريد حفظها، و لا يصعب تناولها و يفزع إليه الحافظ عند تذكره، و الطالب عند تدبره ..».

هذا النوع من الكتب ازدادت الحاجة إليه على مرّ الزمن و لا سيما في العصر الذي نعيش فيه حيث انّ العلماء في شتى الفنون، همهم مصروف الى تلخيص المطالب و تنظيمها و «كلاستها» تسهيلا على المتعلمين. هذا بالإضافة إلى أن مثل هذا الكتاب نموذج كامل عن الأساليب المتبعة عند القدماء من قبل ألف سنة.

و بعد. فإنّ الشيخ الطوسي قد ألف هذا الكتاب، و كذلك ألّف أو أملى كتاب الغيبة، و الاقتصاد و الفهرست، و الرّجال بالتماس شخص عبّر عنه بالشيخ الفاضل أو الشيخ الأجل ممّا يدل على أنّ الشيخ الطوسي كان يقدره و يكن له احتراما خاصا فوق درجة احترامه لتلميذ و طالب علم عاديين. و قد قيد في هامش عدة نسخ قديمة رآها العلامة الطهراني (1) و كذلك في هامش النّسخة التي كانت لدينا و على أساسها تم تصحيح الكتاب و سيأتي شرحها و التعريف بها [1]، قد قيّد أنّ هذا الشيخ هو «ابن البراج». و هو عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج المتوفّى سنة 481 هو كان قاضيا في «طرابلس» و نائبا للشيخ الطوسي في البلاد الشاميّة، و مؤلفا لكتب قيمة منها شرح قسم العبادات من كتاب «جمل العلم و العمل» للسيد المرتضى، و كان تتلمذ على السيد و الشيخ

____________

[1]- كانت هذه النسخة أوّلا ملكا للمرحوم الحاج عبد الحميد المولوي، ثم انتقلت مع سائر كتبه إلى مكتبة كليّة الإلهيّات بجامعة مشهد. و كانت النواة الأولى لمخطوطات هذه المكتبة القيّمة.

____________

(1)- مقدمة التبيان ص ث

52

الطوسي جميعا، و أشار هو إلى مقاولاته و مباحثاته مع الشيخ في جلسة الدرس، في كتابه «المهذب» [1] و أيضا نجد من جملة كتب الشيخ الطوسي كتاب «مسائل ابن البرّاج» [2] و المسألة بعد لا تزال رهن الدراسة و التحقيق حتّى يحصل اليقين بذلك، و أنّ هذا الشيخ الفاضل الذي تم تأليف هذه الكتب بالتماسه هل هو ابن البراج أو شخص آخر، و هل المراد بهذا التعبير في تلك الكتب هو شخص واحد أو أشخاص متعددون و نحن نعلم أنّ الشيخ الطوسي لاحظ طريقة أهل السنّة في تأليف كتابه المبسوط، و كذلك في كتاب الجمل و العقود حيث أورد «الآداب» في عرض الواجبات و المستحبات، و هو اقتباس من بعض مذاهب أهل السنة و يشهد بذلك كلامه المتقدم، في مقدمة المبسوط و ربما يقال إنّ تأليف المبسوط و الجمل و العقود اتفق في زمان واحد، و قد نصّ على ذلك في مقدمة الجمل و العقود حيث يقول «.. إلّا مسائل التفريع التي شرعنا في كتاب آخر إذا سهل اللّٰه إتمامه و انضاف إلى كتاب النّهاية كان غاية فيما يراد» مع أن المستفاد من كلامه في مقدمة المبسوط أنّ الجمل و العقود فرغ منه قديما ليكون كخاتمة للنهاية حيث يقول .. «.. و كنت عملت على قديم الوقت كتاب النّهاية .. و عملت بآخره مختصر جمل العقود في العبادات .. و وعدت فيه أن أعمل كتابا في الفروع خاصّة يضاف إلى كتاب النهاية ..» و تحلّ هذه المشكلة، بما يظهر من تتمة كلامه في مقدمة المبسوط انّه انصرف عما كان اشتغل به في التّفريع، و بعد مضي مدة، اشتغل به ثانيا بطريقة مغايرة عمّا كان بدأ به حين الاشتغال بتأليف الجمل و العقود فلاحظ.

أبعاد البحث و التحقيق في حياة الشيخ الطوسي

من البديهي أنّه كلّما كان الإنسان أعظم شخصية و ألمع وجودا و أوسع آثارا تكون مجالات البحث حوله، أمام المحققين أبعد و أشمل. و ما قلناه عن الطوسي في هذه الفرصة السريعة إنّما هو تصوير إجمالي عن حياته، و الّا فهو كالبحر الواسع لا يسعه إناء ضيّق. إنّه من عظماء الإسلام و من أئمة الفقهاء، و المحدثين، و المتكلّمين و المفسرين عند الشيعة الإماميّة، و هو بحق «شيخ الطائفة» و مجدّد المذهب في القرن الخامس، و من المؤسّسين بين

____________

[1]- كما في نسخة خطية من هذا الكتاب موجودة عندي، و ذكر ذلك في مبحث إزالة النّجاسة بالماء المضاف المختلط بالماء المطلق الطاهر.

[2]- مقدمة التبيان ص أب نقلا عن فهرست الطوسي و لم نجد فيه.

53

الشيعة للفنون المختلفة و لعلوم شتّى مثل التّفسير و الحديث و الرّجال، و الفهرست، و الفقه، و الأصول، و الكلام، و بشكل عامّ كان الشيخ الطوسي مفصلا في تاريخ هذه العلوم و في تاريخ المذهب الإمامي فهذا النحرير العليم لا نظير له من حيث دقّة النظر و إصابة الرأي، و استقامة العقل، و سعة الاطلاع، و حسن السّليقة، و أسلوب التحقيق و الشمول و الجامعية للفنون. و كذلك هو عديم النظير في سلامة الطوية، و طهارة النّفس، و التخلّي عن الأغراض، و ضوء البصيرة بين رجال المذهب بل بين علماء الإسلام عامّة. و قد كانت كتبه مدار البحث و النّظر في عصره و مع وجود أساتذته أمثال السيّد المرتضى علم الهدى.

و بقيت و لم تزل حتى عصرنا من أوثق الوثائق و المصادر العلمية. و على الرّغم من التّقدم العلمي و ظهور نوابغ كبار لا يحصى عددهم، و إخراج مؤلفات كثيرة فيما يعتبر من تخصّص الشيخ، فإنّ كتب الشيخ في كل فنّ من تلك الفنون على الرغم من مرور ألف سنة عليها قد احتفظت بمكانتها، لا بل مع ما جرى من التطوّرات العلمية لقد اكتسبت أهميّة أكبر. و لا سيّما في عصرنا الحاضر الذي اقتضت فيه الأوضاع و الأحوال تبدل الأفكار عمّا كانت عليه، فالمقاييس اختلفت عما كانت و حواجز التعصب و سدود الجهل ارتفعت، بشكل تقاربت فيه المذاهب الإسلامية، حيث قامت جماعات من العلماء بتقييم و تقدير المذاهب الأخرى، بلا أيّ تطرف أو تعصّب مذموم، في مثل هذه الظروف النيّرة سوف تكون طريقة تفكير الطوسي و أسلوبه العلمي الحكيم، مثار إعجاب المصلحين أولي البصيرة و النظر.

و عن قريب ستظهر هذه الحقيقة الخفيّة، و سينكشف هذا السر المكتوم، و هو أنّ الشيخ الطوسي، مع أنّه كان يعتبر الإمام المقتدى به لمذهب الإمامية و المروج لعلومه و حامل لوائه في أخطر مرحلة من تاريخ هذا المذهب كان في نفس الوقت يوجّه نظره إلى نطاق أوسع من مذهبه الخاص به، و كان محلقا بمقدرته العلمية و قريحته القوية في إطار العالم الإسلامي الواسع المحيط، و في خارج حدود مذهبه، و لا سيّما في ميدان الفقه، حيث كان يطاير علماء سائر المذاهب و يصافهم فيما يخصهم من المذهب. و من هذا المنطلق يسوغ لنا أن نضيف إلى تلك الخصائص و الملامح مزية اخرى للشيخ، و هو أنّه كان من رجال التقريب بين المذاهب الإسلاميّة بل هو المبتكر و الفاتح لبابة. و لا ريب أنّه اي التقريب هو الدواء الشّافي للإسلام و المسلمين في مثل هذه الفوضي و الغوغائية المسيطرتين على العالم و يجب على جميع المصلحين و العلماء أن يتابعوا هذه الطريقة الحكيمة في دراساتهم الإسلامية.

54

و في رأينا أنّ هذه الفضائل النفسانيّة و الكمالات المعنويّة كانت هي السبب الأكبر و السر النافذ لما نجده واضحا جليّا من تجاوز الشيخ الطوسي بما له من الآثار العلميّة حدود الزّمان و المكان، و عدم انحصاره بإطار مذهبيّ خاص، فجعلته هذه الخصال على مرّ الزمن إماما لكل المسلمين.

و في هذا الوقت الذي نعيش فيه تلفت هذه النّاحية من حياة الشيخ الأنظار، و قد أبدى في عصرنا رجال من كبار علماء الشيعة الإمامية رأيهم و أصدروا حكمهم في حق الشيخ سواء من هذه الناحية أو من سائر نواحي حياته و من بينهم إمامان كبيران كانا مولعين بتعظيم الشيخ و التعريف به بين الأمّة.

أوّلهما: الإمام الأعظم أستادنا الكبير آية اللّٰه العظمى الحاج آقا حسين الطباطبائيّ البروجردي (رضوان اللّٰه تعالى عليه) المتوفّى عام 1380 هو الذي كان في علم الرّجال و الحديث فريد عصره، و كان له فيهما و في الفقه و الأصول طريقة مبتكرة و مباني خاصة. فكان يوجه الإنظار إلى طريقة القدماء من الفقهاء و يؤكد من بينهم على شخصيّة الشيخ الطوسي.

و قد سمعته لأول مرّة عام 1323 هش حيث زار المشهد الرضوي، و كنت حين ذاك طالبا للعلم في مرحلة السطوح في هذا البلد، سمعته يقول «إن الشيخ الطوسي ألّف بعض كتبه الفقهية في إطار المذهب الإمامي و البعض الآخر للعالم الإسلامي بأجمعه ثم بدأ بشرح هذا الكلام. و في عام 1328 هش هاجرت إلى قم حيث تشرفت بحضور درسي الفقه و الأصول للأستاذ كما حضرت بعد ذلك حلقات تدوين الحديث التي كانت تنعقد في بيته لأصحاب الحديث [1] و قد بدا لي أنّ السيد الأستاذ كان يرى أنّ من الواجب عليه القيام بتعريف الشيخ للطلبة و إحياء ذكره و الإعلام بكتبه حيث كان يتعرض لذلك في كل مناسبة. و أحيانا كان يحمل معه كتاب «عدة الأصول» للشيخ إلى

____________

[1]- لازمت دروس الأستاذ حوالي إحدى عشر سنة- أي من سنة 1328 إلى 1339 ش هو من بينها حوالي سبع سنوات شاركت مع جماعة آخرين في لجنة الحديث الّتي كانت تنعقد يوميّا في منزل الأستاذ الامام لتأليف كتاب «جامع الأحاديث الفقهية للشيعة الإماميّة» الجامع لكل ما في الوسائل و المستدرك من الرّوايات بأسلوب بديع، و قد ألّفت رسالة بشأن هذا الكتاب لم تنتشر لهذا الوقت. و كان الأستاذ يحضر جلسة الحديث كثيرا و يرشدنا إلى ما كنا نحتاج إليه في عملنا. و قد تم الكتاب في حياته الا ما شذ من بعض الأبواب، و طبع مجلّدان منه على الحجر بأمر منه، ثم طبع بعده طبعة ثانية في أجزاء صغار و انتشر منها أحد عشر مجلدا إلى كتاب الحجّ، و هذه الطبعة لا تزال مستدامة بعد.