الحاشية على من لا يحضره الفقيه

- الشيخ البهائي المزيد...
200 /
5

الإهداء

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

6

إلى رئيس المحدّثين، و فقيه القمّيّين، ذي الجدّ الدائب، و الفكر الصائب، المولود بدعاء الإمام الحجّة الغائب (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي الشيخ الصدوق (رضوان اللّه تعالى عليه) أهدي هذا الجهد البسيط، سائلا من الحقّ سبحانه أن يغفر لي و لوالديّ ما تقدّم من الذنب و ما تأخّر

فارس

7

مقدّمة التحقيق

ترجمة المؤلّف (1)

اسمه و نسبه الشريف

الشيخ بهاء الدين أبو الفضائل محمّد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمّد بن عليّ بن الحسن (الحسين) بن محمّد بن صالح الحارثي الهمداني العاملي

____________

(1) تجد ترجمته أيضا في: نقد الرجال، ص 303، الرقم 260؛ كشف الظنون، ج 1، ص 720؛ ريحانة الألبّاء، ج 1، ص 207، الرقم 32؛ روضة المتّقين، ج 14، ص 433- 436؛ أمل الآمل، ج 1، ص 155، الرقم 158؛ جامع الرواة، ج 2، ص 100؛ رياض العلماء، ج 2، ص 110، و ج 5، ص 88- 97؛ لؤلؤة البحرين، ص 16، الرقم 5؛ روضات الجنّات، ج 7، ص 56، الرقم 599؛ تكلمة أمل الآمل، ص 447، الرقم 440؛ الكنى و الألقاب، ج 2؛ ص 89؛ الفوائد الرضويّة، ص 502؛ هديّة الأحباب، ص 109؛ مراقد المعارف، ج 1، ص 204، الرقم 69؛ هديّة العارفين، ج 2، ص 273؛ أعيان الشيعة، ج 9، ص 234؛ خلاصة الأثر، ج 3، ص 440؛ ريحانة الأدب، ج 3، ص 320؛ تنقيح المقال، ج 3، ص 107؛ مصفّى المقال، ص 403؛ الغدير، ج 11، ص 321، الرقم 81؛ الذريعة، ج 1، ص 85 و 110 و 113 و 425؛ الأعلام (للزركلي)، ج 6، ص 102؛ فلاسفة الشيعة، ص 446- 465؛ معجم المؤلّفين، ج 9، ص 242؛ قصص العلماء، ص 233؛ معجم رجال الحديث، ج 16، ص 10، الرقم 10570.

و انظر أيضا ما كتبه المحقّقون الأفاضل: «أكبر الإيراني القمّي، أبو جعفر الكعبي، عليّ الخراساني، عليّ المرواريد، ماجد الغرباوي، محمّد بحر العلوم، محمّد الحسّون، مهدي الخراسان، مهدي الرجائي، هادي القبيسي» في مقدّمات الكتب الّتي حقّقوها للمؤلّف (رحمه اللّه).

8

الجبعي ... ينتهي نسبه إلى الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني الّذي كان من أصحاب أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) المخلصين له.

و يلتقي نسبه الشريف مع نسب الشيخ تقيّ الدين إبراهيم بن عليّ الكفعمي صاحب: المصباح، و البلد الأمين، و محاسبة النفس و غيرها، و ذلك أنّ الشيخ البهائي حفيد أخ الشيخ الكفعمي.

ولادته:

ولد ببعلبك في لبنان يوم الأربعاء 27 ذي الحجّة من سنة 953 ه. ق- 1547 م.

و قد قيل في ولادته (رحمه اللّه) أقوال اخرى؛ منها: أنّه ولد بقزوين في إيران، و في يوم الخميس 17 محرّم سنة 948 أو 951 ه. ق، إلّا أنّ المرجّح هو ما أثبتناه أوّلا.

والده:

الشيخ عزّ الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني العاملي، كان عالما، ماهرا، محقّقا، مدقّقا، متبحّرا، جامعا، أديبا، منشئا، شاعرا، عظيم الشأن، جليل القدر، من تلاميذ الشهيد الثاني، له مؤلّفات؛ منها: كتاب الأربعين حديثا، رسالة في الردّ على أهل الوسواس، حاشية الإرشاد، مناظرة مع بعض فضلاء حلب في الإمامة سنة 951 ه. ق، و غيرها.

زوجته:

الشيخة بنت الشيخ عليّ المنشار العاملي، كانت عالمة، فاضلة، فقيهة، كان في جهازها يوم زفّت للشيخ البهائي عدّة كتب تامّة في فنون العلوم، و كان أبوها شيخ الإسلام بأصفهان أيّام السلطان شاه طهماسب الصفوي، و كان قد جاء من الهند في سفره الّذي سافره بكتب كثيرة، و لم يكن له غير هذه البنت، و لمّا مات انتقل كلّ ما

9

كان عنده من الكتب و الأملاك و العقار إليها.

عقبه:

قيل: أعقب بنتا واحدة فقط، و قيل: إنّه كان عقيما.

قبس من حياته العلميّة:

قال الشيخ عبد اللّه نعمة في كتابه فلاسفة الشيعة: امتاز بشخصيّة علميّة، و مكانة رائعة في جميع ميادين العلم، و بلغ من شأنه العلمي لدى الناس حدّا يكاد يلحقه في عداد الشخصيّات الاسطوريّة، و قد نسب الناس إليه غرائب و عجائب و أساطير كثيرة تعبّر تعبيرا واضحا عن أثر البهائي العلمي و نفوذه البالغ على أفكار الناس (1).

من أسفاره:

لقد سافر إلى العديد من البلدان نذكر ذلك بصورة مجملة:

1- سافر إلى الحرمين الشريفين لأداء الحجّ.

2- سافر إلى مصر، و التقى بالشيخ البكري.

3- سافر إلى القدس الشريف، و التقى بالشيخ المقدسي الشافعي.

4- سافر إلى دمشق، و التقى بالحافظ حسين الكربلائي القزويني، و التقى أيضا بالحسن البوريني.

5- سافر إلى حلب، و التقى بالشيخ عمر الفرضي.

6- سافر إلى كرك نوح، و اجتمع بالشيخ حسن بن الشهيد الثاني.

____________

(1) فلاسفة الشيعة، ص 455.

10

7- سافر إلى العراق لزيارة العتبات المقدّسة.

إضافة إلى تنقّله بين مدن إيران الّتي كان مقيما فيها، فتنقّل بين أصفهان و مشهد و هرات و قزوين و تبريز.

أقوال العلماء في حقّه:

1- المجلسي الأوّل:

«كان شيخ الطائفة في زمانه، جليل القدر، عظيم الشأن، كثير الحفظ، ما رأيت بكثرة علومه، و وفور فضله، و علوّ مرتبته أحدا» (1).

2- الحرّ العاملي:

«حاله في الفقه و العلم و الفضل، و التحقيق و التدقيق، و جلالة القدر، و عظم الشأن، و حسن التصنيف، و رشاقة العبارة، و جمع المحاسن من أن يذكر، و فضائله أكثر من أن تحصر، و كان ماهرا متبحّرا، جامعا كاملا، شاعرا أديبا منشئا، عديم النظير في زمانه، في الفقه و الحديث و المعاني و البيان و الرياضيّات» (2).

3- مصطفى التفريشي:

«جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، كثير الحفظ، ما رأيت بكثرة علومه، و وفرة فضله، و علوّ رتبته في كلّ فنون الإسلام كمن له فنّ واحد» (3).

4- الأميني:

«بهاء الملّة و الدين، و استاذ الأساتذة و المجتهدين، و في شهرته الطائلة صيته الطائر في التضلّع من العلوم، و مكانته الراسية من الفضل و الدين، غني عن تسطير ألفاظ الثناء عليه، و سرد جمل الإطراء له، فقد عرفه من عرفه، ذلك الفقيه المحقّق، و الحكيم المتألّه، و العارف البارع، و المؤلّف المبدع، و البحّاثة

____________

(1) أعيان الشيعة، ج 9/ ترجمة الشيخ البهائي.

(2) أمل الآمل، ج 2، ص 181.

(3) نقد الرجال، ص 303.

11

المكثر المجيد، و الأديب الشاعر، و الضليع من الفنون بأسرها، فهو أحد نوابغ الامّة الإسلاميّة، و الأوحدي من عباقرتها الأماثل» (1).

شيوخه:

1- الشيخ أحمد الكجائي الگيلاني المعروف ب«پير أحمد».

2- القاضي المولى أفضل القائني.

3- الشيخ حسين بن عبد الصمد- والده-، المتوفّى سنة 984 ه. ق.

4- المولى عبد اللّه بن الحسين اليزدي الشاهآبادي، المتوفّى سنة 981 ه. ق.

5- الشيخ عبد العالي الكركي، المتوفّى سنة 993 ه. ق.

6- المولى عليّ المذهب المدرّس.

7- الشيخ عمر العرضي.

8- محمّد باقر بن زين العابدين اليزدي، المتوفّى حدود سنة 1056 ه. ق.

9- محمّد بن محمّد بن أبي الحسن عليّ بن محمّد البكري، المتوفّى سنة 993 ه. ق.

10- الشيخ محمّد بن محمّد بن محمّد بن أبي اللطيف المقدسي الشافعي، المتوفّى سنة 993 ه. ق.

11- عماد الدين محمود النطاسي الشيرازي.

و غيرهم.

تلاميذه:

1- إبراهيم بن فخر الدين العاملي البازوري.

____________

(1) الغدير، ج 11، ص 249.

12

2- ظهير الدين إبراهيم الهمداني، المتوفّى سنة 1025 ه. ق.

3- الشيخ جواد بن سعد، المعروف بالفاضل الجواد البغدادي.

4- الشيخ حسن عليّ بن مولانا عبد اللّه الشوشتري.

5- السيّد حسين بن السيّد حيدر بن قمر الحسيني الكركي، المتوفّى سنة 1076 ه. ق.

6- المولى خليل بن الغازي القزويني.

7- السيّد الميرزا رفيع الدين النائيني.

8- الشيخ زين الدين بن الشيخ محمّد بن الشيخ حسن بن الشهيد الثاني.

9- سلطان العلماء، المتوفّى سنة 1064 ه. ق.

10- صدر المتألّهين الشيرازي.

11- الشيخ زين الدين عليّ بن سليمان بن درويش بن حاتم القدمي البحراني.

12- المولى مظفّر الدين عليّ.

13- السيّد ماجد البحراني.

14- المولى محسن الفيض الكاشاني، المتوفّى سنة 1091 ه. ق.

15- المولى محمّد تقيّ المجلسيّ الأوّل، المتوفّى سنة 1070 ه. ق.

16- المولى شريف الدين محمّد الروي دشتي.

17- المولى محمّد صالح بن أحمد المازندراني.

18- الشيخ محمّد بن عليّ العاملي التبنيني.

19- الشيخ محمّد القرشي صاحب «نظام الأقوال».

20- الشيخ محمود بن حسام الدين الجزائري.

و غيرهم.

13

مؤلّفاته:

1- إثبات الأنوار الإلهيّة.

2- الاثنا عشريّة، في الحجّ.

3- الاثنا عشريّة، في الزكاة.

4- الاثنا عشريّة، في الصلاة اليوميّة، فرغ منه سنة 1012 ه. ق، طبع بتحقيق الشيخ محمّد الحسّون في مجلّة تراثنا العدد 12 أوّلا، ثمّ طبع ثانيا مستقلّا و صدر عن مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي سنة 1409 ه. ق. في قم.

5- الاثنا عشريّة، في الصوم، فرغ منه سنة 1019 ه. ق، طبع بتحقيق الشيخ عليّ المرواريد في مجلّة تراثنا العدد 11.

6- الاثنا عشريّة، في الطهارة.

7- الأربعون حديثا، طبع بتحقيق الاستاذ أبي جعفر الكعبي، و صدر عن مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في قم المقدسة.

8- أسرار البلاغة.

9- بحر الحساب.

10- التحفة الحاتميّة، في الاسطرلاب.

11- تشريح الأفلاك، في الهيئة.

12- تضاريس الأرض.

13- تهذيب البيان.

14- تهذيب النحو.

15- توضيح المقاصد، فيما اتّفق في أيّام السنة.

16- جهة القبلة، طبع بتحقيق الشيخ هادي القبيسي في مجلّة تراثنا العدد 43-

14

44 سنة 1416 ه. ق، و طبع ثانية في مجلّة ميقات الحجّ العدد 13 سنة 1421 ه.

17- جوابات بعض الناس.

18- جوابات المسائل الجزائريّة البحرانيّة.

19- الجوهر الفرد.

20- حاشية إرشاد الأذهان للعلّامة الحلّي.

21- حاشية تفسير البيضاوي.

22- حاشية تفسير الكشّاف للزمخشري.

23- حاشية خلاصة الأقوال للعلّامة الحلّي.

24- حاشية الذكرى للشهيد الأوّل.

25- حاشية رجال النجاشي.

26- حاشية فهرست الشيخ منتجب الدين.

27- حاشية الكافي للكليني.

28- حاشية مختلف الشيعة للعلّامة الحلّي.

29- حاشية المطوّل للتفتازاني.

30- حاشية معالم العلماء لابن شهرآشوب.

31- حاشية من لا يحضره الفقيه للصدوق- هذا الكتاب-.

32- الحبل المتين في إحكام أحكام الدين.

33- حديقة السالكين.

34- الحديقة الهلاليّة، و هي شرح دعاء الهلال من الصحيفة السجّادية، طبع بتحقيق السيّد عليّ الخراساني، و صدر عن مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث- قم سنة 1410 ه.

15

35- حلّ الحروف القرآنيّة.

36- حواشي الزبدة.

37- خلاصة الحساب، مختصر كتابه (رحمه اللّه) بحر الحساب المتقدّم.

38- دراية الحديث.

39- رسالة في تحريم ذبائح أهل الكتاب.

40- رسالة في مقتل الإمام الحسين (عليه السلام).

41- رسالة في المواريث، تعرف بالفرائض البهائية.

42- رسالة وجيزة في الجبر و المقابلة.

43- رياض الأرواح، منظومة.

44- زبدة الاصول- طبع بتحقيقنا سنة 1423 ه.

45- سفر الحجاز.

46- شرح الجغميني، في الهيئة.

47- شرح دعاء الصباح.

48- شرح الشافية.

49- شرح الفرائض النصيريّة.

50- الصراط المستقيم.

51- العروة الوثقى، تفسير سورة الحمد، طبع بتحقيق: أكبر الإيراني القمّي، نشر دار القرآن الكريم، قم 1412 ه.

52- عين الحياة، في التفسير.

53- الفوائد الرجاليّة.

54- الفوائد الصمديّة، في النحو.

16

55- الفوز و الأمان في مدح صاحب الزمان (عليه السلام).

56- الكشكول.

57- لغز الزبدة.

58- المخلاة.

59- مشرق الشمسين و إكسير السعادتين، طبع بتحقيق السيّد مهدي الرجائي، و صدر عن مجمع البحوث الإسلاميّة، مشهد 1414 ه.

60- مفتاح الفلاح، طبع مرارا.

61- المخلّص، في الهيئة.

62- هداية العوامّ، رسالة عمليّة في الفقه.

63- الوجيزة في الدراية، طبع بتحقيق الشيخ ماجد الغرباوي في مجلّة تراثنا العدد 32- 33، سنة 1413 ه.

64- وحدة الوجود.

و غيرها.

إضافة إلى مؤلّفات عديدة اخرى بالفارسيّة، مثل: جوابات الشاه عبّاس الصفويّ، الجامع العبّاسي، خالدارنامه، جهاننما، شير و شكر «مثنوي»، گربه و موش «مثنوي»، نان و حلوا «مثنوي»، نان و خرما «مثنوي».

و المثنوي في الأدب الفارسي عبارة عن ارجوزة شعريّة.

وفاته و مرقده:

توفّي بأصفهان في «12 أو 18» شوّال من سنة 1030 ه/ 1621 م أو 1031 ه/ 1622 م، ثمّ نقل جسده الشريف إلى مشهد الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عملا بوصيّته، و دفن بها في داره قريبا من الحضرة المشرّفة.

17

قال المجلسيّ الأوّل: «تشرّفت بالصلاة عليه في جميع الطلبة و الفضلاء و كثير من الناس يقربون خمسين ألفا».

و قال أيضا: «كان عمره بضعا و ثمانين سنة إمّا واحدا أو اثنين، فإنّي سألته عن عمره رضى اللّه عنه، فقال: ثمانون أو أنقص بواحدة، ثمّ توفّي بعده بسنتين» (1).

____________

(1) أعيان الشيعة، ج 9/ ترجمة الشيخ البهائي.

18

حول الكتاب

المتن:

كتاب من لا يحضره الفقيه

مؤلّفه: الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي المعروف ب«الصدوق».

ولد في مدينة قم بعد وفاة محمّد بن عثمان العمري (ثاني السفراء الأربعة و المتوفّى سنة 305)، و في أوّل سفارة أبي القاسم الحسين بن روح (ثالث السفراء الأربعة و المتوفّى سنة 326 ه)، أى في حدود سنة 1306 ه.

قال الصدوق (رحمه اللّه) في كمال الدين (1): حدّثنا أبو جعفر محمّد بن علي الأسود رضى اللّه عنه، قال:

سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رضى اللّه عنه بعد موت محمّد بن عثمان العمري رضى اللّه عنه أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أن يدعو اللّه عزّ و جلّ أن يرزقه ولدا ذكرا.

قال: فسألته، فأنهى ذلك، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيّام أنّه قد دعا لعليّ بن الحسين و أنّه سيولد له ولد مبارك ينفع اللّه تعالى به، و بعده أولاد.

قال أبو جعفر محمّد بن علي بن الأسود رضى اللّه عنه: فولد لعليّ بن الحسين رضى اللّه عنه محمّد بن علي، و بعده أولاد.

____________

(1) ص 503 ح 31.

19

و كان الشيخ الصدوق يفتخر بهذه الولادة و يقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عليه السلام) (1).

و قد نشأ (رحمه اللّه) بين أحضان الفضيلة، يغذّيه أبوه لبان المعرفة، و يغدق عليه من فيض علومه و آدابه، و يشعّ على نفسه من نور صفائه و تقواه و ورعه و زهده، ممّا زاد في تكامله و نشوئه العلمي، فعاش الصدوق في كنف أبيه و ظلّ رعايته نيّفا و عشرين سنة ينهل من معارفه، و يستمدّ من فيض علومه و أخلاقه و آدابه.

و لم تمض فترة زمنيّة قليلة حتّى أضحى (رحمه اللّه) علما ينتفع الناس به، و أصبح آية في الحفظ و الذكاء، ففاق أقرانه بالفضل و العلم.

و قد أثّر الوضع السياسي كذلك في نموّ شخصيّته (رحمه اللّه)، فقد عاش في فترة حكم الديالمة آل بويه في العراق و ما يتّصل به من بلاد فارس (321- 447 ه) و حكم الدولة الفاطميّة في شمال إفريقيا (296- 567 ه) و حكم الدولة الحمدانيّة في الموصل و بلاد الشام (333- 394 ه) و من المعروف أنّ جميع هذه الدول كانت توالي أهل البيت (عليهم السلام).

توفّي (رحمه اللّه) سنة 381 ه، و كان عمره قد بلغ نيّفا و سبعين سنة، و دفن في مدينة الري بالقرب من قبر عبد العظيم الحسني رضى اللّه عنه، حيث يعتبر قبره اليوم مزار يزوره الناس و يتبرّكون به.

صنّف (رحمه اللّه) في شتّى الفنون و العلوم، و كان غزير التأليف، حيث بلغت مصنّفاته أكثر من ثلاثمائة، فقد الكثير منها.

و من أهمّها هو كتابه هذا- من لا يحضره الفقيه- فهو أحد المجاميع الحديثيّة الأربعة القديمة المسمّاة ب«الاصول الأربعة» للشيعة، و معوّل فقهائنا في استنباط

____________

(1) رجال النجاشي: 261 رقم 684.

20

الأحكام، و بلغ الكتاب من الأهمّيّة أن كتبه عدد من العلماء بخطّهم؛ مثل والد الشيخ الطريحي.

قال في الذريعة، ج 22، ص 233: و إحصاء المجلّدات و الأبواب و الأحاديث المسانيد و المراسيل على ما هو المنقول عن خطّ شيخنا البهائي، هكذا صورته:

أبوابه/ أحاديثه/ المسانيد/ المراسيل

المجلّد الأوّل/ 87/ 1618/ 777/ 841

المجلّد الثاني/ 228/ 1667/ 1094/ 573

المجلّد الثالث/ 173/ 1810/ 1295/ 515

المجلّد الرابع/ 178/ 903/ 777/ 126

المجموع/ 666/ 5998/ 3943/ 2055

انتهى (1).

أقول: إنّ ما ذكره البهائي (رحمه اللّه) في مقدّمة حاشيته هذه يختلف عمّا مرّ ذكره في الذريعة عن البهائي أيضا؛ فقد ذكر أنّ مجموع أحاديث كتاب من لا يحضره الفقيه 5963؛ المسند منها 4913، و المرسل بلغ 2050.

____________

(1) الذريعة، ج 6، ص 223، و ج 22، ص 232 (الرقم 6841).

21

الحاشية:

قال الشيخ الطهراني في الذريعة (ج 6، ص 7):

هي ما يكتب في أطراف الكتب من الزيادات و الإلحاقات و الشروح، من الحشو بمعنى الزائد، أو من الحاشية بمعنى الطرف من باب تسمية الحالّ باسم المحلّ، و قد ذكرنا في (ج 4، ص 222) أن لا فرق بين التعليقة، و الحاشية غير ما تداول في الألسن من أنّ التعليقة تختصّ بالعلوم العقليّة، و الحاشية لغيرها، كأنّهم ما أحبّوا تسمية تعليقاتهم الفلسفيّة بالحاشية؛ لما يتراءى منها من معنى الحشو ....

و يرجع تاريخ تعليق الحواشي على الكتب في الإسلام إلى عهد انتشار الكتب نفسها، فإنّ من قرأ شيئا من العلوم و كان عارفا بالكتابة لم يفته هذا النوع من التصنيف؛ لأنّ إبداء الرأي طبيعيّ لكلّ فرد يمكنه ذلك.

لقد كانت كتابة الحواشي قبل القرن العاشر منحصرة لكشف بعض الغوامض من المسائل، و شرح بعض العبارات المعقّدة. و تمتاز عن الحواشي بعد هذا التاريخ بكونها أوضح من المتون الّتي علّقت عليها للتوضيح.

و أما في العهد الصفوي القاجاري فنرى الحواشي قد ازدادت عددا، و زادت عباراتها إغلاقا و تعقيدا، بحيث لا تقلّ في ذلك عن المتن الّذي علّقت عليه، و كلّما نتقدّم في هذا العصر نرى هذا الأثر يشتدّ و يتّضح أكثر من ذي قبل، و الحواشي في ذلك التاريخ على ثلاثة أقسام:

1- الحواشي على الكتب الأدبيّة ...

22

2- الحواشي على الكتب الدينيّة ...

3- الحواشي على العلوم العقليّة ...

و على أيّ فإنّا نرى أنّ الكتب بضميمة الحواشي تخرج عمّا كانت عليه سابقا، و يعدّ مجموعه تأليفا جديدا للمحشي؛ لأنّه ألّف بعضه إمضاء و بعضه الآخر إبداعا، كما هو الحال في أكثر التصانيف المستقلّة أيضا حيث يجمع المؤلّف فيها بين جملة من المطالب الّتي تعرّض لها غيره من قبل، و بين ما يبدعه هو نفسه. غاية الأمر أنّ المحشّي لا يتعب نفسه إلّا في كتابة ما أبدعه في الهامش فقط، و لهذا فقد كثر عدد الحواشي بحيث خرجت عن حدّ الإحصاء. و لجميع هذه الأقسام أهمّيّتها التاريخيّة للبحث عن التطوّر العقلي للمجتمع الّذي ولدت فيه هذه الأفكار ...

حاشية البهائي:

حاشية مهمّة جدّا و مختصرة، حوت تحقيقات جيّدة، بلغ فيها البهائي (رحمه اللّه) إلى أحكام منزوحات البئر من كتاب الطهارة، أي إلى ص 21 من المجلّد الأوّل من كتاب من لا يحضره الفقيه.

قال الشيخ الطهراني:

عبّر عنه الشيخ الحرّ في المقدّمة الثانية من تحرير الوسائل بالشرح. و عبّر بالشرح أيضا في تكملة نقد الرجال.

و قد يعبّر عنه بالتعليقات لقوله (رحمه اللّه) في ديباجته: «هذا ما لم يعق عنه عوائق الزمان، و لم تصدّ عن تحريره علائق الدهر الخوّان، من تعليقات حسان كأنّهنّ اللؤلؤ و المرجان، يكشف عن كتاب

23

من لا يحضره الفقيه نقابها» رأيت نسخة عصر المؤلّف في خزانة شيخنا الشيرازي كان عليها تملّك الشيخ يحيى بن عيسى النجفي في 1048 ه، و هي إلى أواسط منزوحات البئر، و رأيت في النجف نسخة اخرى بخطّ الشيخ محمّد بن عليّ الجزائري في 1098 ه، عليها صورة إجازة العلّامة المجلسي للمحدّث الجزائري عند السيّد مصطفى بن أبي القاسم بن أحمد بن الحسين بن السيّد عبد الكريم الجزائري التستري النجفي (1).

النسخ المعتمدة:

اعتمدت في عملي على النسختين المخطوطتين التاليتين:

1- مصوّرة النسخة المخطوطة المحفوظة في مركز إحياء التراث الإسلامي بالرقم 295، ذكرت في فهرس المركز للمصوّرات (ج 1، ص 349)، و هي مصوّرة عن النسخة المحفوظة في مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي (قدس سره) في قم المقدّسة بالرقم 1769، و المذكورة في فهرس المكتبة (ج 5، ص 150) كتبت النسخة في «42» صفحة بخطّ النسخ، بقياس: 5/ 20 15 سم، و حوت كلّ صفحة 21 سطرا. كاتبها عبد اللطيف بن نعمة اللّه بن فرج اللّه بن سلمان بن محمّد بن الحارث المنصوري في المشهد الغرويّ (النجف الأشرف).

و رمزت لها بالحرف «ع».

2- مصوّرة النسخة المخطوطة في المجموعة رقم «7466» الكتاب الثاني-

____________

(1) الذريعة، ج 6، ص 224 (الرقم 1260). و ذكرها ثانية في ج 14، ص 94. و ذكر هذه الحاشية أيضا السيّد إعجاز حسين الكنتوري في كشف الحجب و الأستار، ص 190 (الرقم 982) و قال: لم تتمّ.

24

المحفوظة في مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي (قدس سره) في قم المقدّسة، و المذكورة في فهرس المكتبة (ج 19، ص 265)، كتبت في «30» صفحة بخطّ النسخ، بقياس 5/ 25 5/ 18 سم، و حوت كلّ صفحة 21 سطرا، كاتبها محمّد حسين بن منصور السبزواري سنة 1075 ه. ق. في المشهد المقدّس الرضويّ.

و رمزت لها بالحرف «ش».

و ذكرت النسختان في التراث العربي في خزانة مخطوطات مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي (قدس سره) (ج 2، ص 364).

منهج التحقيق:

أمّا منهج عملي في هذه الحاشية القيّمة فهو كالتالي:

1- أثبت في أعلى الصفحة متن كتاب من لا يحضره الفقيه الذي تناوله المحشّي (رحمه اللّه) بالشرح و التوضيح.

2- استنسخت النسخة «ع» و عرضت عليها النسخة «ش»، و أثبتّ نصّا ملفّقا متقنا قدر الوسع و الإمكان.

3- ما وجد في إحدى النسختين حصرته بين [] دون الإشارة إليه.

4- أشرت لمواضع الاختلاف بين النسختين في الهامش.

5- ما أضفته من المصادر حصرته بين [] مع الإشارة إلى المصدر.

6- الآيات الشريفة أعربتها وفق القرآن الكريم.

7- الأحاديث الشريفة أرجعتها إلى مصادرها.

8- أقوال و فتاوى العلماء أرجعتها إلى مؤلّفاتهم.

9- صنعت بعض الفهارس الفنّيّة العامّة و ألحقتها في آخر الكتاب.

25

و أخيرا أحمده و أشكره عزّ و جلّ أن وفّقني لتحقيق هذه الرسالة الشريفة سائلا منه تعالى أن يزيد عليّ في مننه، إنّه نعم المعطي و نعم المجيب.

فارس حسّون كريم

قم المقدّسة

17 ربيع الأوّل 1423 ه. ق

ذكرى مولد الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و آله)

و حفيده الإمام الصادق (عليه السلام)

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

صورة الصفحة الاولى من النسخة المخطوطة «ع»

28

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المخطوطة «ع»

29

صورة الصفحة الاولى من النسخة المخطوطة «ش»

30

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المخطوطة «ش»

31

[خطبة الكتاب]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

أبهى خبر (1) يبتدأ به الكلام، و أحسن حديث يفتتح به المرام، حمد اللّه سبحانه على آلائه المستفيضة الجسام، و نعمائه المتواترة العظام.

و الصلاة و السلام على سيّد الأنام و آله المطهّرين من (2) الأدناس و الآثام.

و بعد، قال أقلّ العباد محمّد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفا اللّه عنه (3): هذا ما لم تعق عن تقريره عوائق الزمان، و لم تصدّ عن تحريره علائق الدهر الخوّان، من تعليقات حسان، كأنّهنّ اللؤلؤ و المرجان، تكشف عن [خبايا] كتاب من لا يحضره الفقيه نقابها، و تميط عن خفاياه حجابها، و ألتمس منكم- يا إخوان الدين و خلّان اليقين- أن تصونوها عن كلّ غبيّ غويّ، و لا تبذلوها إلّا إلى ذكيّ زكيّ، و أن تمنّوا علينا بإصلاح فاسدها، و ترويج كاسدها، و أجركم على اللّه، وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلّٰا بِاللّٰهِ.

____________

(1) في «ش»: بصر.

(2) في «ش»: عن.

(3) في «ش»: فإنّ أقلّ العباد المشتهر ... عفا اللّه عنه يقول ...

32

[باب المياه و طهرها و نجاستها]

باب المياه و طهرها و نجاستها قال الشيخ السعيد الفقيه أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ مصنّف هذا الكتاب (رحمة اللّه عليه):

إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1)، و يقول عزّ و جلّ: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ (2)، و يقول عزّ و جلّ: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (3).

فأصل الماء كلّه من السماء، و هو طهور كلّه، (1) و ماء البحر طهور، و ماء البئر طهور.

____________

قال (4) (قدس اللّه روحه): «إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً- إلى قوله:- و هو طهور كلّه».

(1) [أقول:] يجوز أن يراد بالسماء في هذه الآيات و أمثالها السحاب؛ فإنّ السماء

____________

(1) سورة الفرقان، الآية 48.

(2) سورة المؤمنون، الآية 18.

(3) سورة الأنفال، الآية 11.

(4) في «ش»: قوله. و كذا في الموارد الآتية.

33

..........

____________

في اللغة تطلق على ما علا، و لذلك (1) يسمّون السقف سماء، و أن يراد بها الفلك على معنى أنّ المطر ينزل منه إلى السحاب، و من السحاب إلى الأرض، و لا التفات إلى ما زعمه الطبيعيّون إذ لم يقيموا على ما زعموه من سبب حدوث المطر برهانا تركن النفس إليه، و لو سلّمنا ذلك لأمكن أن يكون المراد بإنزال الماء من السماء أنّه حصل من أسباب سماويّة تصعد من أعماق الأرض إلى الجوّ أجزاء بخاريّة مرطّبة (2) فتنعقد سحابا ماطرا كما قالوه، و اللّه أعلم بحقائق الامور.

و قد أطنبنا الكلام في معنى الطهور في مشرق الشمسين (3) و حواشينا على المختلف فليرجع إليه [من أراده].

و اعلم أنّه قد اعترض بعض الناظرين في هذا الكتاب على مؤلّفه- (قدس اللّه روحه)- ب:

أنّك عنونت (4) الباب بالمياه و طهرها، و الجمع المحلّى باللام يفيد العموم، و أوردت الآيات الكريمة للاستشهاد، و لا دلالة في شيء منها على [أنّ] كلّ ماء طهور، بل ليس في الآية الثانية إشعار بطهوريّة (5) شيء من المياه أصلا.

و أيضا، فتفريعك على تلك الآيات كون جميع المياه [من السماء]

____________

(1) في «ش»: و كذلك.

(2) في «ع»: بطيّة.

(3) مشرق الشمسين، ص 371 و ما بعدها.

(4) في «ع»: عنونت عنوان.

(5) في «ع»: بطهور.

34

..........

____________

غير مستقيم؛ إذ النكرة إنّما تفيد العموم في سياق النفي لا الإثبات.

و توجيه التفريع و إن أمكن في الآية الوسطى نظرا إلى ما يومئ إليه التهديد في قوله سبحانه: وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ (1) من أنّه تعالى إن أذهب الماء النازل من السماء لم يبق لنا ماء، لكنّه لا يتمشّى (2) في سابقتها و لاحقتها.

و بالجملة فغفلتك عن ورود هذين الإيرادين عليك في مفتتح كتابك أمر عجيب.

هذا خلاصة كلامهم.

و قال والدي (رحمه اللّه) حال قراءتي عليه هذا الكتاب في توجيه كلام المؤلّف طاب ثراه:

إنّه أراد أن يثبت بمجموع الآيات الثلاث مطلبين: أوّلهما أنّ الماء كلّه طهور، و ثانيهما أنّ الماء كلّه من السماء.

و هذا لا يتوقّف على دلالة كلّ من الآيات الثلاث على كلّ واحد من المطلبين، بل يكفي دلالة بعضها على أحدهما، و البعض الآخر على الآخر، و حيث إنّه- سبحانه و تعالى- في مقام الامتنان علينا بخلق الماء، فلو كان بعضه ينزل (3) من السماء، و البعض الآخر ينبع من الأرض، لكان الامتنان بإنزاله من فوق رءوسنا و إنباعه من تحت أقدامنا أتمّ من الامتنان بالأوّل فقط، مع أنّ الانتفاع بالثاني أكثر؛ فإنّ المدار على الأنهار و الآبار و العيون، فلا يليق الإغماض عنها بالكلّيّة و الاقتصار على الامتنان بما هو دونها. و بهذا يندفع الإيرادان عنه طاب ثراه.

____________

(1) سورة المؤمنون، الآية 18.

(2) في «ش»: لا يتسمّى.

(3) في «ش»: منزل.

35

1- و قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): «كلّ ماء طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر» (1). (1)

____________

و كذا يندفع عن الشيخ (رحمه اللّه) ما أورده (2) بعضهم من فساد تعريفه (3) في التهذيب (4) طهارة جميع المياه و طهوريّتها، سواء نزلت من السماء أو نبعت من الأرض (5) على قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (6).

قال (قدس اللّه روحه): و قال الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر (7).

(1) [أقول:] هذا الحديث كتاليه من مراسيل المؤلّف (رحمه اللّه)، و هي كثيرة في هذا الكتاب تزيد على ثلث الأحاديث الموردة فيه، و ينبغي أن لا يقصر الاعتماد عليها من (8) الاعتماد على مسانيده من حيث تشريكه بين النوعين؛ من كونه (9) ممّا يفتي به، و يحكم بصحّته، و يعتقد أنّه حجّة بينه و بين اللّه سبحانه، بل ذهب جماعة من الاصوليّين إلى ترجيح مراسيل العدل على مسانيده؛ محتجّين بأنّ قول العدل: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كذا» يشعر بإذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال: «حدّثني

____________

(1) القذر: الوسخ. و هنا بمعنى: النجس.

(2) في «ش»: ما أورد.

(3) في «ش»: تفريعه.

(4) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 214، ب 10.

(5) في «ش»: سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض.

(6) سورة الفرقان، الآية 48.

(7) مدارك الأحكام، ج 1، ص 48.

(8) في «ش»: عن.

(9) في «ش»: في كونهما.

36

..........

____________

فلان عن فلان أنّه قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كذا». و قد جعل أصحابنا- قدّس اللّه أرواحهم- مراسيل محمّد بن أبي عمير (رحمه اللّه) كمسانيده في الاعتماد عليها؛ لما علموا من عادته أنّه لا يرسل إلّا عن ثقة، فجعل مراسيل المؤلّف- طاب ثراه- كمراسيله نظرا إلى ما قدّره في صدر الكتاب، جار على نهج الصواب.

و قد عدّدنا ما اشتمل عليه هذا الكتاب من المراسيل فبلغت ألفين و خمسين حديثا، و أمّا مسانيده فثلاثة آلاف و تسعمائة و ثلاثة عشر حديثا، فجميع الأحاديث المودعة فيه خمسة آلاف و تسعمائة و ثلاثة و ستّون حديثا، فنسأل اللّه سبحانه التوفيق لإبراز (1) كنوز حقائقها، و إحراز رموز دقائقها، إنّه سميع مجيد.

و مضمون هذا الحديث مرويّ في الكافي (2): عن محمّد بن يحيى و غيره، عن محمّد بن أحمد، عن الحسن بن الحسين (3) اللؤلؤي، بإسناده قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الماء [كلّه] طهور حتّى تعلم أنّه قذر».

و الشيخ رواه في التهذيب (4) عن الكليني بهذا الطريق و عن غيره بطريقين آخرين (5).

____________

(1) في «ش»: وفّقنا اللّه سبحانه لإبراز.

(2) الكافي، ج 3، ص 1 (ح 2)؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 134 (ذ ح 5)، و ص 142 (ح 2).

(3) كذا في الكافي و التهذيب، و في «ش، ع»: الحسين بن الحسن.

و ذكر السيّد الخوئي (قدس سره): «الحسن بن الحسين اللؤلؤي» في معجم رجال الحديث، ج 4، ص 308 (الرقم 2784). و ذكر أيضا «الحسين بن الحسن اللؤلؤي» في ج 5، 219 (الرقم 3362)، و أشار لوقوع التحريف في اسمه.

(4) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 215 (ح 2)؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 134 (ذ ح 5).

(5) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 215 (ح 3)، و ص 216 (ح 4)؛ وسائل الشيعة، ج 1،

37

2- و قال (عليه السلام): «الماء يطهّر و لا يطهّر». (1)

____________

ثمّ العلم في قوله (عليه السلام): «حتى تعلم أنّه قذر» محمول عند بعض الأصحاب كأبي الصلاح على الظنّ، فإنّه اكتفى به في الحكم بالنجاسة سواء استند إلى سبب شرعي كإخبار المالك و شهادة عدلين أم لا. و عند بعضهم كابن البرّاج (1) على العلم القطعي، فإنّه لا يعتبر ظنّ النجاسة و إن استند إلى سبب شرعي، و عند آخرين كالعلّامة (2) على ما يعمّ القطع و الظنّ المستند إلى سبب شرعي لا مطلق الظنّ، و أنت خبير بأنّ فهم هذا التعميم من الرواية بعيد بخلاف الأوّلين.

قال (قدس اللّه روحه): و قال (عليه السلام): «الماء يطهّر و لا يطهّر».

(1) [أقول:] ربّما يشكل حكمه (عليه السلام) بأنّ الماء لا يطهّر فإنّ القليل يطهر بالجاري و بالكثير من الراكد، فلعلّه (عليه السلام) أراد أنّ الماء يطهّره غيره و لا يطهّره غيره.

فإن قلت: هذا [أيضا] على إطلاقه غير مستقيم فإنّ البئر تطهر بالنزح و هو غير الماء.

قلت: مطهّر ماء البئر في الحقيقة ليس هو النزح، و إنّما هو الماء النابع منها شيئا فشيئا وقت إخراج الماء المنزوح، فالإطلاق مستقيم.

فإن قلت: الماء النجس يطهر بالاستحالة ملحا؛ إذ ليس أدون من الكلب إذا استحال ملحا، فقد طهّر الماء غيره.

قلت: المراد أنّ الماء يطهّر غيره من الأجسام و لا يطهّره غيره منها، على أنّه

____________

ص 134 (ح 5).

(1) المهذّب، ج 1، ص 20 و 30.

(2) مختلف الشيعة، ج 1، ص 180؛ قواعد الأحكام، ج 1، ص 189.

38

..........

____________

يمكن أن يقال: [إنّ الماء] إذا استحال ملحا فقد عدم، فلم يبق هناك ماء مطهّر لغيره.

فإن قلت: الماء النجس إذا شربه حيوان مأكول اللحم و صار بولا فقد طهّره جوف الحيوان، فقد طهّر الماء غيره من الأجسام من دون انعدام.

قلت: كون المطهّر له جوف الحيوان ممنوع، و إنّما يطهّره استحالته بولا على وتيرة استحالته ملحا.

فإن قلت: الماء القليل النجس لو كان كرّا بالمضاف (1) و لم يسلبه الإطلاق طهر عند جمع (2) من الأصحاب (3)، فقد طهّر الماء جسم مغاير له.

قلت: يمكن أن يقال بعد مماشاتهم في طهارته بالإتمام أنّ المطهّر هنا مجموع الماء البالغ كرّا [لا] المضاف.

و قد روي هذا الحديث في الكافي (4)، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): الماء يطهّر و لا يطهّر».

و رواه في التهذيب (5) من الكافي.

____________

(1) في «ش»: بمضاف.

(2) في «ش»: جماعة.

(3) رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثانية، ص 361؛ المراسم في الفقه الإمامي، 36؛ المهذّب، ج 1، ص 23؛ السرائر، ج 1، ص 63 و كذا قاله الشافعي في الأمّ، ج 1، ص 5.

(4) الكافي، ج 3، ص 1 (ح 1).

(5) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 215 (ح 1)؛ عنه وسائل الشيعة، ج 1، ص 134 (ح 2) و عن الكافي و روي في المحاسن (للبرقي) ج 2، ص 396 (ح 4)؛ مختلف الشيعة، ج 1،-

39

فمتى وجدت ماء و لم تعلم فيه نجاسة فتوضّأ منه و اشرب، (1) و إن وجدت فيه ما ينجّسه فلا تتوضّأ منه و لا تشرب، إلّا في حال الاضطرار فتشرب منه، و لا تتوضّأ منه و تيمّم إلّا أن يكون الماء كرّا فلا بأس بأن تتوضّأ منه و تشرب؛ وقع فيه شيء أو لم يقع.

____________

قال (قدس اللّه روحه): فمتى وجدت ماء و لم تعلم فيه نجاسة فتوضّأ منه و اشرب.

(1) [أقول:] كلامه هذا متفرّع على ما تضمّنه الحديث الأوّل، فكان الأولى تأخيره عن تاليه. و قد أورد أعزّ أعاظم السادات الأعلام سلّمه اللّه تعالى (1) [أنّ] التفريع عليهما معا، بل على الثاني و حده جيّد؛ إذ جواز الوضوء به إنّما يتفرّع على كونه مطهّرا، و هو إنّما استفيد من الثاني.

و أمّا الأوّل فإنّما دلّ على كونه طاهرا و هو لا يستلزم طهوريّته؛ ألا ترى أنّ الماء المنفصل عن الأعضاء في غسل الجنابة طاهر بالاتّفاق، غير مطهّر عند المؤلّف (2)

و الشيخين (3) قدّس اللّه أسرارهم.

____________

ص 223؛ المهذّب البارع، ج 1، ص 116.

(1) مراده: المعلّم الثالث الفيلسوف المحدّث الفقيه السيّد محمّد باقر الأسترآبادي المشتهر ب«داماد»، كان بين الداماد و البهائي- (رحمهما اللّه)- من الصداقة و التآخي ما لم يكن بين عالمين في آن واحد، توفي سنة 1041 ه. انظر ترجمته في أعيان الشيعة، ج 9، ص 189.

و للداماد حاشية على الفقيه ينقل عنها تلميذه و صهره على بنته السيّد الأمير الحسيني العلوي الموسوي في كتابه فضائل السادات. انظر: الذريعة، ج 6، ص 223 (الرقم 1351)، و ج 16، ص 258- 259.

(2) المقنع، ص 17 و 18 و 41. و قال في الهداية، ص 67: لا بأس بالوضوء من فضل الحائض و الجنب.

(3) المقنعة، ص 64، تهذيب الأحكام، ج 1، ص 222 (ح 17- 20)، الاستبصار، ج 1، ص 17 (ح 3- 6).

40

..........

____________

و هو كلام جيّد متين، إلّا أنّ تفريع قول المؤلّف طاب ثراه: «فمتى وجدت ماء و لم تعلم فيه نجاسة» مع قوله: «و إن وجدت [فيه] ما ينجّسه» إلى آخره، على الحديث الأوّل أنسب كما لا يخفى.

و أمّا قوله أدام اللّه إقباله: إنّ الطهوريّة إنّما استفيدت من الثاني [لا من الأوّل]، فقيه: إنّ الآيات الكريمة قد أفادتها قبله، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ التفريع على الكتاب و السنّة معا أولى، تأمّل [فيه] فإنّ مجال البحث واسع.

و قوله: «إلّا في حال الاضطرار» يمكن أن يكون استثناء من النهي عن مجموع الأمرين [معا]، أي إنّهما معا منهيّ عنهما في كلّ الأحوال إلّا في حال الاضطرار؛ فإنّ النهي عن الأوّل فقط، و يجوز أن يجعل استثناء من الثاني.

و أمّا قوله: «إلّا أن يكون الماء كرّا» فإمّا أن يجعل (1) استثناء من حصر الشرب في حال الاضطرار، أو من قوله: «فلا تتوضّأ منه» إلى آخره، و لا يخفى عليك أنّ المراد ما ينجّسه بالفعل ليستقيم (2) قوله: «فلا تتوضّأ منه و لا تشرب»، و حينئذ يصير في قوله: «إلّا أن يكون الماء كرّا» نوع حزازة، فتأمّل (3).

و لا بدّ من (4) تخصيص الماء في قوله: «فإن وجدت ماء» (5) بالراكد ليصحّ

____________

(1) في «ش»: يكون.

(2) في «ش»: حتّى يستقيم.

(3) لا يصحّ كلامه هكذا: «إن وجدت في الماء ما ينجّسه فلا تتوضّأ منه و لا تشرب إلّا أن يكون كرّا» و فساده ظاهر، فقولنا: «نوع حزازة» رعاية الأدب، و في الأمر بالتأمّل إشارة إلى هذا.

منه (رحمه اللّه).

(4) في «ش»: في.

(5) في «ش»: الماء.

41

ما لم يتغيّر ريح الماء، (1) فإن تغيّر فلا تشربه (1)، و لا تتوضّأ منه.

____________

الحصر في قوله: «إلا أن يكون الماء كرّا»، اللّهمّ إلّا أن يشترط (رحمه اللّه) الكرّيّة (2) في الجاري، كما هو مذهب العلّامة (3) طاب ثراه، لكنّ كلام الذكرى (4) يعطي عدم اشتراطها عند قدمائنا (5).

قال (قدس اللّه روحه): «ما لم يتغيّر ريح الماء».

(1) [أقول:] هذا قيد لأوّل الشقّين، و ظاهره أنّه قيد للتعميم، و فيه ما لا يخفى (6)، و قد اقتصر (رحمه اللّه) على تغيّر الريح و لم يذكر أخويه كما هو المشهور، و قد يعتذر له بلزومهما له، و هو إن تمّ في الطعم لم يتمّ في اللون، و المراد التغيّر بالنجاسة لا بالمتنجّس كالمسك النجس، و لا برائحة النجاسة الخارجة كالجيفة المجاورة.

و هذا يستفاد من كلامه بخلاف الأوّل، و يمكن أن يحمل التغيّر في كلامه على [ما يشمل] تغيّر الماء من نفسه كالماء الآجن (7) من غير أن تقع فيه نجاسة،

____________

(1) في بعض نسخ كتاب من لا يحضره الفقيه: فلا تشرب منه.

و إنّ هذا النهي لم يقتصر فقط على تغيّر الريح، و إنّما تغيّر اللون و الطعم أيضا بمنزلته.

كما روى المحقّق في المعتبر، (ج 1، ص 40) نقلا عن العامّة بروايتهم عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، قال: خلق الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه. انظر أيضا: سنن ابن ماجة، ج 1، ص 174 (ح 521).

(2) في «ش»: نفي الكرّيّة.

(3) في «ش»: العلماء.

انظر: تذكرة الفقهاء، ج 1، ص 17، عنه ذكرى الشيعة، ج 1، ص 79.

(4) ذكرى الشيعة، ج 1، ص 79.

(5) في «ش»: عنده ثانيا.

(6) إذ على تقدير عدم وقوع نجاسة فيه لا يضير تغيّر ريحه من نفسه. منه (رحمه اللّه).

(7) الماء الآجن: أي المتغيّر لونه و طعمه. (مجمع البحرين، ج 6، ص 197- أجن).

42

[حد الكر]

و الكرّ ما يكون ثلاثة أشبار طولا، في عرض ثلاثة أشبار، في عمق ثلاثة أشبار. (1)

____________

و لا يستبعد ذلك كثيرا فقد ورد فيه روايات. كما رواه الشيخ (1) في الصحيح؛ عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الماء الآجن يتوضّأ منه إلّا أن تجد غيره (2)» إلى آخره (3).

قال (قدس اللّه روحه): و الكرّ ما يكون ثلاثة أشبار ... إلى آخره.

(1) [أقول:] هذا أحد التقديرات، و هو مذهب القمّيّين (4)، و قد أطنبنا الكلام في تحقيق (5) الكرّ في الحبل المتين (6) بما لا مزيد عليه.

و اعلم أنّ الشيخ في التهذيب (7) أورد رواية الثلاثة [في الثلاثة] عن المفيد، عن أحمد بن محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى (8)، عن أحمد بن

____________

(1) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 217 (ح 9)؛ الاستبصار، ج 1، ص 12 (ح 3)؛ المعتبر، ج 1، ص 38؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 23؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 103 (ح 2).

(2) في تهذيب الأحكام: إلّا أن يجد ماء غيره.

(3) وردت هذه الفقرة في «ش» بعد شرحه (رحمه اللّه) الفقرة الاولى: إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول:

وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً.

(4) فتاوى عليّ بن بابويه- والد الصدوق (رحمهما اللّه)-، ص 19، مطبوع في «رسالتان مجموعتان».

و ذكره الصدوق أيضا في الأمالي، ص 514؛ المقنع، ص 31.

(5) في «ش»: مساحة.

(6) الحبل المتين، ص 374- 385. و هما رسالتان شريفتان؛ الاولى في تحقيق مقدار الكرّ، و الثانية في تحقيق الكرّ.

(7) تهذيب الأحكام، ج 1، 42 (ح 54)؛ الكافي، ج 3 (ح 7)، عنهما وسائل الشيعة، ج 1، ص 160 (ح 7).

(8) زاد في الوسائل: عن محمّد بن أحمد بن يحيى.

43

..........

____________

محمّد، عن البرقي، عن عبد اللّه بن سنان، عن إسماعيل بن جابر (1)، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الّذي لا ينجّسه شيء.

قال: «كرّ».

قلت: و ما الكرّ؟

قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».

و قد أطبق علماؤنا من زمن العلّامة- طاب ثراه- إلى زماننا هذا على صحّة هذه الرواية (2)، حتّى انتهت النوبة إلى بعض الفضلاء المعاصرين فحكموا بضعفها، و إنّ العلّامة و من تأخّر عنه مخطئون في القول بصحّتها، و احتجّوا على ذلك بأنّ الشيخ رواها في موضع (3) آخر من التهذيب (4)، عن المفيد، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد [، عن محمّد] بن خالد،

____________

(1) هو: إسماعيل بن جابر الجعفي الكوفي، من أصحاب الإمام الباقر و الصادق و الكاظم (عليهم السلام)، اختلف في نسبته، فنسب تارة إلى جعفي، و اخرى إلى خثعم، و هو من أصحاب الاصول و الكتب.

تجد ترجمته في: رجال النجاشي، ص 32، (الرقم 71)؛ رجال الشيخ، ص 105 (الرقم 18) و ص 147 (الرقم 93) و ص 343 (الرقم 13)؛ الفهرست، 53 (الرقم 49)، رجال العلّامة الحلّي، ص 8 (الرقم 2).

(2) مختلف الشيعة، ج 1، ص 183- 184. إلّا أنّ العلّامة قال في منتهى المطلب، ج 1، ص 38- بعد نقله الرواية-: و هي مدفوعة بمخالفة الأصحاب لها إلّا ابن بابويه ... و لعلّه تعويل على هذه الرواية، و هي قاصرة عن إفادة مطلوبه.

(3) في «ش»: مواضع.

(4) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 37 (ح 40).

44

..........

____________

عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر [عن الصادق (عليه السلام)، و ملاحظة طبقات الرواة تقتضي أنّ المتوسّط في الرواية الاولى بين البرقي و إسماعيل بن جابر] هو محمّد بن سنان لا عبد اللّه؛ فإنّ الطرفين قبل و بعد متّحدان. و رواية البرقي لعبد اللّه منتفية قطعا؛ لأنّه من أصحاب الصادق (عليه السلام)، و البرقي لتأخّره (1) [بكثير] لا يروي [إلّا] عنهم من دون واسطة، فروايته هذه إنّما هي عن محمّد؛ لأنّهما في طبقة واحدة من أصحاب الرضا (عليه السلام).

و من هذا يظهر أنّ إبدال الشيخ (رحمه اللّه) محمّدا بعبد اللّه توهّم فاحش، و منه نشأ توهّم صحّتها.

هذا ملخّص كلامهم كما في كتاب منتقى الجمان (2) و غيره.

و ربّما أيّده بعضهم بأنّ وجود الواسطة في الرواية الاولى بين ابن سنان و بين الصادق (عليه السلام) يدلّ على أنّه محمّد لا عبد اللّه؛ لأنّ زمان محمّد متأخّر عن زمانه (عليه السلام) بكثير، فتخلّل الواسطة إنّما يليق به. و أمّا عبد اللّه فهو من أصحابه (عليه السلام) فأخذه عنه يكون بالمشافهة لا بالواسطة.

و أقول: [إنّ] الّذي يقتضيه النظر أنّ الوهم في هذا المقام إنّما هو من هؤلاء لا من العلّامة و من وافقه، و لا من شيخ الطائفة نوّر اللّه مرقده؛ فإنّ إدراك البرقي زمان عبد اللّه بن سنان الّذي هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) ليس أمرا مستنكرا، فإنّه روى عن أمّة (3) من أصحابه (عليه السلام) بغير واسطة؛ كروايته عن ثعلبة بن ميمون حديث

____________

(1) في «ش»: بتأخّره.

(2) منتقى الجمان، ج 1، ص 51.

(3) في «ش»: كثير.

45

..........

____________

الاستمناء باليد (1)، و عن زرعة حديث صلاة الأسير في باب صلاة الخوف (2)، و عن داود بن أبي يزيد حديث من قتل أسدا في الحرم (3)، و هؤلاء كلّهم من أصحاب الصادق (عليه السلام)، فكيف لا ينكر روايته عنهم بلا واسطة و تنكر روايته عن عبد اللّه بن سنان!!

و أمّا ما أيّدوا به كلامهم فإنّما يتأيّد به لو لم توجد الواسطة بين عبد اللّه و بين الإمام (عليه السلام) في شيء من الأحاديث، لكنّها كثيرة؛ كتوسّط عمر بن يزيد (4) في دعاء آخر سجدة من نافلة المغرب (5)، و توسّط حفص الأعور في تكبيرات الافتتاح (6)، و قد يتوسّط شخص واحد بين كلّ من الرجلين و بينه (عليه السلام) كإسحاق بن عمّار فإنّه متوسّط بين محمّد و بينه (عليه السلام) في سجدة الشكر (7)، و كذا بين عبد اللّه و بينه (عليه السلام) في طواف الوداع (8).

و قد وجدنا ما يدلّ على لقاء البرقي إسماعيل بن جابر في باب تطهير المياه

____________

(1) تهذيب الأحكام، ج 10، ص 64 (ح 234)؛ الاستبصار، ج 4، ص 226 (ح 847)؛ عنهما وسائل الشيعة، ج 28، ص 363 (ح 3).

(2) الكافي، ج 3، ص 457 (ح 4)؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 175 (ح 391)، و ص 299 (ح 910)؛ عنه وسائل الشيعة، ج 8، ص 448 (ح 2).

(3) الكافي، ج 4، ص 237 (ح 26)؛ تهذيب الأحكام، ج 5، ص 366 (ح 1275)؛ الاستبصار، ج 2، ص 208 (ح 712)؛ عنه وسائل الشيعة، ج 13، ص 79 (ح 1).

(4) في «ع»: عمرو بن أبي يزيد.

(5) تهذيب الأحكام، ج 2، ص 115 (ح 199)، عنه وسائل الشيعة، ج 7، ص 394 (ح 3).

(6) تهذيب الأحكام، ج 2، ص 67 (ح 243)، عنه وسائل الشيعة، ج 6، ص 20 (ح 1).

(7) علل الشرائع، ص 56 (ح 2)، عنه وسائل الشيعة، ج 7، ص 12 (ح 4).

(8) تهذيب الأحكام، ج 5، ص 253 (ح 856)؛ عنه وسائل الشيعة، ج 13، ص 299 (ح 3).

46

..........

____________

من النجاسات من التهذيب (1)؛ و [هو] ما رواه الشيخ؛ عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه البرقي، عن إسماعيل الجعفي، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يصلّي و الدم يسيل من ساقه.

فإن قلت: [لعلّ] إسماعيل المذكور في هذا السند هو إسماعيل بن عبد الرحمن؛ فإنّه جعفيّ أيضا فكيف حكمت بأنّه ابن جابر؟

قلت: إنّ إسماعيل بن عبد الرحمن مات في أيّام الصادق (عليه السلام) كما نصّ عليه علماء الرجال (2)، و رواية البرقي- و هو من أصحاب الرضا (عليه السلام)- عمّن مات في زمن الصادق (عليه السلام) مستنكرة.

و أمّا روايته عمّن بقي إلى زمن (3) الكاظم (عليه السلام) كثعلبة و زرعة و داود و أمثالهم فلا استنكار (4) فيها.

و من هذا القبيل روايته عن عبد اللّه بن سنان؛ فإنّ عبد اللّه كان خازنا للرشيد، فلا تستنكر رواية البرقي له.

و لا أظنّك بعد ما تلونا (5) عليك في ريب من أنّ نسبة الوهم إلى شيخ الطائفة في توسيط (6) عبد اللّه بن سنان [بين] البرقي و إسماعيل بن جابر [و هم]، و إنّ الحكم

____________

(1) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 256 (ح 30)؛ الاستبصار، ج 1، ص 176، ح 6؛ عنهما وسائل الشيعة، ج 3، ص 434 (ح 3).

(2) رجال الطوسي، ص 147 (الرقم 84).

(3) في «ش»: زمان.

(4) في «ش»: استنكاف.

(5) في «ش»: تلوته.

(6) في «ع»: توسّط.

47

..........

____________

بخطإ العلّامة و من تأخّر عنه في وصف (1) تلك الرواية بالصحّة خطأ، و اللّه أعلم بحقائق الامور.

فإن قلت: قد سلّمنا سلامة هذه الرواية من (2) طعن اولئك الطاعنين في صحّتها بما قرّرته، لكن يتوجّه الطعن فيها من جهة اخرى؛ و هي قول النجاشي (3): «إنّ البرقي ضعيف في الحديث»، و قول الغضائري (4): «إنّه يروي عن الضعفاء و يعتمد المراسيل»، فكيف حكم العلّامة و سائر المتأخّرين عنه بصحّتها؟

قلت: أمّا كلام الغضائري فلا يستلزم القدح في توثيقه، و إلّا لزم القدح في كثير من [الثقات؛ لأنّ روايتهم عن غير الثقات أكثر من] أن يحصى.

و أمّا قول النجاشي: إنّه ضعيف في الحديث، فيحتمل أمرين:

الأوّل: أن يكون من قبيل قولنا: فلان ضعيف في النحو، إذا كان لا يعرف منه إلّا القليل.

الثاني: أن يكون المراد بتضعيف الحديث (5) روايته الحديث عن الضعفاء، و اعتماده على (6) المراسيل، و مع قيام الاحتمال يسقط الاستدلال، مع أنّ الشيخ

____________

(1) في «ش»: و من تأخّر عنه و وصف.

(2) في «ش»: عن.

(3) رجال النجاشي، ص 76 (الرقم 182). إلّا أنّ كلامه فيه هكذا: و كان ثقة في نفسه، يروي عن الضعفاء، و اعتمد المراسيل.

(4) نقل قوله في خلاصة الأقوال العلّامة الحلّي، ص 63 (الرقم 7) هكذا: طعن عليه القمّيّون، و ليس الطعن فيه و إنّما الطعن فيمن يروي عنه، فإنّه كان لا يبالي عمّن يأخذ.

(5) في «ش»: أن يكون مراده بتضعيف حديثه.

(6) في «ش»: عن.

48

..........

____________

[قد] حكم بتوثيقه في كتاب الرجال (1)، و وافقه العلّامة في الخلاصة (2) بعد نقله كلام الغضائري و النجاشي.

و الحاصل: إنّ كلام النجاشي و الغضائري ليس فيه تصريح [بجرح] الرجل، و كلام الشيخ و العلّامة نصّ في توثيقه، فكيف تعدل عن النصّ الصريح من المقال و تركن إلى ما يتطرّق إليه الاحتمال؟ و هلّا علمنا في هذا المقام بقوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (3).

و بعض الناظرين في كلام العلّامة- طاب ثراه- اعترض عليه بأنّ توثيقه للبرقي مخالف لما قرّره في كتبه الاصوليّة من تقديم قول الجارح [على قول المعدّل عند التعارض (4)، كيف و الجارح] هنا متعدّد و المعدّل منفرد!؟

و لا أظنّك تمتري في أنّ كلام هذا المعترض غير وارد على العلّامة عند التأمّل

____________

(1) رجال الطوسي، ص 398 (الرقم 8- أصحاب الجواد (عليه السلام))، و ذكره تارة اخرى في ص 410 (الرقم 16- أصحاب الهادي (عليه السلام))، و أمّا توثيقه له فقد جاء في الفهرست، ص 62 (الرقم 65).

(2) خلاصة الأقوال، ص 63 (الرقم 7).

(3) روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، انظر: كنز الفوائد، ج 1، ص 351؛ غوالي اللئالي، ج 1، ص 394 (ح 40)؛ بحار الأنوار، ج 2، ص 259 (ذ ح 7)، و ص 260 (ح 16)، و ج 77، ص 171.

و روي أيضا عن عبد اللّه بن جعفر، انظر: الغارات، ص 135؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6، ص 216؛ بحار الأنوار، ج 33، ص 538.

و ورد أيضا مرسلا في: النهاية، ابن الأثير، ج 2، ص 286؛ بحار الأنوار، ج 67، ص 349، و ج 74، ص 214، و ج 83، ص 270.

(4) نهاية الاصول، ص 150 (مخطوط)، البحث السادس: في أحكام التزكية و الجرح.

49

..........

____________

فيما تلوناه (1) عليك من ترجيح النصّ على الاحتمال، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

و لنعد (2) إلى الكلام في متن الحديث، فنقول: قد طعن (3) المحقّق (4) فيه بخلوّه عن تقدير البعد الثالث، و دفعه بعضهم (5) بدلالة سوق الكلام على المرام، و مثله كثير في المحاورات، بل قد يسكت البلغاء عن ذكر ثالث الثلاثة من غير ذكر ما يدلّ عليه.

و منه قول الشاعر (6):

كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * * * من العبيد و ثلث من مواليها

و قد عدّ بعضهم من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و آله) [لمّا عدّ ملاذّ الدنيا]: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب، و النساء، و قرّة عيني في الصلاة» (7).

فإنّ الصلاة ليست من [لذّة] الدنيا، فهو (صلى اللّه عليه و آله) لمّا عدّد (8) من ملاذّ الدنيا اثنين عزفت نفسه المقدّسة عن ذكر الثالثة فكأنّه يقول: ما لي و لتعداد ملاذّ الدنيا؟

____________

(1) في «ش»: تلوته.

(2) في «ش»: و لنرجع.

(3) في «ش»: أطلق.

(4) المعتبر، ص 46. و ذكر البهائي (رحمه اللّه) مثل كلامه هذا أيضا في الحبل المتين، ص 108.

(5) انظر: روض الجنان، ص 140؛ ذخيرة المعاد، ص 122.

(6) هو جرير الخطفي، انظر ديوانه (ص 498)؛ و قد قاله ضمن قصيدة يهجو فيها بني حنيفة.

و فيه: «صارت» بدل «كانت».

(7) الخصال، ص 165 (ح 217 و 218)؛ بحار الأنوار، ج 76، ص 141 (ح 8)، و ج 82، ص 211 (ح 22 و 23)، و ج 103، ص 218 (ح 7).

(8) في «ش»: عدّ.

50

..........

____________

قرّة عيني في الصلاة.

قالوا: و الثانية: استئنافية.

هذا و قد أورد شيخنا الشهيد الثاني في شرح الإرشاد مثل هذا الطعن على الرواية [المشهورة] المشتملة على زيادة النصف، و هي رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟

قال: «إذا كان [الماء] ثلاثة أشبار و نصفا في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه من الأرض فذلك الكرّ من الماء» (1).

قال (رحمه اللّه): إنّ قدر العمق مسكوت عنه في هذه الرواية. انتهى (2).

و قد وجّهتها في الحبل المتين (3) على وجه تسلم (4) من هذا الطعن، و هو إعادة الضمير في قوله (عليه السلام): «في مثله» إلى ما دلّ عليه قوله (عليه السلام): «ثلاثة أشبار و نصفا» أي في مثل ذلك المقدار.

و كذا الضمير في قوله (عليه السلام): «في عمقه» أي: في عمق ذلك المقدار، و لنا في كلامه- (قدس اللّه روحه)- مناقشة اخرى بعد الإغماض عن هذا التوجيه؛ و هي أنّ (5)

المسكوت عنه في تلك الرواية إنّما هو العرض، و أمّا العمق فمبيّن؛ لأنّ قوله (عليه السلام):

____________

(1) الكافي، ج 3، ص 3 (ح 5)؛ تهذيب الأحكام، ج 1، ص 42 (ح 116)؛ الاستبصار، ج 1، ص 10 (ح 14)؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 166 (ح 6).

(2) روض الجنان، ص 140.

(3) الحبل المتين، ص 108.

(4) المراد: تسلم فيه.

(5) في «ش»: إنّما.

51

..........

____________

«في عمقه من الأرض» إمّا حال «من مثله» أو نعت ل«ثلاثة أشبار» الّذي هو بدل «من مثله»، و لو لا الحمل على هذا لصار قوله (عليه السلام): «في عمقه من الأرض» كلاما متهافتا، و حاشا مثلهم (عليهم السلام) عن التلفّظ بمثله.

و اعلم أنّ الرواية الّتي عوّل عليها جمهور المتأخّرين في مساحة الكرّ هي هذه الرواية، و قد بيّنّا في الحبل المتين (1) أنّها في غاية الضعف لوجوه شتّى، و لم أظفر في تقدير الكرّ بالمساحة برواية صحيحة بعد صحيحة (2) القمّيّين؛ أعني صحيحة إسماعيل بن جابر السابقة، [إلّا صحيحته] الاخرى: قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الماء الّذي لا ينجّسه شيء؟

قال: «ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (3). (4)

و حيث إنّهم قدّروا الذراع بشبرين فهذه الرواية صريحة في أنّ الكرّ ستّة و ثلاثون شبرا، و الجمع بين هاتين الصحيحتين و رواية أبي بصير المنجبرة بالشهرة ليس إلّا بحمل الزائد على رواية القمّيّين على الاستحباب، فأعلى مراتبه [حينئذ] ما يقرب من مائة شبر كما هو قول ابن الجنيد (5).

و نحن و إن لم نظفر بمستنده لكنّ حديث: «من بلغه ثواب من اللّه تعالى على

____________

(1) الحبل المتين، ص 108.

(2) في «ش»: رواية.

(3) قال الشيخ الحرّ العاملي (رحمه اللّه): المراد بالسعة: كلّ واحد من الطول و العرض، ففيه اعتبار أربعة أشبار في العمق، و ثلاثة في الطول، و ثلاثة في العرض ...

(4) المقنع، ص 31؛ تهذيب الأحكام، ج 1، ص 41 (ح 114)؛ الاستبصار، ج 1، ص 10 (ح 1)؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 164 (ح 1)؛ بحار الأنوار، ج 80، ص 18 (ضمن ح 10).

(5) مختلف الشيعة، ج 1، ص 183.

52

..........

____________

عمل» (1) يقتضي حصول الثواب به، و لعلّ تحديده (رحمه اللّه) إنّما هو لأعلى (2) المراتب.

و أمّا ما ذهب إليه القطب الراوندي (3) من أنّ الكرّ ما بلغ مجموع أبعاده الثلاثة عشرة أشبار و نصفا من غير اعتبار الضرب، فهو يوجب تفاوتا فاحشا بين الأفراد الّتي يصدق عليها هذا التحديد، بل يقتضي [اتّصاف] الأقلّ بالكرّيّة دون الأكثر، و هذا أمر شنيع لا يقبله العقل.

بيان ذلك: إنّ هذا التحديد كما يصدق على المذهب المشهور يصدق على ما نقص عنه بكثير، كما لو كان الطول تسعة أشبار و العرض شبرا واحدا و العمق نصف شبر مثلا، بل مع صدقه على هذا لا يصدق على الكرّ عند القمّيّين، و هذا من أغرب الغرائب، و ظنّي أنّ الراوندي (رحمه اللّه) إنّما أراد أنّ الكرّ ما لو كانت أبعاده الثلاثة متساوية، و كان مجموعها عشرة أشبار و نصفا، لا ما فهمه الفقهاء- رضى اللّه عنهم- من كلامه، و حينئذ [يندفع عنه تلك التشنيعات، و] ينطبق تحديده على المذهب المشهور [و اللّه أعلم بحقائق الامور].

____________

(1) هذا الخبر من الأخبار المشهورة، رواه الخاصّة و العامّة بأسانيد و ألفاظ مختلفة.

انظر: المحاسن للبرقي، ج 1، ص 93 (ح 1 و 2)؛ الكافي، ج 2، ص 87 (ح 1 و 2)؛ ثواب الأعمال، ص 160 (ح 1)؛ تاريخ بغداد، ج 8، ص 296؛ جامع بيان العلم، ج 1، ص 22؛ إقبال الأعمال، ص 116؛ مجمع الزوائد، ج 1، ص 149؛ عدة الداعي، ص 20؛ المطالب العالية، ج 3، ص 111 و 119؛ كنز العمّال، ج 10، ص 262 (ح 1317)، و ج 15، ص 791 (ح 43132)؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 63 و 80 (ح 1) و ص 81 (ح 3 و 4) و ص 82 (ح 8 و 9)، و ج 30، ص 246؛ بحار الأنوار، ج 2، ص 256 (ح 1- 4)؛ عوالم العلوم، ج 3، ص 576 (ح 1- 3) و ص 577 (ح 4).

(2) في «ع»: على.

(3) نقله عنه في مختلف الشيعة، ج 10، ص 184.

53

و بالوزن ألف و مائتا رطل بالمدنيّ. (1)

____________

قال (قدس اللّه روحه): و بالوزن ألف و مائتا رطل بالمدنيّ.

(1) [أقول:] الرواية المتضمّنة لتقدير الكرّ بالأرطال صحيحة ابن أبي عمير، [عن بعض أصحابه]، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: « [الكرّ] ألف و مائتا رطل (1)» (2).

و ليس في هذه الرواية إشعار بكون الأرطال مدنيّة أو عراقيّة، لكنّ المؤلّف- طاب ثراه- حملها على المدنيّة، و وافقه المرتضى رضى اللّه عنه (3)، و حملها الشيخان (4) على [العراقيّة]، و وافقهما المتأخّرون (5).

و قد يحتجّ للمؤلّف- طاب ثراه- و السيّد [المرتضى رضى اللّه عنه] تارة بالاحتياط و اخرى بأنّ الظاهر أنّه (عليه السلام) أجاب بما هو عرف بلده.

و ردّ بأنّ الاحتياط (6) في الانتقال إلى التيمّم بملاقاة النجاسة ذلك المقدار، و بأنّ الإجابة على عرف بلد السائل ممكنة أيضا، و لعلّه عراقي كما أنّ ابن أبي عمير كذلك، و جعله من أصحابه يؤيّد ذلك.

و قد يحتجّ للشيخين و أتباعهما بأنّ الحمل على العراقيّة هو المناسب للتقدير

____________

(1) زاد في «ع»: بالعراقيّ.

(2) الكافي، ج 3، ص 3 (ح 6)؛ المقنع، ص 31؛ تهذيب الأحكام، ج 1، ص 41 (ح 113)؛ الاستبصار، ج 1، ص 10 (ح 15)؛ المعتبر، ص 47؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 167 (ح 1)؛ بحار الأنوار، ج 80، ص 18 (ذ ح 10).

(3) رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثالثة، ص 22.

(4) المقنعة، ص 64؛ المبسوط، ج 1، ص 6. و في «ش»: الشيخ.

(5) المهذّب (لابن البرّاج)، ج 1، ص 21؛ الوسيلة (لابن حمزة)، 73؛ السرائر، ابن إدريس، ج 1، ص 60.

(6) في «ش»: بأنّه لا احتياط.

54

..........

____________

بالأشبار (1) لزيادة المدنيّة زيادة فاحشة.

و بأنّ صحيحة محمّد بن مسلم، عن الصادق (عليه السلام) «أنّ الكرّ ستّمائة رطل» (2) يقتضي ذلك؛ لإرادة أرطال [مكّة] الّتي هي ضعف أرطال العراق، و أصحاب ابن أبي عمير لا ينحصرون (3) في العراقيّين، و احتمال إرادة الشيعة الإماميّين قائم.

و قد استدلّ العلّامة في المختلف (4) على اعتبار العراقيّة بأصالة طهارة الماء، خرج ما (5) نقص عن العراقيّة بالإجماع، فبقي الباقي، فكأنّه- طاب ثراه- لم يعتد بقول [القطب] الراوندي: «إنّ الكرّ ما بلغ مجموع أبعاده الثلاثة عشرة أشبار و نصفا» (6). و نحن وجّهنا كلامه (رحمه اللّه) في الحبل المتين (7) بما لا يخرج به عن كلام المتأخّرين، و قد يعارض استدلال العلّامة بما دلّ على (8) مفهوم الشرط في صحيحة محمّد بن مسلم من قول الصادق (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ (9) لم ينجّسه شيء» (10)

____________

(1) في «ش»: بالاشتهار.

(2) تهذيب الأحكام، ج 1، ص 414، (ح 1308)؛ الاستبصار، ج 1، ص 11، (ح 17)؛ مختلف الشيعة، ج 1، ص 185؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 168 (ح 3).

(3) في «ع»: لا تنحصر.

(4) مختلف الشيعة، ج 1، ص 185.

(5) في «ع»: عمّا.

(6) نقله عنه في مختلف الشيعة، ج 1، ص 184.

(7) الحبل المتين، ص 108.

(8) في «ع»: عليه.

(9) في «ش»: إذا بلغ كرّا.

(10) الكافي، ج 3، ص 2؛ تهذيب الأحكام، ج 1، ص 39، ح 107 و ص 226 (ح 651)؛ الاستبصار، ج 1، ص 6، ح 1، و ص 20، ح 45؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 158، (ح 1).