استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار - ج2

- الشيخ البهائي المزيد...
465 /
5

[تتمة كتاب الطهارة]

قال:

أبواب ما ينقض الوضوء و ما لا ينقضه

باب النوم

[الحديث 1 و 2 و 3]

أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسىٰ، عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينام و هو ساجد، قال: «ينصرف و يتوضّأ».

و بهذا الاسناد عن حماد، عن عمر بن أُذينة و حريز، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك أو النوم».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله)-: عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن محمد ابن عبيد اللّٰه و عبد اللّٰه بن المغيرة، قالا: سألنا الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينام علىٰ دابّته، فقال: «إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء».

السند

في الأوّل: عثمان بن عيسىٰ، و سماعة، و قد تكرر القول فيهما (1).

____________

(1) راجع ج 1 ص 70 72، 363، 108 111، 332.

6

و الثاني: كما ترى كان الأولىٰ أن يقال فيه: و بهذا الاسناد عن الحسين ابن سعيد عن حماد، و هو معتبر كما لا يخفىٰ.

و الثالث: فيه محمد بن قولويه، و قد كرّرنا أيضا القول فيه (1)؛ و محمد بن عبيد اللّٰه لا يخلو من اشتباه، إلّا أنّ عبد اللّٰه بن المغيرة الراوي معه يغني عن تحقيق الحال فيه، لولا محمد بن قولويه.

المتن:

الأخبار الثلاثة تدل علىٰ أنّ النوم ناقض، و الإجماع مدعى علىٰ ذلك (2)، و خلاف الصدوق (3) لا يضر بالحال إن تحقق الإجماع، لجواز كونه بعده، إذ لا يشترط في الإجماع جميع الأعصار و لا حاجة حينئذ إلىٰ القول بأنّه معلوم النسب، ليتوجه عليه ما قاله الوالد (قدس سره) من جواز المشارك- (4) نظراً إلىٰ أن مدعي الإجماع بعد وجود خلاف الصدوق يعلم أنّه غير متبع لأقوال العلماء، حيث لم يصرح بخلاف الصدوق، و أنّه غير قادح، و إن كان في هذا بحث، إلّا أنّ الضرورة بعد ما ذكرناه غير داعية إلىٰ بيان الوجه.

ثم إنّ الحديث الثاني قد أُوردت عليه أُمور:

الأوّل: أنّ مقتضاه حصر الناقض في الخارج و النوم، مع حصوله بالسكر و الإغماء إجماعا.

____________

(1) راجع ج 1 ص 111 113.

(2) كما في السرائر 1: 107، و المعتبر 1: 109، و التذكرة 1: 102.

(3) الفقيه 1: 38/ 143 و 144، المقنع: 4، و حكاه عن والد الصدوق في المختلف 1: 89.

(4) انظر منتقىٰ الجمان 1: 128 و 129.

7

الثاني: أنّه يقتضي كون مطلق الخارج ناقضا، لأنّ «ما» من أدوات العموم.

الثالث: أنّ قصر النقض علىٰ الخارج من الطرفين يقتضي أنّ الخارج من أحدهما غير ناقض.

و أُجيب عن الأوّل: بأنّ حكم السكر و الإغماء مستفاد من حكم النوم من باب التنبيه.

و عن الثاني: بأنّ الموصول كما يجيء للعموم يجيء للعهد، و المعهود هنا المتعارف.

و عن الثالث: بأنّ المراد بالطرفين كل واحد منهما لا هما معاً، لامتناع خروج خارج منهما معاً (1).

و في الجواب عن كل نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ استفادة الإغماء و السكر من باب التنبيه لا يدفع الإشكال في الحصر، علىٰ أنّ في دلالة المفهوم بحث ذكرناه سابقاً.

و أمّا الثاني: فلأنّ المتعارف لا ينافي إرادة العموم من الموصول، غير أنّه عموم في المتعارف، فإن أُريد هذا فالجواب غير واف، بل ظاهره خلاف ذلك، و إن أُريد غيره فلا يخفىٰ ما فيه. و قد يجاب عن هذا بأنّ المراد يعلم منه.

و أمّا الثالث: فالمراد من الطرفين كما يحتمل ما أراده المُجيب، يحتمل أن يراد خروج كل من البول و الغائط معاً، و الحال أنّه غير معتبر، و الجواب عن هذا غير بعيد أيضاً، إلّا أنّ كلام المجيب غير واف.

____________

(1) انظر المدارك 1: 146.

8

ثم ما ادعاه المعترض من الإجماع علىٰ الإغماء و السكر إن تمّ يقتضي أنّ الحصر في الخبر إضافي و لا مانع منه، كيف؟ و النواقض غير محصورة فيما ذكر كما هو واضح.

و ما تضمنه الخبر الثالث من قوله: حتى يذهب العقل، قيل: إنّه يلوح منه أنّ كلّ ما يذهب العقل من سكر أو جنون أو إغماء فهو ناقض (1).

و غير خفي أنّ هذا يدفع الاستدلال بمفهوم الموافقة، بل يصير من باب العلة المنصوصة أن عدّيناها إلىٰ كل ما توجد فيه، و في هذا بحث ليس هذا محله، إلّا أنّ القائل بتعدّي المنصوصة لا مجال لإنكاره الاستدلال بهذا الخبر علىٰ الإغماء و السكر علىٰ ما يظهر، فما في الحبل المتين من أنّ للكلام في دلالة الحديث المتضمن لنحو هذا مجالًا- (2) غير واضح الوجه.

و ما يستفاد من الخبر الثاني: أنّه لا ينقض إلّا ما خرج من الطرفين، قد يدل علىٰ أنّ غير الطرفين إذا خرج منه المتعارف لا ينقض، إلّا أنّ الغير إذا صار معتاداً لا خلاف فيه، فالأمر فيه سهل. و بدون الاعتياد محل بحث، و قد ذكرته في محل آخر، و الذي يناسب المقام ما ذكرناه.

[الحديث 4 و 5]

قال: و بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن محمد بن أبي عمير، عن إسحاق بن عبد اللّٰه الأشعري، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا ينقض الوضوء إلّا حدث، و النوم حدث».

و أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ،

____________

(1) كما في حبل المتين: 28.

(2) الحبل المتين: 30.

9

عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن عمران بن موسى، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن أبيه، عن (1) عبد الحميد بن عواض، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «من نام و هو راكع أو ساجد أو ماش علىٰ أيّ الحالات فعليه الوضوء».

السند:

في الأوّل كما ترى رواية أحمد بن محمد بن عيسىٰ عن ابن أبي عمير و أظنها مستبعدة، لأن الغالب روايته عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، و لعل الغالب لا يضر بالحال مع تحقق الإمكان.

و عمران بن موسى في الثاني ثقة.

و أمّا الحسن بن علي بن النعمان: فإن النجاشي قال فيه: الحسن بن علي بن النعمان مولى بني هاشم، أبوه علي بن النعمان الأعلم ثقة (2).

و قد قيل: إن التوثيق محتمل أن يكون للأب و للابن، و مع الاحتمال لا يثبت توثيقه (3).

و في ظني أن التوثيق للابن، لأن النجاشي وثّق الأب في بابه (4)، و من عادة النجاشي أنّه إذا وثّق الأب مع الابن لا يعيد التوثيق مع ذكر الأب في كثير من الرجال علىٰ ما رأيت، و احتمال النادر و الإلحاق به فيما نحن فيه بعيد.

____________

(1) في نسخة من الاستبصار: 79/ 247: عن أحمد بن عبد الحميد.

(2) رجال النجاشي: 40/ 81.

(3) حكاه في الحاوي 1: 278 عن بعض مشايخه المعاصرين.

(4) رجال النجاشي: 274/ 719.

10

و شيخنا المحقق سلمه اللّٰه في كتاب الرجال قال: و ربما استفيد توثيقه يعني الحسن من وصف كتابه بأنه صحيح الحديث، و فيه نظر، ثمّ وجّهه بأن وصف الكتاب بكونه صحيح الحديث إنّما يقتضي الحكم بصحة حديثه إذا علم أنّه من كتابه لا الحكم بصحة حديثه مطلقا، كما هو مقتضىٰ التوثيق (1).

و الأمر كما قال سلمه اللّٰه و ذكر أيضاً نحو ما قلناه من جهة الأب و الاحتمال (2)، و الحق أحق أن يتبع.

و أمّا عبد الحميد بن عواض فهو ثقة، ذكره الشيخ في رجال الكاظم (عليه السلام)، و قال إنّه من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3)، ثم إن العلّامة: ضبطه عواض بالضاد المعجمة (4) و ابن داود قال: بالغين و الضاد المعجمتين (5).

المتن: في الأوّل ظاهر الدلالة علىٰ أن النوم ناقض، أمّا دلالته علىٰ أن كل نوم ناقض فلا يخلو من خفاء، و قد حاول العلّامة في المختلف ذلك علىٰ ما أظن فقال:

لا يقال: لا يصح التمسك بهذا الحديث، فإن الصغرىٰ قد اشتملت علىٰ عقدي إيجاب و سلب، و انتظام السالبة مع الكبرى لا ينتج لعدم اتحاد

____________

(1) منهج المقال: 105.

(2) منهج المقال: 105.

(3) رجال الطوسي: 353/ 6.

(4) خلاصة العلّامة: 116/ 1.

(5) رجال ابن داود: 127/ 940.

11

الوسط، و الموجبة أيضا كذلك، فإنّ الموجبتين في الشكل الثاني عقيم، فإن جعل عكسها كبرىٰ منعنا كلّيتها.

لأنّا نقول: إنّه (عليه السلام) في المقدمة الأُولىٰ نفىٰ النقض عن غير الحدث، و في الثانية حكم بأنّ النوم حدث، فنقول: كل واحد من الأحداث فيه جهتا اشتراك و امتياز، و ما به الاشتراك و هو مطلق الحدث مغاير لما به الامتياز و هو خصوصية كل واحد من الأحداث، و لا شك في أن تلك الخصوصيات ليست إحداثا، و إلّا لكان ما به الاشتراك داخلا فيما به الامتياز، و ذلك يوجب التسلسل، فإذا انتفت الحدثية عن المميزات لم يكن لها مدخل في النقض، و إنّما يستند النقض إلىٰ المشترك الموجود في النوم علىٰ ما حكم به في المقدمة الثانية، و وجود العلة يستلزم وجود المعلول فيثبت النقض في النوم و هو المراد (1). انتهىٰ.

و قد ذكرت ما يتوجه عليه في حاشية التهذيب، و الذي يمكن أن يقال هنا بعد ذلك: إن الجواب لا يدفع السؤال. إذ مرجع السؤال إلىٰ أن انتظام السالبة مع الكبرى لا ينتج لعدم اتحاد الوسط، و الجواب إذا تأمله المتأمل لا يفيد تماميته، بل علىٰ ما يظهر أنّه عدول من الاستدلال بصورة الشكل إلىٰ وجه آخر، و فيه تأمل، لأن العلة غير مسلمة، إذ لا يلزم من استناد النقض إلىٰ المشترك أنّه كلما وجد وجد النقض كما هو لازم العلة، و كون النوم ناقضاً في الجملة لا ينكر استفادته من الحديث بدون ما قاله، بل من الوجه الذي يأتي عن الوالد (قدس سره).

أمّا (2) علىٰ ما ذكره بعض محققي المتأخرين، من أن استلزام

____________

(1) المختلف 1: 90.

(2) في «رض»: لا.

12

المطلوب لا يتوقف علىٰ استجماع شرائط القياس، كما قالوه في قولنا: زيد مقتول بالسيف و السيف آلة حديدية فإنه لا شك في إنتاجه: زيد مقتول بآلة حديدية (1). فإن فيه نوع بحث، إذ لا ينتج النتيجة المذكورة إلّا بعد ملاحظة شرائط الشكل في الاعتبار، و إن لم يكن في اللفظ، كما صرح به بعض المحققين في قياس المساواة، و تخيل أنّه استدلال بالسبب علىٰ المسبب يدفعه ما ذكرناه في العلة بتقدير التمامية.

و الحق أن دلالة الحديث علىٰ نقض (2) النوم من الوجه الذي ذكره الوالد (قدس سره)- (3)، و هو أن المقصود من الخبر نفي الناقضية عما ليس بحدث من مثل النخامة و تقليم الظفر، كما يقوله أهل الخلاف، و لمّا كان النوم لا يخلو من خفاء في صدق الحدث عليه أظهره (عليه السلام)، و حينئذ فدلالته علىٰ نقض النوم لا يرتاب فيها، أمّا دلالته علىٰ أن كل نوم ناقض فالمنع متوجه إليها.

و ما قيل فيه من أنّه يجوز أن يجعل الحدث في الصغرىٰ بمعنى كل حدث، كما قالوه في قوله تعالىٰ «عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ» (4) فيصير في قوة قولنا، كل حدث ناقض، و يؤول إلىٰ الشكل الرابع، فينتج بعض الناقض نوم، و إمّا أن يجعل الصغرىٰ كبرىٰ و بالعكس فيكون من الشكل الأوّل- (5) فله وجه أيضاً، إلّا أنّه ظاهر التكلف.

فإن قلت: من أين علم أو ظنّ أنّ غرض العلّامة الاستدلال علىٰ أن

____________

(1) كالشيخ البهائي في الحبل المتين: 29.

(2) في «فض» و «رض»: بعض.

(3) منتقىٰ الجمان 1: 128.

(4) الانفطار: 5.

(5) كما في الحبل المتين: 29.

13

كل نوم ناقض؟ و غاية ما يستفاد من (1) كلامه أن النوم ناقض.

قلت: من قوله: و وجود العلة يستلزم وجود المعلول، إذ لا معنىٰ لكون الحدث علّة إلّا أنّه كلّما (تحقق الحدث) (2) تحقق النقض، و العلة موجودة في النوم كيف حصل.

فإن قلت: هذا لازم للدليل لا أنّه مقيد به، بل يجوز أن يكون استدلاله لناقضية النوم من حيث هو.

قلت: لو كان المقصود هذا كان ذكره العلّة خالياً عن الفائدة كما لا يخفىٰ. و قد يمكن توجيه عدم إرادة ما ذكرناه، إلّا أنّ الظاهر ما قلناه، و غيره لا يخلو من تكلف، فليتأمل.

و ما تضمنه الخبر الثاني من قوله: «علىٰ أي الحالات» كما يحتمل الشمول لجميع حالات النوم فيندفع به قول الصدوق (3)؛ يحتمل أن يراد الحالات المذكورة في الحديث، فلا يتم الاستدلال به علىٰ أن النوم ناقض في جميع الأحوال، إلا أن يدّعىٰ ظهور الاحتمال الأوّل، و كأن الشيخ فهم ذلك منه، ليتحقق التعارض في الخبرين الآتيين، (إلّا أن يقال: إن إطلاق الأخبار السابقة كافٍ في تحقق التعارض، و فيه كلام) (4).

و بالجملة: فالخبران الآتيان لو صحا أمكن الاستدلال بهما علىٰ قول الصدوق في الجملة.

____________

(1) في «فض» زيادة: صورة الشكل الرابع حينئذٍ: الناقض حدث و النوم حدث، و لا بُدّ من كليّة الصغرىٰ، لأنّ تركه من المؤخّر يتوقّف عليها ليرد إلىٰ الأوّل. و يقال: أنّ كلّية الصغرى لموافقة الحكمة، فتأمّل.

(2) ما بين القوسين ليس في «فض».

(3) المتقدم في ص 6.

(4) ما بين القوسين ليس في «فض».

14

[الحديث 6 و 7 و 8]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن العباس، عن شعيب (1)، عن عمران بن حمران، أنّه سمع عبداً صالحاً يقول: «من نام و هو جالس لا يتعمد النوم فلا وضوء عليه».

و ما رواه سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن علي ابن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن أبي بكر الحضرمي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، هل ينام الرجل و هو جالس؟ فقال: «كان أبي يقول: إذا نام الرجل و هو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، و إذا نام مضطجعاً عليه الوضوء».

و ما جرىٰ مجرى هذين الخبرين ممّا ورد يتضمن نفي إعادة الوضوء من النوم لأنّها كثيرة لم نذكرها لأن الكلام عليها واحد، و هو أن نحملها علىٰ النوم الذي لا يغلب علىٰ العقل و يكون الإنسان معه متماسكاً ضابطاً لما يكون منه.

و الذي يدل علىٰ هذا التأويل:

ما أخبرني به الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد (2)، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ و الحسين بن الحسن بن أبان جميعاً، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضل (3)، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يخفق

____________

(1) كذا في النسخ، و في الاستبصار: أبي شعيب.

(2) في «فض» و «رض»: محمد بن أحمد.

(3) في الاستبصار 1: 80/ 250: الفضيل.

15

و هو في الصلاة، فقال: «إن كان لا يحفظ حدثاً منه إن كان فعليه الوضوء و إعادة الصلاة، و إن كان يستيقن أنّه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا إعادة».

السند

في الأوّل: لا ريب أن العباس هو ابن معروف، و قد تكرر ذكره في الأخبار مبينا (1)، و أمّا شعيب فهو مشترك (2)، و ربما يقرب احتمال كونه الثقة، إلّا أن الجزم به محل تأمل؛ و عمران بن حمران مهمل في الرجال (3).

و الثاني: ليس فيه إلّا بكر بن أبي بكر الحضرمي، و هو مهمل في الرجال (4)، و أمّا علي بن الحكم فهو متعين كونه الثقة بقرينة رواية أحمد بن محمد بن عيسىٰ عنه.

و الثالث: فيه محمد بن الفضل في أكثر النسخ و في بعضها ابن الفضيل مصغراً.

و ذكر شيخنا المحقق: سلّمه اللّٰه في فوائده علىٰ الكتاب أن ابن المصغّر ضعيف و غيره ثقة، و ربما يوجّه الاتحاد. انتهىٰ.

و ما قاله سلمه اللّٰه من أن محمد بن الفضيل ضعيف و غيره ثقة محل كلام، لأن كليهما في الرجال مشترك بين من وثّق و غيره (5)، و لعلّه فهم من القرائن ما قاله، و هو أعلم.

____________

(1) راجع ج 1 ص 276، 377.

(2) هداية المحدثين: 79. و تقدم في ص 13: عن الإستبصار: أبو شعيب.

(3) رجال النجاشي: 292/ 786.

(4) رجال الطوسي: 157/ 39.

(5) هداية المحدثين: 249.

16

المتن:

ما ذكره الشيخ في الأولين قد يستبعد، سيّما في الثاني، بأن وصف الاجتماع و الجلوس لا خصوصيّة له، إلّا أن يقال: إن الأغلب فيمن فيه الوصف عدم النوم الحقيقي.

و ما ذكره من الخبر الدال علىٰ مطلوبه لا يشكل بأنه يقتضي كون النوم ليس ناقضاً بذاته، لأن الظاهر إرادة الأثر من الحدث.

و ما تضمنه الخبر الثاني: من قوله: هل ينام الرجل. كأن المراد به هل يتحقق منه النوم الناقض؟.

اللغة:

قال في النهاية: في الحديث: كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، أي ينامون حتى تسقط أذقانهم علىٰ صدورهم و هم قعود (1). و لا يخفىٰ عدم موافقته الإرادة من الخبر إلّا بتكلف، و لعله يستعمل في غير ذلك، كما نقل أنّه يقال: خفق فلان حرّك رأسه إذا نعس (2)، غير أنّي لم أقف علىٰ مأخذه.

[الحديث 9 و 10]

قال: و بهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن (3)

____________

(1) النهاية لابن الأثير 2: 56 (خفق).

(2) القاموس المحيط 3: 235 (الخفيق).

(3) في الاستبصار 1: 80/ 251 يوجد: عمر.

17

ابن أُذينة، عن ابن بكير، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قوله تعالىٰ «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» (1) ما يعني بذلك إذا قمتم إلىٰ الصلاة؟ قال: «إذا قمتم من النوم» قلت: ينقض النوم الوضوء؟ قال: «نعم إذا كان يغلب علىٰ السمع و لا يسمع الصوت».

و بهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن الحسين ابن عثمان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن زيد الشحام، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الخفقة و الخفقتين، قال: «ما أدري ما الخفقة و الخفقتان، إن اللّٰه تعالىٰ يقول «بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (2) إن علياً (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم فإنما أوجب عليه الوضوء».

السند

في الأوّل: موثّق علىٰ قول الشيخ في عبد اللّٰه بن بكير إنّه ثقة و فطحي (3)، و النجاشي: لم يذكر الأمرين (4).

و في الثاني: لا ريب فيه علىٰ ما سبق بيانه.

المتن:

صريح الأوّل إذا عملنا به أن المراد بالآية القيام من النوم، و قد وقع

____________

(1) المائدة: 6.

(2) القيامة: 14.

(3) الفهرست: 106/ 452.

(4) رجال النجاشي: 222/ 581.

18

للعلّامة في المنتهىٰ ما يوجب التعجب، و هو أنّه في أول الكتاب استدل بالآية علىٰ أن المراد بها إرادة القيام (1)، و في بحث النوم استدلّ بها علىٰ نقض النوم (2)، و التنافي واضح، و شيخنا (قدس سره)-: فعل في المدارك نحو ذلك (3)، إلّا أنّه جعلها في النوم مؤيدة (4)، و لا يخفىٰ عليك الحال.

و أمّا الخبر الثاني فظاهره لا يخلو من إجمال، إذ الضابط عسر الحصول، و لعلّ يقين الطهارة إذا كان لا يزول إلّا مع يقين النوم فما لم يتحقق فالأصل البقاء.

و ما يتضمنه من أن مجرد النوم يوجب الوضوء قد يستفاد منه أن الوضوء واجب لنفسه كما نقله في الذكرى عن بعض (5)، و له مؤيدات من الأخبار.

و ما روي صحيحاً من أنّه: «إذا دخل الوقت وجب الصلاة و الطهور» (6) لا ينافي ذلك، لأن المركب ينتفي بانتفاء أحد جزئية، إلّا أن له أيضاً مؤيدات، و لا خروج عما عليه الأصحاب المشهورون، فليتأمّل.

و ينبغي أن يعلم أن شيخنا (قدس سره)-: بعد أن نقل أن المعروف بين الأصحاب كون الوضوء إنّما يجب بالأصل عند اشتغال الذمة بمشروط به، فقبله لا يكون إلّا مندوباً، تمسكاً بمفهوم قوله تعالىٰ:

____________

(1) لم نعثر عليه فيه.

(2) المنتهىٰ 1: 33.

(3) مدارك الأحكام 1: 9.

(4) مدارك الأحكام 1: 145.

(5) الذكرى 1: 196.

(6) الفقيه 1: 22/ 67، التهذيب 2: 140/ 546، الوسائل 1: 372 أبواب الوضوء ب 4 ح 1.

19

«إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» (1) الآية، و ليس المراد نفس القيام، و إلّا لزم تأخير الوضوء عن الصلاة و هو باطل، بل المراد: إذا أردتم القيام؛ اعترض عليه: بأن مقتضىٰ الآية الشريفة ترتب الأمر بالغَسل و المسح علىٰ إرادة القيام، و الإرادة تتحقق قبل الوقت و بعده، إذ لا يعتبر فيها المقارنة للقيام، و إلّا لما وجب الوضوء في أول الوقت علىٰ من أراد الصلاة في آخره (2).

و في نظري القاصر أن الاعتراض غير متوجه، لأن القيام إلىٰ الصلاة إذا امتنع إرادته من الآية ينبغي أن يصار إلىٰ أقرب المجازات، كما هو مقرر، و لا ريب أن الوضوء بعد دخول الوقت أقرب من الوضوء قبله، و قوله: (قدس سره) إنّه لو اعتبرت المقارنة إلىٰ آخره، فيه: أنّه لا ملازمة، و بتقدير اللزوم فالخروج بالإجماع كاف.

[الحديث 11 و 12]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن العباس، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن عذافر، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل هل ينقض وضوءه إذا نام و هو جالس؟ قال: «إن كان يوم الجمعة فلا وضوء عليه، و ذلك أنّه في حال ضرورة».

فهذا الخبر محمول علىٰ أنّه لا وضوء عليه و لكن عليه التيمم، لأن ما ينقض الوضوء لا يختص بيوم الجمعة دون غيرها، و الوجه فيه أنّه يتيمم و يصلي، فإذا انفضّ الجمع توضأ و أعاد الصلاة، لأنه ربما لم يقدر علىٰ الخروج من الزحمة.

____________

(1) المائدة: 6.

(2) مدارك الأحكام 1: 9 و 10.

20

و الذي يدل علىٰ ذلك:

ما أخبرني به الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن العباس بن معروف، عن عبد اللّٰه (1)، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام)، أنّه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة النّاس يحدث، قال: «يتيمم و يصلي معهم و يعيد إذا انصرف».

السند:

في الأوّل، العبّاس فيه (2) هو ابن معروف، لتكرره في مثل هذا السند مبيّناً، و محمد بن إسماعيل في الظن أنّه ابن بزيع (3).

المتن:

لا يبعد حمله علىٰ التقية بمعنى أن من حصل له النوم و هو جالس

____________

(1) في نسخة من الإستبصار 1: 81/ 254 زيادة: ابن المغيرة.

(2) في «د» زيادة: علىٰ الظاهر عند الولد (قدس سره).

(3) في «د» زيادة: لأنّ الشيخ في الفهرست (: 148/ 627) ذكر أنّه الراوي عن محمّد ابن عذافر، و باقي رجاله لا ارتياب فيهم بعد ما قدّمناه في أحمد بن محمّد بن يحيىٰ، لأنّه في الطريق إلىٰ محمّد بن علي بن محبوب في المشيخة (الاستبصار 4: 324، مشيخة التهذيب 10: 72) و قد روىٰ الشيخ في الفهرست (: 145/ 613) جميع كتب محمّد بن علي بن محبوب و رواياته بطرق منها: عن محمّد بن علي بن الحسين عن أبيه و محمّد بن الحسن عن أحمد بن إدريس، و هذا الطريق ليس محل كلام بتقدير احتمال القول في أحمد بن محمّد بن يحيىٰ.

21

يوم الجمعة في المسجد لا يعيد الوضوء، خوفاً من إنكارهم علىٰ ذلك، و يكون قوله: «لأنه حال ضرورة» يراد به الخوف.

نعم: قد يتوجه عليه أنّ الاعتذار بعدم الوضوء ممكن، إلّا أن يقال: إنّ قبول هذا من أهل الخلاف غير معلوم، و لعل الحمل المذكور أولىٰ من حمل الشيخ، و إن أمكن أن يوجّه التيمم بأنّه أولىٰ من الصلاة بغيره، و إن كان في البين إشكال.

أمّا ما اعترض به شيخنا (قدس سره) في المدارك، بعد نقله عن النهاية و المبسوط القول بالتيمم إذا منعه الزحام عن الخروج، قائلًا: إنّه ربما كان مستنده رواية السكوني، و هي ضعيفة السند جدّاً، ثم قوله (قدس سره)-: و الأجود عدم الإعادة، لأنه صلّىٰ صلاة مأموراً بها، إذ التقدير عدم التمكن من استعمال الماء قبل فوات الجمعة (1). ففيه نظر:

أمّا أوّلًا: فلأن رواية السكوني و إن كانت ضعيفة إلا أن ما نقله هنا من رواية ابن سنان لا يخلو من اعتبار، و الجمع بينهما و بين الأخبار الدالة علىٰ نقض الوضوء بالنوم يحتاج إلىٰ ما قاله الشيخ، فعدم الالتفات إلىٰ ذكر مثل هذا لا يخلو من شيء.

و أمّا ثانياً: فلأن رواية السكوني إذا رُدّت بالضعف، فجواز التيمم و الحال هذه مع عدم التمكن من الماء و صحة الصلاة يقتضي أنّ الجمعة صحيحة، و الجمعة المذكورة في رواية السكوني ظاهرها أنّها مع أهل الخلاف، فلو كانت مع غيرهم فالضرورة بعيدة، إلّا أن يقال بالإمكان، و هو كاف.

____________

(1) مدارك الاحكام 2: 240، و هو في النهاية: 47، و المبسوط 1: 31.

22

باب الديدان

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله)-، عن أحمد بن محمد (عن أبيه) (1)، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن (2) الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل يسقط منه الدواب و هو في الصلاة، قال: «يمضي علىٰ صلاته و لا ينقض ذلك وضوءه».

عنه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن ظريف- [يعني (3)] ابن ناصح عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد اللّٰه ابن يزيد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «ليس في حَبّ القَرْع و الديدان الصغار وضوء، إنّما هو بمنزلة القمل (4)».

السند

ليس في الأوّل: بعد ما قدمناه إلّا الإرسال.

و الثاني: فيه عبد اللّٰه بن يزيد، و هو مشترك بين مهملين في الرجال (5)، و غيره قد كرّرنا القول فيه.

____________

(1) ليس في «فض».

(2) في النسخ: و، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 81/ 255.

(3) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار 1: 82/ 256.

(4) في الاستبصار 1: 82/ 256: ما هو إلّا بمنزلة.

(5) رجال الطوسي: 266/ 61 و 62.

23

المتن:

واضح الدلالة، و حَبّ القَرْع نوع من الدود يتولد في الإنسان و غيره.

[الحديث 3 و 4]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن أخي فضيل (1)، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: قال في الرجل يخرج منه مثل حَبّ القَرْع قال: «عليه وضوء».

فالوجه فيه أن نحمله علىٰ أنّه إذا كان متلطّخا بالعذرة و لا يكون نظيفاً.

و الذي يدل علىٰ هذا التفصيل:

ما أخبرني به الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه، عن (محمد بن أحمد) (2) بن يحيىٰ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن مصدق ابن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سئل عن الرجل (3) يكون في صلاته فيخرج منه حَبّ القَرْع كيف يصنع؟ قال: «إن كان خرج نظيفاً من العذرة فليس عليه شيء و لم ينقض وضوءه، و إن خرج متلطخاً بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء، و إن كان في صلاته قطع الصلاة و أعاد الوضوء و الصلاة».

____________

(1) في «فض» و «رض»: ابن أبي فضيل.

(2) في «فض»: أحمد بن محمد.

(3) في النسخ رجل، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 82/ 258.

24

السند

في الأوّل: ابن أخي فضيل و اسمه الحسن، كما صرّح به في الكافي في باب ما ينقض الوضوء (1)، إلّا أنّه غير معلوم الحال.

و الثاني: موثق كما تكرر القول فيه.

المتن:

ما ذكره الشيخ فيه قد يتخيل عدم تماميّته، لأنّ الخبر يفيد إطلاق الحكم فيقرب من الألغاز، إلّا أنّه مدفوع بما أسلفنا القول فيه، من جواز حصول المبيّن عند وقت الحاجة للسائل، كما في غيره من المطلقات؛ و قد يحتمل الحمل علىٰ الاستحباب في الخبر الأوّل، و أمّا الخبر الثاني فلا ريب في دلالته.

غير أنّه يبقىٰ الإشكال في أنّه هل يحكم بعدم الانتقاض إلّا إذا علم التلطخ (2)، أو يجب التفحص عن حال الدود ليعلم خلوّه؟ لم أجد في كلام الأصحاب تفصيل الحال، و لعل الأوّل لا يخلو من وجه، لتحقق الوضوء المتوقف زواله علىٰ العلم الشرعي بالرافع، فتأمّل.

باب القيء

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ: (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير،

____________

(1) الكافي 3: 36/ 5، الوسائل 1: 258 أبواب نواقض الوضوء ب 5 ح 1.

(2) في النسخ: عدم التلطّخ، و الظاهر ما أثبتناه.

25

عن ابن أُذينة، عن أبي أُسامة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القيء هل ينقض الوضوء؟ قال: «لا».

و أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن الحسن الكوفي (1)، عن الحسن بن علي بن فضال، عن غالب بن عثمان، عن روح بن عبد الرحيم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القيء، قال: «ليس فيه وضوء و إن تقيّأ متعمّداً».

و أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد (2)، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ليس في القيء وضوء».

السند

في الأوّل: حسن.

و الثاني: كما ترى علي بن الحسن الكوفي، و هو في النسخ التي رأيناها، و في التهذيب محمد بن علي بن محبوب، عن الحسن بن علي الكوفي (3)، إلىٰ آخره، و هو الظاهر؛ و فيه غالب بن عثمان، و الراوي عنه الحسن بن علي بن فضّال، مهمل في الرجال (4)، و في كتاب رجال الشيخ:

____________

(1) في الاستبصار 1: 83/ 260: الحسن بن علي الكوفي.

(2) في نسخة من الإستبصار 1: 83/ 261 زيادة: بن يحيىٰ.

(3) التهذيب 1: 13/ 27.

(4) الفهرست: 123/ 551.

26

غالب بن عثمان واقفي (1)، و يحتمل الاتحاد، و الضرورة إلىٰ الجزم غير داعية؛ و فيه أيضا روح بن عبد الرحيم ثقة في النجاشي (2)؛ و الحسن بن علي الكوفي هو ابن عبد اللّٰه بن المغيرة الثقة؛ و ابن فضّال حاله معلوم.

و الثالث: لا يخفىٰ حاله، غير أنّه ينبغي أن يعلم أن المعروف من ابن مسكان عند الإطلاق عبد اللّٰه الثقة، و محمد بن مسكان و إن كان مذكوراً في كتاب الشيخ مهملا (3)، إلّا أن إرادته في غاية البعد، بل يكاد أن يقطع النفي.

نعم: اتّفق لابن إدريس في آخر السرائر، أنّه ذكر الأحاديث التي استطرفها من كتاب محمد بن علي بن محبوب، بهذه الصورة: أحمد بن محمد، عن الحسن بن سعيد، عن فضالة، عن حسين بن عثمان، عن ابن مسكان، قال محمد بن إدريس: و اسم ابن مسكان الحسن، و هو ابن أخي جابر الجعفي غريق في ولايته لأهل البيت (عليهم السلام) (4)، انتهىٰ.

و هذا لا يخلو من غرابة، لأنّ رواية الحسين بن عثمان عن الحسن بن مسكان لم نقف عليها في شيء من الأحاديث، و الحسن بن مسكان غير موجود في الرجال علىٰ ما رأيناه.

و لا يخفىٰ أنّه يستلزم ضعف الأخبار الواردة عن الحسين بن عثمان عن ابن مسكان، و لم أر من ذكر ذلك غيره، و لا يبعد أن يكون الوهم من ابن إدريس، و في الرجال الحسين بن مسكان (5)، فيحتمل أن يكون الحسن

____________

(1) رجال الطوسي: 357/ 1.

(2) رجال النجاشي: 168/ 444.

(3) رجال الطوسي: 302/ 350.

(4) مستطرفات السرائر: 98/ 18.

(5) خلاصة العلّامة: 217/ 13.

27

سهواً، إلّا أن إرادته من رواية الحسين بن عثمان في غاية البعد، بل يكاد أن يقطع نفيها من تتبّع الأحاديث، و الحسين بن مسكان غير معتبر في الرجال.

و ذكر العلّامة في الخلاصة عن ابن الغضائري أنّه قال: إن جعفر بن محمد بن مالك، روىٰ عنه أحاديث فاسدة (1)، و جعفر بن محمد بن مالك متأخّر، و الحسين بن عثمان متقدم، إذ هو من أصحاب الصادق (عليه السلام)، و احتمال إرادة الرواية بالإرسال أو بإسناده بعيد عن المساق؛ و هذا الذي ذكرناه و إن لم يكن له فيما نحن فيه فائدة، إلّا أنّ الغرض التنبيه علىٰ حقيقة الحال، و يظهر فائدته في موضع آخر، فلا ينبغي الغفلة عنه.

المتن:

في الأخبار ظاهر الدلالة.

[الحديث 4 و 5]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة، قال: سألته عما ينقض الوضوء، قال: «الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، و القرقرة في البطن إلّا شيء تصبر عليه، و الضحك في الصلاة، و القيء».

و ما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي بن فضال، عن صفوان، عن منصور، عن

____________

(1) خلاصة العلّامة: 217/ 13.

28

أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «الرعاف و القيء (1) و التخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئاً ينقض الوضوء، و إن لم تستكرهه لم ينقض الوضوء».

فهذان الخبران يحتملان وجهين، أحدهما: أن يكونا وردا مورد التقية، لأن ذلك مذهب بعض العامة، و الثاني: أن يكونا محمولين علىٰ ضرب من الاستحباب لئلّا تتناقض الأخبار.

السند

في الأوّل: موثّق علىٰ ما قدّمناه، و الحسن فيه أخو الحسين.

و الثاني: كذلك.

المتن:

لا يخفىٰ أن الأوّل لا يخلو من إجمال، من حيث قوله: «و القرقرة في البطن إلّا شيء تصبر عليه» فإن ظاهره أن القرقرة التي لا تصبر عليها قسيمة للحدث، و الحال أنها متحدة إن خرجت، و مع عدم الخروج فالصبر عليها غير واضح المعنىٰ.

ثم الضحك في الصلاة لا يخلو إمّا أن يراد به أنّه ناقض للوضوء، و حينئذ لم يتقدم له معارض، و إن أُريد به نقض الصلاة لم يناسب ذكره مع غيره، بل يحتمل كون القيء مثله في إبطال الصلاة، و حمل الشيخ له علىٰ الاستحباب يقتضي الشمول للضحك و هو غير واضح؛ فلعل الاقتصار علىٰ الحمل علىٰ التقية فيه أولىٰ.

____________

(1) ليس في «رض».

29

ثمّ إن القرقرة في البطن ورد في معتبر الأخبار ما ينافي حكمها (1) (و هو ما رواه الفضيل بن يسار قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام)) (2): أكون في الصلاة فأجد غمزاً في بطني، أو أذى أو ضرباناً فقال: «انصرف ثم توضّأ فابنِ علىٰ ما مضى من صلاتك، ما لم تنقض الصلاة بالكلام» الحديث (3). و قد ذكرنا ما لا بد منه في موضعه، و كان علىٰ الشيخ أن يذكره في مقام المعارضة.

و كذلك ورد في حسنة زرارة أنّ: «القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة» (4).

و أمّا الخبر الثاني: فحمله علىٰ التقية مع قوله فيه «إن استكرهت شيئاً» غير واضح، إلّا أن يكون موافقاً لهم في ذلك؛ و ذكر شيخنا المحقق سلّمه اللّٰه في فوائده علىٰ الكتاب أنّ حمل الخبر الثاني علىٰ التنظيف أولىٰ، كما ينبّه عليه الاستكراه، و ربما حمل الأوّل علىٰ قهقهة و قيء تغيّب (5) عنه نفسه. انتهىٰ.

و لا يخفىٰ عليك أنّ التنظيف في الرعاف و التخليل الذي يسيل منه الدم لا يخلو من خفاء، و الحمل المذكور للأول في غاية البعد، و سيأتي من الشيخ ذكره في الباب الآتي، و سنبيّن القول فيه.

____________

(1) في «فض» و «رض»: الخبر، بدل: حكمها.

(2) ما بين القوسين ليس في «فض».

(3) الفقيه 1: 240/ 1060، التهذيب 2: 332/ 1370، الوسائل 7: 235 أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 9.

(4) الكافي 3: 364/ 6، التهذيب 2: 324/ 1324، الوسائل 1: 261 أبواب نواقض الوضوء ب 6 ح 4.

(5) في «رض»: تغيّر.

30

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلّامة في المختلف نقل عن ابن الجنيد أنّه قال: من قهقه في صلاته متعمداً لنظر أو سماع ما أضحكه قطع صلاته و أعاد وضوءه، ثم حكىٰ احتجاجه برواية سماعة، و أجاب بأن سماعة و زرعة في طريق الحديث و هما و إن كانا ثقتين إلّا أنهما واقفيان، و مع ذلك. أن سماعة لم يسنده إلىٰ إمام (1)؛ و أنت خبير بأن عدم الإسناد إلىٰ إمام غير وارد، لما قررناه سابقا من أن مثل هذا الإضمار غير مضر بالحال.

باب الرعاف

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الرعاف و الحجامة و كل دم سائل، فقال: «ليس في هذا وضوء، إنّما الوضوء من طرفيك اللذين أنعم اللّٰه بهما عليك».

و أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد بن يحيىٰ، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن يحيىٰ، عن أحمد بن أبي عبد اللّٰه (عن أبيه) (2) عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «لو رعفت دورقاً ما زدت علىٰ أن أمسح منّي الدم و أُصلّي».

____________

(1) المختلف 1: 93، 94.

(2) أثبتناه من الاستبصار 1: 84/ 265.

31

و بهذا الاسناد: عن محمد بن يحيىٰ، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد، عن إبراهيم بن أبي محمود، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن القيء و الرعاف و المدّة أ ينقض الوضوء أم لا؟ قال: «لا» (1).

السند

في الأوّل: واضح الضعف.

و الثاني: فيه عمرو بن شمر و قد ضعّفه النجاشي (2) و غيره (3)؛ و جابر هو ابن يزيد بقرينة رواية عمرو بن شمر عنه، و قد ذكر النجاشي أنّه مختلط (4)، و من غيره لم يثبت توثيقه و لا مدحه (5)، و الأخبار التي في الكشّي غير سليمة الطرق (6)، كما يعلم من مراجعتها.

و من غريب ما اتفق للعلّامة أنّه قال: جابر بن يزيد روىٰ الكشّي فيه مدحاً و بعض الذم، و الطريقان ضعيفان.

ثم نَقلَ عن العقيقي رواية عن أبيه، عن أبان، أن الصادق (عليه السلام) ترحّم عليه، و قال: «إنّه كان (7) يصدق علينا» و نقل عن ابن عقدة نحو ذلك.

و عن ابن الغضائري أن جابر ثقة في نفسه، و لكن جُلّ من روىٰ عنه ضعيف، فممّن أكثر عنه من الضعفاء عمرو بن شمر، و مفضل بن صالح

____________

(1) في الاستبصار 1: 84/ 266 زيادة: ينقض شيئاً.

(2) رجال النجاشي: 287/ 765.

(3) كالعلّامة في خلاصته: 241 242.

(4) رجال النجاشي: 128/ 332، و في «فض» و «د»: مخلط.

(5) كالطوسي في رجاله: 111/ 6 و 163/ 30.

(6) رجال الكشي 2: 436 449.

(7) لفظة: كان، ليست في «رض» و «د».

32

السكوني، و منخل بن جميل الأسدي، و أرى الترك لما روىٰ هؤلاء عنه و التوقف في الباقي إلّا ما خرج شاهداً.

إلىٰ أن قال العلّامة: و الأقوى عندي التوقف فيما يرويه هؤلاء عنه كما قاله الشيخ ابن الغضائري (1).

و أنت خبير بأنّ قول ابن الغضائري ترك ما روىٰ هؤلاء و التوقف في الباقي، لا ما قاله العلّامة من التوقف فيما روىٰ هؤلاء، فإنه يقتضي قبول قول جابر علىٰ تقدير رواية غير هؤلاء.

و لو أراد بالتوقف الرد كما يظهر منه في الخلاصة فلا يدفع الإيراد عنه، علىٰ أن قبول قوله في عدا المذكورين إن كان لتوثيق ابن الغضائري كما هو الظاهر إذ لا وجود لتوثيقه في كلام غيره و قد عدّه العلّامة في القسم الأوّل، ففيه دلالة علىٰ ما قدمناه من العمل بقول ابن الغضائري، و هو توثيق له، غير أن ابن الغضائري قد توقف بعد ذكر التوثيق، فلا وثوق بتوثيقه و لا وجه لعدّه في القسم الأوّل، و إن كان من جهة انضمام (القرائن من الإخبار التي في الكشي) (2) و غيرها، أمكن إلّا أنّه كان ينبغي التنبيه عليه، فليتأمّل.

و الثالث: لا ارتياب فيه، و أحمد هو بن محمد بن عيسىٰ، لأنه هو الراوي عن إبراهيم بن أبي محمود، و لا ضير في رواية محمد بن يحيىٰ عنه بواسطة، و إن كان تركها في بعض الطرق بل أكثرها موجوداً.

المتن:

في الجميع ظاهر في عدم نقض الوضوء بالرعاف، و في الأوّل زيادة:

____________

(1) خلاصة العلّامة: 35، بتفاوت يسير.

(2) ما بين القوسين ليس في «فض».

33

كل دم سائل؛ و في الثالث زيادة: عدم نقض القيء و المدّة، فيتعين حمل ما يخالف علىٰ الاستحباب أو التقية.

و ما تضمنه الأوّل من حصر الناقض في الخارج من الطرفين قد تقدم فيه القول، و يزيد أن قوله: «اللذين أنعم اللّٰه بهما عليك» ربما دل علىٰ ما أشرنا إليه سابقاً، لولا الإجماع و ضعف الحديث، إلّا أن له مساعداً من الأخبار.

اللغة:

قال في القاموس: الدورق الجرّة ذات عروة (1). و في الصحاح: الدورق مكيال للشراب فارسي معرّب (2)، و المدّة بالكسر و التشديد ما يجتمع في الجروح من القيح علىٰ ما في الحبل المتين (3)، معرّب.

[الحديث 4 و 5 و 6 و 7]

قال: فأمّا ما رواه أبو عبيدة الحذّاء في الخبر الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا (4)، من قوله: إذا استكره الدم نقض و إن لم يستكره لم ينقض.

و ما رواه أيوب بن الحرّ، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل (5) أصابه دم سائل قال: «يتوضّأ و يعيد» قال

____________

(1) القاموس المحيط 3: 238 (درق).

(2) الصحاح 4: 1474 (درق).

(3) الحبل المتين: 32.

(4) راجع ص 25.

(5) في الاستبصار 1: 85/ 267: عن رجل.

34

«و إن لم يكن سائلًا توضّأ و بنىٰ» قال: «و يصنع ذلك بين الصفا و المروة».

أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن الحسن بن علي بن بنت إلياس، قال: سمعته يقول: «رأيت أبي (عليه السلام) و قد رعف بعد ما توضّأ دماً سائلًا فتوضّأ».

فيحتمل وجوها، أحدها: أن تحمل على ضرب من التقية على ما قدمنا القول فيه.

و الثاني: أن نحملها علىٰ الاستحباب دون الوجوب.

و الثالث: أن نحملها علىٰ غسل الموضع، لأنّ ذلك يسمّىٰ وضوءاً علىٰ ما بيّناه في كتاب تهذيب الأحكام (1)، و يدل علىٰ هذا المعنىٰ:

ما أخبرني به الشيخ (قدس سره)، عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن أبي حبيب الأسدي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول في الرجل يرعف و هو علىٰ وضوء قال: «يغسل آثار الدم و يصلّي».

و عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سمعته يقول: «إذا قاء الرجل و هو علىٰ طهر فليتمضمض، و إذا رعف و هو علىٰ وضوء فليغسل أنفه، فإنّ ذلك يجزيه و لا يبعد وضوءه».

____________

(1) التهذيب 1: 13.

35

السند

في الأوّل: قد تقدم (1).

و الثاني: لم يعلم الطريق من الشيخ إلىٰ أيوب بن الحر؛ إذ ليس في المشيخة، و في الفهرست طريقه إلىٰ كتابه غير سليم (2)، و لا ينفع بتقدير صحته هنا، إلّا إذا علم أنّ الحديث من الكتاب.

و قد اشتبه علىٰ بعض الأصحاب الحال في طرق الفهرست، فظن أنّ الطريق في الفهرست كاف لما هنا، و الحق أنّ ما يذكره الشيخ في الفهرست إن ورد بلفظ جميع روايات الرجل يشمل ما يذكره هنا، و إلّا فالمشمول غير واضح.

فإن قلت: ما وجه عدم الوضوح؟

قلت: لأنّ الشيخ في المشيخة لهذا الكتاب قال: و كنت سلكت في أول الكتاب إيراد الأحاديث بأسانيدها، و علىٰ ذلك اعتمدت في الجزء الأوّل و الثاني، ثم اختصرت في الجزء الثالث و عوّلت علىٰ الابتداء بذكر الراوي الذي أخذت الحديث من كتابه و أصله (3).

و هذا كما ترى يدل علىٰ أنّه في هذا الجزء الأوّل لم يعتمد علىٰ ذكر الرجل الذي أخذت الحديث من كتابه، و إذا لم يكن ذلك، لم يعلم أنّ الحديث من كتاب الرجل، فإذا قال في الفهرست: له كتاب، و ذكر الطريق إليه، لم يدخل ما في الجزء الأوّل و الثاني من الكتاب إذا بدأ بالرجل.

____________

(1) راجع ص 28.

(2) الفهرست: 16/ 50.

(3) الاستبصار 4: 304.

36

فإن قلت: الحكم غير مطرد في الجزءين الأولين، لأن الشيخ كثيراً ما يبدأ بالرجل الذي لم يلقه، و قد صرح في المشيخة بذكر الأحاديث بأسانيدها في الجزءين.

قلت: هذا كثيراً ما يخطر بالبال و لم أعلم وجهه، إلّا أنّه ليس بنافع في الاكتفاء بالطريق الذي في الفهرست إلىٰ كتاب الرجل، علىٰ أنّ الذي نجده في الجزء الثالث علىٰ نحو ما في الأولين.

نعم: ربما يقال إنّ قول الشيخ (رحمه الله) في آخر المشيخة: و لتفصيل ذلك شرح يطول هو مذكور في الفهارس للشيوخ، ربما يدل علىٰ أنّ الطرق في الفهرست مشتركة، فإذا أخبر بأنّ فلاناً مثل أيوب بن الحرّ له كتاب و ذكر الطريق إليه، قد يظن منه أنّ الحديث من كتابه، لكن لا يخفىٰ أنّ للكلام فيه مجالًا واسعاً، فينبغي التأمّل في ذلك.

و الثالث: حسن بالحسن علىٰ ما أظن.

و الرابع: فيه جهالة أبي حبيب.

و الخامس: فيه عثمان بن عيسىٰ علىٰ الظاهر، و أبو بصير و سماعة، حالهما علىٰ ما قدمناه (1).

المتن:

في الأوّل: قد سبق فيه القول.

و الثاني: ظاهر في الفرق بين السيلان و عدمه بالنسبة إلىٰ إعادة الصلاة و البناء، إلّا أنّه واضح الدلالة علىٰ نقض الوضوء في الحالتين.

____________

(1) راجع ج 1 ص 72، 83، 108 111، 125.

37

و الشيخ في التهذيب ادعىٰ الإجماع علىٰ عدم البناء مع نقض الوضوء، لأنّه قال في باب التيمم: لا خلاف بين أصحابنا أن من أحدث في الصلاة ما يقطع صلاته يجب عليه استئنافه (1). و هذا و إن كان محل كلام ذكرناه في موضعه، إلّا أنّ إطلاق القول هنا بالحمل علىٰ الاستحباب في جملة الوجوه لا يخلو من إشكال.

و أمّا الخبر الثالث: فقد أوضحت القول فيه في حاشية التهذيب، و الحاصل من الكلام فيه الحمل علىٰ التقية، غير أنّ القول لا يخرج عن مطابقة الواقع، إذ لا مانع من وقوع الوضوء بعد الرعاف لكن لا بسبب الرعاف، و حكايته عن أبيه (عليه السلام) لأنّ الواقع ذلك (و إلّا لما) (2) احتاج إلىٰ النقل عن أبيه كما لا يخفىٰ.

و ما قاله الشيخ (رحمه الله) هنا من الحمل علىٰ التقية مجمل، أمّا في الحديث الأوّل فلما قدمناه من أنّ الفرق بين الاستكراه و عدمه مبني علىٰ موافقة أهل الخلاف، ليتم الحمل فيه علىٰ التقية.

و أمّا الثاني فلما ذكرناه هنا.

و أمّا الحمل علىٰ غَسل الموضع فمستبعد في الأخير، لأن قوله: «بعد ما توضأ» يدل بظاهره علىٰ أنّ الوضوء واحد في الموضعين، غير أن استعمال كل من أفراد المشترك مع اللفظ الموضوع له لا ريب فيه، و الإجمال فيه بسبب التقية، فهو راجع في الحقيقة إليها، أو أن السائل فهم ذلك بقرينة، و كان علىٰ الشيخ أن ينبه علىٰ ذلك.

و الخبران المذكوران واضحا الدلالة علىٰ عدم النقض، فإن أراد الشيخ

____________

(1) التهذيب 1: 205.

(2) ما بين القوسين ليس في «فض».

38

دلالتهما علىٰ الغَسل فلا ريب فيه و لا احتياج إلىٰ الخبرين، و إن أراد الدلالة علىٰ عدم النقض فليس بمطلوب، و إن أراد الدلالة علىٰ إطلاق الوضوء علىٰ الغَسل فلا يخلو من خفاء، غير أنّه يمكن توجيهه بأنّ الخبرين إذا دلّا علىٰ عدم النقض بل الغَسل علمنا أن المراد بالوضوء الغَسل، و أنت خبير بأنّ الأولىٰ بيان صحة إطلاق الوضوء علىٰ الغَسل مع الخبرين، بل إذا ثبت ذلك يستغنىٰ به عن الخبرين، و الأمر سهل.

باب الضحك و القهقهة

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيىٰ، عن سالم أبي الفضل (1)، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «ليس ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك الأسفلين اللذين أنعم اللّٰه بهما عليك».

عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سهل، عن زكريا بن آدم، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الناصور (2)، قال (3): «إنّما ينقض الوضوء ثلاثة: البول، و الغائط، و الريح».

____________

(1) في بعض نسخ الاستبصار 1: 85/ 271: سالم أبي الفضيل.

(2) النّاصُور: علة تحدث في البدن من المقعدة و غيرها بمادة خبيثة ضيقة الفم يعسر برؤها- المصباح المنير: 608 (نصر).

(3) في الاستبصار 1: 86/ 272: فقال.

39

السند

في الأوّل: قد ذكرنا القول فيه، و سالم أبو الفضل فيه ثقة، و قد يصغّر الفضل، و ظن بعض المغايرة بين أبي الفضل و أبي الفضيل، كما يعلم من كتاب شيخنا المحقق- سلمه اللّٰه- في الرجال (1).

و الثاني: فيه محمد بن سهل، و هو ابن سهل بن اليسع، بقرينة رواية أحمد بن محمد بن عيسىٰ عنه، كما قال في الفهرست (2)، و ما في النجاشي من أن الراوي عنه أحمد بن محمد عن أبيه (3)، ربما يقال: إنّه لا مانع من رواية أحمد عنه كأبيه.

و احتمال أن يكون الشيخ في الفهرست قد سها قلمه عن ذكر أبيه ممكن، إلّا أن وجود رواية أحمد عنه في هذه الرواية قرينة الصحة، و احتمال كون محمد بن سهل غير ابن اليسع لما ذكر بعيد، و علىٰ كل حال، محمد المذكور مهمل في الرجال؛ و أمّا زكريا بن آدم فقد وثّقه النجاشي (4).

المتن:

ظن الشيخ منه أنّ الحصر المستفاد من الخبرين يفيد نفي الوضوء من القهقهة و الضحك، و قد يتوجه عليه أنّ الحصر لا بُدّ من كونه إضافياً، و حينئذ لا ينافي ما دل علىٰ أنّ الضحك و القهقهة تنقضان الوضوء، كما ثبت

____________

(1) منهج المقال: 157.

(2) الفهرست: 147/ 620.

(3) رجال النجاشي: 367/ 996.

(4) رجال النجاشي: 174/ 458.

40

النقض بغيرهما في الأخبار، و حينئذ لا يتم الحمل الآتي منه في المعارض، و ستسمع القول في ذلك مع الجواب.

و ما تضمنه الخبر الأوّل من قوله: «اللذين أنعم اللّه بهما عليك» يؤيّده غيره من الأخبار الدالّة عليه، كما تقدم عن قريب، فإذا خرج من هذا ما انعقد عليه الاتفاق و هو ما اعتاد من غيرهما، أو انسد الطبيعي، بقي الإشكال في خروج الغائط و البول من غير ما ذكر، بل ربما يرجح عدم النقض حينئذ- و إن ظن بعض كالشيخ أنّ خروج الغائط من تحت المعدة ناقض (1)- لأنّ مطلق الأخبار الدالة علىٰ ذلك بل و القرآن يقيد بمثل هذا الخبر، كما ذكرنا مفصّلًا في حاشية التهذيب، فليتأمّل.

فإن قلت: هذا الخبر حاله بمحمد بن إسماعيل غير خفية، و غيره ممّا تقدم ليس بسليم السند.

قلت: قد روى الشيخ في التهذيب بسند لا ارتياب فيه عند الأصحاب عن زرارة قال: قلت: لأبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ينقض الوضوء؟ فقالا: «ما خرج من طرفيك الأسفلين» الحديث (2).

على أنّ رواية محمد بن اسماعيل؛ لا أرى فرقاً بينها و بين رواية أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الواقع في طريق رواية زرارة المذكورة، و كذلك: أحمد بن محمد بن يحيىٰ، و ما ضاهاهما ممّن لم ينص أصحاب الرجال علىٰ توثيقهما، فالحكم بصحة ما رواه أحمد بن محمد بن الوليد و نحوه، دون ما رواه محمد بن إسماعيل غير واضح

____________

(1) المبسوط 1: 27، الخلاف 1: 115.

(2) التهذيب 1: 9/ 15، الوسائل 1: 249 أبواب نواقض الوضوء ب 2 ح 2، بتفاوت يسير.

41

الوجه، بل كلما يقال في أحمد من جهة كونه من مشايخ الإجازة يقال في محمد بن إسماعيل.

و تصحيح العلّامة لبعض الطرق الواقع فيها (1) غير المنصوص عليه بالتوثيق مشترك، و حينئذ: فإمّا أن تردّ جميع الروايات، أو يقبل جميعها، فالفرق لا يظهر لي وجهه، و ذكر أحمد بن محمد بن يحيى من الشيخ (في كتابه) (2) لا يسمن و لا يغني من جوع، فينبغي من جوع، فينبغي التأمل فيما قلته، ليتضح الفرق أو عدمه.

و إذا عرفت هذا يظهر لك أنّ ما قيل من أنّ البول و الغائط إذا خرجا من غير السبيلين نقضا مطلقاً (3). لا يخلو من تأمّل عند من يعمل بالأخبار، أمّا مثل ابن إدريس كما نقل عنه القول بذلك (4)، فيمكن توجيه كلامه، نظراً إلى إطلاق الآية، و إن أمكن المناقشة أيضاً باحتمال انصراف المطلق إلى الفرد الشائع.

و كذلك ما نقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف- من الفرق بين ما يخرج من تحت المعدة و ما يخرج من فوقها، فإنّه حكم بأنّ ما يخرج من تحت المعدة ينقض و إن لم يكن معتاداً (5)- محل كلام، و توجيه بعض محققي المتأخّرين (6) لكلام الشيخ حق، إلّا أنّه لا بُدّ من نوع تقييد بما أشرنا

____________

(1) خلاصة العلّامة: 275.

(2) في «رض»: و كتابه.

(3) التذكرة 1: 10.

(4) نقله عنه العلّامة في المختلف 1: 97، و هو في السرائر 1: 106.

(5) نقله عنه المحقق في المعتبر 1: 106، و هو في المبسوط 1: 27، و الخلاف 1: 115.

(6) كالشيخ البهائي في الحبل المتين: 29.

42

إليه، و قد ذكرنا جميع ذلك في موضعه ممّا قدمنا إليه الإشارة، و اللّه تعالىٰ أعلم بحقائق الأُمور.

اللغة:

قال في المغرب: الناصور، قرحة غائرة قلّما تندمل (1).

[الحديث 3 و 4]

قال: و أمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن الحسن أخيه، عن زرعة، عن سماعة قال: سألته عمّا ينقض الوضوء، قال: «الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، و القرقرة في البطن، إلّا شيئاً (2) تبصر عليه، و الضحك في الصلاة، و القيء».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ ضرب من الاستحباب، أو علىٰ الضحك الذي لا يملك معه نفسه، و لا يأمن أن يكون قد أحدث.

و الذي يدل علىٰ ذلك:

ما رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن رهط سمعوه يقول: «إنّ التبسم في الصلاة لا ينقض الصلاة و لا ينقض الوضوء، إنّما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة». قوله (عليه السلام): «إنّما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة» (راجع إلىٰ الصلاة دون الوضوء أ لا ترىٰ أنّه قال: «يقطع الضحك الذي فيه القهقهة») (3) و القطع لا يقال إلّا في الصلاة،

____________

(1) المغرب 2: 213 (نص).

(2) في النسخ: إلّا شيء، و ما أثبتناه من الاستبصار 1: 86/ 273.

(3) ما بين القوسين ساقطة من «فض».

43

لأنه لم تجر العادة أن يقال: انقطع الوضوء، و إنّما يقال: انقطعت الصلاة، و يحتمل أن يكون الخبران وردا مورد التقية، لأنّهما موافقان لمذاهب (1) العامّة.

السند

في الأوّل: موثّق، و قد تقدّم (2).

و الثاني: مرسل، و كونه من ابن أبي عمير سبق القول فيه (3)، و تأييد العمل به لأنّه عن رهط محل كلام.

المتن:

في الأوّل: قد ذكرنا ما فيه عن قريب، و الاحتمال المذكور من الشيخ أنّه محمول علىٰ الضحك الذي لا يملك معه نفسه و لا يأمن أن يكون قد أحدث، غير تام؛ لأنّ احتمال الحدث لا ينقض الطهارة، و لو أراد ذهاب العقل، ففيه- مع البعد- أنّ احتمال الحدث لا وجه له، إذ مجرد زوال العقل كاف عند الأصحاب.

ثم إنّ الحمل علىٰ الاستحباب قد يشكل، بأنّ ذكر الضحك مع الحدث يقتضي المشاركة في الاستحباب، و عدم تماميته واضح، و اختصاص الاستحباب ببعض ما تضمنه الخبر بعيد، فكان الحمل علىٰ التقية متعيّناً.

أمّا الخبر الثاني: فتوجيه الشيخ فيه له وجه، أمّا رجوعه إلى الحمل

____________

(1) في الاستبصار 1: 86/ 274 زيادة: بعض.

(2) راجع ج 1: 356.

(3) راجع ج 1: 102- 103.

44

على التقية بعد جعله دالّاً علىٰ عدم نقض الوضوء فقد ينكر إلّا أنّ التوجيه ليس بالبعيد، فيقال علىٰ تقدير الدلالة هو محمول علىٰ التقية، و قد عرفت ممّا تقدم النقل عن ابن الجنيد (1) و احتجاجه بالخبر الأوّل.

و تخيل صلاحية الاستدلال بهذا الخبر المرسل نظراً إلىٰ المفهوم، أو لأنّ القطع يتناول، مدفوع بأدنى ملاحظة في المفهوم، و بما قاله الشيخ في القطع، و لو ذكر الشيخ رواية زرارة السابق نقلها منّا، كان أولىٰ في حسم مادّة الاحتمال.

اللغة:

قال في القاموس: القهقهة، هي الترجيع في الضحك، أو شدة الضحك (2). و في الصحاح: القهقهة في الضحك معروف، و هو أن يقول: قه قه (3).

باب إنشاد الشعر

[الحديث 1 و 2]

قال: أخبرني الشيخ (قدس سره) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد ابن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسىٰ، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن ميسرة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، عن إنشاد الشعر، هل ينقض الوضوء؟ قال: «لا».

____________

(1) راجع ص 30.

(2) القاموس المحيط 4: 293 (قهقه).

(3) الصحاح 6: 2246 (قهقه).

45

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن (1) سماعة قال: سألته عن نشد (2) الشعر هل ينقض الوضوء، أو ظلم الرجل صاحبه، أو الكذب؟ فقال: «نعم: إلّا أن يكون شعراً يصدق فيه، أو يكون يسيرا من الشعر الأبيات الثلاثة و الأربعة، فأمّا إن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء».

فيحتمل الخبر وجهين: أحدهما: أن يكون تصحّف (3) علىٰ الراوي، فيكون (4) روي بالصاد غير المعجمة دون الضاد المنقطة، لأنّ ذلك ممّا ينقص ثواب الوضوء. و الثاني: أن يكون محمولًا علىٰ الاستحباب.

السند

في الأوّل: معاوية بن ميسرة و هو مهمل في الرجال (5).

و الثاني: موثّق.

المتن:

علىٰ تقدير تساوي الخبرين في العمل يمكن حمل المطلق علىٰ المقيد، إذ الثاني مقيّد، غير أنّ الشيخ كما ترى ذكر في التوجيه أمرين، و أوّلهما غير واضح، لأنّ الراوي إن نقل من الكتابة غير خط الإمام (عليه السلام)

____________

(1) في الاستبصار 1: 87/ 276: بن بدل: عن.

(2) في نسخة من الإستبصار 1: 87/ 276: إنشاء.

(3) في «رض»: تصحيف.

(4) في الاستبصار 1: 87/ 276 يوجد: قد.

(5) رجال النجاشي: 410/ 1093.

46

أمكن التصحيف، إلا أنّ الظاهر السماع من الإمام، فلا مجال لتصحيف الراوي الأوّل، و إن كان من الراوي الذي نقل عن الراوي عنه (عليه السلام) من خطه أمكن، لكنه غير متعين، لجواز أن يكون من غيره كما لا يخفىٰ.

و أمّا الحمل علىٰ الاستحباب، فيحتاج ترجيحه علىٰ ما قدمناه من إمكان حمل المطلق علىٰ المقيد إلىٰ ثبوت أنّ الكذب غير ناقض مطلقاً، و كأنّه للإجماع و ظاهر الأخبار الدالة علىٰ النواقض، و أنت خبير بأنّ الأخبار لا يخلو من كلام، فالاعتماد علىٰ الإجماع أولىٰ، هذا كله علىٰ تقدير العمل بالخبر الموثق، و بدونه فالأمر سهل.

باب القُبلة و مسّ الفرج

[الحديث 1 و 2 و 3]

قال: أخبرني الشيخ (رحمه الله) عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب و محمد بن أبي عمير، عن جميل بن دراج و حماد بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «ليس في القُبلة و لا في المباشرة و لا مسّ الفرج وضوء».

و بهذا الاسناد: عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن أبي مريم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام)، ما تقول في الرجل يتوضّأ ثم يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي إلىٰ المسجد فإنّ من عندنا يزعمون أنّه (1) الملامسة؟ فقال: «لا و اللّٰه ما بذلك بأس،

____________

(1) في الاستبصار 1: 87/ 278: أنّها.

47

و ربما فعلته، و ما يعني بهذا: «أو لامستم النساء» إلّا المواقعة في الفرج».

و بهذا الاسناد: عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القُبلة تنقض الوضوء؟ قال «لا بأس».

السند

في الأوّل: واضح.

و الثاني: أحمد بن محمد فيه هو ابن أبي نصر علىٰ الظاهر، لأنّه الراوي عن أبان بن عثمان في الفهرست (1)؛ و أبو مريم هو الأنصاري الثقة، و اسمه عبد الغفار.

و الثالث: واضح.

المتن:

يندفع قول ابن الجنيد علىٰ ما حكاه عنه العلّامة في المختلف، من أن من قبّل بشهوة الجماع و لذة في المحرّم نقض الطهارة، و الاحتياط إذا كان في محلّل إعادة الوضوء (2)، و احتجاجه علىٰ ما حكاه العلّامة برواية أبي بصير الآتية غير ظاهر الدلالة علىٰ مطلوبه، و لو دلّ لم يصلح للاعتماد عليه، و سيأتي جواب العلّامة عنه عند ذكر الرواية.

____________

(1) الفهرست: 18/ 52.

(2) المختلف 1: 92.

48

و بالخبر أيضاً يندفع ما ينقل عن ابن الجنيد أنّه قال: و مسّ ظاهر الفرج من الغير إذا كان بشهوة فيه الطهارة واجبة في المحرّم و المحلّل احتياطاً، و مسّ باطن الفرجين من الغير ناقض للطهارة من المحلّل و المحرّم (1)، و احتجاج العلّامة له برواية أبي بصير الآتية (2) فيه ما قدمناه.

و أمّا الخبر الثاني فواضح الدلالة، و في التهذيب: «إلّا المواقعة دون الفرج» (3) و ما هنا أوضح، و عبارة الحديث في التهذيب لا تخلو من خفاء، و أظنّ أنّ المراد بها دون إرادة لمس الفرج، و تفسيرها بغير ذلك ليس بواضح، و ربما يستفاد من الخبر علىٰ تقدير ما هنا أنّ المواقعة في الدبر بدون إنزال لا يوجب الغسل، إلّا أنّ فيه كلاما.

و أمّا قوله (عليه السلام) في الخبر الثالث: «لا بأس» ففيه احتمالات:

أحدها: أنّه لا بأس بعدم الوضوء، و فيه: أنّ المسئول عنه نقض الوضوء و الجواب لا يطابقه حينئذ، إلّا أن يقال: إنّ نفي البأس لا يوافقه إلّا هذا، و فيه ما فيه مما يذكر بعد.

و ثانيها: أنّه لا بأس بالنقض، و يكون فائدة نفي البأس إرادة الاستحباب فيدل علىٰ أنّها لا تنقض و لكن يستحب الوضوء، و علىٰ هذين الاحتمالين يتم مطلوب الشيخ.

و ثالثها: أن يراد لا بأس بنقض الوضوء علىٰ سبيل اللزوم، و فيه بُعد ظاهر.

و رابعها: أن يكون الجواب مجملًا للتقية، فيحمله كل من المخالف

____________

(1) المختلف 1: 91.

(2) يأتي في ص 44 45.

(3) التهذيب 1: 22/ 55، الوسائل 1: 271 أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 4.

49

و المؤالف على (1) مذهبه، غير أنّه لا يصلح للاستدلال علىٰ عدم النقض، كما يظهر من الشيخ و العلّامة في المختلف حيث استدل به علىٰ عدم نقض القُبلة (2)، و الحال ما ترى.

[الحديث 4 و 5 و 6 و 7]

قال: فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن صفوان (3)، عن عثمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا قبّل الرجل المرأة من شهوة، أو مسّ فرجها أعاد الوضوء».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ ضرب من الاستحباب، أو علىٰ أنّه يغسل يده، و ذلك يسمىٰ وضوءاً علىٰ ما تقدم القول فيه.

و الذي يدل علىٰ هذا التأويل:

ما رواه الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن أبان بن عثمان، بن (4) عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل مسّ فرج امرأته قال: «ليس عليه شيء و إن شاء غسل يده، و القُبلة لا يتوضّأ منها».

الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة فقال: «لا بأس».

____________

(1) في «فض» زيادة: ما.

(2) المختلف 1: 93.

(3) في الاستبصار 1: 88/ 280 لا يوجد: عن صفوان.

(4) في «فض» و الاستبصار 1: 88/ 281: بن، بدل: عن.

50

عنه، عن أخيه (1)، عن زرعة، عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، عن الرجل يمسّ ذكره، أو فرجه، أو أسفل من ذلك، و هو قائم يصلي (يعيد وضوءه؟ قال) (2): «لا بأس بذلك إنّما هو من جسده».

السند

في الأوّل معلوم؛ و كذا الثاني بالقاسم بن محمد الجوهري؛ و الثالث معتبر؛ و الرابع موثّق (3).

المتن:

ما ذكره الشيخ في الأوّل من الاستحباب له وجه (4)، و قد ذكرنا سابقاً أن العلّامة في المختلف جعله دليلًا لابن الجنيد، و هو غير دال علىٰ جميع (5) مطلوبه، و أجاب عنه بقصور السند (6) و ما ذكره الشيخ من غَسل اليد.

و أنت خبير بأنّ الحمل علىٰ غَسل اليد يتم في مسّ الفرج، و الرواية كما ترى وقع الجواب بالوضوء عن الأمرين: القُبلة و المسّ، فالحمل لا يخفىٰ ما فيه، و ما ذكره من الخبر الدال علىٰ غَسل اليد صحيح ظاهر الدلالة، إلّا أنّه خاص واضح الدلالة علىٰ أنّ القُبلة لا يتوضّأ منها، و حمل

____________

(1) في الاستبصار 1: 88/ 283: عن أخيه الحسن.

(2) في الاستبصار 1: 88/ 283: أ يعيد وضوءه؟ فقال.

(3) د»: معتبر.

(4) في «رض»: وجوه.

(5) ليس في «رض».

(6) المختلف 1: 92، 93.

51

الوضوء علىٰ غَسل اليد لا وجه له، بل هو قرينة علىٰ أنّ الوضوء في الأوّل علىٰ الاستحباب محمول.

و أمّا الخبر الثالث (1) فواضح الدلالة.

و قول السائل في الخبر الرابع: أو فرجه، يحتمل أن يريد به المخرج، و احتمال الدبر لا يخفىٰ ما فيه (2).

و في الحديث بتقدير (العمل به دلالة بتقدير) (3) الاحتمال الأوّل بإطلاقه علىٰ ردّ ما ينقل عن ابن بابويه أنّه قال: مسّ باطن الدبر و الإحليل ناقض للوضوء (4). و كذا ما ينقل عن ابن الجنيد، من أنّ مسّ ما انضم إليه الثقبان ينقض الوضوء (5).

و علىٰ تقدير عدم العمل بالخبر فيمكن دفع قولهما بالأخبار الدالة علىٰ الحصر، و الأخبار الدالة علىٰ النقض بغير ما نحن فيه، فيبقىٰ إثبات النقض به موقوفاً علىٰ الدليل، و سيأتي القول فيما استدل به القائلون.

فإن قلت: الأخبار الدالة علىٰ الحصر لا ريب أنّ الحصر فيها إضافي فلا ينافي نقض غيرها، و الأخبار الدالة علىٰ نقض غير ما تضمنه الحصر لا يدل علىٰ الحصر، و حينئذ يمكن الاستدلال بأنّ الآية الشريفة تضمنت وجوب الوضوء علىٰ كل من أراد القيام إلىٰ الصلاة، فإذا خرج المتطهّر بلا خلاف بقي ما عداه، و من جملته ما فيه الخلاف، و هو ما نحن فيه.

قلت: لما ذكرت وجه، إلّا أنّه من المقرر أنّ الخطاب في الآية

____________

(1) في «رض»: الثاني.

(2) في «فض» يوجد: بتقدير العمل به.

(3) ما بين القوسين ليس في «فض».

(4) حكاه عنهما في المختلف 1: 91، و هو في الفقيه 1: 39 ذيل الحديث 148.

(5) حكاه عنهما في المختلف 1: 91، و هو في الفقيه 1: 39 ذيل الحديث 148.

52

للمحدثين، و كون المبحوث عنه من المحدثين، محل كلام، و إن كان في هذا بحث حررناه في محله.

ثم إنّ في رواية زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام): «و لا مسّ الفرج» (1) دلالة علىٰ نفي الوضوء، إذ الفرج يتناول الذكر علىٰ ما يظهر من شيخنا (قدس سره) و العلّامة في المختلف (2) و إن أمكن المناقشة في ذلك و ادعاء عدم صراحة كلامهما أيضاً، و بالجملة لا خروج عن المشهور.

[الحديث 8]

قال: فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيىٰ عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سئل عن الرجل يتوضّأ ثم يمس باطن دبره، قال: «نقض وضوءه، و إن مسّ باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء، و إن كان في الصلاة قطع الصلاة و يتوضّأ و يعيد الصلاة، و إن فتح إحليله أعاد الوضوء و أعاد الصلاة».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله علىٰ أنّه إذا صادف هناك شيئاً من النجاسة، فإنه يجب عليه حينئذ إعادة الوضوء و الصلاة، و متىٰ لم يصادف شيئاً من ذلك لم يكن عليه شيء حسب ما قدمناه.

السند

موثق.

____________

(1) راجع ص 41.

(2) مدارك الأحكام 1: 153 و 154، المختلف 1: 91 و 92.

53

المتن:

قد ذكره العلّامة في المختلف دليلًا لابن بابويه و ابن الجنيد، مع رواية أبي بصير السابقة (1).

و قد قلنا: إن رواية أبي بصير غير وافية بقول ابن الجنيد؛ و هذه الرواية أيضاً كذلك، و دلالتها علىٰ قول ابن بابويه ظاهرة، و العامل بالموثق في الظن أنّه [مستبعد منه إنكار (2)] القول بذلك، لأن الأخبار الدالة علىٰ الحصر غير وافية بردّ مدلول هذا الخبر، لما قدمناه من أنّه إضافي، و ما دل علىٰ مس الفرج بتقدير الاحتمال السابق، فيه: أن هذا الخبر ظاهر و الاحتمال المقدم مرجوح، إذ المتبادر من الفرج غير ما ذكر.

و ما استدل به العلّامة، مع ما أشرنا إليه من رواية ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و سيأتي، حيث قال فيه: «ليس في المذي من الشهوة و لا من الإنعاظ و لا من القُبلة و لا من مسّ الفرج و لا من المضاجعة وضوء، و لا يغسل منه الثوب» (3) فيه نظر واضح.

لأنّ الظاهر من الرواية أنّ المذي الحاصل من المذكورات ليس فيه وضوء، بقرينة قوله (عليه السلام) أخيراً: «و لا يغسل منه الثوب» و علىٰ تقدير عدم الظهور فالاحتمال كاف في ردّ الاستدلال، مضافا إلىٰ ما ذكرناه من أنّ الفرج لا يتبادر منه الذكر، و يبقى مع القائل بالنقض الآية الشريفة مؤيدة.

____________

(1) المختلف 1: 92.

(2) في «فض»: ليستبعد منه و الإنكار، و في «رض»: مستبعد منه الإنكار، و في «د» مستبعد منه لإنكار، و الظاهر ما أثبتناه.

(3) الإستبصار 1: 93/ 300، الوسائل 1: 270 أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 2.

54

و من هنا يعلم أن ما أجاب به العلّامة عن حجة ابن بابويه و ابن الجنيد؛ من الحمل علىٰ الاستحباب (1)، لأن ما ذكرناه يعني به الأخبار التي أشرنا إليها يدل علىٰ نفي الوجوب، فلو لم يحمل الأمر هنا علىٰ الاستحباب لزم الجمع بين الضدين؛ محل بحث علىٰ تقدير العمل بالموثق، فليتأمّل في هذا حق التأمّل.

و إذا عرفت حقيقة الحال فما ذكره الشيخ في توجيه الخبر لا يخفىٰ ما فيه من البُعد، و لو حمل علىٰ التقية أمكن، و الاستحباب ربما أمكن أيضا، إلّا أن فيه ما فيه.

باب مصافحة الكافر و مسّ الكلب

[الحديث 1]

قال: أخبرني الحسين بن عبيد اللّٰه، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أبي عبد اللّٰه الرازي، عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة، عن سيف بن عميرة، عن عيسىٰ بن عمر (2) مولى الأنصار، أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يحل له أن يصافح المجوسي (3)؟ قال (4): «لا» فسأله أ يتوضّأ (5) إذا صافحهم؟ فقال: «نعم، إنّ مصافحتهم تنقض الوضوء».

____________

(1) المختلف 1: 92.

(2) في نسخة من الاستبصار 1: 89/ 285: عمرو.

(3) في «رض»: المجوس.

(4) في الاستبصار 1: 89/ 285: فقال.

(5) في الاستبصار 1: 89/ 285: هل يتوضأ.