القواعد و الفوائد - ج2

- الشهيد الأول المزيد...
362 /
5

[قواعد في الأحكام الشرعية]

[تتمة قاعدة- 158]

قواعد الجنايات

و هي تسع

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الأولى ينقسم القتل بانقسام الأحكام الخمسة:

فالواجب: قتل الحربي إذا لم يسلم و الذمي إذا لم يلتزم و لم يسلم و المرتد عن فطرة مطلقا، و عن غيرها إذا أصر، و المحارب إذا لم يتب قبل القدرة عليه- و في اشتراط قتله الغير خلاف (1) و الزاني المحصن، و الزاني بالإكراه، و بالمحارم، و اللائط، و أصحاب الكبائر بعد التعزيرات، و الترس إذا لم يمكن الفتح إلا بقتله (2)، و إن كانوا غير مستحقين لولاه.

و الحرام: قتل المسلم بغير حق، و الذمي، و المعاهد، و المستأمن، و نساء أهل الحرب و صبيانهم إلا مع الضرورة، و قتل الأسير المأخوذ بعد انقضاء الحرب.

و المكروه: قتل الغازي أباه:

و المستحب: قتل الصائل (3) إذا كان الدفع أولى من الاستسلام عندهم (4). و الأقرب وجوبه عندنا. و لو كان الدفاع عن بضع

____________

(1) لم أعثر على من يقول بوجوب قتل المحارب إن لم يقتل، و إنما هناك من يذهب إلى أن الإمام مخير فيه بين القتل و الصلب و القطع و النفي. انظر: الشيخ الطوسي- الخلاف: 2- 188، و العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 5- 226- 227، و قواعد الأحكام: 251، و ابن جزي- قوانين الأحكام الشرعية: 392.

(2) في (ك): به.

(3) في (ح): المقاتل:

(4) أي عند العامة. انظر: السيوطي- الأشباه و النّظائر: 446.

8

محرم، أو عن قتل مؤمن ظلما، فهو واجب.

و المباح: القتل قصاصا. و لو خيف من استبقائه أذى أمكن جعله مستحبا. و من المباح: من مات بالحد أو بالقصاص في الطرف.

أما قتل الخطأ، فلا يوصف بشيء من الأحكام، لأنه ليس بمقصود (1).

و أما شبه العمد، فقد يوصف بالحرمة فيما إذا ضربه عدوانا، لا بقصد القتل و لا بما يقتل غالبا، و قد لا يوصف، كالضرب للتأديب.

على أن الضارب عدوانا الوصف في الحقيقة لضربه لا للقتل المتولد عنه.

الثانية ينقسم للقتل باعتبار سببه إلى أقسام (2):

الأول: ما لا يوجب قصاصا و لا دية و لا كفارة و لا إثما، و هو القتل الواجب و المباح، إلا قتل المسلم حين الترس، فإنه يجب به الكفارة.

الثاني: ما لا يوجب الثلاثة الأول و لكنه يأثم، و هو قتل الأسير إذا عجز عن المشي، و قتل الزاني المحصن و شبهه بغير إذن الإمام.

الثالث: ما يوجب القصاص و الكفارة، و هو قتل المكافئ من المسلمين عمدا عدوانا:

____________

(1) انظر في هذه الأقسام: السيوطي- الأشباه و النّظائر:

446- 447.

(2) انظر بعض هذه الأقسام في- الأشباه و النّظائر، للسيوطي:

512.

9

الرابع: ما يوجب الدية و الكفارة، و هو شبه العمد، و الخطأ، و قتل الوالد ولده.

الخامس: ما يوجب الدية و لا يوجب الكفارة، و هو قتل الذمي.

السادس: ما يوجب الكفارة لا الدية، و هو قتل عبد نفسه إذا كان مسلما، و قتل الإنسان نفسه.

أما قتل الذمي المرتد، فالأقرب أنه يوجب القصاص وحده، لأنه معصوم الدم بالنسبة إليه.

الثالثة يعتبر في القصاص نفسا و طرفا المماثلة، لا من كل وجه،

بل في:

الإسلام، و الحرية، و الكفر، و الرقيّة، و في العقل، و اعتبار الحرمة (1) و يمنع منه الأبوة (2).

و لا يعتبر التساوي في الأوصاف العرضية، كالعلم، و الجهل، و القوة، و الضعف، و السمن، و الهزال، و نحوها، و إلّا لا لانسد باب للقصاص، و من ثمَّ قتل الجماعة بالواحد، و اقتص من أطرافهم مع الرد، عندنا، جسما لتواطؤ الجماعة على قتل واحد أو قطع طرفه:

الرابعة المشهور بين الأصحاب (3)، أن الواجب في قتل العمد بالأصالة القصاص،

____________

(1) في (أ): الحرية.

(2) انظر شروط القصاص في- قواعد الأحكام، للعلامة الحلي: 255.

(3) انظر: الشيخ الطوسي- الخلاف: 2- 140، و ابن إدريس- السرائر: 414، و المحقق الحلي- شرائع الإسلام:

4- 228، و العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 5- 231.

10

و أن الدية لا تثبت إلا صلحا:

و قال ابن الجنيد (1) (رحمه اللّه): لولي المقتول عمدا الخيار بين أن يستقيد، أو يأخذ الدية، أو يعفو. و يلوح ذلك من كلام ابن أبي عقيل (2) (رحمه اللّه).

و هذا يحتمل أمرين:

أحدهما: أن الواجب هو القصاص، و الدية بدل عنه، لقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ) (3).

و الثاني: أن الواجب أحد الأمرين: من القصاص و الدية، و كل منهما أصل، كالواجب المخير، لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله):

(فمن قتل له قتيل فهو (بخير النظرين) (4): إما يؤدى و إما يقاد) (5).

و يتفرع فروع (6):

____________

(1) انظر: العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 5- 231 (نقلا عنه).

(2) انظر: المصدر السابق: 5- 232 (نقلا عنه).

(3) البقرة: 178.

(4) في (ك) و (ح) و (أ): مخبر بين أمرين، و ما أثبتناه من (م) و هو مطابق لما في البخاري.

(5) انظر: صحيح البخاري: 4- 188، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، من كتاب الدّيات، حديث: 1.

(6) هناك فروع ذكرها ابن رجب على هذين القولين. انظر:

القواعد: 328- 333، قاعدة 137.

11

الأول: إذا عفا الولي عن القود مطلقا، فعلى المشهور يسقط القود و الدية، و على التفسير الثاني للقول الثاني تجب الدية، و على التفسير الأول له يحتمل سقوط الدية، لأن البدلية تتحقق باختياره، و لم يذكرها. و يحتمل وجوبها، لأن عفو المستحق كعفو الشارع، فإن كل موضع عفا الشرع عن القصاص، لعدم الكفاءة، وجبت الدية.

الثاني: إذا قال: عفوت عما وجب لي بهذه الجناية، أو عن حقي فيها، أو عما أستحقه، و شبهه، فعلى المشهور سقطت المطالبة أصلا و رأسا، و على الآخر (1) الأقرب ذلك أيضا، لشمول اللفظ.

و يحتمل على التفسير الأول بقاء الدية، لأنها إنما تجب إذا استبدل بها عن القود، و لم يستبدل، فهو كالعفو عما لم يجب.

الثالث: لو قال: عفوت عن القصاص و الدية، فهذا كالذي قبله، و أولى في سقوطهما، للتصريح. و يتوجه فيه الاحتمال الآخر (2).

الرابع: لو قال: عفوت عن القصاص إلى الدية، فعلى المشهور، يعتبر رضا الجاني، فإن رضي، و إلا فالقصاص بحاله، و على الآخر، تجب الدية حتما.

الخامس: لو قال: عفوت عن الدية، فعلى المشهور، لا أثر لهذا العفو، و على الآخر إن فسرنا بالبدلية، صح العفو عن الدية و يبقى القصاص. فلو مات الجاني قبل القصاص و العفو عنه فهل للمستحق طلب الدية؟ يحتمل المنع، لعفوه عنها، و الثبوت، لفوات القصاص بغير اختياره فله بدله. و هذا يتوجه على القول المشهور

____________

(1) في (ك): الأخير.

(2) أي احتمال كون العفو بالنسبة إلى الدية من قبيل إسقاط ما لم يجب.

12

أيضا، بمعنى أنه (1) إذا عفا عن الدية، ثمَّ مات المقتول (2)، يرجع بها في تركته، على ما قاله بعض الأصحاب (3). و لكنهم لم يذكروا العفو عن الدية، و هذا يبنى على أن العفو عن الدية لغو، و أما لو قلنا هو مراعى، صح العفو، (إذ ينتقل) (4) الحق إليه:

و هو بعيد. و إن فسرنا القول الثاني بأحد الأمرين، و قد عفا عن الدية، فهل له الرجوع إليها، و العفو عن القصاص؟ فيه احتمالان:

أحدهما، و هو الأصح: المنع، كما أنه لو عفا عن القصاص، لم يكن له الرجوع إليه.

و ثانيهما: الجواز، لما فيه من استبقاء نفس الجاني، و الرفق به.

السادس: إذا عفا على مال من غير جنس الدية، و شرط رضا الجاني، فإن رضي، فلا كلام على القول المشهور، و أما على الآخر، فعلى البدلية يثبت المال، و على أحد الأمرين، الأقرب ذلك أيضا.

السابع: لو قال: عفوت عنك، و سكت، فعلى المشهور و تفسير البدلية، الأقرب صرفه إلى القصاص لأنه الواجب، و يبقى في الدية ما سبق، و على أحد الأمرين، يمكن صرفه إلى القصاص، إذ هو المعتاد في العفو، و اللائق به. و الأقرب استفساره، فأيهما قال، بني عليه، كما مر. و إن قال: لم أقصد شيئا، احتمل الصرف إلى القصاص، و أن يقال له: اصرف الآن إلى ما تشاء.

____________

(1) زيادة من (أ) و (م).

(2) في (أ): القاتل. و ما أثبتناه مطابق لما في قواعد العلامة الحلي.

(3) انظر: العلامة الحلي- قواعد الأحكام: 266.

(4) في (ح) و (م): إذا انتقل.

13

الثامن: لو قال: اخترت القصاص، فعلى المشهور، زاده تأكيدا، و على البدلية، له الرجوع إلى الدية لو عفا عن القصاص إليها. و على أحد الأمرين، هل له الرجوع إلى الدية؟ هو كما لو صرح بالعفو عن الدية، بل أولى بالرجوع.

التاسع: إذا عفا المفلس عن القصاص، سقط: و أما الدية، فعلى المشهور، لا شيء، و على البدلية، إن عفا على مال ثبت، و تعلق به حق الغرماء. و إن عفا مطلقا، أو على أن لا مال، فان قلنا مطلق العفو يوجب الدية، وجبت هنا عند الإطلاق. و أما العفو مع نفي المال، فالأقرب صحته، لأن طلب المال تكسب، و لا يجب عليه التكسب على القول به. و أما على أحد الأمرين، إذا عفا عن القصاص، ثبتت الدية، سواء صرّح بإثباتها، أو نفيها، أو أطلق.

العاشر: لو عفا الراهن عن الجاني عمدا على الرهن على غير مال، فقضية كلام الأصحاب (1) صحة العفو. و قال الفاضل (2): هو كعفو المحجور، يعني المفلّس، و قد سبق تنزيله.

قيل: و يفترقان: بأن المفلس لا يكلف تعجيل القصاص أو العفو ليصرف المال إلى الغرماء، لأن ذلك اكتساب، و هو غير واجب عليه، و الراهن يجبر على القصاص أو العفو على مال، ليكون المرتهن على تثبت من أمره.

و منهم من بناه على: أن الواجب إن كان القود عينا، لم يجبر، و إن كان أحد الأمرين، أجبر على (استيفاء ما شاء، فلعله يختار استيفاء الدية) (3)، فتتعلق حقوق الغرماء بها. و ربما احتمل أن

____________

(1) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 2- 229.

(2) انظر: العلامة الحلي- قواعد الأحكام 63.

(3) في (م): أحدهما، فلعله يختار الدية.

14

يتعين عليه أخذ (1) الدية (2)، ليصرفها (في الدين) (3).

الحادي عشر: لا ريب أن الصلح على أزيد من الدية، من جنسها أو من غير جنسها، جائز على القول المشهور، و على البدلية وجهان:

نعم، لتعلقه باختيار المستحق، فجازت الزيادة و النقيصة، كعوض الخلع. و الثاني: لا، لأن العدول عن القصاص يوجب الدية، فلا تجوز الزيادة عليها. و أما على أحد الأمرين، فقد نطقوا (4) بالمنع، لأنه زيادة على القدر الواجب، فكأنهم يجعلونه ربا. و هو مبني على اطراد الرّبا في المعاوضات.

تنبيهان:

الأول: إذا عفا الولي إلى الدية، فهي دية المقتول لا للقاتل،

لأن العافي أحيا القاتل بإسقاط حقه من مورثه، و من أحيا غيره ببذل شيء استحق بذل المبذول، كمن أطعم مضطرا في مخمصة، فإنه يستحق عليه بذل الطعام.

[الثاني]: و لو مات الجاني قبل العفو و القصاص،

أو قتل ظلما أو بحق، و أوجبنا الدية في تركته، فهي أيضا دية المقتول، عندنا، لا القاتل، لأنه الفائت على الورثة بالأصالة.

____________

(1) زيادة من (ح).

(2) (في (م): أحدهما.

(3) في (م): إليهم.

(4) في (ا): قطعوا.

15

الخامسة (1) قد يعرض ما يمنع من أخذ الدية، كمن عفا عن القصاص إليها، على المذهبين،

و له صور:

الأولى: لو قطع من الجاني ما فيه دينه، كاليدين أو الرجلين، قيل (2): يكون مضمونا عليه بالدية، فليس له القصاص في النّفس حتى يؤدي إليه الدية. و لو عفا عن القصاص لم يكن له أخذ الدية، لاستيفائه ما يوازيها.

الثانية: لو قطع يدي رجل فقطع يدي القاطع قصاصا، ثمَّ سرى القطع في المقتص فمات، فللولي قتل الجاني. و لو عفا لم يكن له دية، لاستيفائه ما يقابلها (3).

الثالثة: الصورة بحالها و لكنه أخذ دية اليدين، ثمَّ سرت، فللولي قتله قصاصا بجز الرقبة. و لو عفا فلا دية، لأن الطرف تدخل في دية النّفس، و قد استوفاها المجني عليه كاملة.

الرابعة: لو قطع ذمي يدي (4) مسلم فاقتص منه، ثمَّ سرت إلى المسلم فلوليه القصاص. و إن عفا إلى الدية، فله دية تنقص

____________

(1) في (ح) و (م) و (أ): الثاني، أي التنبيه الثاني، و ما أثبتناه من (ك)، و هو الصواب، لاتفاق كل النسخ على جعل القاعدة التي بعد هذه هي السادسة.

(2) انظر: العلامة الحلي- قواعد الأحكام: 266.

(3) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 7- 62.

(4) في (م) و (ح) و (ك): يد، و ما أثبتناه من (أ)، و هو مطابق لما في المبسوط: 7- 64.

16

عن (1) دية الذمي. و قال بعضهم (2): لا دية.

و بضعف: بعدم استيفاء ما قابل دية المسلم.

الخامسة: لو قطعت امرأة يدي رجل فاقتص منها، ثمَّ (سرت إليها) (3)، (ثمَّ سرت إلى نفسه) (4)، فليس له مع العفو سوى نصف الدية (5).

السادسة: لو قطع يديه، فسرى إلى نفسه، فقطع الولي يدي الجاني، فلم يمت، فله قتله، تحقيقا للمماثلة (6). فلو مات قبل جز الرقبة لم يؤخذ من تركته شيء، لأنه لما فات المحل ثبت له دية واحدة، و قد استوفى ما قابلها.

و أورد المحقق نجم الدين (7) (8) (رحمه اللّه) على هذه الأحكام:

____________

(1) زيادة من (أ).

(2) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 7- 64 (نقلا عن بعض الفقهاء).

(3) في المبسوط للشيخ الطوسي: 7- 64: اندملت يداها.

(4) زيادة من (ح)، و هي مطابقة لما في المبسوط.

(5) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 7- 64- 65.

(6) في (م): المقابلة.

(7) هو أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلي، الشهير بالمحقق، أو المحقق الحلي، من أكابر علماء الإمامية، له مصنفات جليلة في الفقه و الأصول و الكلام و المنطق منها: شرائع الإسلام، و معارج الأصول. ولد سنة 602 ه، و تو في سنة 676 ه.

(القمي- الكنى و الألقاب: 3- 133).

(8) شرائع الإسلام: 4- 232.

17

أن للنفس دية بانفرادها، و ما استوفى وقع قصاصا عن الجناية، فلا يكون مانعا من القصاص و لا الدية.

السابعة: لو قطع يدي عبد يساوي ألف دينار، ثمَّ أعتقه السيد، و مات بالسراية، فللورثة القصاص و العفو عنه مجانا، لأن أرش الجناية كان في ملك السيد، فيكون له، و لا يمكن تعدده بتعدد المستحقين، فليس لهم مال هنا أيضا.

السادسة كل من لم يباشر القتل لم يقتص منه، إلا في نحو: تقديم الطعام المسموم إلى الضيف،

و أمره بالأكل منه، أو سكوته. و كذا لو دعاه إلى بئر لا يعلمها. و كذا لو شهدا عليه بالقتل، فقتل، ثمَّ رجعا و قالا: تعمدنا، فإنه يقتص منهما. و كذا لو ثبت أنهما شهدا زورا و قالا: تعمدنا.

السابعة اعتبر بعضهم (1) في القود: تكافؤ المجني عليه و الجاني في جميع أزمنة الجرح إلى الموت،

فلو تخلل رده بين الإسلامين، فلا قصاص، لأنها شبهة.

و فصل الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (2): بأنه إن كان لم تحصل

____________

(1) انظر: السيوطي- الأشباه و النّظائر: 512.

(2) 7- 26.

18

سراية في زمان الردة، فالقود، و إن حصلت، فلا قود، لأن وجوبه مستند إلى الجناية، و كل السراية و بعضها هدر.

و قوّى المحقق نجم الدين (1)، تبعا لابن الجنيد (2)، و الشيخ في الخلاف (3)، ثبوت القصاص، لأن الاعتبار في الجناية بحال استقرارها، و هو حينئذ مسلم.

قلت: ربما حصلت المناقشة في التفصيل، لأن أزمنة الجرح القاتل لا تنفك عن سراية غالبا و إن خفيت.

و كذا يعتبر في حل أكل الصيد ذلك، حتى أو رمى إلى صيد، ثمَّ ارتد، ثمَّ أسلم ثمَّ أصابه، لا يحل، لأن الأصل في الميتات الحرمة.

و كذا في تحمل العاقلة يعتبر الطرفان و الواسطة، لأنها جارية على خلاف الأصل، من حيث أنها مؤاخذة بجناية الغير، فاحتيط فيها بطريق الأولى، كما احتيط في القود (4). و فيها الكلام السابق (5) عن الشيخين (6). و قطع المحقق (7) بتضمين العاقلة، و لم يفصل، و كأنه أحاله على ما ذكره في العمد.

و قد قيل (8) إذا رمى في حال إسلامه طائرا، ثمَّ ارتد، ثمَّ

____________

(1) شرائع الإسلام: 4- 213.

(2) انظر: العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 5- 268 (نقلا عنه).

(3) 2- 137.

(4) انظر: السيوطي- الأشباه و النّظائر: 512.

(5) في (ح) و (أ) و (م): السالف.

(6) أي كلام الشيخ الطوسي و ابن الجنيد في مسألة القود.

(7) شرائع الإسلام: 4- 290.

(8) انظر: المصدر السابق: 4- 292.

19

أسلم ثمَّ أصاب السهم إنسانا، أن الدية على عاقلته المسلمين، و يكتفى بإسلامه في الطرفين. و هذا بناء على أن المرتد يرثه بيت المال، و عندنا أن ميراثه لورثته المسلمين. فعلى هذا، لو أصاب مرتدا لعقله المسلمون من أقربائه.

أما الدية، فالاعتبار بها حال التلف، فلو رمى حربيا أو مرتدا، ثمَّ أسلم فأصابه السهم في حال إسلامه، و وجبت الدية.

الثامنة كل جناية تلزم جانيها، إلا في: ضمان الخطأ على العاقلة،

و ضمان جناية الصبي على الأنفس مطلقا، لأن عمده خطأ. و قيل (1): في الأعمى كذلك، و لم يثبت. و إلا (2) جناية الصبي على صيد في الإحرام، أو فعل بعض محظوراته، فإنه يلزم الولي (3).

التاسعة كل جناية لا مقدر لها، ففيها الأرش،

تحقيقا، كما في الرقيق، و تقديرا، كما في الحر.

و التقدير غالبا أنه يتبع العدد، ففي جميع ما في البدن منه واحد،

____________

(1) انظر: الشيخ الطوسي- النهاية: 760، و العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 5- 247 (نقلا عن ابني الجنيد و البراج).

(2) في (أ): و أما.

(3) انظر هذه القاعدة أيضا في- الأشباه و النّظائر، للسيوطي: 515.

20

عينا كان أو منفعة، الدية، و توزع الدية على ما زاد بالسوية، غالبا، ففي الاثنين الدية، و في الثلاثة و الأربعة و العشرة.

و استثني من الاثنين: الحاجبان و الترقوتان. و من العشرة:

الأظفار.

و في الشجاج في الرّأس، و الوجه، من عشر الدية إلى ثلثها. و في البدن، بنسبتها إلى الرّأس.

و في كسر عظم من عضو خمس دية العضو، فان صلح بغير عيب، فأربعة أخماس دية كسره. و في موضحته، ربع دية كسره. و في رضه، ثلث دية العضو، فإن برئ بغير عيب، فأربعة أخماس دية رضه. و في فكّه من العضو، بحيث يتعطل العضو، ثلثا دية العضو، فان صلح بغير عيب، فأربعة أخماس دية فكّه.

و في أحداث شلل في العضو، ثلثا ديته. و في قطع كل عضو أشل، ثلث ديته: و في الزائد، ثلث دية الأصلي من الأسنان و الأصابع.

21

و تلحق بذلك قواعد أربع

الأولى لا يقرّ من الكفار على كفره غير أهل الكتاب بشرائط الذّمّة.

و للمرتد خصائص: المؤاخذة بأحكام المسلمين، و الأمر بقضاء فائت العبادة، إذا قبلت منه التوبة. و عدم صحة نكاحه ابتداء، و عدم إقراره على نكاحه المستدام، إلا أن يعود في العدة. و عدم الإقرار على دينه، إن قلنا بعدم الإمهال للتوبة، و إلا أقرّ (1) بقدره لا غير. و دمه هدر بالنسبة إلى المسلم. و زوال ملكه بنفس الردة، إن كان عن فطرة. و الحجر على ماله مطلقا. و منعه عن تزويج رقيقه، و أولاده الأصاغر. و عدم صحة سببه، و فدائه، و المنّ عليه. و عدم إرثه قريبه لو مات و كان ارتداده عن فطرة، و في غيرها نظر، و المراعاة محتملة. و عدم صحة تصرفاته بالبيع، و الهبة، و العتق، و شبهها، فتكون باطلة في الفطري، و موقوفة في الملي. و عدم إقرار ولد المرتدين على كفره. و عدم جواز استرقاق هذا الولد على قول (2). و قسمة أموال الفطري في الحال؟

و اعتداد أزواجه عدة الوفاة. و عدم قبول عوده إلى الإسلام:

____________

(1) في (ك): و الإقرار.

(2) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 7- 286، و العلامة الحلي- قواعد الأحكام: 252.

22

الثانية أموال الحربي فيء للمسلمين.

و لا يجب أن يدفع الإمام إلى أهل الحرب مالا، إلا في مواضع:

كافتكاك الأسرى من المسلمين إذا لم يمكن إلا به، و كرد مهر الحربي عليه إذا هاجرت امرأته مسلمة، و كدفع مال إليهم ليكفوا عند العجز عن مقاومتهم (1).

الثالثة كل من وطئ حراما بعينه، فعليه الحد مع العلم بالتحريم،

إلا في مواضع: كوطء الأب جارية ابنه، أو الغانم جارية المغنم، على قول (2).

و قيد (3) (بالعين) ليخرج نحو وطء الحائض، و المحرمة، و المولى منها، و المظاهرة، و زوجته المعتدة من وطء الشبهة.

الرابعة كل أمر مجهول فيه القرعة، بالنص (4).

و لها موارد (5):

____________

(1) انظر هذه المواضع: في- الأشباه و النّظائر، للسيوطي، 519 (نقلا عن الشيخ أبي حامد و غيره).

(2) انظر: الشيرازي- المهذب: 2- 241، و ابن قدامة- الكافي: 3- 308.

(3) في (ح): و قيدنا:

(4) انظر: الحر العاملي- وسائل الشيعة: 18- 189، باب 13 من أبواب كيفية الحكم، حديث: 11، 18.

(5) ذكر ابن رجب في قواعده: 377- 298، القاعدة الستون بعد المائة، موارد كثيرة للقرعة و من جملتها قسما مما ذكره المصنف.

23

منها (1): بين أئمة الصلاة عند الاستواء في المرجحات.

و بين أولياء الميت في تجهيزه مع الاستواء. و بين الموتى في الصلاة و الدفن مع الاستواء في الأفضلية، أو عدمها. و بين المزدحمين في الصف الأول مع استوائهم في الورود، و كذا في القعود في المسجد، أو المباح، و كذا في الحيازة، و إحياء الموات. و في الدعاوي، و الدروس، إلا أن يكون منهم مضطرا لسفر، أو امرأة. و بين الزوجات في الأسفار و في الابتداء لو سيق إليه زوجتان (2) دفعة. و بين الموصى بعتقهم، أو المنجز من غير ترتيب. و عند تعارض البينتين، أو تعارض الدعويين (3).

و لا تستعمل في العبادات في غير ما ذكرنا، و لا في الفتاوى، و الأحكام المشتبه، إجماعا.

____________

(1) في (ا) زيادة: ما.

(2) في (ح) و (أ): زوجات

(3) انظر قسما من هذه الموارد في- الفروق: 4- 111.

24

ثمَّ هنا قواعد

الأولى الأحكام اللازمة باعتبار جماعة، قد تكون موزعة على رءوسهم،

و قد تكون موزعة باعتبار تعلقهم. و كذا الحكم المعلق على عدد، قد يوزع على ذلك العدد، و قد يوزع على صنف ذلك العدد. و لا ضابط كليا هاهنا يشمل الجميع، نعم قد يشترك بعضها في ذلك، فكانت قاعدة في الجملة.

فالشفعاء و المتقاسمون، تكون الأنصباء، و المؤن، تابعة إما للرءوس، أو للأنصباء. و هو قوي. و أقوى في الشفعة ما إذا ورث جماعة شقصا عن واحد، لأنهم يأخذون لمورثهم ثمَّ يتلقونه لأنفسهم.

و يحتمل أن يقال: يأخذون لأنفسهم، لأن الميت لا يملك شيئا.

و يضعف: بأنهم يمنعون حينئذ، لتأخر ملكهم عن الشراء، إذ ملكهم بالإرث المتأخر عن الشراء و لا يحمل على حد القذف، حيث هو ملكهم بالسوية، لأن الحدود على غير مجاري المعاملات.

فالشركاء في عبد، إذا أعتق جماعة منهم، تقوم حصص الرق بينهم بالسوية. قاله بعض الأصحاب (1). و يحتمل على الحصص.

و لو استأجر دابة لقدر، فزاد، فتلفت، ففي كيفية ضمانها، الوجهان.

و كذا لو زاد الحداد (2)، أو ضرب جماعة واحدا ضربا متفاوتا

____________

(1) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 6- 56.

(2) في (ح) و (أ): الجلاد.

25

في العدد، فمات (1)، أو جرحوا، فالمشهور بين الأصحاب (2) التساوي هنا، و لا اعتبار بعدد الضربات و الجراحات.

و يمكن الفرق: بأن السياط مضبوطة، باعتبار وقوعها على ظاهر البدن، و الجراحة غير مضبوطة، لأنها ذات غور و نكاية في الباطن لا يعلم قدره.

تنبيه: إذا تعذر كمال الإجارة، وزع المسمى بنسبة المستوفى إلى الباقي بحسب القيمة.

و قد يشكل بعضها في صنعة الحساب، كما لو استأجر لحفر بئر عشرة طولا، و مثلها عرضا، و مثلها عمقا، فحفر خمس أذرع في خمس، و تعذر إكمال العمل، لموته مع تعيينه في العقد، أو لصلابة الأرض، فإن نسبة المحفور إلى المستأجر نسبة الثمن؛ و ذلك لأن مضروب الأولى ألف ذراع، و مضروب الثانية مائة و خمسة و عشرون ذراعا.

هذا بحسب العدد، فان فرض تساوي الأذرع في الأجرة، كان الواجب ثمن الأجرة، و إلا وجب التوزيع بحسب القيمة أيضا (3).

____________

(1) في (م) زيادة: فضمن.

(2) انظر: الشيخ الطوسي- المبسوط: 7- 13، و المحقق الحلي- شرائع الإسلام: 4- 202، و العلامة الحلي- قواعد الأحكام: 254.

(3) انظر هذه المسألة مفصلة في- الفروق، للقرافي: 4- 10- 11.

26

الثانية النكاح عصمة مستفادة من الشرع، يقف زوالها على إذن الشرع،

كما استفيد حصولها منه. و المتفق عليه عند الأمة قوله: (طالق)، فليقتصر عليها، وقوفا على المتيقن، و تمسكا بأصل الحل.

و للجمهور اختلاف عظيم، و اضطراب كثير، فيما عدا هذه الصيغة، حتى أن في قوله: (أنت حرام) أحد عشر قولا:

فقال ابن عباس- على ما نقل عنه (1)-: يمين مغلظة.

و ابن جبير: [1] (2) عتق رقبة.

و الشعبي [2] (3): كتحريم المال، لا شيء فيه، لقوله عز و جل:

____________

[1] هو سعيد بن جبير بن هشام الخزيمي الأسدي الكوفي: أحد أعلام التابعين، أخذ العلم عن عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن عمر.

قتله الحجاج بن يوسف سنة 95 هو هو ابن تسع و أربعين سنة.

(الخوانساري- روضات الجنات: 310، الطبعة الحجرية).

[2] هو أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفي الشعبي يعد من كبار التابعين، كان فقيها شاعرا. أدرك خمسمائة صحابي، و كان قاضيا على الكوفة، توفي سنة 104 ه(القمي- الكنى و الألقاب: 2- 332).

____________

(1) انظر: ابن رشد- بداية المجتهد: 2- 78، و القرافي- الفروق: 1- 41.

(2) انظر: ابن قدامة- المغني: 7- 154، و القرافي- الفروق:

1- 11.

(3) انظر: القرافي- الفروق: 1- 41، و ابن رشد- بداية المجتهد: 2- 78.

27

لٰا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ (1).

و قال إسحاق [1] (2): كفارة ظهار قبل الوطء.

و الأوزاعي [2] (3) له ما نوى، و إلا فيمين يكفر.

و سفيان [3] (4): إن نوى واحدة، فبائنة (5)، أو الثلاث، فالثلاث، أو اليمين، فاليمين، أو لا فرقة و لا يمينا، فكذبة (6) لا شيء فيها.

____________

[1] هو أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن بن إبراهيم بن مخلد ابن راهويه المروزي. كان إماما في الفقه و الحديث. ولد سنة 161 هو توفي بنيسابور سنة 237 ه. (القمي- الكنى و الألقاب: 1- 285).

[2] هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو و بن يحمد الأوزاعي. إمام أهل الشام، و لم يكن بها أعلم منه. كانت و فاته سنة 57. 1 ه. (القمي- الكنى و الألقاب: 2- 53).

[3] هو أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي الثوري.

كان إماما في الفقه و الحديث، و كان في شرطة هشام بن عبد الملك.

توفي بالبصرة سنة 161 ه. (القمي- الكنى و الألقاب: 2- 121).

____________

(1) المائدة: 87.

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 41.

(3) انظر: الفروق: 1- 41، و ابن قدامة- المغني: 7- 156.

(4) انظر: ابن رشد- بداية المجتهد: 2- 77، و القرافي- الفروق: 1- 41.

(5) في (ح): فثانية. و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق.

(6) في (ح): فمكذبة، و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق.

28

و أبو حنيفة (1): إن نوى الطلاق، فواحدة، و إن نوى اثنتين أو الثلاث، فواحدة بائنة، و إن لم ينو، فكفارة يمين، و هو مول.

و مالك (2): في المدخول بها، ثلاث، و ينوي في غير المدخول بها.

و الشافعي (3): لا يلزمه شيء حتى ينوي واحدة، فتكون رجعية، و إن نوى تحريمها بغير طلاق، لزمته كفارة يمين، و لا يكون موليا:

و قال بعض متأخري المالكية (4): معنى التحريم لغة: المنع، و قوله: (أنت عليّ حرام) إخبار عن كونها ممنوعة، فهو كذب لا يلزم فيه إلا التوبة في الباطن، و التعزير في الظاهر، كسائر أنواع الكذب، ليس في مقتضاها لغة إلا ذلك. و كذلك (خلية) معناه لغة: الإخبار عن الخلإ و أنها فارغة، و ليس في اللفظ التعرض لما هي منه فارغة. و كذلك (بائن) معناه لغة: المفارقة في الزمان أو المكان، و ليس فيه تعرض لزوال العصمة. فهي إخبارات صرفة، ليس فيها تعرض للطلاق البتة من جهة اللغة، فهي إما كاذبة، و هو الغالب، أو صادقة إن كانت مفارقة له في المكان، و لا يلزم بذلك طلاق، كما لو صرح و قال: أنت في مكان غير مكاني. و (حبلك

____________

(1) انظر: المرغيناني- الهداية: 2- 10- 11، 56، و القرافي- الفروق: 1- 41.

(2) انظر: ابن جزي- قوانين الأحكام: 254، و ابن رشد- بداية المجتهد: 2- 77، و القرافي- الفروق: 1- 41.

(3) انظر: الشيرازي- المهذب: 2- 83، و النوويّ- منهاج الطالبين: 88.

(4) هو القرافي في- الفروق: 1- 42.

29

على غاربك) معناه: الإخبار بذلك، و أصله في الراعي إذا قصد التوسعة على المرعية جعل حبلها على غاربها، و هو الكتفان، حتى تنتقل كيف شاءت. ثمَّ ذكر بعد ذلك: أنه راجع إلى النية و العرف، بناء منهم على صحة الكنايات عن الطلاق.

و ليس بشيء، لأن الكناية من باب المجاز، و اللفظ يحمل على حقيقته، لا على مجازه، و الحمل على اليقين كذلك، لعدم حقيقتها الشرعية، و عن النبي (صلى اللّه عليه و آله): (الطلاق و العتاق أيمان الفساق) (1).

الثالثة كل معلق على شرط، فإنه يتوقف التأثير أو الوجود عليه،

كالظهار المعلق على الدخول، (يشترط فيه) (2) تقدم الدخول ليقع الظهار.

و قد يعلّق الشرط على شرط (3) أيضا. إلى مراتب، فيشترط وجود تلك الشرائط مترتبة، كما في قوله تعالى وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهٰا لِلنَّبِيِّ، إِنْ أَرٰادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهٰا (4)، و قوله تعالى:

____________

(1) انظر: القرافي- الفروق: 1- 76. و أورده ابن الحاج في- المدخل: 4- 60، بلفظ: (لا تحلفوا بالطلاق و لا بالعتاق فإنها أيمان الفساق).

(2) في (ك) و (م): بشرط.

(3) في (ا) زيادة: آخر.

(4) الأحزاب: 50.

30

وَ لٰا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ، إِنْ كٰانَ اللّٰهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ (1). و يسميه النحاة: اعتراض للشرط على الشرط.

و مثل قول ابن دريد (2):

فان عثرت بعدها إن وألت (3) نفسي من هاتا فقولا لا لعا (4) و قول آخر، أنشده بعض النحاة (5):

أن تستغيثوا بنا أن تذعروا تجدوا منا معاقل عزّ زانها الكرم (6) و المشهور بين النحاة و الفقهاء: أن كل شرط لا حق، فإنه شرط في السابق، فيجب تقدمه عليه، و الآيتان و الشعر صريح في ذلك، و إن كان في الآية الأولى يحتمل أن تكون الإرادة متأخرة؛ لأنها كالقبول لهبتها، و القبول متأخر عن الإيجاب. و يحتمل أن يقال: إن إرادة النبي (صلى اللّه عليه و آله) تعلقت بإرادة الهبة منها، لعلمه ذلك من قصدها (7).

فلو قال: إن أعطيتك إن و عدتك إن سألتني، فأنت عليّ (8) كظهر أمي، اشترط أن تبتدئ بالسؤال، ثمَّ يعدها، ثمَّ يعطيها،

____________

(1) هود: 34.

(2) المقصورة الدريدية: 4.

(3) وأل إليه يئل وألا، أي لجأ. انظر: الجوهري- الصحاح:

5- 1838، مادة (و أل).

(4) يقال للعاثر: لعا لك، دعاء له بأن ينتعش. الجوهري- الصحاح: 6- 2483، مادة (لعا).

(5) هو ابن مالك النحوي. انظر: القرافي- الفروق: 1- 83.

(6) في الفروق: 1- 83: كرم.

(7) انظر: القرافي- الفروق: 1- 82.

(8) زيادة من (ح) و (أ).

31

كأنه قال: سألتني فوعدتك فأعطيتك.

فعلى هذا: لو تقدم الشرط الأول في الوقوع على الثاني لم تكن مظاهرة، و عند بعضهم (1): أنه لا يبالي بذلك، إذا المقصود هو اجتماع الشرطين، و حرف العطف مراد هنا، كما هو مراد في (جاء زيد جاء عمرو)، و لو أنه أنى (بالواو) كان الغرض مطلق الاجتماع.

و يرد: أن التقدير خلاف الأصل، و الشروط اللغوية أسباب يلزم من وجودها الوجود، و من عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية، كالحياة مع العلم، و الشرعية، كالطهارة مع الصلاة، و العادية، كنصب السلم مع صعود السطح، فإنه لا يلزم من وجودها وجود شيء، و إن كان التأثير موقوفا عليه، فإنه (2) لا يلزم من الحياة: العلم، و لا من الطهارة: الصلاة، و لا من نصب السلم: الصعود. نعم هي متلازمة في العدم. و إذا كانت الشروط اللغوية أسبابا، فمن ضرورتها التقدم على مسبباتها (3). و ظاهر أنه قد جعل الظهار معلقا على الإعطاء، فيجب تقدم الإعطاء عليه، و أنه قد جعل الإعطاء معلقا على الوعد، فيجب تقدم الوعد عليه، و جعل الوعد معلقا على السؤال، فيجب (4) تقدم السؤال عليه، لأن شأن الأسباب ذلك، كالدلوك في الصلاة.

____________

(1) انظر: ابن قدامة- المغني: 7- 197 (نقلا عن القاضي أبي يعلى)، و القرافي- الفروق: 1- 82 (نقلا عن المالكية و إمام الحرمين الجويني من الشافعية).

(2) في (ح) و (أ): إذ.

(3) انظر: القرافي- الفروق: 1- 82.

(4) من هنا إلى الموضع الثاني من قاعدة 163 سقط من (م).

32

الرابعة من تكميل ما سبق

الفرق بين السبب و الشرط، مع توقف الحكم عليهما- كما في اعتبار النصاب و الحول، مع أن للنصاب يسمى سببا، و الحول شرطا- هو، أن الشرع إذا رتب الحكم عقيب أوصاف، فإن كانت كلها مناسبة في ذاتها، قلنا الجميع علة، فلا نجعل بعضها شرطا، و بعضها في ذاته. و إن كان البعض مناسبا في ذاته، و الآخر مناسبا في غيره، سمي الذاتي سببا، و الغيري شرطا، كالنصاب، فإنه مشتمل على الغنى، و نعمة الملكية في نفسه، و الحول مكمل لنعمة الملكية، بالتمكن من التنمية (1) طويلا.

الخامسة الفرق بين أجزاء العلة و العلل المجتمعة: أن الحكم إذا ورد بعد أوصاف رتب على كل وصف منها بانفراده، فهي علل،

كأسباب الوضوء، و إجبار البكر الصغيرة، فإن الصغر كاف إجماعا، و البكارة

____________

(1) في (ح) و (أ): النعمة، و في (ك) القيمة، و ما أثبتناه من نسخة أخرى على هامش (ك) و (أ)، لمطابقته لما في الفروق: 1- 109، الّذي اعتمد عليه المصنف في هذه القاعدة.

33

كافية على قول جماعة من الأصحاب (1). و إن كان ترتبه على الجميع، لا على كل واحدة، فالعلة واحدة مركبة، و تلك أجزاؤها، كما في القتل العمد العدوان مع التكافؤ.

و الفرق بين جزء العلة و جزء الشرط: يعرف مما سبق، كجزء النصاب و كجزء الحول (2).

فائدة (3) فرض العين: شرعيته للحكمة في تكراره، كالمكتوبة،

فان مصلحتها الخضوع للّه عز و جل و تعظيمه، و مناجاته، و التذلل له، و المثول بين يديه، و التفهم (4) لخطابه، و التأدب بآدابه (5)، و كلما تكررت الصلاة تكررت هذه المصالح الحكمية.

أما فرض الكفاية: فالغرض إبراز الفعل إلى الوجود، و ما بعده

____________

(1) انظر: الشيخ الطوسي- النهاية: 464- 465، و العلامة الحلي- مختلف الشيعة: 4- 86 (نقلا عن الشيخ الصدوق و ابن أبي عقيل و ابن البراج).

(2) انظر في ذلك: القرافي- الفروق: 1- 109- 110.

(3) في (ك): قاعدة. و ما أثبتناه هو الصواب على ما يبدو، لأن المصنف سيذكر بعد ذلك القاعدة السادسة، فيكون ذكر هذه الفائدة و ما بعدها استطرادا.

(4) في (ح): و التوهم. و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق:

1- 116.

(5) في (ح): بآياته. و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق: 1- 116.

34

خال عن الحكمة، كإنقاذ الغير.

و لا ينتقض: بصلاة الجنازة، لأن الغرض منها الدعاء له، و بالمرة يحصل ظن الإجابة، و القطع غير مراد، فلا تبقى حكمة في الدعاء بعد تلك (1) لخصوصية هذا الميت. و إنما قيدنا بالخصوصية، لأن الإحياء على الدوام يدعون للأموات لا على وجه الصلاة (2).

فائدة إنما جعل السجود للصنم كفرا، و لم يجعل للأب و من يراد تعظيمه من الآدميين كفرا،

لأن السجود للصنم يجعل على وجه العبادة له، بخلاف الأب فإنه يراد به التعظيم.

فان قلت: فقد قالوا (مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلّٰا لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اللّٰهِ زُلْفىٰ) (3)، فهو كالتقرب إلى اللّه تعالى بتعظيم الأب (4).

قلت: هذه حكاية عن قوم منهم، فلعل بعضهم يعتقد غير هذا.

فان قلت: فهؤلاء كفار قطعا، و هم قائلون بالتقرب إلى اللّه تعالى.

قلت: جاز أن يكونوا مقتصرين على عبادة الأصنام لهذه الغاية.

و لو أن عابدا جعل صلاته و صيامه لتعظيم آدمي كان مثلهم. و لأن التقرب إلى اللّه ينبغي أن يكون بالطريق الّذي نصبه اللّه تعالى

____________

(1) في (ح) و (أ): ذلك.

(2) انظر في هذا: القرافي- الفروق: 1- 116- 118.

(3) الزمر: 3.

(4) انظر: القرافي- الفروق: 1- 125.

35

المتقرب (1)، و لم ينصب اللّه عبادة الأصنام طريقا للتقرب، و جعل تعظيم الأب و العالم طريقا للتقرب، و إن كان غير جائز تعظيمه بهذا النوع من التعظيم، إلا أنه لا يؤول إلى الكفر، باعتبار أنه قد أمر بتعظيمه في الجملة.

السادسة كل من اعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم، و موجدة ما فيه، فلا ريب أنه كافر،

و إن اعتقد أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها، و اللّه سبحانه هو المؤثر الأعظم، كما يقوله أهل العدل، فهو مخطئ، إذ لا حياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي و لا نقلي. و بعض الأشعرية (2) يكفّرون هذا، كما يكفرون الأول.

و أوردوا على أنفسهم (3): عدم إكفار المعتزلة، و كل من قال بفعل العبد.

و فرّقوا (4): بأن الإنسان و غيره من الحيوان يوجد فعله، مع أن التذلل و العبودية ظاهرة عليه، فلا يحصل منه اهتضام لجانب الربوبية، بخلاف الكواكب، فإنها غائبة عنه، فربما أدى ذلك إلى اعتقاد استقلالها و فتح باب الكفر.

أما ما يقال: بأن استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار و غيرها من العاديات، بمعنى أن اللّه تعالى أجرى عادته أنها إذا كانت

____________

(1) في (ح): للتقرب.

(2) نقله القرافي عن بعض الفقهاء المعاصرين للفقيه الشافعي الشيخ عز الدين بن عبد السلام المتوفى سنة 660 ه. انظر: الفروق: 1- 126.

(3) انظر: نفس المصدر السابق.

(4) انظر: نفس المصدر السابق.

36

على شكل مخصوص، أو وضع مخصوص، تفعل ما ينسب إليها، و يكون ربط المسببات بها كربط مسببات الأدوية و الأغذية بها مجازا، باعتبار الربط العادي، لا الفعل الحقيقي. و هذا لا يكفر معتقده، و لكنه مخطئ أيضا، و إن كان أقل خطأ من الأول، لأن وقوع هذه الآثار عندها (1) ليس بدائم، و لا أكثري (2).

قاعدة (3)- 159 الفرق بين الماء المطلق و مطلق الماء،

و البيع المطلق و مطلق البيع:

أن البيع المطلق هو: البيع العام، قضية للام الجنسية، فوصفه بالإطلاق، يفيد أنه لم يقيد بما ينافي العموم من شرط أو صفة أو غير ذلك من لواحق العموم. و مطلق البيع هو: القدر المشترك بين أفراد البيع و هو مسمى البيع، الصادق بفرد من أفراده، ثمَّ أضيف إلى البيع ليتميز عن باقي المطلقات، كمطلق الإجارة، و مطلق النكاح، و مطلق جميع الحقائق، فالإضافة للتميز فقط.

فعلى هذا يصدق: أن مطلق البيع حلال إجماعا، و لا يصدق:

أن البيع المطلق حلال إجماعا، لأن بعض أفراده حرام إجماعا. و يصدق:

زيد له مطلق المال، و لا يصدق: أن له المال المطلق (4). و في هذا نظر بيّن.

____________

(1) في (ح): عندنا، و لعل الصواب ما أثبتناه.

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 126- 127.

(3) في (ح) و (أ): فائدة.

(4) ذكر هذا الفرق: القرافي في- الفروق: 1- 127- 128.

37

فائدة (1) كل الأعمال الصالحة للّه تعالى، فلم جاء في الخبر: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به) (2)

مع قوله (صلى اللّه عليه و آله): (أفضل أعمالكم الصلاة) (3)، و كتب عمر إلى عماله: (أن أهم أمور كم (4) عندي الصلاة) (5)؟

و أجيب بوجوه (6):

منها: أنه اختص بترك الشهوات و الملاذ في الفرج و البطن، و ذلك أمر عظيم يوجب التشريف.

و أجيب: بالمعارضة بالجهاد، فان فيه ترك الحياة، فضلا عن

____________

(1) في (ح): قاعدة.

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 132. و أورده المتقي الهندي في- كنز العمال: 4- 295، حديث: 5944، بلفظ: (إلا الصيام)، و الحر العاملي- وسائل الشيعة: 7- 294، باب 1 من أبواب الصوم المندوب، حديث: 27، بلفظ: (كل عمل ابن آدم هو له إلا الصيام فهو لي و أنا أجزي به)

(3) انظر: سنن ابن ماجه: 1- 102، باب 4 من أبواب الطهارة، حديث: 278.

(4) في (ح): أمركم.

(5) انظر: القرافي- الفروق: 1- 133. و أورده المتقي الهندي في- كنز العمال: 4- 180، حديث: 3992، بلفظ: (أمركم)، و عليه فتكون (ح) مطابقة له.

(6) ذكر هذه الأجوبة و مناقشتها القرافي في- الفروق: 1- 133.

38

الشهوات، و بالحج، إذ فيه الإحرام، و متروكاته كثيرة.

و منها: أنه أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه، فلذلك شرف، بخلاف الصلاة و الجهاد و غيرهما.

و أجيب: بأن الإيمان و الإخلاص و أفعال القلب الحسنة (1) خفية، مع تناول الحديث إياها.

و منها: أن خلاء الجوف تشبيه بصفة الصمدية.

و أجيب: بأن طلب العلم فيه تشبيه بأجل صفات الربوبية و هي العلم الذاتي، و كذلك الإحسان إلى المؤمنين، و تعظيم الأولياء و الصالحين، كل ذلك فيه التخلق تشبيها بصفات اللّه تعالى.

و منها: أن جميع العبادات وقع للتقرب بها إلى غير اللّه تعالى إلا الصوم، فإنه لم يتقرب به إلا إليه وحده.

و أجيب: بأن الصوم يفعله أصحاب استخدام الكواكب.

و منها: أن الصوم يوجب صفاء العقل و الفكر بواسطة ضعف القوى الشهوية بسبب الجوع، و لذلك قال (عليه السلام): (لا تدخل الحكمة جوفا (2) مليء طعاما) (3) و صفاء العقل و الفكر يوجبان حصول المعارف الربانية، التي هي أشرف أحوال النّفس الإنسانية.

و أجيب: بأن سائر العبادات إذا واظب عليها أورثت ذلك، و خصوصا الصلاة (4)، قال اللّه تعالى:

____________

(1) في (أ): و الخشية. و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق:

1- 133.

(2) في (أ): في جوف، و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق الّذي اعتمد المصنف عليه في هذه الفائدة على ما يبدو.

(3) انظر: القرافي- الفروق: 1- 133.

(4) في (ح): الجهاد. و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق: 1- 133.

39

وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا (1)، و قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ، وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ في الظلمات (2).

و قال بعضهم (3): لم أر فيه فرقا تقرّ به العين، و يسكن إليه القلب.

و لقائل أن يقول: هب أن كل واحد من هذه الأجوبة مدخول (4) بما ذكر، فلم لا يكون مجموعها هو الفارق، فإنه لا تجتمع هذه الأمور المذكورة لغير الصوم، و هذا واضح؟

قاعدة- 160 اللفظ الدال على الكلي لا يدل على جزئي معين،

فيكفي في الخروج من العهدة الإتيان بجزئي منها في طرف الثبوت، و في طرف النفي لا بد من الامتناع الكلي (من جميع الجزئيات) (5): و اللفظ الدال على الكل لا يكفي في طرف الثبوت الإتيان بجزء منه، مثل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (6) لا يكفيه بعضه، بخلاف

____________

(1) العنكبوت: 69.

(2) الحديد: 28.

(3) هو القرافي في- الفروق: 1- 134.

(4) في (ا) زيادة: فيه.

(5) زيادة من (ح).

(6) البقرة: 185.

40

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ* (1) فإن المحرر لأية رقبة كانت آت بالمأمور به.

و يتفرع على ذلك: جواز التيمم بالحجر و السبخة، لقوله تعالى:

صَعِيداً طَيِّباً* (2) و يصدق ذلك على أقل مراتبه.

و قصر الحضانة على (سنتين، التي هي) (3) سن الرضاع، لأن قوله (عليه السلام): (أنت أحق به ما لم تنكحي) (4) يفيد مطلق الأحقية، فيكفي أقل مراتبها، و لا يحمل على الأعلى، و هو البلوغ. و لا ينافي الإطلاق تقييد الحكم بعدم النكاح، لأنه أشار بهذه الغاية إلى المانع، أي أن نكاحها مانع من ترتب الحكم على سببه (5)، و المانع و عدمه لا مدخل لهما في ترتب الأحكام، بل في عدم ترتبها، لأن تأثير المانع منحصر في أن وجوده مؤثر في العدم، لا عدمه في الوجود. فتبقى قضية لفظ الأحقية بحالها في اقتضائها أقل ما يطلق عليه.

و قصر تحريم الفرقة أيضا على سن الصبي، لأن قوله (عليه السلام):

(لا توله والدة على ولدها) (6) و إن كان عاما في الوالدات، باعتبار

____________

(1) المائدة: 89، و المجادلة: 3.

(2) النساء: 43، و المائدة: 6.

(3) في (ك): سن المزيل.

(4) انظر: سنن أبي داود: 1- 529، باب من أحق بالولد، من كتاب الطلاق.

(5) في (ك): سنه، و ما أثبتناه مطابق لما في الفروق:

1- 137.

(6) انظر: القرافي- الفروق: 1- 138. و أخرجه ابن حجر العسقلاني في- تلخيص الحبير: 153، حديث: 1168، بلفظ:.

بولدها)، و السيوطي في- الجامع الصغير بشرح المناوي:

2- 362، بلفظ: (. عن ولدها).

41

النكرة في سياق النفي، و عاما في المولودين، باعتبار إضافته على رأي القائل بعمومه (1)، و عاما في الأزمنة، لأن (لا) لنفي الاستقبال على طريق العموم كقوله تعالى لٰا يَمُوتُ فِيهٰا وَ لٰا يَحْيىٰ* (2)، فهو بالنسبة إلى أحوال الولد مطلق؛ لأن العام في الأشخاص و الأزمان لا يلزم أن يكون عاما في الأحوال.

و الاكتفاء في الرشد بإصلاح المال، حملا على أقل مراتبه. و هذا أظهر في الدلالة مما قبله، لاقتران تينك (3) بما احتيج إلى الجواب عنه به.

و استدل بعض العامة (4) على الاقتصار في حكاية الأذان، على حكاية التشهد، فان قوله (عليه السلام): (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) (5) مطلق، فحمل على مطلق المماثلة، و هو صادق على التشهد، فيكون كافيا.

قلت: هذا يناقضه قولكم بعموم المفرد المضاف، و (مثل) مضاف.

____________

(1) انظر: القرافي- الفروق: 1- 138.

(2) طه: 74، و الأعلى: 13.

(3) في (ح): ذينك.

(4) انظر: مالك- المدونة الكبرى: 01- 60، و القرافي- الفروق: 1- 139.

(5) انظر: صحيح مسلم: 1- 288، باب 7 من أبواب الصلاة، حديث: 11.

42

فائدة استثني من هذه القاعدة (1):

ما أجمع على اعتبار أعلى المراتب فيه، و هو ما نسب إليه تعالى من التوحيد، و التنزيه، و صفات الكمال.

و ما أجمع على الاكتفاء فيه بأقل المراتب، كالإقرار بصيغة الجمع، فإنه يحمل على أقل مراتبه.

و الفرق: أن الأصل تعظيم جانب الربوبية بالقدر الممكن، و الأصل براءة ذمة المقر، قال اللّه تعالى وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ* (2)، و قال النبي (صلى اللّه عليه و آله): (لا أحصي ثناء عليك) (3) و الباقي هو المحتاج إلى دليل.

و لك أن تقول: محل النزاع هو الجاري على الأصل، و كذلك الإقرار، و أما تعظيم اللّه تعالى فهو دليل من خارج اللفظ، فلا يخرج القاعدة عن حقيقتها.

قاعدة- 161 قد تقدم تقسيم الحقوق (4)، و يزيد هنا: أن المراد بحق اللّه تعالى،

____________

(1) ذكر هذا الاستثناء القرافي في- الفروق: 1- 140.

(2) الأنعام: 91، و الزمر: 67.

(3) انظر: صحيح مسلم: 1- 352، باب 42 من كتاب الصلاة، حديث: 222.

(4) راجع: 1- 324- 331.

43

إما أوامره الدالة على طاعته، أو نفس طاعته، بناء على أنه لو لا الأمر لما صدق على العبادة أنها حق اللّه، أو بناء على أن الأمر إنما يتعلق بها لكونها في نفسها حق اللّه تعالى. و عليه نبه في الحديث الصحيح عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و عن أهل البيت (عليهم السلام):

(حق اللّه على العباد أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا) [1].

و يتفرع على اعتبار أن الأمر هو حق اللّه: أن حقوق العباد المأمور بأدائها إليهم مشتملة على حق اللّه تعالى، لأجل الأمر الوارد إليهم، معاملة، أو أمانة، أو حدا، أو قصاصا، أو دية، أو غير ذلك.

فعلى هذا، يوجد حق اللّه تعالى بدون حق العبد، كما في الأمر بالصلاة، و لا يوجد حق العبد بدون حق اللّه تعالى.

و الضابط فيه: أن كل ما للعبد إسقاطه، فهو حق العبد، و ما لا، فلا، كتحريم الرّبا و الغرر، فإنه لو تراضى اثنان على ذلك لم يخرج عن الحرمة، لتعلق حق اللّه تعالى به؛ فان اللّه تعالى إنما حرمهما صونا لمال العباد عليهم، و حفظا له عن الضياع، فلا تحصل المصلحة بالمعقود

____________

[1] أورده بهذا النص عن النبي صلى اللّٰه عليه و آله: القرافي في- الفروق:

1- 142. و أخرجه البخاري في صحيحة: 4- 46، أواخر كتاب اللباس، و الصدوق في- التوحيد: 11، عن معاذ عن رسول اللّه صلى اللّٰه عليه و آله بلفظ: (حق اللّه عز و جل على العباد أن لا يشركوا به شيئا):

و ورد بمضمونه عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و عن الإمام الصادق عليه إسلام انظر: الحر العاملي- وسائل الشيعة: 11- 132، باب 3 من أبواب جهاد النّفس، حديث: 1، و الصدوق- التوحيد:

4 (المطبعة الحيدرية بالنجف: 1386).

44

عليه، أو تحصل مصلحة نزرة (1) و بإزائها مفسدة كبرى: و من ثمَّ منع العبد من إتلاف نفسه و ماله، و لا اعتبار برضاه في ذلك. و كذلك حرمت السرقة، و الغصب، صونا لماله، و القذف، صونا لعرضه، و الزنا، صونا لنسبه، و القتل، و الجرح، صونا لنفسه، (و لا يعتبر فيه) (2) رضا العبد (3).

فائدة (4) لو اجتمع مضطران فصاعدا إلى الإنفاق، و ليس هناك ما يفضل عن أحدهما،

قدم واجب النفقة، فإن وجبت نفقة الكل، قدم الأقرب فالأقرب؛ فإن تساويا، فلأقرب القسمة. و لو كان الكل غير واجبي النفقة في الأصل، فالأقرب تقدم المخشي تلفه، فان تساووا، احتمل تقديم الأفضل. و لا يعارض الإمام غيره البتة.

و لو كان عنده ما لو أطعمه أحد المضطرين لعاش يوما، و لو قسمه بينهما لعاش كل منهما نصف يوم، فالظاهر القسمة، لعموم قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ (5). و لتوقع تتميم حياة كل منهما.

و هل القسمة في مواضعها على الرءوس، أو على سد خلة الجوع؟

____________

(1) في (ح): نادرة.

(2) في (ك): و لا يغيرها.

(3) انظر في هذه القاعدة: القرافي- الفروق: 1- 140- 142.

(4) في (ا): قاعدة.

(5) النحل: 90.

45

احتمال. و يرجح الثاني أنه أدخل في العدل، إذ يجب عليه مع القدرة إشباعهما مع اختلاف قدر أكلهما، فليكن كذلك مع العجز. فعلى هذا، لو كان عنده رغيف، و له ولدان و ثلثه نصف شبع أحدهما، و ثلثاه نصف شبع الآخر، وزعه عليهما أثلاثا، و على الرءوس نصفين.

و لو كان نصفه يشبع أحدهما، و نصفه نصف شبع الآخر، قسم أيضا أثلاثا.

و الضابط: القسمة على الشبع، و نعني به سد خلة الجوع الّذي لا يصبر عليه، لا التملي. و نبه على ذلك قسمة الغنائم للفارس ضعف الراجل باعتبار حاجته و حاجة فرسه (1).

فائدة أظهر القولين في نفقة الزوجة أنها غير مقدرة؛ بل الواجب سد الخلة، كالأقارب،

لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله) لهند (2): (خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف) (3). و لم يقدر بالمدين أو بالمد.

و التقدير بالحب، و مئونة الطحن و الإصلاح، رد إلى الجهالة، لأن المئونة مجهولة، فيصير الجميع مجهولا.

قالوا (4): النفقة بإزاء ملك البضع، فتكون مقدرة؛ لأصالة

____________

(1) انظر هذه الفائدة أيضا في- قواعد الأحكام، لا بن عبد السلام:

1- 69.

(2) امرأة أبي سفيان.

(3) انظر: البيهقي- السنن الكبرى: 7- 466.

(4) انظر: ابن عبد السلام- قواعد الأحكام: 1- 70 (تعليلا لقول الشافعي بالتقدير).

46

التقدير في الأعواض.

قلنا: نمنع ذلك، بل هي بإزاء التمكين، و لهذا تسقط بعدمه، و إنما قابل البضع المهر، فالنفقة فيها كنفقة العبد المشتري، إذ الثمن بإزاء رقبته، و النفقة بسبب ملكه (1).

قال بعض العامة (2)، ردا على فريقه القائل بالتقدير: لم يعهد في السلف و لا في الخلف أن أحدا أنفق الحبّ على زوجته مع مئونة إصلاحه. فالقول به يؤدي إلى أن كل من مات يكون مشغول الذّمّة بنفقة الزوجة؛ لأن المعاوضة على الحب الّذي أوجب مما تأكله الزوجة من الخبز و اللحم و غيرهما ربا. و لو جاز كونه عوضا، لم يبرأ من النفقة إلا بعقد (3) صلح أو تراض من الجانبين، و ما بلغنا أن أحدا أطعم زوجته على العادة، ثمَّ أوصى بإيفائها نفقتها حبا من ماله، و لا حكم حاكم بذلك على أحد الأزواج.

قاعدة- 162 تتعلق بحقوق الوالدين

لا ريب أن كل ما يحرم أو يجب للأجانب، يحرم أو يجب للأبوين.

و ينفردان بأمور:

____________

(1) رد بهذا ابن عبد السلام في قواعده: 1- 71.

(2) هو ابن عبد السلام في قواعده: 1- 71.

(3) في (ك) و (م): بعد.

47

الأول: تحريم السفر المباح بغير إذنهما، و كذا السفر المندوب.

و قيل (1): بجواز سفر التجارة و طلب العلم، إذا لم يمكن استيفاء التجارة و العلم في بلدهما، كما ذكرناه فيما مرّ (2).

الثاني: قال بعضهم (3): يجب عليه طاعتهما في كل فعل و ان كان شبهة، فلو أمراه بإلا كل معهما من مال يعتقد شبهته أكل، لأن طاعتهما واجبة، و ترك الشبهة مستحب.

الثالث: لو دعواه إلى فعل، و قد حضرت الصلاة، فليؤخر الصلاة و ليطعهما، لما قلناه.

الرابع: هل لهما منعه من الصلاة جماعة؟ الأقرب أنه ليس لهما منعه مطلقا، بل في بعض الأحيان بما يشق عليهما مخالفته، كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء و الصبح.

الخامس: لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين، لما صح:

(أن رجلا قال يا رسول اللّه: أبايعك على الهجرة و الجهاد. فقال:

هل من والديك أحد حي (4)؟ قال: نعم، كلاهما. قال: أ فتبتغي الأجر من اللّه تعالى؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما (5).

____________

(1) انظر: الشيرازي- المهذب: 2- 229، و الغزالي- الوجيز:

2- 113، و القرافي- الفروق: 1- 145، 146.

(2) راجع: 1- 335- 336.

(3) انظر: الغزالي- إحياء علوم الدين: 2- 218.

(4) زيادة من (ح)، و هي مطابقة لما في الفروق: 1- 144

(5) أورده بهذا النص القرافي في- الفروق: 1- 144. و رواه مسلم في صحيحة: 4- 1975، باب 1 من كتاب البر و الصلة، حديث: 6 (باختلاف بسيط في اللفظ).

48

السادس: الأقرب أن لهما منعه من فرض (1) الكفاية، إذا علم قيام الغير أو ظن؛ لأنه يكون حينئذ كالجهاد الممنوع منه.

السابع: قال بعض العلماء (2). لو دعواه في صلاة النافلة قطعها، لما صح عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): (أن امرأة نادت ابنها، و هو في صومعته، فقالت: يا جريج (3). فقال: اللهم أمي و صلاتي.

فقالت: يا جريج (4). فقال: اللهم أمي و صلاتي. فقالت: لا تموت حتى تنظر في وجوه المومسات.). الحديث (5). و في بعض الروايات:

أنه (صلى اللّه عليه و آله) قال: (لو كان جريج (6) فقيها لعلم أن أجابه أمه أفضل من صلاته) (7). و هذا الحديث يدل على قطع النافلة لأجلها. و يدل بطريق الأولى على تحريم السفر؛ لأن غيبة الوجه فيه أكثر و أعظم، و هي كانت تريد منه النّظر إليها و الإقبال عليها.

الثامن: كف الأذى عنهما، و إن كان قليلا، بحيث لا يوصله الولد إليهما، و يمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته.

____________

(1) في (ا): فروض.

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 144.

(3) في (ح) و (أ): جريح، و ما أثبتناه مطابق لما في صحيح مسلم و كنز العمال، و الفروق.

(4) في (ح) و (أ): جريح، و ما أثبتناه مطابق لما في صحيح مسلم و كنز العمال، و الفروق.

(5) انظر نصّ الحديث في- صحيح مسلم: 4- 1976. باب 2 من أبواب البر و الصلة، حديث: 7، 8، و كنز العمال: 8- 281، حديث: 4810، و للفروق: 1- 143- 144.

(6) في (ح) و (أ): جريح، و ما أثبتناه مطابق لما في صحيح مسلم و كنز العمال، و الفروق.

(7) أورده بهذا النص القرافي في- الفروق: 1- 145. و أورده المتقي الهندي في- كنز العمال: 8- 279، حديث: 4750، بلفظ:

(لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابته دعاء أمه أولى من عبادة ربه).

49

التاسع: ترك الصوم ندبا إلا بإذن الأب. و لم أقف على نصّ في الأم [1].

العاشر: ترك اليمين و العهد إلا بإذنه أيضا، ما لم يكن في فعل واجب، أو ترك محرم. و لم أقف في النذر على نصّ خاص. إلا أن يقال: هو يمين، يدخل في النهي عن اليمين إلا بإذنه.

تنبيه: بر الوالدين لا يتوقف على الإسلام،

لقوله تعالى وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً (1) وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا، وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً (2)، و هو نصّ.

و فيه دلالة على مخالفتهما في الأمر بالمعصية، و هو كقوله (عليه السلام):

(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (3).

____________

[1] هناك بعض النصوص الناهية عن صوم الولد تطوعا إلا بإذن والديه و أمرهما، من غير فرق بين الأب و الأم؛ من ذلك ما رواه الصدوق بإسناده عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه صلى اللّٰه عليه و آله:

(. و من برّ الولد بأبويه أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن أبويه و أمرهما، و إلا. كان الولد عاقا). الحر العاملي- وسائل الشيعة: 7- 396، باب 10 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، حديث: 2.

____________

(1) العنكبوت: 8.

(2) لقمان: 15.

(3) انظر: المتقي الهندي- كنز العمال: 3- 201، حديث:

3066، و السيوطي- الجامع الصغير بشرح المناوي: 2- 364.

النفقات، و المتقي النهدي- كنز العمال: 2- 73- 76.

50

الترغيب في صلة الأرحام

. و الكلام فيها في مواضع:

الأول: ما الرحم؟

الظاهر أن المعروف بنسبة و إن بعد، و إن كان بعضه آكد من بعض، ذكرا كان أو أنثى.

و قصره بعض العامة (1) على المحارم الذين يحرم التناكح بينهم إن كانوا ذكورا و إناثا، و إن كانوا من قبيل، يقدر أحدهما ذكرا و الآخر أنثى، فإن حرم التناكح، فهو الرحم.

و احتج (2): بأن تحريم الأختين إنما كان لما يتضمن من قطيعة الرحم. و كذا تحريم (3) الجمع بين العمة و الخالة و ابنة الأخ و الأخت مع عدم الرضا، عندنا، و مطلقا عندهم (4).

و هذا بالإعراض عنه حقيق، فإن الوضع اللغوي يقتضي ما قلناه (5)، و العرف أيضا، و الأخبار دلت عليه (6)، و فيها تباعد

____________

(1) انظر: النوويّ- شرح صحيح مسلم: 16- 113، و القرافي- الفروق: 1- 147 (نقلا عن بعض العلماء).

(2) انظر: القرافي- الفروق: 1- 147.

(3) في (ك) و (ح) زيادة: إيجاد.

(4) أي عند غير الإمامية.

(5) انظر: الراغب الأصفهاني- المفردات: 191، كتاب الراء، مادة (رحم)، و ابن منظور- لسان العرب: 12- 232- 233، مادة (رحم).

(6) انظر: صحيح مسلم: 4- 1982، باب 6 من أبواب البر و الصلة، حديث: 22، المتقي الهندي- كنز العمال: 2- 74،

51

فان قلت: ما تصنع بقوله تعالى فَلٰا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوٰاجَهُنَّ (1) و هو يشمل الأب، و هذا منع من (2) المباح، فلا تكون طاعته واجبة فيه، أو منع من المستحب، فلا تجب طاعته في ترك المستحب (3)؟

قلت: الآية في الأزواج. و لو سلم الشمول، أو التمسك في ذلك بتحريم العضل، فالوجه فيه: أن للمرأة حقا في الإعفاف و التصون، و دفع ضرر مدافعة الشهوة، و الخوف من الوقوع في الحرام، و قطع وسيلة الشيطان عنهم بالنكاح، و أداء الحقوق واجب على الآباء للأبناء، كما وجب العكس (4). و في الجملة، النكاح مستحب، و في تركه تعرض لضرر ديني أو دنيوي، و مثل هذا لا يجب طاعة الأبوين فيه.

قاعدة- 163 كل رحم يوصل، الكتاب (5)، و السنة (6)،

و الإجماع على

____________

(1) البقرة: 232.

(2) في (ا) زيادة: النكاح.

(3) هذا سؤال أورده القرافي في- الفروق: 1- 146.

(4) انظر نفس المصدر السابق.

(5) انظر: البقرة: 83، 177، 215، و النساء: 35، و النحل: 90، و النور: 22.

(6) انظر: صحيح مسلم: 4- 1980- 1982، باب 6 من أبواب البر و الصلة، حديث: 16- 22، و الحر العاملي- وسائل الشيعة: 15- 243- 248، باب 17، 18، 19، من أبواب حديث: 1796، 1801، 1806، 1809، و ج 8- 309، حديث: 5245.

52

بآباء كثيرة، و قوله تعالى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَ تُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ (1) عن عليّ (عليه السلام): أنها نزلت في بني أمية. أورده علي بن إبراهيم [1] (رحمه اللّه) في تفسيره (2).

و هو يدل على تسمية القرابة المتباعدة رحما.

الثاني: ما الصلة التي يخرج بها عن القطيعة؟

و الجواب: المرجع في ذلك إلى العرف، لأنه ليس له حقيقة شرعية، و لا لغوية، و هو يختلف باختلاف العادات، و بعد المنازل و قربها.

الثالث: بم (3) الصلة؟

و الجواب: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): (بلّوا [2]

____________

[1] هو أبو الحسن، علي بن إبراهيم بن هاشم القمي. من أجل رواه الإمامية و ثقاتهم، روى عنه مشايخ أهل الحديث. له عدة مؤلفات، منها: كتاب التفسير، و كتاب الناسخ و المنسوخ، و كتاب قرب الإسناد. لم يعلم تاريخ وفاته و لكنه كان حيا سنة 307 ه.

(القمي- الكنى و الألقاب: 3- 73).

[2] في (ح) و (م) و (أ): صلوا. و بهذا اللفظ رواه الطبرسي في- مشكاة الأنوار: 151. و معنى بلّوا: أي ندّوها بصلتها. قال ابن الأثير: (و هم يطلقون النداوة على الصلة، كما

____________

(1) محمد: 22.

(2) 2- 308.

(3) في (أ) و (م): بما.

53

أرحامكم و لو بالسلام) (1). و فيه تنبيه على أن السلام صلة.

و لا ريب أنه مع فقر بعض الأرحام، و هم العمودان، تجب الصلة بالمال. و يستحب لباقي الأقارب، و يتأكد في الوارث، و هو قدر النفقة. و مع الغنى فبالهدية في بعض الأحيان، بنفسه أو رسوله.

و أعظم الصلة ما كان بالنفس، و فيه أخبار كثيرة (2)، ثمَّ بدفع الضرر عنها، ثمَّ بجلب النّفع إليها، ثمَّ بصلة من يجب (3) و إن لم يكن رحما للواصل، كزوجة الأب و الأخ و مولاه، و أدناها السلام بنفسه، ثمَّ برسوله، و الدعاء بظهر الغيب، و الثناء في المحضر.

الرابع: هل الصلة واجبة أو مستحبة؟

و الجواب: أنها تنقسم إلى الواجب، و هو ما يخرج به عن القطيعة، فان قطيعة الرحم معصية، بل قيل (4): هي من الكبائر.

____________

يطلقون اليبس على القطيعة). النهاية: 1- 53، مادة (بلل).

____________

(1) انظر: المتقي الهندي- كنز العمال: 2- 73، حديث:

1785، و السيوطي- الجامع الصغير بشرح المناوي: 1- 217.

(2) لم أعثر- في حدود تتبعي- إلا على حديث واحد في عظم الصلة بالنفس. انظر: الحر العاملي- وسائل الشيعة: 6- 287، باب 20 من أبواب الصدقة، حديث: 5، و المجلسي- البحار:

76- 335، باب 67 من كتاب الآداب (الطبعة الحديثة). نعم هناك أحاديث في الصدقة تشير إلى عظم دفع المتصدق للمسائل بيده، و هذا- على ما يبدو- أجنبي عن المقام.

(3) في (م) و (ح): يجب. و لعل ما أثبتناه أصح.

(4) انظر: النوويّ- شرح صحيح مسلم: 16- 113، و تاج الدين السبكي- جمع الجوامع، طبع مع حاشية البناني على شرح المحلي:

2- 156.

54

و المستحب، ما زاد عن (1) ذلك.

و تظافرت الأخبار بأن صلة الأرحام تزيد في العمر (2). فأشكل هذا على كثير من الناس، باعتبار أن المقدرات في الأزل، و المكتوبات في اللوح المحفوظ، لا تتغير بالزيادة و النقصان، لاستحالة خلاف معلوم اللّه تعالى، و قد سبق العلم بوجود كل ممكن أراد وجوده، و بعدم كل ممكن أراد بقاءه على حالة العدم الأصلي، أو إعدامه بعد إيجاده، فكيف يمكن الحكم بزيادة العمر و نقصانه بسبب من الأسباب؟! و اضطربوا في الجواب، فتارة يقولون: هذا على سبيل الترغيب (3).

و تارة: المراد به الثناء الجميل بعد الموت (4)، و قد قال الشاعر المتنبي (5) [1]:

____________

[1] هو أبو الطيب، أحمد بن الحسين بن الحسن، الجعفي، الكندي، الكوفي، الشهير بالمتنبي. ولد بالكوفة سنة 303 ه، و قدم الشام

____________

(1) في (ح) و (أ): على.

(2) انظر: المتقي الهندي- كنز العمال: 2- 73- 74، حديث:

1780- 1781، 1790- 1792، 1796، 1798، 1799، و الحر العاملي- وسائل الشيعة: 15- 243- 246، باب 17 من أبواب النفقات، حديث: 2- 4، 8- 10، 12- 15.

(3) انظر: القرافي- الفروق: 1- 147- 148.

(4) انظر: ابن العربي- شرح صحيح الترمذي: 8- 111، و النوويّ- شرح صحيح مسلم: 16- 114 (نقلا عن القاضي عياض اليحصبي).

(5) زيادة من (أ) و (م).