السراج الوهاج

- ابراهيم بن سليمان القطيفي المزيد...
129 /
1

[مقدمة التحقيق]

تأليف الشيخ إبراهيم بن سليمان «الفاضل القطيفي»

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

نبذة من حياة الفاضل القطيفي (ره)

ذكره- أول من ذكره- الحر العاملي في القسم الثاني من كتابه «أمل الآمل» الذي سماه: «تذكرة المتبحرين في تراجم العلماء المتأخرين» فاكتفى فيه بقوله: إبراهيم ابن سليمان القطيفي، فاضل عالم محدّث، له كتب منها كتاب «الفرقة الناجية» حسن، توفي بالغري، من المتأخرين (1).

ثمّ ذكره صاحب «الحدائق» في «الكشكول» عن رسالة لبعض فضلاء تلامذة المجلسي، و المقصود به صاحب «رياض العلماء» قال: الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، ثمّ الغروي، ثمّ الحلي، الإمام الفقيه الفاضل، العالم الكامل، المحقق المدقق، المعاصر للشيخ علي الكركي. كان يسكن المشهد المقدس الغروي (2).

مشايخه:

قال: و الذي يظهر من اجازة الشيخ إبراهيم هذا للمولى شمس الدين محمّد بن الحسن الأسترآبادي أنّه يروي عن الشيخ علي بن هلال (الجزائري) بواسطة واحدة (3) و قد كتب بخطه الشريف اجازة لتلميذه المير معزّ الدين محمّد بن تقي الدين

____________

(1) أمل الآمل 2: 8.

(2) كشكول الشيخ يوسف البحراني 1: 289 نقلا عن رياض العلماء للمولى عبد اللّه الأصفهاني.

(3) رياض العلماء 1: 15 عن كشكول البحراني.

4

الحسيني الأصفهاني، و يظهر من تلك الإجازة أنّ الشيخ علي بن هلال المذكور كان عمّ هذا الشيخ. و كان تاريخ الإجازة: سنة ثمان و عشرين و تسعمائة (1) و قال في الإجازة السابقة: إنّ عدة من الفضلاء أجازوه، و لكن أوثقهم الشيخ إبراهيم بن الحسن بن علي بن هلال الجزائري المذكور (2) و عليه فالواسطة واسطتان.

و من مشايخه المحقق الثاني الكركي، فقد انهى صاحب «الكشكول» إجازته إلى المترجم عن الكركي (3).

تلامذة و الراوون عنه:

قال: و يروي عنه أيضا جماعة من العلماء، كما يظهر ذلك من إجازاته.

منهم: تلميذه السيّد معزّ الدين محمّد بن تقي الدين محمّد الحسيني الأصفهاني، و له منه إجازة تاريخها سنة ثمان و عشرين و تسعمائة، في المشهد المقدس الغروي، و قد رأيتها بخطه الشريف على ظهر «الشرائع» التي كانت لتلميذه المذكور، و خطه لا يخلو من رداءة.

و منهم أيضا: السيّد شريف الدين الحسيني المرعشي التستري، والد القاضي نور اللّه التستري صاحب «مجالس المؤمنين» على ما صرّح به القاضي نور اللّه في حواشي «المجالس» المذكور (في ترجمة هشام بن سالم).

و منهم: السيّد الآميرزا نعمة اللّه الحلي (4).

و قد سبق القول عن أجازته للمولى شمس الدين محمّد بن الحسن الأسترآبادي.

و أضاف صاحب «الحدائق» في سلسلة أجازته: الشيخ حسين بن عبد الحميد، و المولى كريم الدين الشيرازي عن القطيفي (5).

____________

(1) رياض العلماء 1: 17، 18 عن الكشكول.

(2) رياض العلماء: 1: 15 عن الكشكول.

(3) لؤلؤة البحرين: 159.

(4) رياض العلماء 1: 15 و ترجم له في روضات الجنات.

(5) لؤلؤة البحرين: 159.

5

و أضاف صاحب «روضات الجنات»: المولى شمس الدين محمّد بن تركي و تاريخ أجازته له سنة خمس عشرة و تسعمائة، بعد سنتين من وروده العراق (1).

و منهم: شاه محمود الخليفة الشيرازي (2).

مؤلفاته:

1- أدعية سعة الرزق و قضاء الدين في مجموعة مختصرة- الذريعة 1: 398.

2- الأربعون حديثا- ينقل عنه العلامة المجلسي في البحار- الذريعة 1: 410.

3- تحقيق الفرقة الناجية مرتب على مقدمة و ثلاثة فصول و خاتمة، أوله: يا من جعل عليا العلي الهادي، إلى دين مختاره من الحاضر و البادي .. فهذه نفقة صدرت في تحصيل أنّ الفرقة الناجية عند اللّه هم الشيعة الإمامية. و قال في خاتمتها:

و لنختم رسالتنا هذه بثلاث فوائد. و بعد الفوائد قال: أجببت تتميم ما أسلفته بأحاديث حسنة لا يكاد يظفر بها مجتمعة إلا قليل من العلماء، و هي مؤكدة لما تقدم من أنّ الحق انما هو كون الفرقة الناجية شيعة علي (عليه السلام). ثم أورد ثمانية عشر حديثا و بها تتم النسخة، كتبت في شعبان 1006 ه فرغ منه في 5 صفر 945 هالذريعة 16: 177.

4- تعليقات على الشرائع- الذريعة 6: 106 بعنوان حاشية على الشرائع.

5- الثمانية عشر حديثا، و هي تتمة رسالته السابقة في تحقيق الفرقة الناجية كما مر، و ذكرها في الذريعة 5: 11 بهذا العنوان و ذكر لها نسختين إحداهما للمرحوم المساوي.

6- حاشية الألفية للشهيد- الذريعة 6: 22 و 11: 107 بعنوان شرح الألفية و قال: أو له: الحمد للّه الذي تفرد بالكبرياء و توحد بالجلال. فرغ منه نهار الأحد السادس عشر من محرم سنة 939 و عناوينه: أقول .. رأيت نسخة منه في مكتبة المولى محمّد علي الخوانساري في النجف الأشرف. و عبّر عنه مؤلفه بالحاشية.

____________

(1) روضات الجنات 1: 27.

(2) روضات الجنات 1: 29.

6

7- الرسالة الحائرية، كما في الذريعة 6: 4. و سيأتي الحديث عنها.

8- الرسالة الرضاعية، في عموم قاعدة التنزيل، ردّا على المحقق الكركي، ذكرها في الذريعة 11: 188 و قال: طبعت منضمة إلى رضاعيات أخر بايران، أو لها: يا من فطرنا بفطرته ..

9- رسالة في حرمة صلاة الجمعة في زمن الغيبة مطلقا، ردّا على المحقق الكركي في قوله بوجوبها مع وجود المجتهد الجامع لشرائط الفتوى، كما في رياض العلماء و الذريعة 15: 62.

10- رسالة في حرمة السجود على التربة المشوية (المطبوخة) و هي و ان لم يذكرها الأفندي في «رياض العلماء» فلم ينقل عنه و لم يذكره البحراني لا في «الكشكول» و لا في «لؤلؤة البحرين» و لا العلامة الطهراني في «الذريعة» و لكنه ذكر ردّها من شيخه الشيخ الكركي و قال: ردّ فيها على معاصره الشيخ إبراهيم القطيفي المانع منه. فرغ منها 933، و نقل ذلك عن «رياض العلماء» (1).

11- الرسالة الصومية- الذريعة 11: 204 و قال: هي موجودة في المكتبة الرضوية. و نقل عنها بعض فتاواه الأردبيلي في «شرح الإرشاد».

12- رسالة في شرح عدد (محرمات الذبيحة) كما في الذريعة 20: 148.

مختصرة.

13- السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج- و هو هذا الكتاب و سيأتي الكلام عنه.

14- شرح الأسماء الحسنى- الذريعة 13: 88 و قال: مبسوط طويل الذيل كثير الفوائد، فرغ منه في سنة 934 ه، كما في رياض العلماء.

15- النجفية في سهو اليومية- مرتبة على مقدمة و بابين و خاتمة أو لها:

«الحمد للّه الذي اصطفى محمّدا على سائر الأنبياء .. اني لم أظفر على مؤلف لضبط

____________

(1) الذريعة 12: 148. و راجع هامش كتاب السرائر الحاوي لابن إدريس طبعة جماعة المدرّسين 1: 33.

7

السهو في الصلاة على انفراد، الا ما ألفه بعض الفضلاء المحقّقين في رسالة تسمى «السهوية» فتأملتها فإذا هي لا تخلو من اضطراب، و سميتها: النجفية في سهو اليومية، الذريعة 11: 227. و قال: توجد عند المحدث القمي نسخة عصر المصنف كتبت في النجف الأشرف ثم قرئت عليه فكتب الإنهاء: في مجالس آخرها الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة سبع و عشرين و تسعمائة و في بعض إجازاته أذن في العمل بخلافياتها ما دام حيّا. و القمي ذكر نسخته في الفوائد الرضوية: 6.

16- نفحات الفوائد و مفردات الزوائد. قال فيه: دعاني حب الوحدانية و عزة الجبروتية، و سطوة الإلهية و قدرة الفردانية، مما لا تحيط به القوة الإمكانية إلا بما تلهمه الألطاف الرحمانية في قوله تعالى «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلَّا اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا» فإنه ممّا تحيرت فيه عقول اولي الألباب و كثر فيه القيل و القال بين حملة الكتاب- حاشا وارث العلم عن الحق الصواب، فإنهم الراسخون فيه، و العاملون بتأويل المتشابه و ردّه الى المحكم من الخطاب- حتى أنّ بعض الأفاضل رجّح أنّ الدليل فيها اقناعي. و هو تهجّم عظيم على الحضرة الربوبية. و ها أنا ذا أسطر ما سنح لي .. فرغ منه 13 شوال ستة 945 و هي أجوبة لاسئلة افتراضية في الفسلفة الدينية، عناوينها: إن سأل سائل كذا نقول كذا ..

17- نوادر الأخبار الطريفة- الذريعة 24: 344 و الظاهر أنها هي الثمانية عشر حديثا المارّ الذكر.

18- النية- الذريعة 24: 439 و قال: موجودة في الرضوية وقف سنة 1145.

19- الهادي إلى الرشاد في شرح الإرشاد للعلامة- الذريعة 25: 15 خرج منه الطهارة و قليل من الصلاة، نسخة منه في الرضوية، و اخرى عند السيّد محمّد علي الروحاني بأصفهان. و ذكره بعنوان حاشية الإرشاد للعلامة- الذريعة 6: 11.

20- واجبات الصوم، أوله: يا ولي العناية اجعلنا من أهل عنايتك، منها نسخة في الرضوية كتبت في سنة 1067 هكما في الذريعة 25: 2. و لعلها هي الرسالة الصومية السابقة الذكر.

8

الرسالة الحائرية:

نقل أكثر رسائله هذه المرحوم المولى عبد اللّه الأفندي في «رياض العلماء» و نقلها عنه صاحب «الحدائق» في «لؤلؤة البحرين» ثمّ قال: و العجب أنّه مع كونه يروي عن الشيخ علي الكركي المذكورة، كانت له معه معارضات و مناقضات، بل رأيت في كلامه في بعض كتبه ما يدل على القدح في فضل الشيخ علي المذكور و نسبته إلى الجهل- كما هو شأن جملة من المعاصرين- حتى أنّه ألف في جملة من المسائل في مقابلة رسائل الشيخ علي المذكور ردّا عليه و نقضا لما ذكره منها: مسألة حلّ الخراج ..

و رسالة حرمة الجمعة زمان الغيبة .. و رسالة المنزلة في الرضاع .. و في الجميع ما أصاب و لا وافق الصواب.

و قد وقعت بيدي رسالة من رسائله سمّاها ب «الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية» ذكر في صدر الرسالة المذكورة ما اتفق له مع الشيخ علي في سفره معه للمشهد المقدس الرضوي من المسائل التي نسبه فيها الى الخطأ.

منها: أنّ العشرة القاطعة لكثرة السفر يشترط فها التتالي أم لا؟ فنسب الى نفسه الأول و إلى الشيخ علي الثاني، و في هذه المسألة صنّف الرسالة المشار إليها.

و منها: أنّه نقل عنه: أن من لم يجد ساترا الا جلد الكلب و عليه في نزعه تقية سقط عنه فرض أداء الصلاة. قال: فبالغته في ذلك فأبى إلا الإصرار على ما قاله ..

فأعرضت عنه و حملته على الغفلة و عدم المطالعة.

و منها: أنه حكم باستحباب الوضوء المجدّد على من اغتسل غسل الجنابة، و بالغته في ذلك و قلت له: ان المجدّد لا يستحب الا مع سبق وضوء قبله. فقال: و في غسل الجنابة وضوء ضمنا.

ثمّ ذكر: «أني دخلت يوما الى ضريح الرضا (عليه السلام) فوجدته هناك فجلست معه، فاتّفق حضور بغية العلماء الوارثين و زبدة الفضلاء الراسخين جمال الملة و الدين. فابتدأ- بحضوره- معرضا عليّ: لم لم تقبل جائزة الحكام؟! فقلت: لأن التعرض لها مكروه.

9

فقال: بل واجب أو مستحب.

فطالبته بالدليل.

فاحتج بفعل الحسن (عليه السلام) مع معاوية و قال: ان التأسي إما واجب أو مندوب، على اختلاف المذهبين.

فأجبته عن ذلك و استشهدت بقول الشهيد «((رحمه اللّه) تعالى)» في «الدروس»:

«ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل، و لا يعارض ذلك أخذ الحسن (عليه السلام) جوائز معاوية؛ لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة».

فمنع- أولا- كون ذلك في «الدروس» ثمّ التزم بالمرجوحية. و عاهد اللّه تعالى هناك أن يقصر كلامه على قصد الاستفادة بالسؤال و الإفادة بالجواب.

ثم فارقته قاصدا الى المشهد الغروي على أحسن الحال.

فلما وصلت تواترت الأخبار عنه من الثقات و غيرهم بما لا يليق بالذكر الى أن انتهى الأمر إلى دعواه العلم و نفيه عن غيره. فبذلت وسعي بجميع أنواع الملاطفة في رضاه بالاجتماع للبحث و المذاكرة فأبى».

و في آخر الرسالة ذكر ما صورته: «و إذ فرغت من هذه فأنا مشتغل بنقض رسالته «الخراجية» و كشف لبس ما رتّبه فيها من المباحث الاقناعية» و هو مما يقضى منه العجب العجيب، كما لا يخفى على الموفّق الأريب (1).

و قال قبله المولى عبد اللّه الأفندي في «رياض العلماء»: و تكثرت المعارضات بينه و بين الشيخ علي الكركي، حتى أن أكثر الإيرادات التي أوردها الشيخ علي في بعض رسائله في الرضاع و الخراج و غيرهما ردّ عليه [1].

ثمّ قال: و قد سمعت من الأستاذ «المجلسي» أيده اللّه- مشافهة- ما يدل على القدح في فضله، بل في تديّنه، حيث انه نقل لي: أنّه رأى مجموعة بخط الشيخ

____________

[1] رياض العلماء 1: 17 و لا يخفى أنّ هذا عكس ما مرّ عن صاحب لؤلؤة البحرين، و هو وهم غريب أو سهو فلم، فلا ريب أن رسائل القطيفي ردّ على الكركي لا بالعكس.

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 161- 162.

10

إبراهيم هذا، و قد ذكر افتراءات على الشيخ علي (1).

و نقل ذلك صاحب «لؤلؤة البحرين» و قال: و من وقف على ما نقلناه عن الرسالة المتقدمة، و ما حذفناه مما هو من هذا القبيل و أشنع، عرف صحة ما ذكره شيخنا المذكور. و لكن هذه طريقة قد جرى عليها جملة من العلماء من تخطئة بعضهم بعضا في المسائل، و ربما انجرّ الى التجهيل و الطعن في العدالة (2).

و عليه فصاحب «لؤلؤة البحرين» حمل المجموعة بخط الشيخ إبراهيم هذا التي كانت عند المجلسي على الرسالة الحائرية، و قد مرّ فيما نقل البحراني عنها اعتراض الكركي على القطيفي في حرم الامام الرضا (عليه السلام): أنّه لم لم يقبل جائزة الحكام؟! و لكن الأفندي نقل الاعتراض هذا هكذا:

«سمعنا من المشايخ أنّه كان (رحمه اللّه) بمشهد الحسين (عليه السلام) أو المشهد الغروي على مشرفه أفضل الصلاة و السلام، و اتّفق ورود الشيخ علي المذكور هناك، و اجتمعنا خلف القبر المبارك في الرواق. و كان السلطان «الشاه طهماسب» قد أرسل في تلك الأوقات للشيخ إبراهيم المذكور جائزة، و ردّها الشيخ .. فقال له الشيخ علي: انك أخطأت في ذلك الرد و ارتكبت اما محضورا أو مكروها. و استدل على ذلك القول بأن مولانا الحسن (عليه السلام) قد قبل جوائز معاوية، و متابعته و التأسي به إما واجبة أو مندوبة، و تركها إما حرام أو مكروه كما تحقق في الأصول، و هذا السلطان لم يكن انقض درجة من معاوية و أنت لم تكن أعلى رتبة من الحسن (عليه السلام). و أجابه الشيخ بجواب (3).

فترى ما فيه من المفارقات عن واقع اعتراض الكركي و جواب القطيفي عالم يذكره. و عذره في ذلك نقله ذلك بواسطة «المشايخ» و لعله سمعه من شيخه المجلسي نقلا بالمعنى عن الرسالة الحائرية للقطيفي نفسه. و الطريف أن البحراني ابتدأ فنقل ما نقله الأفندي ثمّ نقل ما في الرسالة الحائرية و لم يلتفت الى وحدة القضية

____________

(1) رياض العلماء 1: 19.

(2) لؤلؤة البحرين: 163.

(3) رياض العلماء 1: 15، 16.

11

و اختلاف النقل و رجحان النقل المباشر على النقل بالواسطة. ثم انبرى المولى الأفندي لتفنيد اعتراض المحقق الثاني فقال:

«لكن أقول: إنّ كلام المحقق الثاني تتراءا منه آثار المغالطة:

أما أولا- فلأن أخذ الحسن جوائز معاوية كان استيفاء لبعض حقوقه (عليه السلام)، فان الدنيا بما فيها لهم (عليهم السلام)، فكيف بما في يد ذلك الطاغي الباغي، فلا تصح المقايسة، و يبطل حديث التأسي لأنه يجب أو يستحب فيما لم يعلم فيه جهة اختصاص، و هو ظاهر.

و أما ثانيا- فلأن باب التقية و الضرورة في شأنه (عليه السلام) واضح مفتوح في أخذه تلك الجوائز، لأنه كان قد صالح ظاهرا مع ذلك الملحد تقية لشيعته و حقنا لدم زمرة تبعته، فلو لم يقبل الجوائز منه لتخيّل ذلك الشقي أنّه لم يقر على عهده و صلحه، و لعله يخطر بباله أنّه يريد الخروج عليه ثانيا. و على هذا أيضا فلا وجه للاستدلال بفعله من جهة التأسي.

و أما ثالثا- فلأن اللّه تعالى يقول «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» (1) و أخذ تلك الجوائز من السلطان الجائر مستلزم له البتة، فهو- حينئذ- ممنوع، من باب أن مقدمة المحظور محظورة أيضا إذا كانت مستلزمة له، إذ قل ما ينفك الركون مع الإحسان كما قيل «الإنسان عبد الإحسان» خرج عنه ما خرج من وقت الضرورة و نحوها فيبقى الباقي تحت المنع. و من المعلوم أنّ ذلك الاحتمال- أعني الضرورة- عن هذا الشيخ مرتفع، على ما صرّح به هو نفسه، فلا وجه لتجويزه له» (2).

و قبل أن يحاكم بينهما اعتذر يقول: و أنا أقول: إن كليهما طودا الحلم و علما العلم و لا يليق بمثلي أن يحاكم بينهما (3).

يقول هذا و هو بعد ذلك يقول: و قد سمعت عن الأستاذ (المجلسي) أيده اللّه:

____________

(1) سورة هود: 113.

(2) رياض العلماء 1: 16، 17.

(3) رياض العلماء 1: 16.

12

أنّه (القطيفي) لم يكن ذا فضل كثير، فليست له مرتبة المعارضة مع الشيخ علي الكركي إذ أين فضله عن فضل الشيخ علي و علمه و تبحره (1) فلما ذا عدّهما علما العلم و طودا الحلم؟ لعله لقوله:

«رأيت بخط بعض العلماء أنّه حكى عن بعض أهل البحرين في حق الشيخ إبراهيم هذا، «(قدس الله سره)»: أن هذا الشيخ قد دخل عليه الإمام الحجة (عليه السلام) في صورة رجل يعرفه الشيخ، و سأله: أي الآيات من القرآن في المواعظ أعظم؟ فقال الشيخ: قوله سبحانه «إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيٰاتِنٰا لٰا يَخْفَوْنَ عَلَيْنٰا، أَ فَمَنْ يُلْقىٰ فِي النّٰارِ خَيْرٌ؟ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيٰامَةِ؟! اعْمَلُوا مٰا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (2) فقال: صدقت يا شيخ. ثم خرج عنه. فسأل بعض أهل البيت: أخرج فلان؟ قالوا: ما رأينا أحدا داخلا و لا خارجا (3) على أنّ المجلسي قد ذكر كتاب الأربعين في عداد مصادر بحاره و توثيق أصابها فقال:

«و الشيخ إبراهيم القطيفي «(رحمه اللّه)» كان في غاية الفضل، و كان معاصرا للشيخ نور الدين المروّج «الكركي» و كانت بينهما مناظرات و مباحثات كثيرة» (4).

فلا محيص عن التعارض بين القولين، و لا يدرى السابق عن اللاحق.

هذا الكتاب:

قال الأفندي: و قد ألف في كل موضع ألف فيه الشيخ علي الكركي للردّ عليه.

و من جملة ذلك: الرسالة الخراجية المسماة ب «السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج» و قد وضعها في حرمة الخراج ردّا على الشيخ علي في رسالته «قاطعة اللجاج» التي صنّفها في حلّ الخراج (5).

أما المؤلف الفاضل القطيفي فقد قال عنها: و إنّ بعض إخواننا في الدين (يعني المحقق الكركي) قد ألف رسالة في حلّ الخراج و سمّاها «قاطعة اللجاج» و أولى باسمها

____________

(1) رياض العلماء 1: 19.

(2) سورة فصلت: 40.

(3) رياض العلماء 1: 18.

(4) بحار الأنوار 1: 46.

(5) رياض العلماء: 1: 17.

13

أن يقال: مثيرة العجاج كثيرة الاعوجاج! و لم أكن ظفرت بها منذ ألفها إلا مرة واحدة في بلد «سمنان» و ما تأملتها إلّا كجلسة العجلان. و أشار اليّ من يجب طاعته بنقضها ليتخلّق من رآها من الناس برفضها، فاعتذرت بأعذار لا نذكر الآن. و ما بلغت منها حقيقة تعريضية- بل تصريحية- بأنواع التشنيع و مخالفته في ذلك.

فلما تأمّلته الآن مع علمي بأن ما فيها أوهى من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادها ساكب، و هو مع ذلك لا يألو جهدا بأنواع التعريض- بل التصريح- بما يكاد يخفى مقصده فيه على أهل البصائر، و من هو على حقائق أعوار المقاصد عائر ..

فاستخرت اللّه تعالى على نقضها و ابانة ما فيها من الخلل و الزلل، ليعرف أرباب النظر من أهل العلم و العمل الحق فيتبعوه، و الباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك ..

فألفت هذه الرسالة و جعلتها واضحة الدلالة و سميّتها «السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج» و من اللّه تقدس اسمه اسأل العصمة في المقاصد و المصادر و الموارد (1).

و المقصود من حلّ الخراج ما قاله المحقق الكركي في مقدمة كتابه: و في حال غيبته (عليه السلام) قد أذن أئمتنا (عليهم السلام) لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور، كما سنذكره مفصّلا (2).

و الظاهر أنّ مقصوده من ذلك هو ما قاله بشأنه صاحب «رياض العلماء»:

«و يلوح من بعض التواريخ الفارسية: أنّ الشيخ علي الكركي هذا قد دخل بلاد العجم في زمن سلطنة السلطان الشاه إسماعيل، و أنّ الشيخ علي المذكور دخل الى «هراة» بعد دخول السلطان الشاه إسماعيل المذكور إليها في سنة غلبة السلطان المذكور على ملك الاوزبك: شاه بيگ خان» (3).

____________

(1) مقدمة الكتاب.

(2) مقدمة الكتاب.

(3) رياض العلماء: 3: 441.

14

و قال: «و اتصل بصحبة السلطان (الشاه طهماسب الصفوي ثاني سلاطين الصفوية) فكان معظما مبجلا في الغاية عند ذلك السلطان و قد عيّن له وظائف و ادارات كثيرة، حتى أنّه قرر له سبعمائة تومانا في كل سنة بعنوان «السيورغال» في بلاد عراق العرب، و كتب في ذلك حكما و ذكر فيه اسمه في نهاية الإجلال و الإعظام» (1).

و قال: و قد كان هذا الشيخ معظما عند السلطان الشاه الطهماسب في الغاية، و أعطاه وظائف «و سيور غالات» و ادارات ببلاد عراق العرب، و قد نصبه حاكما في الأمور الشرعية بجميع بلاد إيران، و أعطاه في ذلك الباب حكما و كتابا يقضي منه العجب، لغاية مراعاة ذلك السلطان لأدبه في ذلك الكتاب، و لما كان ذلك المكتوب مشتملا على مطالب جليلة دعاني ذلك الى إيراد صورة ذلك الحكم و الكتاب في هذا الموضع من هذا الكتاب، و كان صدره هكذا: بسم اللّه الرحمن الرحيم (2) يا محمّد يا عليّ .. (3).

فكأن اقطا السلطان الصفوي هذه الخراجات لهذا الشيخ هو الذي أثار الضجة، فكتب الشيخ ردّا عليهم «قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج» فردّه القطيفي بكتابه: «السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج».

و قد مرّ في ترجمة شيخه الكركي، أنّ العلامة الطهراني يؤرخ فراغ الكركي من تأليفه رسالة الخراجية بسنة 916 (4) و يؤرخ فراغ الفاضل القطيفي من رسالته الردّية: «السراج الوهاج» بسنة 924 (5) فالفاضل بينهما ثمان سنين، و كجواب عن هذه الفترة الفاصلة قال القطيفي في مقدمته:

«و لم أكن ظفرت بها منذ ألفها إلا مرة واحدة في بلد «سمنان» و ما تأمّلتها إلا كجلسة العجلان، أشار إليّ من يجب طاعته بنقضها ليتخلّق من رآها من

____________

(1) رياض العلماء 3: 441.

(2) رياض العلماء 3: 450.

(3) رياض العلماء 3: 455- 460.

(4) الذريعة 17: 7 عن نسخة رآها في مكتبة المجلس بطهران.

(5) الذريعة 12: 164 بلا مصدر.

15

الناس برفضها، فاعتذرت .. و ما بلغت (حينئذ) منها حقيقة تعريضية بل تصريحية بأنواع التشنيع، فلما تأمّلته الآن مع علمي بأنّ ما فيها أوهى من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادّها ساكب، و هو مع ذلك لا يألو جهدا بأنواع التعريض بل التصريح .. فاستخرت اللّه على نقضها و ابانة ما فيها من الخلل و الزلل، ليعرف أرباب النظر من أهل العلم و العمل الحق فيتبعوه، و الباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك، فامتثلت ..» (1).

أما قبل هذا فقد كان الفاضل القطيفي من تلامذته و المستجيزين منه الحديث كما مرّ عن صاحب «الحدائق» (2) و لذلك قال فيه: «و العجب أنه مع كونه يروي عن الشيخ الكركي كانت له معه معارضات و مناقضات .. و قد وقعت بيدي رسالة من رسائله سمّاها ب «الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية» ذكر في صدر الرسالة المذكورة ما اتفق له مع الشيخ علي في سفره معه للمشهد المقدس الرضوي من المسائل التي نسبه فيها الى الخطأ .. الى أنّ قال: ثم فارقته قاصدا المشهد الغروي على أحسن الحال. فلما وصلت تواترت الأخبار عنه من الثقات و غيرهم بما لا يليق بالذكر، الى أن انتهى الأمر إلى دعواه العلم و نفيه عن غيره.

فبذلت وسعي- بجميع أنواع الملاطفة- في (طلب) رضاه بالاجتماع للبحث و المذاكرة، فأبى ..».

و ذكر في آخر الرسالة ما صورته: «و إذ فرغت من هذه فأنا مشتغل بنقض رسالته «الخراجية» و كشف لبس ما رتّبه فيها من المباحث الاقناعية» و هو مما يقضى منه العجب العجيب، كما لا يخفى ذلك على الموفق الأريب» (3).

تحدّيه شيخه بمناظرته:

أما قوله: «فبذلت و سعى- بجميع أنواع الملاطفة- في (طلب) رضاه بالاجتماع

____________

(1) مقدمة الكتاب للقطيفي.

(2) لؤلؤة البحرين: 159.

(3) لؤلؤة البحرين: 161- 163.

16

للبحث و المذاكرة، فأبى ..».

فقد نقله المولى عبد اللّه الأصفهاني في «رياض العلماء» عن حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا في تاريخه بالفارسية «أحسن التواريخ» ما معناه:

ان الشيخ إبراهيم القطيفي لما خاصم الشيخ علي الكركي رجع الأمير نعمة اللّه الحلي- الذي كان من تلامذة الشيخ علي الكركي- رجع عنه و اتصل بالشيخ إبراهيم القطيفي مع جماعة من العلماء في ذلك العصر: كالمولى حسين الأردبيلي و المولى حسين القاضي مسافر- المولى حسين- و غيرهم ممن كان بينهم و بين الشيخ علي كدورة، و دفع الأمير نعمة اللّه الحلي مع الجماعة من العلماء دفعوا الشيخ إبراهيم القطيفي على أن يباحث مع الشيخ علي الكركي في مجلس السلطان الشاه طهماسب في مسألة صلاة الجمعة، و وعده ذلك الجمع من العلماء أن يعاونوه في البحث في المجلس، و كان يعاونهم في ذلك جماعة من الأمراء أيضا، عداوة للشيخ علي (!) و لكن لم يتّفق هذا المقصود و لم ينعقد ذلك أصلا (1).

و علق السيد الأمين العاملي على هذه المواقف للفاضل القطيفي في مواجهة شيخه المحقق الكركي يقول: ان العالم إذا تورّع عن جوائز الملوك و تنزه عنها و تجنب الانحياز إليهم تورّعا، فلا لوم عليه و لا يقدح ذلك فيه، بل هو طريق السلامة. و لكن اللوم على القطيفي في قدحه في الشيخ و إطالته لسانه عليه مع جلالة قدره و عظم محله في العلم، و كون القطيفي ليس من رجاله، فان من تورّع عن جوائز الملوك لا يجوز له القدح فيمن يأخذها، لوجوب حمل فعله على الصحة، لا سيما إذا كان من أجلاء العلماء كالمحقق الكركي (2).

و لا شبهة في تقدم الشيخ علي عليه في العلم و التحقيق و التبحّر، كما لا شك في أنّ الشيخ علي أبعد غورا و أصحّ رأيا و أقوى سياسة في قبوله جائزة الشاه طهماسب و مخالطته لملوك الصفوية، و انّ في ردّ القطيفي لجائزة الشاه لنوع جمود (3).

____________

(1) رياض العلماء 3: 452.

(2) أعيان الشيعة 2: 143.

(3) أعيان الشيعة 2: 142.

17

و قال في أحواله: قدم من القطيف الى العراق و سكن النجف، و توفي فيه، و لم أقف على تاريخ وفاته، لكنّه كان حيا سنة 944 (1) و هي تاريخ أجازته الكبيرة للسيد شريف الدين الحسيني المرعشي الشوشتري والد القاضي نور اللّه الشوشتري صاحب «مجالس المؤمنين» (2).

____________

(1) أعيان الشيعة 2: 141.

(2) أعيان الشيعة 2: 143.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

[متن الرسالة]

[تمهيد الشارح في خمس فوائد]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي يسر معرفة اليقين فظهرت للعارفين حقائقه، و أوضح لطلّابه أعلامه و بانت للمساكين طرائقه، الذي يقذف بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ [1]، و الصلاة على المختار للهداية فهو قائد الخير و سائقه، محمّد المصطفى الذي صفت جميع صفاته و خلائقه، و على أخيه الذي جعل سيفا لنبوّته فهو مؤازره و موافقة، ذلك أمير المؤمنين حقّا المميّز به صادق عهد اللّه و مدافعة، (صلّى اللّه عليهما و على آلهما) الذين هم سوابق الفضل و لواحقه.

و بعد، فيقول الفقير الى اللّه المنّان إبراهيم بن سليمان: إنّ الزمان و إن تفاقمت [2] ضلالته و بعدت هدايته، و رجع القهقرى على عقبه و أقعى [3] إقعاء الكلب على ذنبه، و كلح [4] منه لأهل الفضل نابا و فتح لهم من مضلّات الفتن بابا، و نادى بخدّامه في الشهوات الذين ارتكبتهم الغفلة و الهفوات: هلمّوا إلى بقية اللّه للدين و حفظة الحجج و البراهين، فلا يبقوا لهم من الناس دارا و لا في عمران الأرض آثارا، فإن وليّ النعم و دافع النقم ممد لأوليائه بالارقاد و هو القاهر

____________

[1] اقتباس من آية 18- سورة الأنبياء- أوّلها بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ..

[2] فقم الأمر: عظم و لم يجر على استواء

[3] أقعى الكلب: جلس على استه. (1)

[4] كلح: هو من الكلوح و هو الذي قصرت شفتاه عن أسنانه ..

____________

(1) الإقعاء: أن يضع الرجل اليتيه على عقبيه في تشهديه. (معاني الأخبار باب معنى الإقعاء ص 300).

20

بقدرته في سمائه و أرضه فوق العباد، و قد صرّح عنه بكلامه فصيح المنادي، فأسمع من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد من الحاضر و البادي «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعٰادٍ. إِرَمَ ذٰاتِ الْعِمٰادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهٰا فِي الْبِلٰادِ. وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جٰابُوا الصَّخْرَ بِالْوٰادِ. وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتٰادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلٰادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسٰادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذٰابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصٰادِ» (1) و «إِنّٰا لَنَنْصُرُ رُسُلَنٰا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهٰادُ» (2).

هذا و أنّ بعض إخواننا في الدين قد ألّف رسالة في حلّ الخراج و سمّاها «قاطعة اللجاج» و أولى باسمها أنّ يقال: مثيرة العجاج كثيرة الاعوجاج، و لم أكن ظفرت بها منذ ألّفها إلّا مرّة واحدة في بلد سمنان، و ما تأمّلتها إلّا كجلسة العجلان، فأشار إليّ من يجب طاعته بنقضها ليتخلّق من رآها من الناس برفضها، فاعتذرت بأعذار لا نذكر (3) الآن، و ما بلغت منها حقيقة تعريضية بل تصريحية بأنواع التشنيع و مخالفته في ذلك، فلمّا تأمّلته الآن مع علمي بأن ما فيها أو هي من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادّها ساكب، و هو مع ذلك لا يألو جهدا بأنواع التعريض بل التصريح بما يكاد يخفى مقصده فيه على أهل البصائر، و من هو على حقائق أعوار المقاصد عاثر، لكن المرء المؤمن يسلّي نفسه بالخبر المنقول عن أهل المآثر (عليهم السلام): لا يخلو المؤمن من خمس- الى أن قال-: و هو مؤمن يؤذيه، فقيل: مؤمن يؤذيه! قال: نعم و هو شرّهم عليه لأنّه يقول فيه فيصدّق [1] و في قوله تعالى «وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (5)

____________

[1] مشكاة الأنوار- ص 285- الفصل الخامس- في ذكر ما جاء في المؤمن و ما يلقى من أذى الناس و بغضهم إيّاه و فيه لا ينفك المؤمن من خصال اربع: من جار يؤذيه و شيطان يغويه و منافق يقفو أثره و مؤمن يحسده قال سماعة: قلت جعلت فداك مؤمن يحسده قال يا سماعة اما انه أشدهم عليه قلت و كيف ذلك؟ قال لأنه يقول فيه فيصدق عليه.

____________

(1) الفجر: 6- 14.

(2) غافر: 51.

(3) الصحيح «لا نذكرها».

(5) آل عمران: 186.

21

و قوله «وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لٰا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّٰهَ بِمٰا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» (1) أتمّ دلالة و سلوى، و قد حسن بي إن أتمثّل بقول عنترة العبسي:

و لقد خشيت بأن أموت و لا أرى * * * للحرب دائرة بابني ضمضمي

شاتمي عرضي و لم اشتمهم * * * و الناذرين إذا لم ألقهما ذمي

فاستخرت اللّه تعالى على نقضها و ابانة ما فيها من الخلل و الزلل، ليعرف أرباب النظر من أهل العلم و العمل الحقّ فيتّبعوه و الباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك، فامتثلت قائلًا من قريحتي الفاترة على البديهة الحاضرة ثلاثة أبيات:

فشمّرت عن ساق الحميّة معربا * * * لتمزيقها تمزيق أيدي بني سبا

و تفريقها تفريق غيم تقيّضت * * * له ريح خسف صيرت جمعه هبا

أبى اللّه أن يبقى ملاذ العاقل * * * كذاك الذي للّه يفعل قد أبى

فألّفت هذه الرسالة و جعلتها واضحة الدلالة و سمّيتها «السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج» و من اللّه تقدّس اسمه أسأل العصمة في المقاصد و المصادر و الموارد و لا قدّم على المقصود بالذات من النقض فوائد:

الفائدة الأولى

قال العلّامة في تحريره: فصل، و يحرم كتمان الفقه و العلم (2) قال اللّه تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰاعِنُونَ» (3). و قال «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ الْكِتٰابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ مٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النّٰارَ» (4). و قال- (عليه السلام)-: من كتم علما الجمعة اللّه يوم القيامة بلجام من النار (5). و قال- (عليه السلام)-: إذا ظهرت البدع في أمّتي فليظهر العالم علمه فمن لم

____________

(1) آل عمران: 120.

(2) تحرير الأحكام: ج 1 ص 3 الطبعة الحجرية و فيه «يحرم كتمان العلم و الفقه ..».

(3) البقرة: 159.

(4) البقرة: 174.

(5) بحار الأنوار: ج 2 ص 78 حديث 66 عن عوالي اللئالي، و فيه «.. من كتم علما نافعا ..» و الحديث عن النبي (صلى اللّه عليه و آله).

22

يفعل فعليه لعنة اللّه (1).

الثانية

قال (عليه السلام): الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول اللّه فيما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فاذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم (2). أورد ذلك العلامة في تحريره أيضا (3). و قال (عليه السلام): العلماء أحبّاء اللّه ما أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لم يميلوا في الدنيا و لم يختلفوا أبواب السلاطين، فإذا رأيتهم مالوا الى الدنيا و اختلفوا أبواب السلاطين فلا تحملوا عنهم العلم و لا تصلّوا خلفهم و لا تعودوا أمراضهم و لا تشيّعوا جنائزهم فإنهم آفة الدّين و فساد الإسلام يفسدون الدين كما يفسد الخل العسل (4). و قال النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم): النظر في وجوه العلماء عبادة (5). سئل جعفر بن محمد (عليه السلام) عنه فقال: هو العالم الذي إذا نظرت اليه ذكّرك الآخرة و من كان خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة (6). و في حديث آخر: إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنّه لص و إياك يخدع، و يقال: يردّ مظلمة و يدفع عن مظلوم، فإنّه هذه خدعة إبليس اتخذها فخّا و القرآن سلّما (7). و روي الشيخ بإسناده إلى معاوية الأسدي قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: أما و اللّه إنكم لعلى دين اللّه و ملائكته فأعينونا على ذلك

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 54 حديث 2 و الحديث عن النبي (صلى اللّه عليه و آله).

(2) نفس المصدر: ج 1 ص 46 حديث 5. و فيه «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)» و فيه اختلاف يسير و كذا في البحار- ج 2- ص 110- حديث 15- نقلا عن عوالي اللئالي و الرواية عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

(3) تحرير الأحكام: ج 1- ص 3- في وجوب طلب العلم- الطبعة الحجرية.

(4) لم نعثر عليه.

(5) تنبيه الخواطر و نزهة النواظر- «مجموعة ورّام»- ج 1- ص 84- باب العتاب.

(6) تنبيه الخواطر و نزهة النواظر «مجموعة ورّام»- ج 1- ص 84- باب العتاب.

(7) تنبيه الخواطر و نزهة النواظر «مجموعة ورّام»- ج 1- ص 84- باب العتاب.

23

بورع و اجتهاد، عليكم بالصلاة و العبادة، عليكم بالورع (1). و إلى محمّد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) يقول: لا دين لمن دان بطاعة من عصى اللّه، و لا دين لمن دان بفرية باطل على اللّه، و لا دين لمن دان بجحود شيء من كتاب اللّه (2). و إلى علي بن جعفر بن محمّد عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذات يوم لأصحابه: ألا أنّه قد دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم و هو الحسد، ليس بحالق الشعر لكنه حالق الدّين، و ينجي منه أن يكفّ الإنسان يده و لسانه، و لا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن (3). و إلى ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): تناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانة في ماله و إنّ اللّه سائلكم يوم القيامة (4). و بحذف الإسناد عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم): العلم وديعة اللّه في أرضه و العلماء أمناؤه، فمن عمل بعلمه أدّى أمانته، و من لم يعمل بعلمه كتب في علم اللّه من الخائنين (5).

الثالثة

بحذف الإسناد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): من أعان طالب

____________

(1) إرشاد القلوب: ج 1- الباب السادس و العشرون: في الورع و الترغيب فيه- ص 101 و كذلك بحار الأنوار- ج 82- ص 208- الحديث 16- باب 1 في فضل الصلاة و عقاب تاركها من كتاب الصلاة- نقلا عن مجالس ابن الشيخ.

و كذلك أمالي الشيخ الطوسي- ج 1- ص 31.

(2) أمالي الشيخ المفيد (رض)- ص 308- الحديث 7- من المجلس السادس و الثلاثون. و في آخره «آيات اللّه» بدل «كتاب اللّه». ط منشورات جماعة المدرّسين- قم.

و كذلك الاختصاص- ص 258- باب مثل علم أهل البيت (عليهم السلام)- و هي أيضا تختلف عمّا في الكتاب في الفقرة الأخيرة.

(3) بحار الأنوار: ج 73 ص 253 حديث: 20- باب الحسد- نقلا عن مجالس المفيد ص 211.

(4) بحار الأنوار- ج 2- ص 68- حديث 17- نقلا عن أمالي الشيخ المفيد (ره)- و في المصدر مسائلكم يوم للقيامة.

(5) بحار الأنوار: ج 2 ص 36 حديث 40- نقلا عن الدرة الباهرة.

24

العلم فقد أحبّ الأنبياء و كان معهم، و من أبغض طالب العلم فقد أبغض الأنبياء فجزاؤه جهنّم، و أنّ لطالب العلم شفاعة كشفاعة الأنبياء، و له في جنّة الفردوس ألف قصر من ذهب، و في جنّة الخلد مائة ألف مدينة من نور، و في جنّة المأوى ثمانون درجة من ياقوتة حمراء، و له بكلّ درهم أنفقه في طلب العلم جوار بعدد النجوم و بعدد الملائكة، و من صافح طالب العلم حرّم اللّه جسده على النار، و من أعان طالب العلم إذا مات غفر اللّه له و لمن حضر الجنازة. قالوا لمالك بن دينار: يا أبا يحيى ربّ طالب علم للدنيا! فقال: و يحكم ليس له يقال طالب العلم يقال له طالب الدنيا (1). و هذا موافق لقوله (عليه السلام): و لئن تطلب الدنيا بأقبح ما يطلب به خير من أن يطلب بأحسن ما يطلب به الآخرة (2). و قال (عليه السلام) من آذى طالب العلم لعنته الملائكة و أتى يوم القيامة و هو عليه غضبان (3)، و من أهان فقيها مسلما لقي اللّه و هو عليه غضبان (4).

الرابعة

الفقهاء أفضل الناس بعد المعصومين إذا عملوا بمقتضى علمهم و استعملوا الورع في أفعالهم و كفّوا ألسنتهم عن الغيبة لأنها آفتهم، فإن الرجيم اللعين قد علم أنّهم أشدّ الخليقة عليه لأنه إنّما طلب النظرة لإغواء النوع و هم هداة الطريقة، و لهذا ورد أنّ فقيها واحدا أشدّ على إبليس من ألف عابد (5) فامتحنهم بحبّ

____________

(1) إرشاد القلوب- ج 1- ص 164- الباب التاسع و الأربعون- في الأدب مع اللّه تعالى.

(2) لم نعثر عليه.

(3) إرشاد القلوب- ج 1- ص 164- الباب التاسع و الأربعون- في الأدب مع اللّه تعالى.

(4) بحار الأنوار- ج 2- ص 44- حديث 13- باب 10- كتاب العلم- نقلا عن عوالي اللئالي و الرواية منقولة عن الامام الصادق (عليه السلام).

(5) بحار الأنوار- ج 1- ص 177- كتاب العلم- باب 5 في النوادر «و الرواية عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)» حديث: 48 نقلا عن عوالي اللئالي- و ج 2- ص 16- كتاب العلم- باب 8- ثواب الهداية و التعليم- حديث: 34- نقلا عن أمالي الشيخ الطوسي (قده) «و الرواية فيها عن أمير المؤمنين (عليه السلام)».

25

السمعة و بالغيبة، لأن الأولى علامة المرائي، و الرّياء يصيّر الطاعات معاصي، و الثانية تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، و قد ورد فيها ما لا يحصى. و منه عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام الغيبة إدام كلاب النار (1). و عنه أيضا:

كذب من زعم أنه ولد من الحلال و يأكل لحوم الناس (2). و زيّن أيضا لهم ما وجب عليه التنزّه عنه من أعمال الحيل و الشبه في الدين ليسقط أمانتهم عند اللّه و محلّهم عند قلوب الأتقياء، فإن تميّز المقتدي أنما يكون بما ينفرد به عن أبناء النوع، فكيف إذا فعل ما يتعفّف عنه أكثر أفرادهم؟ لا جرم يسقط محلّه فلا يركن إليه في الدين لأنّه ظالم لنفسه فيدخل تحت عموم قوله تعالى «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ وَ مٰا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ ثُمَّ لٰا تُنْصَرُونَ» (3).

الخامسة

الحيل الشرعيّة على أقسام: منها ما لا ينافي الأمانة، و منها ما ينافيها و لهما ضابط هو أن ما أخلّ بالمطلوب الشرعي الناشئ عن حكمة ربّانية بها يتمّ صلاح النوع و أحوال معاشهم فلا شك في كونه منافيا للأمانة، و ما ليس كذلك لا ينافيها لكن منه ما يكون التنزّه عنه أولى، و منه ما لا يوصف بذلك، و لنفرض صورا يتّضح للناظر بها جليّة الحال.

الأولى: إذا باع الإنسان موزونا أو مكيلا بمثله جنسا متفاضلا فهو ربا، فجاز أن يتحيّل بما يخرجه عن الربا إمّا بضمّ غير الجنس إليه أو غير ذلك من الصور المذكورة شرعا، و هذا غير مناف للحكمة بل موافق لها و ليس تركه أولى، و ذلك لأنّ تحريم الربا أمر تعبّدي لا يتعلّق بمصلحة المتعاوضين أصلا بل مصلحتهما نظرا الى عمل المعاش في جعل التعاوض تابعا لتراضيهما، و من ثم أجاب تعالى

____________

(1) وسائل الشيعة- ج 5- كتاب الحج- ص 600- حديث 16 من باب 152 في تحريم اغتياب المؤمن و لو كان صدقا من أبواب أحكام العشرة.

(2) وسائل الشيعة- ج 5- كتاب الحج- ص 600- حديث 16 من باب 152 في تحريم اغتياب المؤمن و لو كان صدقا من أبواب أحكام العشرة.

(3) هود: 113.

26

المنكرين حيث قال حكاية عنهم «ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا» (1) بقوله «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (2) فغرض الشارع يتمّ بالتخلّص منه بأيّ وجه اتفق، إذ لا غرض له منوطا إلا بعدم التفاضل مع التساوي، و مثل هذه الحيلة لإسقاط الشفعة فإن الأمثل إن نزع المال من المالك لا يكون إلا عن رضاه خرج منه ما كلّف به الشارع عند وقوع البيع دون سائر العقود في الأراضي التي يمكن قسمتها من ثبوت حق الشريك و هو الأخذ بالشفعة، و ليس بلازم على المشتري أن يوقع البيع ليشفع منه بل له أن يوقع الصلح ليسلم من التكليف بالحكم الشرعي، و الحقّ تعالى إنّما أوجب حكم الشفعة مع البيع و لم يوجب البيع.

الثانية: إذا دفع الى فقيه مالا ليصرفه على المحاويج و يأخذ منه لنفسه إن كان محتاجا و هو غير محتاج فملّك ماله من يثق به كولده و زوجته ليكون محتاجا و أخرجه على نفسه ثم استعاد ماله كان ذلك من الحيل المنافية للأمانة لمنافاته حكمة طلب إخراج الزكاة لأن الغرض مساواة الفقراء و دفع ضروراتهم بدفع الحقّ المفروض لهم و قد ورد استحباب نقلها الى الفقهاء لأنهم أعلم بمواقعها، و ربما قيل بالوجوب، فاذا فعل الفقيه ذلك كان خائنا لأمانته غير موثوق بديانته و هو ممّن نصب للدين فخّا يصطاد به، و مثل هذا من أتى الى مال مسلم يده عليه فتسلّط باليد الغالبة حتى أخافه، و علم منه أنّه إن لم يوافقه اضطرّه الى ما هو أبلغ ممّا يلتمس منه، ثم طلب منه أن يبيعه نصف نخيله و بساتينه التي يكون قيمة الواحد منها ألف دينار و هي خمسون مثلا بدينار ليتملّك نصف ذلك و يأخذه منه، و ذلك لأنه مناف لمطلوب الشارع من عدم أكل المال بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض، الناشئ عن حكمة تسلّط المسلمين على أموالهم إلا عن طيب من

____________

(1) البقرة: 275.

(2) البقرة: 275.

27

أنفسهم ليتمّ نظامهم و يتوفّر دواعيهم الى حاجاتهم المتفرّعة عن غناهم، و نحو ذلك من أمره ظالم بمال على عامل لا يستحقّ عنده شيئا كعشار مثلا فأخذ رطل إبريسم مثلا فباعه عليه باثني عشر تومانا و قيمة الرطل أضعافه و المأمور عليه لا يقدر أن يمتنع لخوف من الظالم فإن ذلك خيانة و إعانة على منكر و هو أمر الظالم على المظلوم بما لا يستحقّ و عدم انزجار العامل عن عمله، فانظر أيّها العاقل اللبيب كم بين الصورتين اللتين في المسألة من ألف ألف جريب، و بعض قاصري النظر عادمي الفكر يتسلّط على جواز الصور بورودها في مثل دفع الربا و الشفعة، و ليس إلّا من غلبة حبّ الدّنيا المقتضي لعدم البصيرة، و نعوذ باللّه من ذلك.

الثالثة: إذا كان على فقير من السادة أو العوام دين لرجل و على الآخر حقّ من الخمس أو الزكاة، و علم كلّ منهما أنّ المدين لا يتمكّن من أداء الدين لإعساره، فصالح ذو الحقّ- صاحب الدين- على ما في ذمّته الفقير بشيء نذر رضي به صاحب الدين لعلمه بعدم تمكّنه من الاستيفاء، ثم احتسب ذو الحق ما يستحقّه في ذمّة الفقير من حق اللّه تعالى عليه فإنّه يصح و لا ينافي الحكمة، لكن احتساب قدر ما دفع و إبراء الفقير أو إنظاره بالباقي و دفع باقي ما في ذمّته من الحقّ إلى الفقراء أولى. و لهذا ورد في الشرع المطهّر كراهة صرف الصدقات الواجبة الى من يعتاد صلته من الاخوان (1)، و ربما كان من هذا الباب الصور الشرعية في دفع القرض بزيادة عليه، و حكى لي من أثق بدينه إنّ الشهيد ابن مكّي- تغمّده اللّه برحمته و أسكنه بحبوحة جنّته- سئل لمّا قدم المدينة حاجّا عن المائة يزاد عليها عشرون فقال ربا و اللّه ربا و اللّه، فقالوا له: ليس كما تذهب لكن نحن نقرض المائة و نستوهب عشرين منها ثم نقرض العشرين، فقال: حيلة حيلة لا أدري.

فانظر الى تورّع هذا الفقيه و احتياطه في عدم الحيلة المحتملة، و ما نال الفقهاء

____________

(1) علل الشرائع- ص 371- الباب 94.

28

المرتبة عند اللّه تعالى و الزلفة لديه إلّا بالورع، و ما حكاه السعيد عن والده في طبخ الزبيب فيه كفاية لكل لبيب أريب، و حيث أتينا على ما أوردناه من المقدّمات فلنرجع الى المقصود بالذات.

[تمهيد المصنف]

قوله: حيث إنّا لزمنا الإقامة ببلاد العراق و تعذّر علينا الانتشار في الآفاق لم نجد بدّا من التعلّق بالغربة لدفع الأمور الضروريّة من لوازم مهمّات [1] المعيشة (1).

أقول: لا يخفى على كلّ ناظر أنّ هذا العذر لا ينهض على مخالفة الشرع القويم و الطريق المستقيم، فالتعلّق بالغربة إمّا أن يكون مشروعا خاليا عمّا يدنس غرض أهل الشريعة أو لا يكون، فإن كان الأول لم يفتقر إلى توطئة العذر بما ذكر على وجه هو إظهار عدم حبّ الزيادة و طبيعة بعض المكلّفين مشعوفة بها كما لا يخفى، و إن كان الثاني فالعذر غير مقبول، فكيف يستجير من ادّعى الارتقاء في العلم أن يتكلّم بنحو هذا بعد سماعه قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الرَّزّٰاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» (2). و بعد قوله (عليه السلام): من طلب العلم يكفل له برزقه [2]. و قوله (عليه السلام): الرزق كالموت يأتيك و إن هربت منه [3]. و غير ذلك من الآثار، على أن الناظر بعين البصيرة يرى ما قاله غير واضح، فإنّ إقامته في العراق لم تكن لازمة خصوصا حينئذ و عدم وجدانه بدّا من التعلّق غير واقع، فإنّه لم يقم فيها و في مثلها إلّا ريب ما يطرح الإعياء، ثم أخذت منه و هو مستقيم في الحالين و لا تفاوت عليه

____________

[1] في النسخة الأخرى لكتاب «كلمات المحققين» و الرسالة الخراجية للمحقق الثاني (قده) المطبوعة في ضمنها «متمّمات».

[2] كنز العمّال- ج 10- حديث رقم 28701- ص 139- ط- بيروت و الرواية عن رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)) و متنها هكذا: من طلب العلم تكفّل اللّه له برزقه.

[3] لم نجد ما يطابق هذا التعبير تماما و في الكافي- ج 2- ص 57 في ذيل حديث 2 من باب 30 من كتاب 1 بما هذا نصّه «و لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت، و في ج 5 من الكافي ص 304 في ذيل حديث 2 من باب 159 من كتاب المعيشة هكذا «لو أن أحدكم هرب من رزقه لتبعه حتى يدركه كما أنّه إن هرب من أجله تبعه حتى يدركه» و تنبيه الخواطر- ج 2- ص 107 ما هذا نصّه: و لو أنّ أحدكم يتربص رزقه لطلبه كما يطلبه الموت.

____________

(1) رسالة «قاطعة اللجاج في حلّ الخراج» للمحقق الثاني (قده) ص 37.

(2) الذاريات: 8.

29

فيهما، فالعذر إذن مزيّف إلا على من ران على قلبه ممّا كسب.

قوله: مقتفين في ذلك أثر كثير من العلماء و جمّ غفير من الكبراء الأتقياء (1).

أقول: لم يرض هذا المعتذر أن يرتكب ما ارتكب إلّا بأن ينسب مثل فعله إلى الأتقياء على قاعدة قوله تعالى و قول رسوله المعلومين لأهل العلم و تركنا ذكره بعينه حذرا من خبط الجهّال في المثال. و ليت شعري أيّ تقي ارتكب ما ارتكبه من أخذ قرية يتسلّط فيها بالسلطان من غير سبق العياء و لا غيره من الأسباب المملّكة، فإن كان وهمه يذهب الى مثل العلّامة جمال الملّة و الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر- (قدس الله سره)- فهذا من الذي يجب عنه الاستغفار و يطهر القسم بتكراره بعد المضمضة، فإن الذي كان له من القرى حفر أنهارها بنفسه و أحياها بماله لم يكن لأحد فيها من الناس تعلّق أبدا، و هذا مشهور بين الناس، و يدلّ عليه و نزيده بيانا أنّه وقف أكثر قرأه في حياته وقفا مؤبّدا، و رأيت خطّه عليه و خطّ الفقهاء المعاصرين له من الشيعة و السنّة، و منه الى الآن ما هو في يد ينسب إليه بقبضه بسبب الوقف الصحيح، و في صدر سجل الوقف أنّه أحياها و كانت مواتا، و الوقف الذي عليه خطّه و خطّ الفقهاء موجود الآن و مع ذلك فالظنّ بمثله لما علم من تقواه و تورّعه يجب أن يكون حسنا مع أنّه يتمكّن من الأمور على ما في نفسه، و لو لم يكن من تقواه، إلّا أن أهل زمانه فيه بين معتقد فيه ما لا يذكر و آخر يعتقد فيه الأمر المنكر و يبالغون في نقضه و يعملون بنقل الميّت دون قوله كما صرّح به هو عن نفسه و هو في أعلى مراتب القدرة عليهم، و لم يتعرّض لغير الاشتغال باكتساب الفضائل العلمية و الأحكام النبوية و إحياء دارس الشريعة المحمّدية لكان كافيا في كمال ورعه و جمال سيرته، و نحو ذلك يقال في مثل علم الهدى و أخيه- (رضوان اللّه عليهما)- على أنّ الذي يجب على هذا المستشهد

____________

(1) راجع خراجيته (ره) ص 37.

30

نظرا الى طريقة العلم و آدابه و اقتفاء آثار المستشهدين أنّه ينقل عنهم و لو بخبر واحد أنهم أخذوا القرية الفلانية أو قرية ما لغيرهم تعلّقوا بها لأمر السلطان لهم بذلك حتى ثبت استشهاده، أمّا مجرّد أن يكون لهم قرى و أموال و نحو ذلك لا يدلّ على أنهم فعلوا كمثل فعله ليصحّ استشهاده، فهذا أيضا مزيّف، و حسن أن يتمثل له بقول الشاعر:

و أفحش عيب المرء أن يدفع الفتى * * * توى النقص عنه بانتقاص الأفاضل

قوله: اعتمادا على ما ثبت بطريق أهل البيت (عليهم السلام) من أنّ أرض أهل العراق و نحوها ممّا فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص بل هي للمسلمين قاطبة يؤخذ منها الخراج أو المقاسمة و يصرف في مصارفه .. إلخ (1).

أقول: سيأتي الجواب إن شاء اللّه تعالى عن هذا في محلّه مفصّلا، بحيث يكشف عن غمام التباسه و يعرّف المستضيء بنور الحقّ موضع اقتباسه.

قوله: و في حال غيبته (عليه السلام) قد أذن أئمتنا (عليهم السلام) لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور (2).

أقول: الذي أذن أئمّتنا (عليهم السلام) لشيعتهم في زمن الغيبة المناكح و في وجه قوي له شاهد من الأثر المساكن و المتاجر و هو في الأرضين مختصّ بما كان حقّهم (عليهم السلام) كالأنفال، أمّا الأرض المفتوحة عنوة فهي للمسلمين قاطبة، فتصرّفهم فيها جائز مع عدم ظهور الامام، و يدلّ عليه ما يأتي من الأحاديث ما أشار إليه بعض الأصحاب كالشيخ في التهذيب (3) و غيره، و الظاهر سقوط الخراج زمن الغيبة عن الشيعة لظاهر الأخبار. و يؤيّده أنه لم ينقل عن السلف منهم و الخلف عزل قسط من شيء من الأراضي و إن لم يؤخذ منهم الخراج مع اعتنائهم

____________

(1) راجع خراجيته (ره)، ص 37- 38.

(2) راجع خراجيته (ره)، ص 37- 38.

(3) تهذيب الأحكام- ج 4 ص 146- باب 39- في الزيادات و بعدها يذكر الأخبار الدالّة على مورد الاستشهاد.

31

بالتقوى و التحرّز عن الاشتغال بالحقوق. و قد يستدلّ على سقوط الخراج عن المسلمين كافّة مع عدم ظهور الامام بظاهر بعض الأحاديث، و سيأتي. نعم الظاهر أنّه يستقرّ الضمان على غير الشيعة لظاهر حديث عمر بن يزيد (1). إذا عرفت هذا فقوله «و في حال غيبته (عليه السلام) قد أذن أئمّتنا (عليهم السلام) لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور» (2) إن أراد به أنهم إذ أذنوا في تناول الأراضي فهو ممنوع، و لا نعرف قائلًا به و لا أثرا من الحديث يدلّ عليه، و هو قد سلّم ذلك في رسالته حيث اعترض بعد ذكر الحديث التي تدلّ في زعمه على إباحة الخراج باعتراضين.

أحدهما: أن الأحاديث في الابتياع فلا يجوز غيره.

و الثاني: أنها في التناول لما يأخذه الجائر فلا يتسلّط على الأخذ من دون أخذه سابقا، لأنه غير مدلول الأحاديث و قصاراه في الجواب عن الثاني المساواة، و عن الأول المساواة مع التنبيه الدالّ على الأولوية. و ستسمعها مع ما عليهما مفصّلا إن شاء اللّه تعالى.

و إن أراد أنهم أذنوا في ابتياع ما يأخذه الجائر فليس مخصوصا بالخراج فإنهم أذنوا في ابتياع ما يأخذه من زكاة من أسلم طوعا من الأراضي بل و من الأنعام و لا بالشيعة، و مع أنه لا يدلّ على ما هو فيه من حلّ القرية بشيء من الدلالات و ستسمعه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

قوله: فلهذا تداوله العلماء (3) .. إلخ.

أقول: إن أراد بما تناولوه ما أجازه الأئمّة (عليهم السلام) لشيعتهم من حلّ الثلاثة أو ابتياع ما يأخذه السلطان فقد بيّنا أنه لا دلالة فيه على مطلوبه، و إن أراد أنهم تداول أخذ قرى المسلمين و وضع يديهم عليها فنحن لا نسلّم فعل واحد

____________

(1) سيأتي الحديث مفصّلا.

(2) راجع خراجيته، (ره) ص 38.

(3) نفس المصدر، ص 38.

32

منهم له أو إشارته إلى إباحته فضلا عن تداولهم له، و على طريق آداب البحث على المدّعي هنا تصحيح النقل بما ثبت به شرعا و لو بخير واحد أنهم تداولوا ذلك، أمّا الدعوى المجرّدة فلا تقبل في مواضع النزاع. هذا و قد يمنع دلالة التداول ما لم يتحقّق إجماع أو ما يقوم مقامه من الأدلّة التي يصحّ الاعتماد عليها.

قال السيّد التقيّ الورع ابن طاوس الحسني مجيبا لمن أورد عليه- لما ترك التقدم و النقابة الاعتراض بفعل المرتضى علم الهدى و أخيه بعد أن قال: إن أولئك قد يتملّكون في زمانهم ممّا لا نقدر عليه (1)- ما معناه: إني قلت بذلك على سبيل التأدّب معهما و إلّا فلست براض عليهما و لا على فعلهما و ليسا معصومين حتى يكون فعلهما حجّة، فهما داخلان تحت من يردّ عليه مثل هذه الأفعال.

قوله: مع أني لم أقتصر فيما أشرت إليه على مجرّد ما نبّهت عليه بل أضفت الى ذلك من الأسباب التي يثمر الملك و يفيد الحلّ ما لا يشوبه شك و لا يلحقه لبس من شراء حصّة من الأشجار و الاختصاص بمقدار معيّن من البذر فقد ذكر أصحابنا طرقا للتخلّص من الربا (2).

أقول: هذا لا يحتاج الى بيان طائل بعد ما حقّقناه في المقدّمة، و ذلك لأنه إن بنى الحلّ على الملك فالصورة حيلة تنافي الأمانة بل غير جائزة لأن أهلها مقهورون مخافون، و لهذا لمّا أخذت القرية منه لم يمكنه أن يدّعي عليهم و لا أن يطالبهم بما ابتاعه منهم لأنهم يجيبوه بأنا إنما فعلنا ذلك خوفا و لو كان عن رضي و إيثار لاستقرّ ملكه عليه كسائر الأملاك المبتاعة، و إن لم يبن عليه فوجوده كعدمه بل عدمه أولى، و من هنا علم أنّ الاحتياط لا بدّ فيه من المعرفة و التقوى و الورع. و من العجب أنّ الخراج عنده ليس من الشبهات و لا من المشتبهات، و ظاهره أنّ القرية

____________

(1) كشف المحجّة- ص 112 نقلا بالمضمون.

(2) راجع خراجيته (ره)، ص 38.

33

مساوية للخراج، و الاحتياط إنّما بكون المقتضي من الخلاف و الشبهة و هذا خلف، على أنّ الصورة التي عليها مقتضى دخوله تحت الملاك و الزراريع الذين يلزمهم الخراج، فظاهره كما استشهد به آخر رسالته إن كتم الخراج و سرقته و الحيلة عليه لا يجوز. و حينئذ يلزمه الخراج لدخوله تحت أهله هذا خلف فرجع ما عمله على أصله بالإبطال.

[المقدّمة الأولى في أقسام الأرضين]

[أحدهما أرض بلاد الإسلام]

قوله: المقدّمة الاولى في أقسام الأرضين و هي في الأصل على قسمين:

أحدهما: أرض بلاد الإسلام، و هي عامر و موات، فالعامر ملك لأهله لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذن مالكه، و الموات إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لإمام المسلمين يفعل به ما يشاء، و ليس هذا القسم من محلّ البحث المقصود.

القسم الثاني: ما ليس كذلك و هو أربعة أقسام:

أحدهما: ما يملك بالاستغناء .. إلخ.

و ثانيهما: أرض من أسلم أهلها عليها طوعا .. إلخ، و منه قوله: إذا عرفت هذا فاعلم أن العلّامة في المختلف احتجّ بهاتين الروايتين (1) قلت: يعني ما يذكره عن قريب على مختار الشيخ و الجماعة، و هما في الدلالة على مختار ابن حمزة و ابن البرّاج أظهر ثم احتجّ لهما برواية لا يدلّ على مطلوبهما بل و لا يلتئم مع مقالتهما ..

إلخ (2).

أقول: لا يخفى على ممّن عرف الشريعة بأعلى مراتب المعرفة أو وسطها أو أدناها أن هذا كلام من لا يحقّق شيئا و من ليس له اطّلاع على هذا الفنّ و لا على اصطلاح أهله، و ذلك لأن أصحابنا في باب إحياء الموات يقسّمون الأراضي إلى قسمين: أرض بلاد الإسلام و لا يخرج عنها و يقابلها أرض بلاد الشرك، و في

____________

(1) سيأتي الكلام فيه.

(2) راجع خراجيته (ره)، ص 41- 43.

34

باب الجهاد يذكرون للأراضي أقساما أربعة: المفتوحة عنوة، و أرض الصلح، و التي أسلم أهلها عليها طوعا، و الأنفال، فقسمته هنا الأراضي في الأصل على قسمين: أحدهما أرض بلاد الإسلام، و ثانيهما ما ليس كذلك، و هو أربعة عن التحقيق بمعزل، فإن أرض الإسلام لا يخلو إمّا أن يكون ما أسلم أهلها عليها طوعا أو ما قابل بلاد الشرك، و ما قابل بلاد الشرك ينقسم الى المفتوح عنوة و ما أسلم أهلها عليها طوعا و غيرهما. و ليت شعري كيف جعل أرض بلاد الإسلام قسما يقابل الأربعة؟ و كيف حصر ما ليس أرض بلاد الإسلام في الأربعة المذكورة؟

ثم ليت شعري كيف جعل القسم الذي هو أرض بلاد الإسلام ليس من محلّ البحث المقصود؟ فليت شعري ما المقصود بالبحث حتى لا يكون منه؟ و من أيّ وجه. اختصّ ما سواء بأنّه المقصود بالبحث بحيث لا يشاركه فيه فيساويه؟ و يمكن الجواب بأن هذا من مخترعات اجتهاده و معناه في نفسه و يظهر بعد السؤال عنه، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

تنبيه و إيقاظ: إن كنت في شكّ ممّا أشرنا إليك فاستمع لما يتلى عليك:

قال الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط (1) فصل: في حكم أراضي الزكاة و غيرها، الأرضون على أربعة أقسام حسب ما ذكرناه في النهاية، (2) فضرب منها يسلم أهلها عليها .. إلخ، و الضرب الآخر من الأرضين ما أخذ عنوة بالسيف، و الضرب الثالث كلّ أرض صالح أهلها عليها و هي أرض الجزية .. إلخ، و الضرب الرابع كلّ أرض انجلى أهلها أو كانت مواتا .. إلخ. و إنما لم نذكر تتمّة كلامه في الأرضين لعدم تعلّق غرضنا به، و لأنّ نحوه آت في كلام التحرير (3)

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية- ج 1- كتاب الزكاة- في حكم أراضي الزكاة و غيرها- ص 234.

(2) النهاية: في مجرّد الفقه و الفتاوى- كتاب الزكاة- باب أحكام الأرضين ص 195 و 196.

(3) تحرير الأحكام: ج 2 كتاب إحياء الموات ص 129.

35

الذي نقشه المؤلف فلا فائدة في تكراره.

و قال في كتاب إحياء الموات (1) و البلاد على ضربين: بلاد الإسلام و بلاد الشرك، فبلاد الإسلام على ضربين: عامر و غامر، فالعامر ملك لأهله لا يجوز لأحد الشروع فيه و التصرّف فيه إلّا بإذن صاحبه .. إلخ، و أمّا الغامر على ضربين: غامر لم يجر عليه ملك لمسلم، و غامر جرى عليه ملك مسلم .. إلخ. و أمّا بلاد الشرك فعلى ضربين: عامر و غامر، فالعامر ملك لأهله، و كذلك كلّ مكان به صلاح العامر من الغامر، فان صاحب الغامر أحقّ به كما قلنا في العامر في بلاد المسلمين، و لا فرق بينهما أكثر من أن العامر في بلاد الإسلام لا يملك بالقهر و الغلبة، و أمّا الغامر فعلى ضربين.

و قال ابن إدريس في السرائر (2) باب أحكام الأرضين و ما يصحّ التصرّف فيه بالبيع و الشراء و ما لا يصحّ. الأرضون على أربعة أقسام: ضرب منها أسلم أهلها عليها طوعا .. إلخ، و الضرب الثاني من الأرضين ما أخذ عنوة بالسيف، و الضرب الثالث كلّ أرض صالح أهلها و هي أرض الجزية .. إلخ، و الضرب الرابع كلّ أرض انجلى أهلها .. إلخ- ثم قاله:- و البلاد على ضربين .. و ساق البحث على نحو ما ذكر الشيخ في المبسوط.

و قال العلّامة في الإرشاد (3) المطلب الرابع في الأرضين و هي أربعة .. إلخ- ثم قال سياقة:- لا يجوز إحياء الغامر و لا ما به صلاح العامر كالشرب و الطريق في بلاد الإسلام و الشرك إلّا أن ما في بلاد الشرك نعيم بالغلبة، و نحو ذلك قال في القواعد (4) و قال المحقّق في الشرائع (5) و غير ذلك من كتب الأصحاب من أرادها

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية: ج 3 كتاب إحياء الموات ص 268 و 269.

(2) السرائر- ص 110- كتاب الزكاة- ط طهران الحجريّة.

(3) الّا انّ في المصدر «المطلب الثالث» راجع: ج 1 ص 348 ط مؤسسة النشر الإسلامي- قم.

(4) قواعد الأحكام ج 1- ص 62- كتاب الخمس- ط الحجريّة في قم.

(5) شرائع الإسلام للمحقّق الحلي (قده)- الجزء الرابع ص 791- كتاب احياء الموات- ط بيروت.

36

وقف عليها فلا حاجة الى سطرها مفصّلة و فيما ذكرناه كفاية.

[القسم الثاني ما ليس كذلك]

قوله: القسم الثاني .. إلخ (1).

أقول: هذه الأقسام التي ذكرها هو كلام العلّامة في تحريره (2) إلّا ما شذّ، فليس الكلام منسوبا اليه لتكون الجناية فيه إن كانت عليه إلّا ما أشار إليه من الدليل فإنّه كلام المختلف، و أنا الآن أذكر كلام التحرير بعينه ليعرف الناظر أنه أخذه منه نقشا من غير تغيير، و أذكر كلام العلّامة في المختلف. (3) و أشار الى ما ينبغي الإشارة إليه.

قال العلّامة في تحريره (4) الثالث في الأرضين و فيه ثمانية مباحث: الأول:

الأرضون على أربعة أقسام (أحدها) ما يملك بالاستغنام و يؤخذ قهرا بالسيف فإنها للمسلمين قاطبة لا يختصّ بها المقاتلة و لا يفضلون على غيرهم، و لا يتخيّر الامام بين قسمتها و وقفها و تقرير أهلها بالخراج، و يقبّلها الامام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث و على المتقبّل إخراج مال القبالة و حقّ الرقبة و فيما يفضل في يده إذا كان نصابا العشر أو نصف العشر، و لا يصحّ التصرّف في هذه الأرض بالبيع و الشراء و الوقف و غير ذلك، و للإمام أن ينقله من متقبّل الى غيره إذا انقضت مدة القبالة، و له التصرّف فيه بحسب ما يراه من مصلحة المسلمين، و ارتفاع هذه الأرض تنصرف الى المسلمين بأجمعهم، و ليس للمقاتلة فيها إلّا مثل ما لغيرهم من النصيب في الارتفاع. (الثاني) أرض من أسلم أهلها عليها طوعا من قبل نفوسهم من غير قتال فتترك في أيديهم ملكا لهم

____________

(1) راجع خراجيته (ره)، ص 40.

(2) تحرير الأحكام ج 1- ص 141- كتاب الجهاد- أحكام الأسارى- الطبعة الحجريّة، قم.

(3) مختلف الشيعة ج 2 ص 332- كتاب الجهاد- في ضمن الفصل الخامس- الطبعة الحجريّة- طهران.

(4) تحرير الأحكام ج 1، ص 141- كتاب الجهاد- في أحكام الأسارى- القسم الثالث- الطبعة الحجرية- افست قم- آل البيت.

37

يصحّ لهم التصرّف فيها بالبيع و الشراء و الوقف و سائر أنواع التصرّف إذا عمروها و قاموا بعمارتها، و يؤخذ منهم العشر أو نصف العشر زكاة إذا بلغ النصاب، فان تركوا عمارتها و تركوها خرابا كانت للمسلمين قاطبة، و جاز للإمام أن يقبلها ممّن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع، و كان على المتقبّل بعد إخراج حقّ القبالة و مئونة الأرض إذا بقي معه النصاب العشر، و على الامام أن يعطى أربابها حقّ الرقبة. (الثالث) أرض الصلح و هي كلّ أرض صالح أهلها عليها، و هي أرض الجزية، بلزمهم ما يصالحهم الامام عليه من نصف أو ثلث أو ربع أو غير ذلك، و ليس عليهم غير ذلك، و إذا أسلم أربابها كان حكم أرضهم حكم أرض من أسلم طوعا ابتداء، و يسقط عنهم الصلح لأنه جزية، و يصحّ لأربابها التصرّف فيها بالبيع و الشراء و الهبة و غير ذلك، و للإمام أن يزيد و ينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدّة الصلح بحسب ما يراه من زيادة الجزية و نقصانها، و لو باعها المالك من مسلم صحّ و انتقل ما عليها إلى رقبة البائع، هذا إذا صولحوا على أنّ الأرض لهم، أمّا لو صولحوا على أنّ الأرض للمسلمين و على أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة عامرها للمسلمين و مواتها للإمام. (الرابع) أرض الأنفال و هي كلّ أرض انجلى أهلها عنها و تركوها، أو كانت مواتا لغير مالك فأحييت، أو كانت آجاما و غيرها ممّا لا يزرع فاستحدثت مزارع فإنها كلّها للإمام خاصّة لا نصيب لأحد معه فيها، و له التصرّف فيها بالقبض و الهبة و البيع و الشراء بحسب ما يراه، و كان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع، و يجوز له نزعها من يد متقبّلها إذا انقضت مدّة الزمان إلّا ما أحييت بعد موتها، فإن من أحياها أولى بالتصرّف فيها إذا تقبّلها بما يقبلها غيره، فإن أبى كان للإمام نزعها من يده و تقبيلها لمن يراه، و على المتقبّل بعد إخراج مال القبالة فيما يحصل في حصّة العشر أو نصف العشر الثاني، قال الشيخ: كلّ موضع أوجبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين إذا أخرج

38

الإنسان مئونته و مئونة عياله لسنته وجب عليه فيما بقي بعد ذلك الخمس لأهله.

أقول: إلى هنا كلام التحرير و هو قريب من عبارة الشيخ في المبسوط التي ذكرها في آخر فصول كتاب الزكاة (1). و لا يخفى أنّ المؤلّف قد أخذها بعينها و يتعلّق بها فوائد:

(منها) أنّ الشيخ و العلّامة اقتصرا على قول و للإمام أن ينقلها من متقبّل الى آخر إذا انقضت مدّة القبالة، و زاد المؤلّف «أو اقتضت المصلحة ذلك» و ظاهره أن اقتضاء المصلحة يتخيّر النقل قبل انقضاء المدّة و هو غلط، لأن الإمام يجب عليه إلّا الوفاء بما عاقد عليه إذا كان مصلحة حينئذ و هو لا ينقل إلّا ذلك.

(و منها) قول العلّامة (رحمه اللّه) (2) و لو باعها المالك من مسلم صحّ و انتقل ما عليها إلى رقبة البائع. قلت: خالف في ذلك التقي محتجّا بأنه قد ثبت في الأرض فإذا بيعت فلا ضمان. و أجاب العلّامة بأنها جزية على المالك متعلّقة بشيء من ماله فاذا خرج منه المال استقرّت في ذمته كالدين الذي عليه رهن. و المشهور ما قاله العلّامة.

(و منها) قول الشيخ (3) و تبعه العلّامة (4). أو كانت مواتا لغير مالك فأحييت أو كانت آجاما ممّا لا يزرع فاستحدثت مزارع. قلت: هذا القيد- أعني الأحياء و الاستحداث- ليس بشيء لأن الموات التي لا مالك لها و الآجام للإمام أحييت و استحدثت أم لا، بل القيد لا يخلو من نظر لأن الأحياء و الاستحداث إن كان للإمام فهو ليس بشرط لأنّه مالك قبله، و ان كان من غيره أمكن القول بأن ذلك الغير يملكها لأن الموات يملكها المحيي على وجه، و قد يحمل على الأحياء مع

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية- ج 1- ص 263 كتاب الزكاة.

(2) تحرير الأحكام- ج 1- كتاب الجهاد- ص 142- الطبعة الحجريّة «في ضمن القسم الثالث من أقسام الأرضين».

(3) المبسوط في فقه الإمامية ج 2- ص 29- كتاب الجهاد- ط- الحيدرية- طهران.

(4) تحرير الأحكام ج 1 ص 142- كتاب الجهاد- ط الحجرية.

39

ظهوره، و لا شعور في الكلام به فحذف القيد أولى. و منها قول الشيخ (1) و العلّامة (2): إلّا ما أحييت بعد مواتها فإن من أحياها أولى بالتصرّف فيها إذا تقبّلها بما يتقبّلها غيره.

أقول: لا يجب على الامام تقريرها في يدها لأنها ملكه و هو مخيّر في وضع من شاء عليها و أحيا المحيي إن أفاد ملكا لم يجز رفع يده و إلّا جاز مطلقا، نعم يستحبّ ذلك للإمام، فإن أراد الاستحباب فلا بحث فيه إلّا أنهما قالا: فإن أبى كان للإمام نزعها. و ظاهر ذلك أنّه إن لم يأت لم يكن له النزع عملا بمفهوم الشرط الذي هو حجّة عند المحقّقين. و قولهما سابقا «أولى» لا يدلّ على الاستحباب لأنّ أولوية اليد قد تفيد الوجوب كما في أولوية المحجر. هذا ممّا يتعلّق بكلام التحرير الذي نسخه المؤلّف في رسالته، (3) اما ما قال العلّامة (رحمه اللّه) في مختلفه (4) فهذه عبارته: مسألة: أرض من أسلم أهلها عليها طوعا ملك لهم يتصرّفون فيها كيف شاءوا، فان تركوا عمارتها يقبّلها الامام ممّن يعمرها و يعطي صاحبها طسقها و أعطى المتقبّل حصّة و ما يبقى فهو متروك لصالح المسلمين في بيت مالهم.

قاله الشيخ (رحمه اللّه) و أبو الصلاح، و قال ابن حمزة: إذا تركوا عمارتها صارت للمسلمين أمرها الى الامام. (5) و قال ابن البراج (6) و إن تركوا عمارتها حتى صارت خرابا كانت حينئذ لجميع الإسلام يقبّلها الامام (عليه السلام) ممّن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه من نصف أو ثلث أو ربع و على متقبّلها بعد إخراج مئونة الأرض و حقّ القبالة فيما يبقى في خاصّة من عليها إذ بقي خمسة أوسق أو أكثر من

____________

(1) المبسوط في فقه الإمامية- ج 1- ص 263- كتاب الزكاة.

(2) تحرير الأحكام- ج 1- ص 142- كتاب الجهاد- الطبعة الحجرية قم.

(3) راجع خراجيته (ره)، ص 42.

(4) مختلف الشيعة- ص 332- كتاب الجهاد- الطبعة الحجرية- هذا أول كلام العلّامة في المختلف المنقول عنه ههنا.

(5) الوسيلة إلى نيل الفضيلة- كتاب الزكاة- فصل في بيان أحكام الأرضين ص 132.

(6) المهذّب- ج 1- ص 182- كتاب الخمس- ط مؤسسة النشر الإسلامي- قم.

40

ذلك العشر أو نصف العشر. و قال ابن إدريس (1) الأولى ترك ما قاله الشيخ فإنّه مخالف للأصول و الأدلّة العقليّة و السمعيّة، فإن ملك الإنسان لا يجوز لأحد أخذه و لا التصرّف فيه بغير إذنه و اختياره، فلا يرجع عن الأدلّة بأخبار الآحاد، و الأقرب ما قاله الشيخ لنا أنّه أنفع للمسلمين و أعود عليهم فكان سائغا، و أيّ عقل يمنع من الانتفاع بأرض ترك أهلها عمارتها و إيصال أربابها حقّ الأرض مع أنّ الروايات متضافرة بذلك.

و روى صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: ذكرنا الكوفة و ما وضع عليها من الخراج و ما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر ممّا سقت السماء و الأنهار، و نصف العشر ممّا كان بالرشاء فيما عمروه منها، و ما لم يعمروه منها أخذه الإمام فقبله ممّن يعمره و كان للمسلمين، و على المتقبّلين في حصصهم العشر أو نصف العشر. (2) و في الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: ذكرت لأبي الحسن الرضا الخراج و ما سار به أهل بيته فقال: العشر و نصف العشر فيما عمر منها و ما لم يعمر أخذه الوالي فقبله ممّن يعمره و كان للمسلمين و ليس فيها أقل من خمسة أوسق شيء و ما أخذ بالسّيف فذلك للإمام يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بخيبر (3).

لا يقال السؤال وقع عن أرض الخراج و لا نزاع فيها بل في أرض من أسلم أهلها عليها طوعا، لأنّا نقول الجواب وقع أولا عن أرض من أسلم أهلها، ثم إنّه (عليه السلام) أجاب عن أرض العنوة.

و احتجّ ابن حمزة و ابن البرّاج بما رواه معاوية بن وهب في الصحيح قال:

____________

(1) السرائر- كتاب الزكاة- ص 110- الطبعة الحجريّة- طهران.

(2) تهذيب الأحكام ص 119 حديث 4- 342- باب 34- في الخراج و عمارة الأرضين و فيهما اختلاف.

(3) تهذيب الأحكام ص 119 حديث 4- 342- باب 34- في الخراج و عمارة الأرضين و فيهما اختلاف.

41

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أيّما رجل أتى خربة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها فإنّ عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضا لرجل قبله فغاب عنها و تركها و أخربها ثم جاء بعد يطلبها فإن الأرض للّه عزّ و جل و لمن يعمرها (1).

و الجواب أنّه محمول على أرض الخراج أو على أنّ المحيي أحقّ ما دام يقوم بعمارتها و أداء حقّها من مالكها إذ أراد خرابها لما رواه الحلبي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام)- الى أن قال-: و عن الرجل يأتي الأرض الخربة الميتة فيستخرجها و يكري أنهارها و يعمرها و يزرعها ماذا عليه؟ فيها الصدقة. قلت:

فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤدّ إليه حقّه. (2) الى هنا كلامه، (3) و هو كلام فقيه متمكّن في فقه عالم بأغواره فطن في دقائقه، و ذلك لأنه حيث علم أنّ كلام الشيخ (رحمه اللّه) مركب من دعويين: أحدهما جواز التصرّف و هو موافق لمذهب الشيخ، و عدم دفع الطسق، و ظاهرهما أنها تخرج عن ملك المالك و هو مخالف لمذهب الشيخ، و كلام ابن إدريس يقتضي المنع من التصرّف مطلقا و هو مخالف لمذهب الشيخ و التقي و القاضي و هو- أعني العلّامة- مختار مذهب الشيخ. استدلّ أولا على صحّة دعواه من جواز التصرّف و هو مشترك بينه و بين التقي و القاضي ردّا على ابن إدريس بقوله: إنّه أنفع للمسلمين و أعود عليهم فكان سائغا، قال:

و أيّ عقل يمنع من الانتفاع بأرض ترك أهلها عمارتها .. (4) متعجّبا من قول ابن إدريس بالمنع، و أردفه بقوله: و إيصال أربابها حقّ الأرض (5) إذ لا عجب من

____________

(1) الكافي: ج 5 ص 279 ح 2، التهذيب: ج 7 ص 153 من باب 11 من أحكام الأرضين- و الحديث 21- 672 من المسلسل في ج 7 و فيهما اختلاف.

(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 148 من باب 11 من أحكام الأرضين- حديث 7- 658- الاستبصار: ج 3 ص 110 و فيهما اختلاف يسير.

(3) مختلف الشيعة- ج 1- ص 332- كتاب الجهاد- في حكم أرض أسلم صاحبها مع اختلاف يسير- و هذا آخر ما نقل عن المختلف في هذه المسألة هنا.

(4) مختلف الشيعة- ج 1- كتاب الجهاد- ص 332.

(5) مختلف الشيعة- ج 1- كتاب الجهاد- ص 332.

42

المنع إذا لم يصل المالك نفع لأنها ملكه، و مجرّد ترك العمارة ليس من الأسباب الناقلة للملك عن مالكه قطعا، بل الأعراض بقصد عدم للملك لا يخرج الملك عن المالك و إن كان الملك حيوانا يخرج الى الامتناع كالصيد، و قد صرّح به الأصحاب في محلّه مستدلّين بعدم تحقّق سبب الإزالة شرعا فكيف بغيره، ثم أكّد الاستدلال بتضافر الروايات، و أورد منها روايتين. فبطل مذهب ابن إدريس فصار الحال مشتركا بين الشيخ و التقي و القاضي إلّا ما يفهم من إطلاق قوله في الرواية «و كان للمسلمين» و المراد ليس إلّا مال القبالة و أطلق اللفظ لذلك.

و أيضا فدليل ابن إدريس لا غبار عليه لولا الشهرة التي عضدت خبر الواحد بجواز الانتفاع، و لا تصريح في الروايات بخروج الملك عن المالك لإمكان حمل ما يحتمل منها ذلك على النماء و الارتفاع، فدليله بالنسبة إلى بقاء الملك لا معارض له أصلا، و يؤيّده ما دلّ من الروايات على لزوم أنّه إن قال قائل: إذا كان الأمر في أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها و كذا الغنائم و كان أحكام الأرضين ما بيّنتم من وجوب اختصاص التصرّف فيها بالأئمة (عليهم السلام)، إما لاختصاصهم بها كالأنفال أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل و التضمين لهم مثل أرض الخراج فيجب أن لا يحلّ لكم منكح و لا تخلص لكم متجر و لا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه. قيل له: إن الأمر و ان كان كما ذكرت من اختصاص الأئمة (عليهم السلام) بالتصرّف في هذه الأشياء فإن لنا طريقا الى الخلاص، ثم أورد الحديث التي وردت بالإذن للشيعة في حقوقهم (عليهم السلام) حال الغيبة- ثم قال:- إن قال قائل إن ما ذكرتموه إنما يدلّ على إباحة التصرّف في هذه الأرضين و لا يدلّ على صحّة تملّكها بالشراء و البيع، و مع عدم صحتهما لا يصحّ ما يتفرّع عليهما. قيل له: قد قسمت الأرضين على ثلاثة أقسام: أرض يسلم أهلها عليها فهي ملك لهم يتصرّفون فيها، و أرض تؤخذ عنوة و تصالح أهلها عليها و قد أبحنا شراءها و بيعها لأن لنا في ذلك قسما لأنها أراضي المسلمين و هذا

43

القسم أيضا يصحّ الشراء و البيع فيه على هذا الوجه، و أمّا الأنفال و ما يجري مجراها فليس يصحّ تملّكها بالشراء و انما أبيح لنا التصرّف حسب (1). ثم استدلّ على حكم أراضي الخراج برواية أبي بردة بن رجا السابقة (2) الدالّة على جواز بيع آثار التصرّفات دون رقبة الأرض، و هذا كلام واضح السبيل وجهه من حيث المعنى أن التصرّف في المفتوحة عنوة إنما يكون بإذن الامام، و قد حصل منهم الاذن لشيعتهم حال الغيبة، فيكون آثار تصرّفهم محترمة بحيث يمكن ترتّب البيع و نحوه عليها، و عبارة شيخنا في الدروس (3) أيضا يرشد الى ذلك حيث قال:

و لا يجوز التصرّف في المفتوحة عنوة إلّا بإذن الإمام (عليه السلام) سواء كان بالوقف أو غيرها، نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك. و أطلق في المبسوط (4) أنّ التصرف فيها لا ينفذ أي لا يقيّد بحال ظهور الامام و لا عدمه،- ثم قال- و قال ابن إدريس (5) إنما يباع و يوقف تحجيرنا و بناؤنا و تصرّفنا لا نفس الأرض، و مراده بذلك أنّ ابن إدريس أيضا أطلق جواز التصرّف في مقابل إطلاق الشيخ عدم جوازه، و الصواب التقييد بحال الغيبة لينفذ، و عدمه بعدمه، و هذا ظاهر بحمد اللّه. الى هنا كلامه.

يقول الفقير الى اللّه المنّان إبراهيم بن سليمان: إن هذا التنبيه الثاني من كرامات القرن العاشر حيث أظهر أنّ من يسعى بالعلم و يوصف به و يجلس منتصبا للفتوى يبسط مثل هذا في مصنف، و ليس أعجب من ذلك إلّا سماع أهل القرن لهذا التأليف من غير أن ينكره منكر منهم إنكارا يروع مثل هذا المؤلّف أن يؤلّف مثله، و لا أعرف جوابا من هذين إلّا ما قاله (عليه السلام): إن

____________

(1) نقل قول الشيخ بالمعنى، راجع التهذيب ج 4 ص 145 و 146- من باب 38- في الزيادات.

(2) تهذيب الأحكام ج 4- ص 146- حديث 28- 406 باب 39 في الزيادات.

(3) الدروس الشرعيّة في فقه الإمامية- ص 163- كتاب الجهاد- في آخر «درس في اللواحق»- ط افست- قم.

(4) المبسوط في فقه الإمامية ج 2- ص 28- كتاب الجهاد- في حكم ما يغنم و ما لا يغنم- ط الحيدرية- طهران.

(5) السرائر- كتاب الزكاة- ص 110- ط الحجرية- طهران.

44

اللّه لا يفيض العلم انتزاعا (1) .. إلخ. و ها أنا ذا انفة على الدين و رعاية للحجج و البراهين أبيّن ما فيه على وجه يظهر لكلّ متأمّل.

قوله: نفوذ هذه التصرّفات التي ذكرناها إنما هو في غيبة الإمام (عليه السلام) أما في حال ظهوره فلا، لأنه إنما يجوز التصرّف فيها مطلقا بإذنه، و على هذا فلا ينفذ شيء من تصرفات المتصرّف فيها استقلالا (2).

أقول: لا خفي أنه أراد بالتصرفات التي أشار إليها البناء و الغرس و نحو ذلك، و لا شبهة في أن نفوذه على معنى كون البيع مثلا يصح فيه لا يتعلق بظهور الامام و لا غيبته لأن علّة النفوذ كون الآثار المذكورة مملوكة للمتصرف و هي أعيان لا يخرج عن ملكه الا بسبب شرعي، و هذا لا يختلف الأمر فيه بين غيبة الامام و ظهوره، و هذا المؤلف قد سلم ذلك حيث علل في التنبيه الأول الجواز بقوله «قلت: هذا واضح لا غبار عليه يدل عليه ما تقدم من قول الصادق (عليه السلام):

اشتر حقه فيها (3) و أنه محرم لم يخرج عن ملك مالكه شيء من الأسباب الناقلة فيكون قابلًا لتعلق التصرفات». فانظر أيها المتأمل الى تناقض كلام هذا الرجل و خبطه و عدم ضبطه ثم لا يرضى أن يتأخر حيث أخره القدر، بل لا يزال يدعي الفضل و العلو فيه، لكن هذا من ذاك كما في المثل السائر: السفينة في الدجلة كالملاح، و قوله في التعليل «لأنه إنما يجوز التصرف فيها بإذنه مطلقا فلا ينفذ شيء من تصرفات المتصرف فيها استقلالا» كلام غير مربوط لأن عدم جواز التصرف لا يقتضي عدم جواز آثار التصرف، فإن الغاصب لو غرس أو بنى جاز مع غرسه و بنائه و لا يزيد مرتبة، هذا عن كون غاصبا. ثم إن كلامه هذا يبطله

____________

(1) بحار الأنوار- ج 2- ص 83- كتاب العلم حديث 8 من الباب 14- نقلا عن تفسير العسكري ((عليه السلام)) و في المصدر لا يقبض، بدل: لا يفيض.

(2) راجع خراجيته (ره)، ص 53- 54.

(3) تهذيب الأحكام ج 4 ص 146 ضمن حديث من باب 39 في الزيادات- حديث 28- 406 و فيه اختلاف يسير.

45

ما صرح به العلامة في المنتهى (1) و غيره من الأصحاب من إطلاق جواز بيعها تبعا لآثار التصرف من غير تعيين لكون التصرف وقع مباحا أم لا، و الروايات صريحة بذلك أيضا، و في بعضها عن علي (2) (عليه السلام) هكذا: رفع اليه رجل اشترى أرضا من أرض الخراج .. إلخ فكيف [تكون] مخصوصة بحال الغيبة؟ و الدليل الشرعي الذي قدمناه و سلمه هو يؤيد ذلك، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

قوله: و قد أرشد الى هذا الحكم كلام الشيخ في التهذيب (3) .. إلخ (4).

أقول: ليت شعري كيف أرشد كلام الشيخ في التهذيب الى ما ذكره، ثم ليت شعري ثانيا و ثالثا كيف و كلام الشيخ الأول إنما وقع لفائدة جواز نفي التصرف على معنى عدم تحقق الإثم فيه و ليس من البيع و الشراء و نحوهما في شيء، و قد صرح به عند استيفاء الاستدلال على إباحة غير الأرضين بقوله: و أما أراضي الخراج و أراضي الأنفال و التي قد انجلى أهلها عنها فأنا قد أبحنا أيضا التصرف فيها ما دام الامام مستترا، فاذا ظهر يرى هو في ذلك رأيه، فنكون نحن في تصرفنا غير آثمين (5). فانظر كيف ساوي في الأمر أرض الخراج و بالأنفال؟

فلو لا أن المراد بالتصرف هو نفس الانتفاع لافترقا لافتراقهما في الأحكام بالنسبة إلى البيع و نحوه كما لا يخفى، و سيأتي من المؤلف ما يدل عليه و مما يؤيد ما ذكرناه و يزيده بيانا أن الشيخ لما استوفى غرضه من بيان جواز التصرف بالانتفاع قال «فإن قال قائل: إن جميع ما ذكرتموه إنما يدل على إباحة التصرف لكم في هذه الأرضين و لم يدل على أنه يصح لكم تملكها بالشراء و البيع، فاذا لم يصح الشراء

____________

(1) منتهى المطلب- ج 2- ص 936- كتاب الجهاد- ط الحجرية.

(2) وسائل الشيعة- ج 11- ص 119- حديث 6- باب 71- كتاب الجهاد.

(3) تهذيب الأحكام- ج 4- ص 147.

(4) راجع خراجيته (ره)، ص 54.

(5) تهذيب الأحكام ج 4 ص 143- 24- 402- باب 39 في الزيادات.

46

و البيع فما يكون فرعا عليه أيضا لا يصح مثل الوقف و النحلة و الهبة و ما يجري مجرى ذلك (1). قلت: و هذا صريح في أن ما تقدم ليس إلا في إباحة نفس التصرف و لهذا بقوله «إنما» الدالة على الحصر، ثم لم يجب بأن البيع و نحوه يجوز في زمن الغيبة بل أجاب بما نقله عن المؤلف، و حاصله جواز البيع و الشراء في الأرض التي أسلم عليها طوعا، و جواز بيع أرض العنوة و الصلح لان المبايع (2) فيها سهما لأنها أراضي المسلمين فيجوز بيعه و شراؤه على هذا الوجه و عدم جواز بيع أراضي الأنفال بل يجوز التصرف فيها حسب، و لا يخفى على من له تأمل و مسكة من عقل النظر أن ما ذكره الشيخ لا يدل على مدعى هذا المؤلف بأحد الدلالات و لا ينطبق عليه لأن الشيخ علل أو لا إباحة التصرف بالجواز حال الغيبة و ليس من المدعى المراد في شيء، و علل جواز البيع و الشراء بقرار الملك فيما أسلم أهله عليه و بالشركة في أرض المفتوحة عنوة، فلا مدخل لظهور الامام و لا غيبته بوجه من الوجوه، و لا أعرف من أين تخيل لهذا المؤلف كون كلام الشيخ يرشد الى ما ذكره!! و قول المؤلف «ثم استدل على حكم الخراج برواية أبي بردة» كلام لا يرتبط بالمقصود أصلا لأن رواية أبي بردة عامة بالنسبة إلى الظهور و الغياب و الى كون التصرف فيها جائزا و غير جائز، و كون المتصرف شيعيا و غير شيعي، فانظر أيها المتأمل بعين البصيرة إلى كلام هذا الرجل تجد العجب العجاب. و قد أجببت أن أورد كلام الشيخ في التهذيب من أوله الى آخره تبركا و تيمنا و تعريفا يخرج من الإجمال إلى التفصيل و ينتبه الناظر على سواء السبيل. قال (رحمه اللّه) (3) «فان قال قائل: إذا كان الأمر في أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها و كان أحكام الأرضين ما بينتم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالأئمة (عليهم السلام) إما لأنها مما يختصون برقبتها دون سائر الناس مثل الأراضي التي ينجلي

____________

(1) إلى هنا كلام الشيخ في التهذيب ج 4، ص 145.

(2) و الصحيح للبائع.

(3) راجع التهذيب: ج 4 من ص 142 الى ص 147.

47

أهلها عنها، أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل و التضمين لهم مثل أرض الخراج و ما يجري مجراها، فيحب أن لا يحل لكم منكح و لا يتخلص لكم متجر و لا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه و سبب من الأسباب قيل له: إن الأمر و إن كان على ما ذكرتموه من السؤال من اختصاص الأئمة (عليهم السلام) بالتصرف في هذه الأشياء فإن لنا طريقا الى الخلاص مما ألزمتمونا. أما الغنائم و المتاجر و المناكح و ما يجري مجراها مما يجب للإمام فيها الخمس فإنهم (عليهم السلام) قد أباحوا ذلك لنا و سوغوا التصرف فيه و قد قدمنا فيما مضى ذلك، و يؤكده أيضا ما رواه سعد ابن عبد الله عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عمارة عن الحارث بن مغيرة البصري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إن لنا أموالا من غلات و تجارات و نحو ذلك، و قد علمت أن لك فيها حقا، قال: فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم؟!! و كل من والى آبائي فهم في حل مما في أيدينا فليبلغ الشاهد الغائب (1). و عنه عن أبي جعفر عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر (عليه السلام) رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله و مشربه من الخمس، فكتب بخطه: من أعوزه شيء من حقي فهو في حل (2). و ما رواه محمد ابن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن الحسن بن علي الوشاء عن القاسم بن يزيد عن الفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من وجد برد حبنا في كبده فليحمد الله على أول النعم، قال: قلت: جعلت فداك ما أول النعم؟ قال:

طيب الولادة، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): أحلي نصيبك من ألفي لآباء شيعتنا ليطيبوا، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا (3). و ما رواه محمد

____________

(1) تهذيب الأحكام ج 4 ص 143 باب 39 الزيادات حديث: 21- 399.

(2) تهذيب الأحكام ج 4 ص 143 باب 39 الزيادات حديث: 22- 400، الفقيه: ج 2 ص 44 ح 1660، و فيهما اختلاف.

(3) تهذيب الأحكام ج 4 ص 143 باب 39 في الزيادات حديث: 23- 401.

48

ابن الحسن الصفار عن الحسن بن الحسن و محمد بن علي و حسن بن علي بن يوسف جميعا عن محمد بن سنان عن حماد بن طلحة صاحب السابري عن معاذ كثير بياع الأكسية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فاذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به يستعين به. فاما الأرضون فكل أرض تعين لنا أنها مما قد أسلم أهلها فإنه يصح لنا التصرف فيها بالشراء منهم و المعاوضة و ما يجري مجراها، و أما أراضي الخراج و أراضي الأنفال و التي قد انجلى أهلها عنها فإنا قد أبحنا أيضا التصرف فيها ما دام الامام مستترا، فاذا ظهر يرى و في ذلك رأيه فنكون نحن في تصرفنا غير آثمين (1) و قد قدمنا ما يدل على ذلك، و الذي يدل عليه أيضا ما رواه سعيد بن عبد الله عن أبي جعفر عن الحسن بن محبوب عن عون بن يزيد قال:

رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة و قد كان حمل الى أبى عبد الله (عليه السلام) مالا في تلك السنة فرده عليه، فقلت له: لم رد عليك أبو عبد الله (عليه السلام) المال الذي حملته إليه؟ فقال: إني قلت حين حملت إليه المال أني كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم و كرهت أحبس عنك أو أعرض لها و هي حقك الذي جعلها الله تعالى لك في أموالنا، فقال: و ما لنا من الأرض لها و ما أخرج الله منها إلا الخمس، يا أبا سيار الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله، فقال لي: يا أبا سيار الأرض قد طيبناه لك فضم إليك مالك، و كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم محللون، محلل لهم ذلك الى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم عنها صغرة [1] و ما رواه محمد

____________

[1] تهذيب الأحكام: ج 4 ص 144 باب 39 الزيادات حديث 25- 403 و فيه اختلاف يسير قال معلق كتاب التهذيب: في

____________

(1) تهذيب الأحكام ج 4 ص 143- 144 باب 39 الزيادات و فيه اختلاف و مسلسل الحديث 24- 402.

49

ابن علي محبوب عن محمد بن الحسين بن محبوب عن عمر بن يزيد قال: سمعت رجلا من أهل الجبال يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها و أكرى نهرها و بنى فيها بيوتا و غرس فيها نخلا و شجرا، قال:

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له و عليه طسقها يؤديه الى الامام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه (1). و ما رواه علي بن الحسن بن فضال عن جعفر بن محمد بن حكيم عن عبد الكريم بن عمر الخثعمي عن الحارث البصري قال: دخلت على أبي جعفر فجلست عنده فأذن نجية قد استأذن عليه فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك إني أريد أن أسألك عن مسألة ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار، فكأنه رق له فاستوى جالسا فقال:

يا نجية: سلني فلا تسألني اليوم إلا أخبرتك به، فقال: جعلت فداك ما تقول في فلان و فلان فقال: يا نجية لنا الخمس في كتاب الله و لنا الأنفال و لنا صفو المال، هما و الله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله و أول من حمل الناس على رقابنا و دمائنا في أعناقهما إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، و ان الناس يتقلبون في حرام الى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، فقال نجية: إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ ثلاث مرات، هلكنا و رب الكعبة، فرفع فخذه عن الوسادة و استقبل القبلة و دعا بدعاء لم أفهم منه شيئا إلا أنا سمعنا في آخر دعائه يقول: اللهم إنا أحللنا ذلك لشيعتنا، قال: ثم أقبل إلينا بوجهه و قال: يا نجية ما على فطرة إبراهيم غيرنا و غير شيعتنا. فان قال قائل: إن جميع ما ذكرتموه إنما يدل على إباحة التصرف لكم في هذه الأرضين و لم يدل على أنه يصح لكم تملكها بالشراء و البيع، فاذا لم

____________

الكافي هكذا «طسق ما كان في أيديهم، و أما ما كان في أيدي غيرهم فان كسبهم .. إلخ» و لعله سقط من قلم الناسخ في التهذيب و إلا فهو أنسب في المقام، انتهى كلام معلق التهذيب.

____________

(1) تهذيب الأحكام ج 4 ص 145 باب 39 الزيادات حديث: 26- 404 و فيه اختلاف يسير.

50

يصح الشراء و البيع فما يكون فرعا عليه أيضا لا يصح مثل الوقف و النحلة و الهبة و ما يجري مجرى ذلك، قيل: قد قسمنا الأرض فيما مضى على ثلاثة أقسام: أرض يسلم أهلها عليها فهي تترك في أيديهم و هي ملك لهم، فما يكون حكمه هذا الحكم صح لنا شراؤها و بيعها، و أما الأرضون التي تؤخذ عنوة أو يصالح أهلها عليها فقد أبحنا شراءها و بيعها لأن لنا في ذلك قسما لأنها أراضي المسلمين، فهذا القسم مما يصح الشراء و البيع فيه على هذا الوجه، و أما الأنفال و ما يجري مجراها فليس تصح تملكها بالشراء و إنما أبيح لنا التصرف حسب. و الذي يدل على القسم الثاني ما رواه محمد بن الحسن الصفار عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى قال: حدثني أبو بردة بن رجا قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف تراني شراء أرض الخراج؟ قال: و من يبيع ذلك في أرض المسلمين؟ قال: قلت يبيعها الذي في يديه، قال: و يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟ ثم قال: لا بأس اشتر حقه منها و يحول حق المسلمين عليه و لعله يكون أقوى عليه و أمين بخراجهم منه (1). و روى علي بن الحسين بن فضال عن إبراهيم بن هشام عن حماد بن عيسى عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشراء من أرض اليهود و النصارى قال: ليس به بأس، قد ظهر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على أهل خيبر فخارجهم على أن تترك الأرض بأيديهم يعملونها و يعمرونها فلا أدى به بأسا لو أنك اشتريت منها شيئا، و أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض و عملوها فهم أحق بها و هي لهم (2). و عنه عن علي بن حماد عن حريز عن محمد ابن مسلم و عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن ذلك فقال: لا بأس بشرائها، فإنها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدى عنها كما يؤدي

____________

(1) تهذيب الأحكام- ج 4- ص 146- باب 39 في الزيادات- حديث: 2- 406، و فيه اختلاف يسير.

(2) من لا يحضره الفقيه- ج 3- كتاب المعيشة- باب احياء الموات و الأرضين- ص 239- حديث: 3876، و تهذيب الأحكام- ج 4- ص 146- باب 39 في الزيادات حديث: 29- 407، و فيها اختلاف يسير.