ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة - ج4

- الشهيد الأول المزيد...
477 /
5

بقية القطب الأول في العبادات

بقية كتاب الصلاة

بقية أركان الصلاة

بقية الركن الأول في أفعال الصلاة و توابعها

الفصل الثالث: في تروك الصلاة

و هي إما واجبة أو مندوبة، فهاهنا مطلبان.

الأول: في التروك الواجبة.

مقدّمة:

يحرم قطع الصلاة الواجبة اختيارا؛ لوجوب الإتمام المنافي لإباحة القطع، و لقوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ (1).

و يجوز للضرورة، كردّ الآبق، و قبض الغريم، و قتل الحية التي يخافها على نفسه؛ لمرسلة حريز عن الصادق (عليه السلام) (2). و لإحراز المال المخوف ضياعه، و لإمساك الدابة خوف الذهاب أو العنت في تحصيلها، روى الأمرين سماعة (3). ورد الصبي يحبو الى النار، و الشاة تدخل البيت، رواه السكوني عن علي (عليه السلام) (4)، و فيها انه «يبني على صلاته ما لم يتكلم» (5) و هو حق إذا لم يفعل ما ينافي الصلاة.

و لا حرج في انقطاعها بما لا اختيار فيه، كالنوم، و الدماء الثلاثة، و سبق الحديث الأكبر أو الأصغر.

و لو تعمّد الحدث أثم. و لو خاف من إمساكه الضرر على نفسه، أو سريان النجاسة إلى ثوبه أو بدنه و ظن ذلك، جاز القطع. و روى عبد الرحمن بن

____________

(1) سورة محمد: 33.

(2) الكافي 3: 367 ح 3، الفقيه 1: 242 ح 1073، التهذيب 2: 330 ح 1361.

(3) الكافي 3: 367 ح 5، الفقيه 1: 242 ح 1071، التهذيب 2: 330 ح 1360.

(4) التهذيب 2: 333 ح 1375.

(5) التهذيب 2: 333 ح 1375.

6

الحجاج، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه و هو يستطيع ان يصبر عليه، أ يصلي على تلك الحال أو لا يصلي؟ فقال: «إن احتمال الصبر، و لم يخف إعجالا عن الصلاة، فليصل و ليصبر» (1) و هو يدل بمفهوم المخالفة انّه إذا خاف إعجالا لم يصبر.

فروع:

قد يجب القطع، كما في حفظ الصبي و المال المحترم عن التلف، و إنقاذ الغريق و المحترق، حيث يتعيّن عليه فلو استمر بطلت صلاته؛ للنهي المفسد للعبادة.

و قد لا يجب بل يباح، كقتل الحية التي لا يغلب على الظن أذاها، و إحراز المال الذي لا يضرّ به فوته.

و قد يستحب، كالقطع لاستدراك الأذان و الإقامة، و قراءة الجمعة و المنافقين في الظهر و الجمعة، و الائتمام بإمام الأصل أو غيره.

و قد يكره، كإحراز المال اليسير الذي لا يبالي بفواته، مع احتمال التحريم.

و إذا أراد القطع، فالأجود التحلل بالتسليم؛ لعموم: «و تحليلها التسليم» (2). و لو ضاق الحال عنه سقط. و لو لم يأت به و فعل منافيا آخر، فالأقرب عدم الإثم؛ لأن القطع سائغ، و التسليم انما يجب التحلل به في الصلاة التامة.

ثم هنا مباحث:

الأول [حرمة الفعل الكثير الخارج عن الصلاة إذا خرج فاعله به عن كونه مصليا]

يحرم الفعل الكثير الخارج عن الصلاة إذا خرج فاعله به عن كونه

____________

(1) الكافي 3: 364 ح 3، 1: الفقيه 1: 240 ح 1061، التهذيب 2: 324 ح 1326.

(2) تقدم في ص 3: 418 الهامش 2.

7

مصليا؛ لسلب اسم الصلاة فلا تبقى حقيقتها. اما القليل- كلبس العمامة، أو الرداء، أو مسح الجبهة، أو قتل القملة و البرغوث- فلا؛ لما روي ان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) قتل عقربا في الصلاة (1) و أمر بقتل الأسودين في الصلاة:

الحية و العقرب (2) و دفع عليه الصلاة و السلام المار بين يديه (3) و حمل امامة بنت أبي العاص و كان يضعها إذا سجد و يرفعها إذا قام (4) و أدار ابن عباس عن يساره الى يمينه (5).

و روى محمد بن مسلم، عن الصادق (عليه السلام) جواز قتل الحية و العقرب (6).

و روى الحلبي عنه (عليه السلام) قتل البقة و البرغوث و القملة و الذباب في الصلاة (7).

و في رواية عمار عنه (عليه السلام) في قتل الحية: «ان كان بينه و بينها خطوة واحدة فليخط و ليقتلها، و الّا فلا» (8).

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 395 ح 1247.

(2) المصنف لعبد الرزاق 1: 449 ح 1754، مسند الحمد 2: 233، 255، سنن الدارمي 1:

354، سنن ابن ماجة 1: 394 ح 1245، الجامع الصحيح 1: 233 ح 390، سنن النسائي 3: 10

(3) المصنف لعبد الرزاق 2: 259 ح 3279، المصنف لابن أبي شيبة، 1: 283، سنن ابن ماجة 1: 305 ح 948، السنن الكبرى 2: 268.

(4) الموطأ 1: 170، ترتيب مسند الشافعي 1: 116 ح 345، صحيح البخاري 1: 137، صحيح مسلم 1: 385 ح 543، سنن أبي داود 1: 241 ح 917، سنن النسائي 3: 10.

(5) المصنف لعبد الرزاق 3: 36 ح 4706، مسند احمد 1: 252، سنن الدارمي 1: 286، صحيح البخاري 1: 179، صحيح مسلم 1: 528 ح 763، سنن أبي داود 2: 45 ح 1357، سنن النسائي 2: 87، مسند أبي يعلى 4: 35 ح 2465.

(6) الكافي 3: 367 ح 1، التهذيب 2: 330 ح 1358.

(7) الكافي 3: 367 ح 2، الفقيه 1: 241 ح 1070، التهذيب 2: 330 ح 1359.

(8) الفقيه 1: 241 ح 1072، التهذيب 2: 331 ح 1364.

8

و روى زكريا الأعور أو أبو زكريا ان الحسن (عليه السلام) ناول شيخا كبيرا عصاه بعد ان انحنى لتناولها (1).

و يجوز عدّ الركعات و التسبيح بالأصابع و السبحة و ان توالى؛ لانه لا يخرج به عن اسم المصلي و لا يخل بهيئة الخشوع؛ لأن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) علّم جعفرا صلاة التسبيح و هي محتاجة إلى العدد (2).

و روى البزنطي عن داود بن سرحان، عن الصادق (عليه السلام) في عد الآي بعقد اليد، قال: «لا بأس، هو أحصى للقرآن».

أما الأكل و الشرب، فالظاهر انهما لا يبطلان بمسماهما بل بالكثرة. فلو ازدرد ما بين أسنانه لم تبطل، اما لو مضغ لقمة و ابتلعها، أو تناول قلّة فشرب منها، فان كثر ذلك عادة أبطل.

و ان كان لقمة أو شربة فقد قال في التذكرة: تبطل؛ لأنّ تناول المأكول و مضغه و ابتلاعه أفعال معدودة، و كذا المشروب (3).

و استثنى الشيخ في الخلاف الشرب في صلاة النافلة (4). و الذي رواه سعيد الأعرج عن الصادق (عليه السلام): الشرب في دعاء الوتر إذا خاف فجاءة الصبح و هو عطشان و يريد الصيام، فيسعى خطوتين أو ثلاثا و يشرب (5).

و احتمل بعض الأصحاب قصر الرواية على موردها (6).

____________

(1) الفقيه 1: 243 ح 1079 عن ابن زكريا الأعور، التهذيب 2: 332 ح 1369 عن زكريا الأعور.

(2) الفقيه 1: 347 ح 1536، التهذيب 3: 186 ح 420.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 132.

(4) قال الشيخ في الخلاف 1: 413 المسألة 159: روي ان شرب الماء في النافلة لا بأس به، و نحوه في المبسوط 1: 188، و راجع في ذلك مفتاح الكرامة 3: 35.

(5) الفقيه 1: 313 ح 1424، التهذيب 2: 329 ح 1354.

(6) راجع: المعتبر 2: 260، تذكرة الفقهاء 1: 133.

9

مسائل:

الأولى [حكم ما لو قرأ كتابا في نفسه من غير نطق]

لو قرأ كتابا في نفسه من غير نطق، فان طال الزمان التحق بالسكوت الطويل و الّا فلا تبطل به؛ لأصالة بقاء الصحة، و لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «تجاوز اللّٰه لأمتي عما حدثت نفوسها ما لم يتكلموا» (1) و لأنّ التصورات لا يكاد يخلو منها إنسان.

الثانية [حكم ما لو كان الفعل الكثير متواليا]

لو كان الفعل الكثير متواليا، أبطل قطعا. و لو تفرّق بحيث حصلت الكثرة باجتماع اجزاءه، و كل واحد منها لا يعدّ كثيرا، ففي إبطال الصلاة به وجهان، من وجود ما ينافي الصلاة مجتمعا فكذا متفرّقا، و من خروجه بالتفرّق عن الكثرة، عرفا. و حديث حمل امامة (2) يقوي اشتراط التوالي.

الثالثة [قول الأصحاب: إنّ الفعل الكثير إذا وقع عمدا يبطل]

قال الأصحاب: ان الفعل الكثير انما يبطل إذا وقع عمدا، اما مع النسيان (3) فلا، لعموم قول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان» (4).

و ربما يحتج بما رواه العامة- و رواه الأصحاب أيضا-: ان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) سلّم على اثنتين، فقال ذو اليدين: أ قصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «أصدق ذو اليدين؟» فقالوا: نعم. فقام رسول اللّٰه صلّى اللّٰه

____________

(1) مسند احمد 2: 491، صحيح البخاري 3: 190، 7: 59، 8: 168، صحيح مسلم 1:

116 ح 127، سنن ابن ماجة 1: 658 ح 2040، سنن أبي داود 2: 264 ح 2209، الجامع الصحيح 3: 489 ح 1183، سنن النسائي 6: 156، مسند أبي يعلى 11: 276 ح 6389.

(2) تقدم في ص 7 الهامش 4.

(3) راجع: المبسوط 1: 117، الوسيلة: 97، الغنية: 496، تذكرة الفقهاء 1: 132.

(4) الكافي 2: 335 ح 2، الفقيه 1: 36 ح 132، الخصال: 417، الجامع الصغير 2: 16 ح 4461 عن الطبراني في الكبير.

10

عليه و آله فصلّى آخرتين ثم سلم، ثم سجد للسهو (1).

و هو متروك بين الإمامية، لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن السهو، و لم يصر الى ذلك غير ابن بابويه- رحمة اللّٰه- و نقل عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد انه قال: أول درجة من الغلو نفي السهو عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) (2).

و هذا حقيق بالاعراض عنه؛ لأن الأخبار معارضة بمثلها فيرجع الى قضية العقل، و لو صح النقل وجب تأويله، على ان إجماع الإمامية في الأعصار السابقة على هذين الشيخين و اللاحقة لهما على نفي سهو الأنبياء و الأئمة عليهم الصلاة و السلام.

الرابعة [حكم البكاء في الصلاة]

قد يكون الفعل الكثير مبطلا للصلاة و غير مبطل، باعتبار القصد و عدمه كالبكاء، فإنه ان كان لذكر الجنة أو النار فإنه لا يبطل، و ان كان لأمور الدنيا- كذكر ميت له- أبطل.

و قد رواه أبو حنيفة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و قال: «هو من أفضل الأعمال في الصلاة» يعني البكاء لجنة أو نار (3).

و روي: ان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان في بعض صلاته فسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل (4)، بالزائين المعجمتين، و هو غليان صدره و حركته بالبكاء.

و بكى في آخر سجدة من صلاة الكسوف (5).

____________

(1) التهذيب 2: 346 ح 1438، ترتيب مسند الشافعي 1: 121 ح 356، المصنف لعبد الرزاق 2: 299 ح 3447، صحيح البخاري 2: 86، صحيح مسلم 1: 404 ح 573، سنن ابن ماجة 1: 383 ح 1214، سنن النسائي 3: 20، شرح معاني الآثار 1: 445.

(2) الفقيه 1: 235.

(3) الفقيه 1: 208 ح 941، التهذيب 2: 317 ح 1295، الاستبصار 1: 408 ح 1558.

(4) مسند احمد 4: 24، سنن أبي داود 1: 238 ح 904، سنن النسائي 3: 13، السنن الكبرى 2: 251.

(5) سنن النسائي 3: 138.

11

و لو كان مغلوبا على البكاء لأمور الدنيا، فالظاهر الفساد أيضا- لإطلاق النص- و ان زال عنه الإثم. و لو بكى ناسيا لم تبطل؛ لعموم: رفع الخطأ عن الناسي (1).

و يستحب التباكي في الصلاة؛ لما رواه سعيد بياع السابري، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أ يتباكى الرجل و هو في الصلاة؟ قال: «بخ بخ، و لو مثل رأس الذباب» (2).

الخامسة [جواز الإيماء بالرأس و الإشارة باليد و التسبيح للرجل و التصفيق للمرأة، عند إرادة الحاجة]

يجوز الإيماء بالرأس و الإشارة باليد و التسبيح للرجل، و التصفيق للمرأة، عند إرادة الحاجة، رواه الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3).

و روى عنه حنان بن سدير: أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أومأ برأسه في الصلاة (4). و روى عنه عمار: التنحنح ليسمع من عنده فيشير اليه، و التسبيح للرجل و المرأة، و ضرب المرأة على فخذها (5).

و كذا يجوز غسل الرعاف في أثنائها، رواه محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (6).

و يجوز ضرب الحائط لإيقاظ الغير؛ لرواية أبي الوليد عن الصادق (عليه السلام) (7) و رمي الغير بحصاة طلبا لإقباله، كما فعله (عليه السلام) (8). و ضم.

____________

(1) الكافي 2: 335 ح 1، 2، الخصال: 417، التوحيد: 353، الجامع الصغير 2: 16 ح 4461 عن الطبراني في الكبير.

(2) الكافي 3: 301 ح 2، التهذيب 2: 287 ح 1148، الاستبصار 1: 407 ح 1557.

(3) الكافي 3: 365 ح 7، الفقيه 1: 242 ح 1075، و في التهذيب 2: 324 ح 1328 لم يذكر التسبيح.

(4) الفقيه 1: 242 ح 1076.

(5) الفقيه 1: 242 ح 1077.

(6) الكافي 3: 365 ح 9، التهذيب 2: 323 ح 1323.

(7) الفقيه 1: 243 ح 1080، التهذيب 2: 325 ح 1329.

(8) الفقيه 1: 243 ح 1078، التهذيب 2: 327 ح 1342.

12

الجارية إليه؛ لرواية مسمع عن أبي الحسن (عليه السلام) (1). و إرضاع الصبي حال التشهد؛ لرواية عمار عن الصادق (عليه السلام) (2).

و يجوز رفع القلنسوة من الأرض و وضعها على الرأس، رواه زرارة عنه (عليه السلام) (3).

البحث الثاني [حرمة تعمد القهقهة في الصلاة]

يحرم تعمّد القهقهة في الصلاة و تبطلها إجماعا؛ لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) انه قال: «من قهقه فليعد صلاته» (4). و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام): «القهقهة لا تنقض الوضوء و تبطل الصلاة» (5).

و الظاهر انه لا يعتبر فيها الكثرة، بل يكفي منها مسماها. و لو قهقه ناسيا لم تبطل إجماعا. و كذا لا تبطل بالتبسم- و هو ما لا صوت فيه- إجماعا، و الأقرب كراهيته. و لو صدرت القهقهة على وجه لا يمكنه دفعه، فالأقرب البطلان و ان لم يأثم؛ لعموم الخبر.

البحث الثالث [حرمة تعمّد الحدث في الصلاة]

يحرم تعمّد الحدث في الصلاة و يقطعها، و في السهو قولان سبقا.

البحث الرابع [حرمة تعمّد الكلام بما ليس من الصلاة]

يحرم تعمّد الكلام بما ليس من الصلاة، و لا من القرآن و الأذكار و الدعاء بالمباح، و حدّه حرفان فصاعدا بإجماع الأصحاب؛ لقول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «انما صلاتنا هذه تكبير و تسبيح و قرآن، و ليس فيها شيء من كلام الناس» (6). و (الكلام) جنس لما يتكلم به فيقع على الكلمة،

____________

(1) التهذيب 2: 329 ح 1350.

(2) التهذيب 2: 330 ح 1355.

(3) التهذيب 2: 357 ح 1480.

(4) سنن الدار قطني 1: 167، السنن الكبرى 2: 252.

(5) مثله عن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الكافي 3: 364 ح 6، التهذيب 2: 324 ح 1324، بلفظ: «و لكن تنقض الصلاة».

(6) مسند الطيالسي: 150 ح 1105، المصنف لابن أبي شيبة 2: 432، مسنده احمد 5: 447، سنن الدارمي 1: 353، صحيح مسلم 1: 381 ح 537، سنن أبي داود 1: 244 ح 930، سنن النسائي 3: 14، السنن الكبرى 2: 249.

13

و الكلمة صادقة على الحرفين فصاعدا. و قوله: «ليس فيها شيء من كلام الناس» خبر يراد به النهي؛ لاستحالة عدم المطابقة في خبر اللّٰه و رسوله.

و لو تكلم ناسيا لم تبطل؛ لعموم: «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان» (1) و قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الرحمن بن الحجاج في المتكلم في الصلاة ناسيا: «يتمّها، ثم يسجد سجدتين» (2). فان طال الكلام ناسيا التحق بالفعل الكثير.

و في هذا البحث أحكام.

الأول:

لا فرق بين كون الكلام عامدا لمصلحة الصلاة أو غيرها، أو لا لمصلحة. و تجويز مالك الكلام للمصلحة (3)- كتنبيه الأعمى، أو من يدركه الحريق أو السيل- مدفوع بسبق الإجماع.

الثاني:

لو تكلم مكرها، ففي الابطال وجهان: نعم؛ لصدق تعمّد الكلام. و لا؛ لعموم: «و ما استكرهوا عليه» (4). نعم، لا يأثم قطعا.

و قال في التذكرة: يبطل؛ لانه مناف للصلاة، فاستوى فيه الاختيار و عدمه.

كالحدث (5). و هو قياس مع الفرق؛ بان نسيان الحديث يبطل لا الكلام ناسيا قطعا.

الثالث:

لو كان الحرف الواحد مفهما، كما في الأفعال المعتلة الطرفين إذا أمر بها مثل: ق، ع، د، ش، ر فالأولى البطلان؛ لتسميته كلاما لغة

____________

(1) الكافي 2: 335 ح 1، 2، الخصال: 417، التوحيد: 353، الجامع الصغير 2: 16 ح 4461 عن الطبراني في الكبير.

(2) الكافي 3: 356 ح 4، التهذيب 2: 191 ح 755، الاستبصار 1: 378 ح 1433.

(3) راجع: المجموع 4: 85، حلية العلماء 2: 129، المغني 1: 740.

(4) راجع الهامش 1.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 131.

14

و عرفا، و التحديد بالحرفين للأغلب. و كذا لو كان الحرف بعده مدّة، لأنها اما:

ألف، أو واو، أو ياء.

الرابع:

لو نفخ بحرفين، أو تأوّه بهما، بطل. و ان كان التأوّه من خوف النار، فوجهان: نعم؛ لصدق التكلّم. و لا، و اختاره في المعتبر؛ لوصف إبراهيم (عليه السلام) به على الإطلاق، و فعل كثير من الصلحاء (1).

و لو أنّ بحرفين بطلت؛ لرواية طلحة بن زيد، عن الصادق (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) قال: «من أنّ في صلاته فقد تكلّم» (2).

الخامس:

لا تبطل الصلاة بالحرف الواحد غير المفهم إجماعا؛ لعدم انفكاك الصوت منه فيؤدي اجتنابه الى الحرج.

و كذا لا تبطل بالنفخ الذي لا تتميز فيه الحروف.

و كذا التنحنح؛ لانه لا يعدّ كلاما، و قد مرّ في الرواية جوازه (3)، و أولى بالجواز إذا تعذّرت القراءة أو الأذكار إلّا به، و لا يجوز العدول إلى الإخفات إذا أمكن من دون التنحنح؛ لان الجهر واجب مع إمكانه.

و كذا لو كان التنحنح بان غلب عليه ذلك، اما لو كثر فإنه يلتحق بالفعل الكثير.

و لو تنحنح الامام لم ينفرد المأموم؛ لبقاء الصحة. و قال بعض الشافعية:

ينفرد، بناء على انّ التنحنح عن قصد مبطل، و ان الظاهر انّ الامام قاصد.

و يضعف بمنع المقدمتين، و سند منع الثانية: انّ الظاهر انّ الامام يحترز من مبطلات الصلاة، فيحمل على غير الاختيار، و خصوصا عندنا لأنا نشترط عدالته.

____________

(1) المعتبر 2: 254.

(2) التهذيب 2: 330 ح 1356.

(3) المجموع 4: 80، حلية العلماء 2: 129.

15

السادس:

الدعاء كلام فمباحه مباح و حرامه حرام. و لو جهل كون المطلوب حراما، فالأشبه الصحة؛ لعدم وصفه بالنهي، و من تفريطه بترك التعلم.

و لو جهل كون الحرام مبطلا، فالظاهر البطلان، لانه مكلّف بترك الحرام و جهله تقصير منه، و كذا الكلام في جميع منافيات الصلاة لا يخرجها الجهل بالحكم عن المنافاة.

و في التهذيب لما أورد خبر علي بن النعمان- الذي يأتي- أوّله بالحمل على من تكلّم لظنه انّ التسليم يبيح الكلام و ان كان بعد في الصلاة، كما يبيحه إذا انصرف به من الصلاة، فلم يجب عليه إعادة الصلاة لجهله به و ارتفاع علمه بأنه لا يسوغ ذلك (1). و هذا مصير منه الى انّ الجهل بالحكم عذر.

السابع:

لو تكلم بالقرآن قاصدا إفهام الغير و التلاوة جاز، كقوله للمستأذنين عليه ادْخُلُوهٰا بِسَلٰامٍ آمِنِينَ (2).

و لمن يريد التخطي على الفراش بنعله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ (3).

و لنهي من اسمه يوسف يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هٰذٰا (4).

و لأمر يحيى بقوله يٰا يَحْيىٰ خُذِ الْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ (5).

و لأمر حاكم أخطأ يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ (6).

____________

(1) التهذيب 2: 181.

(2) سورة الحجر: 46.

(3) سورة طه: 12.

(4) سورة يوسف: 29.

(5) سورة مريم: 12.

(6) سورة ص: 26.

16

و لو قصد مجرد الافهام، ففيه وجهان: البطلان و الصحة، بناء على انّ القرآن هل يخرج عن اسمه بمجرد القصد أم لا؟

الثامن:

لو تكلم عمدا لظنه إكمال الصلاة ثم تبين النقصان لم تبطل في المشهور، و هو المروي في الصحيح بطريق الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) من عدم البطلان بالتسليم (1) و هو كلام.

و بطريق علي بن النعمان: صليت بأصحابي المغرب فسلمت على ركعتين، فقالوا: انما صليت بنا ركعتين! فكلمتهم و كلموني. فقالوا: اما نحن فنعيد. فقلت: لكني لا أعيد و أتمّ ركعة فأتممت، ثم سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال: «كنت أصوب منهم فعلا، انما يعيد من لا يدري ما صلّى» (2).

و في هذه الرواية انه تكلم بعد ما علم النقيصة، فيحمل على انه أضمر ذلك في نفسه، أي: أضمر انه لا يعيد و انه يتم و يكون القول عبارة عن ذلك.

و بطريق محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) فيمن سلّم على ركعتين من المكتوبة للظن و تكلم ثم ذكر، قال: «يتمّ و لا شيء عليه» (3) في أخبار كثيرة (4).

و في النهاية: تبطل الصلاة بالتكلم عمدا (5) و جعله في المبسوط رواية (6) لم نقف عليها.

البحث الخامس [حرمة الانحراف عن القبلة و لو يسيرا]

يحرم الانحراف عن القبلة و لو يسيرا، فلو فعل عمدا أبطلها. و ان كان ناسيا، و كان بين المشرق و المغرب، فلا إبطال. و ان كان الى

____________

(1) التهذيب 2: 180 ح 725، الاستبصار 1: 370 ح 1410.

(2) الفقيه 1: 228 ح 1011، التهذيب 2: 181 ح 726، الاستبصار 1: 371 ح 1411.

(3) التهذيب 2: 191 ح 757، الاستبصار 1: 379 ح 1436.

(4) راجع: التهذيب 2: 191 ح 755، 758، الاستبصار 1: 378 ح 1434، 1437.

(5) النهاية: 94.

(6) المبسوط 1: 118.

17

المشرق و المغرب، أو كان مستدبرا، فقد أجرياه في المقنعة و النهاية مجرى الظان في الإعادة في الوقت إذا كان إليهما، و مطلقا ان استدبر (1). و توقف فيه الفاضلان (2).

و في التهذيب لما روى عن الحسين بن أبي العلاء عن الصادق (عليه السلام) فيمن سبقه الإمام بركعة في الفجر فسلم معه، ثم أقام في مصلّاه ذاكرا حتى طلعت الشمس: يضيف إليها ركعة إن كان في مكانه، و ان كان قد انصرف أعاد، قال الشيخ: يعني به إذا كان قد استدبر القبلة (3) و هذا ذهاب منه الى انّ استدبار القبلة يبطل إذا وقع سهوا، و اختاره المحقق في المعتبر (4).

و قال الشيخ في المبسوط- بعد عدّ تروك الصلاة و عدّ الاستدبار منها، و الفعل الكثير، و الحديث-: و هذه التروك على ضربين: أحدهما متى حصل عمدا أو سهوا أبطل، و هو جميع ما ينقض الوضوء، و قد روي انّه إذا سبقه الحدث جاز الوضوء و البناء، و الأحوط الأول. و القسم الآخر متى حصل ساهيا أو ناسيا أو للتقية فإنّه لا يقطع الصلاة، و هو كل ما عدا نواقض الوضوء (5). و هو تصريح منه بان الاستدبار سهوا لا يبطل.

و لك ان تقول: الصلاة الى دبر القبلة غير الاستدبار سهوا في الصلاة، فإن الاستدبار سهوا يصدق على اللحظة التي لا يقع فيها شيء من أفعال الصلاة، و جاز ان يغتفر هذا القدر كما اغتفر انكشاف العورة في الأثناء، فلا يكون للشيخ في المسألة قولان على هذا.

و يجوز أن يستدل على إبطال الصلاة بالاستدبار مطلقا بما رواه زرارة عن

____________

(1) المقنعة: 14، النهاية: 94.

(2) المعتبر 2: 74، تذكرة الفقهاء 1: 103.

(3) التهذيب 2: 183، و الحديث فيه برقم 371، و في الكافي 3: 383 ح 11.

(4) المعتبر 2: 381.

(5) المبسوط 1: 117.

18

الباقر (عليه السلام)، قال: «الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه» (1) فإنه يشمل بإطلاقه العامد و الناسي، الا ان يعارض بحديث الرفع عن الناسي (2) فيجمع بينهما بحمله على العمد.

و اعلم ان الالتفات الى محض اليمين و اليسار بكله كالاستدبار، كما انّه بحكمه في الصلاة مستدبرا على أقوى القولين، فيجيء القول بالإبطال و لو فعله ناسيا إذا تذكر في الوقت، و ان فرقنا بين الالتفات و بين الصلاة الى اليمين و اليسار فلا إبطال.

البحث السادس [حكم عقص الشعر]

اختلف في عقص الشعر، و هو جمعه في وسط الرأس و شدّه. فروى في التهذيب عن مصادف، عن الصادق (عليه السلام) في رجل صلّى الفريضة و هو معقوص الشعر، قال: «يعيد صلاته» (3).

و رووا عن أبي رافع، قال: مرّ بي رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و أنا أصلّي و قد عقصت شعري فأطلقه (4).

و أخذ الشيخ بالتحريم و الابطال (5).

و قال المفيد، و سلار، و أبو الصلاح، و ابن إدريس، و الفاضلان:

يكره (6)؛ للأصل، و ضعف مصادف، و استبعاد ان يكون هذا محرّما و ينفرد به الواحد.

فان قلت: و كذا تبعد الكراهية لانفراد الواحد بها.

____________

(1) التهذيب 2: 199 ح 780، الاستبصار 1: 405 ح 1543.

(2) تقدم في ص 13 الهامش 1.

(3) الكافي 3: 409 ح 5، التهذيب 2: 232 ح 914.

(4) سنن الدارمي 1: 320.

(5) المبسوط 1: 119، النهاية: 95.

(6) المقنعة: 25، المراسم: 64، الكافي في الفقه: 125، السرائر: 58، المعتبر 2: 260، تذكرة الفقهاء 1: 99.

19

قلت: المكروه لا تتوفر الدواعي إلى نقله، فجاز انفراد الواحد، بخلاف المحرّم.

و نقل الشيخ في الخلاف الإجماع على تحريمه (1)، فان ثبت فهو حجة معتمدة، و لما تقرر في الأصول حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد، فلا بأس باتباع الشيخ، و للاحتياط.

فرع:

القائلون بالتحريم و الكراهة خصوه بالرجل كما في الرواية، فلا تحريم و لا كراهة في حقّ النساء.

البحث السابع: في باقي المبطلات.

فمنها: السكوت الطويل الذي يخرج به عن كونه مصليا، و ظاهر الأصحاب انه كالفعل الكثير، فحينئذ يشترط فيه التعمّد، فلو وقع نسيانا لم تبطل. و يبعد بقاء الصلاة على الصحة فيه و في الفعل الكثير المخرجين عن اسم المصلّي، بحيث يؤدي الى انمحاء صورة الصلاة، كمن يمضي عليه الساعة و الساعتان أو معظم اليوم.

و منها: نقص الركن عمدا أو سهوا و زيادته- كما مرّ- و زيادة الواجب عمدا أو نقصه عمدا.

و منها: ما خرّجه بعض متأخري الأصحاب من تحريم الصلاة مع سعة الوقت لمن تعلق به حق آدمي مضيّق مناف لها (2) و لا نصّ فيه الا ما سيجيء إن شاء اللّٰه من عدم قبول صلاة ممن لا يخرج الزكاة (3) و ليس بقاطع في البطلان.

____________

(1) الخلاف 1: 111 المسألة 202.

(2) كالعلامة في مختلف الشيعة: 414.

(3) الخصال: 156، عيون اخبار الرضا 1: 258.

20

و اما احتجاجهم بان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، و ان حقّ الآدمي مضيّق فيقدم على حق اللّٰه تعالى، و ان النهي في العبادة يفسدها، ففيه كلام حقّقناه في الأصول.

و منها: الكتف و التأمين، و قد سبقا.

و اما ما يبطل من الشك و السهو فيأتي في بابه إن شاء اللّٰه تعالى.

21

المطلب الثاني: في التروك المستحبة.

و قد مرّ في تضاعيف الأفعال شطر منها و لنذكر أمورا:

الأول: يكره الالتفات الى اليمين و الشمال،

بحيث لا يخرج الوجه الى حدّ الاستدبار. و كان بعض مشايخنا المعاصرين يرى انّ الالتفات بالوجه يقطع الصلاة (1) كما يقوله بعض الحنفية (2) لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) انه قال: «لا تلتفتوا في صلاتكم، فإنه لا صلاة لملتفت» رواه عبد اللّٰه بن سلام (3) و يحمل على الالتفات بكله، و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام): «الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه» (4).

الثاني:

يكره ما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام): «إذا قمت إلى الصلاة فاعلم أنك بين يدي اللّٰه تعالى، فان كنت لا تراه فاعلم انه يراك، فاقبل قبل صلاتك، و لا تمتخط، و لا تبصق، و لا تنقض أصابعك، و لا تورّك، فان قوما عذبوا بتنقيض الأصابع و التورك في الصلاة» (5).

قلت: تنقيض الأصابع الظاهر انّه الفرقعة بها ليسمع لها صوت، من إنقاض المحامل أي تصويتها.

و عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) انه قال لعلي (عليه السلام): «لا تفرقع أصابعك و أنت تصلي» (6).

____________

(1) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 3: 18 عن فخر المحققين.

(2) شرح فتح القدير 1: 357.

(3) المعجم الأوسط 3: 27 ح 2042.

و ذيل الحديث في حلية الأولياء 7: 344، و العلل المتناهية 1: 446 ح 764.

(4) التهذيب 2: 199 ح 780، الاستبصار 1: 405 ح 1543.

(5) التهذيب 2: 325 ح 1332.

(6) سنن ابن ماجة 1: 310 ح 965.

22

و عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله) انه سمع فرقعة رجل خلفه في الصلاة، فلما انصرف قال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «اما انه حظه من صلاته» (1).

الثالث:

روى الحلبي عن الصادق (عليه السلام) في التمطي و التثاؤب في الصلاة: «من الشيطان» (2).

الرابع: التنخم و البصاق.

روي: ان النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان يأخذ النخامة في ثوبه (3).

الخامس: العبث؛

لفحوى رواية أبي بصير (4) و لما فيه من منافاة الإقبال على الصلاة و ترك الخشوع.

السادس: مدافعة الأخبثين أو الريح أو النوم؛

لقول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا صلاة لحاقن» (5) و لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «لا تصلّ و أنت تجد شيئا من الأخبثين» (6). و روى هشام بن الحكم عن الصادق (عليه السلام): «لا صلاة لحاقن و لا لحاقنة، و هو بمنزلة من هو في ثوبه» (7) و فيه دلالة على الريح. و اما النوم فلقوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ في بعض التفسير (8) و لما فيه من سلب الخشوع و الإقبال على الصلاة، و التعرّض لإبطالها.

و لو عرضت المدافعة في أثناء الصلاة فلا كراهة في الإتمام؛ لعدم اختيار

____________

(1) الكافي 3: 365 ح 8.

(2) التهذيب 2: 324 ح 1328.

(3) صحيح مسلم 1: 389 ح 550، سنن ابن ماجة 1: 327 ح 1024، السنن الكبرى 2: 294.

(4) التهذيب 2: 325 ح 1332.

(5) مسند أحمد 5: 250، 260، 261، 280، سنن الترمذي 2: 189، سنن ابن ماجة 1: 202 ح 617، 619، سنن أبي داود 1: 22 ح 89.

(6) مسند أحمد 5: 250، 260، 261، 280، سنن الترمذي 2: 189، سنن ابن ماجة 1: 202 ح 617، 619، سنن أبي داود 1: 22 ح 89.

(7) المحاسن: 83، التهذيب 2: 333 ح 1372.

(8) سورة النساء: 43، و انظر مجمع البيان 3: 52.

23

المكلف هنا، و لو عجز عن المدافعة فله القطع. روى عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه و هو يستطيع الصبر عليه، أ يصلي على تلك الحالة أو لا؟ فقال: «إن احتمل الصبر و لم يخف إعجالا عن الصلاة، فليصلّ و ليصبر» (1).

السابع: التخصّر؛

لنهي النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) (2)، و هو الاعتماد باليدين على الوركين و يسمي: التورّك.

الثامن: لبس الخف الضيق؛

لما فيه من المنع عن التمكن في السجود و ملازمة القيام على سمت واحد.

التاسع: السدل،

و قد ذكر فيما مر. و قيل: انه وضع الثوب على الرأس و الكتف و إرسال طرفيه. اما لو أرسل طرفي الرداء فلا بأس؛ لما رواه علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) و قال: «لا يصلح جمعهما على اليسار، و لكن اجمعهما على يمينك أو دعهما» (3).

العاشر: التأوّه بحرف واحد و الأنين به اختيارا؛

لقربه إلى الكلام.

و كره أبو الصلاح التنخع و التجشؤ، و إدخال اليدين في الكمين و تحت الثياب (4).

[خاتمة]

و لنختم الفصل بثلاثة مباحث:

أحدها: في السلام على المصلّي،

و فيه مسائل تسع:

الاولى: لا يكره السلام على المصلّي؛

للأصل، و لعموم:

____________

(1) الكافي 3: 364، الفقيه 1: 240 ح 1061، التهذيب 2: 324 ح 1326.

(2) مسند احمد 2: 232، سنن الدارمي 1: 332، صحيح البخاري 2: 84، صحيح مسلم 1:

387 ح 545، سنن أبي داود 1: 249 ح 947، الجامع الصحيح 2: 222 ح 383، سنن النسائي 2: 127.

(3) التهذيب 2: 373 ح 1551.

(4) الكافي في الفقه: 125.

24

فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ (1). و روى البزنطي في سياق أحاديث الباقر (عليه السلام): «إذا دخلت المسجد و الناس يصلّون فسلّم عليهم، و إذا سلّم عليك فاردد فإني افعله». و ان عمار بن ياسر مرّ على رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و هو يصلّي، فقال: السلام عليك يا نبي اللّٰه و رحمة اللّٰه و بركاته، فردّ (عليه السلام) (2).

الثانية [وجوب الردّ عليه إذا سلّم عليه]

يجب الردّ عليه إذا سلم عليه؛ لعموم قوله تعالى وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا (3) و الصلاة غير منافية لذلك.

و ظاهر كلام الأصحاب مجرد الجواز؛ للخبرين الآتيين بعد، و الظاهر انهم أرادوا به بيان شرعيته، و يبقى الوجوب معلوما من القواعد الشرعية. و بالغ بعض الأصحاب في ذلك، فقال تبطل الصلاة لو اشتغل بالأذكار و لما يردّ السلام (4) و هو من مشرب اجتماع الأمر و النهي في الصلاة كما سبق، و الأصحّ عدم الابطال بترك ردّه.

الثالثة [وجوب إسماعه تحقيقا أو تقديرا كما في سائر الردّ]

يجب إسماعه تحقيقا أو تقديرا كما في سائر الردّ. و قد روى منصور بن حازم، عن الصادق (عليه السلام): «يردّ عليه ردّا خفيا» (5). و روى عمار عنه (عليه السلام): «ردّ عليه فيما بينك و بين نفسك، و لا ترفع صوتك» (6).

و هما مشعران بعدم اشتراط إسماع المسلّم، و الأقرب اشتراط إسماعه؛ ليحصل قضاء حقّه من السلام.

____________

(1) سورة النور: 61.

(2) جامع البزنطي: مخطوط، رواها الشيخ المجلسي في البحار 84: 306 ح 31؛ و الشيخ الحر في الوسائل 7: 271 ح 3 ب 17 من قواطع الصلاة عن الذكرى.

و أورد المقطع الثاني منه الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 241 ح 1066 و المحقق في المعتبر 2: 263، و العلامة في المنتهى 1: 297 و الشهيد الأول في أربعينه: 50 ح 22.

(3) سورة النساء: 86.

(4) قاله العلامة في مختلف الشيعة: 102.

(5) الفقيه 1: 240 ح 1065، التهذيب 2: 331 ح 1366.

(6) الفقيه 1: 240 ح 1064، التهذيب 2: 331 ح 1365.

25

الرابعة [قول المرتضى بوجوب قول المصلّي في ردّ السلام مثل ما قاله المسلّم]

قال المرتضى: يجب ان يقول المصلّي في ردّ السلام مثل ما قاله المسلّم: (سلام عليكم)، و لا يقول: (و عليكم السلام) (1) و رواه عثمان بن عيسى عن الصادق (عليه السلام) (2).

و جوّز ابن إدريس الردّ بقوله: (عليكم السلام)، و خصوصا إذا قال المسلّم: (عليكم السلام) (3) لعموم الآية، و استضعافا لخبر الواحد مع انّ عثمان ابن عيسى واقفي شيخ الواقفة، فتبقى عموم الآية و الأصل سالمين عن المعارض.

الخامسة [عدم كفاية الإشارة بالرد عن السلام لفظا]

لا تكفي الإشارة بالرّد عن السلام لفظا.

و احتج الشافعي على تحريم التلفّظ بأنّ أبا مسعود لما قدم من الحبشة سلّم على رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و هو في الصلاة فلم يردّ عليه، قال:

فأخذني ما قرب و ما بعد، فلما فرغ قلت: يا رسول اللّٰه أنزل فيّ شيء؟ قال:

«لا، و لكن اللّٰه يحدث من أمره ما يشاء، و انّ مما أحدث أن لا يتكلموا في الصلاة». و على جواز الإشارة بما روى صهيب و بلال: انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان إذا سلّم عليه أشار بيده (4).

و جوابه بعد تسليم النقل انه يجوز تقدّمه على الأمر بردّ السلام، و يجوز ان يكون قد جمع بين الإشارة و التلفظ خفيّا كما رويناه.

____________

(1) الانتصار: 47.

(2) الكافي 3: 366 ح 1، التهذيب 2: 328 ح 1348.

(3) السرائر: 50.

(4) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 117.

و الرواية الاولى في: ترتيب مسند الشافعي 1: 119 ح 351، مسند احمد 1: 435، صحيح البخاري 9: 187، سنن أبي داود 1: 243 ح 924، سنن النسائي 3: 9، السنن الكبرى 2: 248.

و الرواية الثانية في: ترتيب مسند الشافعي 1: 119 ح 352، مسند احمد 2: 10، سنن ابن ماجة 1: 325 ح 1017، الجامع الصحيح 2: 204 ح 367، سنن النسائي 3: 5.

26

السادسة [عدم وجوب قصد القرآن بردّه]

لا يجب ان يقصد القرآن بردّه، و يظهر من كلام الشيخ اعتباره (1).

لنا عموم الآية، و لخبر هشام بن سالم عن محمد بن مسلم، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) و هو في الصلاة، فقلت: السلام عليك. فقال:

«السلام عليك». فقلت: كيف أصبحت؟ فسكت فلما انصرف قلت له: أ يردّ السلام و هو في الصلاة؟ فقال: «نعم، مثل ما قيل له» (2). و فيه دلالتان:

إحداهما: ان لفظ (السلام عليك) ليس في القرآن و قد أتى بها.

و ثانيها: عدم ذكر الامام قصد القرآن، فلو كان شرطا لذكره؛ لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة.

السابعة [فيما لو سلّم بالصباح أو المساء أو التحية]

لو سلّم بالصباح أو المساء أو التحية لم يجب الردّ عليه، قاله ابن إدريس (3).

و المحقق قال في المعتبر: نعم، لو دعا له و قصد الدعاء لا ردّ السلام، لم أمنع منه إذا كان مستحقا للدعاء؛ لما بيناه من جواز الدعاء لنفسه و لغيره (4).

و قال الفاضل: يجب ردّ كل ما يسمى تحية؛ لظاهر الآية، و خبر محمد ابن مسلم. و جوّز الردّ بلفظ المسلّم و بلفظ (سلام عليكم) (5).

الثامنة [حكم ما لو كان في موضع تقية]

لو كان في موضع تقية ردّ خفيا و أشار، و قد تحمل عليه الروايتان السابقتان (6).

التاسعة [حكم ما لو ردّ غيره]

لو ردّ غيره اكتفى به إذا كان مكلفا. و في الصبي المميز وجهان

____________

(1) النهاية: 95، المبسوط 1: 119، الخلاف 1: 388 المسألة: 141.

(2) التهذيب 2: 329 ح 1349.

(3) السرائر: 49.

(4) المعتبر 2: 264.

(5) مختلف الشيعة: 102.

(6) تقدمتا في ص 24 الهامش 5، 6.

27

مبنيان على صحة قيامه بفرض الكفاية، و هو مبني على انّ أفعاله شرعية أو لا، و قد سبقت الإشارة إليه. نعم، لو كان غير مميز لم يعتدّ به.

و لو ردّ بعد قيام غيره به لم يضرّ؛ لانه مشروع في الجملة.

و هل هو مستحب كما في غير الصلاة أو تركه أولى؟ فيه نظر، من شرعيته خارج الصلاة مستحبا، و من انه تشاغل بغير الصلاة مع عدم الحاجة إليه.

البحث الثاني [حكم ما لو رعف في أثناء الصلاة أو تقيأ]

لو رعف في أثناء الصلاة أو قاء لم تبطل الصلاة؛ لأنهما غير ناقضين للطهارة، و القيء ليس بنجس و يجب غسل الرعاف إن بلغ قدر الدرهم، ثم يتمّ صلاته ما لم يفعل المنافي؛ لرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يأخذه القيء و الرعاف في الصلاة: «ينفتل فيغسل أنفه و يعود في صلاته، و ان تكلم فليعد الصلاة و ليس عليه وضوء» (1).

و روى الكليني عن الحلبي، عن الصادق (عليه السلام) فيمن رعف في الصلاة: «إن قدر على ماء عنده يمينا و شمالا بين يديه و هو مستقبل القبلة فليغسله عنه، ثم يصلّي ما بقي من صلاته. و ان لم يقدر على ماء، حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم، فقد قطع صلاته» (2).

و اما رواية أبي حمزة عن الصادق (عليه السلام): «لا يقطع الصلاة إلّا رعاف و أزّ في البطن، فادرؤوهنّ ما استطعتم» (3) فهي نادرة، و تحمل على ما إذا احتاج الى فعل المنافي (4).

و حملت على استحباب الإعادة (5) فإن أريد الإعادة بعد البناء فلا بأس، و ان أريد بدونه ففيه تعرّض لقطع الصلاة، الا ان يقال: هذا كقطع الصلاة

____________

(1) الكافي 3: 365 ح 9، التهذيب 2: 318 ح 1302، 323 ح 1323.

(2) الكافي 3: 364 ح 2، التهذيب 2: 200 ح 783، الاستبصار 1: 404 ح 1541.

(3) التهذيب 2: 328 ح 1347، الاستبصار 1: 403 ح 1539.

(4) راجع الهامش السابق.

(5) حملها المحقق في المعتبر 2: 269.

28

لاستدراك الأذان و الجماعة. و لا يبعد ان يحمل القطع على استدراك غسل الدم أو الوضوء للأزّ- و هو الصوت في البطن، بمعنى: الأزيز- لما رواه الفضيل بن يسار، قلت: لأبي جعفر (عليه السلام): أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا، فقال: «انصرف، ثم توضأ و ابن على ما مضى من صلاتك» (1).

تنبيه:

لو تعذّر قطع الرعاف حشا أنفه و صلّى مخففا لئلا يسبقه الدم، رواه سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2). و لو سبق الدم و أمكن غسله وجب، و الا أتمّها مع ضيق الوقت بحالة.

البحث الثالث [استحباب قول (الحمد للّٰه) عند العطاس في الصلاة]

يستحب (الحمد للّٰه) عند العطاس في الصلاة؛ للأصل، و العموم في استحباب ذلك الشامل للصلاة، و لقول الصادق (عليه السلام) في رواية الحلبي: «إذا عطس الرجل في الصلاة فليقل: الحمد للّٰه» (3).

و يجوز التحميد و الصلاة على النبي و آله عند سماعه العطسة من الغير في الصلاة؛ لرواية أبي بصير عنه (عليه السلام)، قال: «و ان كان بينك و بينه اليمّ» (4).

و لو سمت العاطس أو شمته فدعا له جاز؛ لما مرّ من جواز الدعاء للغير في الصلاة. و تردّد فيه في المعتبر، ثم قال: الجواز أشبه بالمذهب (5)، يعني:

لقضية الأصل من الجواز و عموم الدعاء للمؤمنين، و هو يشعر بعدم ظفره بنص

____________

(1) الفقيه 1: 240 ح 1060، التهذيب 2: 332 ح 1370، الاستبصار 1: 401 ح 1533.

(2) التهذيب 2: 333 ح 1371.

(3) التهذيب 2: 332 ح 1367.

(4) الكافي 3: 366 ح 3.

(5) المعتبر 2: 263.

29

في ذلك.

و روى العامة عن معاوية بن الحكم، قال: صليت مع رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللّٰه، فرماني القوم بأبصارهم! فقلت: ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون أيديهم على افخاذهم فعرفت انهم يصمتوني، فلما صلّى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال: «ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، انما هي التكبير و قراءة القرآن» (1).

و ربما قيل: انّ الإنكار على كلامه الثاني لا على التسميت (2).

____________

(1) تقدم في ص 12 الهامش 6.

(2) قاله العلامة في تذكرة الفقهاء 1: 131.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الركن الثاني: في الخلل الواقع في الصلاة.

و هو إما عن عمد أو سهو أو شك، فهنا مطالب ثلاثة.

الأول: العمد.

و فيه مسائل ثلاث:

الاولى [بطلان الصلاة بتعمد الإخلال بكل ما يتوقف عليه صحة الصلاة من الشروط]

تبطل الصلاة بتعمّد الإخلال بكل ما يتوقّف عليه صحة الصلاة من الشروط- كالطهارة، و الاستقبال، و ستر العورة، و إيقاعها في الوقت- و الاجزاء، ركنا كان- و هو: النية، و التكبير، و القيام، و الركوع، و السجود- أو لا- كالقراءة- أو صفة- كالجهر، و الإخفات، و الطمأنينة- لأنّ الإخلال بالشرط إخلال بالمشروط، و بالجزء إخلال بالكل. و قد سبق التنبيه على ذلك كله.

الثانية [لا فرق بين الإخلال بالشروط و الأبعاض و بين الإخلال بما يجب تركه]

لا فرق بين الإخلال بالشروط و الأبعاض و بين الإخلال بما يجب تركه؛ لتحقق النهي المفسد للعبادة بفعل ما يجب تركه، و لا بين العالم و الجاهل بالحكم؛ لانه ضمّ جهلا الى تقصير، و قد استثنى الأصحاب الجهر و الإخفات لما سبق.

اما لو جهل غصبية الماء أو الثوب أو المكان، أو نجاسة الثوب أو البدن أو موضع السجود، فلا إعادة في الغصب على الإطلاق، و لا في النجاسة مع خروج الوقت، و مع بقائه قولان تقدما.

و لو وجد جلدا مطروحا فصلّى فيه، أعاد و ان تبيّن بعد انه مذكّى؛ لانه دخل دخولا غير مشروع.

الثالثة [بطلان الصلاة بزيادة واجب عمدا]

تبطل الصلاة بزيادة واجب عمدا، سواء كان ركنا أو غيره؛ لعدم الإتيان بالماهية على وجهها. و كذا لو اعتقد وجوب بعض الأذكار المندوبة أو بعض الأفعال المندوبة و كان كثيرا، و قد سبقت الإشارة إليه.

32

المطلب الثاني: في السهو

و فيه مسائل:

الأول [بطلان الصلاة بالسهو إذا تضمّن الإخلال بشرط أو ركن]

انما تبطل الصلاة بالسهو إذا تضمّن الإخلال بشرط أو ركن، كمن صلّى بغير طهارة، أو لا مستقبلا على ما سبق تفصيله في الاستقبال، أو صلّى مكشوف العورة ناسيا. و كمن أخلّ بالقيام حتى نوى، أو بالنية حتى كبّر، أو بالتكبير حتى قرأ، أو بالركوع حتى سجد، أو بالسجدتين حتى ركع بعدهما.

و قد تقدم ذلك بدليله.

الثانية [بطلان الصلاة بزيادة و نقيصة الركن سهوا]

كما تبطل نقيصة الركن سهوا كذا تبطل زيادته سهوا؛ لاشتراكهما في تغيير هيئة الصلاة، و لقول الصادق (عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (1).

و أولى منه زيادة ركعة فصاعدا إلّا زيادة الخامسة سهوا، فإنه يشترط في البطلان ان لا يكون جلس عقيب الرابعة بقدر التشهد عند ابن الجنيد (2) و الفاضل (3) لصحيح جميل بن دراج عن الصادق (عليه السلام) (4) و زرارة عن الباقر (عليه السلام) (5).

و في رواية محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام): «ان كان لا يدري جلس في الرابعة أم لم يجلس، فليجعل أربع ركعات منها الظهر و يجلس فيتشهد، ثم يصلي ركعتين جالسا و يضيفها إلى الخامسة فتكون النافلة» (6).

____________

(1) الكافي 3: 355 ح 5، التهذيب 2: 194 ح 764، الاستبصار 1: 376 ح 1429.

(2) مختلف الشيعة: 135.

(3) مختلف الشيعة: 135.

(4) الفقيه 1: 229 ح 1016.

(5) التهذيب 2: 194 ح 766، الاستبصار 1: 377 ح 1431.

(6) الفقيه 1: 229 ح 1017.

33

و في رواية أخرى له: يضيف إلى الخامسة ركعة لتكونا نافلة (1).

و قال ابن إدريس: إن تشهد ثم قام سهوا قبل التسليم و أتى بالخامسة، صحت على قول من جعل التسليم ندبا، و نقله عن الشيخ في الاستبصار (2).

و الأكثرون أطلقوا البطلان بالزيادة (3) لما أطلق في رواية زرارة و أخيه بكير- الحسنة- عن الباقر (عليه السلام)، قال: «إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتدّ بها و استقبل صلاته» (4)، و في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (5).

و الشيخ جمع بينهما بحمل الاولى على من جلس و تشهد، و بحمل الثانية على من لم يفعل ذينك (6) و هو حسن، و يكون فيه دلالة على ندب التسليم.

و أوجب في الخلاف الإعادة مطلقا؛ لتوقف اليقين بالبراءة عليه، و قال:

انما يعتبر الجلوس بقدر التشهد أبو حنيفة، بناء على انّ الذكر في التشهد ليس بواجب، و عندنا انّه لا بد من التشهد وجوبا (7).

اما لو لم يجلس بقدر التشهيد، فإنّها تبطل قولا واحدا عندنا.

و قال أكثر العامة: تصح الصلاة مطلقا؛ لما رووه عن ابن مسعود انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) صلّى بنا خمسا، فلما أخبرناه انفتل فسجد سجدتين ثم سلّم، و قال: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون» (8). و هذا الحديث لم يثبت عندنا، مع

____________

(1) التهذيب 2: 194 ح 765، الاستبصار 1: 377 ح 1430.

(2) السرائر: 52، و راجع:، الاستبصار 1: 377.

(3) كابن البراج في: المهذّب 1: 155، و الشيخ في: المبسوط 1: 121.

(4) الكافي 3: 354 ح 2، التهذيب 2: 194 ح 763، الاستبصار 1: 376 ح 1428.

(5) الكافي 3: 355 ح 5، التهذيب 2: 194 ح 764، الاستبصار 1: 376 ح 1428.

(6) الاستبصار 1: 376.

(7) الخلاف 1: 451 المسألة: 196.

(8) صحيح مسلم 1: 400 ح 572، سنن ابن ماجة 1: 380 ح 1205، السنن الكبرى 2: 341.

و سيأتي ذيله في ص 54 الهامش 1.

34

منافاته للقواعد العقلية.

و يتفرع على ذلك انسحاب الحكم إلى زيادة أكثر من واحدة، و الظاهر انه لا فرق؛ لتحقّق الفصل بالتشهد على ما اخترناه، و بالجلوس على القول الآخر. و كذا لو زاد في الثنائية أو الثلاثية.

و لو ذكر الزيادة قبل الركوع، فلا إشكال في الصحة؛ لعدم كون زيادة القيام سهوا مبطلة، و عليه سجدتا السهو.

و لو ذكر الزيادة بين الركوع و السجود، فكالذكر بعد السجود. و احتمل الفاضل الإبطال؛ لأنا ان أمرناه بالسجود زاد ركنا آخر في الصلاة، و ان لم نأمره به زاد ركنا غير متعبّد به، بخلاف الركعة الواحدة لإمكان البناء عليها نفلا (1) كما سبق.

و على ما قلناه من اعتبار التشهد، لا فرق في ذلك كلّه في الصحة إن حصل، و في البطلان إن لم يحصل.

الثالثة [حكم ما لو نقص من صلاته ساهيا ركعة فما زاد]

لو نقص من صلاته ساهيا ركعة فما زاد، ثم ذكر قبل فعل ما ينافي الصلاة من حدث أو استدبار أو كلام و غيره أتمّها قطعا، و ان كان بعد الحدث أعادهما، و ان كان بعد الاستدبار أو الكلام فقد سلف.

و قال الصدوق- رحمة اللّٰه- في المقنع: ان صليت ركعتين من الفريضة، ثم قمت فذهبت في حاجة لك، فأضف إلى صلاتك ما نقص منها و لو بلغت الى الصين، و لا تعد الصلاة فان إعادة الصلاة في هذه المسألة مذهب يونس ابن عبد الرحمن (2).

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 135.

(2) في المقنع المطبوع: 31: (و ان صليت ركعتين، ثم قمت فذهبت في حاجة لك، فأعد الصلاة و لا تبن على ركعتين). و قد حكى العاملي في مفتاح الكرامة 3: 391 عبارة المقنع كما في المتن عن المختلف و الذكرى و غيرهما، و قال بعد إيراده العبارة السابقة: و هذا هو الموجود في النسخة التي عندنا من نسخه، لكن الناقلين غير ذلك كأنهم عولوا على المختلف.

35

و روى في الفقيه عن عمار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «انّ من سلّم في ركعتين من الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء الآخرة، ثم ذكر فليبن على صلاته و لو بلغ الصين و لا اعادة عليه» (1).

و روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل صلّى بالكوفة ركعتين، ثم ذكر و هو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان انّه صلّى ركعتين، قال: «يصلي ركعتين» (2).

و يعارضه ما رواه الكليني عن سماعة، عن أبي عبد اللّٰه: أ رأيت من صلّى ركعتين و ظن انها أربع فسلم و انصرف، ثم ذكر بعد ما ذهب انّه انما صلّى ركعتين، قال: «يستقبل الصلاة من أولها» و ذكر انّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) لما صلّى ركعتين لم يبرح من مكانه فلذلك أتمّها (3).

و ما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما، قال: سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته و قد سبقه بركعة، فلما فرغ الامام خرج مع الناس ثم ذكر انه فاتته ركعة، قال: «يعيد ركعة إذا لم يحوّل وجهه عن القبلة، فإذا حوّل وجهه استقبل الصلاة» (4).

و عدّ الكليني في مبطلات الصلاة عمدا و سهوا الانصراف عن الصلاة بكليته قبل ان يتمّها (5) و هو الأصح، و تحمل تلك الأخبار على النافلة كما ذكره الشيخ (6).

الرابعة: لا حكم للسهو عن غير الركن إذا تجاوز محله،

كنسيان القراءة،

____________

(1) الفقيه 1: 229 ح 1012، التهذيب 2: 192 ح 758، الاستبصار 1: 379 ح 1437.

(2) التهذيب 2: 347 ح 1440، و الاستبصار 1: 368 ح 1403.

(3) الكافي 3: 355 ح 1، التهذيب 2: 346 ح 1438، الاستبصار 1: 369 ح 1405.

(4) التهذيب 2: 184 ح 732، الاستبصار 1: 368 ح 1401.

(5) الكافي 3: 360.

(6) التهذيب 2: 347، الإستبصار 1: 368.

36

أو أبعاضها، أو صفاتها من اعراب، أو ترتيب، أو جهر، أو إخفات. أو كنسيان تسبيح الركوع، أو الطمأنينة فيه، أو رفع الرأس منه، أو الطمأنينة فيه. أو الطمأنينة في السجود، أو الذكر فيه، أو السجود على بعض الأعضاء، أو لم يتمّ رفعه من السجود الأول، أو لم يطمئن في رفعه منه.

لعموم قول النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان» (1).

و قول الباقر (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة الّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود» رواه زرارة (2).

و قول أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) في ناسي التسبيح في الركوع و السجود: «لا بأس بذلك» رواه علي بن يقطين (3).

و روى عبد اللّٰه القداح، عن الصادق (عليه السلام): «ان عليا (عليه السلام) سئل عن رجل ركع و لم يسبّح ناسيا، قال: تمّت صلاته» (4).

و في رواية حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل (نسي من صلاته ركعة أو سجدة أو الشيء منها، ثم تذكر بعد ذلك، فقال:

«يقضى ذلك بعينه». فقلت له: أ يعيد الصلاة؟ قال: «لا» (5). و هي تدل بظاهرها على قضاء أبعاض الصلاة على الإطلاق، و هو نادر مع إمكان الحمل على ما يقضى منها- كالسجدة و التشهد و أبعاضه- أو على انه يستدركه في محله.

و كذا ما روى عبد اللّٰه بن سنان، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا

____________

(1) تقدم في ص 13 الهامش 1.

(2) الفقيه 1: 225 ح 991، التهذيب 2: 152 ح 597.

(3) التهذيب 2: 157 ح 612، 614.

(4) التهذيب 2: 157 ح 612.

(5) التهذيب 2: 150 ح 588، الاستبصار 1: 357 ح 1350.

37

نسيت شيئا من الصلاة، ركوعا أو سجودا أو تكبيرا، ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سواء» (1).

و كذا رواية الحلبي عنه (عليه السلام): «إذا نسيت من صلاتك، فذكرت قبل ان تسلّم أو بعد ما تسلّم أو تكلمت، فانظر الذي كان نقص من صلاتك فأتمّه» (2). و ابن طاوس في البشرى يلوح منه ارتضاء مفهومها.

الخامسة [حكم ما لو سها عن شيء و هو في محله]

لو سها عن شيء و هو في محله أتى به، ركنا كان أو غيره؛ لانه مخاطب به فلا يسقط بالنسيان مع إمكان تداركه. ثم ان كان هناك ترتيب وجب مراعاته، كما لو ترك الحمد حتى قرأ السورة وجب بعد قراءة الحمد إعادة السورة.

و كذا لو تشهد قبل سجود ثم تذكر أعاد السجود و التشهد، فان كان ذلك التشهد المعقّب بالتسليم فالحكم كذلك ان قلنا بوجوب التسليم، و ان لم نقل به ففي الاستدراك هنا تردّد، من الحكم بخروجه بالتشهد كما لو كان المنسي غير السجود، و من انّه لما وقع في غير موضعه كان بمثابة تسليم الناسي الذي هو غير مخرج فلا يكون التشهد هنا مخرجا، و عسى أن يأتي ما يدل عليه. فان قلنا بعدم التدارك و كان المتروك السجدتين بطلت الصلاة، و ان كانت واحدة أتى بها بعد التشهد.

و لو ذكر ترك الركوع، و قد انتهى الى حدة الساجد و لما يسجد، رجع الى الركوع. و الظاهر انه لا يجب الطمأنينة في هذا القيام؛ لسبقها من قبل.

و كذا يعود لتدارك السجود ما لم يركع فيما بعده، و يتدارك القراءة أو التسبيح؛ لفعله على غير الوجه المتعبّد به. و لا فرق بين السجدة الواحدة أو السجدتين، و رواية إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في ناسي

____________

(1) الفقيه 1: 228 ح 1007، التهذيب 2: 350 ح 1450.

(2) أوردها المجلسي في بحار الأنوار 88: 154 عن ذكري الشيعة.

38

السجدة الثانية: يرجع و يسجد ما لم يركع (1) لا تدلّ على التخصيص.

و قال المفيد- رحمة اللّٰه-: ان ترك سجدتين من ركعة واحدة أعاد على كل حال، و ان نسي واحدة منهما ثم ذكرها في الركعة الثانية قبل الركوع أرسل نفسه و سجدها ثم قام (2). و مثله قول أبي الصلاح (3).

و صرّح ابن إدريس بإعادة الصلاة بترك السجدتين و ان ذكر قبل ركوعه، و بإعادة السجدة الواحدة إذا ذكر قبل ركوعه (4).

و لم نقف على نص يقتضي التفرقة، فإن القيام إن كان انتقالا عن المحل لم يعد إلى الواحدة، و الّا عاد الى السجدتين. و جزم الفاضلان بالعود في الموضعين (5).

و كذا يعود لتدارك التشهد ما لم يركع عندنا، و رواه الحلبي و علي بن حمزة عن الصادق (عليه السلام) (6).

السادسة: لا تبطل الصلاة بالسهو عن سجدة من ركعة حتى يركع فيما بعدها.

و قد يظهر من كلام ابن أبي عقيل وجوب الإعادة بترك سجدة، حيث قال: فالفرض: الصلوات بعد دخول وقتها، و استقبال القبلة، و تكبيرة الإحرام، و السجود. و من ترك شيئا من ذلك، أو قدّم منه مؤخّرا، أو أخّر منه مقدما، ساهيا كان أو متعمدا، إماما كان أو مأموما أو منفردا، بطلت صلاته (7).

____________

(1) التهذيب 2: 153 ح 602، الاستبصار 1: 359 ح 1361.

(2) المقنعة: 22.

(3) الكافي في الفقه: 119.

(4) السرائر: 50.

(5) المعتبر 2: 383، تذكرة الفقهاء 1: 138.

(6) الكافي 3: 357 ح 7، 8، التهذيب 2: 344 ح 1429، 1430.

(7) حكاه عنه العلامة في مختلف الشيعة: 131.

39

و قال: من استيقن انه سجد سجدة و شك في الثانية سجدها، فان استيقن انه سجد سجدتين أعاد الصلاة (1).

فظاهر كلامه ان السجدة الواحدة كالسجدتين في الزيادة و النقصان.

و قد روى الشيخ في التهذيب بإسناده الى علي بن إسماعيل، عن رجل، عن معلى بن خنيس، قال: سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته، قال: «إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته، ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و ان ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة. و نسيان السجدة في الأوليين و الأخيرتين سواء» (2).

و هذا الخبر فيه إرسال، و في المعلى كلام، و المشهور انه قتل في حياة الصادق (عليه السلام)، فكيف يروى عن أبي الحسن الماضي!، و الشيخ حمل السجدة على السجدتين معا (3).

و روى منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل صلّى فذكر انه زاد سجدة، فقال: «لا يعيد صلاته من سجدة، و يعيدها من ركعة» (4).

و روى عبيد بن زرارة عنه (عليه السلام) فيمن شك في سجدة فسجد ثم تيقن انه زاد سجدة، فقال،: «لا و اللّٰه، لا تفسد الصلاة زيادة سجدة»، و قال:

«لا يعيد صلاته من سجدة، و يعيدها من ركعة» (5). و هما خبران في معنى النهي.

و في هاتين الروايتين دلالة على صحة الصلاة لو زاد سجدة صريحا،

____________

(1) حكاه عنه العلامة في مختلف الشيعة: 131.

(2) التهذيب 2: 154 ح 606، الاستبصار 1: 359 ح 1363.

(3) الهامش السابق.

(4) الفقيه 1: 228 ح 1009، التهذيب 2: 156 ح 610.

(5) التهذيب 2: 156 ح 611.

40

و كذا لو نقصها؛ لقوله: «لا يعيد صلاته من سجدة».

السابعة: حكم الأوليين حكم الأخيرتين في السهو عن غير ركن،

فلا تبطل الصلاة بذلك في المشهور بين الأصحاب.

و قال المفيد و الشيخ- في التهذيب-: تبطل بالسهو فيهما و الشك في أفعالهما (1) لرواية البزنطي عن الرضا (عليه السلام) في رجل يصلي ركعتين ثم ذكر في الثانية و هو راكع انه ترك سجدة في الأولى، قال: «كان أبو الحسن يقول:

إذا تركت السجدة في الركعة الأولى، فلم تدر أ واحدة أو اثنتين، استقبلت حتى يصح لك ثنتان. فإذا كان في الثالثة و الرابعة، فتركت سجدة بعد ان تكون قد حفظت الركوع، أعدت السجود» (2).

و قد روي ما يعارض ذلك عن محمد بن منصور، قال: سألته عن الذي ينسي السجدة الثانية من الركعة الثانية أو يشك فيها، فقال: «إذا خفت ان لا تكون وضعت وجهك إلّا مرة واحدة، فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة» (3).

و تأوّله الشيخ بانّ المراد به من الركعة الثانية من الأخيرتين (4) و هو بعيد.

و أجاب الفاضل عن رواية البزنطي: بأنّ المراد بالاستقبال الإتيان بالسجود المشكوك فيه، و يكون قوله (عليه السلام): «و إذا كان في الثالثة و الرابعة فتركت سجدة» راجعا الى من تيقّن ترك السجدة في الأوليين، فإن عليه إعادة السجدة لفوات محلها. و لا شيء عليه لو شك، بخلاف ما لو كان الشك في الأولى؛ لأنه لم ينتقل عن محل السجود فيأتي بالمشكوك فيه (5).

____________

(1) المقنعة: 24، التهذيب 2: 154.

(2) قرب الاسناد: 160، التهذيب 2: 154 ح 605.

و صدره في الكافي 3: 349 ح 3 بلفظ: فقال: «كان أبو الحسن (عليه السلام) .. استقبلت الصلاة حتى يصح لك انهما اثنتان.

(3) التهذيب 2: 155 ح 607، الاستبصار 1: 360 ح 1365.

(4) الهامش السابق.

(5) مختلف الشيعة: 130.

41

الثامنة: حكم الأخيرتين في البطلان

بترك الركن إذا تجاوز محله حكم الأوليين في المشهور أيضا.

و قال الشيخ: انما تبطل في الأوليين أو في الصبح أو في ثالثة المغرب، و ان كان في الأخيرتين من الرباعية حذف الزائد و أتى بالفائت، فلو ترك الركوع حتى سجد و لم يذكر حتى صلّى ركعة أخرى أسقط الاولى (1).

و له قول آخر بالتلفيق و ان كان في الأوليين (2) كما هو قول ابن الجنيد و أبي الحسن بن بابويه فيما عدا الأولى، فإنّهما اعتبرا سلامة الاولى لا غير (3).

و الروايات مختلفة، فروى أبو بصير عن الصادق (عليه السلام): «إذا أيقن الرجل انه ترك ركعة من الصلاة، و قد سجد سجدتين و ترك الركوع، استأنف الصلاة» (4) و مثله رواه عن الباقر (عليه السلام) (5) و رواه رفاعة عن الصادق (عليه السلام) (6).

و روى محمد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام) في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع: «فان استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبني على صلاته على التمام، و ان كان لم يستيقن الّا بعد ما فرغ فليقم و ليصل ركعة و سجدتين» (7). و حمل الشيخ هذا على الأخيرتين (8) و لم نقف على موجب هذا الحمل الا ما يظهر من الرواية عن الرضا (عليه السلام): الإعادة في الأوليين

____________

(1) المبسوط 1: 119، التهذيب 2: 149.

(2) الجمل و العقود: 186 (ضمن الرسائل العشر)، الاقتصاد: 265، و النهاية: 88.

(3) حكاه عنهما العلامة في مختلف الشيعة: 129.

(4) التهذيب 2: 148 ح 580، الاستبصار 1: 355 ح 1343.

(5) التهذيب 2: 149 ح 584، الاستبصار 1: 356 ح 1346.

(6) الكافي 3: 348 ح 2، التهذيب 2: 148 ح 581، الاستبصار 1: 355 ح 1345.

(7) الفقيه 1: 228 ح 1006: التهذيب 2: 149 ح 585، الاستبصار 1: 356 ح 1348.

(8) التهذيب 2: 149، الاستبصار 1: 356.

42

و الشك في الأخيرتين (1) و لكنه ليس بصريح في المطلوب.

و اعلم انّ رواية محمد بن مسلم قضيتها التلفيق و لو بعد التسليم؛ لدلالة الفراغ عليه، إذ هو بترك الركوع كأنّه قد ترك الركعة إذ السجدتان لا عبرة بهما، فيكون قد بقي عليه ركعة فيأتي بها.

التاسعة [حكم الأخيرتين حكم الأوليين في البطلان بترك الركن إذا تجاوز محله]

لو نسي سجدة أو التشهد حتى ركع من بعد، قضاهما بعد التسليم و سجد للسهو؛ لرواية علي بن أبي حمزة قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا قمت في الركعتين و لم تتشهد و ذكرت قبل ان تركع فاقعد فتشهد، و ان لم تذكر حتى ركعت فامض في صلاتك، فإذا انصرفت سجدت سجدتي السهو لا ركوع فيهما، ثم تشهد التشهد الذي فاتك» (2).

و روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يفرغ من صلاته و قد انسي التشهد حتى ينصرف، فقال: «إن كان قريبا رجع الى مكانه فتشهد، و الّا طلب مكانا نطيفا فتشهد» (3).

و قال ابنا بابويه و المفيد- في العزية-: يجزي التشهد الذي في سجدتي السهو عن قضاء التشهد المنسي (4)؛ لظاهر رواية ابن أبي حمزة (5)، و لرواية الحسين ابن أبي العلاء عن الصادق (عليه السلام) (6)، و سليمان بن خالد عنه:

ان عليه سجدتي السهو و لم يذكر قضاء التشهد (7). و عن أبي بصير قال: سألته

____________

(1) الكافي 3: 350 ح 4، التهذيب 2: 177 ح 709، الاستبصار 1: 364 ح 1386.

(2) الكافي 3: 357 ح 7، التهذيب 2: 344 ح 1430.

(3) التهذيب 2: 157 ح 617.

(4) الفقيه 1: 233، المقنع: 33، و حكاه عن المفيد و على ابن بابويه العلامة في مختلف الشيعة:

137.

(5) تقدمت في الهامش 2.

(6) التهذيب 2: 158 ح 619، الاستبصار 1: 362 ح 1373.

(7) التهذيب 2: 158 ح 618، الاستبصار 1: 362 ح 1374.

43

عن الرجل ينسى ان يتشهد، قال: «يسجد سجدتين يتشهد فيهما» (1).

لنا: ان سجدتي السهو يجب فيهما التشهد على ما يأتي في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)، و التشهد يجب قضاؤه على ما مرّ في رواية محمد بن مسلم (3)، و الأصل عدم التداخل.

العاشرة: لا فرق بين التشهد الأول و الأخير في التدارك بعد الصلاة،

عند الجماعة في ظاهر كلامهم، سواء تخلّل الحدث بينه و بين الصلاة أو لا. و قال ابن إدريس: لو تخلّل الحدث بين الصلاة و التشهد الأول لم تبطل الصلاة؛ لخروجه عنها بالتسليم. و لو تخلّل بينها و بين التشهد الثاني بطلت؛ لأن قضية السلام الصحيح ان يكون بعد التشهد، فوقوعه قبله كلا سلام، فيكون حدثه قد صادف الصلاة فتبطل (4).

و في هذا الكلام إشكالان: أحدهما على قضية مذهبه، و الثاني على غيره.

أمّا الأول: فلان قضية مذهبه انّ الخروج من الصلاة بالفراغ من التشهد؛ لان التسليم مستحب عنده، فكيف يحكم بالخروج منها بالتسليم؟! و حينئذ يمكن تعليل الفرق بذلك بان يقال: انما يخرج من الصلاة بكمال التشهد، و في صورة نسيانه أخيرا لم يتحقق التشهد فلا يتحقق الخروج، فيكون قد أحدث قبل الخروج.

و أمّا الثاني: فلان التسليم على القول بوجوبه قد وقع مقصودا به الخروج من الصلاة فيكون كافيا، و التشهد ليس بركن حتى يكون نسيانه قادحا في صحة

____________

(1) التهذيب 2: 158 ح 621.

(2) تأتي في ص 95 الهامش 2.

(3) تقدمت في ص 42 الهامش 3.

(4) السرائر: 55.

44

الصلاة.

و في المختلف نازع في تخلّل الحدث إذا نسي التشهد الأول و حكم بإبطاله الصلاة، و حكم بان التسليم وقع في محله و ان نسي التشهد الأخير فتكون الصلاة صحيحة (1).

و قال الصدوق في الفقيه: إن رفعت رأسك من السجدة الثانية في الركعة الرابعة و أحدثت، فإن كنت قد قلت الشهادتين فقد مضت صلاتك، و ان لم تكن قد قلت ذلك فقد مضت صلاتك، فتوضأ ثم عد الى مجلسك و تشهد (2).

و عوّل على رواية عبيد بن زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير، فقال: «تمت صلاته، و انما التشهد سنّة في الصلاة، فيتوضأ و يجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد» (3).

و عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة قبل ان يتشهد، قال: «ينصرف فيتوضأ، فإن شاء رجع الى المسجد، و ان شاء ففي بيته، و ان شاء حيث شاء، قعد فيتشهد و يسلم. و ان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته» (4).

و هذان الحديثان معتبرا الاسناد، و لكن يعارضهما انّ الحدث وقع في الصلاة فيفسدها، و رواية الحسن بن جهم قال: سألته عن رجل صلّى الظهر و العصر فأحدث حين جلس في الرابعة، فقال: «إن كان قال: اشهد ان لا إله اللّٰه و ان محمدا رسول اللّٰه، فلا يعد. و ان كان لم يتشهد قبل ان يحدث فليعد» و الظاهر انه روي عن الامام (5). و فيه دلالة على قول ابن إدريس و على ما عللناه

____________

(1) مختلف الشيعة: 138.

(2) الفقيه 1: 233، المقنع: 33.

(3) الكافي 3: 346 ح 1، التهذيب 2: 318 ح 1300، الاستبصار 1: 342 ح 1290.

(4) الكافي 3: 347 ح 2، التهذيب 2: 318 ح 1301، الاستبصار 1: 343 ح 1291.

(5) الاستبصار 1: 401 ح 1531. و في التهذيب 2: 354 ح 1467 عن أبي الحسن (عليه السلام)، و في 1: 205 ح 596 فيه: (سألته- يعني أبا الحسن (عليه السلام)-).

45

به، الّا ان ظاهر كلام الأصحاب العمل بالبطلان.

الحادية عشرة [حكم الصلاة على النبي و آله صلّى اللّٰه عليهم إذا سها عنها المصلي]

تتدارك الصلاة على النبي و آله صلّى اللّٰه عليهم إذا سها عنها المصلي كما يتدارك التشهد، فان كان في محل تدارك التشهد- أعني قبل الركوع- عاد لها و لا يضرّ الفصل بينها و بين التشهد، و ان كان بعده قضاها بعد التسليم كما يقضي التشهد.

و أنكر ابن إدريس شرعية قضائها (1) لعدم النص.

قلنا: التشهد يقضى بالنص فكذا أبعاضه؛ تسوية بين الجزء و الكل.

و لو كانت الصلاة في التشهد الأخير، أمكن انسحاب كلام ابن إدريس بالبطلان إذا أتى بالحدث أو المنافي؛ لعدم الخروج من الصلاة بدونها.

و وجوب قضاء الصلاة وحدها، مشعر بعدم اشتراط الموالاة في هذه الأذكار عند النسيان.

الثانية عشرة [حكم ما لو ترك السجدة الواحدة ناسيا ثم ذكرها]

لو ترك السجدة الواحدة ناسيا ثم ذكرها قبل الركوع وجب العود كما يذكر، و له أحوال خمسة:

الحالة الاولى: ان يكون قد جلس عقيب السجدة الاولى،

و اطمأن بنيّة انّه الجلوس الواجب. فهذا يعود الى السجود، و لا يحتاج الى الجلوس لانه قد أتى به، فلو جلس لا بنيّة لم يضر، و لو نوى استحبابه أو وجوبه فهو فعل خارج عن الصلاة لا يبطل الّا مع الكثرة.

و قال بعض العامة: لا يكفي الجلوس الأول بل يجب الجلوس هنا، لينتقل عنه الى السجود، كما لو خفّ المريض بعد القراءة قاعدا فإنّه يجب عليه القيام ليركع عن قيام (2).

____________

(1) السرائر: 55. و في ص 51 أوجب القضاء.

(2) راجع: المجموع 4: 119.

46

قلنا: الفرق واضح؛ لأنّ الركوع من قيام لا بد منه مع القدرة عليه و لا يتمّ الا بالقيام فيجب، و لأنّ ناسي السجدة قد أتى بجلسة الفصل، بخلاف المريض فإنه لم يأت بالقيام المعتبر للركوع.

الحالة الثانية: ان يكون قد جلس بنيّة الاستراحة،

بناء على انه توهّم انه سجد السجدتين معا. ففيه احتمالان:

أحدهما: انّه يكتفي به؛ لأنّ قضية نيّة الصلاة الترتيب بين الأفعال، فنيّة الاستراحة لاغية؛ إذ قضية نيّة الصلاة كونها للفصل بين السجدتين.

و الثاني: انه يجلس ثم يسجد؛ لانّه قصد بها الاستحباب فلا يجزئ عن الواجب؛ لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «و انما لكل امرئ ما نوى» (1).

و قد سبق مثل هذين الوجهين فيمن أغفل لمعة في الغسلة الأولى فغسلها في الثانية بقصد الندب (2).

و الوجه الاجتزاء بالجلسة هنا، لقولهم (عليهم السلام) «الصلاة على ما افتتحت عليه» (3). و قد سبق ذكره فيمن نوى الفريضة ثم أتمّها بنيّة النافلة سهوا (4) و هو من باب مفهوم الموافقة.

الحالة الثالثة: ان لا يكون قد جلس أصلا.

و فيه وجهان:

أحدهما:- و هو الذي جزم به الشيخ في المبسوط (5)- انه يخرّ ساجدا و لا يجلس؛ لان القيام يقوم مقام الجلسة بين السجدتين؛ إذ الغرض الفصل

____________

(1) التهذيب 4: 186 ح 519، مسند احمد 1: 25، صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3:

1515 ح 1907، سنن أبي داود 2: 262 ح 2201، الجامع الصحيح 4: 1079 ح 2147، السنن الكبرى 7: 341.

(2) سبق في الطبع الحجري ص 82 المسألة 12.

(3) التهذيب 2: 197 ح 776 و 343 ح 1419.

(4) سبق في 3: 252.

(5) المبسوط 1: 120.

47

بينهما و قد حصل بالقيام.

و الثاني:- و هو مختار الفاضل (1)- وجوب الجلوس؛ لانه من أفعال الصلاة و لم يأت به مع إمكان تداركه، و الفصل بين السجدتين يجب ان يكون بهيئة الجلوس لا بهيئة القيام و غيره. و هذا هو الأقوى.

و يتفرع عليه قضاء السجدة بعد التسليم. و وجوب الجلوس هنا بعيد لفوات الغرض به؛ لانه هناك لتقع السجدتان على الوجه المشروع من الجلوس بينهما. و وجه وجوبه انه واجب في نفسه لا للفصل. و على قول الشيخ لا إشكال.

الحالة الرابعة: ان يكون قد جلس و لكن لم يطمئن.

و لم أر لهم في هذه كلاما، و قضية الأصل وجوب الجلوس و الطمأنينة كما لو لم يجلس، فان الطمأنينة واجبة في الجلوس و لم تحصل، و لا يتصور وجوب طمأنينة مستقلة فوجب الجلوس لتحصيلها، و لا فرق بين ان تكون تلك الجلسة الخالية عن الطمأنينة جلسة الفصل أو جلسة الاستراحة.

الحالة الخامسة: ان يشك هل جلس أم لا؟

و فيه عندي احتمالان:

أحدهما:- و هو الأقوى- انه يجلس؛ لأصالة عدم فعله مع إمكانه كالباقي في محله.

و الثاني: انه لا يجلس؛ لانه شك بعد الانتقال، كما لو شك في أصل السجود بعد القيام فإنّه لا يلتفت على الأقوى، كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

و الفرق بينهما: انّ هذا يجب عليه العود الى حالة القعود و هو إذ ذاك شاك فهو في محله حقيقة.

____________

(1) مختلف الشيعة: 137.

48

فرعان:

أحدهما: جلس فتجدّد عنده شك،

هل فعل السجدة الأولى أو لا؟

فالظاهر الإتيان بها لعين ما قلناه.

الثاني:

إذا رجع لتدارك السجدة أو السجدتين و كان قد تشهد، وجب عليه إعادة التشهد و لا يكون ما فعله أولا صحيحا؛ لوجوب رعاية الترتيب بين أفعال الصلاة؛ لأن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) كان يرتّب دائما و قد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (1) و النسيان عذر في انتفاء الإثم لا في الاعتداد في المأتي به. و هنا يخرّ ساجدا على الأقوى، للاكتفاء بالجلوس للتشهد عن جلسة الفصل.

و كذا إذا قام يجب عليه تدارك ما يلزمه من قراءة أو تسبيح؛ لمثل ما قلناه.

و يتفرع عليه ما لو نسي السجدة الأخيرة و ذكر بعد التشهد، فإنه يأتي بها ثم به على الأقوى.

و لو ذكر بعد التسليم، فعلى القول بوجوبه الأقرب الاجتزاء بقضاء السجدة؛ للحكم بخروجه من الصلاة و صدق الامتثال في التشهد المقتضي للإجزاء؛ مع احتمال وجوب قضائه ضعيفا تحصيلا للترتيب، و يلزم منه وجوب قضاء التشهد الأول لو نسي سجدته و لم يقولوا به.

و على القول بندب التسليم، فان ذكر قبل الإتيان بالمنافي فوجوب استدارك التشهد قوي؛ لأنه في حكم المصلي بعد. و يحتمل عدمه؛ للحكم بخروجه من الصلاة و إتيانه بالمنافي، اعني: التسليم. و ان أتى بالمنافي غير التسليم، و قلنا بعدم تأثيره في الصلاة، قضى السجدة لا غير، و الّا أعاد الصلاة

____________

(1) مسند احمد 5: 53، سنن الدارمي 1: 286، صحيح البخاري 1: 162، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 3: 85 ح 1656، سنن الدار قطني 1: 273، السنن الكبرى 3: 120.

49

من رأس.

تنبيه:

لا يكون القيام مانعا من الرجوع، و لا الشروع في القراءة مانعا من الرجوع أيضا الى السجدة أو السجدتين عندنا. اما الركوع فمانع إجماعا منا في السجدة الواحدة، و لا يجب غير قضاء السجدة الواحدة بعد الصلاة. و لو كانتا اثنتين فقد تقدم الخلاف في التلفيق، و على القول به يلغو الركوع و يجعل السجدتين الآن للركعة السابقة.

الثالثة عشرة: لا تقضى السجدة إلا بعد التسليم،

قاله المرتضى (1) و الشيخان (2) و المعظم (3).

و قال الشيخ أبو الحسن علي بن بابويه في رسالته: و ان نسيت سجدة من الركعة الأولى فذكرتها في الثانية من قبل أن تركع فأرسل نفسك و اسجدها، ثم قم إلى الثانية و ابتدئ القراءة، فإن ذكرت بعد ما ركعت فاقضها في الركعة الثالثة. و ان نسيت سجدة من الركعة الثانية و ذكرتها في الثالثة قبل الركوع فأرسل نفسك و اسجدها، فان ذكرتها بعد الركوع فاقضها في الركعة الرابعة. فإن كانت سجدة من الركعة الثالثة و ذكرتها في الرابعة فأرسل نفسك و اسجدها ما لم تركع، فان ذكرتها بعد الركوع فامض في صلاتك و اسجدها بعد التسليم (4).

و قال المفيد- رحمة اللّٰه- في العزية: إذا ذكر بعد الركوع فليسجد ثلاث سجدات واحدة منها قضاء (5).

____________

(1) جمل العلم و العمل 3: 36.

(2) المقنعة: 24، المبسوط 1: 120، الخلاف 1: 454 المسألة: 198.

(3) راجع: الوسيلة: 100، المعتبر 2: 383، مختلف الشيعة: 131.

(4) حكاه عنهما العلامة في مختلف الشيعة: 131.

(5) حكاه عنهما العلامة في مختلف الشيعة: 131.

50

و كأنهما عوّلا على خبر لم يصل إلينا.

و في صحيح ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام): «إذا نسي الرجل سجدة فليسجدها بعد ما يقعد قبل أن يسلّم» (1). و حمله في المختلف على الذكر قبل الركوع (2) و لك ان تحمله على الإطلاق و لا يكون فيه دلالة على قول هذين الشيخين؛ لأنّ المشهور بين القدماء استحباب التسليم، فيكون هذا قضاء بعد الفراغ من الصلاة.

و المعتمد المشهور؛ لأنّ في ذلك تغييرا لهيئة الصلاة، و حكما بما لم يعلم موجبه.

الرابعة عشرة [حكم أبو الحسن بن بابويه و بعض الأصحاب في ناسي التشهد أو التسليم]

حكم أبو الحسن بن بابويه بأنّ ناسي التشهد أو التسليم، ثم يذكر بعد مفارقة مصلّاه، يستقبل القبلة و يأتي بهما قائما كان أو قاعدا.

و قال بعض الأصحاب: تبطل الصلاة بنسيان التسليم إذا أتى بالمنافي قبله (3).

و الحكمان ضعيفان:

أمّا الأول: فقد تقدم ما في نسيان التشهد، و قضاؤه قائما مشكل لوجوب الجلوس فيه.

و أمّا الثاني: فلان التسليم ليس بركن، فكيف تبطل الصلاة بفعل المنافي؟! فإن قال: هذا مناف في الصلاة؛ لأنا نتكلم على تقدير انّ التسليم واجب.

قلنا: هذا انما يتم بمقدمة أخرى، و هي: انّ الخروج لا يتحقق الّا به،

____________

(1) التهذيب 2: 156 ح 609، الاستبصار 1: 360 ح 1366.

(2) مختلف الشيعة: 131.

(3) الناصريات: 231 المسألة 82.

51

و لا يلزم من وجوبه انحصار الخروج الشرعي من الصلاة فيه، و قد سبق ذلك في بابه.

الخامسة عشرة [في مواضع يغتفر زيادة الركن سهوا]

قد بيّنا ان زيادة الركن مبطلة و ان كان سهوا، و يغتفر ذلك سهوا في مواضع.

منها: في صورة الائتمام إذا سبق المأموم ثم عاد إلى المتابعة، كما يأتي إن شاء اللّٰه.

و منها: لو زاد قياما سهوا إذا جعلنا صورة القيام كيف اتفق ركنا.

و منها: لو تبيّن المحتاط ان صلاته كانت ناقصة و ان الاحتياط مكمل لها، فإنها مجزئة على الصحيح، سواء كان ذكره بعد فراغ الاحتياط أو في أثنائه على الأقوى، و قد وقعت هنا تكبيرة منوي بها الإحرام زائدة. و كذلك لو نقص من صلاته ثم ذكر و قد شرع في أخرى، و لما يأت بينهما بالمنافي، فإن المروي العدول إلى الاولى و ان وقعت تكبيرة الإحرام (1).

و منها: لو استدرك الركوع لشكه فيه في محله ثم ذكر قبل رفع رأسه، على ما ذكره الشيخ (2) و المرتضى (3) و جماعة منهم: أبو الصلاح (4) و ابن إدريس (5). و هو قوي؛ لأنّ ذلك و ان كان بصورة الركوع و منويا به الركوع الّا انّه في الحقيقة ليس بركوع؛ لتبيّن خلافه، و الهوي إلى السجود مشتمل عليه و هو واجب فيتأدّى الهوي إلى السجود به، فلا تتحقق الزيادة حينئذ، بخلاف ما لو ذكر بعد رفع رأسه من الركوع، فإن الزيادة حينئذ محققة؛ لافتقاره إلى هوي الى السجود.

____________

(1) الاحتجاج: 488.

(2) المبسوط 1: 122.

(3) جمل العلم و العمل 3: 36.

(4) الكافي في الفقه: 118.

(5) السرائر: 53.

52

فإن قلت: قال عليه الصلاة السلام: «و انما لكل امرئ ما نوى» (1) و هذا قد نوى الركوع فكيف يصرف الى غيره؟ و لأن الطمأنينة فيه أمر وراء الهوي فتشخص بها الركوع، فتتحقق الزيادة حينئذ فيدخل تحت رواية منصور بن حازم و عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام): «لا يعيد الصلاة من سجدة، و يعيدها من ركعة» (2).

قلت: نيّة المصلي ابتداء اقتضت كون هذا الهوي للسجود، و هي مستدامة و المستدام بحكم المبتدأ فيعارض النيّة الطارئة، فيرجّح الاولى عليها لسبقها، و لكون النيّة الثانية في حكم السهو. و لهذا أجمعنا على انّه لو أوقع أفعالا بنيّة ركعة معينة من الصلاة فتبيّن انه في غيرها صحت صلاته، مع ان الترتيب بين الافعال واجب. و قد سلف انّه لو دخل في صلاة بنيّة الفرض، ثم عزبت عنه الى النفل سهوا و أتمّها بنيّة النفل، كانت صحيحة (3).

و اما الطمأنينة فليست بركن فلا تضر زيادتها.

و اما الحديث فظاهره الركعة بتمامها. سلمنا انّه أراد به الركوع، و لكن في صورة تحقّق زيادته و هي هنا غير محققة.

و قال الفاضلان: يعيد الصلاة (4).

و أطلق ابن أبي عقيل انّه إذا استيقن بعد ركوعه الزيادة يعيد الصلاة (5).

و لقائل أن يقول: جميع ما عددتم من الصور نمنع تسميتها أركانا.

____________

(1) التهذيب 4: 186 ح 519، مسند احمد 1: 25، صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3:

1515 ح 1907، سنن أبي داود 2: 262 ح 2201، الجامع الصحيح 4: 1079 ح 2147.

السنن الكبرى 7: 341.

(2) التهذيب 2: 156 ح 610، 611.

(3) تقدم في 3: 252.

(4) المعتبر 2: 390، تذكرة الفقهاء 1: 136، مختلف الشيعة: 129.

(5) حكاه عنه المحقق في المعتبر 2: 390، و العلامة في مختلف الشيعة: 129.

53

فنقول: هي بصور الأركان، و قد وقع النزاع في بعضها للتعليل بركنيتها، أي انّ القائل ببطلان الصلاة علّل بالركنية.

54

المطلب الثالث: في الشك.

و فيه مسائل:

الأولى [هل يبني على أحد طرفي ما شك فيه لو غلب على ظنه]

لو غلب على ظنه أحد طرفي ما شك فيه بنى عليه؛ لأنّ تحصيل اليقين عسر في كثير من الأحوال فاكتفي بالظن؛ تحصيلا لليسر، و دفعا للحرج و العسر.

و روى العامة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله): «إذا شك أحدكم في الصلاة، فلينظر أحرى ذلك الى الصواب، فليبن عليه» (1).

و عن الصادق (عليه السلام)- بعدّة طرق-: «إذا وقع و همك على الثلاث فابن عليه، و ان وقع و همك على الأربع فسلم و انصرف» (2).

و لا فرق بين الشك في الافعال و الاعداد، و لا بين الأوليين و الأخيرتين في ذلك.

و يظهر من كلام ابن إدريس انّ غلبة الظن تعتبر فيما عدا الأوليين، و ان الأوليين تبطل الصلاة بالشك فيهما و ان غلب الظن (3). فان أراده فهو بعيد، و خلاف فتوى الأصحاب، و تخصيص لعموم الأدلة.

الثانية: لا حكم للشك مع الكثرة؛

دفعا للحرج و لصحيح محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، قال: «إذا كثر عليك السهو، فامض على صلاتك، فإنه يوشك ان يدعك (4) الشيطان» (5) و في معناه رواية زرارة و أبي

____________

(1) تقدم صدره في ص 33 الهامش 8.

(2) الكافي 3: 353 ح 7، التهذيب 2: 184 ح 733 عن عبد الرحمن بن سيابة و أبي العباس، و فيهما «رأيك» بدل «و همك» في كلا الموضعين.

و سيأتي في ص 76 الهامش 1.

(3) السرائر: 53.

(4) في المصادر زيادة: «انما هو من».

(5) الكافي 3: 359 ح 8، الفقيه 1: 224 ح 989، التهذيب 2: 343 ح 1424.