المهذب البارع في شرح المختصر النافع - ج3

- جمال الدين أحمد بن محمد الحلي المزيد...
580 /
3

كتاب الوديعة و العارية

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الوديعة و العارية (1)

أمّا الوديعة:

فهي استنابة في الاحتفاظ، و تفتقر الى القبول قولا كان أو فعلا، و يشترط فيهما الاختيار. و تحفظ كلّ وديعة بما جرت به العادة.

و لو عيّن المالك حرزا اقتصر عليه، و لو نقلها إلى أدون أو أحرز ضمن إلّا مع الخوف. و هي جائزة من الطرفين، و تبطل بموت كل واحد منهما. و لو كانت دابّة وجب علفها و سقيها، و يرجع به على المالك. و الوديعة أمانة لا يضمنها المستودع إلّا مع التفريط أو العدوان. و لو تصرف فيها باكتساب ضمن و كان الربح للمالك. و لا يبرأ بردّها الى الحرز. و كذا لو تلفت في يده بتعدّ أو تفريط فردّ مثلها إلى الحرز، بل لا يبرأ إلّا بالتسليم

____________

كتاب الوديعة و العارية مقدّمة الوديعة مشتقة من ودع يدع، إذا استقرّ و سكن، تقول: أودعته أودعه، اى أقررته، و أسكنه، و قيل: إنه مشتق من ودع يقال: ودع الشيء يودع إذا كان في خفض و سكون، و هو قريب من الأول، و كأنّ المالك سكن الى المستودع و اطمأنّ اليه وثوقا بأمانته و أنّه يقوم مقامه في حفظها، فهو في خفض و دعة من تكلّف

6

إلى المالك أو من يقوم مقامه، و لا يضمنها لو قهره عليها ظالم، لكن إن أمكنه الدفع وجب، و لو أحلفه أنها ليست عنده حلف مورّيا. و تجب إعادتها إلى المالك مع المطالبة.

و لو كانت غصبا منعه و توصّل في وصولها الى المستحق. و لو جهله عرّفها كاللّقطة حولا، فإن وجده، و إلّا تصدّق بها عن المالك إن شاء، و يضمن ان لم يرض. و لو كانت مختلطة بمال المودع ردّها عليه إن لم يتميّز. و إذا ادّعى المالك التفريط، فالقول قول المستودع مع يمينه.

____________

إحفاظها، و قرار من تجشم مراعاتها.

و الأصل فيه الكتاب و السنة و الإجماع.

أمّا الكتاب: فقوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا» (1) و قوله تعالى «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمٰانَتَهُ» (2).

و أمّا السنّة: فروى أنس بن مالك و أبي بن كعب و أبو هريرة كلّ واحد على الانفراد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال: أدّ الأمانة الى من ائتمنتك، و لا تخن من خانك (3) و كان عنده (صلّى اللّه عليه و آله) ودائع بمكة فلما أراد أن يهاجر أودعها أمّ أيمن، و أمر عليا (عليه السلام) بردّها على أصحابها (4) و روى سمرة [1] عنه

____________

[1] بفتح السين المهملة و ضم الميم و فتح الراء المهملة و الهاء في الأصل سمّي به جماعة من الصحابة (تنقيح المقال: ج 2 ص 68 باب سمرة).

____________

(1) النساء: 58.

(2) البقرة: 283.

(3) عوالي اللئالى: ج 3 باب الوديعة ص 250 الحديث 1 و لا حظ ما علق عليه.

(4) عوالي اللئالى: ج 3، باب الوديعة ص 250 الحديث 2 و رواه في المستدرك: ج 2 كتاب الوديعة، الباب 1 الحديث 12. نقلا عن عوالي اللئالى، و نقله في التذكرة: ج 2 كتاب الأمانات، ص 196.

7

..........

____________

(عليه السلام) انه قال: على اليد ما أخذت حتى تؤدّي (1).

و من طريق الخاصة عن زين العابدين (عليه السلام): لو أنّ قاتل الحسين (عليه السلام) ائتمنني على السيف الذي قتل به الحسين (عليه السلام) لرددته اليه (2).

و أمّا الإجماع: فمن الأمّة لا يختلفون فيه.

تنبيه الوديعة و العارية من الأمانات الخاصة.

و الأمانة مطلقا ينقسم الى قسمين:

أمانة خاصة كالوديعة، و العارية، و الشركة، و المضاربة، و العين المرهونة، و المستأجرة، و ما في يد الوكيل، و الوصيّ، و ضابطها كلّ عين حصلت في يد غير مالكها بغير اذنه أو بإذنه، ثمَّ اعلم و لم يطالبها، أو أقرّه الشارع على إمساكها ليدخل فيه الوديعة بعد موت المودع المشغول بحجة الإسلام، مع علم المستودع عدم تقييد الوارث، فإن الشارع جعل له ولاية الاستيجار للحج فهي في يده الى وقت الاستيجار غير مضمونة. و يدخل فيه أيضا اللقطة، فإنها لا بإذن المالك، بل الشارع أقرّ يده عليه للاحتفاظ.

و أمانة عامة: و هي كل عين حصلت في يد غير المالك مع عدم علمه بذلك على غير التعدي كالثوب تطيره الريح الى دار إنسان، و كالوديعة إذا مات مالكها و لم يعلم الوارث، و كالمأمور بدفع عين الى غيره، و المال الموصى بتفريقه أو بدفعه الى من يعلم به. و لو كان الموصى له معينا و علم به كان أمانة خاصة، و حكم أمانة الخاصة

____________

(1) سنن ابن ماجه: ج 2 كتاب الصدقات (5) باب العارية، الحديث 2400 و الترمذي: ج 3 كتاب البيوع (39) باب ما جاء ان العارية مؤداة الحديث 1266.

(2) الأمالي للشيخ الطوسي: المجلس الثالث و الأربعون، ص 103.

8

و لو اختلفا في مال هل هو وديعة أو دين، فالقول قول المالك مع يمينه أنه لم يودع، إذا تعذّر الردّ، أو تلفت العين، و لو اختلفا في القيمة فالقول قول المالك مع يمينه، و قيل: القول قول المستودع، و هو أشبه، (1) و لو اختلفا في الردّ فالقول قول المستودع. و لو مات المودع و كان الوارث جماعة دفعها إليهم، أو الى من يرتضونه، و لو دفعها الى البعض ضمن حصص الباقين.

و أمّا العارية:

فهي الإذن في الانتفاع بالعين تبرّعا و ليست لازمة لأحد المتعاقدين. و يشترط في المعير كمال العقل و جواز التصرّف.

و للمستعير الانتفاع بما جرت به العادة. و لا يضمن التلف و لا النقصان لو اتفق بالانتفاع، بل لا يضمن إلّا مع تفريط أو عدوان أو اشتراط، الّا ان تكون العين ذهبا أو فضة فالضمان يلزم و إن لم يشترط. و لو استعار من الغاصب مع العلم ضمن، و كذا لو كان جاهلا لكن يرجع على المعير بما يغترم. و كلّ ما يصح الانتفاع به مع بقائه تصح إعارته، و يقتصر المستعير على ما يؤذن له. و لو اختلفا في التفريط فالقول قول المستعير مع يمينه

____________

انها لا يجب دفعها إلّا مع الطلب من المالك أو وكيله، و لو أتلفت قبله لم يضمن، و حكم العامة وجوب الدفع على الفور و يضمن مع التأخير، و يشتركان في الضمان مع التفريط أو التعدي.

قال طاب ثراه: و لو اختلفا في مال هل هو وديعة أو دين؟ فالقول قول المالك:

أنّه لم يودّع، إذا تعذّر الردّ أو تلفت العين. و لو اختلفا في القيمة فالقول قول المالك مع يمينه، و قيل: القول قول المستودع، و هو أشبه.

أقول: هنا مسألتان:

(أ) إذا اختلفا في مال، فقال القابض: هو وديعة عندي، و قال مالكه: بل هو

9

..........

____________

دين عليك، أي مثله دين، لأنّ الملك المعين لإنسان لا يكون دينا على غيره، لأنّ الدين كلّي ثابت في الذمة غير مشخص، إلّا أن نقول: القرض لا يملك بمجرّد القبض، بل بالتصرّف، و هذا النزاع إنما يحصل و يتصوّر له ثمرة مع تلف العين أو تعذّر ردّها، كما لو أخذها ظالم فادّعى القابض أنها وديعة عنده و تلفها من مالكها، و ادّعى المالك أنّها دين عليه، و قال: حقي ثابت في ذمّتك و إنّما لي عليك مثلها أو قيمتها، فالقول قول المالك لأنّ الأصل في اليد ضمانها مال الغير، لقوله (عليه السلام):

على اليد ما أخذت حتى تؤدّى (1) و لما رواه إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استودع رجلا ألف درهم، فضاعت، فقال الرجل: كانت عندي وديعة، و قال الآخر: انما كانت عليك قرضا، قال: المال لازم له، إلّا أن يقيم البينة أنها كانت وديعة (2).

(ب) إذا ثبت تفريط الودعي بإقراره أو البينة، لزمه ضمان العين مثلا أو قيمة، فإن اختلفا في القيمة، فهل القول قول المالك؟ قال الشيخان: نعم [1] لأنّ الودعي صار بالتفريط خائنا، و لا يكون قوله مسموعا، و قال التقى: يقبل قوله لأنّه غارم و الأصل براءة ذمته من الزائد [2] و به قال ابن حمزة [3] و ابن

____________

[1] المقنعة: باب الوديعة ص 97 س 16 قال: و إذا اختلف المودّع و المودع في قيمة الوديعة كان القول قول صاحبها إلخ و في النهاية: باب الوديعة و العارية ص 437 س 15 قال: و إذا اختلف المودع و المودع في قيمة الوديعة كان القول قول صاحبها إلخ.

[2] الكافي: فصل في الوديعة ص 231 س 12 قال: فان اختلفا في القيمة أخذ منه ما أقربه و طولب المودع بالبينة إلخ.

[3] الوسيلة: فصل في بيان الوديعة ص 275 س 13 قال: فان اختلفا في القيمة و لم يكن هناك بينة كان القول قول المودع إلخ.

____________

(1) تقدم آنفا.

(2) الفروع: ج 5، كتاب المعيشة، باب ضمان العارية و الوديعة، ص 239 الحديث 8.

10

..........

____________

إدريس [1] و اختاره المصنف [2] و العلامة [3].

ذكر العارية قال في الصحاح: العاريّة بالتشديد، كأنّها منسوب إلى العار، لأنّ طلبها عار [4]. و قيل: منسوب الى العارة، و هو اسم، من قولك: أعرت المتاع إعارة و عارة، و الإعارة المصدر. و قيل: اشتقاقها من عار يعير إذا ذهب و جاء، فسمّيت عارة لتحويلها من يد إلى يد. و ذكر الخطابي أنّ اللغة الغالبة التشديد، و قد يخفف.

و في الشرع: هي عبارة عن إباحة الانتفاع بالعين، ثمَّ استردادها، و يسمّى مالك المنفعة المعير و المستبيح و المستعير، و العين المنتفع بها المستعار.

و الأصل فيها الكتاب و السنة و الإجماع.

أمّا الكتاب: فقوله تعالى «وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ» (5) و العارية إباحة الانتفاع لمن هو محتاج، فكان إعانة. و قوله تعالى «الَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ» (6) قال ابن عباس: الماعون العواري [5] و عن ابن مسعود: الماعون العواري من الدلو و القدر و الميزان [6].

____________

[1] السرائر: باب الوديعة ص 263 س 29 قال: و إذا ثبت التفريط و اختلفا في قيمة الوديعة و لا بينة فالقول قول المودع إلخ.

[2] لاحظ عبارة المختصر النافع.

[3] المختلف: في الوديعة ص 166 س 21 قال: مسألة لو اختلفا في القيمة بعد ثبوت التفريط فالقول قول الودعي إلخ.

[4] الصحاح: مادة عور.

[5] الدر المنثور: ج 8 في تفسير سورة الماعون ص 644 عن ابن عباس قال: عارية متاع البيت، و فيه أيضا قال: و منهم من قال: يمنعون العارية.

[6] الدر المنثور: ج 8 ص 643 و فيه روايات آخر عنه، و رواه في مجمع البيان في تفسيره لسورة الماعون

____________

(5) المائدة: 2.

(6) الماعون: 7.

11

..........

____________

و أمّا السنة: فروى جابر قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ما من صاحب الإبل لا يفعل فيها حقها إلّا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت بقاع قرقر [1] يشدّ عليه بقوائمها و أخفافها، قال رجل: يا رسول اللّه ما حق الإبل؟ قال: حلبها على الماء و إعارة دلوها و إعارة فحلها (2) و روى أبو أمامة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال في خطبة الوداع: العارية مؤداة و المنحة مردودة، و الدين مقضيّ، و الزعيم غارم (3) و روى أنس أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) استعار من أبي طلحة فرسا فركبه [2] و استعار من صفوان بن أمية يوم حنين درعا، فقال: أ غصبا يا محمّد؟

فقال: بل عارية مضمونة مؤداة (5).

و أمّا الإجماع: فمن سائر الأمة.

تنبيه العارية من الأمانات الخاصة، و الأصل فيها عدم الضمان عند الفرقة المحقة، إلّا أن يعرض ما يوجب ضمانها، و هو أمور:

(أ) التفريط، و هو ترك سبب من أسباب الحفظ الواجبة.

(ب) التعدّي، و هو فعل ما لا يجوز شرعا.

____________

[1] القرقر، القاع الأملس، و قيل: المستوي الأملس الذي لا شيء فيه، و في حديث الزكاة بطح له بقاع قرقر، هو المكان المستوي- لسان العرب ج 5 لغة- قرر.

[2] مسند احمد بن حنبل: ج 3 ص 180 و لفظ الحديث «عن أنس قال: كان بالمدينة فزع فاستعار النبي صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم فرسا لأبي طلحة يقال له مندوب فركبه الحديث».

____________

(2) مسند احمد بن حنبل: ج 3 ص 321 قطعة من حديث جابر.

(3) مسند احمد بن حنبل: ج 5 ص 267 عن أبي أمامة الباهلي، و في 293 عن سعيد بن أبي سعيد.

(5) الفروع: ج 5 كتاب المعيشة، باب ضمان العارية و الوديعة: ص 240 الحديث 10.

12

و لو اختلفا في الردّ، فالقول قول المعير. و لو اختلفا في القيمة، فقولان: أشبههما قول الغارم (1) مع يمينه. و لو استعار و رهن من غير اذن المالك، انتزع المالك العين و يرجع المرتهن بماله على الراهن.

____________

(ج) أن يستعير ذهبا أو فضة الّا ان يشترط سقوط الضمان، و لا فرق بين المستودع و غيره.

(د) أن يستعير من غاصب أو ممّن ليس بكامل.

(ه) أن يشترط على المستعير ضمانها، فيضمن العين مع تلفها، و لا يضمن ما ينقص بالاستعمال.

(و) أن يستعير للرهن، فيكون مضمونة على المستعير دون المرتهن. و ذهب بعض العامة إلى كونها مضمونة في الأصل، لقوله (عليه السلام) «بل عارية مضمونة» و الجواب أنّ ضمانها باشتراطه (عليه السلام) على نفسه الضمان، لا أنّه من لوازمها.

قال طاب ثراه: و لو اختلفا في القيمة فقولان: أشبههما قول الغارم.

أقول: مختار المصنف مذهب العلامة [1] و به قال القاضي [2] [3] و سلار [4]

____________

[1] المختلف: كتاب الأمانات، في العارية، ص 168 س 38 قال بعد نقل قول ابن إدريس: و هو الوجه عندي.

[2] ظاهر الأمر على خلاف ما أثبته المصنف (رحمه اللّه) لأن بعضهم في الاختلاف يقول: القول قول المعير و بعضهم يقول: القول قول المستعير، و إليك ما أثبتوه في كتبهم أو نقل عنهم.

[3] المختلف: كتاب الأمانات، في العارية ص 168 س 35 قال: و إذا اختلفا في القيمة بعد التفريط قال الشيخان: القول قول المالك مع يمينه الى قوله و به قال ابن البراج.

[4] المراسم: ذكر أحكام العارية ص 194 س 10 قال: فاذا اختلفا في شيء من ذلك فالقول قول المعير إلخ.

13

..........

____________

و ابن حمزة [1] و ابن إدريس [2] و قال الشيخان يقدم قول المالك [3] و منشأ الخلاف قد تقدّم.

____________

[1] الوسيلة: فصل في بيان العارية ص 276 س 6 قال: و ان اختلفا في القيمة كان القول قول المعير إلخ.

[2] السرائر: باب العارية، ص 262 س 11 قال: و الذي يقتضيه الأدلة و أصول المذهب أنّ القول قول المدعى عليه إلخ.

[3] المقنعة: باب العارية ص 97 س 27 قال: و ان لم تكن له بينة فالقول قول صاحب العارية إلخ و في النهاية: باب الوديعة و العارية ص 438 س 13 قال: و إذا اختلف المعير و المستعير في قيمة العارية كان القول قول صاحبها مع يمينه إلخ.

و الحمد للّه رب العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

كتاب الإجارة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

كتاب الإجارة (1) و هي تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم. و يلزم من الطرفين

____________

كتاب الإجارة مقدمة الإجارة في اللغة كدّ الأجير، و اشتقاقه من الأجر و هو الثواب، يقال: آجر داره يؤجرها إيجارا فهو موجر. و الأجير فعيل بمعنى الفاعل كالعليم بمعنى العالم.

و في الشريعة تمليك المنفعة مدة معيّنة بعوض مالي.

فالتمليك جنس، و المنفعة فصل يخرج به تمليك الأعيان كالبيع و الهبة. و يخرج باشتراط العوض العارية، و باقي القيود شروطه.

و الأصل فيه الكتاب و السنة و الإجماع.

أمّا الكتاب: فقوله تعالى «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (1) و قال «لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» (2) و قال «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ» (3) فأخبر بوقوع الإجارة.

و أمّا السنّة: فروى أبو هريرة أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أعط الأجير أجرته

____________

(1) الطلاق: 6.

(2) الكهف: 77.

(3) القصص: 27.

18

..........

____________

قبل أن يجفّ عرقه (1) و روى أبو سعيد الخدري و أبو هريرة عنه (عليه السلام): من استأجر أجيرا فليعلمه أجره [1] و روى ابن عمر ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل باع حرا فأكل ثمنه، و رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه و لم يوفه أجره، و رجل أعطاني صفقته ثمَّ غدر (3).

و فعله الصحابة، فعليّ (عليه السلام) آجر نفسه من يهودي ليستقي الماء كلّ دلو بتمرة و جمع التمرات و حمله إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (4).

و روى محمّد بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الإجارة؟

قال: صالح لا بأس بها إذا نصح قدر طاقته، و قد آجر نفسه موسى بن عمران و اشترط فقال: ان شئت ثمانيا و إن عشرا، فانزل اللّه الآية (5).

و التعرض للتكسب بالتجارة أفضل منها، روى محمّد بن عمرو بن أبي المقدام عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يتجر و إن هو آجر نفسه أعطي أكثر ممّا يصيب في تجارته، قال: لا يؤاجر نفسه و لكن يسترزق اللّه عزّ و جلّ و يتجر، فان من آجر نفسه فقد حظّر على نفسه الرزق (6).

____________

[1] سنن الكبرى للبيهقي: ج 6 باب لا تجوز الإجارة حتى تكون معلومة و تكون الأجرة معلومة ص 120 س 9 فعن أبي هريرة كما في المتن و لفظ ما عن أبي سعيد الخدري هكذا: نهى عن استئجار الأجير، يعني حتى يبين له أجره.

____________

(1) سنن الكبرى للبيهقي: ج 6 باب لا تجوز الإجارة حتى تكون معلومة و تكون الأجرة معلومة ص 120 س 22.

(3) صحيح البخاري: ج 3 باب في الإجارة: باب 41 من منع أجر الأجير. و سنن ابن ماجه: ج 2 كتاب الرهون (4) باب أجر الاجراء الحديث 2442.

(4) سنن ابن ماجه: ج 2 كتاب الرهون (6) باب الرجل يستقى كل دلو بتمرة و يشترط جلدة الحديث 2446.

(5) الفروع: ج 5 كتاب المعيشة، باب كراهية إجارة الرجل نفسه ص 90 الحديث 2.

(6) الفروع: ج 5 كتاب المعيشة، باب كراهية إجارة الرجل نفسه ص 90 الحديث 3.

19

و تنفسح بالتقابل، و لا تبطل بالبيع و لا بالعتق. و هل تبطل بالموت؟ قال الشيخان: نعم، و قال المرتضى: لا تبطل، و هو أشبه. (1)

____________

و أمّا الإجماع: فمن عامة المسلمين.

قال طاب ثراه: و هل تبطل بالموت؟ قال الشيخان: نعم، و قال المرتضى:

لا يبطل، و هو أشبه.

أقول: للأصحاب هنا ثلاثة أقوال:

(أ) البطلان بالموت من أيّهما اتفق قاله الشيخان [1] و سلار [2] و القاضي [3] و ابن حمزة [4].

(ب) عدم البطلان من أيّهما كان قاله السيد [5] و ابن إدريس [6] و التقى [7] و هو ظاهر أبي علي [8] و اختاره المصنف التهذيب (9) و العلامة (10).

____________

[1] المقنعة، باب الإجارات، ص 98 س 20 قال: و الموت يبطل الإجارة. و في النهاية، باب المزارعة و المساقاة ص 441 س 19 قال: و متى مات المستأجر أو المؤجر بطلت الإجارة و في باب الإجارة ص 444 س 4 قال: و الموت يبطل الإجارة على ما بيّناه.

[2] المراسم، ذكر أحكام الإجارات ص 196 س 6 قال: و لا يبطل الإجارة إلّا الموت.

[3] المهذب: ج 1 كتاب الإجارة، ص 501 س 19 قال: و الموت يفسخ الإجارة.

[4] الوسيلة، باب في بيان الإجارة ص 267 س 10 قال: و تبطل الإجارة بموت كليهما و بموت أحدهما.

[5] المختلف: كتاب الإجارة ص 2 س 30 قال: و قال أبو الصلاح لا يبطل الإجارة بالموت الى أن قال: و به قال ابن إدريس و نقله عن السيد المرتضى الى أن قال: و الوجه ما قال أبو الصلاح.

[6] السرائر: باب المزارعة، ص 267 س 11 قال: و قال الأكثرون المحصّلون: لا يبطل الإجارة بموت الموجر و لا بموت المستأجر و هو الذي يقوى في نفسي و افتي به.

[7] الكافي: الإجارة، ص 348 س 18 قال: و لا تبطل الإجارة بالموت إلخ.

[8] المختلف: كتاب الإجارة ص 2 س 30 قال: و قال ابن الجنيد: و لو مات المستأجر قام ورثته إلخ.

____________

(9) لاحظ عبارة المختصر النافع.

(10) تقدم نقله آنفا.

20

..........

____________

(ج) بطلانها بموت المستأجر دون الموجر، نقله في الخلاف عن بعض الأصحاب [1] و في المبسوط قال: و هو أظهر عندهم [2] أي عند أصحابنا، و قال القاضي: و عمل الأكثر من أصحابنا على أنّ موت المستأجر هو الذي يفسخها، لا موت الموجر [3].

احتجّ الأوّلون بتعذّر استيفاء المنفعة بالموت، لأنه استحق استيفائها على ملك المؤجر فإذا مات زال ملكه عن العين، فانتقلت إلى ورثته، فالمنافع تحدث على ملك الوارث، فلا يستحق المستأجر استيفائها، لعدم العقد على ملك الوارث. و كذا في طرف المستأجر على تقدير موته لا يمكن إيجاب الإجارة (الأجرة) من تركته، لانتقالها بالموت إلى ورثته، و لأنه ربما كان غرض المالك تخصيص المستأجر، لتفاوت الأغراض بتفاوت المستأجرين، و قد تعذر ذلك بالموت.

و أجيب بأن المستأجر قد ملك المنافع بالعقد، و ملكت عليه الأجرة كاملة، فالمنتقل إلى ورثة المؤجر بالموت ليس الّا العين مسلوبة المنافع مدة الإجارة، و الى ورثة المستأجر ما عدا مال الإجارة، لوجوبه في حياته للغير بعقد شرعي.

احتج العلامة و من تابعه بوجوه:

(أ) إن الإجارة حق مالي و منفعته موجودة يصح المعاوضة عليها، و انتقالها بالميراث و شبهه، فلا يبطل بموت صاحبها كغيرها من الحقوق [4]

____________

[1] الخلاف: كتاب الإجارة مسألة 7 قال: و في أصحابنا من قال: موت المستأجر يبطلها إلخ.

[2] المبسوط: ج 3 كتاب الإجارات، ص 224 س 18 قال: و الأظهر عندهم انّ موت المستأجر يبطلها إلخ.

[3] المهذب: ج 1 كتاب الإجارة ص 501 س 20 قال: و عمل الأكثر من أصحابنا على أنّ موت المستأجر هو الذي يفسخها.

[4] المختلف: كتاب الإجارة ص 3 س 1 قال: لنا انه حق مالي و منفعة مقصودة يصح المعاوضة عليها إلخ

21

و كل ما تصح إعارته تصح إجارته. و اجارة المشاع جائزة. و العين أمانة لا يضمنها المستأجر و لا ما ينقص منها إلّا مع تعد أو تفريط.

و شرائطها خمسة:

(1) ان يكون المتعاقدان كاملين جائزي التصرّف

. (2) و أن تكون الأجرة معلومة، كيلا أو وزنا،

و قيل: تكفي المشاهدة، (1) و لو كان ممّا يكال أو يوزن. و تملك الأجرة بنفس العقد معجّلة مع الإطلاق أو اشتراط التعجيل و يصحّ تأجيلها نجوما، أو الى أجل واحد

____________

و لقائل أن يقول: هذا مصادرة على المطلوب، لأنّ المانع لا يسلم صحة انتقالها بالميراث لأنّ المنافع تتجدّد و تحدث في ملك الوارث.

(ب) انها عقد صحيح فيستصحب حكمه.

(ج) انه عقد ناقل بالإجماع، و إذا اقتضى نقل المنفعة إلى المكتري و الأجرة إلى المؤجر كان الأصل بقاءها على ملكه لا يزول عنه و يعود إلى من صارت عنه الّا بالدليل، و ليس في الشرع ما يدلّ على ذلك.

احتجّ الآخرون بما احتج به الأوّلون في الشق الثاني.

قال طاب ثراه: و أن تكون الأجرة معلومة كيلا أو وزنا. و قيل: تكفي المشاهدة.

أقول: قال الشيخ في المبسوط: مال الإجارة يصح أن يكون معلوما بالمشاهدة، و ان لم يعلم قدره [1] و هو مذهب السيد [2] و ظاهر النهاية المنع [3] و به قال ابن

____________

[1] المبسوط: ج 3 كتاب الإجارات ص 223 س 7 قال: و مال الإجارة يصح ان يكون جزافا إلخ.

[2] الجوامع الفقهية، كتاب البيع من الناصريات، المسألة الخامسة و السبعون و المائة، ص 217 س 17 قال: و لم يشرط في الإجارة ان تكون الأجرة مضبوطة الصفات إلخ.

[3] النهاية: باب الإجارات ص 16 قال: الإجارة لا تنعقد إلّا بأجل معلوم و مال معلوم إلخ.

22

و لو استأجر من يحمل له متاعا إلى موضع في وقت معين بأجرة معينة، فان لم يفعل نقص من أجرته شيئا معيّنا، صحّ ما لم يحط بالأجرة. (1)

(3) و ان تكون المنفعة مملوكة للموجر،

أو لمن يؤجر عنه، و للمستأجر أن يؤجر الّا أن يشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه.

____________

إدريس [1] و اختاره المصنف (2) و العلامة [2] لتحقق الجهالة، إذ قد عهد في عرف الشرع ان المكيل و الموزون انما يصح المعاوضة عليهما بعد اعتبارهما بالكيل أو الوزن، و لم يكتف في البيع لهما بالمشاهدة، و لا علة لذلك سوى الجهالة، فيمنع من الإجارة، لأنها الغرر المفضي إلى التنازع المنهي عنه.

احتج الشيخ بأصالة الصحة، و بانتفاء الغرر بحصول العلم بالمشاهدة. و الأصل مدفوع بالبطلان الناشي من الجهالة المتحققة هنا.

قال طاب ثراه: و لو استأجر من يحمل له متاعا الى موضع في وقت معين، فان لم يفعل نقص من أجرته شيئا معيّنا، صحّ ما لم يحط بالأجرة.

أقول: هذا هو المشهور في كتب أصحابنا، و توضيحه ما رواه محمّد الحلبي في الموثق قال: كنت قاعدا عند قاض و عنده أبو جعفر (عليه السلام) جالس، فأتاه رجلان، فقال أحدهما: أنّي تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعا إلى بعض المعادن و اشترطت أن يدخلني المعدن يوم كذا و كذا، لأنّها سوق أتخوف أن يفوتني، فإن احتبست عن ذلك حططت من الكر، لكلّ يوم احتبسه كذا و كذا، و انه قد

____________

[1] السرائر: باب الإجارات ص 270 س 1 قال: فأمّا مال الإجارة التي هي الأجرة فالأظهر من المذهب انّه لا يجوز الّا أن يكون معلوما و لا تصح و لا تنعقد الإجارة إذا كان مجهولا جزافا إلخ.

[2] التذكرة: ج 2 كتاب الإجارة ص 291 س 33 قال: مسألة يشترط في الأجرة المالية إلى أن قال:

و أن يكون معلوما لأنه عوض في عقد معاوضة فوجب أن يكون معلوما كثمن المبيع الى أن قال: إذا كانت الأجرة من المكيل أو الموزون إلخ.

____________

(2) لاحظ عبارة المختصر النافع.

23

..........

____________

حبسني عن ذلك الوقت كذا و كذا يوما، فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفه كراه، فلمّا قام الرجل أقبل اليّ أبو جعفر (عليه السلام) فقال: شرطه هذا جائز ما لم يحطّ بجميع كراه (1) و في صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: كنت جالسا عند قاض من قضاة المدينة فأتاه رجلان فقال أحدهما: إنّي تكاريت هذا يوافي بي السوق يوم كذا و كذا، و انّه لم يفعل، قال: ليس له كراء، قال: فدعوته فقلت له: يا عبد اللّه ليس لك أن تأهب بحقّه و قلت للأجير: ليس لك أن تأخذ كلّ الذي عليه اصطلحا، فترادّا بينكما (2) و قال ابن إدريس: الأولى عندي أن العقد صحيح و الشرط فاسد، لأنّ اللّه تعالى قال «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (3) و هذا عقد فيحتاج في فسخه إلى دليل، و إلّا فالشرط إذا انضم الى عقد شرعي صحّ العقد و بطل الشرط إذا كان غير شرعي [1] و قال أبو علي: إذا استأجره على أن يبلغ به خمسة أيام بخمسين درهما، فان لم يبلغها كان موضوعا من الأجرة لكل يوم خمسة عشر درهما، فبلغه إلى المكان في مدة لا يستغرق الحطيطة الأجرة، جاز، و ان استغرقت، أو كان الشرط عليه إن تأخّر عن شرطه لم يكن له اجرة، لكان الحكم في ذلك الصلح، لا يسقط الأجرة كلّها و لا يأخذها جميعا [2] و ظاهر العلامة بطلان العقد ببطلان الشرط و وجوب اجرة المثل [3].

____________

[1] السرائر: كتاب الإجارات ص 272 س 30 قال: و الأولى عندي أنّ العقد صحيح و الشرط باطل إلخ.

[2] المختلف: في الإجارة، ص 5 س 10 قال: و قال ابن الجنيد: و لو استاجر على أن يبلغ به إلخ ثمَّ قال بعد تزييف قول ابن إدريس: و حينئذ يجب أجرة المثل.

[3] المختلف: في الإجارة، ص 5 س 10 قال: و قال ابن الجنيد: و لو استاجر على أن يبلغ به إلخ ثمَّ قال بعد تزييف قول ابن إدريس: و حينئذ يجب أجرة المثل.

____________

(1) الفروع: ج 5 كتاب المعيشة، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحدّ، ص 290 الحديث 5.

(2) الفروع: ج 5 كتاب المعيشة، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحدّ، ص 290 الحديث 4.

(3) المائدة: 1.

24

(4) و أن تكون المنفعة مقدّرة بنفسها،

كخياطة الثوب المعين، أو بالمدة المعيّنة كسكنى الدار و تملّك المنفعة بالعقد. و إذا مضت مدّة يمكن استيفاء المنفعة و العين في يد المستأجر، استقرت الأجرة و لو لم ينتفع. (1)

و إذا عيّن جهة الانتفاع لم يتعدها المستأجر، و يضمن مع التعدّي. و لو

____________

فالحاصل: أنّ هنا أربعة أقوال:

(أ) صحة هذا الشرط و العمل بموجبة ما لم يحط بالأجرة، فيجب اجرة المثل، قاله الشيخ في النهاية و اختاره [1] و افتى به العلامة في المعتمد.

(ب) صحة هذا الشرط و العمل بموجبة ما لم يحط بالأجرة، فيجب القضاء بالصلح، قاله أبو علي (3).

(ج) بطلان هذا الشرط و صحة العقد، فيجب الأجرة بكمالها، قاله ابن إدريس (4).

(د) بطلانهما معا، فيجب اجرة المثل سواء أوصله في المعين أو غيره، و سواء أحاطت بالأجرة أو لا اختاره العلامة [2] و فخر المحققين [3] لعدم اليقين و الجزم في العقد. و هو مشكل لأنه اجتهاد في مقابلة النص.

قال طاب ثراه: و إذا مضت مدة يمكن استيفاء المنفعة و العين في يد المستأجر استقرت الأجرة و ان لم ينتفع.

أقول: هذا الكلام مجمل و يفتقر الى تفصيل و أشار إليه المصنف في الشرائع و لم

____________

[1] النهاية: باب الإجارات، ص 448 س 15 قال: و من اكترى من غيره دابّة على أن تحمل له متاعا الى ان قال: و لزمه اجرة المثل:

[2] لم أعثر على هذا الفتوى منه (قدّس سرّه) و لا حظ إيضاح الفوائد في شرح القواعد: في المطلب الثاني في العوض ج 2 ص 248 س 2 قال: و لو استاجر لحمل متاع الى مكان في وقت معلوم إلخ و ارتضاه فخر المحققين و لم يعلق عليه شيئا.

[3] لم أعثر على هذا الفتوى منه (قدّس سرّه) و لا حظ إيضاح الفوائد في شرح القواعد: في المطلب الثاني في العوض ج 2 ص 248 س 2 قال: و لو استاجر لحمل متاع الى مكان في وقت معلوم إلخ و ارتضاه فخر المحققين و لم يعلق عليه شيئا.

____________

(3) تقدما آنفا.

(4) تقدما آنفا.

25

تلفت العين قبل القبض أو امتنع الموجر من التسليم مدة الإجارة بطلت الإجارة. و لو منعه الظالم بعد القبض لم تبطل و كان الدّرك على الظالم.

و لو انهدم المسكن تخيّر المستأجر في الفسخ و له إلزام المالك بإصلاحه.

و لا يسقط مال الإجارة لو كان الهدم بفعل المستأجر.

(5) و ان تكون المنفعة مباحة،

فلو آجره ليحمل الخمر، و ليعمله الغناء لم تنعقد. و لا تصح اجارة الآبق. و لا يضمن صاحب الحمام الثياب الّا أن يودع فيفرط. و لو تنازعا في الاستئجار فالقول قول المنكر مع يمينه. و لو اختلفا في ردّ العين فالقول قول المالك مع يمينه، و كذا لو كان في قدر الشيء المستأجر، و لو اختلفا في قدر الأجرة فالقول قول المستأجر مع يمينه، و كذا لو ادعى عليه التفريط. و تثبت أجرة المثل في كلّ موضع تبطل فيه الإجارة. و لو تعدى بالدابة المسافة المشترطة ضمن،

____________

يبيّنه [1] و قد سمعنا فيه مذاكرة أقوالا غير محصّلة لا نطول بإيرادها الكتاب، لخلوّها عن الفائدة، و أجود ما قيل فيه ما حكاه شيخنا (قدّس اللّه روحه) و رضي عنه.

قال: أنسب ما سمعت في هذا المعنى ما رأيته مكتوبا على نسخة قرئت على المصنف، و صورته: أي إن كانت المنفعة معينة بالزمان لزمته الأجرة المعيّنة، و إن لم يكن معيّنة يلزم في المدة الماضية أجرة المثل، و لا يسقط المنفعة المقدّرة و تلزم الأجرة.

____________

[1] الشرائع: كتاب الإجارة، في شرائط الإجارة الرابع، قال: و إذا سلّم العين المستأجرة و مضت مدة الى أن قال: و فيه تفصيل.

26

و لزمه في الزائد أجرة المثل. و ان اختلفا في قيمة الدابة أو أرش نقصها فالقول قول الغارم، و في رواية القول قول المالك. (1)

و يستحب أن يقاطع من يستعمله على الأجرة، و يجب إيفاؤه عند فراغه، و لا يعمل أجير الخاص لغير المستأجر.

____________

قال طاب ثراه: و لو اختلفا في قيمة الدابة، أو أرض نقصها فالقول قول الغارم، و في رواية قول المالك.

أقول: مختار المصنف هو مذهب ابن إدريس [1] و اختاره العلامة، و قال الشيخ في النهاية: القول قول المالك في الدابة، و في غيرها القول قول الغارم [2] عملا برواية أبي ولاد [3]

____________

[1] السرائر: في الإجارات، ص 271 س 23 قال: و متى هلكت الدابة الى أن قال: فان لم يكن له بينة كان القول قول الغارم.

[2] المختلف: كتاب الإجارة ص 4 س 19 قال بعد نقل قول ابن إدريس: و هو جيّد.

[3] النهاية: باب الإجارات ص 446 س 4 قال: و متى هلكت الدابة الى أن قال: فان اختلفا في الثمن كان على صاحبها البيّنة فان لم تكن له بينة كان القول قوله مع يمينه الى أن قال: و الحكم فيما سوى الدابة فيما يقع الحلف فيه إلخ.

[4] الفروع: ج 5 كتاب المعيشة، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحد ص 290 الحديث 6.

قد فرغت من كتابته و تصحيحه و تحشيته صبيحة يوم السبت في الخامس من شهر صفر المظفر من شهور سنة 1409 ه. ق و الحمد للّه كلما حمده حامد و الصلاة و السّلام على نبيّه المصطفى و آله أولى الدراية و النهى بعدد أنفاس الخلائق.

27

كتاب الوكالة

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

كتاب الوكالة (1) و هي تستدعي فصولا:

(الأوّل) الوكالة،

عبارة عن الإيجاب و القبول الدالين على الاستنابة

____________

كتاب الوكالة مقدّمة الوكالة بكسر الواو و فتحها، و هي استنابة في التصرّف.

و الأصل فيها الكتاب و السنّة و الإجماع.

أمّا الكتاب: فعموم قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و قوله تعالى «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهٰا أَزْكىٰ طَعٰاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» (2) أي أعطوه دراهمكم و اقيموه في الشراء مقامكم، و قوله تعالى «فَلَمّٰا جٰاوَزٰا قٰالَ لِفَتٰاهُ آتِنٰا غَدٰاءَنٰا» (3) و العرب تسمى الوكيل و الخادم فتى، و المخاطب في الآية هو يوشع (عليه السلام)، و ليس خادما، فيكون وكيلا. فدلّت الآيتان و نظائرهما على مشروعية الاستنابة في التصرّف و هو معنى الوكالة.

____________

(1) المائدة: 1.

(2) الكهف: 19.

(3) الكهف: 62.

30

..........

____________

و أمّا السنّة: فروى جابر بن عبد اللّه أنّه قال: أردت الخروج الى خيبر فأتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)ت عليه و قلت له: إنّي أريد الخروج الى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته، فأثبت (عليه السلام) لنفسه وكيلا (1) و فيه دلالة على جواز تسليم العين إلى غير المالك بالعلامة و إخبار الثقة. و روي أنه (عليه السلام) وكّل عمرو بن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة و كانت بالحبشة (2) و وكّل أبا رافع في قبول نكاح ميمونة بنت الحرث الهلالية خالة عبد اللّه بن العباس (3) و وكّل عروة بن الجعد البارقي في شراء شاة الأضحية (4) و وكّل السعادة في قبض الصدقات (5) و روي أنّ عليا (عليه السلام) وكّل أخاه عقيلا في مجلس أبي بكر أو عمر فقال: هذا أخي، فما قضي عليه فعليّ، و ما قضي له فلي [1] و وكّل عبد اللّه بن جعفر في مجلس عثمان [2].

و أمّا الإجماع، فمن عامة المسلمين

____________

[1] السنن الكبرى للبيهقي: ج 6 ص 81 كتاب الوكالة، باب التوكيل في الخصومات مع الحضور و الغيبة، و لفظ الحديث «كان على بن أبي طالب (عليه السلام) يكره الخصومة، فكان إذا كانت له خصومة و كل فيها عقيل بن ابي طالب».

[2] السنن الكبرى للبيهقي: ج 6 ص 81 كتاب الوكالة، باب التوكيل في الخصومات مع الحضور و الغيبة، و لفظ الحديث «عن رجل من أهل المدينة يقال له جهم عن علي رضي اللّه عنه انه وكّل عبد اللّه بن جعفر بالخصومة فقال: ان للخصومة أهلا».

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي: ج 6 ص 80 كتاب الوكالة، باب التوكيل في المال و طلب الحقوق. و سنن الدار قطني ج 4 ص 154 باب الوكالة، الحديث 1.

(2) السنن الكبرى للبيهقي: ج 7 ص 139 كتاب النكاح، باب الوكالة في النكاح.

(3) التذكرة: ج 2 في الوكالة ص 113 س 35 قال: و وكل أبا رافع في نكاح ميمونة، و لم أعثر فيما بأيدينا من كتب الحديث و الرجال من العامة و الخاصة على غيره.

(4) عوالي اللئالى: ج 3، باب الوكالة ص 257 الحديث 4 و 5 و لا حظ ما علق عليه.

(5) عوالي اللئالى: ج 3، باب الوكالة ص 257 الحديث 4 و 5 و لا حظ ما علق عليه.

31

في التصرّف، و لا حكم لوكالة المتبرّع. (1)

و من شرطها أن تقع منجّزة، فلا يصح معلقة على شرط و لا صفة. و يجوز تنجيزها و تأخير التصرف إلى مدّة و ليست لازمة لأحدهما. و لا ينعزل ما لم يعلم العزل و إن أشهد بالعزل على الأصح، (2) و تصرّفه قبل العلم ماض

____________

قال طاب ثراه: و لا حكم لوكالة المتبرّع.

أقول: هذه المسألة من خواص هذا الكتاب، و اختلف في تفسيرها على قولين:

(أ) ان تبرّع إنسان فيوكل آخر عن زيد مثلا، و تقبل الوكيل هذه الوكالة، فيكون الوكالة هنا بمعنى التوكيل، أي لا حكم لتوكيل المتبرع، بل يقع باطلا. أو يكون معناه: أنّ الوكيل تبرع بقبولها فضوليا، لعلمه بصدورها عن غير مالك، فهو متبرع.

(ب) و بيانه موقوف على مقدمة.

و تقريرها ان الوكالة الصحيحة لها حكمان:

(أ) إمضاء التصرفات الصادرة من الوكيل عن الموكّل.

(ب) استحقاق الوكيل عند فعل ما وكّل فيه أحد الأمرين، إمّا الإجارة أو الجعل، فالمتبرع بقبول الوكالة من غير اشتراط أحد الأمرين لا يستحق أحدهما، فقوله: لا حكم لوكالة المتبرّع، يريد به الحكم الثاني الذي هو الاستحقاق، لا الأوّل.

و لا نعني بقولنا: من غير اشتراط أحد الأمرين، أن لا يشترط العوض لفظا، بل أعم من اللفظ و النية إذا كان العمل ممّا له اجرة بالعادة، فإنّه مع وقوعه بأمر المالك يستحق عليه اجرة المثل و ان لم يشارطه، بل التقدير انه فعله بنية التبرع، أو كان الفعل ممّا لا يستأجر له بمجرى العادة كبرية القلم، فاذا لم يذكر العوض لفظا لم يمكن له أجر و ان نواه لتبرعه بقبولها، و التعبير الأوّل أوجه.

قال طاب ثراه: و لا ينعزل ما لم يعلم العزل و ان أشهد على الأصحّ.

أقول: للأصحاب هنا ثلاثة أقوال:

32

على الموكل. و تبطل بالموت و الجنون و الإغماء و تلف ما يتعلق به. و لو باع الوكيل بثمن فأنكر الموكل الاذن بذلك القدر، فالقول قول الموكّل مع يمينه، ثمَّ تستعاد العين ان كانت موجودة و مثلها ان كانت مفقودة، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل، و كذا لو تعذر استعادتها.

____________

(أ) عدم انعزاله إلّا مع العلم، و فعله ماض على الموكّل قبل العلم و ان تأخّر عن العزل و الإشهاد و هو قول ابي علي [1] و قواه في الخلاف [2] و اختاره المصنف (3) و العلامة في الإرشاد [3] و فخر المحققين [4].

(ب) انعزاله بالعزل و إن لم تشهد و هو مذهب العلامة [5] قال الشيخ في الخلاف: إذا عزل الموكّل وكيله عن الوكالة في غيبة الوكيل، لأصحابنا فيه روايتان:

إحداهما انه ينعزل في الحال و ان لم يعلم الوكيل، و كلّ تصرف تتصرّف فيه الوكيل يكون باطلا [6] قال العلامة: و لم نظفر بهذه الرواية [7].

____________

[1] المختلف: في الوكالة، ص 158 س 36 قال: فقال ابن الجنيد: لا يصح عزل الموكل لوكيله الّا ان يعمله بالعزل إلخ.

[2] الخلاف: كتاب الوكالة، مسألة 3 قال: و الثانية انه لا ينعزل حتى يعلم الوكيل ذلك إلخ.

[3] الإرشاد: المقصد السابع في الوكالة، المطلب الثاني في الاحكام قال: فلو عزله انعزل إن علم بالعزل، و الّا فلا (مخطوط).

[4] الإيضاح: ج 2، في الفسخ ص 353 س 24 قال: و الوجه عندي الأوّل، أي قول ابن الجنيد.

[5] المختلف: في الوكالة، ص 159 س 22 قال: و قول الشيخ في النهاية لا بأس به لأنه توسط بين الأقوال.

[6] الخلاف: كتاب الوكالة، مسألة 3 قال: إذا عزل الموكّل وكيله عن الوكالة في غيبة من الوكيل فلأصحابنا فيه روايتان، إحداهما انّه ينعزل في الحال إلخ.

[7] المختلف: في الوكالة، ص 159 س 17 قال: و لم نظفر بالرواية الأخرى التي نقلها الشيخ في الخلاف

____________

(3) لاحظ عبارة المختصر النافع.

33

..........

____________

(ج) قال في النهاية: فليشهد على عزله علانية بمحضر من الوكيل، أو يعلمه بذلك، كما أشهد على وكالته و كل أمر ينفذه بعد ذلك كان ماضيا على موكّله الى أن يعلم بعزله [1]، و به قال التقي [2] و القاضي [3] و ابن حمزة [4] و ابن إدريس [5].

احتج الأوّلون بأمور:

(أ) النهى لا يتعلق به حكم في حق المنهي عنه إلّا بعد علمه، و كذا نواهي الشرع كلّها، و لهذا لما بلغ أهل قبا أنّ القبلة حوّلت إلى الكعبة، داروا و بنوا على صلاتهم و لم يؤمروا بالإعادة، و كذلك نهي الموكّل وكيله عن التصرّف ينبغي أن لا يتعلّق به حكم في حق الوكيل الّا بعد العلم، و هذا الدليل ذكره في الخلاف [6].

(ب) رواية هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (7) و في معناها رواية معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام): أنّ من وكّل رجلا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلم بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها (8) و مثلها

____________

[1] النهاية: باب الوكالات، ص 318 س 12 قال: و ان عزله و لم يشهد على عزله الى أن قال: كان ماضيا على موكّله الى أن يعلم بعزله.

[2] الكافي: فصل في الوكالة ص 338 س 9 قال: و كان ما يفعله الوكيل ماضيا حتى يعلم العزل.

[3] المختلف: في الوكالة، ص 159، س 2 قال بعد نقل قول الشيخ في النهاية: و بهذا القول قال أبو الصلاح و ابن البراج.

[4] الوسيلة: فصل في بيان الوكالة ص 283 س 5 قال: و إذا عزله لم ينعزل إلّا بالإعلام إلخ.

[5] السرائر: باب الوكالة، ص 176 س 19 قال: و إن عزله و لم يشهد الى أن قال: و كل أمر ينفذه بعد ذلك كان ماضيا إلخ.

[6] الخلاف: كتاب الوكالة، مسألة 3 قال: انّ النهي لا يتعلق به حكم في حق المنهي إلّا بعد حصول العلم به إلخ.

____________

(7) الفقيه: ج 3 (37) باب الوكالة، ص 49 الحديث 5.

(8) الفقيه: ج 3 (37) باب الوكالة، ص 47 الحديث 1.

34

..........

____________

رواية العلاء بن سيابة عنه (عليه السلام) انّ عليّا (عليه السلام) قضى بذلك (1) قال العلامة في المختلف: فاذن الظاهر عدم عزل الوكيل إلّا أن يعلم لهذه الروايات [1] (ج) لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر، لأنه قد يتصرّف بتصرّفات يتطرّق الضرر ببطلانها كما لو باع الجارية فيطأها المشتري، و الطعام فيأكله أو غير ذلك، فيتصرّف فيه المشتري فيجب ضمانه، فيتضرّر المشتري و الوكيل، و هذا الوجه الثالث ذكره العلامة في المختلف [2] ثمَّ قال بعد هذا الكلام بلا فصل: و القول الآخر ليس برديّ، لأنّ الوكالة من العقود الجائزة فللموكّل الفسخ و ان لم يعلم الوكيل، و الّا كانت لازمة حينئذ، هذا خلف، لأنّ العزل رفع عقد لا يفتقر الى رضا صاحبه، فلا يفتقر الى علمه، كالطلاق و العتق [3].

و في هذا الكلام نظر، لأنّا نجيب عن الأوّل: سلّمنا أنّ الوكالة جائزة، قوله «فللموكّل الفسخ» قلنا: جواز الفسخ مسلم، لكن ترتّب أثر الفسخ عليه شرطه العلم، و لم يحصل، و المشروط عدم عند عدم شرطه، قوله «و الّا كانت لازمة» قلنا:

قد تعرض اللّزوم للجائز كالجعالة بعد شروع العامل في العمل، فإنها تكون لازمة للجاعل إلّا مع بذلك مقابل ما عمل مع اعلامه، و أمثاله في الأحكام الشرعية كثير كحضور المسافر في مسجد الجمعة، و شروع الإنسان في الحج المندوب، و عن الثاني، قوله «العزل رفع عقد لا يفتقر الى رضا صاحبه فلا يفتقر إلى علمه كالطلاق و العتق» قلنا: نمنع المساواة، فإنّ العتق فك ملك و ليس متعلّقا بغير العاقد و ليس كذلك العزل في الوكالة لتعلّقه بثالث، ثمَّ قال: و قول الشيخ في النهاية لا بأس به، لأنّه

____________

[1] المختلف: في الوكالة ص 159 س 18 قال فاذن الظاهر عدم عزل الوكيل لهذه الروايات ثمَّ قال: و لانّه لو انعزل قبل علمه إلخ.

[2] المختلف: في الوكالة ص 159 س 20 قال: و القول الآخر ليس برديّ إلخ.

____________

(1) الفقيه: ج 3 (37) باب الوكالة، ص 48 الحديث 3 و الحديث طويل.

35

(الثاني) ما تصح فيه الوكالة.

و هو كلّ فعل لا يتعلق غرض الشارع فيه بمباشر معيّن كالبيع و النكاح، و تصح الوكالة في الطلاق للغائب و الحاضر على الأصح. (1) و يقتصر الوكيل على ما عيّنه الموكّل، و لو عمّم الوكالة صحّ الّا ما يقتضيه الإقرار.

(الثالث) الموكّل،

و يشترط كونه مكلّفا جائز التصرف. و لا يوكّل العبد إلّا بإذن مولاه، و لا الوكيل الّا أن يؤذن له. و للحاكم أن يوكّل عن السفهاء و البله. و يكره لذوي المروّات أن يتولّوا المنازعة بنفوسهم.

____________

توسط بين الأقوال (1) و هذا يدل على تردّده. و رجح في القواعد العزل (2) و جزم به في كتاب فتواه.

قال طاب ثراه: و يصح الوكالة في الطلاق للغائب و الحاضر على الأصحّ:

أقول: منع الشيخ في النهاية من توكيل الحاضر في الطلاق (3) و به قال التقي (4) و القاضي (5) و اختاره ابن إدريس (6) و المصنف (7) و العلامة (8) لوجوه:

____________

(1) المختلف: في الوكالة ص 159 س 22 قال: و قول الشيخ في النهاية لا بأس به إلخ.

(2) القواعد: في الوكالة، المطلب الخامس في الفسخ، ص 258 س 17 قال: و تبطل بعزل الوكيل نفسه، و بعزل الموكّل له سواء أعلمه العزل أولا على رأي.

(3) النهاية: باب الوكالات ص 319 س 9 قال: و ان كان شاهدا لم يجز طلاق الوكيل.

(4) الكافي: في الوكالة ص 337 س 7 قال: و الوكالة في الطلاق جائزة كالنكاح بشرط غيبة أحد الزوجين إلخ.

(5) المختلف: في الوكالة، ص 157 س 31 قال بعد نقل قول الشيخ في النهاية: و تبعه ابن البراج.

(6) السرائر: باب الوكالة ص 174 س 25 قال: و الطلاق يصح التوكيل فيه سواء كان الموكل حاضرا أو غائبا بغير خلاف إلخ. و نقله أيضا في ص 177 س 10 فلاحظ.

(7) لاحظ عبارة المختصر النافع.

(8) المختلف: في الوكالة ص 157 س 32 قال بعد نقل قول ابن إدريس: و هو الأقوى.

36

(الرابع) الوكيل،

و يشترط فيه كمال العقل. و يجوز أن تلي المرأة عقد النكاح لنفسها و لغيرها. و المسلم يتوكل للمسلم على المسلم، و الذمي، و للذمي على الذمي. و في وكالته له على المسلم تردّد. (1) و الذمي يتوكّل على

____________

(أ) الأصل الصحة.

(ب) انه فعل يقبل النيابة، فيصح دخولها فيه، أمّا الأولى فلجوازه في الغائب، و أمّا الثانية فكغيره من الافعال، لعدم المانع الخاص بصورة النزاع الواجب لخروجها من القاعدة.

(ج) قال ابن إدريس: لا خلاف أنّ حال الشقاق و بعث الحكمين: أنّ الرجل إذا وكّل الحكم الذي هو من أهله في الطلاق، فطلّق مضى طلاقه و جاز و ان كان الموكّل حاضرا في البلد [1].

احتج الشيخ برواية سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يجوز الوكالة في الطلاق فحمل على ما إذا كان الموكّل حاضرا في البلد، و الاخبار التي وردت لجواز التوكيل تحمل على الغيبة [2].

و الجواب ان الرواية ضعيفة السند [3] مع قصورها عن إفادة المطلوب، لأنها تدلّ على المنع مطلقا، فما دلّ عليه لا يقول به، و ما ذهب اليه لا تدل الرواية عليه.

قال طاب ثراه: و المسلم يتوكل للمسلم على المسلم، و الذمّي، و للذمي على الذمي، و في وكالته له على المسلم تردّد.

أقول: البحث هنا منحصر في ثمان مسائل، لأنّ الوكيل لا يخلو امّا أن يكون

____________

[1] السرائر: باب الوكالة ص 177 س 21 قال: فلا خلاف بيننا معشر الإمامية انّ حال الشقاق إلخ.

[2] الاستبصار: ج 3 (166) باب الوكالة في الطلاق ص 279 الحديث 6 ثمَّ قال بعد نقل الخبر: هذا الخبر محمول على انه إذا كان الرجل حاضرا إلخ.

[3] سند الحديث كما في الاستبصار «محمّد بن يعقوب عن الحسين بن محمّد عن معلى بن محمّد عن الحسن بن على، و حميد بن زياد عن ابن سماعة عن جعفر بن سماعة جميعا عن حماد بن عثمان عن زرارة»

37

الذمي للمسلم و الذمي، و لا يتوكّل على مسلم. و الوكيل أمين لا يضمن الّا مع تعدّ أو تفريط.

(الخامس) في الأحكام،

و هي مسائل:

الاولى: لو أمره بالبيع حالا فباع مؤجلا

و لو بزيادة، لم تصح و وقف على الإجازة. و كذا لو أمره ببيعه مؤجّلا بثمن فباع بأقل حالا، و لو باع بمثله أو أكثر صحّ إلّا أن يتعلق بالأجل غرض، و لو أمره بالبيع في موضع فباع في غيره بذلك الثمن صحّ. و لا كذا لو أمره ببيعه من إنسان فباع من غيره فإنه يقف على الإجازة و لو باع بأزيد.

____________

مسلما أو كافرا، فإن كان مسلما فمسائله أربع:

(أ) أن يتوكّل لمسلم على مسلم.

(ب) أن يتوكّل لمسلم على ذمّي.

(ج) أن يتوكّل لذمي على ذمّي.

و هذه الثلاثة إجماعي لا نزاع فيها.

(د) أن يوكّل لذمي على مسلم. و هذه المسألة هي محل الخلاف، و إليها أشار بقوله: و في وكالته، أي وكالة المسلم، له، أي للذمي على المسلم تردّد، فظاهر الشيخ في النهاية و الخلاف [1] و [2] المنع، و به قال المفيد [3].

____________

[1] النهاية: باب الوكالات ص 317 س 17 قال: و لا يتوكّل للذمي على المسلم إلخ.

[2] الخلاف: كتاب الوكالة، مسألة 15 قال: يكره أن يتوكل مسلم لكافر على مسلم الى أن قال:

لانّه لا دليل على جوازه.

[3] المقنعة: باب الضمانات و الكفالات و الحوالات و الوكالات، ص 130 س 32 قال: و للمسلم ان يتوكّل للمسلمين على أهل الإسلام و أهل الذمة إلخ.

38

الثانية: إذا اختلفا في الوكالة،

فالقول قول المنكر مع يمينه. و لو اختلفا في العزل، أو في الإعلام، أو في التفريط، فالقول قول الوكيل.

و كذا لو اختلفا في التلف و لو اختلفا في الردّ فقولان: أحدهما: القول قول الموكّل مع يمينه، و الثاني: القول قول الوكيل ما لم يكن بجعل، و هو أشبه. (1)

____________

و تلميذه سلار [1] و التقي [2] و ذهب في المبسوط إلى الكراهة [3] و به قال ابن إدريس [4] و اختاره المصنف (5) و العلامة [5] للأصل الدالّ على الجواز السالم عن معارضة إثبات السبيل للكافر على المسلم، فيثبت الجواز. و لأنّ للذميّ أهليّة المطالبة بالحقوق و استيفائها من المسلمين فلئن يتولى ذلك المسلم من المسلم أولى.

و ان كان ذميّا فمسائله أربع:

(أ) أن يتوكّل لمسلم على ذمي.

(ب) أن يتوكّل لذمي على ذمّي، و لا شك في جواز هذين القسمين.

(ج) أن يتوكّل لذمي على مسلم، و لا شك في بطلان هذا القسم.

(د) أن يتوكل لمسلم على مسلم، و منع منه أصحابنا لاستلزام السبيل.

قال طاب ثراه: و لو اختلفا في الردّ فقولان: أحدهما القول قول الموكّل مع يمينه، و الثاني قول الوكيل ما لم يكن بجعل و هو أشبه.

أقول: في المسألة قولان:

____________

[1] المراسم: ذكر أحكام الضمانات و الكفالات و الحوالات و الوكالات، ص 201 س 11 قال: فأما الذمي فلا يتوكل لأهل الذمة على أهل الإسلام.

[2] الكافي: فصل في الوكالة و أحكامها ص 338 س 2 قال: و لا يتوكل لكافر على مسلم.

[3] المبسوط: ج 2، كتاب الوكالة ص 392 س 17 قال: يكره أن يتوكل المسلم الكافر على مسلم إلخ

[4] السرائر: باب الوكالة ص 176 س 7 قال: و يكره ان يتوكل للذمي على المسلم.

[5] المختلف: في الوكالة، ص 158 س 27 قال: و الأقرب الجواز على كراهية.

____________

(5) لاحظ عبارة المختصر النافع.

39

..........

____________

(أ) القول قول المالك في عدم الردّ، لأنّه الأصل و لقوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدّي (1) سواء كان بجعل أولا، و هو قول ابن إدريس [2] و هو مذهب المصنف في الشرائع [3].

(ب) القول قول المالك ان كان بجعل، و ان لم يكن بجعل فالقول قول الوكيل لأنه أمين قبض المال لمنفعة غيره دون منفعته كالمودع و هو قول الشيخ في المبسوط [4] و به قال القاضي [5] و المصنف في النافع [6].

تنبيه الامناء على ثلاثة أقسام:

(أ) من يقبل قوله في الردّ إجماعا، و ضابطه من قبض العين لنفع المالك، و هو محسن محض، فيقبل قوله في ردّها حذرا من مقابلة الإحسان بالإسائة، كالمستودع، و استشكله العلامة من حيث أنّ الأصل عدم الردّ [7] و جزم به في كتاب فتواه

____________

[2] السرائر: باب الوكالة ص 175 س 1 قال: فالذين لا ضمان عليهم فهم الوكيل الى أن قال:

و الذي يقتضيه أصولنا أنّ المستام لا ضمان عليه إلخ.

[3] الشرائع: في التنازع، الثانية، إذا اختلفا في دفع المال إلى الموكّل الى أن قال: و قيل: القول قول المالك و هو أشبه.

[4] المبسوط: ج 2 كتاب الوكالة ص 372 س 12 قال: فان اختلفا في الردّ الى ان قال: فان كان وكيلا بغير جعل قبل قوله إلخ.

[5] المختلف: في الوكالة ص 160 س 26 قال بعد نقل قول المبسوط: و كذا قال ابن البراج.

[6] لاحظ عبارة المختصر النافع.

[7] المختلف: في الوكالة ص 160 س 28 قال: و في الودعيّ إشكال.

____________

(1) عوالي اللئالى: ج 1 ص 224 الحديث 106 و ص 389 الحديث 22 و ج 2 ص 345 الحديث 10 و ج 3 ص 246 الحديث 2 و ص 251 الحديث 3 و لاحظ ما علق عليه.

40

[الثالثة إذا زوّجه مدعيا وكالته، فأنكر الموكّل]

الثالثة: إذا زوّجه مدعيا وكالته، فأنكر الموكّل، فالقول قول المنكر مع يمينه، و على الوكيل مهرها، و روي نصف مهرها لأنه ضيّع حقها، و على الزوج ان يطلقها إن كان وكّل. (1)

____________

بموافقة الأصحاب.

(ب) مقابله، و ضابطه من قبض العين لنفعه و مصلحته كالمستعير و المسترهن و المستأجر.

(ج) من قبض العين و نفعها مشترك بين المالك و القابض كالمضارب و الوكيل بجعل، فمن غلب جانب النفع اعتبر قول المالك، و من غلب جانب الأمانة اعتبر قول العامل.

قال طاب ثراه: إذا زوّجه مدّعيا وكالته، فأنكر الموكّل، فالقول قول المنكر مع يمينه، و على الوكيل مهرها، و روي نصف مهرها، لأنّه ضيّع حقها، و على الزوج أن يطلقها إن كان وكّل.

أقول: في المسألة ثلاثة أقوال:

الأول: وجوب المهر كملا على الوكيل، بوجوه ثلاثة:

(أ) انه ضيّع حقّها بترك الإشهاد على الوكالة، فعليه ضمانها.

(ب) إنّ المهر يجب كلّه بالعقد، و انما ينتصف بالطلاق، و لم يحصل.

(ج) إنّه العار لها بالعقد عليها و منع الأزواج منها، و هو مذهب الشيخ في النهاية [1] و تبعه القاضي [2] و اختاره العلامة في كتاب فتواه.

____________

[1] النهاية: باب الوكالات ص 319 س 3 قال: و ان عقد له على التي أمره الى أن قال: لزم الوكيل أيضا مهر المرأة إلخ.

[2] المختلف: في الوكالة ص 159 س 25 قال بعد نقل قول النهاية: و به قال ابن البراج.

41

..........

____________

الثاني: وجوب نصف المهر قاله الشيخ في المبسوط [1] و اختاره ابن إدريس [2] ثمَّ قوّى قول النهاية لأنّها فرّقه قبل الدخول فيكون كالطلاق، و لرواية عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) (1).

الثالث: بطلان العقد في الظاهر، و لا يجب على الوكيل شيء، كالحكم في غير التزويج، كما لو باع مثلا، فإنّه يحكم ببطلان العقد مع يمين الموكّل. و كما ينسب التفريط في عدم الإشهاد إلى الوكيل، ينسب إلى المرأة، إذا لحقّ لها، فكان من حقّها أن لا تجيب الى التزويج الّا من ثبت وكالته شرعا، و حينئذ يحكم ببطلان العقد في الظاهر، كما يحكم ببطلان البيع، و لا يغرم الوكيل شيئا، و يبقى الزوج فيما بينه و بين اللّه سبحانه إن كان صادقا فلا شيء عليه، و الّا وجب عليه الطلاق و دفع نصف المهر، حكاه العلامة عن بعض الأصحاب و قواه في المختلف [4].

فرع المرأة إن لم تصدّق الوكيل حلّ لها التزويج، مع بطلان العقد في الظاهر، و ان صدقته لم يتزوج و لا يجبر الموكّل على الطلاق، بل يفسخ الحاكم.

____________

[1] المبسوط: ج 2، كتاب الوكالة ص 386 س 15 قال: إذا وكّله في تزويج امرأة بعينها الى أن قال:

يلزم الوكيل نصف مهرها.

[2] السرائر: باب الوكالة ص 177 س 3 قال: فان عقد له على التي أمره بالعقد عليها الى أن قال:

لزم الوكيل نصف المهر، ثمَّ نقل قول الشيخ في النهاية و قال: و بهذا افتى و عليه أعتمد.

[4] المختلف: في الوكالة ص 159 س 30 قال: و قال بعض علمائنا: إذا أنكر الموكّل الوكالة إلخ.

____________

(1) الفقيه: ج 3، باب الوكالة، الحديث 4 و الحديث طويل.

42

..........

____________

تذنيبات (أ) هل يصح الوكالة من أهل السهمان في قبض الزكاة؟ قال في المبسوط: نعم [1] و اختاره العلامة [2] و هو مذهب الشهيد [3] و منعه القاضي [4] و اختاره ابن إدريس [5].

احتج الأوّلون: بالأصل، و بأنه عمل مباح فتدخله النيابة، أمّا إباحته فظاهرة، و أمّا قبوله النيابة فيدلّ عليه وضع الشارع نصيبا للعامل. و يجب دفع الزكاة الى الإمام و الساعي، و تبرأ ذمة الدافع، و ان تلفت بعد ذلك منهما، فكانا كالموكّلين لأهل السهمان، لأنّهما لو كانا وكيلا المالك يغرم ثانيا كما يغرم لو تلفت من يده أو يد وكيله. فبراءة ذمته بتلفها منهما، دلّ على أنّهما وكيلا أهل السهمان.

احتج ابن إدريس: بأن التوكيل حكم شرعي فيحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و لا دلالة، و أيضا فإن الذمة مرتهنة بالزكاة، فلا تبرأ إلّا بفعلها، و لا خلاف في البراءة بتسليمها إلى مستحقها دون وكيله، لأنّ الوكيل ليس هو من الثمانية الأصناف. و لأنّ الزكاة و الخمس لا يستحقهما واحد بعينه، و لا يملكهما أحد إلّا بعد قبضهما، فالوكيل لا يستحق المطالبة، و كلّ واحد من أهل الزكاة و الخمس لا يستحق المطالبة بالمال، لأنّ الإنسان مخيّر في وضعه فيه أو في غيره، فلا يجبر على تسليمه اليه [6] قال العلامة في المختلف: لا استبعاد في أن يقول الفقير: وكّلتك في قبض

____________

[1] المبسوط: ج 2 كتاب الوكالة، ص 361 س 2 قال: و يصح من أهل السهمان التوكيل في قبضها.

[2] المختلف: في الوكالة، ص 157 س 17 قال: مسألة تصح الوكالة من أهل السهمان في قبض الزكاة الى أن قال: و قال ابن البراج: لا تصح الوكالة في الزكاة إلّا في إخراجها، الى أن قال: لنا أنّه عمل مباح يقبل النيابة إلخ.

[3] المختلف: في الوكالة، ص 157 س 17 قال: مسألة تصح الوكالة من أهل السهمان في قبض الزكاة الى أن قال: و قال ابن البراج: لا تصح الوكالة في الزكاة إلّا في إخراجها، الى أن قال: لنا أنّه عمل مباح يقبل النيابة إلخ.

[4] لم أعثر عليه صريحا.

[5] السرائر: باب الوكالة ص 174 س 10 قال بعد نقل قول ابن البراج على المنع: و هو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دلالة عليه الى قوله: فلا يجبر على تسليمه إليه.

[6] السرائر: باب الوكالة ص 174 س 10 قال بعد نقل قول ابن البراج على المنع: و هو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دلالة عليه الى قوله: فلا يجبر على تسليمه اليه.

43

..........

____________

ما يدفعه المالك إلىّ عن زكاته، و لا يستلزم ذلك استحقاق المطالبة، بل إذا اختار المالك، الدفع الى ذلك الفقير، جاز الدفع الى وكيله [1]، و عندي في هذه المسألة توقف.

(ب) لا يجوز التوكيل في الطهارة مع الاختيار و يجوز مع الضرورة، و يتولّى هو النية، و يجوز أن يستعين في صب الماء على كراهية قاله الشيخ [2] و هو المشهور بين الأصحاب، و منعه القاضي [3].

(ج) هل يجوز التوكيل في الاحتطاب و الاحتشاش و الاصطياد، و بالجملة اجارة المباحات، بمعنى أن ما يحتطبه الوكيل يكون للموكّل، و كذا ما يصصاده، أولا يجوز بمعنى انه يكون للوكيل بمجرد حيازته؟ قوّى الشيخ المنع و أجاز التوكيل في إحياء الموات [4] و تبعه ابن إدريس [5]. و في الجمع بينهما نظر، و منشأ الخلاف أنّ تملك المباحات هل يحتاج الى نيته أم لا؟ فبعض ذهب الى الاحتياج، لوقوع الإجماع بتملك الدرّة الموجودة في بطن السمكة، إذ لو دخلت في الملك مع عدم النية لوجب ردّها على الصياد، لأنه ملكها بمجرد الاستيلاء. و ذهب بعضهم الى عدم الاحتياج

____________

[1] المختلف: في الوكالة، ص 157 س 26 قال: و أي استبعاد في أن يقول الفقير إلخ.

[2] المبسوط: ج 2 كتاب الوكالة، ص 260 س 15 قال: أمّا الطهارة فلا يصح التوكيل فيهما و انّما يستعين بغيره إلخ.

[3] المختلف: في الوكالة، ص 157 س 28 قال: و قال ابن البراج: و أمّا النيابة في صبّ الماء على المتطهر القادر على الطهارة إلخ.

[4] المبسوط: كتاب الوكالة ص 363 س 5 قال: و اما الجزية الى أن قال: و كذلك الاحتطاب و الاحتشاش، و الأقوى ان لا يدخلها التوكيل. و قال في ص 362 س 21 و كذلك يصح في إحياء الموات.

[5] السرائر: باب الوكالة ص 174 س 34 قال: و اما الجزية و الاحتطاب و الاحتشاش و الاصطياد فلا يدخل في ذلك النيابة و التوكيل.

44

..........

____________

إلى النية، و لعلّ استناده الى قوله (عليه السلام) من أحيا أرضا ميتة فهي له قضاء من اللّه و رسوله (1) فحكم بالملك و لم يشترط النية. و لعلّ الأوّل أقوى. فمن اعتبر النية.

أجاز التوكيل و حكم بالملك للموكّل، و من لم يعتبر النية حكم بالملك للوكيل بإثبات يده اليه و ألغى الوكالة.

(د) هل يصح التوكيل في الإقرار؟ الأظهر، لا، و هو مذهب العلامة [2] و فخر المحققين [3] لأنّه اخبار عن حق يلزم المقرّ، و لقوله (عليه السلام): إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (2) و اتّفق العلماء على انّه يدلّ بمفهومه على عدم قبوله على الغير، و اتفق الكلّ على أنّ دلالة المفهوم راجحة. و جوّزه الشيخ في المبسوط [5] و الخلاف [6] و قال في المبسوط: و من الناس من قال: لا يصحّ ثمَّ اختلف القائلون بعدم الصحة فمنهم من قال: يكون توكيله و اذنه في الإقرار منه، لأنّه أخبر عن حق عليه لخصمه، و قال غيره: لا يكون إقرارا، لأنّ التوكيل في الشيء لا يكون إثباتا لنفس ذلك الشيء، كالتوكيل في البيع لا يكون بيعا، و كذلك الأمر بالأمر لا يكون أمرا.

و الحق أنّه لا يكون إقرارا، لأنّه إخبار و في التوكيل يكون إنشاء، و اللفظ الواحد لا يستعمل فيهما في حالة واحدة، لاحتمال الإخبار الصدق و الكذب، و ليس كذلك الإنشاء.

____________

[2] القواعد: الرابع متعلق الوكالة ص 254 س 18 قال: و في التوكيل على الإقرار إشكال إلخ.

[3] الإيضاح: ج 2، ص 340 س 7 قال بعد نقل عبارة القواعد: أقول: منشأ الاشكال إلخ.

[5] المبسوط: كتاب الوكالة ج 2 ص 368 س 24 قال: فامّا إذا أذن له في الإقرار عليه و وكّله فيه فإنه يصح ذلك إلخ.

[6] الخلاف: كتاب الوكالة، مسألة 5 قال: إذا أذن له في الإقرار عنه صحّ إقراره إلخ.

____________

(1) الفقيه: ج 3 باب احياء الموات و الأرضين، الحديث 2 و سنن أبي داود ج 3 كتاب الخراج و الإمارة و الفيء، الحديث 3073 و 3074 بدون الجملة الأخيرة.

(2) عوالي اللئالي: ج 1 ص 223 الحديث 104 و ج 2 ص 257 الحديث 5 و ج 3 ص 442 الحديث 5 و لاحظ ما علق عليه.

45

[كتاب الوقوف و الصدقات و الهبات]

كتاب الوقوف و الصدقات و الهبات

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

كتاب الوقوف و الصدقات و الهبات (1)

[أمّا الوقف و النظر إمّا في الشروط أو اللواحق]

أمّا الوقف: فهو تحبيس الأصل و إطلاق المنفعة.

و لفظه الصريح (وقفت) و ما عداه يفتقر إلى القرينة الدالّة على التأبيد، و يعتبر فيه القبض. و لو كان مصلحة كالقناطر، أو موضع عبادة كالمساجد، قبضه الناظر فيها. و لو كان على طفل قبضه الوليّ، كالأب و الجد للأب أو الوصيّ. و لو وقف عليه الأب أو الجد صحّ، لأنّه مقبوض بيده.

و النظر إمّا في الشروط أو اللواحق.

[و الشروط أربعة أقسام]

و الشروط أربعة أقسام:

____________

كتاب الوقوف و الصدقات و الهبات مقدّمة الوقف في اللغة الحبس.

و في الشرع تحبيس أصل ينتفع به مع بقاء عينه و تسبيل منافعه، و الجمع وقوف و أوقاف، و لا يقال: أوقفت إلّا شاذا، و يقال: حبست و أحبست. و مقتضاه زوال الملك عن المالك و تسبيل المنفعة على الموقوف عليه.

48

..........

____________

و سمّي الوقف وقفا، لاشتماله على وقف المال على الجهة المعينة و قطع سائر الجهات و التصرّفات عنه.

و الأصل فيه: الكتاب و السنة و الإجماع.

أمّا الكتاب: فعموم قوله «وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ» (1) «وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ» (2).

و أمّا السنّة: فكثير، مثل قوله (عليه السلام): إذا مات ابن آدم انقطع عمله الّا من ثلاثة، ولد صالح يدعو له و علم ينتفع به بعد موته، و صدقة جارية (3) قال العلماء:

المراد بالصدقة الجارية، الوقف: و قال الصادق (عليه السلام): ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلّا ثلاث خصال، صدقة أجراها في حياته، فهي تجري بعد موته الى يوم القيامة، و صدقة موقوفة لا يورث، أو سنّة هدى سنّها فكان يعمل بها، و عمل بها من بعده غيره، أو ولد صالح يستغفر له (4) و عنه (عليه السلام): ستة تلحق المؤمن بعد وفاته. ولد يستغفر له، و مصحف يخلفه، و غرس يغرسه، و بئر تحفره و صدقة تجريها، و سنّة يؤخذ بها من بعده [5].

و وقفت فاطمة (عليها السلام) حوائطها بالمدينة (5).

____________

[5] الفروع: ج 7، كتاب الوصايا، باب ما يلحق الميت بعد موته، ص 57 الحديث 5 و فيه «و قليب يحفره» بدل «و بئر يحفره».

____________

(1) الحج: 77.

(2) البقرة: 272.

(3) الجامع الصغير للسيوطي حرف الهمزة، نقلا عن البخاري و صحيح مسلم، و في عوالي اللئالى:

ج 3 ص 260 الحديث 1.

(4) الفروع: ج 7، كتاب الوصايا باب ما يلحق الميت بعد موته، ص 56 الحديث 2 مع اختلاف يسير في بعض الكلمات.

(5) الفروع: ج 7، كتاب الوصايا، باب صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة و الأئمة (عليهم السلام) ص 48 الحديث 5.

49

..........

____________

و أمّا الإجماع: فمن الإمامية لا يختلفون في مشروعية، و ان اختلفوا في مسائله «و اشتهر اتفاق الصحابة عليه قولا و فعلا، و قال جابر: لم يكن أحد من الصحابة دو مقدرة إلّا وقف وقفا» (1) [2].

تذنيب أوقاف الجاهلية باطلة، و هي أربعة:

(أ) السائبة، و هي التي تلد ثلاث بطون كلها إناث، فتسيب، و لا يركب و لا يحلب الّا لضيف [3].

(ب) البحيرة، و هي ولد السائبة الذي يجيء به في بطن الحادي عشر، فان كان أنثى فهي البحيرة، و سمّيت؟ لأنهم كانوا يبحرون أذنها، أي يشقونها، و البحر الشق، و منه سمى البحر، لأنّه شق في الأرض.

(ج) الوصيلة، و هي الشاة التي تلد خمس بطون، في كل بطن عناقان، فاذا ولدت بطنا سادسا ذكرا أو أنثى، قيل وصلت أخاه، فما تلد بعد ذلك يكون حلالا للذكور و حراما على الإناث.

(د) الحام، و هو الفحل ينتج من صلبه عشر بطون، فيسيب، و يقال: حمى ظهره، فلا يركب.

فهذه وقوف الجاهلية، و جاء في الشرع بإبطالها، و قال تعالى

____________

[2] بين الهلالين ليس في نسخة (ألف) المصححة، و لكنه موجود في نسخة (ب).

[3] ما أفاده (قدّس سرّه) في معنى الكلمات انما هو بعض ما اشتهر في ذلك و من أراد التفصيل فليرجع الى تفسير مجمع البيان في تفسيره لآية (103) من سورة المائدة.

____________

(1) عوالي اللئالى: ج 3، باب الوقف و ما يتبعه، ص 261 الحديث 5.

50

[الأوّل في الوقف]

الأوّل، في الوقف: و يشترط فيه التنجيز و الدّوام، و الإقباض و إخراجه عن نفسه. فلو كان إلى أمد كان حبسا. و لو جعله لمن ينقرض غالبا صحّ، و يرجع بعد موت الموقوف عليه إلى ورثة الواقف طلقا، و قيل:

ينتقل إلى ورثة الموقوف عليه، و الأول مرويّ. (1)

____________

«مٰا جَعَلَ اللّٰهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لٰا سٰائِبَةٍ وَ لٰا وَصِيلَةٍ وَ لٰا حٰامٍ وَ لٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّٰهِ الْكَذِبَ» (1) فأخبر سبحانه أنّهم لم يشرع لهم ذلك، و إنّما هو بوضعهم و اصطلاحهم، كقوله تعالى «إِنْ هِيَ إِلّٰا أَسْمٰاءٌ سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ بِهٰا مِنْ سُلْطٰانٍ» (2).

و ألفاظ الوقف سنة: وقفت، و تصدقت، و حبست، و سبلت، و حرمت، و أبدت، فوقفت صريح لا يفتقر معه إلى قرينة، و البواقي كنايات يفتقر إلى قرينة كقوله: تصدقت بداري صدقة موقوفة، أو محتبسة، أو مسبّلة و ما ناسبه من الألفاظ الدالّة على إرادة التأبيد.

قال طاب ثراه: و لو جعله لمن ينقرض غالبا صحّ، و يرجع بعد موت الموقوف عليه إلى ورثة الواقف طلقا، و قيل: ينتقل إلى ورثة الموقوف عليه، و الأوّل مرويّ.

أقول: هنا مسألتان:

الأولى: هل يصحّ هذا الوقف أم لا؟

فنقول: شرط الوقف التأبيد، فلو جعله على من ينقرض غالبا و لم يسقه بعد ذلك إلى من لا ينقرض كالفقراء و المساجد و المشاهد، هل يصح وقفا؟ قال الشيخان: نعم [3]

____________

[3] المقنعة: باب الوقوف و الصدقات، ص 100 س 19 قال: فان وقف إنسان شيئا على ولده الى أن قال: كان متى انقرضوا و لم يبق منهم أحد راجعا ميراثا إلخ. و النهاية: باب الوقوف و أحكامها ص 599 س 17 قال: و متى وقف الإنسان شيئا الى أن قال: فمتى انقرض أرباب الوقف رجع الوقف إلى ورثة الواقف إلخ.

____________

(1) المائدة: 103.

(2) النجم: 23.

51

..........

____________

و به قال القاضي [1] و أبو علي [2] و سلار [3] و ابن إدريس [4] و اختاره المصنف [5] و العلامة [6] و قال ابن حمزة: فإن علّق على من يصحّ انقراضه كان عمرى، أو سكنى أو حبسا بلفظ الوقف [7] «و حكى الشيخ القولين في كتاب الخلاف عن بعض أصحابنا» [8] [9].

احتج الأوّلون بوجوه:

(ا) الأصل الصحة.

(ب) أنّه نوع تمليك و صدقة فيتبع اختيار المالك في التخصيص كغير صورة النزاع.

(ج) إنّ تمليك الأخير ليس شرطا في تمليك الأوّل، و إلّا لزم محالان، تقديم المعلول على العلة، و الدور، لأنّ الوقف شرطه التنجيز، و لا بدّ أن يكون له مقرّ في

____________

[1] المهذب: ج 2، كتاب الوقف ص 91 س 16 قال: فان وقفه على وجه من الوجوه في البر الى ان قال: ثمَّ انقرض الموقوف عليهم راجعا إلى ذرية الواقف.

[2] المختلف: في الوقف ص 34 س 22 قال: فلو وقف على من ينقرض الى أن قال: قال الشيخان و ابن الجنيد يصح ثمَّ قال: و الوجه عندي الصحة.

[3] المختلف: في الوقف ص 34 س 22 قال: فلو وقف على من ينقرض الى أن قال: قال الشيخان و ابن الجنيد يصح ثمَّ قال: و الوجه عندي الصحة.

[4] المراسم: ذكر أحكام الوقوف و الصدقات، ص 198 س 17 قال: و ان أطلقه الى أن قال: كان إذا انقرضوا ميراثا.

[5] السرائر: كتاب الوقوف و الصدقات، ص 379 س 19 قال: و متى وقف الإنسان شيئا الى أن قال: كان متى انقرضوا و لم يبق منهم أحد، راجعا ميراثا.

[6] لاحظ عبارة المختصر النافع.

[7] الوسيلة: كتاب الوقوف و الصدقات، ص 370 س 3 قال: و ان لا يعلق الوقف بوجه منقرض، فان علق على وجه يصح كان عمرى إلخ.

[8] بين الهلالين ليس في نسختي (ألف) و (ب) و لكنه موجود في نسخة (ج).

[9] الخلاف: كتاب الوقوف: مسألة 9 و فيها نقل الخلاف في صحة هذا الوقف و عدم صحته.

52

..........

____________

الحال، فتملك الأول شرط في تملك الثاني، فلو انعكس لزم الدور.

و احتج الآخرون، بأنّ الوقفية مقتضاه التأبيد، فإذا كان منقطعا صار وقفا على مجهول، فلا يصحّ كما لو وقفه على مجهول في الابتداء.

و أجاب المسوغون، بمنع الصغرى، و بالفرق بين مجهول الابتداء و بين صورة النزاع، فإنّ المصرف غير معلوم في الأوّل، بخلافه في الثاني.

الثانية: هل يرجع هذا الوقف الى الواقف، أو الى ورثة الموقوف عليهم، أو الى وجوه البرّ؟ قيل فيه ثلاثة أقوال:

فبالأوّل قال الشيخ [1] و تبعه القاضي [2] و سلار [3] و هو اللازم من كلام ابن حمزة حيث جعله سكنى أو عمرى [4] و اختاره المصنف [5] و العلامة [6].

و بالثاني قال المفيد [7] و ابن إدريس [8].

____________

[1] النهاية: باب الوقوف و أحكامها ص 599 س 17 قال: و متى وقف الإنسان شيئا الى أن قال:

رجع الى ورثة الواقف.

[2] المهذب: ج 2 ص 91 س 16 قال: فان وقفه على وجه من الوجوه في البرّ الى أن قال: كان راجعا إلى ذريّة الواقف.

[3] المراسم: ذكر احكام الوقوف، ص 198 س 17 قال: فإن أطلقه الى أن قال: كان إذا انقرضوا ميراثا لأقرب الناس إليه.

[4] الوسيلة: كتاب الوقوف، ص 370 س 3 قال: و ان لا يعلق الوقف بوجه منقرض: فان علق كان عمرى أو رقبى أو سكنى الى ان قال فان عيّن بالأسماء و قال: على فلان و فلان و قصّر عليه كان أعمارا بلفظ الوقف.

[5] لاحظ عبارة المختصر النافع.

[6] المختلف: في الوقف، ص 34 س 25 قال: بعد نقل الأقوال: و الوجه عندي الصحة، لنا انّه نوع تمليك إلخ.

[7] المقنعة: باب الوقوف و الصدقات، ص 100 س 19 قال: و إذا وقف إنسان شيئا على ولده الى أن قال:

كان متى انقرضوا و لم يبق منهم أحد راجعا ميراثا على أقرب الناس من آخر المنقرضين من أرباب الوقف.

[8] السرائر: كتاب الوقوف ص 379 س 19 قال: و متى وقف الإنسان شيئا الى أن قال: كان متى