التنقيح الرائع لمختصر الشرائع - ج2

- المقداد السيوري المزيد...
428 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[كتاب التجارة، و فيه فصول]

كتاب التجارة، و فيه فصول:

[الفصل الأول فيما يكتسب به]

الفصل الأول: فيما يكتسب به (1)

____________

كتاب التجارة، و فيه فصول: الفصل الأول فيما يكتسب به

(1) قد تقدم تعريف التجارة [1] و أنها عقد معاوضة مالية محضة للاكتساب. و قيل هي انتقال عين مملوكة من شخص الى آخر بعوض مقدر على جهة التراضي للاكتساب.

فعلى التعريف الأول يكون بين البيع و التجارة عموم من وجه، يجتمعان في البيع للأعيان المقصود بها التكسب، و يصدق البيع بدونها كما في تملك أعيان القنية، و يصدق التجارة بدون البيع كما في التكسب بالمنافع.

و على الثاني يكون بينهما عموم مطلق، فان البيع أعم من أن يقصد به التكسب أو القنية أو الصدقة أو الأكل و غير ذلك. و التجارة هو الأول لا غير.

و الاكتساب اما أن يكون من جهة البائع و المشتري أو من جهة أحدهما، فإن كان الأول كان مال تجارة من الطرفين، و يستحب فيه الزكاة و يثبت فيه أحكام

____________

[1] راجع أول باب الزكاة: و هو ان المراد به ما ملك بعقد معاوضة مالية للاكتساب عند التملك.

4

[و المحرم منه أنواع]

و المحرم منه أنواع: (1)

____________

مال التجارة. و ان كان الثاني كان مال تجارة بالنسبة إلى أحدهما دون الأخر.

ثم التكسب فيه فضل كثير، قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل اللّٰه (1). و غير ذلك من الاخبار.

قوله: و المحرم منه أنواع

(1) اعلم أن التجارة تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة:

«1» الواجب، و هو ما اضطر الإنسان إليه في معاشه، فإنه خلق لا كغيره من الحيوانات بل يفتقر إلى المأكل و الملبس و المسكن، فإذا لم يحصل إلا بالمعاوضة وجب حصولها بالعقود الشرعية و إذا غلب على ظنه البقاء مدة متطاولة و علم عدم تمكنه من التجارة وقتا آخر وجب عليه التجارة في هذا الوقت لتحصيل ما يحتاج إليه في تلك المدة.

و لا يجوز له ترك السعي اعتمادا على التوكل، و لا سؤال الخلق مع تمكنه من السعي، لأن الصدقة الواجبة تحرم عليه و المندوبة تكره.

و لو لم يتمكن من السعي وجب السؤال و لم يجز الاتكال.

«2» المندوب، و هو ما لم يضطر اليه بل قصد التوسعة على العيال أو اعانة ذوي الحاجة، و علم أو ظن عدم حصول هذين الا بالسعي، فإنه يستحب له حينئذ.

«3» المباح، و هو ما لم يضطر اليه و لا قصد به التوسعة و الإعانة بل مجرد التزيد في المال و لم يشمل على جهة من جهات القبح، فان ذلك يكون مباحا.

«4» المكروه، و هو ما اشتمل على نهي الشرع عنه نهي تنزيه و سيأتي.

«5» المحرم، و هو ما نهى الشارع عنه مانعا من نقيضه، و ذلك اما لإينيته أي وجوده- كالبيع من المعتكف و البيع بعد النداء للجمعة، أو لغايته كالتجارة

____________

(1) الكافي 5- 88، الوسائل 12- 42.

5

[الأول الأعيان النجسة]

(الأول) الأعيان النجسة، كالخمر، و الأنبذة (1) و الفقاع، و الميتة، و الدم، و الأرواث، و الأبوال (2) مما لا يؤكل لحمه.

و قيل بالمنع من الأبوال مما لا يؤكل لحمه، و قيل بالمنع من الأبوال إلا أبوال الإبل، و الخنزير و الكلاب عدا كلب الصيد.

____________

لتكسب ما يشرب به الخمر أو يقارف [1] به المعاصي، أو لموضوعه كالتجارة في الأعيان المحرمة و ما لا ينتفع به و ما هو مشتمل على نوع من الضرر، و غير ذلك.

و لم يذكر المصنف القسمين الأولين هنا: أما الأول فلتقدمه في باب الجمعة و الاعتكاف، و أما الثاني فاعتمادا على ما تقرر في الأصول من تحريم الوسائل بتحريم المقاصد. و اقتصر على الثالث.

قوله: الأول الأعيان النجسة كالخمر و الأنبذة

(1) إنما حرم بيعها لأنها محرمة الانتفاع و كل محرمة الانتفاع لا يصح بيعه: أما الصغرى فإجماعية، و أما الكبرى فلقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) «لعن اللّٰه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها» [2]، علل استحقاق اللعنة ببيع المحرم فيتعدى الى كل محرم الانتفاع به، و لما رواه ابن عباس عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): ان اللّٰه إذا حرم شيئا حرم ثمنه (1).

قوله: و قيل بالمنع من الأبوال إلا أبوال الإبل

(2) هذا قول الشيخ (رحمه اللّٰه)، و علل ذلك باستخباثها و عدم الانتفاع بها بخلاف

____________

[1] قرف لأهله من باب ضرب و اقترف: و هو ما استفدت من مال حلال أو حرام.

[2] سنن ابن ماجة 2- 732، سنن الترمذي 3- 591 و فيهما: قاتل اللّٰه اليهود ان اللّٰه حرم عليهم الشحوم فأجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه، و سنن البيهقي 6- 13، كنز العمال 4- 80.

____________

(1) الخلاف 1- 225 ط طهران 1370، كنز العمال 4- 80.

6

و في كلب الماشية و الحائط و الزرع قولان، (1)

____________

أبوال الإبل، فإنه ورد الاذن بالانتفاع بها، كما روي أن أهل عرنة شكوا إلى النبي (ص) الجوع و المرض فمنحهم إبلا و قال: كلوا من ألبانها و استشفوا بأبوالها، فأخذوها و هربوا، فطلبهم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و أخذهم و مثل بهم [1].

و قال المرتضى و ابن إدريس بجواز بيع أبوال ما يؤكل لحمه، لأنها أعيان طاهرة ينتفع بها انتفاعا محللا فجاز بيعها، أما الطهارة فلإجماع الأصحاب و أما الانتفاع فلانه التقدير، و أما جواز البيع حينئذ فلان المانع ليس إلا النجاسة و عدم الانتفاع و الفرض عدمهما.

و هل حكم العذرات حكم الأبوال؟ الحق أنه لا فرق بينهما، لما عللنا به.

و هو مذهب الشيخ في الخلاف و ابن إدريس و العلامة في المختلف.

و منع المفيد و سلار بيع العذرة و الأبوال كلها الأبوال الإبل، لرواية يعقوب بن شعيب عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: ثمن العذرة من السحت (1).

أجاب الشيخ بحملها على عذرة الإنسان لنجاستها، لما رواه محمد بن مضارب عن الصادق (عليه السلام) قال: لا بأس ببيع العذرة (2)).

قوله: و في كلب الماشية و الحائط و الزرع قولان

(1) منع الشيخان من بيع هذه الثلاثة، و تبعهما القاضي، لما رواه الوليد

____________

[1] سنن ابن ماجة 2- 1158، سنن الترمذي 4- 281 و فيهما: ان أناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في إبل الصدقة و قال:

اشربوا من أبوالها و ألبانها. اللفظ للترمذي.

____________

(1) التهذيب 6- 372، الإستبصار 3- 56، الوسائل 12- 126.

(2) التهذيب 6- 372، الإستبصار 3- 56، الوسائل 12- 126.

7

و المائعات النجسة عدا الدهن لفائدة الاستصباح. (1)

____________

العماري قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد. فقال:

سحت [1]. و مثله رواه السكوني (1)).

و أجيب بضعف السند و عدم عموم لفظ «الكلب» فيهما، فيحمل على كلب الهراش.

و الحق جواز بيعها كما هو مذهب ابن الجنيد و ابن إدريس و ابن حمزة، و اختاره العلامة لأن العلة المبيحة لبيع كلب الصيد هي الانتفاع المحلل، و هو حاصل هنا عملا بالمقتضي و انتفاء المانع، و لأصالة الإباحة، و لان لها ديات مقدرة شرعا.

و يجوز إجارتها باتفاق الشيخ أيضا فيجوز البيع لعدم الفارق. و أيضا قال الشيخ في المبسوط: و روي جواز بيع كلب الماشية و الحائط. و مثله لا يرسل إلا عن ثقة.

قوله: و المائعات النجسة عدا الدهن لفائدة الاستصباح

(1) المائعات التي عرض لها النجاسة اما أن يكون دهنا أو غيره، و الأول يجوز بيعه لفائدة الاستصباح به تحت السماء، و الثاني اما أن يكون قابلا للتطهير أولا و الأول يجوز بيعه أيضا، و الثاني لا يجوز.

نعم يشترط في جواز البيع في الأولين الاعلام للمشتري بذلك، و مع عدم اعلامه يكون قد فعل حراما و العقد صحيح و يملك البائع الثمن.

____________

[1] الكافي 5- 127، التهذيب 6- 367، الوسائل 12- 83 و في الأخير: محمد بن الحسن عن احمد بن أبي عبد اللّٰه عن محمد بن على عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم ابن الوليد عن الوليد العماري قال: سألت .. و ليس «الوليد العماري» في التهذيب.

____________

(1) الكافي 5- 126.

8

و لا يباع و لا يستصبح بما يذاب من شحوم الميتة و ألبانها.

[الثاني الآلات المحرمة]

(الثاني) الآلات المحرمة كالعود و الطبل و الزمر و هياكل العبادة المبتدعة، كالصنم و الصليب، و آلات القمار، كالنرد و الشطرنج.

[الثالث ما يقصد به المساعدة على المحرم]

(الثالث) ما يقصد به المساعدة على المحرم كبيع السلاح لأعداء الدين في حال الحرب، و قيل مطلقا، (1)

____________

و إذا عرف المشتري ذلك فيما بعد كان له الفسخ مع عدم التصرف، و مع التصرف يكون له الأرش.

بقي هنا سؤال، و هو أن دخان الأعيان النجسة عندنا طاهر فأي فائدة لاشتراط تحت السماء؟ جواب ذلك تعبد شرعي لا غير.

قوله: كبيع السلاح لأعداء الدين في حال الحرب و قيل مطلقا

(1) الأول قول ابن إدريس، و اختاره العلامة، لرواية أبي بكر الحضرمي عن الصادق (عليه السلام) و قد سأله حكم السراج عما يحمل الى الشام من السروج و آلاتها. فقال: لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، انكم في هدنة فإذا كانت المبائنة حرم عليكم أن تحملوا السلاح إليهم (1).

و مثله في رواية هند السراج عن الباقر (عليه السلام) التي يقول فيها: احمل إليهم، فإن اللّٰه يدفع بهم عدونا و عدوكم- يعني الروم- فإذا كان الحرب بيننا فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك (2).

____________

(1) التهذيب 6- 354، الكافي 5- 112، الإستبصار 3- 57، الوسائل 12- 69.

(2) التهذيب 6- 354، الكافي 5- 112، الإستبصار 3- 57، الوسائل 12- 69.

9

و اجارة المساكن و الحمولات للمحرمات، و بيع العنب ليعمل خمرا، و الخشب ليعمل صنما، و يكره بيعه ممن يعمله.

[الرابع ما لا ينتفع به كالمسوخ]

(الرابع) ما لا ينتفع به (1) كالمسوخ، برية كانت كالدب و القرد أو بحرية كالجري و السلاحف و كذا الضفادع و الطافي.

____________

و قال الشيخان و التقي و سلار بالثاني، و حمل الشيخ الرواية الأولى على ما إذا علمنا أنهم يستعملونها في قتال الكفار كما دلت عليه الرواية الثانية.

و فيه نظر، لان القيد غير مذكور في الاولى و الثانية دلت على الجواز عند القيد و لم تدل على التحريم عند عدمه الا بدليل الخطاب، و هو ضعيف.

فوائد: (الأولى) أعداء الدين أعم من أن يكونوا مشركين أو بغاة، بل أعم من ذلك فلو باعه على قطاع الطريق و شبههم حرم أيضا، لأن العلة قصد الإعانة على الحرام و هو موجود.

(الثانية) لا بد في التحريم من قصد المساعدة، فلو لم يكن ثم قصد كان مكروها. و كذا الكلام في بيع العنب ليعمل خمرا و الخشب ليعمل صنما و آلة لهو أو غير ذلك مما يقصد به الحرام.

و يكره الا مع القصد إذا كان المشتري ممن يظن استعماله في الحرام.

(الثالثة) لو باع الأشياء المذكورة مع القصد قد قلنا بالتحريم و ثبوت الإثم لكن هل يكون العقد صحيحا و يملك البائع الثمن أم لا؟ فيه نظر، الأصح صحة العقد و تملك الثمن و ثبوت الإثم.

قوله: ما لا ينتفع به

(1) كل واحد من الأعيان المبيعة لا يخلو اما أن لا يكون فيه نفع بوجه ما من

10

و لا بأس بسباع الطير و الهر و الفهد.

و في بقية السباع قولان، أشبههما الجواز. (1)

____________

الوجوه أو يكون، فان كان الأول فلا يجوز بيعه كالخنافس و الديدان، و ان كان الثاني فاما أن يكون كل منافعه محللة أو كل منافعه محرمة أو يكون بعضها محللا و البعض الآخر محرما.

فالأول يجوز بيعه إجماعا، و الثاني لا يجوز إجماعا و ألحق بمعدوم المنافع و الثالث اما أن يعلم أن المقصود منه في نظر عقل المعاش و المعاوضة هو المنافع المحللة فيجوز [تبعا] كالعنب أو المحارم المحرمة فلا يجوز كالخمر لا للاستخلال و ان لم يعلم شيء من ذلك أشكل الأمر و توقف الفقيه حتى يظهر له وجه يعمل عليه.

قوله: و لا بأس بسباع الطير و الهر و الفهد، و في بقية السباع قولان أشبههما الجواز.

(1) يريد بباقي السباع ما عدا الثلاثة المذكورة، فقال المفيد و الشيخ في النهاية و سلار و ابن الجنيد بالتحريم، اما لتحريم اللحم أو عدم الانتفاع أو النجاسة.

و الكل ضعيف.

و قال الشيخ في المبسوط بالجواز بشرط الطهارة حال الحياة و إمكان الانتفاع و تابعه ابن إدريس و المصنف و العلامة. و هو الحق، لعموم «و أحل اللّٰه البيع» و لوجود المقتضي و هو الطهارة و الانتفاع لانه الغرض، و انتفاء المانع فإنه ليس إلا النجاسة أو عدم الانتفاع و الفرض خلاف ذلك، فانا إنما جوزنا بيعها على تقدير الانتفاع بشيء من أعضائها جلدها أو عظمها أو شحمها المداواة بعض الأمراض.

11

[الخامس الاعمال المحرمة]

(الخامس) الاعمال المحرمة، كعمل الصور المجسمة، (1) و الغناء عدا المغنية لزف العرائس، (2) إذا لم تغن بالباطل و لم تدخل عليها الرجال، و النوح بالباطل. أما بالحق فجائز.

____________

قوله: كعمل الصور المجسمة

(1) تحريمه بشرطين: أحدهما أن يكون مجسما، فلو كان غير مجسم كالمنقوش على الجدار و البساط فلا بأس، و ثانيهما أن يكون صورة لذي روح- أي لحيوان من الحيوانات- فلو كان صورة نخلة أو شجرة لم يحرم. هذا قول الشيخين و رأي المتأخرين.

و طرد القاضي التحريم في غير المجسم، و التقي حرم التماثيل و أطلق، و روى أبو بصير عن الصادق (عليه السلام): لا بأس بما يبسط منها و يفترش و يوطأ إنما يكره منها ما نصب منها على الحائط و السرير (1) و سأله عن الوسائد فيها التماثيل فقال: ألق عليها شيئا إذا صليت (2).

قوله: عدا المغنية لزف العرائس- إلخ

(2) المراد بالغناء ما سمي في العرف غناء، و قيل هو مد الصوت المشتمل على الترجيع مع الاطراب. و الأول أولى.

و أما استثناء المغنية للعرس فهو مذهب الشيخين، و كرهه القاضي و حرمه ابن إدريس و العلامة في تذكرته، لعموم النهي عن الغناء.

قال الشهيد: الإباحة أصح طريقا و أخص دلالة، و هي رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (3).

____________

(1) التهذيب 6- 381، الوسائل 12- 220.

(2) راجع الوسائل 3- 317 الباب 45 من أبواب لباس المصلى.

(3) التهذيب 6- 357، الكافي 5- 120، الإستبصار 3- 62، الوسائل 2- 84.

12

و هجاء المؤمنين، و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض، (1) و تعلم السحر و الكهانة و القيافة و الشعبذة و القمار (2) و الغش بما يخفى، و تدليس الماشطة، و لا بأس بكسبها مع عدمه.

____________

و الأحوط قول ابن إدريس، و لو قلنا بقول الشيخين فهو مشروط بالشرطين المذكورين.

قوله: و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض

(1) كتب الضلال أعم من أن يكون من الملل المنسوخة و المحرفة كالتوراة و الإنجيل أو من النحل المتقدمة على هذه الملة الشريفة كمذاهب الحكماء و غيرهم، أو من البدع في هذه الملة ككتب أهل الخلاف. فإن كتابة ذلك كله و حفظه و اعتقاده محرمة. اللهم الا لقصد النقض و المعارضة أو للاحتجاج به على الخصم أو للتقية ليكون مستحضرا مذاهب أهل الخلاف في كيفية تعبداتهم.

قوله: و تعلم السحر و الكهانة و القيافة و الشعبذة و القمار

(2) أما السحر فهو كلام يتكلم به الساحر أو يكتبه أو رقية أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة.

و عرفه بعضهم بأنه علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب خفية. و قد يوجه على وجه يدخل فيه علم الطلسمات و النيرنجيات و غيرها، و ذلك بأن يقال: هو استحداث الخوارق اما بمجرد التأثيرات النفسانية و هو السحر، أو بالاستعانة بالفلكيات فقط و هو دعوة الكواكب، أو على سبيل تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية و هو الطلسمات، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة و هو العزائم. و الكل حرام في شريعة الإسلام و مستحله كافر.

13

..........

____________

و أما الكهانة فالمشهور أن الكاهن هو الذي له رئي [1]- أي صاحب من الجن- يأتيه بالأخبار بالمغيبات، كما كان لعمرو بن لحي [2] رئي من الجن، و هو أول من بحر البحائر و سيب السوائب و غير دين إسماعيل (عليه السلام).

و عند الحكماء ان من النفوس ما يقوى على الاطلاع على ما سيكون من الأمور، فإن كانت خيرة فاضلة فتلك نفوس الأنبياء و الأولياء، و ان كانت شريرة فهي نفوس الكهنة.

و أما القيافة فهي التفرس لإلحاق الأبناء بالإباء بسبب اتفاقهم في صفة من الصفات، و هو حرام عندنا. و قال بعض أهل السنة بجوازه، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) سئل عن شخص ابن من هو؟ فقال: ابن فلان. قالوا لقائف كان في ذلك الزمان، فقال كما قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، فجاءوا اليه و قالوا له ذلك، ففرح النبي (ص) فقالوا: لو كان حراما لما أعجبه. قلنا: جاز أن يكون فرحه من حيث ظهور صدقه لا من جهة القائف.

و بالجملة القيافة حرام، سواء استعملت في إلحاق الأنساب أو قفو الآثار

____________

[1] الرئي: الجني يراه الإنسان. و قيل: جنى يتعرض للرجل يريد كهانة و طبا.

و هو فعيل أو فعول، سمى به لانه يتراءى لمتبوعه، أو هو من الرأي من قولهم «فلان رئي قومه» إذا كان صاحب رأيهم.

[1] في بعض النسخ «عمر بن يحيى» في اللسان: أول من بحر البحائر و حمى الحامي و غير دين إسماعيل عمرو بن لحي بن قمعة بن جندب. و البحر: الشق. و البحيرة، الشاة إذا ولدت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوها و تركت فلا يمسها أحد.

و قال الفراء: البحيرة هي ابنة السائبة، و قيل السائبة هي الناقة التي ولدت عشرة أبطن و كلهن إناث سيبت فلم تركب و لم يشرب لبنها الا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال و النساء جميعا و بحرت اذن بنتها الأخيرة فتسمى البحيرة، و هي بمنزلة أمها في أنها سائبة.

14

و تزيين الرجل بما يحرم عليه، (1)

____________

و غير ذلك، و كل ما يتكسب منها حرام أيضا. و أما الشعبذة فهي حركات سريعة جدا بحيث يخفى على الحس الفرق بين الشيء و شبهه لسرعة الانتقال من الشيء الى شبهه، و كذا يحرم صناعة السيمياء [1]، و ظاهرها تصرف في الخيال، و كذلك زغل الكيمياء [2]، و أما صنعتها على وجه يسلب الأجساد خواصها و يفيدها خاصة أخرى حقيقية فغير مستبعد وقوعه و جوازه عقلا و شرعا. و اللّٰه أعلم.

و أما القمار فهو اللعب بالنرد و الشطرنج و الأربعة عشر، و هي المسمى بالبقيري [3] و البقارة حتى لعب الصبيان بالجوز و البيض و الخاتم و الخطة، و كل ما يؤخذ بسبب ذلك حرام.

قوله: و تزيين الرجل بما يحرم عليه

(1) ذلك كالحرير المحض و الذهب كثيره و قليله حتى جزء لا يتجزى، و كذا

____________

[1] قد يطلق هذا الاسم على ما هو غير الحقيقي من السحر و هو المشهور، و حاصله احداث مثالات خيالية في الجو لا وجود لها في الحس. و قد يطلق على إيجاد صورها في الحس، فحينئذ يظهر بعض الصور في جوهر الهواء فتزول سريعة لسرعة تغير جوهر الهواء، و لا مجال لحفظ ما يقبل من الصورة في زمان طويل لرطوبته، فيكون سريع القبول و سريع الزوال.

و اما كيفية احداث تلك الصور و عللها فأمر خفي لا اطلاع عليه الا لأهله. قيل: هو لفظ عبراني معرب أصله «سيم يه» اى اسم اللّٰه.

[2] و هو علم يعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية و جلب خاصة جديدة إليها. قال الصفدي في شرح لامية العجم: و هذه اللفظة معربة من اللفظ العبراني و أصله «كيم يه» معناه انه من اللّٰه.

[3] البقيرى بضم الباء و فتح القاف و الراء و سكون الياء: لعبة الصبيان، و هي كومة من تراب و حولها خطوط، يأتون إلى موضع قد خبئ لهم فيه شيء فيضربون بأيديهم بلا حفر يطلبونه.

15

و زخرفة المساجد و المصاحف، و معونة الظالم، و أجرة الزانية.

[السادس الأجرة على القدر الواجب]

(السادس) الأجرة على القدر الواجب (1) من تغسيل الأموات و تكفينهم و حملهم و دفنهم، و الرشا في الحكم، و الأجرة على الصلاة بالناس، و القضاء.

و لا بأس بالرزق من بيت المال، و كذا على الأذان. (2)

و لا بأس بالأجرة على عقد النكاح. (3)

[و المكروه]

و المكروه (4): اما لإفضائه إلى المحرم غالبا كالصرف و بيع

____________

تزيين المرأة بما يحرم عليها كاتخاذ المنطقة و السيف لها. و لا أدري لم أهمل المصنف ذلك؟.

قوله: و الأجرة على القدر الواجب

(1) احتراز من القدر المندوب من هذه الأشياء، فإنه يجوز أخذ الأجرة عليه كما لو استؤجر في الغسل على الغسلات المندوبة و في الدفن على تعميق القبر زائدا على الواجب و في الحمل إلى أبعد من ظاهر يمكن فيه الدفن. أما ثمن الكفن و الكافور و الماء فليس بحرام.

قوله: و كذا على الأذان

(2) عطف القضاء في تحريم الأجرة على فعله و جواز الرزق من بيت المال.

قوله: و لا بأس بالأجرة على عقد النكاح

(3) و كذا غيره من العقود، بأن يكون العاقد وكيلا عن أحد المتعاقدين.

أما تعليم الصيغة و إلقاؤها على المتعاقدين فلا يجوز أخذ الأجرة عليه. نعم يجوز أخذ الأجرة على الخطبة و الخطبة في الاملاك.

قوله: و المكروه- إلخ

(4) الصنائع الدنية انما تكون مكروهة إذا لم يقصد بها الوجوب أو الندب،

16

الأكفان، و الطعام، و الرقيق، و الصباغة، و الذباحة، و بيع ما يكن من السلاح لأهل الكفر، كالخفين و الدرع.

و اما لضيعته كالحياكة و الحجامة إذا شرط الأجرة، و ضراب الفحل.

و لا بأس بالختانة و خفض الجواري.

و اما لتطرق الشبهة، ككسب الصبيان (1) و من لا يجتنب المحارم.

و من المكروه الأجرة على تعليم القرآن و نسخه، (2) و كسب القابلة مع الشرط و لا بأس به لو تجرد.

____________

كتحصيل القوت أو التوسعة على العيال، فان ذلك يخرجها عن الكراهة. نعم إذا اضطر الى تحصيل القوت أو التوسعة و تعارض صنعتان إحداهما من المكروهات و الأخرى ليست منها كره له اختيار الاولى، و أما إذا لم يحصل إلا الأولى فإن الكراهة تزول حينئذ.

قوله: ككسب الصبيان- إلخ

(1) فإن الصبي إذا عرف رفع القلم عنه جاز أن يجترئ على ما ليس له فيأخذه فتدخل الشبهة على كسبه من هذه الجهة. نعم لا يجوز الشراء منه للحجر عليه، بل الكراهة مع الشراء من وليه.

قوله: و من المكروه الأجرة على تعليم القرآن و نسخه

(2) إنما قال «و من المكروه» و لم يعطفه على ما تقدم لان هذين ليسا داخلين في الأقسام الثلاثة المتقدمة بل هما مكروهان برأسهما، و انما كره أخذ الأجرة عليهما

17

..........

____________

لأنهما عبادة فلا ينبغي أن يؤخذ عليها نفع دنيوي بل يوقع على سبيل الإخلاص للّٰه تعالى.

و اعلم أن ما ذكرناه من الكراهة قول الشيخ في النهاية و القاضي و ابن إدريس، لأنه يجوز أن يجعل القرآن مهرا إجماعا فيجوز أخذ الأجرة عليه.

و يؤيده ما رواه الفضل بن أبي قرة قال: قلت للصادق (عليه السلام): ان هؤلاء يقولون ان كسب المعلم سحت. فقال: كذبوا أعداء اللّٰه، أرادوا أن لا يعلموا القرآن، و لو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده لكان للمعلم مباحا (1).

و قال الشيخ في الاستبصار: يحرم مع الشرط و يكره بدونه. و أطلق التقي تحريم الأجر على تلقين القرآن و تعليم المعارف و الشرائع و كيفية العبادات و الفتوى، محتجا برواية زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم صلوات اللّٰه و سلامه) أنه أتاه رجل فقال: إني أحبك في اللّٰه. فقال: و لكني أبغضك للّٰه.

فقال: و لم؟ قال: لأنك تبغي على الأذان و على تعليم القرآن أجرا (2). و حمل الشيخ النهي على الشرط كما قلناه عنه.

و الحق التفصيل، و هو أن تعلم القرآن منه واجب و منه مندوب، و الواجب منه ما هو واجب على الأعيان (3) عينا و هو فاتحة الكتاب، و منه واجب على الأعيان تخييرا و هو سورة تصح بها الصلاة و ما يدل على التوحيد، و منه واجب على الكفاية على عدد كثير لا يجزي أقل منه و هو القرآن كله حفظا للمعجز تواترا، و منه واجب على الكفاية على كل واحد و هو القرآن أيضا بعد حفظ المعجزة كيلا يقل ذلك العدد، و منه واجب على الكفاية عينيا و هو ما يتعلق بالاجتهاد في الأحكام الشرعية، و منه واجب على الكفاية تخييرا و هو ما إذا اتفق آيتان في الدلالة

____________

(1) الكافي 5- 121، التهذيب 6- 364، الإستبصار 3- 65، الوسائل 12- 112.

(2) التهذيب 6- 376، الإستبصار 3- 65.

(3) في بعض النسخ: ما هو واجب عينيا.

18

و لا بأس بأجرة تعليم الحكم و الآداب.

و قد يكره الاكتساب بأشياء أخر تأتى ان شاء اللّٰه تعالى.

[مسائل ست]

مسائل ست:

[الاولى لا يؤخذ ما ينثر في الأعراس]

الاولى: لا يؤخذ ما ينثر في الأعراس إلا ما يعلم معه الإباحة.

[الثانية لا بأس ببيع عظام الفيل]

الثانية: لا بأس ببيع عظام الفيل و اتخاذ الأمشاط منها.

[الثالثة يجوز أن يشترى من السلطان ما يأخذه باسم المقاسمة]

الثالثة: يجوز أن يشترى من السلطان ما يأخذه باسم المقاسمة و اسم الزكاة من ثمرة و حبوب و نعم. و ان لم يكن مستحقا له. (1)

____________

على حكم شرعي. و المندوب ما عدا ذلك.

إذا عرفت هذا فالمعلم للقرآن ان كان معلما لشيء من الأقسام الواجبة عينيا فاما مع تعيين التعليم عليه بأن لا يوجد غيره ممن يقوم بذلك، فهذا لا يجوز له أخذ الأجرة على ذلك التعليم، لأنه مؤد لفرض عليه، و ان لم يكن جاز لكن على كراهية، و عليه يحمل ما ورد من النهي، أي على الواجب.

قوله: يجوز أن يشترى من السلطان ما يأخذه باسم المقاسمة و اسم الزكاة من ثمرة و حبوب و نعم و ان لم يكن مستحقا له

(1) أفعال سلطان الجور كلها عندنا فاسدة و لا يجوز اتباعها إلا في صورتين:

إحداهما المقاسمة، و ثانيتهما الزكاة.

أما المقاسمة فهو أن يأخذ من الغلات باسم المقاسمة عن الأرض و من الأموال باسم الخراج عن حق الأرض، و أما الزكاة فهو أن يأخذ من الانعام و الغلات و الذهب و الفضة باسم الزكاة. فقولنا باسم المقاسمة و اسم الخراج و اسم الزكاة معناه أن يأخذ ما لو كان الامام العادل ظاهرا لأخذه من غير زيادة،

19

..........

____________

أما الزكاة فهي أمور مضبوطة في كتب الفقه.

و أما المقاسمة و الخراج فان علم لها تقدير في نظر الشرع و كتب الفقه فذلك هو المباح، و الا فما يتراضى عليه السلطان في ذلك الزمان و ملاك الأرضين، فلو أخذ الجائر زيادة عن ذلك كله حرم ذلك الزائد بعينه ان تميز و الإحرام الكل.

و انما قلنا بجواز الشراء من الجائر مع كونه غير مستحق للنص الوارد عنهم (عليهم السلام) بذلك و الإجماع و ان لم يعلم مستنده، و يمكن أن يكون مستنده أن ما يأخذ الجائر حق لأئمة العدل و قد أذنوا لشيعتهم في شراء ذلك، فيكون تصرف الجائر كتصرف الفضولي إذا انضم إليه اذن المالك.

فوائد:

(الاولى) لا فرق في جواز الشراء بين قبض الجائر لها أو وكيله أو عدم القبض فلو أحاله بها و قبل الثلاثة أو وكله في قبضها أو باعها و هي في يد المالك أو في ذمته جاز التناول، لان دليل الإباحة شامل لهذه الصور كلها.

(الثانية) لا يجب رد المقاسمة و شبهها على المالك، بل يحرم عليه منعها إذا انتقلت الى الغير، و لا يمنع تظلم المالك من الشراء.

(الثالثة) كما يجوز الشراء يجوز بسائر المعاوضات و الهبة و الصدقة و الوقف مع صدور ذلك كله من الجائر، و لا يجوز التناول بغير ذلك.

(الرابعة) جوائز الظالم و العامل من قبله يجوز قبولها و التصرف فيها الا أن يعلم الظلم بعينه فلا يجوز أخذه. قال ابن إدريس: و ينبغي إخراج خمسها و الصدقة على إخوانه منها. و الظاهر أن مراده الاستحباب في الصدقة.

(الخامسة) ترك أخذ الجائزة من الظالم أفضل، و كذا لو ترك معاملته أيضا و لا يكون ما بيده من الأموال محرما بمجرد ظلمه، لجواز أن يتملك شيئا لا على

20

[الرابعة لو دفع اليه مالا ليصرفه في المحاويج]

الرابعة: لو دفع اليه ما لا ليصرفه في المحاويج و كان منهم فلا يأخذ منه الا باذنه على الأصح. (1)

____________

جهة الظلم، فلا يحرم حينئذ معاملته لقول الصادق (عليه السلام): كل شيء فيه حلال و حرام فهو حلال حتى تعرف الحرام بعينه (1). نعم يكره ذلك مع الاختيار، أما حال الضرورة فجائز.

و لا يعارض الأول أخذ الحسنين (عليهما السلام) جوائز معاوية لعنه اللّٰه، لان ذلك حقهم بالأصالة.

قوله: لو دفع اليه ما لا ليصرفه في المحاويج و كان منهم فلا يأخذ منه الا باذنه على الأصح

(1) للشيخ هنا قولان و لابن إدريس قولان و للمصنف قولان:

أما الشيخ فأجاز في النهاية و منع في المبسوط، و أما ابن إدريس فأجاز في باب المكاسب و منع في باب الزكاة، و أما المصنف فمنع هنا و أجاز في الشرائع.

دليل المنع رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن رجل أعطاه رجلا ما لا ليقسمه في محاويج أو مساكين و هو محتاج أ يأخذ منه لنفسه و لا يعلمه؟

قال: لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبها [2]. و حمل الشيخ ذلك على الكراهية لدليل الإباحة، و هو أصالة الجواز للعلة المذكورة في العبارة، و هو كونه للفقراء و لرواية أخرى صحيحة.

____________

[2] الكافي 3- 555، التهذيب 4- 104، الوسائل 6- 200، و الحديث هكذا:

قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يعطى الرجل الدراهم يقسمها و يضعها في مواضعها و هو ممن تحل له الصدقة. قال: لا بأس ان يأخذ لنفسه كما يعطى غيره. قال: و لا يجوز له ان يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسماة إلا باذنه.

____________

(1) التهذيب 7- 226، 9- 79، الفقيه 3- 216، البحار 2- 282، الوسائل 16- 495

21

و لو أعطى عياله جاز إذا كانوا بالصفة، و لو عين له لم يتجاوز.

[الخامسة جوائز الظالم]

الخامسة: جوائز الظالم محرمة ان علمت بعينها، و الا فهي حلال.

[السادسة الولاية من العادل جائزة]

السادسة: الولاية من العادل جائزة، و ربما وجبت، و عن الجائر محرمة إلا مع الخوف.

نعم لو تيقن التخلص من المآثم و التمكن من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر استحبت.

و لو أكره لا مع ذلك أجاب دفعا للضرر، و ينفذ أمره و لو كان محرما، إلا في قتل المسلم.

____________

و لبعض الفضلاء هنا تفصيل، و هو أنه إذا أعطاه و قال هو للفقراء مثلا و كان الأخذ فقيرا جاز له أن يأخذ منه، و ان قال أعطه للفقراء: فلا يخلو اما أن يعلم المعطي فقر الأخذ أو لا، فان كان الأول لم يجز له أن يأخذ منه، لان المالك لو أراد ذلك لخصصه بالذكر، و ان كان الثاني جاز له أن يأخذ على كراهية، بشرط أن لا يتخصص بزيادة في الكمية أو الوصف.

و فيه نظر، لان قوله «لان المالك لو أراد ذلك لخصصه بالذكر» ممنوع لجواز أن يريده و لا يخصصه بالذكر، لجواز أن يعلم منه ترفعا عن القبول فلا يخاطبه بالأخذ و يجعل قوله «أعطه للفقراء» قرينة على جواز أخذه منه بل على كونه كله له لا بدّ لدفع هذا الاحتمال من دليل.

و منهم من فصل غير ذلك فقال: إذا قال اصرفه في الفقراء أوضعه أو فرقه فيهم جاز أن يأخذ منه، و إذا قال ادفع هذا الى الفقراء لم يسغ له الأخذ. ففرق بين

22

[الفصل الثاني في البيع و آدابه]

الفصل الثاني (في البيع و آدابه)

[أما البيع]

أما البيع- فهو الإيجاب و القبول اللذان تنتقل بهما العين المملوكة من مالك الى غيره بعوض مقدر، (1) و له شروط:

الأول: يشترط في المتعاقدين كمال العقل و الاختيار، و أن يكون البائع مالكا أو وليا كالأب و الجد للأب و الحاكم و أمينه و الوصي، أو وكيلا.

____________

«الى الفقراء» و «في الفقراء» فبفي يكون منهم و بالي لا يكون. قال: و ذلك معلوم بدليل المفهوم.

و فيه أيضا نظر، لان الفهم السليم لا يكاد يفرق بين العبارتين بدخوله في إحداهما و خروجه عن الأخرى، خصوصا على الفتوى، لجواز تولي طرفي القبض. و الأحوط عدم جواز أخذه منه شيثا الا مع قرينة حالية أو مقالية تبيح ذلك.

قوله: اما البيع فهو الإيجاب و القبول اللذان ينتقل بهما العين المملوكة من مالك الى غيره بعوض مقدر

(1) للأصحاب في تعريف البيع عبارات لا تخلو من نظر:

(الأول) قول الشيخ في المبسوط انه انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي.

23

..........

____________

و فيه نظر، لان الانتقال ثمرة البيع لا نفسه، و ذلك لان البيع عقد لفظي لا انتقال معنوي. و تابع ابن إدريس الشيخ في هذا التعريف.

(الثاني) قول ابن حمزة أنه عقد يدل على انتقال عين أو ما هو في حكمها من شخص الى غيره بعوض مقدر على جهة التراضي.

و فيه أيضا نظر، لانتقاضه بالهبة المعوضة.

(الثالث) قول المصنف في الشرائع [1] أنه اللفظ الدال على نقل الملك بعوض معلوم.

و فيه نظر من وجوه:

الأول: ان قولك «بعت» أو «اشتريت» اخبار لا إنشاء يدخل في الحد دون المحدود.

الثاني: انه غير مانع لدخول الإجارة، لأنه أيضا لفظ دال على نقل الملك بعوض، فان الملك أعم من أن يكون عينا أو منفعة.

الثالث: ان العلم بقدر العوض شرط للبيع، و شرط الشيء غير داخل في حقيقته بل خارج، فلا يكون له دخل في معرفة ماهية البيع.

و ان سلمنا ذلك لكن العين أيضا يشترط فيها المعلومية و كان ينبغي ذكر معلوميتها بل ذكر باقي شرائط البيع من كمال المتعاقدين و غير ذلك و الا لزم التخصيص من غير مخصص.

(الرابع) قول المصنف هنا و قد تقدم، فالإيجاب و القبول جنس للعقود كلها و هو جنس قريب أحسن من قوله في الشرائع أنه اللفظ لانه جنس بعيد.

و قوله «ينتقل بهما العين» فصل يخرج به الإجارة، فإن عقدها إيجاب و قبول

____________

[1] الشرائع 1- 94 قال فيه: هو اللفظ الدال على نقل الملك من مالك الى آخر بعوض معلوم.

24

..........

____________

ينتقل بهما المنفعة لا العين.

و قوله «بعوض مقدر» يخرج به الهبة، فإنها إيجاب و قبول ينتقل بهما العين و لكن لا بعوض.

و فيه نظر، لانه غير جامع لخروج بيع الوكيل و الولي فإنهما غير مالكين و لو قال من مالك أو حكمه لدخل أمثال ذلك. فالأولى أن يقال انه الإيجاب و القبول الصادران من كامل الدالان على نقل العين المعلومة بعوض معلوم على جهة التراضي، و أردنا بالكامل الجنس الشامل للواحد و أكثر ليدخل فيه من يتولى طرفي العقد. و لا يرد البيع الضمني كقولك «أعتق عبدك عني و علي دينار» فيقول «عبدي حر» لانه بيع مجازا لا حقيقة. و كذا بيع الحاكم عن المماطل و المفلس فإنه لإرضاء فيه لان رضا الحاكم قائم مقامه.

و هنا فوائد:

(الأولى) يشترط الإتيان بهما لفظا بصيغة الماضي لأنه إنشاء و الماضي أقرب شبها به، فيقول البائع «بعت» أو «شريت» أو «ملكت»، و يقول المشتري «قبلت» أو «ابتعت» أو «اشتريت» أو «شريت» أو «تملكت». و لا ينعقدان بلفظ الأمر و لا المستقبل لما قلناه.

(الثانية) قيل لا يشترط فيهما الترتيب، و هو قول القاضي، و اختاره الشهيد كما في النكاح و عصمة الفرج أقوى من عصمة المال فيجوز هنا بطريق أولى.

و الاولى خلافه، لأصالة بقاء الملك و لم يثبت بدليل زواله مع تقدم القبول مع الإجماع على حصوله مع تأخره، فيكون أولى. و فرق بينه و بين النكاح، فان حياء المرأة يمنع من تقدم قبولها.

(الثانية) يشترط فيهما التطابق زمانا و معنى: أما الأول فان لا يتأخر القبول بحيث لا يعد جوابا، و لا يضر تخلل آن و تنفس أو سعال، و أما الثاني فاتفاق مدلولهما

25

و لو باع الفضولي فقولان، أشبههما وقوفه على الإجازة. (1)

و لو باع ما لا يملكه مالك كالحر، و فضلات الإنسان، و الخنافس و الديدان لم ينعقد.

و لو جمع بين ما لا يملك و ما لا يملك في عقد واحد كعبده و عبد غيره صح في عبده، و وقف الآخر على الإجازة.

____________

فلو قال «بعتك بألف» فقال «اشتريت بخمسمائة» أو نصفه بها أو بخمسمائة لم يصح، و كذا لو قال «بعتكما العبدين بألف» فقبل واحد أحدهما بخمسمائة، لأن الإيجاب لم يقع للقابل الأعلى نصف العبد قضية للإشاعة.

(الرابعة) لا يكفي مجرد الرضا في حصول الملك بدونهما في الجليل و الحقير لحصر الشارع أسباب الملك في العقود، فالمعاطاة تفيد إباحة لا غير. نعم لو ذهبت احدى العينين أو انتقلت عنه ملكت الأخرى.

قوله: و لو باع الفضولي فقولان أشبههما وقوفه على الإجازة

(1) هذا قول الشيخين و ابن الجنيد و ابن حمزة لرواية عروة البارقي ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أعطاه دينارا يشتري به شاة فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق. قال: فأتيت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بالدينار و الشاة فأخبرته، فقال: بارك اللّٰه في صفقة يمينك (1) و لأن المقتضي لصحة البيع وقوعه عن أهله في محله و قد حصل، و المعارض ليس الا عدم الاذن و قد انتفى لأن الاذن قد حصل بعد البيع. و اشتراط كونه قبل البيع ممنوع.

و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف و اختاره ابن إدريس و شيخنا السعيد يبطل ان لم يحصل اذن سابق، لرواية حكيم بن حزام عن النبي صلى اللّٰه عليه

____________

(1) المستدرك للنوري 2- 462، سنن الترمذي 3- 559.

26

..........

____________

و آله و سلم أنه نهى عن بيع ما ليس عنده (1).

و لما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أنه قال: لا طلاق إلا فيما تملك و لا عتق الا فيما تملك و لا بيع الا فيما تملك (2).

و الجواب عن الأول أن النهي في المعاملات لا يستلزم الفساد، و حينئذ يكون بيع الفضولي صحيحا و ان كان منهيا عنه كالبيع بعد النداء. أو يحمل على من باع سلعة غيره لنفسه لا للمالك ثم يمضي إلى المالك فيشتريها منه.

و عن الثاني أن النفي إذا دخل على حقيقة أريد به نفي صفة من صفاتها، فيكون المراد بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) «لا بيع الا فيما تملك» لا لزوم للبيع الا فيما تملك، و الا لزم بطلان بيع الوكيل و الولي و الوصي، فيكون المراد لا بيع إلا في ما هو ملك أو كالملك بسبب الاذن و قد حصل.

فروع: على القول بالصحة مع الإجازة:

(الأول) لا يشترط في الصحة حضور المجيز في الحال لخبر البارقي، فإنه أعلم النبي (ص) بعد وصوله اليه، و لا يشترط كون المجيز جائز التصرف حين العقد، فيصح إجازة الصبي و المجنون بعد الكمال، و كذا نقول فيمن باع ملك غيره ثم انتقل إليه فأجاز.

(الثاني) هل الإجازة جزء المملك أو كاشفة عن الملك حال العقد؟ الأصح الثاني و إلا لزم وقوع البيع بالكناية و يترتب النماء، فعلى الأول يكون للبائع و على الثاني يكون للمشتري، و هو الأصح.

____________

(1) أخرجه في أسد الغابة 2- 41، الوسائل 12- 266، سنن ابن ماجة 1- 737، الترمذي 3- 534.

(2) سنن أبي داود 2- 258، كنز العمال 9- 641.

27

أما لو باع العبد و الحر، أو الشاة و الخنزير صح فيما يملك و بطل في الأخر، و يقومان ثم يقوم أحدهما و يسقط من الثمن ما قابل الفاسد. (1)

____________

(الثالث) لا يشترط الفورية في الإجازة، لما قلنا في خبر البارقي فله الإجازة ما لم يرد أولا. و لا يكفي فيها السكوت و لو كان حاضرا، بل لا بدّ من لفظ يدل عليها، لأنها كالبيع في استقرار الملك.

(الرابع) لو قبض الفضولي الثمن قال الشيخ وقع للمالك عند الإجازة، و اشترط العلامة إجازة القبض. و هو حسن ان كان الثمن في الذمة، أما لو كان البيع بالعين الحاضرة فإجازة البيع اجازة القبض.

(الخامس) لا فرق بين كون الفضولي غاصبا أو غيره في توقف بيعه على الإجازة، فلو كان غاصبا و باع بالعين الحاضرة و قبض البائع فأجاز المالك صارت يده يد أمانة.

قوله: و يقومان ثم يقوم أحدهما و يسقط من الثمن ما قابل الفاسد

(1) بيان المسألة أن البائع باع الحر و العبد في صفقة واحدة مثلا بأربعين ثم علم المشتري أن أحدهما حر و بيعه فاسد و لم يفسخ البيع فكيف يسترد ما قابل الفاسد، فطريقه أن يقوما معا ثم يقوم كل واحد منهما على انفراده كما تقول قيمتهما معا خمسون ثم نقوم الحر بثلاثين و العبد بعشرين، فنسبة العشرين الى الخمسين فإنها خمسان، و نسبة الثلاثين فإنها ثلاثة أخماس، فعلم أن خمسي الثمن الذي وقع عليه العقد- و هو أربعون- في مقابلة العبد و هو ستة عشر، و ثلاثة أخماسه- و هو أربعة و عشرون- في مقابلة الحر.

و انما افتقرنا الى تقويمها مرة ثانية لأنه لو بني على التقويم الأول ثم قوم الحر على الانفراد أمكن ان يكون بالثمن كله، فلا يكون شيء في مقابلة العبد

28

الثاني: الكيل أو الوزن أو العدد.

فلو بيع ما يكال أو يوزن أو يعد لا كذلك بطل.

و لو تعسر الوزن أو العدد اعتبر مكيال واحد بحسابه.

و لا يكفي مشاهدة الصبرة و لا المكيال المجهول.

و يجوز ابتياع جزء مشاع بالنسبة من معلوم و ان اختلفت اجزاؤه. (1)

الثالث: لا تباع العين الحاضرة إلا مع المشاهدة أو الوصف.

و لو كان المراد طعمها أو ريحها فلا بد من اختبارها إذا لم يفسد به.

و لو بيع و لما يختبر فقولان، أشبههما: الجواز، (2) و له الخيار لو خرج معيبا، و يتعين الأرش بعد الاحداث فيه.

____________

و هو باطل. و كذا الكلام في عبده و عبد غيره.

قوله: و ان اختلفت اجزاؤه

(1) مختلف الاجزاء هو ما لا يساوي جزؤه كله في الحد و الاسم و متفقها ما يساوي جزؤه كله في الحد و الاسم. مثال الأول الثوب و العبد و الفرس، و مثال الثاني كالسمن و العسل و الفضة و الذهب.

قوله: و لو بيع و لما يختبر فقولان أشبههما الجواز

(2) ما يراد طعمه و ريحه و لم يكن اختباره مؤديا إلى إفساده هل يصح بيعه من غير اختبار و لا وصف بناء على أن الأصل الصحة أو لا؟ ذهب التقي و القاضي و سلار إلى أنه لا يصح، لانه مجهول فهو بيع غرر و قد نهى النبي (ص) عن بيع الغرر (1). و ذهب المصنف و العلامة و المتأخرون إلى الصحة، لأنه معلوم الوصف من

____________

(1) الترمذي 3- 532، ابن ماجة 2- 739، أبو داود 3- 254، الوسائل 12- 330

29

و لو أدى اختباره إلى إفساده كالجوز و البطيخ جاز شراؤه.

و يثبت الأرش لو خرج معيبا لا الرد، و يرجع بالثمن ان لم يكن لمكسوره قيمة.

و كذا يجوز بيع المسلك في فأره و ان لم يفتق.

____________

حيث الصورة النوعية لأنها علة في ترتب الآثار المختصة بذلك النوع، و العلم بالعلة- أي الطبيعة النوعية- يستلزم العلم بالمعلول و هو الصفة المقصودة من تلك الطبيعة، و الأصل عدم سبب خارجي مزيل لحكم الطبيعة، فلا غرر حينئذ فإن خرج معيبا تخير المشتري بين الرد و بين الإمساك مع الأرش.

قال الشيخان إذا بيع من غير اختبار كان غير صحيح و المتبايعان فيه بالخيار ان تراضيا لم يكن به بأس.

و في كلامهما نظر، لان عدم الصحة مع ثبوت الخيار مما لا يجتمعان، لانه لا خيار في البيع الفاسد إجماعا. و أيضا مع الصحة لا وجه لخيار البائع فيه.

قال بعض من تابع الشيخين في البطلان أنه قد روى الشيخ في التهذيب في باب الزيادات عن محمد بن العيص قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل يشتري ما يذاق أ يذوقه قبل أن يشتريه؟ قال: نعم فليذقه و لا يذوقن ما لا يشتري (1) ان الأمر بالذوق يقتضي البطلان مع عدمه.

و في قوله نظر، لأنا نمنع دلالتها على محل النزاع و هو البطلان مع عدم الذوق، و الأمر به لا يقتضي اشتراطه، لجواز أن يكون على سبيل الإرشاد إلى مصلحته و احتياطه في شرائه.

____________

(1) التهذيب 7- 230.

30

و لا يجوز بيع سمك الإجام لجهالته و لو ضم اليه القصب على الأصح، و كذا اللبن في الضرع و لو ضم اليه ما يحتلب منه، و كذا أصواف الغنم مع ما في بطونها، (1) و كذا كل واحد منها منفردا، (2) و كذا ما يلقح الفحل، و كذا ما يضرب الصياد بشبكته.

____________

قوله: و لا يجوز بيع سمك الإجام لجهالته و ان ضم اليه القصب على الأصح، و كذا اللبن في الضرع و لو ضم اليه ما يحلب (1) منه و كذا أصواف الغنم مع ما في بطونها

(1) قال الشيخ و القاضي و ابن حمزة ان المجهول إذا ضم الى معلوم كالأمثلة المذكورة يجوز بيعه، و مستندهم روايات بعضها مقطوعة و بعض عن سماعة و هو واقفي (2)، مع مخالفة الجميع للأصول، فلا اعتماد عليها. فلذلك قال «على الأصح»، و هذا مذهب ابن إدريس و العلامة و عليه الفتوى.

قوله: و كذا كل واحد منهما منفردا

(2) يريد به القصب وحده و السمك وحده و اللبن في الضرع وحده و ما حلب وحده و الأصواف على الظهور وحدها و ما في البطون وحده، لا يصح بيع شيء من ذلك للجهالة.

و في إطلاقه نظر، فان القصب مع مشاهدته و الصوف على الظهر مع مشاهدته يمنع عدم جواز بيعهما، و الا لما جاز بيع الثمرة عن الشجرة. و اللازم باطل إجماعا فكذا الملزوم، و الملازمة ظاهرة.

و هذا مذهب المفيد واحد قولي ابن إدريس و استحسنه المصنف في النكت و تابع المصنف هنا و في الشرائع الشيخ و اتباعه في عدم الجواز، و هو عجيب

____________

(1) في المختصر النافع ط بمصر «يحتلب».

(2) راجع الوسائل الأبواب: 10، 11، 12 من أبواب عقد البيع و شروطه.

31

الرابع: تقدير الثمن و جنسه.

فلو اشتراه بحكم أحدهما فالبيع باطل، (1) و يضمن المشتري تلف المبيع مع قبضه و نقصانه، و كذا في كل ابتياع فاسد. (2)

____________

من الشيخ مع تجويزه البيع مع الضميمة إلى السمك و ما في البطون.

قوله: فو اشتراه بحكم أحدهما فالبيع باطل

(1) شراؤه بحكم أحدهما هو تفويض تقدير الثمن إلى البائع خاصة أو المشتري خاصة بل و الى ثالث. و على التقادير يكون الثمن مجهولا حال العقد، فيدخل تحت الغرر، و قد تقدم أنه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) نهى عن الغرر (1).

و قال ابن الجنيد [2] لو قال بسعر ما بعت مع جهالة المشتري صح و يكون للمشتري الخيار، و في رواية رفاعة (3) جواز تحكيم المشتري فتلزمه القيمة.

و جوز المرتضى كون مال السلم مشاهدا و ان لم يكن معلوما، و جوز ابن الجنيد أيضا بيع الصبرة مع المشاهدة جزافا بثمن جزاف مع تغاير الجنس.

و مال في المبسوط إلى صحة بيع الجزاف، و في صحيحة الحلبي كراهة بيع الجزاف (4). و الفتوى على خلاف ذلك كله.

قوله: و يضمن المشتري تلف المبيع مع قبضه و نقصانه و كذا في كل ابتياع فاسد.

(2) لما بين فساد البيع مع جهالة الثمن أشار الى حكم المبيع الفاسد على

____________

[2] فإنه قال: لو وقع البيع على مقدار معلوم بينهما و الثمن مجهول لأحدهما جاز إذا لم يكن يواجبه كان للمشترى الخيار إذا علم و ذلك كقول الرجل: بعني كر طعام بسعر ما بعت، فأما إذا جهلا جميعا قدر الثمن وقت العقد لم يجز و كان البيع منفسخا.

____________

(1) راجع ص 28 من هذا الجزء.

(3) التهذيب 7- 69، الكافي 5- 209، الفقيه 3- 76، الوسائل 12- 271.

(4) التهذيب 7- 36، الكافي 5- 179.

32

و يرد عليه ما زاد بفعله كتعليم الصنعة و الصبغ على الأشبه، (1) و إذا أطلق النقد انصرف الى نقد البلد، و ان عين نقدا لزم.

____________

وجه كلي فقال: إذا تلف المبيع أو نقص بعد قبص المشتري له بالعقد الفاسد يكون مضمونا عليه.

و اختلف في قدر المضمون، فقال المفيد في المقنعة و الشيخ في النهاية قيمته يوم البيع الا أن يحكم على نفسه بالأكثر فيجب أو يكون البائع حاكما فيحكم بالأقل فيتبع. و اختاره الشاميان. و قال ابن إدريس عليه الأعلى من يوم القبض الى يوم التلف.

و الحق أنه ان كان مثليا ضمنه بمثله، و ان كان قيميا فبقيمته يوم تلفه، لان ذلك هو وقت تعلقه بذمته. و الأصل براءة الذمة من الزائد.

و ينبغي أن يقرأ قول المصنف «و نقصانه» بالنصب ليكون عطفا على تلف المبيع لا بالجر عطفا على قبضه، فإنه غلط.

هذا، و أما منافعه فهي مضمونة مع التفويت، خلافا لابن حمزة محتجا بأن الخراج بالضمان و نقض بالغاصب مع ضمانه قطعا، و أما مع الفوات فوجهان من أصالة البراءة و من أنها منافع عين مضمونة فتضمن.

قوله: و يرد عليه ما زاد بفعله كتعليم الصنعة و الصبغ على الأشبه

(1) هذا حكم آخر للمبيع الفاسد و هو متعلق بزيادته في يد المشتري.

و اختلف في تلك الزيادة مع حصولها بفعل المشتري و جهله بالفساد، فقال الشيخ في المبسوط لا ترد مطلقا بل يكون للبائع لأنها نماء ملكه، و قال في النهاية و المفيد في المقنعة يرد عليه مطلقا لأنها أثر فعله غير متبرع بها فيكون له.

و فصل ابن إدريس فقال: ان كانت الزيادة عينا كالصبغ رد عليه ان أمكن فصله، و الا كان شريكا بالنسبة من قيمته، و ان كانت صفة كتعليم الصنعة فلا يرد

33

و لو اختلفا في قدر الثمن فالقول قول البائع مع يمينه، ان كان المبيع قائما، و قول المشتري مع يمينه ان كان تالفا. (1)

____________

بل تكون تابعا للعين فتكون للبائع.

و الحق ما اختاره المصنف، و هو الرد عليه. و أما ما لا تكون بفعله فإنه للبائع و ان كان منفصلا، لانه نماء ملكه من غير مشاركة أحد فيكون له.

قوله: و لو اختلفا في قدر الثمن فالقول قول البائع مع يمينه ان كان المبيع قائما و قول المشتري مع يمينه ان كان تالفا

(1) للأصحاب هنا أقوال ثلاثة:

(الأول) ما ذكره المصنف من التفصيل، و هو قول الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف. و تبعه القاضي.

و مستنده رواية محمد بن احمد بن أبي نصر عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يبيع الشيء فيقول المشتري هو بكذا و كذا بأقل مما قال البائع؟ قال: القول قول البائع مع يمينه إذا كان الشيء قائما بعينه (1).

و هو يدل بالمفهوم على أن القول قول المشتري مع التلف.

و فيها نظر: أما أولا فلان دلالتها على قول المشتري بدليل الخطاب و ليس بحجة. و أما ثانيا فلمخالفتها الأصول المقررة، و هو كون البينة على المدعي و اليمين على من أنكر، و هنا قد حكم للبائع بقوله مع كونه مدعيا.

(الثاني) قول ابن الجنيد ان القول قول من كانت في يده، و نقل ابن إدريس عن التقي مثله و اختاره. و دليله أنه إذا كانت السلعة في يد البائع فالمشتري يدعي انتزاعها بذلك الثمن و البائع ينكر استحقاقه بذلك، فالقول قوله. و ان كانت

____________

(1) الكافي 5- 174، الوسائل 12- 383.

34

..........

____________

في يد المشتري فقد سلم له استحقاق السلعة و ادعى ثبوت زائد في ذمته و هو منكر له، فالقول قوله.

و فيه نظر، لان النزاع ليس في انتزاع العين، فإنه أمر متفق عليه بين المتبايعين أنه حق للمشتري، و انما النزاع في تقدير الثمن، فالبائع يدعي الزيادة و المشتري منكر، فالقول قوله مطلقا.

(الثالث) قول العلامة، و هو التحالف و بطلان البيع، و ذلك لان كلا منهما مدع و منكر، فإن البائع يدعي البيع بعشرين مثلا و المشتري ينكر ذلك، و المشتري يدعي الشراء بعشرة و البائع ينكر ذلك. أو نقول ان العقد بقيد كونه بعشرة غير بقيد كونه بعشرين، و كل منهما يدعي وقوع عقد و الآخر ينكره فيحلفان.

(الرابع) قول آخر للعلامة يشتمل على تفصيل، و هو أن الثمن: اما أن يكون معينا أو في الذمة، فإن كان الأول فاما أن يكون الأول و هو مدعي المشتري مغايرا لأجزاء الأكثر أولا، فإن كان مغايرا تحالفا و فسخ البيع للتداعي من الطرفين، و ان لم يكن مغايرا فالقول قول المشتري، و ان كان الثاني فالقول قول المشتري أيضا، و ذلك لكونه منكرا لما يدعيه البائع من الزيادة. و هو تفصيل حسن لا غبار عليه.

و هنا فروع:

(الأول) لو اختلفا في وصف الثمن فكذلك لا فرق بينهما و ينسحب الأقوال فيه.

(الثاني) لو اختلف الوارثان أو أحدهما مع وارث الآخر فالبحث كما هو بين المتبايعين.

(الثالث) لو اختلفا في تعيين الثمن على وجه يكون العقد صحيحا على قول واحد و فاسدا على قول الأخر- كما لو قال بعتك بعبد فقال الآخر بل بحر-

35

و يوضع لظروف السمن و التمر ما هو معتاد لا ما يزيد.

الخامس: القدرة على تسليمه.

فلو باع الآبق منفردا لم يصح، و يصح لو ضم إليه شيئا. (1)

____________

فالقول قول مدعي الصحة، أو قال بعتك بصبرة فقال بل بمكوك [1].

(الرابع) لو قال بعتك بمال في ذمتك فقال بل في ذمة زيد، فالقول قول البائع لأصالة ثبوت الثمن في ذمة المشتري. و يحتمل التحالف لتغاير الثمن بالمحل، و الأول أقوى.

قوله: فلو باع الآبق منفردا لم يصح و يصح لو ضم إليه شيئا

(1) بيع الآبق مع الضميمة يصح إجماعا، و لا معها فاما أن يقدر المشتري على تحصيله أولا، و الثاني لا يصح الا معها أيضا. و اختلف في الأول، و هو ما إذا قدر المشتري على تحصيله، فقال المرتضى يصح من غير ضميمة و اختاره العلامة و هو حسن لكونه عينا مملوكة معلومة يمكن قبضها فيصح بيعها لعموم «و أحل اللّٰه البيع».

و منع الشيخ من ذلك الا معها مستندا في الموضعين إلى رواية سماعة قال سألته عن رجل يشتري العبد و هو آبق من أهله. فقال: لا يصلح الا أن يشتري معه شيئا آخر، فيقول اشتري منك هذا الشيء و عبدك بكذا و كذا، فان لم يقدر

____________

[1] المكوك بفتح الميم و ضم الكاف المشددة: مكيال معروف لأهل العراق، و الجمع مكاكيك و مكاكى على البدل كراهية التضعيف. و هو صاع و نصف، و هو ثلاث كيلجات و الكيلجة منا و سبعة أثمان منا، و المن رطلان، و الرطل اثنتا عشرة أوقية، و الأوقية أستار و ثلثا أستار و الأستار أربعة مثاقيل و نصف، و المثقال درهم و ثلاثة أسباع درهم، و الدرهم ستة دوانيق و الدانق قيراطان، و القيراط طسوجان، و الطسوج حبتان، و الحبة سدس ثمن درهم و هو جزء من ثمانية و أربعين جزءا من درهم.

36

..........

____________

على العبد كان ثمنه الذي نقد في الشيء (1). و هذا أعم من أن يكون مقدورا على قبضه أولا.

و هذه الرواية و ان كانت ضعيفة، أما أولا فبسماعه، و أما ثانيا فلعدم تعيين المسئول فيها، و أما ثالثا فلكونها مخالفة للنظر من حيث أن جواز هذه المسألة مع كون الثمن في مقابلة الضميمة و منع بيع المجهول منضما الى معلوم و لا يكون الثمن في مقابلة المعلوم مما لا يجتمان، و ذلك لان الجهل ببعض المبيع كما يستلزم الجهل بكله كذلك تعذر التسليم في بعض المبيع يستلزم تعذر تسليم كله من حيث الكل، لكنها مؤيدة بالعمل من الأصحاب حتى أنه إجماع منهم.

فوائد:

(الاولى) لا خيار للمشتري مع العلم بإباقه، أما مع عدم علمه فله الخيار.

و لا يكون الثمن في مقابلة الضميمة حينئذ.

(الثانية) لو جعل العبد الآبق ثمنا هل يصح و يفتقر إلى الضميمة أم لا؟ يحتمل البطلان، لانه خلاف النص و النظر. و يحتمل الصحة، و هو الأقرب، إذ لا تغاير بين العوضين الا باعتبار عارض. و على هذا يجوز أن يكون أحد الآبقين ثمنا و الآخر مثمنا مع الضميمة الى كل منهما.

(الثالثة) يشترط في الضميمة شرائط صحة البيع فيها من الملكية و المعلومية و مقدورية التسليم، فلا يصح كونها آبقا آخر.

(الرابعة) لو تعددت العبيد كفت ضميمة واحدة ثمنا كانت أو مثمنا.

(الخامسة) الآبق ما دام آبقا ليس مبيعا في الحقيقة و لا جزء مبيع لكنه مشروط

____________

(1) الكافي 5- 209، التهذيب 7- 124 اللفظ للكافي، و في التهذيب ذيله هكذا:

كان الذي نقده فيما اشترى منه، الوسائل 12- 263.

37

[أما الآداب]

و أما الآداب:

[فالمستحب]

فالمستحب التفقه فيه و التسوية بين المبتاعين و الإقالة لمن استقال، و الشهادتان، و التكبير عند الابتياع، و ان يأخذ لنفسه ناقصا و يعطى راجحا.

[و المكروه]

و المكروه: مدح البائع، و ذم المشتري، و الحلف، و البيع في موضع يستر فيه العيب، و الربح على المؤمن إلا مع الضرورة و على من بعده بالإحسان، و السوم ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و دخول السوق أولا، و مبايعة الأدنين و ذوي العاهات و الأكراد، و التعرض للكيل أو الوزن إذا لم يحسن، و الاستحطاط بعد الصفقة،

____________

الملكية للمشتري، كمن اشترى الحامل و شرط الحمل له، فان الحمل ليس مبيعا و لا جزء مبيع، أما أنه ليس مبيعا بانفراده فظاهر، و اما أنه ليس جزء مبيع فلانه ليس له شيء من الثمن، فلو تلف قبل قبضه لم ينقص شيء من الثمن.

(السادسة) لو ظهر في الضميمة عيب فالمقسط لأجل الأرش كل الثمن على هذه الضميمة و لا اعتبار بالابق.

(السابعة) لو كان في الآبق عيب لم يعلم به المشتري لم يكن له به أرش و لا رد، و لا ينقص شيء من الثمن بسبب عيبه.

(الثامنة) إذ أردت الضميمة بعيب أو بخيار تبعها الآبق، و لو كان البيع فاسدا من أصله تبعها الآبق أيضا.

(التاسعة) لا ينفرد للآبق حكم البتة إلا إذا غصبه غاصب أو جنى عليه جان.

فإن الأرش أو القيمة للمشتري، فلو لم يتمكن المشتري من أخذ الجناية لم ينقص من الثمن شيء، و لو يتمكن المشتري من استيفاء ذلك صار جزء من المبيع.

و كذا إذا جاءه العبد و تمكن منه، فإنه يصير جزء من المبيع و يكون له قسط من

38

و الزيادة وقت النداء، و دخوله في سوم أخيه، (1)

____________

الثمن لزوال العلة التي هي العجز عن قبضه.

قوله: و دخوله في سوم أخيه

(1) الدخول في السوم اما بأن يرغب البائع في ثمن أعلى يبذله له، أو يرغب المشتري في سلعة أجود من المسومة بذلك الثمن أو مثلها بأنقص منه. كلاهما منهي عنه.

و هل ذلك على سبيل التحريم أو الكراهية؟ قال في المبسوط بالأول، لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): لا يسوم الرجل على سوم أخيه (1). و هذا خبر يراد به النهي، كقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها (2). و النهي للتحريم.

و قال المصنف و العلامة بالثاني، لأصالة الجواز و النهي المذكور محمول على الكراهة.

و هنا فوائد:

(الأولى) العقد الواقع عقيب السوم صحيح و ان قلنا بالتحريم، و يحصل الملك به، لأن النهي خارج عن المعاملة.

(الثانية) الدخول في السوم لا يختص بالبيع بل هو منهي عنه في سائر المعاوضات و العقود و لو كانت جائزة، كالمضاربة بالسدس و قد تقرر الثلث من العامل و بالعكس من المالك.

(الثالثة) قد يتصور الدخول في السوم و ان لم يكن معاوضة كالعارية المطلقة فيقول «أعرني و أنا لها ضامن» أو الإدانة من غير رهن فيطلبها مع بذل الرهن.

____________

(1) ابن ماجة 2- 734، الوسائل 12- 338.

(2) ابن ماجة 1- 621، الترمذي 3- 432، أبو داود 2- 224.

39

و أن يتوكل الحاضر للبادي، و قيل يحرم، (1) و تلقى الركبان، وحده أربعة فراسخ فما دون، و يثبت الخيار ان ثبت الغبن، (2)

____________

قوله: و ان يتوكل الحاضر للبادي و قيل يحرم [1]

(1) التوكل المذكور منهي عنه، سواء كان لبائع أو لمشتر. و يحتمل أيضا دخوله في سائر العقود كما قلنا في الأول للعلة المتحدة في الكل، و عموم «دعوا الناس بغفلاتهم يرزق اللّٰه بعضهم من بعض» (2).

إذا تقرر هذا فالشيخ في المبسوط و الخلاف قائل بالتحريم، لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): لا يتوكل حاضر لباد [3]. و المصنف و العلامة على الكراهية و التقرير كما تقدم.

قوله: و تلقى الركبان وحده أربعة فراسخ فما دون، و يثبت الخياران ثبت الغبن

(2) فوائد:

(الأولى) التلقي المذكور مكروه مع القصد لا ما وقع اتفاقا.

____________

[1] قال في المسالك: المراد بالبادي الغريب الجالب للبلد، أعم من كونه من البادية أو قرويا، و معناه أن يحمل البدوي أو القروي متاعه الى بلد فيأتيه البلدي و يقول: انا أبيعه لك بأعلا مما تبيعه به و قبل ان يعرفه السعر و يقول: انا أبيع لك و أكون سمسارا، و قد ورد النهى عنه أيضا، و قال (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرتزق بعضهم من بعض.

[3] الكافي 5- 168، التهذيب 7- 158، الوسائل 12- 327، و لفظ الحديث في هذه الأصول: لا يبيع حاضر لبادى. و أيضا ذكره الترمذي 3- 525 بهذا اللفظ. و في الخلاف لا يجوز ان يبيع حاضر لباد سواء كان بالناس حاجة الى ما معهم أو لم يكن لهم حاجة فإن خالف اثم، دليلنا عموم الخبر في النهي عن ذلك من قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): لا يبيعن حاضر لباد.

____________

(2) الكافي 5- 168، التهذيب 7- 158، الوسائل 12- 327.

40

و الزيادة في السلعة مواطأة للبائع، و هو النجش (1)

____________

(الثانية) الكراهة شاملة للبائع و المشتري لعموم العلة، و هو غفلة البادي عن أحوال البلد و أسعاره.

(الثالثة) يثبت الخيار مع الغبن الفاحش لا بدونه.

(الرابعة) اختلف في هذا الخيار هل هو على الفور أم لا؟ قال العلامة بالأول حذرا من الإضرار المنفي لو تصرف الغابن، و قال الشيخ بالثاني لكن حده بثلاثة أيام حملا على الحيوان. و اختار المصنف في الشرائع و السعيد بقاؤه إلى حين إسقاطه لأنه حق متملك فلا يسقط بالتأخير كغيره من الحقوق كخيار العيب، و هو قوي.

(الخامسة) قول المصنف في الشرائع «و لا يثبت للبائع الخيار الا أن يثبت الغبن» يعطي اختصاصه بالبائع. و هو غير سديد، بل هو شامل له و للمشتري كما قلناه، و عبارته هنا شاملة، فهي أسد.

قوله: و الزيادة في السلعة مواطاة للبائع و هو النجش

(1) النجش لغة الاستتار للمخاتلة [1]، و منه نجش الصيد إذا استتر له ليختله فكأن الناجش يستتر ليخدع المشتري باغرائه له بالزيادة و إخفائه عدم رغبته.

و شرعا قال المصنف هنا أنه الزيادة في السلعة مواطاة للبائع، و قال في الشرائع: هو أن يزيد لزيادة من واطأه البائع. و لا شك أن بينهما فرقا، و هو أنه على العبارة الأولى صفة للغار و هو المواطي للبائع، و على الثانية هو صفة للمغرور و غير المواطي. و لا شك أن المتبادر الى الفهم هو الأول لأنه مكروه، و لا شيء من فعل المغرور بمكروه، ينتج أنه لا شيء من فعله بنجش و هو المطلوب.

____________

[1] ختله يختله: خدعه. ختل الذئب الصيد: تخفى له، فهو خاتل و ختول. و خاتله مخاتلة: خادعه.

41

و الاحتكار- و هو حبس الأقوات، و قيل يحرم. (1)

و انما يكون في الحنطة و الشعير، و التمر و الزبيب، و السمن و قيل: و في الملح، و تتحقق الكراهية إذا استبقاه لزيادة الثمن، و لم يوجد بائع غيره.

و قيل: أن تستبقيه في الرخص أربعين يوما، و في الغلاء ثلاثة.

و يجبر المحتكر على البيع. و هل يسعر عليه؟ الأصح: لا.

____________

فعبارته هنا أسد.

هذا، و الكلام في الكراهية و ثبوت الخيار و فوريته أو عدمها كالتلقي.

ثم يحتمل هنا عندي أيضا عدم اختصاص النجش بالبيع، بل يشمل الإجارة و المزارعة و المساقاة و ما يشبهها.

قوله: الاحتكار و هو حبس الأقوات و قيل يحرم

(1) الى آخر الفصل.

الاحتكار لغة قال الجوهري: احتكار الطعام هو جمعه و حبسه يتربص به الغلاء و هو الحكرة بالضم.

إذا عرفت هذا فهنا مسائل:

(الأولى) عرفه المصنف هنا بأنه حبس الأقوات، و المراد بالقوت هنا ما يكون مقصودا بالتغذية، و أما ما لا يكون مقصودا فهو فاكهة أو خضراوات.

ثم المقصود بالتغذية به غالبا هو هذه الخمسة، أعني الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن، و ما شابهه من الزيت و الشبرج. و أضاف الشيخ في المبسوط الملح، و كأن المصنف يستضعفه لعدم معنى القوتية فيه أولا و لعدم الوقوف على دليل ثانيا.

42

..........

____________

(الثانية) الحبس المذكور هل هو حرام أو مكروه؟ قال الشيخان بالثاني، للأصل، و لعموم «الناس مسلطون على أموالهم» (1)، و لقول الصادق (عليه السلام) يكره أن يحتكر الطعام و يترك الناس ليس لهم طعام (2).

و قال ابن بابويه محمد بالأول، و اختاره العلامة لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): لا يحتكر الطعام إلا خاطئ (3)، و قول الصادق (عليه السلام): المحتكر ملعون (4) و للإضرار بالناس المنهي عنه بقوله (ص): لا ضرر و لا ضرار في الإسلام (5).

و هو أقوى.

و يجاب عن الأول بأن الأصل يخرج عنه بالدليل و قد بيناه، و عن الثاني بأن الخاص يقدم و هو دليلنا، و عن الثالث بالحمل على التحريم جمعا بين الأدلة و للتقي القولان.

(الثالثة) يشترط في التحريم أو الكراهية أمران: «1» كون الاستبقاء للزيادة في الثمن لا لقصد القوت أو الزرع أو غير ذلك. «2» أن لا يوجد باذل، فلو وجد زال التحريم أو الكراهية. نعم يكره لكونه طعاما يطلب في بيعه الغلاء غالبا.

و قال الشيخ حد الاستبقاء في الغلاء ثلاثة أيام و في الرخص أربعون يوما، و المعتمد ما قلناه.

(الرابعة) لا نعلم خلافا في جبر المحتكر على البيع، و هو دليل على تحريمه نعم مع الجبر هل يسعر عليه؟ فيه أقوال:

«1» قول الشيخ بعدمه مطلقا، لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): السعر

____________

(1) البحار 2- 272، الغوالي 1- 457.

(2) الكافي 5- 165، التهذيب 7- 160، الوسائل 12- 313، الإستبصار 3- 115

(3) الوسائل 12- 314، التهذيب 7- 159، الاستبصار 3- 114، ابن ماجة 2- 728

(4) الكافي 5- 165، التهذيب 7- 159، الإستبصار 3- 114، الوسائل 12- 313

(5) الوسائل 17- 376.

43

[الفصل الثالث في الخيار و النظر في أقسامه و أحكامه]

الفصل الثالث (في الخيار (1) و النظر في أقسامه و أحكامه)

[اقسامه ستة]

و اقسامه ستة:

[الأول خيار المجلس]

(الأول) خيار المجلس، و هو ثابت للمتبايعين في كل مبيع لم يشترط فيه سقوط ما لم يفترقا.

____________

الى اللّٰه يرفعها إذا شاء و يضعها إذا شاء (1)، و لعموم قوله (ص): الناس مسلطون على أموالهم (2).

«2» قول المفيد بالتسعير و إلا لجاز أن يطلب الشطط (3) فتنتفي فائدة الجبر «3» قول ابن حمزة، و هو التسعير إن أفرط في طلب الزيادة و الا فلا. و هذا قريب لكن مع الإفراط يباع عليه.

قوله: في الخيار

(1) الخيار و الخيرة بمعنى واحد، و هو المشية في ترجيح أحد الطرفين الجائزين و شرعا هو عبارة عن ملك إقرار العقد و إزالته بعد وقوعه مدة معلومة، و هو أقسام:

منها خيار المجلس، و دليل ثبوته قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): البيعان بالخيار حتى يفترقا (4)، و فيه فوائد:

«1» اختصاصه بالبيع، فلا يثبت في غيره من العقود.

«2» ثبوته للمتعاقدين معا، أي لكل منهما ذلك.

«3» انه سمى المشتري بيعا تغليبا للفظ البائع كالعمرين و القمرين، و انما

____________

(1) التهذيب 7- 161، الاستبصار 3- 114، الفقيه 3- 168، الوسائل 12- 317

(2) البحار 2- 272.

(3) شط في السوم: أفرط.

(4) الكافي 5- 170، الوسائل 12- 345.

44

[الثاني خيار الحيوان]

(الثاني) خيار الحيوان، و هو ثلاثة أيام للمشتري خاصة، على الأصح. (1)

____________

غلب البائع لأنه الأصل في الخيار لجواز ندمه غالبا.

«4» ما هنا بمعنى المدة، أي مدة عدم افتراقهما، فلا يقدر بزمان.

«5» الافتراق هنا ليس باللفظ كما يقول أبو حنيفة بل بالأبدان و لو بخطوة و ذلك لانه لما كان الاجتماع على التساوم و انما هو بالأبدان كان الافتراق بالأبدان أيضا. و أصله من الفرق، و هو قسم الشعر و ابعاد بعضه عن بعض.

«6» هل عدم الافتراق هنا بمعنى السلب أو عدم الملكة، أي عدم الافتراق عما من شأنه، كلاهما محتمل. و تظهر الفائدة في العاقد عن اثنين كالأب و الجد فإنه على السلب يثبت الخيار ما لم يشترط سقوطه أو يلتزم به عنهما بعد العقد أو تفارق المجلس و هو قول الشيخ في المبسوط، و على الثاني- و هو عدم الملكة- لم يثبت لعدم تحقق الافتراق الا بين اثنين.

قوله: خيار الحيوان و هو ثلاثة أيام للمشتري خاصة على الأصح

(1) هنا مسألتان:

(الأولى) هل الخيار هنا لكل من المتبايعين أم للمشتري خاصة؟ المرتضى على الأول، لرواية محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام): المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (1). و البيعان حقيقة في البائع و المشتري كما تقدم تقريبه من التغليب، أو لكون كل منهما بائعا لغة.

و الشيخان و ابن الجنيد و سلار و الصدوق و ابن إدريس على الثاني، لأصالة لزوم البيع خرج المشتري للإجماع عليه فيبقى البائع على الأصل، و لصحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري و هو

____________

(1) التهذيب 7- 24، الوسائل 12- 349.

45

..........

____________

بالخيار ان اشترط أو لم يشترط (1).

ان قلت: نفي خيار البائع مستفاد من الرواية بالمفهوم و ليس حجة عندنا.

قلت: ليس كذلك، بل الرواية دلت على المشتري، و أما البائع فمنفي بالأصل. و هذا هو المشهور و عليه الفتوى.

و أما رواية محمد بن مسلم فحملها العلامة على كون العوضين حيوانا عملا بالمقتضي لثبوته للمشتري، و هو خفاء حال الحيوان.

(الثانية) وقع الاتفاق على كون الخيار هنا ثلاثة أيام، لكن اختلف هل مبدأها العقد أو حين الافتراق؟ قيل بالثاني و إلا لزم اما اجتماع المثلين أو اجتماع العلتين على معلول واحد شخصي، و كلاهما منفي. بيان (2) الملازمة أن مدة خيار المجلس اما أن يكون الثابت فيها خيارين أو واحدا، فان كان الأول لزم اجتماع المثلين، و ان كان الثاني لزم اجتماع العلتين على المعلول الواحد.

و قيل بالأول. و هو الحق، لأنه العلة، فلو تأخر عنه لتأخر المعلول عن علته.

و الجواب عن الأول: لأنا نختار ثبوت خيارين و منع كونهما مثلين، لأن أحدهما خيار المجلس و هو ثابت للمتبايعين و الآخر خيار الحيوان و هو ثابت للمشتري خاصة. أو واحد و لا يلزم ما ذكرتم، لان علل الشرع معرفات لا مؤثرات.

و تظهر فائدة الخلاف أنه على تقدير كون مبدئه العقد يكون الخياران ثابتين، فلو أسقط أحدهما بقي الأخر، بخلاف ما لو قلنا بثبوت خيار واحد و هو خيار المجلس، فإنه لا يلزم من إسقاط أحدهما بقاء الآخر في ذلك الزمان.

و كذا الكلام في خيار الشرط و الخلاف فيه أيضا. و الحق أيضا أن مبدأه العقد، لأن إطلاق المدة يقتضي الاتصال. و أيضا لو تأخر إلى حين التفرق

____________

(1) التهذيب 7- 24، الفقيه 3- 126، الوسائل 12- 349.

(2) في بعض النسخ: بيان اللزوم.

46

و يسقط لو شرط سقوطه، أو أسقطه المشتري بعد العقد، أو تصرف فيه المشتري، سواء كان تصرفا لازما كالبيع أو غير لازم كالوصية و الهبة قبل القبض.

[الثالث خيار الشرط]

(الثالث) خيار الشرط و هو بحسب ما يشترط. (1)

و لا بد أن تكون مدته مضبوطة.

و لو كانت محتملة لم تجز كقدوم الغزاة و إدراك الثمرات.

و يجوز اشتراط مدة يرد فيها البائع الثمن و يرتجع المبيع. (2)

____________

لزم جهالة المدة. و هذا قول ابن إدريس، و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف و ابن زهرة مبدؤه التفرق.

قوله: خيار الشرط و هو بحسب ما يشترط

(1) يريد أن خيار الشرط ليس لازما بالأصل بل هو تابع لإرادة المتبايعين، و هذه الجملة تشمل مسائل:

(الاولى) أنه يكون لكل من المتبايعين و لأحدهما خاصة.

(الثانية) انه قد لا يكون للمتبايعين بل للأجنبي خاصة و له مع أحد المتبايعين و معهما معا.

(الثالثة) أن المدة فيه ليس لها مقدر شرعي بل بحسب اشتراطها لكن مع الضبط بحيث لا تحتمل زيادة و نقصانا.

و خالف جماعة من الجمهور هنا حيث قيدوا المدة بثلاثة أيام. لنا على ذلك كله قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): المؤمنون عند شروطهم (1).

قوله: و يجوز اشتراط مدة يرد فيها البائع الثمن و يرتجع المبيع

(2) هذه المسألة توهم التكرار، و ليس به بل هو إشارة إلى تفصيل خيار الشرط

____________

(1) التهذيب 7- 22.

47

فلو انقضت و لما يرد لزم البيع.

و لو تلف في المدة تلف من المشتري. و كذا لو حصل له نماء كان له.

[الرابع خيار الغبن]

(الرابع) خيار الغبن. (1) و مع ثبوته وقت العقد بما لا يتغابن فيه غالبا و جهالة المغبون يثبت له الخيار في الفسخ و الإمضاء.

____________

و ذلك لأنه تارة يذكر الخيار في فسخ العقد خاصة سواء أحضر الثمن أو لا.

و تارة يكون مع شرط إحضار الثمن. و هو هذه المسألة، فلو لم يحضر الثمن و فسخ لم يكن لفسخه تأثير بل العقد باق على لزومه.

قوله: خيار الغبن- إلخ

(1) هنا فوائد:

(الاولى) ان هذا النوع من الخيار لم يذكره كثير من المتقدمين بل ذكره المتأخرون عملا بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): لا ضرر و لا ضرار في الإسلام (1).

و بقوله: فقل إذا ابتعت لا خلابة [2].

(الثانية) انه ثابت في كل معاوضة مالية محضة كالبيع و الإجارة و المزارعة و المساقاة و الصلح و غيرها من المعاوضات المالية عملا بالعلة.

(الثالثة) أنه لا يثبت به أرش، بل اما الرد أو الالتزام بمقتضى العقد لزوال الضرر بذلك و أصالة لزوم مقتضى العقد و عدم الإلزام بشيء، و لانه ليس بعيب و الأرش في مقابلة العيب.

____________

[2] كنز العمال 4- 61 و فيه: بع و قل لا خلابة، 91: إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة 155 من بايعت فقل: لا خلابة. و الخلابة بكسر الخاء المعجمة: المخادعة، و قيل: الخديعة باللسان، سنن أبي داود 3- 282، البخاري بشرح الكرماني 10- 12.

____________

(1) الوسائل 17- 376، الكافي 5- 292.

48

[الخامس من باع و لم يقبض الثمن]

(الخامس) من باع و لم يقبض الثمن و لا قبض المبيع و لا اشتراط التأخير فالبيع لازم ثلاثة أيام. (1) و مع انقضائها يثبت الخيار للبائع.

فإن تلف، قال المفيد: يتلف في الثلاثة من المشتري، و بعدها من البائع.

و الوجه تلفه من البائع في الحالين لان التقدير أنه لم يقبض.

و لو اشترى ما يفسد من يومه، ففي رواية يلزم البيع الى الليل، فان لم يأت بالثمن فلا بيع له.

[السادس خيار الرؤية]

(السادس) خيار الرؤية:

____________

(الرابعة) انه هل يسقط هذا الخيار بالتصرف أم لا؟ اختلف عبارة العلامة في ذلك، و أما المصنف فقال في الشرائع لا يسقط ذلك الخيار بالتصرف إذا لم يخرج عن المالك أو يمنع مانع من رده كالاستيلاء في الأمة و العتق.

و التحقيق هنا أن نقول: ان كان المغبون هو البائع لم يسقط بتصرف المشتري مطلقا، لأصالة بقاء حقه و عدم بطلانه بتصرف المشتري، و ان كان هو المشتري لم يسقط بتصرفه الا أن يخرج عن ملكه أو يمنع منه مانع.

قوله: من باع و لم يقبض الثمن و لا قبض المبيع و لا اشتراط التأخير فالبيع لازم ثلاثة أيام

(1) هنا مسائل:

(الأولى) هذا النوع من الخيار من خواص أصحابنا، لم يقل به أحد من الجمهور. و شروطه ثلاثة: «1» عدم قبض الثمن، أي كله، فلو قبض البعض فالحكم كما لو لم يقبض. «2» عدم تقبيض المبيع كذلك، أي كله أيضا، فتقبيض

49

و هو يثبت في بيع الأعيان الحاضرة من غير مشاهدة.

و لا يصح حتى يذكر الجنس و الوصف.

فان كان موافقا لزم، و الا كان للمشترى الرد.

و كذا لو لم يره البائع و اشترى بالوصف كان الخيار للبائع لو كان بخلاف الصفة.

و سيأتي خيار العيب ان شاء اللّٰه تعالى.

[أما الأحكام فمسائل]

و أما الأحكام: فمسائل:

____________

البعض كلا تقبيض. «3» عدم اشتراط التأخير في الأمرين، أعني الثمن و المثمن احترازا من النسيئة و السلف.

(الثانية) لو تلف المبيع فاما من الثلاثة أو بعدها، فان كان بعدها فمن البائع إجماعا، و ان كان الأول فقال المفيد يكون من المشتري لأنه ملكه و هو أحق به و لأن التأخير لمصلحته. و قال الشيخ- و هو اختيار المصنف- أنه يكون من البائع أيضا، لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، و هنا كذلك.

(الثالثة) لو كان المبيع و الحالة هذه لا يبقى ثلاثة أيام فكثير من الأصحاب عبر بالخيار الى الليل.

و أما المصنف فقال في الشرائع: لو اشترى ما يفسد من يومه فان جاء بالثمن قبل الليل و الا فلا بيع له. و هو يدل على عدم ثبوت الخيار. قال الشهيد و هو حسن لموافقته الرواية عن الصادق (عليه السلام): ان جاءه بالثمن فيما بينه و بين الليل و الا فلا بيع له. و التحقيق أن الفساد ليومه ليس ضابطا بل الى أن يشرف على الهلاك.

50

[الاولى خيار المجلس، يختص البيع]

(الاولى) خيار المجلس، يختص البيع دون غيره.

[الثانية التصرف يسقط خيار الشرط]

(الثانية) التصرف يسقط خيار الشرط. (1)

[الثالثة الخيار يورث]

(الثالثة) الخيار يورث، مشروطا كان أو لازما بالأصل.

[الرابعة المبيع يملك بالعقد]

(الرابعة) المبيع يملك بالعقد. و قيل: به و بانقضاء الخيار. (2)

____________

ثم ان تسمية هذا خيارا مجاز من باب تسمية الشيء باسم ما يئول اليه.

قوله: التصرف يسقط خيار الشرط

(1) هنا فوائد:

(الأولى) يريد بالتصرف هنا ما لم يكن على وجه الاختبار، كذوق الطعام و ركوب الدابة لدفع الجموح [1] و للنقل و أمثاله، فإنه غير مسقط للخيار، بخلاف التصرف الناقل أو ما يؤذن باستقرار الملك.

(الثانية) انه لا فرق بين خيار الشرط أو غيره فيما ذكرناه، فلا وجه حينئذ لتخصيصه بخيار الشرط.

(الثالثة) لو كان الخيار لهما و تصرف أحدهما سقط خياره خاصة، و لو كان بإذن الآخر سقط الخياران.

قوله: المبيع يملك بالعقد، و قيل: به و بانقضاء الخيار

(2) الأول هو الحق، و به قال المحققون من الأصحاب لوجوه:

«1»- قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ (2)، علق إباحة التصرف بالتجارة على التراضي أعني البيع، فلو لم يكن مقيدا للملك لما جاز التعليق عليه.

____________

[1] جمح الفرس براكبه يجمح جماحا بالكسر و جموحا: استعصى حتى غلبه فهو جموح بالفتح و جامح.

____________

(2) سورة النساء: 29.

51

و إذا كان الخيار للمشترى، جاز له التصرف، و ان لم يوجب البيع على نفسه. (1)

____________

«2»- قد تقرر في الأصول أن الصحة عبارة عن ترتب الأثر، فحال وقوع العقد ان وصف بالصحة ثبت المطلوب و ان لم يوصف فلا خيار لترتبه على العقد الصحيح و الفرض عدمه.

«3»- ان المقتضي للملك- و هو العقد- موجود، لانه السبب الشرعي لنقل العين هنا، و لذلك عرفوه بأنه انتقال عين أو تمليك عين. و المانع مفقود، إذ ليس هنا الا ثبوت الخيار و هو غير مناف للملك كخيار العيب، فيكون الملك حاصلا و هو المطلوب.

«4»- انه لو لم ينتقل بالعقد إلى المشتري لكان موقوفا، و حينئذ لم يكن فرق بين بيع المالك و بيع الفضولي. و استحالة اللازم ظاهرة.

و الثاني قول الشيخ في الخلاف، و احتج بأن البيع مع الخيار قاصر عن البيع من غير خيار، و القصور ليس الا لعدم افادة الملك، لانه لو أفاده لما كان قاصرا بل مساويا. هذا خلف.

و الجواب: بالمنع من كون القصور ليس الا لعدم افادة الملك، لجواز أن يكون لعدم اللزوم، و ذلك كاف في الفرق.

ثم ان فائدة الخلاف تظهر فيما لو وقع الفسخ بعد حدوث النماء، فإنه على الملك بالعقد يكون للمشتري لكونه حدث على ملكه، و على قول الشيخ يكون للبائع لتوقف انتقال الأصل عنه على انقضاء الخيار و لم يحصل.

و علله في المبسوط في ضمان البائع فيكون النماء له، و فيما لو زاد في الثمن أو نقص في مدة الخيار فان ذلك لازم عند الشيخ حتى أنه يلزم الشفعة به.

قوله: و إذا كان الخيار للمشترى جاز له التصرف و ان لم يوجب البيع على نفسه

(1) هذا فرع على القول بالملك بالعقد و عدمه، فإنه على الأول يجوز التصرف

52

[الخامسة إذا تلف المبيع قبل قبضه]

(الخامسة) إذا تلف المبيع قبل قبضه، فهو من مال البائع و كذا بعد قبضه و قبل انقضاء خيار المشتري، ما لم يفرط، و لو تلف بعد ذلك كان من المشتري.

[السادسة لو اشترى ضيعة رأى بعضها]

(السادسة) لو اشترى ضيعة رأى بعضها و وصف له سائرها كان له الخيار فيها أجمع، ان لم يكن على الوصف.

[الفصل الرابع في لواحق البيع و هي خمسة]

الفصل الرابع (في لواحق البيع و هي خمسة)

[الأول النقد و النسيئة]

(الأول) النقد و النسيئة. (1)

____________

لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): الناس مسلطون على أموالهم (1). و على الثاني لا يجوز الا على تقدير إيجاب البيع على نفسه. و معنى إيجاب البيع هو الالتزام بمقتضى العقد و رفع جميع الخيار، و لما كان مذهب المصنف الملك بالعقد قال بجواز التصرف و ان لم يوجب البيع على نفسه.

قوله: الأول النقد و النسيئة

(1) البيع بالنسبة إلى تعجيل الثمن و المثمن أربعة أقسام: لأنه اما أن يقع مطلقا أو يشترط تعجيلهما أو لا، و الأولان هو بيع النقد، و الثالث اما أن يشترط تأخيرهما و يسمى بيع الكالي بالكالي و هو باطل اتفاقا، أو اشترط تأخير الثمن و هو بيع النسيئة أو تأخير المثمن و هو بيع السلف. فالبيع الصحيح حينئذ ثلاثة نقد و نسيئة و سلف.

____________

(1) البحار 2- 272.