المعتبر في شرح المختصر - ج1

- المحقق الحلي المزيد...
467 /
3

الجزء الأوّل

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[مقدمة التحقيق]

«بشرى لرواد العلم و المعرفة»

يعتبر التراث الفكري الذي ترثه الشعوب من علمائها و مفكريها و المتقدمين بهم في ميادين الوعي و الثقافة من أغلى ما لديها رأس مال.

و الحديث الوارد فيما يرثه الأنبياء لأممهم:

«ان الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا و لكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر».

يجد في الدرجة الثانية من دلالته مصداقا له في علماء الإسلام إذا ففي احياء آثارهم حياة الإسلام و المسلمين و امتداد لحياة القرآن و السنّة النبوية الشريفة و آثار الأئمة المعصومين (عليهم السلام).

و من المؤسف جدا أن نرى بعض هذه الاثار القيمة قد انعدمت بمرور الزمان نتيجة غفلة بعض من ليس له إلمام بنتائجه و عواقبه الكئيبة، فلا يسعنا أن نفعل شيئا سوى أن نحمد اللّه على بقاء القسم الأعظم منها محفوظا و بعيدا عن الاضمحلال، و لكن لما لم تكن بعضها في متناول أيدي العلماء و المحققين أما لكونها بصورة

4

مخطوطات تحتفظ بها المكتبات في مخازنها، أو ان طباعتها رديئة و مغلوطة، و لا يمكن أن يستفيد منها الا القليل، و قد قام «المركز العلمي لسيد الشهداء» الذي اهتم بتأسيسه جماعة من العلماء و أهل الخير بتركيز فعالياته على طبع المخطوطات أو تجديد طباعة المطبوع بصورة رديئة من التراث العلمي لابرز علماء الإسلام بصورة أنيقة بالاستفادة من النسخ المصححة و تحقيق عميق على منابع الأحاديث حتى يسهل لرواد العلم و الفضيلة الاستفادة منها.

و من الكتب التي جائت في طليعة هذه الجهود العلمية كتاب «المعتبر» للمحقق (نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن المحقق الحلي المتوفى 676 ه) صاحب كتاب شرائع الإسلام الذي يعتبر من أهم الكتب الفقهية اعتبارا لدى الشيعة الإمامية.

و يتضمن هذا السفر القيم بالإضافة إلى المباحث الفقهية الاستدلالية الهامّة الموافقة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) آراء و نظريات علماء أهل السنة و جاء بصورة «فقه مقارن موجز»، غني بمحتواه فنشكر الباري تعالى على هذا التوفيق و نأمل منه دوامه لإخراج الذخائر العلمية الأخرى.

و قد بذلنا ما في جهدنا في تصحيح الكتاب و مقابلتها بنسخ مصححة قوبلت مع نسخة المحقق نفسه أو غيره مما يعود تاريخه الى القرن العاشر أو القرن الثالث عشر تفضل بها غير واحد من اعلام العصر شكر اللّه فضلهم و زادهم خيرا.

و أرى من اللازم أن أشكر كلا من السادة الفضلاء الكرام الأمجاد

5

الشيخ محمد على الحيدرى و السيد مهدي شمس الدين و السيد أبو محمد المرتضوى و السيد على الموسوي الذين ساهموا في تحمل مشاق التحقيق من منابع هذا السفر القيم فزاد اللّه تأييداتهم و أجزل أجرهم و جزاهم عن الإسلام خير الجزاء.

كما و أشكر «الحاج محمد آقا كلاهي» دامت تأييداته لتقبله نفقات الطبع و النشر فزاده الباري توفيقا و كرامة.

ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالايمان و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا و الحمد للّه رب العالمين قم- الحوزة العلمية ناصر مكارم الشيرازي

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسمه تعالى

حياة المؤلف و آثاره

هذا السفر القيّم للمحقق الأول (ره) و هو أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلي الهذلي و هو خال العلامة الحلي و ابن عم يحيى ابن أحمد بن سعيد الحلي صاحب كتاب الجامع و أستادهما و قد بالغ في اطرائه و الثناء عليه كل من تأخر عنه من العلماء و الفضلاء و أنت بعد الإحاطة بحالاته و مؤلفاته تجده جديرا بذاك حقا و ربما يكشف عن هذا الأمر ما ذكره مقدمة لهذا الكتاب الجليل فعليك بالدقة فيها و قد مدحه تلميذه شمس الدين في إشعاره بقوله:

يا جعفر بن سعيد يا امام هدى * * * و يا واحد الدهر يا من لا له ثاني

فأنت سيد أهل الفضل كلّهم * * * لم يختلف أبدا في فضلك اثنان

و قال تلميذه الأخر ابن داود، في وصفه، نجم الدين أبو القاسم المحقق المدقق الإمام العلامة واحد عصره كان ألسن أهل زمانه و أقومهم بالجمة و أسرعهم استحضارا قرأت عليه و رباني صغيرا و كان له عليّ إحسان عظيم و التفات و أجاز لي جميع ما صنّفه و قرأه و رواه و كل ما تصح روايته عنه.

و في إجازة الكبيرة للشيخ يوسف البحراني (صاحب الحدائق الناضرة) الملقب

8

بالمحقق كان محقق الفضلاء و مدقق العلماء و حاله في الفضل و النبالة و العلم و الفقه و الجلالة و الفصاحة و الشعر و الأدب و الإنشاء أظهر من أن يذكر و أظهر من أن يسطر و كان أبوه الحسن من الفضلاء المذكورين وجده يحيى من العلماء الأجلاء المشهورين و ثمَّ قال، قال بعض الأجلاء الاعلام من متأخري المتأخرين رأيت بخط بعض الأفاضل ما صورة عبارته، في صبح يوم الخميس الثالث عشر ربيع الأخر سنة ست و سبعين و ستمائة (676) سقط الشيخ الفقيه أبو القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلي (ره) من أعلى درجة في داره فخر ميتا لوقته من غير نطق و لا حركة فتفجع الناس لوفاته و اجتمع لجنازته خلق كثير و حمل الى مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) و سئل عن مولده و قال اثنتين و ستمائة.

أقول و على ما ذكره هذا الفاضل يكون عمر المحقق المذكور أربعا و سبعين سنة تقريبا انتهى.

و قال في منتهى المقال (رجال بو علي) و ما نقله (ره) من حمله الى مشهد أمير المؤمنين عجيب فإن الشائع عند الخاص و العام ان قبره طاب ثراه بالحلة و هو مزار معروف و عليه قبّة و له خدام يخدمون قبره يتوارثون ذلك أبا عن جد و قد خربت عمارته منذ سنين فأمر الأستاد العلامة (السيد علي صاحب الرياض شرح النافع) بعض أهل الحلة فعمروها و قد تشرفت بزيارته قبل ذلك و بعده و اللّه العالم.

و قال المامقاني في تنقيح المقال، و أقول ان قبره في الحلة كما ذكره الا ان المطلع على سيرة القدماء يعلم انهم من باب التقية من العامة كانوا يدفنون الميت ببلد موته ثمَّ ينقلون جنازته خفية الى مشهد من المشاهد.

و قد دفنوا الشيخ المفيد (ره) في داره ببغداد ثمَّ حمل بعد سنين الى الكاظمية و دفن عند قولويه تحت رجل الجواد (عليه السلام).

و دفنوا السيد الرضي و المرتضى و أباهما بالكاظميين ثمَّ نقلوهم خفية الى كربلاء

9

و دفنوهم بجنب قبر جدهم السيد إبراهيم الذي هو في رواق سيد الشهداء كما صرح بذلك العلامة الطباطبائي (ره) في رجاله و كذا صرح في حق المحقق على ما يبالي بنقل جنازته بعد حين الى النجف الأشرف.

و قبره هنا و ان كان غير معروف الا ان المنقول عن بحر العلوم انه كان يقف بين باب الرواق و بابى الحرم المطهر في وسط الرواق فسئل فقال اني أقرء الفاتحة للمحقق فإنه مدفون هنا أي في وسط الرواق بين الباب الاولى و بين الأسطوانة التي بين بابى الحضرة المقدسة و اللّه العالم.

أقول و فيما رثاه تلميذه الشيخ شمس الدين:

أقلقني الدهر و فرط الاسى * * * و زاد في قلبي لهب الضرام

لفقد بحر العلم و المرتضى في * * * القول و الفعل و فصل الخصام

أعني أبا القاسم شمس العلى * * * الماجد المقدام ليث الزحام

أزمة الدين بتدبيره * * * منظومة أحسن بذاك النظام

قد أوضح الدين بتصنيفه * * * من بعد ما كان شديد الظلام

لو لا الذي بيّن في كتبه * * * لأشرف الدين على الاصطلام

مؤلفاته الثمينة:

1- شرائع الإسلام مجلدان و هو من أحسن المتون الفقهية ترتيبا و جمعا للفروع و قد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلفه الى الان و لا يزال من الكتب الدراسية في العواصم الشيعية و قد ذكر صاحب الذريعة شارحيه فراجع.

2- النافع في مختصر الشرائع و هو من المتون المختصرة الحسنة الوضع و التبويب.

3- المعتبر و هو هذا الكتاب و لم يتم، قال (ره) في خطبة الكتاب، حتى

10

اتفق لنا اختصار كتاب الشرائع بالمختصر النافع فدق كثير من معانيه لشدة اختصاره و اشتبهت مقاصده لبعد اغواره فحركني ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله و تقرير دلائله إلخ.

4- كتاب المسائل الغرية مجلد.

5- كتاب المسائل المصرية مجلد.

6- كتاب المسلك في أصول الدين مجلد.

7- كتاب المعارج في أصول الفقه مجلد.

8- كتاب الكنة في المنطق مجلد.

9- رسالة ألّفها في استحباب التياسر و أرسلها إلى المحقق الطوسي نصير الدين لما جرى بينهما و أوردها الشيخ أحمد بن فهد بتمامها في المهذب.

10- كتاب نهج الوصول الى علم الأصول.

11- و قال تلميذه ابن داود و له كتب غير ذلك ليس هذا موضع إحصائها.

الأكابر من تلامذته:

كان له (ره) مجلس بحث و تحقيق و يحضره الأفاضل و طلاب العلم و الفقه و نقل ان المحقق الطوسي الخواجة نصير الدين حضر مجلس درسه فقطع الدرس تعظيما له و إجلالا لمنزلته فأشار إليه بإكمال الدرس فجرى البحث في مسئلة استحباب التياسر فقال المحقق الطوسي لا وجه لهذا الاستحباب لان التياسر ان كان من القبلة إلى غيرها فهو حرام و ان كان من غيرها إليها فواجب فقال المحقق بل منها إليها فسكت المحقق الطوسي ثمَّ ألّف المحقق في ذلك رسالة لطيفة و أرسلها إلى المحقق الطوسي فاستحسنها.

و إليك جملة من أعاظم تلامذته و مشاهيرهم

11

1- ابن أخته جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي الشهير بالعلامة على الإطلاق.

2- و اخوه الشيخ رضي الدين علي بن يوسف صاحب العدد القوية.

3- و السيد عبد الكريم بن طاوس صاحب فرحة الغري.

4- الحسن بن ابي طالب اليوسفي المعروف ب(فاضل الآبي)، و ابن الزينب صاحب كتاب كشف الرموز شرح النافع.

5- الشيخ صفي الدين الحلي، عبد العزيز بن السرايا، فاضل منتهى أديب من شعراء الغدير.

6- الوزير شرف الدين أبو القاسم علي بن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي.

7- و الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد و له قصيدة في مرثية المحقق كما ذكرنا.

8- الشيخ المحدث الفقيه جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي صاحب كتاب الدر النظيم في مناقب الأئمة (عليهم السلام).

جملة من أساتيده و من يروى عنهم:

1- والده الشيخ حسن كان فاضلا عظيم الشأن.

2- السيد الامام العالم النحرير المعظم محيي الملة و الدين أبو حامد نجم الإسلام محمد بن ابي القاسم عبد اللّه بن علي بن زهرة الحلبي صاحب كتاب الأربعين الذي ألفه في حقوق الاخوان و كانت امه بنت الفقيه محمد بن إدريس صاحب السرائر.

3- شيخ الفقهاء في عصره محمد بن جعفر بن ابي البقاء هبة اللّه بن نماء بن علي بن حمدون الحلي الربعي المعروف بابن نما على الإطلاق.

12

4- السيد السند النسابة العلامة شيخ الشرف شمس الدين أبو علي فخار بن معد الموسوي مؤلف كتاب الحجة على الذاهب الى تكفير ابي طالب.

5- السيد مجد الدين علي بن الحسن بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسن بن علي بن محمد بن عيسى بن علي العريضي صاحب المسائل عن أخيه الكاظم (عليه السلام) و كان فاضلا جليلا.

6- الشيخ المتكلم الفقيه البارع سديد الدين سالم بن محفوظ صاحب المنهاج في الكلام.

7- الشيخ الصالح تاج الدين الحسن بن علي الدربي كان من أجله العلماء و قدوة الفقهاء.

محمد على الذاكر الشيرازي

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[مقدمة الكتاب]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ذي القوة الباهرة، و السطوة القاهرة، و النعمة الغامرة، و الرحمة الوافرة، المرتفع عن تمثيل الخواطر الخاطرة، و تحصيل النواظر الناظرة، المنعم بإرسال الرسل المتواترة لإرشاد الفطن الحائرة، و إخماد الفتن الثائرة، أحمده حمدا تقيل له المساعي البائرة، و تقل معه الدواعي الفاترة، و ترغم به الأنوف النافرة، و تحسم به الدوائر الدائرة، و أشهد أن لا إله إلا اللّه شهادة أستدفع بها الأهوال الفاقرة، و أسترفع بها الاعمال القاصرة، و صلى اللّه على صاحب الدعوة الطاهرة، و الملة السائرة، سيدنا «محمد» ذي الأعراف الفاخرة، و الأخلاق الطاهرة، و على ذريته الأنجم الزاهرة، و البحار الزاخرة، صلاة تخرق الحجب الساترة و تسبق الاعداد الحاصرة.

و بعد: فان القواعد العقلية، و الشواهد النقلية، قاضية بأن أتم الأسباب معتصما، و أهمها متمسكا و ملتزما، استعمال قوتي النظر و العمل، هذه لتحصيل سعادة المعاد، و تلك لتحصين العقائد من تطرق وجوه الفساد.

و لما لم يكن كل عمل موصلا و لا كل نظر محصلا افتقر الإنسان إلى مرشد ليسلك بتوفيقه جادة الصواب، و يأمن بتثقيفه الوقوع في مادة الاضطراب، فأوجبت الحكمة نصب نبي يتلقى الآداب الشرعية عن وحي الهي، ثمَّ يؤيد بالعجز الحق

18

الدال على الصدق، فيتلقى بالقبول أو أمره و نواهيه، و يذعن بالتسليم لما يسنه و يقرره.

و لما قضت الحكمة بالعدم، و أوجبت فناء الأمم، لزم أن يوعز ما لقن من أحكامه، و لقن أقسامه إلى أئمة ينوبون منابه و يقومون مقامه، يحفظون ما أودعه و يؤدون ما شرعه، لا تعلق بهم عوارض الالتباس و لا يسندون الى استحسان و لا قياس ليوثق بما يؤخذ عنهم كما قال اللّه سبحانه لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (1).

و لما كانت الحوادث قد تفرض و الموانع قد تعرض، ندب اللّه سبحانه الى التفقه، فق لتنبه الغافلون و يهتم المهملون فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (2) و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «طلب العلم فريضة» (3) و قال علي (عليه السلام): «العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه منهم» (4) و قال جعفر بن محمد «لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج» (5) لكن لم يبذل لكل طالب و لا تيسر لكل راغب بل خص به من رشدت خلائقه، و حمدت طرائقه تعظيما لقدره، و تفخيما لأمره، و صونا لسره، فقال سبحانه: تنبيها و تذكيرا يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (6) فلهذا كان الفقهاء أعظم الناس أقدارا، و أكرمهم آثارا، و أظهرهم اسرارا، و أظهرهم ذكرا و انتشارا، و أكثرهم أتباعا و أنصارا، لا يضرهم خذلان الخاذلين، و لا يغض منهم أغراض الجاهلين، بل صحبتهم طاعة، و فرقتهم إضاعة.

____________

(1) النساء: 83.

(2) التوبة: 122.

(3) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 36.

(4) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 35.

(5) بحار الأنوار ج 1 ص 177 طبع حديث.

(6) البقرة: 269.

19

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمد رضي اللّه عنه: «تفقه في الدين، فان الفقهاء ورثة الأنبياء» (1) و ان طالب العلم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض، حتى الطير في جو السماء، و الحوت في البحر، و ان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به و قال الصادق (عليه السلام): «الأنبياء حصون، و العلماء سادة» (2) و قد خص اللّه طائفتنا باقتفاء الصدق، و اتباع الحق، لتلقي الاحكام عن رؤساء أهل البيت، فهم معتمدون على التحقيق، مستندون الى الذكر الوثيق، لا يلوون على قائل بظنه، شارع برأيه، يقول على اللّه ما لا يعلم، و يفتي بالوهم، و ساء ما يتوهم، و لما تعددت التبع، و ظهرت البدع، و أقام كل فريق رأسا، يقتدون ببدعته، و يتعبدون بشرعته، وجب أن ينشر أهل الحق ما علموه، و يظهروا ما كتموه، قال النبي (صلى اللّه عليه و آله): «إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (3).

و لما كانت الكتابة مناط الفهم، و رباط العلم، و صراط العصمة من الوهم، كما قال جعفر بن محمد: «اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا» (4) و قال للمفضل:

«اكتب، و بث كتبك في إخوانك، فإنه يأتي على الناس زمان، لا يأنسون الا بالكتب» (5) أحببت أن أكتب دستورا يجمع أصول المسائل و أوائل الدلائل أذكر فيه خلاف الأعيان من فقهائنا، و معتمد الفضلاء من علمائنا، و ألحق بكل مسئلة من الفروع ما يمكن إثباته بالحجة، و سياقته الى المحجة، فقطعت الحوادث عن ذلك القصد، و منعت الكوارب ورود ذلك الورد، حتى اتفق لنا إحضار كتاب الشرائع بالمختصر

____________

(1) بحار الأنوار ج 1 ص 216 طبع حديث.

(2) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 39 ح 5 (مع تفاوت يسير).

(3) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 70.

(4) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 66 ح 9.

(5) الكافي ج 1 كتاب فضل العلم ص 67 ح 11 (مع تفاوت).

20

النافع، فدق كثير من معانيه لشدة اختصاره، و اشتبهت مقاصده لبعد أغواره، فحركني ذلك لشرح مشتمل على تحرير مسائله و تقرير دلائله.

هذا و الموانع حاجزة، و الأسباب عاجزة، حتى ورد أمر الصاحب الأعظم، ولي النعم، غياث الأمم، سلطان صدور العرب و العجم، العالم العادل، المخصوص بمزايل الفضائل و الفواضل، مقرر قواعد الايمان بسيرته العادلة، و مدمر دعائم الطغيان بسطوته الهائلة، جابر العباد، و قاهر العناد، بهاء الملة و الدين، عماد الإسلام و المسلمين «محمد ابن المولى» صاحب ديوان الممالك، باسط العدل في الأقطار و الممالك، شمس الملة و الدين، ناصر الإسلام و المسلمين، كاسر الملحدين و المشركين، و الحسب السني «محمد بن محمد الجويني» أعز اللّه نصرهما، و أنفذ في الافاق أمرهما، و لا زال أمر الدين بميامن دولتهما منتظما، و شمله بمحاسن ايالتهما ملتئما، ان أمضى على ذلك شارحا مسائله، موضحا مشكلة، كاشفا وجوهه و علله، فقويت العزيمة بعد فتورها، و ثابت الهمة بعد نفورها، امتثالا لأوامره العالية، و اتباعا لمراسمه السامية، و جعلته مشتملا على أصول المسائل و فروعها، محتويا على تقسيمها و تنويعها، و خدمت بها الخزانة المعظمة البهائية، عمّر اللّه معاهد الإسلام بعمارة معاهدها، و مهد قواعده بتمهيد قواعدها، و لا زالت محروسة الجوانب، محفوظة من الغوائل و النوائب، ليكون لمالكها أجر الانتفاع به، و يستمر شكر المتشاغلين بسببه على توالي الاحقاب و تعاقب الأعقاب، و يكون مذكرا لي عند وصوله الى مقامه المنيف، و تشريفه بنظره الشريف، و أنا أسأل اللّه تعالى الأمداد بإعانته و الإسعاد على طاعته و الإرشاد في بدو الأمر و خاتمته، و قبل الشروع أقدم مقدمة يشتمل فصولا

21

الفصل الأول [في وصايا نافعة]

ليكن تعلمك للنجاة، لتسلم من الرياء و المراء و بحثك لاصابة الحق، لتخلص عن قواطع الأهوية و مئالف النشاء، و أكثر التطلع على الأقوال لتظفر بمزايا الاحتمال، و استنقض البحث عن مستند المسائل لتكون على بصيرة فيما تتخيره، و عليك بالحفظ فإنه أربط للعلم، و أضبط للفهم، و دوام البحث يعطك استعدادا لتلقي النتائج النظرية بالفعل، و اختر المباحث الصالح لتستفيد من خلقه ما يصير لك سجية.

ثمَّ أوصيك إياك «و الحشوية» من المتفقهة و المقلدة منهم، فربما خادعوك ليجذبوك الى جهالتهم، و انما يريدون جبر مقالتهم و ستر ضلالتهم، و لا يغررك لو قال الحق لائح، فلا ارتياب و الطريق واضح فقيم الإسهاب فإنه لا يصعب أن تجيبه بأن كل ممكن أن يعلم يصلح أن يوصف بالوضوح و ان دق طريقه و شق تحقيقه، و ليس إطلاق الوضوح عليه موجبا بالفعل، فأنت إذا اعتبرت خلاف الفضلاء في المسائل الفقهية، ذلك على صعوبة الظفر الا بعد بحث و نظر، فيتحقق انه دلّس في عبارته، و لبّس في إشارته زيادة تحقيق: ان في الناس المستعبد نفسه لشهوته، المستغرق وقته في أهويته مع إيثاره الاشتهار بآثار الأبرار، و اختياره الاتسام، بسير الأخيار.

اما لان ذلك في جبلته، أو لأنه وسيلة إلى حطام عاجلته، فيثمر هذان الخلقان نفاقا غريزيا و حرصا على الرئاسة الدينية طبيعيا، فاذا ظهرت لغيره فضيلة عليه خشي غلبة المزاحم، و منافسة المقاوم، ثمَّ يمنعه نفاقه من المكافحة، فيرسل القدح في ذي المناصحة، و يقول لو قال كذا، لكان أقوم، لو لم يقل كذا، لكان أسلم، موهما انه أوضح كلاما و أرجح مقاما، فاذا ظفرت بمثله، فليشغلك الاستعاذة باللّه من بليته عن الاشتغال بإجابته، فإنه شر الرجال، و أضر على الأمة من الدجّال، كأني بكثير ممن ينتحل

22

هذا الفن يقف على شيء من مقاصد هذا الكتاب فيستشكله، و يحمل فكره فيه فلا يحصله، فعزله بذهنه الجامد على التأويل المفاسد، و يدعو الى متابعته لظنه الإصابة، فهو كما قيل أساء سمعا فأساء اجابة فعليك بإمعان النظر فيما يقال، مستفرغا وسعك في درء الاحتمال، فاذا تعين لك الوجه فهناك فقل، و الا فاعتصم بالتوقف، فإنه ساحل الهلكة.

تتمة: أنك في حال فتواك مخبر عن ربك و ناطق بلسان شرعه، فما أسعدك إن أخذت بالجزم، و ما أخيك إن بنيت على الوهم، فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى:

وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ (1) و انظر الى قوله تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرٰاماً وَ حَلٰالًا قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ (2) و تفطّن كيف قسم مستند الحكم الى القسمين، فما لم يتحقق الإذن، فأنت مفتر.

الفصل الثاني [في أن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) متعين الاتباع]

يدل على ذلك: النقل، و العقل. اما النقل: فمنه قوله تعالى إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3) و قد روى أبو سعيد الخدري، و شهر بن حوشب، عن أم سلمة، انها قالت: «نزلت في بيتي و فيه علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، (عليهم السلام) فأخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عباءه فجلّلهم بها، ثمَّ قال: هؤلاء، أهل بيتي، أذهب اللّه عنهم الرجس، و طهرهم تطهيرا، فقلت: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) الأعراف: 33.

(2) يونس: 59.

(3) الأحزاب: 33.

23

أ لست من أهل البيت؟ فقال: انك على خير» (1).

و عن ابن عباس: «انها نزلت في علي، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام)» (2) لا يقال: المراد بها النساء، لان صدر الآية، و عجزها، دال عليهن. لأنا نقول: لا يلزم من ذلك، ارادة النساء، لأن الكناية صريحة في التذكير، و ليس يبعد أن يخرج من معناه الى غيره، ثمَّ يعود اليه، كما قال ابن عباس: نزل القرآن بإياك أعني و اسمعي يا جارة، و مع انتفاء الرجس، يكون ما أفتوا به حقا، لان الرجس يقع على كل ما يكره.

و منه قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): «في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين، و ان أئمتكم وقودكم الى اللّه عز و جل فانظروا من توقدون في دينكم» (3).

و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «مثل أهل بيتي، كمثل نجوم السماء، فهم أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فاذا ذهبت النجوم، طويت السماء، و إذا ذهب أهل بيتي، خربت الأرض، و هلك العباد» (4) و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «اني تارك فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي، و انهما لن يفترقا، حتى يردا علي الحوض» (5).

____________

(1) إحقاق الحق ج 2 ص 514، نقله من ذخائر العقبى لحافظ الفقيه محب الدين أحمد بن عبد اللّه طبرى. و ص 521.

(2) إحقاق الحق ج 14 ص 53، نقله من تنزيل الايات للحافظ الحسين بن الحكم الحبري.

(3) رواه إثبات الهداة للحر العاملي ج 1 من ذخائر العقبى (ص 17 ط قاهرة) مع تفاوت يسير.

(4) إحقاق الحق ج 9 ص 302، نقله من كتب أهل السنة في عبارات مختلفة.

(5) راجع الى كتاب إحقاق الحق ص 309 الى 375.

24

و قوله: «يا علي الإمامة فيكم، و الهداية منكم» (1) و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «من أهل بيتي اثنى عشر نقيبا نجباء، محدثون، مفهمون، آخرهم، القائم بالحق (عليه السلام)» (2) و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «ان اللّه تعالى اختار من الأيام يوم الجمعة، و من الشهور شهر رمضان، و من الليالي ليلة القدر، و اختار من الناس الأنبياء، و اختار من الأنبياء الرسل، و اختارني من الرسل، و اختار مني عليا، و اختار من علي الحسن، و الحسين، و اختار من الحسين الأوصياء، و هم تسعة من ولده، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين» (3).

و روى سليم بن قيس قال: «سمعت عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، يقول:

كنا عند معاوية، و الحسن، و الحسين، و ابن عباس، و عمر بن أبي سلمة، و أسامة ابن زيد، فذكر كل منهم ما جرى بينهم و بينه، و انه قال لمعاوية: اني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: اني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمَّ أخي علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فاذا استشهد فابنة الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمَّ الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فاذا استشهد فعلي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و ستدركه يا علي، ثمَّ ابني محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و ستدركه يا حسين، ثمَّ تكملة اثنى عشر إماما، تسعة من ولد الحسين» قال عبد اللّه ابن جعفر: «فاستشهدت الحسن، و الحسين، و عبد اللّه بن العباس، و عمر بن أبي سلمة، و أسامة بن زيد، فشهدوا بذلك» (4) و وراء هذه الاخبار أضعافها، دالة على اختصاص أهل البيت بالمزية الموجبة للاتباع.

____________

(1) لم توجد.

(2) لم توجد.

(3) لم توجد.

(4) كتاب سليم بن قيس الهلالي ج 3 ص 36.

25

لا يقال: هذه الاخبار آحاد و هي لا توجب العلم، و لو سلمت لكان أهل البيت إشارة الى أهل العباء، دون الباقين ممن تعتمدون قوله، لأنا نجيب عن الأول بأنها و ان كانت آحادا، لكنها إذا انضمت الى ما نقله الإمامية في هذا المعنى بلغ اليقين، و الا فأي عاقل يجوز أن يجتمع هذا الجم الغفير على اختلاف مثل هذه الاخبار و أضعافها مما يملأ الصحف، هذا، مما لا يظنه محصل.

و لو سلمنا انها آحاد، لكن الناس بين امامي، و مخالف له، و كل مخالف فإنما يعتمد على فتوى قايس عامل بأخبار الاحاد، مثبت بها الأحكام الشرعية، و قد أجمع الناس الا من لا عبرة به أن الخبر أرجح من القياس في العمل، فحينئذ يجب اعتماد فتوى هؤلاء السادة، لأن الأخبار الدالة على وجوب متابعتهم أقوى من الاخبار التي يبنى عليها علماء الجمهور مذاهبهم. و اما قوله: ان أهل البيت هم أهل العباء خاصة دون من بعدهم، فيضعف بقوله (عليه السلام) «فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (1).

و لو قيل: فلم لا يكون الأئمة المشار إليهم من أهل البيت غير من استندتم الى فتواه، قلنا: يشهد لمن استندنا إليه اتساع فتواه، و وجود ما يلتمسه المستفتون عنده دون كل من تعرض لذلك من الذرية، يعلم ذلك اضطرارا عند الوقوف على سيرهم.

و اما العقل: فوجوه:

الوجه الأول: ما انتشر عنهم من العلوم الفقهية، و الأصولية، و التفسيرية، منضما الى غيرها من العلوم، كالنجوم، و الطب، فان عليا (عليه السلام) استند اليه كل فاضل، و افتقرت اليه الصحابة في الحوادث، و لم يفتقر الى أحد، و كذا كل واحد من الأئمة حتى ان محمد بن علي (عليه السلام) لاتساع علمه و انتشاره سمّي باقر العلم، و لم ينكر

____________

(1) راجع الى كتاب إحقاق الحق ص 309 الى 375.

26

تسميته منكر، بل انهم شهدوا انه وقع موقعه و حل محله، و كذا الحال في جعفر بن محمد (عليه السلام)، فإنه انتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول، حتى غلا فيه جماعة و أخرجوه إلى حد الإلهية.

و روى عنه من الرجال ما يقارب أربعة آلاف رجل، و برز بتعليمه من الفقهاء الأفاضل جم غفير كزرارة بن أعين، و أخويه: بكير، و حمران، و جميل بن دراج، و محمد بن مسلم، و بريد بن معاوية، و الهشامين، و أبي بصير، و عبيد اللّه، و محمد و عمران الحلبيين، و عبد اللّه بن سنان، و أبي الصباح الكناني، و غيرهم من أعيان الفضلاء كتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنف سموها «أصولا» و كذا كل واحد منهم (صلوات اللّه عليهم) لم يسئل أحد منهم فتردد و لا تلعثم، و لا استشكل سؤالا و لا عول في جواب على مساعد و لا مباحث، مع انهم لم يشاهدوا مختلفين الى معلم و لا ادعى ذلك عليهم مدع من أوليائهم و لا أعدائهم، بل كل منهم يسند عن آبائه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هذا من أقوى الحجج على اختصاصهم بالمزية القضائية بأنها خاصة من اللّه و معجزة امتازوا بها عن الخلق.

الوجه الثاني: ما ظهر عنهم من المعجزات التي ملأ بها المحدثون الكتب من الاخبار بالمغيبات، و الطبع في الحصى و غيره، و ذكر ذلك مفصلا يفتقر الى كتاب مفرد، فمن أراده فليراجع الكتب المختصة به.

الوجه الثالث: اتفاق الناس بأجمعهم على طهارة أئمتنا (عليهم السلام)، و شرف أصولهم، و ظهور عدالتهم، و براءتهم ما يشين منهم نسبا أو حسبا أو خلقا، و قصور الألسنة عن القدح فيهم مع اعراض ولاة أزمنتهم عنهم، و إيثارهم الغض منهم، و التعريض للوقيعة فيهم بالصلاة الوافرة، فلو لا انهم من صفات الكمال الى حد يقصر عنه الألسن عن القدح فيهم و يتحقق كذب الطاعن عليهم لما استمر لهم ذلك. ثمَّ هم مع هذه الأخلاق الطاهرة، و العدالة الظاهرة، يصوبون الإمامية في الأخذ عنهم و العمل

27

بفتويهم، و يعيبون على غيرهم ممن أفتى باجتهاده و قال برأيه، و يمنعون من يأخذ عنه و يستخفون رأيه و ينسبونه الى الضلال، يعلم ذلك منهم علما ضروريا صادرا عن النقل المتواتر، فلو كان يسوغ لغيرهم ما ساغ لهم لما عابوا، لمكان ما استسلف من اتفاق المسلمين على عدالتهم و صلاحهم، و لان الاتفاق على عدالتهم و الشك في عدالة من سواهم من فقهاء العامة يوجب العمل بقولهم (صلوات اللّه عليهم)، و يمنع من العمل بفتوى غيرهم من أرباب الاجتهادات. و هذه الطرق التي ذكرناها انما هي على تقديران نعرض عند الاستدلال بما خصهم اللّه به من وجوب الطاعة، و اختارهم له من الإمامة، و ميزهم به من العصمة التي أوضحنا طرقها في الكتب الكلامية، و حققها علماؤنا و بتقدير أن نسلك تلك الطرق فإن نستغني عن جميع ما أوردناه.

و قد قال بعض من لا معرفة له: ان الجواد (صلوات اللّه عليه) تلمذ لابن أكثم، و هو جهل بمنزلة الجواد (صلوات اللّه عليه) و قلة اطلاع على ما ورد عنه من العلم الجم، و ما اشتهر من أجوبته عن مسائل الإمامية بما يدل على الاعجاز، و قد كان من تلامذته و أشياعه القائلين بإمامته من لا يرتضي أن يكون ابن أكثم تلميذا له، كالحسين بن سعيد، و أخيه الحسن، و محمد بن أبي نصير البزنطي، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و شاذان بن الفضل القمي، و أيوب بن نوح بن دراج، و أحمد ابن محمد بن عيسى و غيرهم ممن يطول تعدادهم، و كتبهم الان منقولة بين الأصحاب دالة على العلم الغزير، فهل يستجيز ذو تحصيل أن يعتقد في هؤلاء الفضلاء اتخاذهم تلميذا لابن أكثم اماما يعتقدون عصمته، و فرض طاعته، هذا ما لا يعتقده ذو بصيرة.

28

الفصل الثالث [في مستند الاحكام]

و هي عندنا خمسة: الكتاب، و السنة، و الإجماع، و دليل العقل، و الاستصحاب.

أما الكتاب:

فأدلته القسمان: النص، و الظاهر، و «النص» ما دل على المراد منه من غير احتمال، و في مقابلة «المجمل» و قد يتفق اللفظ الواحد أن يكون نصا مجملا باعتبارين، فان قوله تعالى يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (1) نص باعتبار الاعتداد، مجمل باعتبار ما يعتد به. و اما «الظاهر» فهو اللفظ الدال على أحد محتملاته دلالة راجحة، و لا ينتفي معها الاحتمال، و في مقابلته «المأول» و الظاهر أنواع: أحدها: ما كان راجحا بحسب العرف كدلالة الغائط على الفضلة. الثاني:

ما كان راجحا بحسب الشرع، كدلالة لفظ الصوم على الإمساك عن المفطرات، و هذان و ان كانا نصين باعتبار الشرع و العرف، الا ان احتمال ارادة الوضع لم تنتف انتفاء يقينيا. الثالث: «المطلق» و هو اللفظ الدال على الماهية، فهو في دلالته على تعلق الحكم بها لا بقيد منضم دلالة ظاهرة. الرابع: «العام» و هو الدال على اثنين فصاعدا من غير حصر، فإنه في دلالته على استيعاب الأشخاص ظاهر لا قاطع، اما «المأول» فهو اللفظ الذي يراد به المعنى المرجوح من محتملاته، كقوله تعالى:

وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ (2).

و أما السنة: فثلاثة:

قول، و فعل، و إقرار. أما القول: ففيه الأقسام المتقدمة و أما الأفعال: فإن وقع بيانا تبع المبين في وجوبه و ندبه و اباحته، و ان فعله ابتداء فلا حجة فيه الا أن يعلم الوجه الذي وقع عليه فتجب المتابعة. و اما ما أقره النبي

____________

(1) البقرة: 228.

(2) الرحمن: 27.

29

(صلى اللّه عليه و آله) فإنه يدل على الجواز، لأنه (صلى اللّه عليه و آله) لا يقرر منكرا، سواء فعل بحضرته أو لا بحضرته مما يعلم انه (صلى اللّه عليه و آله) علمه و لم ينكره، و اما ما يندر فلا حجة فيه، كما روي أن بعض الصحابة قال: كنا نجامع و نكسل على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلا نغتسل، لجواز أن يخفى فعل ذلك على النبي (صلى اللّه عليه و آله) فلا يكون سكوته عنه دليلا على جوازه لائق قول الصحابي: (كنا نفعل) دليل على عمل الصحابة أو أكثرهم، فلا يخفى ذلك عن الرسول، لأنا نمنع عن نفسه أو عن جماعة يمكن أن يخفى حالهم على النبي (صلى اللّه عليه و آله).

ثمَّ السنة اما متواترة، و هي ما حصل معها العلم القطعي باستحالة التواطؤ و خبر واحد: و هو ما لم يبلغ ذلك، مسندا كان و هو ما اتصل المخبرون به الى المخبر، أو مرسلا، و هو ما لم يتصل سنده. فالمتواتر حجة لإفادته اليقين، و كذا ما أجمع على العمل به، و ما أجمع الأصحاب على اطراحه فلا حجة فيه.

مسئلة: أفرط «الحشوية» في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر، و ما فطنوا ما تحته من التناقض، فان من جملة الأخبار قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): «ستكثر بعدي القالة علي» (1) و قول الصادق (عليه السلام): «ان لكل رجل منا رجل يكذب عليه» (2).

و اقتصر بعض عن هذا الإفراط فقال: كل سليم السند يعمل به، و ما علم ان الكاذب قد يلصق، و الفاسق قد يصدق، و لم يتنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة و قدح في المذهب، إذ لا مصنف الا و هو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر الواحد المعدل. و أفرط آخرون في طرف رد الخبر حتى أحال استعماله عقلا و نقلا، و اقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا، لكن الشرع لم يأذن في العمل به، و كل هذه الأقوال منحرفة عن السنن، و التوسط أصوب، فما قبله الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، و ما أعرض الأصحاب عنه أو شذ، يجب اطراحه لوجوه:

____________

(1) لم يوجد.

(2) لم يوجد.

30

أحدها- ان مع خلوه من المزية يكون جواز صدقه مساويا لجواز كذبه فلا يثبت الشرع بما يحتمل الكذب.

الثاني- اما أن يفيد الظن أو لا يفيد، و على التقديرين لا يعمل به، اما بتقدير عدم الإفادة فمتفق عليه، اما بتقدير افادة الظن فمن وجوه: أحدها- قوله تعالى:

وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (1). الثاني- قوله تعالى وَ إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (2). الثالث- قوله تعالى وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ (3).

الثالث- انه ان خص دليلا عاما كان عدولا عن متيقن الى مظنون، و ان نقل عن حكم الأصل كان عسرا و ضررا و هو منفي بالدليل، و لو قيل: هو مفيد للظن فيعمل به تفصيا من الضرر المظنون. منعنا افادته الظن، لقوله (صلى اللّه عليه و آله): «ستكثر بعدي القالة علي فاذا جاءكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب اللّه العزيز فان وافقه فاعملوا به، و الا فردوه» و خبره مصداق فلا خبر من هذا القبيل الا و يحتمل أن يكون من القبيل المكذوب. لا يقال: هذا خبر واحد. لأنا نقول: إذا كان الخبر حجة فهذا أحد الاخبار، و ان لم يكن حجة فقد بطل الجميع. و لا يقال: الإمامية عاملة بالأخبار و عملها حجة. لأنا نمنع ذلك، فإن أكثرهم يرد الخبر بأنه واحد و بأنه شاذ، فلو لا استنادهم مع الاخبار الى وجه يقتضي العمل بها لكان عملهم اقتراحا، و هذا لا يظن بالفرقة الناجية، و اما انه مع عدم الظفر بالطاعن و المخالف لمضمونه يعمل به، فلأن مع عدم الوقوف على الطاعن و المخالف له يتيقن انه حق، لاستحالة تمالي الأصحاب على القول الباطل و خفاء الحق بينهم، و اما مع القرائن فلأنها حجة بانفرادها فتكون دالة على صدق مضمون الحديث و يراد بالاحتجاج به التأكيد

____________

(1) الاسراء: 36.

(2) يونس: 36.

(3) البقرة: 169.

31

و لا يقال: لو لم يكن خبر الواحد حجة لما نقل. لأنا ننقض ذلك بنقل خبر من عرف فسقه و كفره و من قذف بوضع الاخبار و رمي بالغلو، و بالأخبار التي استدلوا بها في بحوث العلمية كالتوحيد و العدل، و الجواب في الكل واحد.

و اما الإجماع:

فعندنا هو حجة بانضمام «المعصوم» فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، و لو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله (عليه السلام): فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الإجماع باتفاق الخمسة و العشرة من الأصحاب مع جهالة قول الباقين الا مع العلم القطعي بدخول الإمام في الجملة، و لنفرض صورا ثلاثة: احديها- أن يفتي جماعة ثمَّ لا يعلم من الباقين مخالفا فالوجه انه ليس حجة لأنا كما لا نعلم مخالفا لا نعلم ان لا مخالف، و مع الجواز لا يتحقق دخول «المعصوم» في المفتين. الثانية- أن يختلف الأصحاب على قولين، ففي جواز احداث قول ثالث تردد، لصحة انه لا يجوز بشرط أن يعلم أن لا قائل منهم إلا بأحدهما. الثالثة- أن يفترقوا فرقتين و يعلم ان الامام ليس في إحداهما و يجهل الأخرى، فتعين الحق مع المجهولة، و هذه الفروض تعقل لكن قل ان تنفق.

و اما دليل العقل:

فقسمان: أحدهما ما يتوقف فيه على الخطاب و هو ثلاثة:

الأول لحن الخطاب كقوله «اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ» (1) أراد فضرب الثاني فحوى الخطاب: و هو ما دل عليه التنبيه كقوله تعالى فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ (2).

الثالث دليل الخطاب: و هو تعليق الحكم على أحد وصفي الحقيقة كقوله: «في سائمة الغنم الزكاة» (3) فالشيخ يقول: هو حجة و علم الهدى ينكره و هو الحق.

____________

(1) البقرة: 60.

(2) الاسراء: 23.

(3) لم يوجد حديث بهذه العبارة و لعله اصطياد من عدة من الروايات التي نقلت بهذا المضمون.

32

اما تعليق الحكم على الشرط كقوله: «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (1) و كقوله وَ إِنْ كُنَّ أُولٰاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّٰى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (2) فهو حجة تحقيقا لمعنى الشرط، و لا كذا لو علّقه على الاسم كقوله: اضرب زيدا خلافا للدقاق، و القسم الثاني ما ينفرد العقل بالدلالة عليه، و هو اما وجوب، كرد الوديعة، أو قبح، كالظلم و الكذب، أو حسن، كالانصاف و الصدق، ثمَّ كل واحد من هذه كما يكون ضروريا فقد يكون كسبيا كرد الوديعة مع الضرورة، و قبح الكذب مع النفع.

و أما الاستصحاب:

فأقسامه ثلاثة: استصحاب حال العقل و هو التمسك بالبراءة الاصيلة كما تقول: ليس الوتر واجبا لأن الأصل برأيه العهدة، و منه أن يختلف الفقهاء في حكم بالأقل و الأكثر فتقتصر على الأقل، كما يقول: بعض الأصحاب في عين الدابة نصف قيمتها، و يقول الأخر ربع قيمتها، فيقول المستدل ثبت الربع إجماعا، فينتفي الزائد نظرا الى البراءة الأصلية. الثاني أن يقال: عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه، و هذا يصح فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به، اما لا مع ذلك فإنه يجب التوقف، و لا يكون ذلك الاستدلال حجة، و منه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الخطر.

الثالث: استصحاب حال الشرع كالمتيمم يجد الماء في أثناء الصلاة، فيقول المستدل على الاستمرار صلاة مشروعة قبل وجود الماء فيكون كذلك بعده، و ليس هذا حجة لأن شرعيتها بشرط عدم الماء لا يستلزم الشرعية معه، ثمَّ مثل هذا لا يسلم عن المعارضة بمثله، لأنك تقول: الذمة مشغولة قبل الإتمام فيكون مشغولة بعده. و اما القياس فلا يعتمد عليه عندنا، لعدم اليقين بثمرته فيكون العمل به عملا بالظن المنهي عنه، و دعوى الإجماع من الصحابة على العمل به لم يثبت، بل أنكره جماعة منهم،

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2 (مع تفاوت).

(2) الطلاق: 6.

33

فما يمر بك من تمثيل شيء بشيء فليس، لأن أحدهما مقيس على الأخر بل لاشتراكهما في الدلالة الشرعية لا لقياسية، و هذا الفصل و ان كان علم الأصول أحق به، لكنا أجبنا إيراده هنا ليكون تأنيسا للمتفقه لعلم يكمله من هناك.

الفصل الرابع [في السبب المقتضى للاقتصار على من ذكرناه من فضلائنا]

لما كان فقهائنا رضوان اللّه عليهم في الكثرة إلى حد يتعسر ضبط عددهم، و يتعذر حصر أقوالهم لاتساعها و انتشارها، و كثرة ما صنفوه، و كانت مع ذلك منحصرة في أقوال جماعة من فضلاء المتأخرين اجتزأت بإيراد كلام من اشتهر فضله، و عرف تقدمه في نقل الاخبار و صحة الاختيار و جودة الاعتبار، و اقتصرت من كتب هؤلاء الأفاضل على ما بان فيه اجتهادهم، و عرف به اهتمامهم، و عليه اعتمادهم، فممن اخترت نقله الحسن بن محبوب، و محمد بن أبي نصر البزنطي، و الحسين بن سعيد، و الفضل بن شاذان، و يونس بن عبد الرحمن، و من المتأخرين أبو جعفر محمد بن بابويه القمي (رض)، و محمد بن يعقوب الكليني، و من أصحاب كتب الفتاوى علي بن بابويه، و أبو علي بن الجنيد، و الحسن بن أبي عقيل العماني، و المفيد محمد ابن محمد بن النعمان، و علم الهدى، و الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) و «الشيخ» إشارة الى أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) و «الشيخان» هو مع المفيد محمد بن محمد بن النعمان و «الثلاثة» هما مع علم الهدى و «الأربعة» هم مع أبي جعفر بن بابويه و «الخمسة» هم مع علي بن بابويه و «الستة» هم مع ابن أبي عقيل و «السبعة» هم مع ابن الجنيد. و أتباع الثلاثة أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي، و سلار بن عبد العزيز بن البراج، رضوان اللّه عليهم أجمعين. و ربما احتجت الى رمز الكتب فليكن هذه: النهاية (ة) المبسوط (ط) الجمل (ل) مسائل

34

الخلاف (ف) التهذيب (يب) المصباح (ح) الاقتصاد (د) المقنعة (عة) الأركان (ن) الرسالة الغرية (غر) و حيث أتينا على المقدمة فلنبدأ بما نحن قاصدون اليه، مستعينين باللّه و مقصدين عليه.

35

كتاب الطهارة

[الركن الأول في المياه]

و هي في اللغة «النزاهة عن الأدناس» يقال: رجل طاهر الثياب، أي منزه و في الشرع اسم لما «يرفع حكم الحدث» و خطر لبعضهم النقض بوضوء الحائض لجلوسها في مصلاها و هو غلط، فانا نمنع تسمية ذلك الوضوء طهارة، و نطالبه بدليل تسميته، على انه قد روى ما يدل على انه لا يسمى طهارة. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قلت: «الحائض تطهر يوم الجمعة و تذكر اللّه تعالى، قال: اما الطهر فلا، و لكن تتوضأ وقت كل صلاة، ثمَّ تستقبل بالقبلة و تذكر اللّه» (1) نعم يرده النقض بالوضوء المجدد من غير حدث، و بمن اجتمع عليه غسل و وضوء «كالمستحاضة» إذا سال دمها، فان كل واحد منهما يسمى طهارة و لا يرفع حكم الحدث بانفراده. فالأقرب أن يقال: هي اسم للوضوء و الغسل أو التيمم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة، و الطهور هو المطهر لغيره قاله (الشيخ) في مسائل الخلاف و (علم الهدى) في المصباح، خلافا لبعض الحنفية.

لنا النقل و الاستعمال اما «النقل» فما ذكره الترمذي قال: «الطهور» بالفتح من الأسماء المتعدية و هو المطهر غيره. و قال الجوهري: «الطهور» ما يتطهر به

____________

(1) الوسائل ج 2 أبواب الحيض باب 22 ح 3.

36

كالسحور و البرود. و اما «الاستعمال» فلأن هذا المعنى مراد في صورة الاستعمال، فيكون حقيقة فيه كقوله (عليه السلام): «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (1) و لو أراد الطاهر لم يثبت له مزية. و قوله (عليه السلام): «و قد سئل عن الوضوء بماء البحر؟ فقال:

هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (2) و لو لم يرد كونه مطهرا لم يصلح جوابه، و لان فعولا للمبالغة و لا يتحقق هنا الا مع افادة التطهير، و لأنهم يقولون ماء طهور، و لا يقولون ثوب طهور، فلا بد من فائدة مختصة بالماء و لا تظهر الفائدة إلا مع افادة التطهير.

و احتج الحنفي بأن فعولا تفيد المبالغة في فائدة فاعل، كما يقال: «ضروب» و «أكول» لزيادة الضرب و الأكل و لا يفيد شيئا مغايرا له، و كون الماء مطهرا مغايرا لمعنى الظاهر، فلا تتناوله المبالغة، و لأنهم قد يستعملون فعولا فيما لا يفيد التطهير، كقوله سبحانه وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً (3) و كقول الشاعر: «عذاب الثنايا ريقهن طهور».

و الحق عندي ان وصف الطهور بالتعدي وصف معنوي لا لفظي، لأن التعدي في الحقيقة المطهر و قد ألحقوا طهورا به إلحاقا توقيفيا لا قياسا، و ليس طهورا من مطهر بمنزلة ضروب من ضارب، لأنك تقول: هذا ضارب زيدا كما تقول ضروب زيدا، و تقول: الماء مطهر من الحدث و لا تقول: طهور من الحدث، فاذن الوجه الذي ذكره الحنفي صحيح بالنظر الى القياس اللفظي، اما ان منع كون اللغة أو الشرع استعمله في التعدية و ان لم يكن قياسا فغير صحيح، و للطهارة أركان: الأول في المياه.

مسئلة: «الماء المطلق» في الأصل مطهر يرفع الحدث و يزيل الخبث،

يزيد «بالمطلق» ما لا يجوز سلب لفظ الماء عنه، و لو أمكن إضافته الى ما يلازمه

____________

(1) صحيح البخاري ج 1 باب التيمم ص 91.

(2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 3.

(3) الإنسان: 21.

37

كما تقول: ماء الفرات، و لو قلت: ماء الفرات ليس ماء لم يصح، نعم تقول: ماء الورد، و لو قلت: ماء الورد ليس ماء صح. و قوله: في «الأصل» احتراز من عروض ما يمنع من رفع الحدث به كالنجاسة و الغصبية، ثمَّ نقول: «المطلق» يقع على ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، أو اذيب من ثلج، أو كان ماء بحر، و كل ذلك سواء في رفع الحدث و الخبث و هو مذهب أهل العلم سوى سعيد بن المسيب، فإنه قال: «لا يجوز الوضوء بماء البحر مع وجود الماء» و لما حكي عن عبد اللّه بن عمر أنه قال: «التيمم أحب الي منه».

لنا الإجماع فإن خلاف المذكورين منقوض، و قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1) و اما ما رواه الجمهور عن النبي (صلى اللّه عليه و آله): «الماء طهور و لا ينجسه شيء» (2) و من طريق الأصحاب ما رواه جميل، عن أبي عبد اللّه، «ان اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» (3) و ما رواه عبد اللّه بن سنان و أبو بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه قال: «سألته عن ماء البحر أ طهور هو؟ فقال: نعم» (4) و ما رواه محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يجنب في السفر و لا يجد الا الثلج، قال: يغتسل بالثلج» (5) و اما تقديم التيمم على ماء البحر فيبطل، بأن التيمم مشروط بعدم الماء و الحقيقة المائية موجودة في ماء البحر.

فروع

الأول: لو مازج المطلق طاهر، فغير أحد أوصافه

لم يخرج بالتغير عن

____________

(1) الفرقان: 48.)

(2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 4.

(3) الوسائل ج 2 أبواب التيمم باب 23 ح 1.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 2 ح 2.

(5) الوسائل ج 2 أبواب التيمم باب 10 ح 1.

38

التطهير ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء، سواء كان مما لا ينفك الماء عنه كالتراب و الطحلب و الكبريت و ورق الشجر، أو مما ينفك كالدقيق، أو السويق. أو من المائعات كاللبن، و ماء الورد، و الادهان، كالبزر و الزيت، أو مما يجاوره و لا يشيع فيه كالعود، و المسك، لان جواز التطهير منوط بالمائية و هي موجودة فيه. و لأن أسقية الصحابة الأدم و هي لا تنفك عن الدباغ المغير للماء غالبا و لم يمنع منها. و لان الماء لرطوبته و لطافته ينفعل بالكيفيات الملاقية، فلو خرج بتغير أحد الأوصاف عن التطهير لعسرت الطهارة، و لأنه لا يكاد تنفك عن التكيف برائحة الإناء.

الثاني: إذا تغير من قبل نفسه لطول المكث،

فإن بقي على تسميته فهو مطهر، و لو صار بحيث لا يسمى ماء لم يجز التطهير به، و الحجة بقاء الاسم، فإنه موجب لبقاء الحكم، لكن استعماله مكروه مع وجود غيره، لرواية الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الماء الآجن يتوضأ منه الا أن يجد غيره» (1) و لأنه يستخبث طبعا، فكان اجتنابه أنسب بحال المتطهر لطهارته.

الثالث: لو كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فأكمله بمائع،

فان لم يسلبه الإطلاق صح الوضوء به، لاستهلاك المائع فيه، و بقاء الصفة المقتضية للتطهير، و هل يجب ذلك قال الشيخ في المبسوط: لا، فأجاز التيمم قبل مزجه. و فيه تردد، و وجه ما ذكره الشيخ انه قبل المزج غير واجد ما يكفيه لطهارته، و وجه وجوب المزج إمكان تحصيل طهارة مائية.

الرابع: إذا أمرّ الثلج على أعضاء الطهارة في الوضوء،

أو على جسده في الغسل، صح بشرط أن يكون جاريا بحيث يسمى غاسلا و اقتصر «الشيخ» في الخلاف على الدهن لنا قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (2) فلا بد من حصول

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 3 ح 2.

(2) المائدة: 6.

39

ما يسمى غسلا، و اما جوازا لذلك فلما رواه معاوية بن شريح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يصيبنا الدمق، و الثلج، و لا نجد الا ماء جامدا كيف أتوضأ؟ أدلك به جلدي؟

فقال: نعم» (1) و لأنه يحصل به الغسل فكان مجزيا، و لم أعرف فيه من الأصحاب مخالفا.

الخامس: الماء المسخن يجوز الطهارة به سواء سخن بالنار،

أو كان سخينا من منبعه، و لا يكره استعماله في الطهارة، لأنه لم يخرج بالاسخان عن الإطلاق، و روى الجمهور، عن شريك من رجال النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «أجنبت و أنا مع النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فجمعت حطبا و أحميت الماء، فاغتسلت، و أخبرت النبي فلم ينكر علي» (2) و عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه «انه اضطر اليه و هو مريض، فأتوه به مسخنا فاغتسل» (3) و يكره المسخن بالنار في غسل الميت، لما رواه زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«لا يسخن الماء للميت» (4) و لان المسخن لا ينفك عن اجزاء نارية فلا يبادرها. قال الشيخان في النهاية و المقنعة: و لو خشي الغاسل من البرد جاز، و هو حسن، لان فيه دفعا للضرر.

و أما المسخن بالشمس في الانية فتكره الطهارة به، لما روى إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن قال: «دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) على عائشة و قد وضعت قمقمتها في الشمس فقال: ما هذا يا حميراء؟ قالت: أغسل رأسي و جسدي، قال: لا تعودي فإنه يورث البرص» (5) و مثله روى الجمهور، عن عائشة، انه قال: «لا تفعلي يا حميراء فإنه

____________

(1) الوسائل ج 2 أبواب التيمم باب 10 ح 2.

(2) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 5 (مع تفاوت).

(3) الوسائل ج 1 أبواب الماء المضاف باب 7 ح 2.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المضاف باب 7 ح 1.

(5) الوسائل ج 1 أبواب الماء المضاف باب 6 ح 1.

40

يورث البرص» (1) و طعن الحنابلة في سند الحديث عن عائشة، و لا عبرة بطعنهم مع صحة السند من أهل البيت (عليهم السلام)، و يكره التداوي بمياه الجبال الحارة التي يشم منها رائحة الكبريت، ذكره ابن بابويه لما روي عن النبي انه قال: «انها من فوح جهنم» (2).

مسئلة: و كله ينجس باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه

نريد ب«كله» أصناف الماء المطلق، جارية و نابعة و راكدة. و نريد «باستيلاء النجاسة عليه» استيلاء ريحها على ريح الماء، أو طعمها على طعمه، أو لونها على لونه و القول بنجاسة ماء هذا شأنه، مذهب أهل العلم كافة، و يؤيده ما رواه الجمهور عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (3) و ما رواه الأصحاب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إذا تغير الماء أو تغير الطعم فلا تتوضأ منه و لا تشرب» (4) و عنه «إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ و لا تشرب» (5) لان غلبة أحد أوصاف النجاسة على الماء يدل على قوتها عليه، و قهرها لخاصيته المطهرة.

فروع

الأول: إذا تغير بمرور رائحة النجاسة القريبة لم ينجس،

لأن الرائحة ليست نجاسة، فلا تؤثر تنجيسا.

الثاني: طريق تطهير المتغير ان كان جاريا بتقويته بالماء

متدافعا حتى يزول

____________

(1) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 6.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المضاف باب 12 ح 3.

(3) سنن ابن ماجه ج 1 كتاب الطهارة ص 174.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 3 ح 1 (مع تفاوت يسير).

(5) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 3 ح 6.

41

التغير، لان مع زوال التغير بغلبة الجاري لا يقبل الطارئ النجاسة، و المتغير مستهلك فيه، فيطهر، و ان كان واقعا فبأن يطرء عليه من الماء الطاهر المطلق ما يرفع تغيره، و يشترط في الطارئ كونه كرا فصاعدا، و به قال الشيخ في مسائل الخلاف، لان الطارئ لا ينجس الا بالتغير، و التقدير انه مزيل له. و لو تمم كرا فزال التغيير معه لم يطهر، و يجيء على قول من يطهر النجس ببلوغه كرا أن يقول: بالطهارة هنا.

الثالث: إذا زال «التغير» من نفسه،

أو بممازجة ما يزيله كالتراب، أو تصفيق الرياح، لم يطهر، لاستقرار النجاسة و التغير، و على القول بجبر البلوغ، تلزم الطهارة إذا كان كثيرا، لكنا سنبين ضعفه.

الرابع: إذا تغير الجاري فالمتغير نجس،

و ما عداه طاهر، و لو كان واقفا فالمتغير نجس و الباقي ان كان كرا فصاعدا فهو طاهر، و الا فهو نجس بملاقاة التغير.

الخامس: لو انصبغ ماء الغسل أو ماء الوضوء بصبغ طاهر

على جسد المتطهر، لم يمنع الطهارة ما لم يسلبه الإطلاق.

مسئلة: و لا ينجس «الجاري» بالملاقاة، و هو مذهب فقهائنا أجمع،

و مذهب أكثر الجمهور، و يدل عليه قوله (صلى اللّه عليه و آله): «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه» (1) و ما روي عن أبي عبد اللّه: «الماء كله طاهر، حتى يعلم انه قذر» (2) و ما رواه الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري» (3) و لأن النجاسة لا تستقر مع الجريان، فيضعف أثرها، و لان التنجيس مستفاد من الشرع، فينتفي عند انتفاء الدلالة.

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 1 ح 9.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 1 ح 5.

(3) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 5 ح 1.

42

فروع

الأول: لا يتحقق «للجاري» جريان منفصلة بحيث تعتبر بنفسها،

قال بعض الشافعية و الحنابلة: «تنجس الجرية التي فيها النجاسة إذا قصرت عن قلتين» و هو خيال ضعيف، لان تدافع الماء يمنع استقرار الجرية.

الثاني: الماء «الواقف» في جانب النهر الجاري متصلا بمائه لا ينجس بملاقاة النجاسة،

و لو كان دون الكر لأنه مع الجاري ماء واحد فيدخل تحت عموم الخبر.

الثالث: لو كان الجاري متغيرا بالنجاسة و الواقف غير متغير

فما كان دون الكر نجس بملاقاته المتغير، و ان كان كرا فصاعدا لم يتنجس عملا بالخبر.

الرابع: حوض «الحمام» إذا كان له مادة لا ينجس ماؤه بملاقاة النجاسة

و يكون كالجاري، و به قال الشيخان، و أبو جعفر بن بابويه، و حكى أصحاب أبي حنيفة عنه انه قال: «هو بمنزلة الجاري لأن النجاسة لا تستقر مع اتصال الاجزاء» و عن أحمد بن حنبل انه قال: «قد قيل انه بمنزلة الجاري» و روى داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «هو بمنزلة الجاري» (1) و روى بكر بن حبيب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ماء الحمام لا بأس به إذا كان له مادة» (2) و لأن الضرورة تمس اليه، و الاختصاص عسر فيلزم الترخيص دفعا للحرج، و لا اعتبار بكثر المادة و قلتها لكن لو تحقق نجاستها لم تطهر بالجريان.

الخامس: ماء الغيث لا ينجس بملاقاة النجاسة حال نزوله،

فلو استقر على الأرض و انقطع التقاطر عنه اعتبر فيه ما يعتبر في الواقف عند ملاقاة النجاسة،

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 7 ح 1.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 7 ح 4.

43

«و قال الشيخ في التهذيب و المبسوط: ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الماء الجاري لا ينجسه الا ما غيّر لونه، أو طعمه، أو رائحته» و كأنه يشترط جريانه نظرا الى ما روى هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في ميزابين سالا أحدهما: بول، و الأخر ماء المطر، فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضر ذلك» (1) و روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) «عن البيت يبال على ظهره، و يغتسل من الجنابة، ثمَّ يصيبه المطر أ يؤخذ من مائه و يتوضأ للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس» (2).

و لنا ما رواه هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «عن السطح يبال عليه فيصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب؟ فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه» (3) و قد أورده ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه، و لان الاحتراز عن ماء الغيث يشق، و لو لا التخفيف لزم الحرج، و الرواية الاولى لا تدل على الاشتراط لأنه لو لم يكن طاهرا لم يطهر بالجريان.

مسئلة: و لا الكثير من الراكد

«الراكد» هو الساكن. يقال: ركد الماء و الهواء: إذا سكن. و لا بد من القول بطهارة الكثير، و الا لنجس ماء البحر بملاقاة النجاسة جزء منه، و في تقدير الكثرة قولان: أحدهما بلوغه كرا قاله الثلاثة و أتباعهم و لأبي جعفر بن بابويه روايتان أحدهما كما قالوه، و الأخرى قلتان، و هو اختيار الشافعي، و أحمد، و قال أبو حنيفة: «ما علم وصول النجاسة إليه فهو نجس و ان كثر، و علامته التحرك. لنا ما رواه الجمهور، عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (4) و في رواية «لم يحمل القذر» و من طريق الأصحاب ما

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 6 ح 4.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 6 ح 2.

(3) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 6 ح 1.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.

44

رواه محمد بن مسلم، و معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (1) و لان مقتضى الدليل طهارة الماء، لقوله (عليه السلام): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شيء» (2) و لقول الصادق (عليه السلام): «الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر» (3) ترك العمل به فيما نقص عن الكر فيستعمل في الباقي، و لو قال: لا بد من تخصيص هذا المقتضى، فيختص بمذهبنا، قلنا: يثبت التخصيص في موضع الإجماع لا بحسب الاقتراح. و لان التقدير منحصر في الأقوال الثلاثة، لكن التقدير بالحركة باطل من وجهين:

أحدهما: ما رواه محمد بن مسلم، عن جعفر، عن أبيه، ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) «أتاه أهل الماء فقالوا: ان حياضنا تردها السباع، و الكلاب، و البهائم، قال: لها ما أخذت بأفواهها و لكم سائر ذلك» (4) و روى هذا، الجمهور في صحيح أخبارهم بلفظ آخر، و هو دلنا ما غير و الحوض في الأغلب يتحرك طرفاه أو يتحرك بعضه و قد حكم بطهارته.

و الثاني: ان التقدير بالحركة احالة على ما لا يتحقق، لأنه لا كثير في الأغلب الا و يمكن أن يتحرك طرفاه، و تعليق التطهير و التنجيس بما لا ينحصر منا و لحكمة الشارع. و لان مستند وصول النجاسة الظن، لأن الحركة امارة، و ظن النجاسة منفي بيقين الطهارة. و التقدير بالقلتين أيضا باطل، لأنه متوقف على صحة النقل، و قد طعن في خبر القلتين تارة بالسند حتى قال بعض الحنفية: قال الشافعي: بلغني بإسناد لم يحضرني أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: إذا بلغ الماء قلتين إلخ. فقال: بعض أصحاب

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 1 ح 9 ص 101.

(3) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 1 ح 5.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 9.

45

الحديث ما حضره و لا يحضره. و تارة بالاعتبار، و هو أنه خبر مدني و لم يعمل به «مالك» و لو صح لصح عنده.

اما نحن فلم نعرفه مرويا الا بطريق عبد اللّه بن المغيرة، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء و القلتان جريان» (1) لكن هذا الخبر مرسل و معارض بأخبار صحيحة متصلة، ثمَّ لم يحتمل أن يراد بالقلتين ما نريد نحن بالكر، فإن أبا علي بن الجنيد قال: في المختصر «الكر قلتان و مبلغ وزنه ألف و مائتا رطل» و يؤيد ذلك ما ذكره ابن دريد قال: «القلة في الحديث من قلال هجر، و هي عظيمة، زعموا: تسع الواحدة، خمس قرب» و هذا يقارب ما قلناه. و إذا بطل القولان تعين.

الثالث: و لو احتج أبو حنيفة بقوله (صلى اللّه عليه و آله) «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثمَّ يتوضأ منه» (2) أجبناه بأنه يحمل على القليل، توفيقا بينه و بين قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (3) و يحتمل ان يراد بالنهي هنا النزيه، و قد روى الفضل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يكره أن يبول في الماء الدائم» (4).

مسئلة: و في تقدير الكر روايات:

أشهرها ألف و مائتا رطل، و فسره الشيخان بالعراقي

و للأصحاب في كمية الكر طريقان:

أحدهما المساحة

و فيه روايات:

الأول: ثلاثة أشبار طولا في عرض ثلاثة أشبار، في عمق ثلاثة أشبار، ذكرها ابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه، و لعله استناد إلى رواية إسماعيل بن جابر، عن

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 10 ح 8.

(2) مسند أحمد ج 2 ص 265.

(3) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 5 ح 1 (مع تفاوت).

46

أبي عبد اللّه (عليه السلام) قلت: «و ما الكر؟ قال ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار» (1) فإن كان معوله على هذه فهي ناقصة عن اعتباره.

الثاني: رواية عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصفا، في مثله ثلاثة أشبار و نصفا في عمقه، في الأرض فذلك الكر من الماء» (2) و هو اختيار الشيخ، و علم الهدى، لكن عثمان بن عيسى واقفي، فروايته ساقطة و لا تصغ الى من يدعي الإجماع في محل الخلاف.

الثالث: رواية إسماعيل بن جابر أيضا قلت: «الماء الذي لا ينجسه شيء، قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (3) فهذه حسنه، و يحتمل ان يكون قدر ذلك كرا.

الطريق الثاني: الوزن

و فيه روايات:

الأولى: رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكر ستمائة رطل» (4) قال الشيخ في التهذيب: «لم يعمل على هذه الرواية أحد من الأصحاب» و يحتمل أن يكون ذلك الرطل من بلد يوازي رطله رطلين بالبغدادي.

الثانية: رواية عبد اللّه بن مغيرة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكر من الماء نحو حبّي هذا» (5) قال الشيخ في التهذيب و الرواية مرسلة، و يحتمل أن يكون ذلك الحب يسع قدر الكر.

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 10 ح 4.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 10 ح 6.

(3) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 10 ح 1.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 11 ح 3.

(5) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 10 ح 7.

47

الثالثة: رواية محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكر ألف و مائتا رطل» (1) و على هذه عمل الأصحاب، و لا طعن في هذه بطريق الإرسال لعمل أصحاب الحديث بمراسيل ابن أبي عمير، و لو كان ذلك ضعيفا لا نجبر بالعمل، فإني لا أعرف من الأصحاب رادا لها فلهذا قلنا في أصل الكتاب على الأشهر، لضعف ما عداها من الروايات، و يؤيدها أيضا تفسير الهروي لرواية الكر «فإنه ذكر عن النضر ان الكر بالبصرة ستة أوقار» و قال الجوهري: «الوقر» يستعمل للبغل و الحمار إذا تقرر هذا فهل الوزن عراقي أو مدني؟ قال الشيخان في النهاية و المبسوط و الجمل و المقنعة: عراقي. و قال ابن بابويه في كتابه و علم الهدى في المصباح: مدني. و رطل العراقي مائة و ثلاثون درهما، و المدني مائة و خمسة و تسعون درهما. فيكون العراقي ثلثي المدني، و في القولين احتمال، لكن تنزيله على العراقي أولى لمقاربته و ما تضمنته رواية الأشبار، و لأنه إذا نزلت ستمائة الرطل على المدني قاربت العراقي، و لأن الأصل الطهارة حتى تعلم قذارة الماء و العلم لا يتحقق مع الاحتمال.

فروع

الأول: من اعتبر الأشبار، راعى الغالب

لا ما يندر.

الثاني: هل التقدير تحقيق أو تقريب؟

الأشبه التحقيق. لأنه تقدير شرعي فيتعلق الحكم باعتباره.

الثالث: أطلق بعض فقهائنا الحكم بنجاسة ماء الأواني عند ملاقاة النجاسة،

و لعله نظر الى إطلاق الحديث بنجاسة ماء الإناء عند وقوع النجاسة، لكن ذلك مقيد بغير الكر، و تقديمه في العمل أولى و لأن الإطلاق في الانية انما هو على الغالب، إذ وجود إناء يسع كرا نادر و يدل على هذا الاحتمال ما ذكره «الشيخ ره» في التهذيب فإنه ذكر

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 11 ح 1.

48

كلام المفيد من أن الإناء إذا وقعت فيه نجاسة وجب اهراق ما فيه و غسله، فقال:

الوجه فيه، ان الماء إذا كان في إناء و حلّته النجاسة نجس بها، لأنه أقل من كر، و قد بينا أن ما قل عن الكر ينجس بما يلاقيه من النجاسة.

مسئلة: و ينجس القليل من «الراكد» بالملاقاة على الأصح،

بهذا قال الخمسة و أتباعهم، و قال ابن أبي عقيل: لا ينجس الماء الا بالتغير. لنا قوله (عليه السلام):

«إذا كان الماء قد كر لم ينجسه شيء» (1) و لم يتحقق فائدة الشرط الا باحتمال نجاسة ما دون الكر. و عن الصادق (عليه السلام) في سؤر الكلب قال: «رجس نجس لا يتوضأ بفضلته و أصيب ذلك الماء» (2) و عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) «الدجاجة تطأ العذرة ثمَّ تدخل في الماء أ يتوضأ منه؟ فقال لا، الا أن يكون الماء كثيرا قدر كر» (3) عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «عن الجنب يدخل إصبعه في الكوز أو الركوة، قال: ان كانت يده قذرة فليهرقه» (4).

و عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة، قال: يكفي الإناء» (5) و تمسك ابن أبي عقيل، بقوله (عليه السلام) «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (6) و بما روي عن الصادق (عليه السلام) «انه استقى له من بئر فخرج في الدلو فأرتان فقال: أرقه فاستقي آخر، فخرج منه فأرة، فقال أرقه، ثمَّ استقي آخر، فلم يخرج فيه شيء،

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الأسئار باب 1 ح 4.

(3) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 4.

(4) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 8 ح 11 (مع تفاوت يسير).

(5) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 8 ح 7.

(6) سنن ابن ماجه ج 1 كتاب الطهارة ص 174 (مع تفاوت).

49

فقال: صبه في الإناء فتوضأ و شرب» (1).

«و سئل الباقر (عليه السلام) عن القربة و الجرة من الماء يسقط فيهما فأرة أو جرد أو غيره فيموت فيها؟ فاذا غلب رائحته على طعم الماء و لونه فأرقه، و ان لم يغلب فاشرب منه و توضأ» (2). و الجواب عن الأول انه يحتمل الجاري، و الكثير من الواقف، فيحمل عليهما، لما عرفت من وجوب تقديم الخاص على العام. فان قال: جهالة التاريخ تمنع ذلك. قلنا قد بينا في الأصول وجوب تقديم الخاص على العام عرف التاريخ أو جهل. و أما خبر البئر فيحمل على الغدير، لأن البئر هي الحفيرة نابعة كانت أو غديرا، و مع احتماله لا يدل على موضع النزاع، على أن في طريق هذه الرواية علي بن حديد، عن بعض أصحابنا. و علي هذا ضعيف جدا مع إرساله الرواية و خبر القربة كذلك، و مع ضعف السند و حصول المعارض السليم يجب الاطراح.

فروع

الأول: ينجس القليل بملاقاة النجاسة،

و ان لم يدركها الطرف كرؤس الابر دما كانت أو غيره. و قال في المبسوط: «ما لا يدركه الطرف معفو عنه، دما كانت أو غيره» و قال في الأسئار: «إذا كان الدم مثل رءوس الابر لم ينجس به الماء، لأنه لا يمكن التحرز منه». و الجواب ان الإمكان معلوم، نعم قد يشق ذلك، لكن اعتبار المشقة بمجردها في موضع المنع ما لم يعتبرها الشرع، اما الاستناد الى وجوب دفع المشقة كيف كان فلا. و لنا ان القليل للنجاسة و الدم نجس، فثبت التنجيس لوجود المؤثر، و ربما احتج «الشيخ» بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل امتخط، فصار الدم قطعا فأصاب إنائه، هل يصح الوضوء

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 14 ح 14.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 3 ح 8 ص 104.

50

منه؟ فقال: ان لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس، و ان كان شيئا بيّنا فلا يتوضأ منه» (1) و هذا ليس بصريح في اصابة الماء، و لعل معناه إذا أصاب الإناء و شك في وصوله الى الماء اعتبر بالإدراك، و يشهد لذلك ما رواه الكليني بإسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «و سألته عن رجل رعف و هو يتوضأ، فتقطر قطرة في إنائه، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال لا و لم يعتبر الاستبانة» (2).

الثاني: الغديران الطاهران إذا وصل بينهما بساقية، صارا كالماء الواحد،

فلو وقع في أحدهما نجاسة لم ينجس، و لو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا.

الثالث: لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر ففي طهارته تردد،

الأشبه بقاؤه على النجاسة لأنه يمتاز عن الطاهر و النجس لو غلب على الطاهر نجسه مع ممازجته، فكيف مع مباينته.

الرابع: لو وقع فيه «مائع طاهر» فاستهلكه الماء مع قلته جاز استعمالها أجمع في الطهارة،

لأن المستهلك في المطلق يعود بحكم المطلق، فكأنه كله ماء، و لو كان «المائع نجسا» فان غلب على أحد أوصافه المطلق كان الكل نجسا، و لو لم يغلب أحد أوصافه و كان الماء كرا فان استهلكته الماء صار بحكم المطلق، و جاز استعمالها أجمع، و لو كانت النجاسة جامدة جاز استعمال الماء حتى ينقص عن الكر، ثمَّ ينجس الباقي لما فيه من عين النجاسة.

الخامس: الماء النجس لا يجوز استعماله في رفع حدث و لا ازالة خبث مطلقا،

و لا في أكل، و لا شرب الا مع الضرورة، و أطلق «الشيخ» المنع من استعماله الا عند الضرورة. لنا ان مقتضى الدليل جواز الاستعمال ترك بالعمل فيما

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 8 ح 1.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 13 ح 1.

51

ذكرناه بالاتفاق و النقل، فيكون الباقي على الأصل.

السادس: طريق تطهير «القليل» إذا نجس بما لم يغيره ان يلقى عليه كر من ماء،

و به قال: في مسائل الخلاف لان الطارئ لا يقبل النجاسة، و النجس مستهلك به فيطهر، قال في المبسوط: «و لا فرق بين أن يكون الطارئ نابعا من تحته أو يجري اليه أو يقلب فيه» و قال: في مسائل الخلاف: «لا يطهر الا أن يرد عليه كر من ماء» و هذا أشبه بالمذهب لان النابع ينجس بملاقاة النجاسة، فإن أراد بالنابع ما يوصل به من تحته لا أن يكون نابعا من الأرض فهو صواب، و لم تمم بما يبلغه الكر لم يطهر، سواء تمم بالطاهر أو نجس. و تردد الشيخ في المبسوط. و قطع علم الهدى بالطهارة في المسائل الرسية.

لنا انه ماء محكوم بنجاسته قبل البلوغ شرعا، فيجب استدامة ذلك الحكم، اما انه محكوم بنجاسته فلوجهين: أما أولا فلأنا نتكلم على هذا التقدير، و اما ثانيا فنظرا إلى الأحاديث القاضية بنجاسة القليل، كقوله (عليه السلام) في سؤر الكلب: «لا يتوضأ بفضله» (1) و كقوله «في الماء تطأه الدجاجة و في رجلها قذرا، يتوضأ به؟ فقال: لا، الا أن يكون كثيرا» (2) و ما ماثلها و مع تقرير النهي يجب استصحابه. و لأنه محكوم بنجاسته مشكوك في طهارته عند البلوغ فيعمل فيه باليقين، احتج «المرتضى» بوجهين:

«أحدهما ان البلوغ يستهلك النجاسة فيستوي وقوعها قبل البلوغ و بعده، و بأنه لو لا الحكم بالطهارة عند البلوغ لما حكم بطهارة الماء الكثير إذا وجد فيه نجاسة، لأنه كما يحتمل وقوعها بعد البلوغ يحتمل قبله، فلا يكون الحكم بالطهارة أولى، لكن الإجماع على الحكم بطهارته» و الوجهان ضعيفان.

اما الأول: فقياس محض، لأنه سوى بين قوة الماء على دفع النجاسة الواقعة

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الأسئار باب 1 ح 4.

(2) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 4. (مع تفاوت)

52

بعد البلوغ، و بين قوته على رفع الواقعة قبله، و الأولى منصوصة بقوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (1) و الثانية غير منصوصة، و القياس باطل. و اما قوله: و المائية فيهما. فانا نقول: المائية الاولى طاهرة فاذا وقعت النجاسة قوي الماء الطاهر عليها بطهوريته، اما الماء النجس فعند اجتماعه يكون منقهرا بالنجاسة، فلا يكون فيه طهوريته تدفع النجاسة، فلا يكون للبلوغ أثر.

و الوجه الثاني: أضعف من الأول، لأنا نمنع الملازمة، و نقول: نحن نفرق بين الصورتين، و مع ذلك نحكم بطهارة الماء المشار اليه، لا لان البلوغ يرفع ما كان فيه من النجاسة، بل لان الماء في الأصل طاهر، و النجاسة المشاهدة كما يحتمل كونها منجسة بأن تقع قبل البلوغ، يحتمل أن لا تكون منجسة بأن تكون حصلت بعد البلوغ، فحينئذ يكون أصل الطهارة متيقنا و النجاسة مشكوك فيها، فالترجيح لجانب اليقين.

و بعض المتأخرين احتج لهذه المقالة فقال: يدل على الطهارة قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (2) و زعم ان هذه الرواية مجمع عليها عند المخالف و المؤالف، و قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (3) و قوله:

وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا و قوله (عليه السلام) لأبي ذر: «إذا وجدت الماء فأمسه جسدك» (4) و بقوله (عليه السلام): «أما أنا فلا أزيد إن أحثو على رأسي ثلاث حثيات إذا فإني قد طهرت» (5) و الجواب دفع الخبر، فانا لم نروه مسندا، و الذي رواه مرسلا «المرتضى»

____________

(1) الوسائل ج 1 أبواب الماء المطلق باب 9 ح 1 و 2.

(2) المستدرك ج 1 في أحكام المياه ص 27.

(3) الأنفال: 11.

(4) سنن البيهقي ج 1 كتاب الطهارة ص 7.

(5) رواه البيهقي في سننه ج 1 ص 181 مع تفاوت.