القواعد و الفوائد - ج1

- الشهيد الأول المزيد...
423 /
29

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به أستعين

اللهم إني أحمدك و الحمد من نعمائك، و أشكرك و الشكر من عطائك و أصلي على خير أنبيائك، و سيد أصفيائك، و خاتم رسلك، أبي القاسم محمد بن عبد اللّه و عترته الطاهرين.

و أسألك أن تصلي عليهم و على جميع أنبيائك، و أن تيسر لنا طاعتك لننتظم في سلك أوليائك، و نعدّ في زمرة أحبائك و أن ترزقنا عونك على جميع مقاصدنا التي لا تخرج عن مرضاتك (1) في أرضك و سمائك، و تجعل ما عزمنا عليه من تأليف هذه «القواعد و الفوائد» عدة و ذخرا ليوم لقائك. فإليك توجهنا، و عليك توكلنا، و إليك أنبنا، فجازنا بأحسن جزائك و أفض علينا سوابغ نعمائك.

____________

(1) في (ا): رضاك.

30

[قواعد في الأحكام الشرعية]

قاعدة- 1 الفقه لغة (1): الفهم.

و شرعا: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.

فخرج: العلم بالذوات، و العلم بالأحكام العقلية، و علم أصول الفقه، و علم المقلّد إذا استند إلى دليل إجمالي، فإنه يقول في كل مسألة:

هذا ما أفتاني به المفتي، و كل ما يفتي (2) به المفتي فهو حكم اللّه تعالى في حقي. فإنه ينتج: هذا حكم اللّه تعالى في حقي.

قاعدة (3)- 2 الحكم الشرعي ينقسم إلى الخمسة المشهورة (4)،

و ربما جعل السبب و المانع، و الشرط، مغايرا لها، كالدلوك الموجب للصلاة، و النجاسة المانعة منها، و الطهارة المصححة لها.

و كل ذلك ينحصر في أربعة أقسام: العبادات، و العقود، و الإيقاعات و الأحكام.

و وجه الحصر: أن الحكم الشرعي إما أن تكون غايته الآخرة، أو الغرض الأهم منه الدنيا، و الأول: العبادات. و الثاني: إما أن يحتاج إلى عبارة، أو لا، و الثاني: الأحكام. و الأول: إما أن تكون العبارة

____________

(1) انظر: ابن منظور- لسان العرب: 13- 522، فصل الفاء حرف الهاء، مادة (فقه).

(2) في (ح): ما أفتى.

(3) في (ح) و (أ): فائدة.

(4) و هي: الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة، و الإباحة.

31

من اثنين- تحقيقا أو تقديرا- أو لا، و الأول: العقود، و الثاني:

الإيقاعات.

قاعدة (1)- 3 العبادات (2) تنتظم ما عدا المباح،

فتوصف العبادة بالوجوب، و الاستحباب، و التحريم، و الكراهة.

كالصلاة المنقسمة إلى الواجبة و المستحبة، و إلى صلاة الحائض، و إلى الصلاة في الأماكن المكروهة، و الأوقات المكروهة.

و الصوم المنقسم إلى الأربعة، كصوم رمضان، و شعبان، و العيد (3) و السفر.

و أما العقود فهي أسباب تترتب عليها الأحكام الشرعية من الوجوب و الندب، و الكراهة، و التحريم، و الإباحة.

فإن عقد البيع- مثلا- يوصف بالإباحة. و يترتب على البيع الصحيح وجوب التسليم إلى المشتري و البائع في العوضين، و تحريم المنع منه، و إباحة الانتفاع، و كراهة الاستحطاط بعد الصفقة، و استحباب إقالة النادم.

و تلحق أيضا (4) الأحكام الخمسة نفس العقد و إن كان سببا، فيجب البيع عند توقف الواجب عليه، كإيفاء الدين، و نفقة الواجبي النفقة، و الحج به، و صرفه في الجهاد.

____________

(1) في (ح) و (أ): فائدة، و هي زيادة ليست في (م).

(2) في (م) زيادة: و هذه.

(3) في (أ): و العيدين.

(4) زيادة من (م).

32

و يستحب البيع عند الربح إذا كانت السلعة مقصودا بها الاسترباح و قصد بذلك التوسعة على عياله، و نفع المحتاج.

و يحرم البيع إذا اشتمل على ربا، أو جهالة، أو منع حق واجب كبيع راحلة الحاج إذا علم عدم إمكان الاستبدال، و بيع المكلّف ماء الطهارة إذا علم فقده بعده.

و يكره البيع إذا استلزم تأخير الصلاة عن وقت الفضيلة.

و يباح حيث لا رجحان و لا مرجوحية.

و تلحق أيضا الأحكام الخمسة بمقدمات العقد، فالوجوب: كوجوب العلم (في العوضين) (1).

و التحريم: كالاحتكار، و التلقي، و النجش عند من حرمهما (2) (3).

و الكراهة: كالزيادة وقت النداء (4) و الدخول في سوم المؤمن.

و المستحب: التساهل (5) في البيع، و إحضاره إلى (6) موضع يطلب فيه.

و المباح: ما خلا عن هذه الوجوه.

____________

(1) في (ح): بالعوضين.

(2) في (ح): حرمها.

(3) انظر: ابن إدريس- السرائر: 209- 210، و ابن سعيد- الجامع: 112 (مخطوط بمكتبة السيد الحكيم برقم 476)، و العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 2- 168، و الشيرازي- المهذب: 1- 291- 292.

(4) أي الزيادة في الثمن حال نداء المنادي على السلعة، بل يصبر حتى يسكت ثمَّ يزيد إن أراد.

(5) في (ح) و (م): كالشاهد، و في (ا): الشاهد.

(6) في (ح) و (م) و (أ): في.

33

و الإيقاعات يترتب عليها ما قلناه في العقود.

و أما المسماة بالأحكام فالغرض منها إما بيان الإباحة، كالصيد، و الأطعمة، و الإرث، و الأخذ بالشفعة.

و أما بيان التحريم، كموجبات الحدود و الجنايات، و غصب الأموال.

و اما بيان الوجوب، كنصب القاضي، و نفوذ حكمه، و وجوب إقامة الشهادة عند التعيّن، و وجوب الحكم على القاضي عند الوضوح.

و أما بيان الاستحباب، كالطعمة في الميراث، و آداب الأطعمة و الأشربة و الذبائح. و العفو في حدود الآدميين و قصاصهم و دياتهم.

و أما بيان الكراهة، كما في كثير من الأطعمة و الأشربة، و آداب القاضي.

قاعدة- 4 لما ثبت في علم الكلام (1) أن أفعال اللّه تعالى معللة بالأغراض،

و أن الغرض يستحيل كونه قبيحا، و أنه يستحيل عوده إليه تعالى، ثبت كونه لغرض يعود إلى المكلّف، و ذلك الغرض إما جلب نفع إلى المكلف أو دفع ضرر عنه، و كلاهما قد ينسبان إلى الدنيا، و قد ينسبان إلى الآخرة.

فالأحكام الشرعية لا تخلو (عن أحد) (2) هذه الأربعة. و ربما اجتمع في الحكم أكثر من غرض واحد، فان المتكسب لقوته و قوت عياله الواجبي النفقة (3) أو المستحبي النفقة إذا انحصر وجهه في التكسب،

____________

(1) انظر: العلامة الحلي- كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد:

169 (الطبعة الحجرية بإيران 1310 ه).

(2) في (ح): من أمر واحد من.

(3) زيادة من (م) و (أ).

34

و قصد به التقرب، فإن الأغراض الأربعة تحصل من (1) تكسبه. أما النّفع الدنيوي (فلحفظ النّفس عن) (2) التلف. و أما الأخروي فلأداء الفريضة المقصود بها القربة. و أما دفع الضرر الأخروي فهو اللاحق بسبب ترك الواجب. و أما دفع الضرر الدنيوي فهو الحاصل للنفس بترك القوت.

قاعدة- 5 كل حكم شرعي يكون الغرض الأهم منه الآخرة، إما لجلب النّفع فيها، أو لدفع الضرر فيها، يسمى عبادة

أو كفارة.

و بين العبادة و الكفارة عموم و خصوص مطلق، فكل كفارة عبادة و ليس كل عبادة كفارة. و ما جاء في الحديث: (الصلوات الخمس كفارة لما بينهن) (3)، و (ان غسل الجمعة كفارة من الجمعة إلى الجمعة) (4)، و (أن الحج و العمرة ينفيان الذنوب) (5)، و (أن العمرة كفارة كل ذنب) (6)، لا ينافي ذلك، فإن الصلاة و الحج

____________

(1) في (ح): في.

(2) في (م): فيحفظ النّفس من.

(3) انظر: السيوطي- الجامع الصغير بشرح المناوي: 2- 82.

(4) انظر: الحر العاملي- وسائل الشيعة: 2- 945، باب 6 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث: 14.

(5) انظر المصدر السابق: 8- 87، باب 45 من أبواب وجوب الحج حديث: 1.

(6) انظر: المصدر السابق: 10- 240، باب 3 من أبواب العمرة، حديث: 7.

35

يتصور فيهما الوقوع ممن لا ذنب له، كالمعصوم.

قاعدة- 6 و كل حكم شرعي يكون الغرض الأهم منه الدنيا، سواء كان لجلب النّفع، أو دفع الضرر، يسمى معاملة،

سواء كان جلب النّفع و دفع الضرر مقصودين بالأصالة أو بالتبعية.

فالأوّل: هو ما يدرك بالحواس الخمس، فلكل حاسة حظ من الأحكام الشرعية.

فللسمع: الوجوب، كما في القراءة الجهرية. و التحريم، كما في سماع الغناء و آلات اللهو.

و للبصر: الوجوب، كما في الاطلاع على العيوب، و إرادة التقويم.

و التحريم، كما في تحريم النّظر إلى المحرمات.

و للّمس: أحكام الوطء و مقدماته، و المناكحات، ثبوتا و زوالا إذ الغرض الأهم منها اللمس. و مما يتعلق باللمس: اللباس، و الأواني، و إزالة النجاسات، و تحصيل الطهارات.

و يتعلق بالذوق: أحكام الأطعمة و الأشربة، و الصيد، و الذبائح.

و هذا في جلب النّفع، و أما دفع الضرر المقصود بالأصالة فهو حفظ المقاصد الخمس، كما سيأتي إن شاء اللّه.

و الثاني (1): هو ما تكون المصلحة مقصودة بالتبع (2)، فهو:

كل وسيلة إلى المدرك بالحواس أو إلى حفظ المقاصد.

____________

(1) في (أ): و أما.

(2) في (ح): بالتبعية.

36

قاعدة- 7 الوسائل خمس:

أحدها: أسباب تفيد الملك،

و هي ستة:

الأول: ما يفيد الملك للعين بعقد معارضة، كالبيع، و الصلح، و المزارعة، و المساقاة، و المضاربة.

الثاني: ما يفيد ملك العين بعقد لا معارضة فيه، كالهبة، و الصدقة، و الوقف، و الوصية بالعين، و قبض الزكاة و الخمس، و النذر.

الثالث: ما يفيد ملك العين لا بعقد، كالحيازة، و الإرث، و إحياء الموات، و الاغتنام، و الالتقاط.

الرابع: ما يفيد ملك المنفعة بعقد معاوضة، كالإجارة.

الخامس: ما يفيد ملك المنفعة بعقد غير معاوضة، كالوصية بالمنفعة، و العمرى عند الشيخ [1] (1)، و ابن إدريس [2] (2).

____________

[1] هو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي شيخ الإمامية و رئيسها ولد في رمضان سنة 385 هو قدم العراق من طوس سنة 408 ه. أعطي له كرسي الكلام في بغداد. هاجر إلى النجف و بقي هناك إلى أن توفي في شهر محرم الحرام سنة 460 ه. صنف في أكثر علوم الإسلام و فنونه.

(القمي- الكنى و الألقاب: 2- 362).

[2] هو محمد بن أحمد بن إدريس الحلي شيخ فقهاء الحلة توفي فيها سنة 598 و هو ابن خمس و خمسين سنة صاحب كتاب السرائر و مختصر تبيان الشيخ الطوسي. (القمي- الكنى و الألقاب: 1- 205).

____________

(1) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 3- 316، و الخلاف:

2- 6 مسألة: 5.

(2) انظر: السرائر: 376.

37

السادس: ما يفيد ملك المنفعة لا بعقد، كإرث المنافع.

الوسيلة الثانية: أسباب تسلط (1) على ملك الغير،

و هي أقسام خمسة:

الأول: ما يسلط عليه بالتملك قهرا، كالشفعة، و المقاصة للمماطل و بيع مال الممتنع عن الحق الواجب، و رجوع البائع في عين ماله للتفليس مطلقا، و للموت إن كان في المال وفاء، و فسخ البائع بخياره، إن قلنا بانتقال المبيع بالعقد، و هو الأصح.

الثاني: ما يسلط على ملك الغير بالتصرف لمصلحة المتصرف خاصة كالعارية.

الثالث: ما يسلط على ملك الغير بالتصرف لمصلحة المالك خاصة، كالوديعة المأذون في نقلها و إخراجها، و الوكالة المتبرع بها.

الرابع: ما يسلط لمصلحتهما، كالشركة، و القراض، و الوكالة يجعل.

الخامس: ما يسلط على ملك الغير بمجرد وضع اليد، كالوديعة غير المأذون له (2) فيها إذا لم يحتج إلى النقل.

الوسيلة الثالثة: أسباب تقتضي منع المالك من التصرف في ماله،

و هي:

أسباب الحجر الستة (3) و ما يضاهيها، كحجر الزوج على المرأة فيما يتعلق بالاستمتاع، و حجر البائع و المشتري لتسليم الثمن و المثمن، و الحجر على سيد أم الولد فيما يتعلق بإخراجها عن ملكه، إلا في

____________

(1) في (ح) و (أ): التسلط.

(2) زيادة من (أ).

(3) و هي: الجنون، و الصغر، و الرق، و الفلس، و المرض المتصل بالموت، و السفه.

38

مواضع معدودة [1].

الوسيلة الرابعة: ما هو وصلة إلى حفظ المقاصد الخمسة،

و هي:

النّفس، و الدين، و العقل، و النسب، و المال، التي لم يأت تشريع إلا بحفظها، و هي (الضروريات الخمس).

فحفظ النّفس بالقصاص، أو الدية، أو الدفاع.

و حفظ الدين بالجهاد، و قتل المرتد.

و حفظ العقل بتحريم المسكرات و الحدّ عليها.

و حفظ النسب بتحريم الزنا، و إتيان الذكران و البهائم، و تحريم القذف و الحد على ذلك.

و حفظ المال بتحريم الغصب، و السرقة، و الخيانة، و قطع الطريق و الحدّ و التعزير عليها.

الوسيلة الخامسة: ما كان مقويا لجلب المصلحة و دفع (1) المفسدة و هو القضاء و الدعاوي، و البيّنات،

و ذلك لأن الاجتماع من ضروريات المكلفين، و هو مظنة النزاع، فلا بد من حاسم لذلك و هو الشريعة.

و لا بد لها من سائس و هو الإمام و نوابه، و السياسة بالقضاء و ما يتعلق به.

____________

[1] و هي ثمانية مواضع: (أ) في ثمن رقبتها مع إعسار مولاها (ب) إذا جنت على غير مولاها. (ج) إذا عجز مولاها عن نفقتها.

(د) إذا مات قريبها و لا وارث له سواها. (ه) إذا كان علوقها بعد الإفلاس. (و) إذا مات مولاها و لم يخلف سواها و عليه دين مستغرق. (ز) إذا كان علوقها بعد الارتهان. (ح) بيعها على من تنعتق عليه. انظر: الشهيد الأول- اللمعة الدمشقية، طبعت مع شرحها الروضة البهية للشهيد الثاني: 1- 246- 247 (الطبعة الحجرية).

____________

(1) في (ح) و (أ): و ذب، و في (م): دون.

39

و بهذه المقاصد و الوسائل تنتظم كتب الفقه.

قاعدة- 8 الحكم: خطاب الشرع المتعلق بأفعال (1) المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.

و زاد بعضهم (2): أو الوضع.

و الوضع: هو الحكم على الشيء بكونه سببا، أو شرطا، أو مانعا.

فلنذكر أحكام هذه الثلاثة في قواعد.

قاعدة- 9 السبب لغة (3): ما يتوصل به إلى آخر.

و اصطلاحا: كل وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل على كونه معرفا لإثبات حكم شرعي بحيث يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم، و يمتنع وجود الحكم بدونه، (و تخلف الحكم عنه يكون إما لوجود مانع أو فقد) [1] شرط [2].

____________

[1] في (م): و يتخلف الحكم عنه لكونه سببا إما بوجود مانع أو فقدان.

[2] في (ح) زيادة: (و وجود الحكم بدونه محال، لأن المراد به نوع السبب فإذا عدم بعض أصنافه و وجد الحكم عند صنف آخر فهو تابع لذلك الآخر. أو نقول: الحكم الخاصّ المستند إلى سبب خاص يمتنع وجوده بدونه).

____________

(1) في (م): بأحكام.

(2) انظر: العلامة الحلي- تهذيب الوصول: 2 (الطبعة الحجرية) و ابن الحاجب- مختصر المنتهى الأصولي: 34.

(3) انظر: الجوهري- الصحاح: 1- 61، فصل السين من باب الباء، مادة (سبب).

40

قاعدة- 10 السبب إما معنوي أو وقتي:

فالأوّل: أن يكون الوصف مستلزما لحكمة باعثة على شرعية الحكم المسبب، كالملك، فإنه سبب الانتفاع و الإتلاف و المباشرة. و اليد، فإنها سبب الضمان. و الزنا، فإنه سبب الحدّ.

و الثاني: أن يكون الوقت مقتضيا لثبوت حكم شرعي، كمواقيت الصلاة.

قاعدة- 11 من الأسباب ما لا تظهر فيه المناسبة و إن كان مناسبا في نفس الأمر

كالدلوك و باقي أوقات الصلاة الموجبة للصلاة، و الحدث الموجب للوضوء و الغسل، و الاعتداد مع عدم الدخول، و استئناف العدة في المسترابة بعد التربص. و عدّ منه: الهرولة في السعي، و رمي الجمرات، و تقديم الأضعف على الأقوى في ميراث الغرقى، على القول الأصح من عدم التوريث مما ورث منه.

و الحكمة الظاهرة في ذلك مجرد الإذعان و الانقياد، و من ثمَّ قيل:

بأن الثواب فيه أعظم، لما فيه من الانقياد المحض.

و منها ما تظهر فيه المناسبة، و يختص باسم (العلة)، كالنجاسة الموجبة للغسل، و الزنا الموجب للحدّ، و القتل الموجب للقصاص، و القذف الموجب للحدّ، و الكبيرة الموجبة للفسق.

41

قاعدة- 12 السبب قد يكون قولا، كالعقد و الإيقاع.

و منه تكبيرة الإحرام، و التلبية. و قد يكون فعلا، كالالتقاط، و الاحتياز (1)، و إحياء الموات و الكفر، و الزنا، و قتل النّفس المعصومة، و الوطء المقرر لكمال المهر.

و ربما كان السبب الفعلي أقوى من القولي، فان السفيه لو وطئ أمته فأحبلها صارت أم ولد و تنعتق بموته. و لو باشر عتقها لم يصح.

و العبد لو التقط تملك السيد إن شاء، و لو وهب لم يملك السيد و لا يتملك.

قاعدة- 13 أقسام السبب و المسبب باعتبار الزمان ثلاثة:

الأول: ما يقارن المسبب، كالشرب، و الزنا، و السرقة، و المحاربة المقارنة لاستحقاق الحدّ.

و قتل الكافر يقارنه استحقاق السلب مع الشرط، لا بدونه في الأصح. و مثله تقارن الملك و أسبابه الفعلية، كالحيازة، و الاصطياد، و الأخذ من المعدن، و إحياء الموات.

القسم الثاني: ما يتقدم فيه المسبب (2)، كتقديم غسل الجمعة في الخميس، و غسل الإحرام على الميقات،

و أذان الفجر ليلا، و زكاة الفطر في شهر رمضان على قول مشهور (3)، إلا أن يجعل السبب دخول

____________

(1) في (م): و الاحتطاب.

(2) في (ا) زيادة: على السبب.

(3) انظر: العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 2- 29.

42

الشهر فيكون من قسم المقارن. و تقديم الزكاة قبل الحول على قول (1) و عدّ منه (2): توريث الوارث الدية، مع أنها لا تجب إلا بعد موت القتيل، و يمتنع عليه الملك حينئذ، و إنما (قدر تقدم ملكه) (3) قبل موته لينتقل إلى وارثه. و ربما التزم بجواز ملك الميت في هذه الصورة، و لهذا تقضى منها (4) ديونه، و تنفذ وصاياه.

و لا يجوز- على ما تقدم- جزاء الصيد قبل موته، و جزاء اللبس (5) و الحلق، و الطيب، قبل فعلها (6)، و لا كفارة الظهار قبل العود، و لا كفارة القتل قبل الزهوق، و لا كفارة اليمين قبل (7) الحنث.

القسم الثالث: ما فيه شك، و هو صيغ العقود و الإيقاعات،

فإنه يمكن أن يقال: بمقارنة الحكم للجزء الأخير من الصيغة (8)، أو يقع

____________

(1) انظر: سلار الديلمي- المراسم: 6 (طبع ضمن الجوامع الفقهية)، و العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 2- 17 (نقلا عن ابن أبي عقيل العماني بما يشعر جواز التعجيل).

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 72، 3- 223.

(3) في (م) و (أ): قدم بقدر تملكه، و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق.

(4) في (م): من هذا.

(5) في (ح) زيادة: قبل لبسه.

(6) في (ح): فعلهما.

(7) في (ك) و (م): على.

(8) و هو مذهب أبي الحسن الأشعري و أبي إسحاق الأسفراييني.

انظر: القرافي- الفروق: 3- 218، 224.

43

عقيبه بغير فصل (1).

و تظهر الفائدة في مواضع:

منها: لو أسلم أبو الزوج الصغير و زوجته البالغة معا، فعلى المقارنة للجزء الأخير فالنكاح باق، و على الوقوع عقيبه ينفسخ، لأن إسلام الطفل مسبب عن إسلام أبيه، فيكون واقعا عقيبه، و إسلام المرأة معه.

و منها: لو باع المفلس ماله من غرمائه بالدين، فان قلنا ارتفاع الحجر يقارن الجزء الأخير من البيع صحّ، و إن قلنا بتعقبه بطل، لأن صحة البيع موقوفة على رفع الحجر، الموقوف على سقوط الدين، الموقوف على صحة البيع، فيدور.

و ربما جزم بصحة البيع هنا، لأن هذا الحجر لحق الغريم، و الغرض منه عدم نزول الضرر به، و هو منفي هنا. فجرى مجرى بيع (الراهن من المرتهن) (2) الرهن. أو نقول: مجرد إيقاع القبول معه رضاء برفع الحجر.

قاعدة- 14 قد تتداخل الأسباب مع الاجتماع، كالأحداث الموجبة للطهارة،

فإذا نوى رفع واحد منها ارتفع الجميع، إلا أن ينوي عدم رفع غيره، فتبطل الطهارة.

و إنما حكم بالتداخل لأن الأحداث لا يمكن الحكم عليها بالارتفاع، بل المرتفع القدر المشترك بينها، و هو المنع من العبادة، و خصوصيات الأحداث ملغاة.

____________

(1) نسبه القرافي إلى جماعة من الفقهاء. انظر نفس المصدر السابق.

(2) في (ك): الرهن من الراهن، و في (ح): الرهن من المرتهن.

44

و يجري للأصحاب (1) خلاف في تداخل الأغسال المسنونة عند انضمام الواجب إليها (2)، و المروي التداخل (3).

و أما الأغسال الواجبة فالأقرب تداخل أسبابها على الإطلاق، لكن إن نوى خصوصية توجب الوضوء و الغسل وجبا، و إلا اكتفى بالغسل وحده، كما لو نوى الجنابة.

و أما الاجتزاء بغسل الميت لمن (4) مات جنبا، أو حائضا بعد طهرها، فليس من هذا الباب، لأن (الموت يرفع) (5) التكليف، فلا يبقى للأسباب المتقدمة أثر. و ما روي: من أنه يغسل غسل الجنابة بعد موته (6)، يوجب عدم التداخل في الغسلين المنسوبين إلى الولي المباشر لغسله أو نائبه. و أما الميت فلم يبق له هنا مدخل إلا في قبول التغسيل إذا كان مسلما.

و من التداخل: موجبات الإفطار في يوم واحد على قول (7).

____________

(1) في (م): لبعض الأصحاب.

(2) ذهب العلامة الحلي إلى عدم التداخل، و قال الشيخ الطوسي و ابن أبي عقيل بالتداخل. انظر: المبسوط: 1- 40، و منتهى المطلب:

1- 133.

(3) انظر: الحر العاملي- وسائل الشيعة: 2- 963، باب 31 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث: 1.

(4) في (أ) و (م): إن.

(5) في (ا): بالموت يرتفع.

(6) انظر: الحر العاملي- وسائل الشيعة: 2- 722، باب 31 من أبواب غسل الميت، حديث: 7.

(7) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 1- 274، و ابن حمزة الوسيلة: 23، و المحقق الحلي- شرائع الإسلام: 1- 194، و العلامة الحلي- منتهى المطلب: 2- 580.

45

و يتداخل ما عدا الوطء في قول (1). و يتداخل مع عدم تخلل التكفير في آخر (2). و عدم التداخل مع اختلاف الجنس لا مع اتحاده (3).

و منه تداخل مرات الزنا في وجوب حدّ واحد، و كذا السرقات المتكررة و لم يظفر به، و الوطء المتعدد في شبهة واحدة (4).

و لا تتداخل مرات الوطء بالاستكراه على الأقوى.

قاعدة- 15 قد يتعدد السبب و يختلف الحكم المترتب عليه،

و هو أقسام:

الأول: ما لا يمكن فيه الجمع، كقتل الواحد جماعة، إما دفعة- كأن يسقيهم سمّا، أو يهدم عليهم جدارا، أو يغرقهم، أو يحرقهم، أو يجرحهم فيسري إلى الجميع- أو على التعاقب. ففي الأول يقتل بالجميع،

____________

(1) انظر: الشيخ الطوسي- الخلاف: 1- 146 (نقلا عن السيد المرتضى).

(2) انظر: العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 2- 57، و تذكرة الفقهاء: 1- 265 (نقلا عن ابن الجنيد) و اختاره هو أيضا. كما ذهب إليه المالكية. انظر: ابن جزي- قوانين الأحكام الشرعية: 142.

(3) انظر العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 2- 57، و قواعد الأحكام: 25.

(4) فإنه لا يوجب إلا صداق مثل واحد. انظر: القرافي- الفروق: 2- 30.

46

و في وجه لبعض الأصحاب (1) يقتل بواحد- إما بالقرعة، أو بتعيين الإمام- و بأخذ الباقون الدية.

و في الثاني يقتل بالأول، فان عفى عنه أو صولح بمال قتل بالثاني.

و على هذا، و يكون (2) لمن بعده الدية. و قيل (3): يقتل بالجميع كالدفعي، و يكون لهم ديات مكملة لحقوقهم، على احتمال مخرج مما (4) إذا هرب القاتل أو مات و قلنا تؤخذ الدية من تركته.

الثاني: ما يتصور فيه الجمع، كالفريضة يصليها داخل المسجد، فإنه تتأدى بها التحية على احتمال (5)، و تكبيرة المأموم (6) يدرك بها الإمام راكعا، يتأدى بها التحريم و التكبير عند الشيخ (7) (رحمه اللّه).

الثالث: ما يمكن فيه إعمال السببين، كما في توريث عمّ هو خال، و جدة هي أخت، على نكاح المجوس، أو في الشبهة للمسلمين.

الرابع: ما يتنافيان (8) فيه فيقدم الأقوى منهما، كتوريث الأخ الذين هو ابن عم.

الخامس: ما يتساقطان فيه، كتعارض البينتين على القول بالتساقط.

و تعارض الدعاوي لا تساقط فيه، لوجوب اليمين على كل من

____________

(1) انظر العلامة الحلي- تحرير الأحكام: 2- 256.

(2) في (ح): يكون.

(3) قاله عثمان البتي. انظر: الشيخ الطوسي- الخلاف: 2- 141.

(4) في (ح) و (م): كما.

(5) ذهب إليه المالكية. انظر: القرافي- الفروق: 2- 29.

(6) في (ا) زيادة: الّذي.

(7) انظر: الشيخ الطوسي- الخلاف: 1- 44.

(8) في (أ): ما يتباينان.

47

المتداعيين فيه.

قاعدة- 16 قد يكون السبب الواحد موجبا لأمور،

و هو أقسام (1):

الأول: ما يندرج فيه بعضها في بعض، كالزناء، فإنه سبب واحد و من ضرورته الملامسة، و هي توجب التعزير، و الزنا يوجب الحد، فيدخل الأضعف تحت الأقوى.

و كقطع الأطراف، فإنه بالسراية إلى النّفس تدخل دية الطرف في دية النّفس.

و أما القصاص فثالث الأقوال (2) تداخله إن كان بضربة واحدة، و إلا فلا.

و زنا المحصن سبب واحد له عقوبتان: الجلد، و الرجم، فيجتمعان على الشيخ و الشيخة، و في الشاب و الشابة قولان: أصحهما الاجتماع (3) و قيل (4): لا، لأن ما يوجب أعظم الأمرين بخصوصه لا يوجب

____________

(1) في (أ): أنواع.

(2) في المسألة أقوال ثلاثة: قول بالتداخل مطلقا، و هو رأي الشيخ الطوسي في المبسوط: 7- 22. و قول بعدم التداخل مطلقا، و هو مذهبه في الخلاف: 2- 146. و ابن إدريس في السرائر: 433. و أما التفصيل فرأي الشيخ الطوسي في النهاية، 771، و به قال ابن الجنيد. انظر:

العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 5- 257.

(3) ذهب إليه كذلك ابن إدريس في السرائر: 440.

(4) انظر: الشيخ الطوسي- النهاية: 693 (طبعة لبنان)، و ابن حمزة- الوسيلة: 181، و ابن زهرة- الغنية: 74.

48

أخفهما بعمومه.

الثاني: ما لا اندراج فيه، كالحيض، و النفاس، و كثير الاستحاضة سبب في الوضوء و الغسل، و لا يدخل أحدهما تحت الآخر.

و كالقتل يوجب الفسق و القود و الكفارة جمعا إن كان عمدا، و يوجب الدية و الكفارة إن كان خطا أو شبيها.

و استهلاك مال الغير عمدا يوجب الضمان و التعزير (1).

و قذف المحصنة أو المحصن يوجب الجلد و الفسق.

و زنا البكر يوجب الجلد و الجز و التغريب (2).

و الحدث الأصغر سبب لتحريم الصلاة، و الطواف، و سجود السهو و سجود العزيمة على قول (3)، و مسّ خط القرآن.

و الحدث الأكبر يزيد على ذلك: قراءة العزائم، و دخول المساجد، و الاجتياز في المسجدين الشريفين، و تحريم الصوم، و الوطء في الحيض و النفاس، و الطلاق فيه غالبا. إلى أحكام كثيرة.

و أكثر الأسباب مسببات النكاح، عقدا و وطءا، فإنه تترتب عليه أحكام كثيرة تأتي في الفوائد إن شاء اللّه تعالى (4).

____________

(1) في (ح) زيادة: و الفسق.

(2) التغريب: النفي عن البلد لمدة عام واحد.

(3) انظر: النوويّ- المجموع شرح المهذب: 2- 67، و ابن عابدين- رد المختار: 1- 802، و ابن جزي- القوانين الفقهية: 39 (طبعة لبنان).

(4) انظر في هذه القاعدة: ابن عبد السلام- قواعد الأحكام:

2- 100- 103.

49

قاعدة- 17 قد يكون السبب فعليا منصوبا (1) ابتداء،

كما ذكرنا من القتل و الزنا، و اللواط (2).

و قد يكون فعليا غير منصوب (3) من الشارع بالأصالة و لكن دلّ عليه القرائن الحالية و المقالية، كتقديم الطعام إلى الضيف، فإنه مبيح للأكل و إن لم يأذن بالقول، على الأصح. و تسليم الهدية إلى المهدي إليه و إن لم يحصل الإيجاب القولي، لظاهر فعل الخلف و السلف. و كذلك صدقة التطوع، و كسوة (4) القريب و الصاحب (5)، و جوائز الملوك من كسوة و مركوب و غيرهما. و علامة الهدي، كغمس النعل في دمه و جعله عليه، أو كتابة رقعة عنده. و شدّ المال على اللقيط و إركابه الدّابّة و وضعه في الخيمة أو الفسطاط. و الوطء في مدة الخيار من البائع أو

____________

(1) في (ح) و (م) و (أ): منصوصا، و ما أثبتناه مطابق لما سيأتي منه في قاعدة 47.

(2) في (ح) و (م): و الوطء.

(3) في (ح) و (م) و (أ): منصوص، و ما أثبتناه مطابق لما سيأتي منه في قاعدة 47.

(4) في (ح) و (م) و (أ): و زكاة، و لعل ما أثبتناه أصح، لأنه سيأتي منه في قاعدة 47 عدّ كسوة القريب و الصاحب من الأسباب الفعلية غير المنصوبة ابتداء، مع اتفاق النسخ هناك على ذلك.

(5) الصاحب: هو الّذي كثرت ملازمته، و المعاشر عشرة طويلة. انظر: الراغب الأصفهاني- المفردات: 275، كتاب الصاد مادة (صحب).

50

المشتري. و الوطء في الرجعية قطعا، و في الاختيار إذا أسلم أكثر من الأربع مع الزوج. و كذا التقبيل في الرجعية قطعا، و في الاختيار على قول (1). و المعاطاة في السلعة (2) تفيد إباحة التصرف، لا الملك، و إن كان في الحقير، عندنا.

قاعدة- 18 لا يكفي تسليم العوض في الخلع عن بذلها لفظا، أو قبولها بعد إيجابه،

و لا تسليم الدية في سقوط القصاص، بل لا بد من التلفظ بالصلح و شبهه (3).

و لو خصّ الإمام بعض الغانمين بأمة، و قلنا بتوقف الملك على اختيار التملك، فوطئ، أمكن كونه اختيارا، لأن الوطء لا يقع إلا في الملك.

قاعدة- 19 و من الأسباب الفعلية ما يفعل بالقلب،

كنيات الزكاة و الخمس في التملك، و نيات العبادات في ترتب أحكامها عليها.

و منها: الإرادة، و الكراهة، و المحبة، و البغضاء، فلو علّق إظهارها بإرادتها أو كراهتها أو محبتها أو بغضها، فالظاهر وقوعه و يقبل قولها لو ادعته، كدعوى الحيض. فلو اتهمها، فالأقرب أنه يحلّفها.

____________

(1) انظر: العلامة الحلي- تحرير الأحكام: 2- 20.

(2) في (م): البيع.

(3) في (ا) زيادة: كالعفو.

51

و لو علّقه بما يشهد الحس (1) بعدم محبته، كمحبة دخول النار و أكل السم، أو الشرع، كمحبة الكفر و عبدة الأوثان لكونهم كذلك، فادعته، احتمل القبول لأنه (نصبه سببا) (2) و لا يعلم إلا منها، و عدمه، للقطع بكذبه. و يحتمل الفرق بين الأمرين، لأن الطبع معين على الأول دون الثاني، فيقبل منها في الثاني، و لا يقبل منها (3) في الأول، و خصوصا مع عدم التقوي.

و كذا لو علّقه ببغضة ما يخالف الحسّ، أو العقل، أو الشرع.

قاعدة- 20 التعليق بالمشيئة يقتضي التلفظ، فلا تكفي الإرادة المجردة،

لأن الخطاب بذلك يستدعي جوابا استدعاء عرفيا، فلو أرادت بالقلب و لمّا تتلفظ لم يقع الظهار. و لو تلفظت مع كراهتها بالقلب، وقع الظهار ظاهرا، و في وقوعه باطنا بالنسبة إليها إشكال، من حيث أن التعليق بلفظ المشيئة، و قد وقع، و من أن اللفظ دال على ما في الباطن، فهو كما لو علّق بحيضها فادعته كاذبة، فإنه لا يقع باطنا.

قاعدة- 21 كل تعليق على لفظ مجرد أو فعل مجرد فإنه تتصور صحته من الصبي

فلو علّق الظهار على تكلم الصبي، أو على دخوله الدار، صح. و لو

____________

(1) في (ا): العقل.

(2) في (ح): عين شيئا، و يبدو أن الصواب ما أثبتناه، فإنه سيأتي منه في قاعدة 47 نفس العبارة مع اتفاق النسخ عليها هناك.

(3) زيادة من (ح).

52

علقه على إرادته أو على مشيئته، صح إن كان مميزا، و يقبل قوله و تلفظه بالمشيئة. فلو اتهمها و كانت مميزة فليس له إحلافها، لعدم بلوغها.

و يحتمل عدم اعتبار نية الصبي، لأنها كما لا تؤثر في العبادات صحته و لا مشيئته كذا لا (1) تؤثر في العقود صحته.

و لو علق على فعل غير المرأة، أو قوله، صح، فلو كان مما يتوقف على الإرادة، أو نفس الإرادة و شبهها من أفعال القلوب، قبل قوله على الأقرب في حق الزوج. و يحتمل عدمه، لأصالة الحل، و قول الأجنبي لا يكون حجة على غيره. و هو ضعيف، و إلا لم يكن للتعليق فائدة.

و لو اتهمه فليس له إحلافه، لأن اليمين لا تكون من إنسان لإثبات حق لغيره، و لا لنفيه عن غيره.

قاعدة- 22 قد سلف (2) أن الوقت قد يكون سببا لحكم شرعي،

كأوقات الصلوات، و هو أيضا ظرف للمكلف به. و لا تتخصص السببية بأوله، كالدلوك- مثلا- و إلا لم يجب على من بلغ بعد دخول الوقت بلحظة، بل كل جزء من الوقت سبب للوجوب و ظرف لإيقاعها فيه [1].

____________

[1] في (ا) زيادة: و من ثمَّ وجب على الصبي عند بلوغه في أثناء الوقت و على الكافر عند إسلامه و على المجنون عند إفاقته. (و سيتعرض المصنف إلى هذه المسألة في قاعدة 48 من غير ذكر لهذه الزيادة).

____________

(1) في (أ) و (م): لم.

(2) راجع ص 40، قاعدة: 10.

53

و كذا أجزاء (1) أيام الأضاحي سبب للأمر بالأضحية، و ظرف لا لإيقاعها فيها [1]، و من ثمَّ استحب على من تجدد بلوغه أو إسلامه أو يساره في أثنائها.

و أما شهر رمضان فكل يوم منه سبب للوجوب على جامع الشرائط و ليست أجزاؤه أسبابا، و من ثمَّ لم يجب على المسلم في أثنائه، أو البالغ أو الطاهر من الحيض و النفاس (2) (3).

قاعدة- 23 إذا كان المانع مختصا بالحكم. كما في المريض و المسافر بالنسبة إلى الصوم

فأجزاء النصف الأول من النهار سبب في الوجوب، كما أن مجموع النهار سبب في الوجوب. بخلاف مانع السبب، لأن السببية باقية فيهما، و إنما حصل فيهما (4) منع الحكم بالوجوب، فإذا زال، ظهر أثر السبب.

فان قلت: فهلا ساوى آخر النهار أوله في السببية، كما في ثبوت كونه من الشهر فإنه يجب الصوم و لو بقي من النهار لحظة؟

____________

[1] في (ا) زيادة: و من الوقت ما ليس بسبب، كزكاة الفطرة، بل مجرد الهلال سبب تام في وجوبها، و ليس الوقت بعده سببا و لا جزء سبب. (و سيتعرض المصنف لهذه المسألة كذلك في قاعدة 48 من دون ذكر لهذه الزيادة).

____________

(1) زيادة ليست في (ح) و (م).

(2) انظر: ابن إدريس- السرائر: 87، و النوويّ- المجموع:

6- 255.

(3) انظر في هذه القاعدة: القرافي- الفروق: 1- 220- 221.

(4) في (ح): منهما.

54

قلت: معظم الشيء يقوم مقام ذلك الشيء في مواضع، منها:

الصوم، و لهذا أجزأ تجديد النية في النصف الأول لبقاء المعظم. بخلاف ما إذا زالت الشمس، لزوال المعظم. فأما في اليوم الّذي يظهر وجوب الصوم فيه فالسببية حاصلة في نفس الأمر، و إنما جهل وجودها، فإذا علم ذلك، تبعه الحكم. بخلاف المريض و المسافر، فان الوجوب ليس حاصلا فيهما في نفس الأمر، و إنما تجدد بزوال العذر.

قاعدة- 24 قد يعرى الوقت عن السببية،

و إن كان لا يعرى عن الظرفية، كالمنذورات المعلقة على أسباب مغايرة للأوقات، فوقتها جميع العمر.

و كالسنة بكمالها في قضاء شهر رمضان، فإنها ظرف للإيقاع، و ليست سببا بل السبب هو فوات الصوم، لتأثير السبب الموجب للأداء.

و كذلك شهور العدة أو الأقراء ظروف للعدة، و ليست أسبابا فيها و إنما السبب الطلاق أو الفسخ أو الوفاة.

و سبب الفطرة دخول شوال على الأصح، و مجموع الليلة و نصف النهار المستقبل ظرف للأداء، فلو بلغ في أثنائه أو أسلم لم يجب، و كذا لو استغنى أو عقل، أو ملك عبدا، أو تزوج امرأة ممكّنة.

قاعدة- 25 كل حكم تعلق على سبب لا اختلاف فيه فإنه يحصل حين حصول السبب.

و إن اختلف بحسب وقت التعليق و وقت الوقوع، ففي اعتبار أيهما؟ وجهان. و له صور:

منها: أن يوصي إلى فاسق، فيصير عدلا عند الوفاة، أو إلى

55

صبي (1)، فيبلغ، أو كافر، فيسلم.

و منها: لو نذر المريض الصدقة (بثلث ماله) (2) عند برء مرضه، فهل يعتبر ثلثه حالة البرء، أو حالة النذر؟. أما لو كان النذر منجزا فإنه يعتبر حالة النذر قطعا.

و لو أوصى بثلث ماله فالمشهور عندنا (3) اعتبار حالة الوفاة.

و منها: لو أرضى العبد بمال ثمَّ أعتق و مات. أو نذر العتق أو الصدقة، فتحرر.

و منها: أن يعلق الظهار على مشيئة زيد و كان ناطقا، فخرس، فهل تعتبر الإشارة، اعتبارا بحال مسيئته، أو النطق، اعتبارا بحال تعليقه؟

فيه الوجهان.

و منها: لو نذر الصحيح عتق عبد عند شرط، فوقع في المرض فان اعتبرنا حالة النذر، فهو من الأصل، و إلا فمن الثلث.

قاعدة- 26 كلما شك في سبب الحكم بني على الأصل،

فهنا صورتان:

إحداهما: أصالة الحل، و الشك في السبب المحرم، فان كان هناك إمارة عول عليها، كالطائر المقصوص و الظبي المقرط (4)، فإنه يحرم و إن كان الأصل الحل، لقوة الأمارة. و كذا لو بال الكلب في الكر

____________

(1) في (ك) و (م): الصبي.

(2) في (ك) و (م): الصدقة بماله.

(3) انظر الشيخ الطوسي- الخلاف: 2- 43، و العلامة الحلي- تحرير الأحكام: 1- 294.

(4) القرط: الّذي يعلق في شحمة الاذن.

56

ثمَّ وجده متغيرا.

و إن فقدت الأمارة بني على الحل، كما لو مر طائر فقال رجل:

إن كان هذا غرابا فزوجتي عليّ كظهر أمي. و قال الآخر: إن لم يكن غرابا فزوجتي عليّ كظهر أمي. ثمَّ غاب، و تحقق اليأس من معرفته، (فإن الأقرب) (1) الحل في المرأتين.

أما لو جعله في إحدى (2) زوجتيه اجتنبهما، لوجوب اجتناب إحداهما، و لا يتم إلا باجتناب الجميع.

و من ذلك: طين الطريق، و ثياب (مدمن الخمر) (3) و النجاسة و الميتة مع المذكى غير المحصور، و المرأة المحرمة مع نساء لا ينحصرن، فإنه يحكم بالطهارة و الحل، و إن كان الاجتناب أحوط إذا وجد ما لا شبهة فيه.

و من ذلك: وقوع التمرة المحلوف عليها في تمر كثير، فإنه يأكل ما عدا واحدة.

و من ذلك: وجدان المال في أيدي الظلمة و السراق، و إن كان الورع تركه، بل من الورع ترك ما لا يتيقن حله (4)، كما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أنه قال: (إني لأجد التمرة ساقطة على فراشي فلو لا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها) [1].

____________

[1] رواه المتقي الهندي بلفظ: (إني لانقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثمَّ أخشى أن تكون صدقة فألقيها) كنز العمال: 3- 285، حديث: 4705.

____________

(1) في (ا): فالأقرب.

(2) زيادة ليست في (ك).

(3) زيادة ليست في (ك).

(4) في (ا): حاله.

57

و منه: لو غلب في بلد الحرام على الحلال بحيث يكون الحلال نادرا، فالورع أيضا تركه، و هو آكد من الأول إلا مع الضرورة، فيأكل (1) من غير تبسط.

الصورة الثانية: أن يكون الأصل الحرمة، و يشك في الإباحة، فيبني على الحرمة، كالصيد المرمي، فيغيب، فيوجد ميتا، حرام إلا أن يقضي أن الضربة قاتلة، إما لكونها في محل قاتل، و إما لغلبة الظن بعدم عروض سبب آخر. و كذا اللحم المطروح، و الجلد الموضوع، إلا مع الظن الغالب بتذكيته.

قاعدة- 27 كل عبادة علم سببها و شك في فعلها وجب فعلها إن كانت واجبة،

و استحب إن كانت مستحبة، كمن شك في الطهارة بعد تيقن الحدث، و في فعل الصلاة و وقتها باق، و في أداء الزكاة، و (2) باقي العبادات.

و يجزم الناوي بالوجوب، لاستصحاب الوجوب المعلوم.

و كذا لو توقف الخروج عن العهدة على فعل زيادة على الواجب نوى الوجوب في الجميع، كالصلاة المنسية غير المعلوم عينها، و تكون النية جازمة.

و منه: الصلاة في الثياب الكثيرة المشتبهة بالنجس. و طعن فيه بعض الأفاضل (3): بأن الناوي غير جازم، و صار إلى الصلاة عاريا.

و على ما قلناه فالصلاة في الجميع بنية الوجوب الجازم. و ظن

____________

(1) في (ح): فإنه يأكل.

(2) في (م): و في.

(3) انظر: ابن إدريس- السرائر: 33.

58

بعض العامة (1): أن الشك في هذه الصورة سبب في الوجوب. و ليس الأمر كما ظن، بل السبب هو ما قبل الشك من المقتضيات للحكم، لكن لما توقف الخروج عن العهدة بالزائد على الواجب وجب، و لو كان الشك سببا في الوجوب لا طرد (2)، فيلزم تحريم الزوجة لو شك في طلاقها و وجوب اجتنابها، و يلزم وجوب مقتضي السهو لو شك هل عرض له في صلاته سهو؟ و ليس كذلك قطعا.

قاعدة- 28 قد يكون الشك سببا في حكم شرعي، كوجوب سجدتي السهو عند الشك بين الأربع و الخمس،

و وجوب صلاة الاحتياط عند الشك في الأعداد، كما هو مشهور (3).

فان قلت: صلاة الاحتياط خارجة من (4) ذلك، لأنها بدل من جزء الأصل عدم فعله.

قلت: الجزئية (5) و إن كانت ملحوظة إلا أن هناك أشياء مضافة إليها وجبت بالشك، كتعين الحمد، و وجوب التشهد و التسليم، و انتقالها إلى التخيير بين الجلوس و القيام.

____________

(1) انظر: القرافي- الفروق: 1- 131، 226- 227.

(2) في (م) زيادة: فيه.

(3) انظر: العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 132- 135.

(4) في (م) و (أ): عن.

(5) في (ك): الجهة.

59

قاعدة- 29 لو صلى ما عدا العشاء (1) بطهارة، ثمَّ أحدث، و صلى العشاء بطهارة،

ثمَّ ذكر فساد إحدى الطهارتين، احتمل وجوب الخمس بعد الطهارة، ليحصل اليقين. و احتمل وجوب صبح و رباعية يطلق فيها بين الظهر و العصر، ثمَّ مغرب، ثمَّ رباعية يطلق فيها بين العصر و العشاء، و يردد بين الأداء و القضاء في هذه الرباعية مع بقاء وقت العشاء، و مع خروجه ينوي القضاء.

فلو سها عن الوضوء الّذي كلف به الآن ثمَّ صلى الصلوات الخمس أو الأربع، ثمَّ ذكر أنه لم يتوضأ الوضوء المخاطب به، فعلى الاحتمال الأول ليس عليه إلا إعادة العشاء لا غير، لأن الإخلال إن كان من طهارته (2) الأولى فهو الآن متطهر، و قد صلى بطهارة صحيحة ما فاته و زائدا عليه، و إن كان من طهارته الثانية فلم يضره هذا التكرار، و وجب عليه صلاة العشاء إن كان لم يصل الخمس بل اقتصر على الأربع. و على الاحتمال الثاني يحتمل هذا أيضا. و يحتمل أن يعيد ما عدا الصبح (3)، لأنه إذا كانت طهارته الأولى فاسدة وجب عليه الصلاة بنية جازمة، و هنا قد وقع الترديد (4).

____________

(1) في (ك) زيادة: الآخرة له.

(2) في (ك): الطهارة.

(3) في (ح) زيادة: و المغرب.

(4) انظر هذه المسألة في الفروق للقرافي: 1- 227- 228.

60

قاعدة- 30 متعلقات الأحكام (1) قسمان:

أحدهما: ما هو مقصود بالذات، و هو المتضمن للمصالح و المفاسد في نفسه.

و الثاني: ما هو وسيلة و طريق إلى المصلحة و المفسدة.

و حكم الوسائل في الأحكام الخمسة حكم المقاصد، و تتفاوت في الفضائل بحسب المقاصد، فكلما كان أفضل كانت الوسيلة إليه أفضل.

و قد مدح اللّه تعالى على الوسائل كما مدح على المقاصد بالذات، قال اللّه تعالى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لٰا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ، وَ لٰا نَصَبٌ، وَ لٰا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ، وَ لٰا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّٰارَ، وَ لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ (2). فمدح على الظمأ و المخمصة كما مدح على النيل من العدو، و إن لم يكن الظمأ و المخمصة بقصد المكلف، لأنه إنما حصل بحسب وسيلته إلى الجهاد الّذي هو وسيلة إلى إعزاز الدين، و إعلاء كلمة اللّه تعالى، اللذين هما وسيلتان إلى رضوان الرب تبارك و تعالى (3).

____________

(1) في (ك): الحكم

(2) التوبة: 120.

(3) انظر في هذه القاعدة: القرافي- الفروق: 2- 33، و ابن عبد السلام- قواعد الأحكام: 1- 124- 125.

61

قاعدة- 31 الوسائل أقسام (1):

الأول: ما اجتمعت الأمة على تحريمه، كحفر الآبار في طرق (2) المسلمين، و طرح المعاثر، لأنه وسيلة إلى ضررهم، و هو حرام بالإجماع.

و منه: إلقاء السم في مياههم. و منه: سب الأصنام، و ما يدعى من دون اللّه عند من يعلم منه أنه يسب اللّه تعالى أو أحدا من أوليائه، و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ لٰا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَيَسُبُّوا اللّٰهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (3).

الثاني: ما اجتمعت الأمة على عدم منعه، و هو ما كان المتوسل إليه بعيدا عن قصد فاعله، كغرس العنب و إن أمكن اعتصاره خمرا، و عمل السيف و إن أمكن أن يكون آلة في قتل محقون الدم، و وضع الشبهة و حلها، و إن كان قد يظفر بالشبهة من تتمكن في قلبه و يعجز عن الحل. و مع ذلك لو قصد هذه الغايات لكان الفعل حراما.

الثالث: ما اختلف فيه، كالبيع بشرط الإقراض و النظرة، و بيع العنب على الخمار، و الخشب على نجار الأصنام من غير شرط، و بيع السلعة على ولده أو خادمه ليخبر بالزائد، و شراء ما باعه بأقل من ثمنه، سواء كان قد باعه نسيئة أو حالا، و سواء اشتراه قبل حلول الأجل أو بعده، لأنه يؤول إلى بيع الأكثر بالأقل، فإنه إذا باعه السلعة بمائة ثمَّ اشتراها بخمسين، فكأنه عاوض عن مائة بخمسين.

____________

(1) ذكر هذه الأقسام القرافي في- الفروق: 2- 32.

(2) في (ك) و (ح): طريق.

(3) الأنعام: 108.

62

و منه عند بعض الأصحاب (1): تضمين الصناع و شبههم العين المستأجر على عملها، إلا أن يقيم البينة بتلفها، محافظة على حفظ أموال المستضعفين، لئلا يدعي التلف.

و منه: منع القضاء بالعلم في حقوق اللّه تعالى عند بعض الأصحاب (2) لئلا يتسلط بعض قضاة السوء (3) على قضاء باطل.

الرابع: ما كانت الوسيلة فيه مباحة بالنسبة إلى أحد المتعاطيين حراما بالنسبة إلى الآخر، كدفع المال إلى المحارب ليكف، (أو الحربي للعجز عن) (4) المقاومة، أو إلى صادّ الحاج ليرجع، أو إلى الكفار في فك أسرى المسلمين، فإنها مباحة بالنسبة إلى الدافع حرام بالنسبة إلى القابض.

و منه: الرشوة إذا توسل (5) بها إلى الحاكم بالحق، فإنها حرام بالنسبة إلى القاضي.

الخامس: الوسيلة إلى المعصية حرام (6) كالمتوسل إليه، كرشوة

____________

(1) انظر: الشيخ المفيد- المقنعة: 100، و السيد المرتضى- الانتصار: 225.

(2) انظر: ابن حمزة الطوسي- الوسيلة: 39.

(3) في (م): الجور.

(4) في (ك): الحربي عن، و في (أ): عن الحرب للعجز عن، و سيأتي من المصنف ذكر هذه المسألة بما يشابه هذا التعبير.

(5) في (ك) و (م) و (أ): توصل.

(6) في (ح) زيادة: فإنها.

63

القاضي ليحكم (1) بالباطل، و ترخص العاصي بسفره، لأن ترتب الرخصة على المعصية سعي في تكثير تلك المعصية.

و لا اعتبار بمقارنة المعصية للرخصة، كالعاصي في سفره المباح، فإنه يقصر الصلاة و الصيام، لأن السبب في القصر هو السفر المباح، و هو ليس بمعصية، و إنما المعصية مقارنة السبب.

و منه: جواز التيمم للفاسق العاصي إذا عدم الماء، و الإفطار له إذا مرض أو سافر، أو كان شيخنا كبيرا أو ذا عطاش، و القعود في الصلاة إذا عجز عن القيام، لأن السبب، و هو العجز عن الماء و عن العبادة، ليس بمعصية، و لكنها مقارنة للمعصية.

فإن قلت: مساق (2) هذا الكلام يقتضي (3) أن العاصي بسفره يباح له الميتة، لأن سبب أكله خوفه على نفسه، فالمعصية مقارنة لسبب الرخصة، لا أنها هي السبب (4).

قلت: هذا متجه، و لا يجعل (5) هذا من باب الباغي و العادي [1] اللذين تحرم عليهما الميتة.

____________

[1] الباغي: قيل: هو الخارج عن الإمام العادل. و قيل: هو الّذي يبغي الميتة. و العادي: قيل: هو قاطع الطريق. و قيل: الّذي يعدو شبعه. انظر: العلامة الحلي- قواعد الأحكام: 207.

____________

(1) في (م) و (أ): الحكم.

(2) في (ح): سياق.

(3) زيادة من (ح).

(4) ذكر هذا القول القرافي في- الفروق: 2- 34.

(5) في (م): و ليس.

64

قاعدة- 32 الشرط لغة (1): العلامة.

و عرفا: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره لا في وجوده.

و من خاصيته: أنه يلزم من عدمه العدم، لا من وجوده الوجود، كالطهارة للصلاة، و الحول للزكاة.

قاعدة- 33 شرط السبب: ما يخل عدمه بحكمة السبب،

كالقدرة على التسليم بالنظر إلى صحة البيع، الّذي هو سبب ثبوت الملك، المشتمل على مصلحة و هي الانتفاع بالمبيع، و هي متوقفة على التسليم، الموقوف على القدرة عليه، فعدم القدرة يخل بحكمة المصلحة.

قاعدة- 34 شرط الحكم: كل ما اشتمل على حكمه تقتضي عدمه نقيض حكمة السبب،

مع بقاء حكم السبب، كالطهارة للصلاة، فإن عدم الطهارة مع الإتيان بالصلاة يقتضي نقيض حكمة شرعية الصلاة، لأن شرعيتها للثواب و فعلها بغير طهارة سبب في استحقاق العقاب.

قاعدة- 35 التكاليف الشرعية بالنسبة إلى قبول للشرط و التعليق أربعة أقسام (2):

____________

(1) الشرط- بالتحريك- العلامة، و أشراط الساعة: علاماتها.

انظر: الجوهري- الصحاح: 3- 1136، مادة (شرط).

(2) ذكر هذه الأقسام القرافي في- الفروق: 1- 228- 229.

65

الأول: ما لا يقبل شرطا و لا تعليقا، كالإيمان باللّٰه و رسوله و الأئمة (1) (عليهم السلام)، و اعتقاد وجوب الواجبات، و تحريم المحرمات و نيات العبادات غالبا. و احترزنا (بالغالب) عن مثل قول المزكي: إن كان مالي الغائب باقيا فهذه زكاة (2)، و إن كان تألفا (فهي نافلة) (3).

و الطلاق، و الرجعة، على الأصح.

الثاني: ما يقبل الشرط و التعليق على الشرط، كالعتق فإنه يقبل الشرط مثل: أنت حر و عليك كذا. و يقبل التعليق على الشرط في صورة التدبير، و النذر و شبهه. و الاعتكاف، كقوله: اعتكفت ثلاثة و لي الرجوع متى شئت. فهذا شرط. و أما تعليقه على الشرط فبالنذر أو العهد أو اليمين.

الثالث: ما يقبل الشرط دون التعليق على الشرط، كالبيع، و الصلح و الإجارة، و الرهن، لأن الانتقال بحكم الرضا، و لا رضا مع التعليق، إذ الرضا يعتمد الجزم، و الجزم ينافي التعليق، لأنه يعرضه عدم الحصول و لو قدر علم حصوله كالمعلق على الوصف، لأن الاعتبار لجنس الشرط دون أنواعه و أفراده، فاعتبر المعنى العام دون خصوصيات الأفراد.

فإن قلت: فعلى هذا يبطل قوله في صورة إنكار التوكيل (4):

إن كان لي فقد بعته منه (5) بكذا.

قلت: هذا تعليق على واقع لا على متوقع الحصول، فهو علة للوقوع

____________

(1) في (ح) و (م): و حججه.

(2) في (أ) و (م) و (ح): زكاته.

(3) في (م): فنافلة.

(4) في (ح): التوكيل.

(5) في (ح): منك.

66

أو مصاحب له، لا معلق عليه الوقوع.

و كذا القول لو قال في صورة إنكار وكالة التزويج، أو إنكار التزويج و تدعيه الزوجة، فإنه يصح أن يقول: إن كانت زوجتي فهي طالق.

الرابع: ما يقبل التعليق. على الشرط و لا يقبل الشرط، كالعبادات المنذورة عند حصول الشرط، كبرء المريض، و قدوم المسافر. و ليست قابلة للشرط، لامتناع صحة: أصلي على أن لي ترك سجدة، أو على أن لا يلزمني احتياط عند الشك. و كذا: أصلي إلا أن يدخل فلان، أو:

أصلي إن بقيت على الطهارة، و هو شاك في البقاء.

فان قلت: مساق هذا يقتضي أن لا تصح نية من نوى: أصلي إن بقيت على صفة التكليف، أو (1) بقيت متطهر، و هو يبقى عادة.

قلت: هذا من ضروريات التكليف، فهو مقدر و إن لم ينوه المكلف، و لا تضر نيته. و يحتمل أن يقال: لا يلزم من تقديره جعله مقصودا، فإذا جعل مقصودا فقد أخل بالجزم الّذي هو شرط في النية.

و من هذا الباب تعليق النيات بالمشيئة (2)، إلا أن يقصد التبرك فلا بحث في جوازه.

قاعدة- 36 مانع السبب: كل وصف وجودي ظاهر منضبط يخل وجوده بحكمة السبب.

كالأبوة المانعة من القصاص في موضعه، لأن الحكمة التي اشتملت الأبوة عليها هي كون الوالد سببا لوجود الولد، و ذلك يقتضي عدم القصاص، لئلا يصير الولد سببا لعدمه.

____________

(1) في (أ): و إن.

(2) أي بمشيئة اللّه تعالى كأن يقول: أصلي إن شاء اللّه تعالى.

67

قاعدة- 37 مانع الحكم: هو (1) كل وصف ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب.

كالدين المانع من وجوب الخمس في المكاسب، فإن الحكمة في الخمس نفع أهل البيت (عليهم السلام) و تعويضهم عن الزكاة التي هي أوساخ الناس، لكن الوجوب في المكاسب إنما هو فيما فضل عن قوت المكلف و قوت عياله.

و ظاهر أن وفاء دينه أهم منه، و لهذا قدم الدين على ما زاد عن قوت يوم و ليلة و دست من الثياب [1]، فكان ذلك مانعا من وجوب الخمس لهذه الحكمة، و إن كانت الحكمة باقية في الخمس.

قاعدة- 38 المانع ثلاثة (2):

الأول: ما يمنع ابتداء و استدامة، كالرضاع المانع من ابتداء النكاح المبطل له لو وقع بعده.

الثاني: ما يمنع في الابتداء لا في الاستدامة، كالعدة فإنها مانعة من ابتداء النكاح (إلا من صاحبها) (3)، و لا تمنع من الاستدامة، كما

____________

[1] الدست من الثياب: ما يلبسه الإنسان و يكفيه لتردده في حوائجه.

و قيل: كل ما يلبس من العمامة إلى النعل. و ليست الكلمة عربية.

انظر: الطريحي- مجمع البحرين: 2- 200، مادة (دست).

____________

(1) زيادة من (ك).

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 110.

(3) زيادة ليست في (ك).

68

لو وطئت الحليلة بشبهة، فإنها لا تقطع النكاح و إن حرم وطؤها، لمكان العدة.

الثالث: ما اختلف فيه (1)، كالإحرام بالنسبة إلى ملك الصيد النائي عنه لو عرض سببه في حال الإحرام. بل قيل (2): يملك و إن لم يكن نائيا عنه عند عروض السبب، كالإرث، ثمَّ يجب عليه (3) إرساله. مع أنه لو أحرم و معه صيد زال ملكه عنه.

فهذه مباحث السبب، و الشرط، و المانع، المفسر بها الوضع.

فائدة (4) زاد بعضهم (5) في خطاب الوضع: الصحة، و البطلان، و العزيمة و الرخصة.

و هي مفسرة في كتب الأصول (6).

و زاد آخرون: التقدير (7)، و الحجة (8).

____________

(1) فهل يلحق بالأول فيمتنع فيهما، أو بالثاني فلا يمنع في الاستدامة و يمنع في الابتداء؟

(2) قاله بعض الشافعية. انظر: النوويّ- المجموع: 7- 309- 310.

(3) زيادة من (أ) و (م).

(4) في (أ) و (م) و (ح): قاعدة.

(5) انظر: الآمدي- الأحكام في أصول الأحكام: 1- 186- 187.

(6) انظر: العلامة الحلي- تهذيب الأصول: 6، و الآمدي- الأحكام في أصول الأحكام: 1- 186- 187.

(7) انظر: القرافي- الفروق: 1- 161.

(8) لم أعثر على من أضاف الحجة. و معناها: مستند قضاء الحاكم كالإقرار و البينة و اليمين و النكول.

69

مثال التقدير: الماء في الطهارة بالنسبة إلى مريض يتضرر باستعماله، فيقدر الموجود كالمعدوم و إن كان موجودا. و كذا لو كان في بئر و لا آلة معه، أو بثمن ليس عنده.

و قد يقدر المعدوم موجودا في صور:

منها: دخول الدية في ملك المقتول قبل موته بآن لتورث عنه، و تقضى منها ديونه، و تنفذ وصاياه، فانا نقطع بعدم ملكه الدية في حياته لاستحالة تقدم المسبب على سببه، و لكن يقدر الملك المعدوم موجودا.

و منها: إذا قال لغيره: أعتق عبدك عني، أو: أدّ من مالك ديني. فإنه يقدر الملك قبل العتق بآن ليتحقق العتق في الملك.

و كذا يقدر ملك المديون قبل تملك الدين بآن حتى يكون الدين قد قضي من مال المديون. مع أن القطع واقع بعدم ملكه إلى زمان العتق، و قضاء الدين. و يسمى هذا (الملك الضمني).

و حمل عليه بعضهم (1): ملك الضيف عند تقديم الطعام إليه بالأكل أو بالمضغ أو بالتناول.

و هو ضعيف، لأنه لا ضرورة إلى التقدير هنا.

و منها عند بعضهم (2): ما لو وطئ الأمة ثمَّ ظهرت حاملا، و قلنا: بأن الفسخ للعيب يرفع العقد من أصله، فإنه يكون الحكم بارتفاع الملك تقديرا لا تحقيقا، لأن الوطء وقع مباحا فلا ينقلب حراما.

و يشكل هذا: بأن المشتري يردّ عوض البضع فلا يكون الوطء مباحا إلا ظاهرا (فلا ينقلب حراما) (3).

____________

(1) انظر: السيوطي- الأشباه و النّظائر: 250 (نقلا عن ابن السبكي).

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 71.

(3) زيادة من (ك) و (ح).

70

و التحقيق في هذه المسألة: أن الحمل من الأمة إنما يرد معه الواطئ إذا كان ولدا للبائع، فإنها تكون أم ولد، فيمنع بيعها. فليس الردّ هنا اختياريا بل قهريا. و إنما يجيء المثال على قول أكثر الأصحاب (1) بأن مجرد الحمل عيب، و أن الرد على سبيل الاختيار، و يستثنون هذا من التصرف الّذي لا (2) يمنع الردّ.

و منها: أن الناسي لنية الصوم إذا جددها قبل الزوال، فإنه يقدر كون النية واقعة من الليل فينعطف في التقدير إلى قبل الفجر، مع أن الواقع عدم النية.

فإن قلت: لم لا يكون هذا من باب الكشف، بمعنى إنا نتبين بموت المقتول تقدم ملكه، و بوقوع العتق تقدم ملك المعتق عنه.

إلى آخرها؟

قلت: لا سبب متقدم هنا تستند إليه هذه الأمور حتى تكون هذه الأشياء (3) كاشفة عنه، إذ التقدير عدم السبب بالكلية.

قاعدة- 39 الأحكام بالنسبة إلى خطاب التكليف و الوضع تنقسم إلى (4) أربعة أقسام:

أحدها: ما اجتمع فيه الأمران، و هو كثير:

____________

(1) انظر: العلامة الحلي- تذكرة الفقهاء: 1- 526.

(2) الظاهر أن (لا) زائدة، لأن المثال المذكور مستثنى من التصرف الّذي يمنع الرد. انظر العلامة الحلي- تذكرة الفقهاء: 1- 526.

(3) في (م) و (أ): الأسباب.

(4) زيادة من (ح) و (أ).

71

فمنه: أسباب الحدث التي هي فعل العبد، كالبول و الغائط و الجماع، فإنها توصف بالإباحة في بعض الأحيان، و هي سبب في وجوب الطهارة، و توصف بالتحريم كما في حالة الصلاة، و السببية قائمة.

و منها: غسل الميت فإنه (1) واجب، و شرط في صحة الصلاة عليه. و كذا باقي أحكام الميت واجب، و سبب في سقوط التكليف عن الباقين. و كذا جميع فروض الكفايات.

و منها: الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج، فإنها واجبة، و سبب (في عدم عصمة دم الممتنع عنها) (2).

و منها: الاعتكاف ندب، و سبب في تحريم محرماته.

و الصوم المستحب ندب، و سبب في كراهية المفطرات. و الصوم الواجب واجب، و سبب في تحريم المفطرات.

و منها: النكاح، فإنه مستحب تارة، و واجب أخرى، و مباح أولة، و مكروه طورا، و هو سبب لحل الاستمتاع، و تحريم الأم عينا مطلقا، و البنت كذلك مع الدخول و إلا حرمت جمعا، و الأخت جمعا، و ابنة الأخ مع عمتها، و ابنة الأخت على خالتها إلا بإذنهما. و سبب في وجوب الإنفاق، و القسمة و وجوب الرجم بسبب الإحصان، و سبب في استحباب التسوية بين الزوجات في الإنفاق و إطلاق الوجه، و قسمة النهار.

و في كراهية الإتيان في غير المأتي (3)، على القول المشهور (4) (5)،

____________

(1) زيادة من (ك).

(2) في (م) و (أ): في عصمة دم غير الممتنع عنها.

(3) أي في الدبر.

(4) في (ح) و (م): الأشهر.

(5) انظر: العلامة الحلي- قواعد الأحكام: 155، و مختلف الشيعة: 4- 86.

72

و في إباحة الاستمتاع بما شاء.

و منها: الرضاع، فإنه مستحب أو واجب أو مباح، كما في الرضاع بعد الحولين إلى شهرين، و سبب في التحريم.

و منها: الطلاق، فإنه واجب و مستحب و مكروه، و هو سبب في التحريم.

و منها: أسباب الحدود و الجنايات، فإنها محرمة، و موجبة لتلك العقوبات من الحدّ و التعزير و القود و الكفارة.

و منها: العتق، فإنه مستحب، و هو سبب في الحرية و في الأحكام اللاحقة بها.

و منها: الظهار، فإنه محرم، و سبب في تحريم المظاهرة، و وجوب الكفارة بشرط نية العود.

و منها: الإيلاء، فإنه مباح، و سبب في التحريم، و الإلزام بالفئة بشرط التماس الزوجة.

و منها: النذر و العهد، فإنه مستحب، و سبب في الوجوب و التحريم بحسب الفعل و الترك.

و منها: الصيد و الالتقاط و الاحتطاب، فإنه مباح، و سبب في التملك، و وجوب التعريف.

القسم الثاني: ما كان خطاب التكليف و لا وضع فيه. و سئل بجميع التطوعات (1)، فإنها تكليف محض، و لا سببية فيها و لا شرطية و لا مانعية. و على ما قلناه يتصور كونها أسبابا، كما ذكرناه (2) في الصيام و الاعتكاف.

____________

(1) انظر: القرافي- الفروق: 1- 163.

(2) راجع ص 71.

73

و عدّ منها: الالتقاط بنية الحفظ على المالك، فإنه لا يجب عليه التعريف، و لا يفيد سبب التمليك.

و للنفقة و الحضانة و الجهاد اعتباران: فمن حيث أنها تكليف محض، من هذا القسم. و إن اعتبرنا كون النفقة سببا لملك الزوجة، و الحضانة سببا لحفظ الطفل، و الجهاد سببا في إعلاء كلمة اللّه.

و كذا يحصل الاعتباران في استيفاء الحدود، و في القضاء، فان استيفاء الحدود سبب للزجر عن المعصية، و القضاء سبب في تسلط المقتضى له.

و يمكن سقوط هذا القسم من البين، لأن جميع التكليفات أسباب في براءة الذّمّة و سقوط العقاب (1)، و استحقاق الثواب.

القسم الثالث: ما كان خطاب وضع و لا تكليف فيه، كالأحداث التي ليست من فعل العبد، مثل: الحيض، و النوم، و الاحتلام.

و كأوقات الصلوات (2)، و رؤية الهلال في الصوم و الفطر، فإنها أسباب محضة.

و كحؤول (3) الحول في الزكاة، فإنه شرط محض لوجوب الزكاة.

و كالحيض، فإنه مانع محض من الصوم و الصلاة و اللبث في المساجد.

و كالإرث، فإنه تملك محض (4) بعد وقوع السبب.

و ربما جعل ضابط خطاب الوضع: ما لا فعل فيه للمكلف. فيخرج القسم الأول عن خطاب الوضع. و ليس كذلك.

____________

(1) في (م) و (أ): الخطاب.

(2) في (ح) و (أ): الصلاة.

(3) في (ك): و كجزء أول.

(4) في (ح) و (م) و (أ): شخص.

74

القسم الرابع: ما كان من (1) خطاب الوضع بعد وقوعه، و من خطاب التكليف قبله، كسائر العقود الشرعية مثل: البيع و الصلح و القرض و الضمان و المزارعة و المساقاة و الوكالة و الجعالة و الوصية و الهبة و السبق، فإنها توصف بالإباحة تارة، و بالاستحباب و الوجوب أخرى، بل ربما وصفت بالتحريم، كالبيع وقت النداء، و يترتب عليها أحكامها بعد وقوعها.

فائدة (2) مدارك الأحكام عندنا أربعة: الكتاب، و السنة، و الإجماع، و دليل العقل.

و هنا قواعد خمس مستنبطة منها يمكن ردّ الأحكام إليها، و تعليلها بها، فلنشر إليها في قواعد خمس:

القاعدة (3) الأولى: تبعية العمل للنية

و مأخذها من قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): (إنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى) (4). أي صحة الأعمال و اعتبارها بحسب

____________

(1) في (ك) و (أ): فيه.

(2) في (ا): قاعدة.

(3) زيادة من (ح).

(4) انظر: ابن قدامة- المحرر في الحديث: 204، و الغزالي- إحياء علوم الدين: 2- 15، و القرافي- الفروق: 1- 37. و انظر أيضا.

سنن ابن ماجه: 2- 1413، حديث: 4227، و سنن أبي داود: 1- 510 و الحر العاملي- وسائل الشيعة: 1- 34- 35، باب 5 من أبواب مقدمة العبادات، حديث: 10 (باختلاف بسيط).

75

النية. و يعلم منه أن من لم ينو، لم يصح عمله، و لم يكن معتبرا في نظر الشرع. و يدل عليه- مع دلالة الحصر- الجملة الثانية فإنها صريحة في ذلك أيضا.

و في هذه القاعدة فوائد:

الفائدة الأولى يعتبر في النية التقرب إلى اللّه تعالى،

و دلّ عليه الكتاب و السنة.

أما الكتاب: فقوله تعالى (وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1). أي: و ما أمر أهل الكتابين بما فيهما إلا لأجل أن يعبدوا اللّه على هذه الصفة، فيجب علينا ذلك، لقوله تعالى وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (2).

و قال تعالى وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىٰ (3). أي: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، إذ هو منصوب على الاستثناء المنفصل. و كلاهما يعطيان أن ذلك معتبر في العبادة، لأنه تعالى مدح فاعله عليه.

و أما السنة: ففيما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في الحديث القدسي: (من عمل لي عملا أشرك فيه غيري تركته لشريكي) [1].

____________

[1] رواه أحمد بلفظ: (أنا خير الشركاء من عمل لي عملا فأشرك فيه غيري فأنا منه برئ و هو للذي أشرك) مسند أحمد: 2- 301، 432 و انظر أيضا: القرافي- الفروق: 3- 22 (باختلاف بسيط).

____________

(1) البينة: 5.

(2) البينة: 5.

(3) الليل: 19- 20.

76

الفائدة الثانية (1) معنى الإخلاص: فعل الطاعة خالصة للّه وحده.

و هنا غايات ثمان:

الأولى: الرياء، و لا ريب في (2) أنه يخل بالإخلاص. و يتحقق الرياء بقصد مدح الرائي، أو الانتفاع به، أو دفع ضرره.

فان قلت: فما تقول في العبادات المشوبة بالتقية؟

قلت: أصل العبادة واقع على وجه الإخلاص، و ما فعل منها تقية فإن له اعتبارين: بالنظر إلى أصله، و هو قربة، و بالنظر إلى ما طرأ من استدفاع الضرر، و هو لازم لذلك، فلا يقدح في اعتباره. أما لو فرض إحداثه صلاة- مثلا- تقية فإنها من باب الرياء.

الثانية: قصد الثواب، أو الخلاص من العقاب، أو قصدهما معا.

الثالثة: فعلها شكرا لنعم اللّه و استجلابا لمزيده.

الرابعة: فعلها حياء من اللّه تعالى.

الخامسة: فعلها حبا للّه تعالى.

السادسة: فعلها تعظيما للّه تعالى و مهابة و انقيادا و إجابة.

السابعة: فعلها موافقة لإرادته، و طاعة لأمره.

الثامنة: فعلها لكونه أهلا للعبادة. و هذه الغاية مجمع على كون

____________

(1) في (ك) و (م) و (أ): فائدة (من غير رقم) و لعل ما أثبتناه هو الصواب، لأنه يوافق عدد الفوائد المذكورة في هذه القاعدة، كما أنه يوافق الترقيم الوارد في (ك) من الفائدة العشرين و ما بعدها.

(2) زيادة من (ح) و (م).

77

العبادة تقع بها معتبرة، و هي أكمل مراتب الإخلاص، و إليه أشار الإمام الحق أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام بقوله: (ما عبدتك طمعا في جنتك، و لا خوفا من نارك، و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك) (1).

و أما غاية الثواب و العقاب فقد قطع الأصحاب (2) يكون العبادة فاسدة بقصدها. و كذا ينبغي أن تكون غاية الحياء و الشكر و باقي الغايات.

و الظاهر أن قصدها مجز، لأن الغرض بها في الجملة، و لا يقدح كون تلك الغايات باعثا على العبادة، أعني: الطمع، و الرجاء، و الشكر و الحياء، لأن الكتاب و السنة مشتملتان على المرهبات: من الحدود، و التعزيرات، و الذم، و الإيعاد بالعقوبات، و على المرغبات: من المدح و الثناء في العاجل و الجنة و نعيمها في الآجل.

و أما الحياء فغرض مقصود، و قد جاء في الخبر عن النبي (صلى اللّه عليه و آله): (استحيوا من اللّه حق الحياء) (3) و (أعبد اللّه كأنك تراه، فان لم تكن تراه فإنه يراك) (4). فإنه إذا تخيل الرؤية انبعث على الحياء و التعظيم و المهابة.

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام)- و قد قال له ذعلب اليماني- بالدال

____________

(1) لم أعثر على هذا في المراجع المتقدمة عن عصر المؤلف، و إنما رواه مرسلا كل من الفيض الكاشاني في- الوافي: 3- 70، و المجلسي في- مرآة العقول: 2- 101 (بتقديم و تأخير بين بعض فقراته).

(2) انظر: العلامة الحلي- المسائل المهنائية: ورقة 29 ب، و 32- 33 (مخطوط بمكتبة السيد الحكيم العامة في النجف، ضمن مجموع برقم 1107).

(3) انظر: صحيح الترمذي: 9- 281.

(4) انظر: المتقي الهندي- كنز العمال: 2- 6، حديث: 124.

78

المعجمة المكسورة، و العين المهملة الساكنة، و اللام المكسورة-: (هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): أ فأعبد ما لا أرى؟؟

فقال: و كيف تراه؟ فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة الأعيان، و لكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس (1) بعيد منها غير مباين، متكلم بلا روية (2)، مريد لا بهمة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، و توجل القلوب من مخافته) (3).

و قد اشتمل هذا الكلام الشريف على أصول صفات الجلال و الإكرام التي عليها مدار علم الكلام، و أفاد أن العبادة تابعة للرؤية، و تفسير معنى الرؤية، و أفاد الإشارة إلى أن قصد التعظيم بالعبادة حسن و إن لم يكن تمام الغاية. و كذلك الخوف منه تعالى.

الفائدة الثالثة لما كان الركن الأعظم في النية هو الإخلاص، و كان انضمام تلك الأربعة (4) غير قادح فيه،

فحقيق (5) أن نذكر ضمائم أخرى، و هي أقسام:

____________

(1) في (ك): ملابس، و في (م): ملاق، و ما أثبتناه مطابق لما في نهج البلاغة.

(2) في (ك): رؤية، و ما أثبتناه مطابق لما في النهج.

(3) انظر: نهج البلاغة: 2- 120- 121 (شرح محمد عبده) مطبعة الاستقامة بمصر.

(4) و هي: الطمع، و الشكر، و الحياء، و الرجاء.

(5) في (ك): فخليق.