المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية

- الشهيد الثاني المزيد...
393 /
3

[المدخل]

[مقدمة الشارح]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين (1)

الحمد للّه الذي شرّع (2) فرائض الصلاة، و جعلها بعد الإيمان أفضل طاعات (3) العالمين (4)، و شرح غوامضها (5) بالبيّنات؛ إزاحة لعلل المكلّفين، و أطرى في جلالة قدرها بقوله في كتابه المبين تنبيها للغافلين و إرشادا للجاهلين حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ (6).

و الصلاة و السّلام على أفضل المصلّين (7) و السابقين، و سيّد الأوّلين و الآخرين، محمّد النبيّ و آله الطاهرين، صلاة و سلاما دائمين إلى يوم الدين.

و بعد، فهذه كلمات قليلة، مشتملة على فوائد جليلة، علّقتها على الرسالة الشهيرة، السائرة في الأقطار مسير الشمس المنيرة، المشتملة على فروض الصلاة العينيّة، الموسومة بالدرّة (8) الألفيّة، تفتح من معانيها مغلقها، و تقيّد من مبانيها

____________

(1): لم ترد في «ش»، و في «ع»: و به ثقتي و حاجتي.

(2): في «د»: شرّع لعباده.

(3): في «د»: طاعة.

(4): في هامش «ع»: العاملين (خ ل).

(5): في «د»: و شرح فرائضها و كشف غوامضها.

(6): البقرة: 238.

(7): في هامش «ع»: المرسلين (خ ل).

(8): في «د»: بالرسالة.

4

مطلقها، و تحلّ عقد معظلها، و تبين جمل مشكلها.

وضعتها مع قلّة فراغ البال، و كثرة اختلال الحال، راجيا أن ينفع اللّه بها- كما نفع بأصلها- الطالبين، و أن يثبت لي بها قدم صدق يوم الدين، مازجا للأصل بالزوائد؛ تكثيرا للفوائد، و تصييرا لهما ككتاب واحد، معرضا في الغالب عن إقامة الدليل؛ حذرا من الإطناب و التطويل، و سمّيته (المقاصد العليّة في شرح الرسالة الألفيّة)، و اللّه يهدي السبيل، و هو حسبي و نعم الوكيل.

قال المصنّف، الشيخ الإمام العلّامة، المحقّق السعيد، أبو عبد اللّه الشهيد، رفع اللّه درجته، و أعلا منزلته:

5

[شرح ديباجة الرسالة]

(بسم اللّه الرحمن الرحيم)

مقتديا في الابتداء بالبسملة بكتاب اللّه تعالى، و بالخبر المشهور عن رسول اللّٰه «(صلّى اللّه عليه و آله): «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر» (1) و روى: «أقطع» (2).

و لا يعارضه الخبر المتضمّن لكون الابتداء بالحمد للّه (3)؛ لأنّ الابتداء حقيقي و إضافي، فجاز الجمع بينهما، أو أنّ البسملة مشتملة على الحمدلة؛ إذ المراد منه الثناء الآتي، لا لفظ الحمد، و هو متحقّق في البسملة.

و الباء إما زائدة لا تتعلّق بشيء، أو للاستعانة، أو للمصاحبة متعلّقة بمحذوف هو:

مصدر مبتدأ خبره محذوف، أي: ابتدائي باسم اللّه ثابت. و لا يضرّ حذف المصدر و إبقاء معموله؛ للتوسع في الجار و الظرف بما لا يتوسّع في غيرهما.

أو فعل، أي: اؤلّف أو ابتدئ.

أو حال من فاعل الفعل المحذوف، أي: ابتدئ مستعينا أو متبرّكا.

و تقديم المعمول هنا أهم و أدلّ على الاختصاص، و أدخل في التعظيم، و أوفق للوجود.

____________

(1): كنز العمال 1: 558/ 2510.

(2): سنن الدارقطني 1: 229/ 1، الجامع الصغير: 391/ 6284.

(3): سنن ابن ماجة 1: 610/ 1894.

6

و الاسم لغة: ما دلّ على مسمّى (1)، و عرفا: ما دلّ مفردا على معنى في نفسه غير متعرّض ببنيته لزمان.

و التسمية: جعل اللفظ دالا على ذلك المعنى.

و أدخل الجار على الاسم و إن كان المقصود مدلوله؛ لحصول الدلالة، فإنّ الحكم الوارد على الاسم وارد على مدلوله، إلّا بقرينة- كضرب: فِعلٌ- و للتحرّز عن إيهام القَسم، و للإشعار بتعميم الحكم لجميع أسمائه، أو بأنّه تعالى في غاية الكمال، بحيث يتبرّك باسمه المتعال.

و (اللّه) أصله إله (2)، حذفت الهمزة و عوّض عنها (3) حرف التعريف، ثم جعل علما للذات الواجب الوجود، الخالق لكلّ شيء، لا اسما لمفهوم الواجب لذاته؛ لأنّه أمر كلّيّ، فلا يفيد التوحيد في مثل: لا إله إلّا اللّه؛ لأنّ المفهوم من حيث هو يحتمل الكثرة.

و وصفه بالأحديّة في قوله تعالى قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ (4) لا ينافي الجزئيّة الحقيقيّة؛ لأنّ المراد بها نفي التعدد الذاتي كالواحديّة و الأحديّة تقتضي نفي التعدد مطلقا- الاعتباري و غيره- حتى الصفات التي هي اعتبارات و نسب، كما قال على (عليه السلام): «و تمام توحيده نفي الصفات عنه» (5). مع إمكان كون أحد في الآية بدلا من الله، و هو خبر للضمير.

و «الرحمن الرحيم» و صفان بنيا من الرحمة؛ للمبالغة. و قدّم الرحمن؛ لأنّه أبلغ، فإن زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى، كما في قَطَعَ و قَطَّعَ. و بين اللفظين عموم من وجه، فإنّ «الرحمن» أعم من حيث المتعلّق، و أخص من جهة المورد، و «الرحيم»

____________

(1): انظر: مفردات الراغب: 250 «سمو»، شرح المفصّل 1: 22، مجمع البحرين 1: 229 «سما».

(2): في «ش»: الإله.

انظر الصحاح 6: 2223 «إله»، مجمع البحرين 6: 339 «إله»، شرح المفصّل 1: 3، تفسير جوامع الجامع 1: 5.

(3): في «د» و «ش»: منها.

(4): الإخلاص: 1.

(5): نهج البلاغة 1: 15.

7

بالعكس، كما قال الصادق (عليه السلام): «الرحمن اسم خاص بصفة عامة، و الرحيم بالعكس» (1).

(الحمد) و هو لغة: الثناء باللسان على الجميل، (2) و لا يحتاج إلى التقييد بجهة التعظيم و التبجيل (3)؛ لترادفهما، و لأنّ الثناء حقيقة في الخير؛ لأنّ الثناء على الجميل غير الثناء به. و التقييد باللسان تخصيص لمورده، و إطلاق الجميل تعميم لمتعلّقه، و بذلك يمتاز عن الشكر، و هو الفعل المنبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه، فإنّه أعمّ موردا و أخص متعلّقا، و فيه تعليل للثناء، و من ثمّ اختار الحمد عليه.

و قد يستغني الحمد عن قيد اللسان؛ لأنّ الثناء حقيقة لا يكون إلّا به، و ثناء اللّه على نفسه مجاز، إلّا أنّه لا يمنع من التصريح به. و المدح يرادف الحمد على هذا التعريف، و قد يخصّ جميل الحمد بالاختياري، فيكون أخصّ من المدح مطلقا.

و الحمد عرفا: هو الشكر اللغوي، و الشكر فيه: صرف العبد جميع ما أنعم اللّه به عليه إلى ما خلق لأجله.

فحصل من ذلك ستة أقسام: حمد لغوي و عرفي، و شكران كذلك، و متعاكسان.

فبين الحمدين و بين الحمد اللغوي و الشكر اللغوي عموم من وجه، و بين الشكرين و بين الحمد و الشكر العرفيين و بين الحمد اللغوي و الشكر العرفي عموم مطلق، و قد عرفت أنّ بين الحمد العرفي و الشكر اللغوي تساو.

و اللام في (الحمد) (4) للاستغراق أو الجنس.

و على التقديرين فالحمد مختصّ و ثابت (للّه) لا يشركه فيه غيره، إلّا على وجه التوسّع و التجوّز؛ لأنّه فاعل الآلات من القدرة و العلم و غيرهما.

و إنّما تساوى القولان هنا- مع أنّ الجنس لا يفيد الشمول- لوجود لام الاختصاص

____________

(1): التوحيد: 230/ 2- 3.

(2): انظر كتاب العين (3): 188، القاموس المحيط 1: 299، لسان العرب 3: 155 «حمد».

(3): كما قيّده به المحقّق الكركي في حاشيته على الألفيّة (مخطوط ورقة 1).

(4): في الحمد: لم ترد في «ع».

8

في (للّه)، فلا فرد من الحمد لغيره على تقدير الجنس، و إلّا لوجد الجنس معه، فلا يكون مختصا به.

و عدل إلى الجملة الاسميّة؛ لدلالتها على الثبوت وضعا، و الدوام عقلا. و قدّم الحمد؛ لاقتضاء المقام له و إن كان تقديم اسم اللّه مناسبا للاهتمام الذاتي.

(ربّ) أي مالك العالمين أو سيّدهم، و قد يطلق على غير اللّه، كربّ الدار و العبد، لكن مع القيد، و منه قوله تعالى ارْجِعْ إِلىٰ رَبِّكَ (1).

و (العالمين) جمع ل(عالم)، و هو: اسم لما يعلم به الصانع من الجواهر و الأعراض.

(و الصلاة) و هي الدعاء من اللّه و غيره، لكنّها منه تعالى مجاز في الرحمة.

و هو أولى ممّا قيل: من أنّها منه تعالى بمعنى الرحمة، و من غيره الدعاء بطلبها. أو أنّها منه كذلك، و من ملائكته الاستغفار، و من المؤمنين الدعاء (2)؛ لاستلزامهما الاشتراك، و المجاز خير منه، و المعنى الأصلي أولى من النقل.

و عطف الرحمة على الصلاة في قوله تعالى أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ (3) لا يقدح في كونها بمعناها؛ لجواز عطف الشيء على مرادفه، كقوله تعالى:

إِنَّمٰا أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّٰهِ (4)، و لٰا تَرىٰ فِيهٰا عِوَجاً وَ لٰا أَمْتاً (5)، و هو كثير.

(على أفضل المرسلين) جمع مرسل، و هو بالنسبة إلى البشر إنسان أوحى إليه بشرع و أمر بتبليغه، فإن لم يؤمر به فنبيّ.

و قيل: إنّه- مع ذلك- من كان له كتاب أو نسخ لبعض شرع من قبله، فإن لم يكن كذلك فنبيّ (6).

____________

(1): يوسف: 50.

(2): انظر القاموس المحيط (4): 355، تاج العروس 19: 606- 607، المحيط في اللغة (8): 184 «صلوا»، جامع المقاصد 2: 5.

(3): البقرة: 157.

(4): يوسف: 86.

(5): طه: 107.

(6): انظر التفسير الكبير 23: 49، مجمع البيان 7: 163.

9

فالرسول أخصّ من النبيّ مطلقا، و لو حظ فيه مطلق الرسول بحيث يشمل الملك كان خصوصه من وجه. و كيف كان فنبيّنا «(صلّى اللّه عليه و آله) أفضل المرسلين مطلقا، و هو يستلزم أفضليته من سائر الأنبياء.

(محمّد) بدل من (أفضل)، أو عطف بيان. و هو علم منقول من اسم المفعول، المضعّف للمبالغة في الوصف، الذي سمّي باعتباره نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله)، إلهاما من اللّه تعالى، و تفاؤلا بأنّه يكثر حمد الخلق له؛ لكثرة خصاله الحميدة، و قد ورد أنّه قيل لجده عبد المطلب- و قد سمّاه في يوم سابع ولادته؛ لموت أبيه قبلها-: لم سمّيت ابنك محمّدا، و ليس من أسماء آبائك و لا قومك؟ قال: رجوت أن يحمد في السماء و الأرض (1)، و قد حقّق اللّه رجاءه.

(و عترته) و هم- كما قال الجوهري-: نسله و رهطه الأدنون (2)، و المراد هنا: الأئمة الاثنا عشر و فاطمة (صلوات اللّه عليهم).

(الطاهرين) من النقائص و الرذائل الخلقيّة و النفسيّة، على وجه يبلغ حدّ العصمة، كما دلّت عليه آية الطهارة (3).

(و بعد) الحمد و الصلاة (فهذه) إشارة إلى العبارة الذهنية التي كتبها أو يريد كتابتها، الدالّة على المعاني المخصوصة، نزّلها منزلة الشخص المشاهد المحسوس، فأشار إليها ب(هذه).

و ليس المراد بالرسالة النقوش المخصوصة الدالة على المعاني الخاصة، حتى تكون الإشارة إلى المدوّن في الخارج إن كان وضع الديباجة بعد الرسالة، و إلى المرتّب الحاضر في الذهن إن كان قبله؛ لأنّ النقش الخاص يتعدّد مع تعدّد الرسالة، بل المراد بها العبارات المعيّنة الدالة على المعاني المخصوصة، سواء نقشت أم لا، و سواء تعدّد نقشها أم اتّحد.

____________

(1): السيرة النبوية لابن كثير 1: 210، المواهب اللدنّية للقسطلاني 1: 181.

(2): الصحاح 2: 735 «عتر».

(3): الأحزاب: 33.

10

و الفاء هنا من قبيل عطف التوهم؛ لدخول (أمّا) هنا كثيرا، و فيها معنى الشرط الموجب لدخول الفاء في جوابها.

و من الباب قول زهير:

بدا لي أنّي لست مدرك ما مضي * * * و لا سابق (1) شيئا إذا كان جائيا

(2) بكسر (سابق) على توهّم دخول الباء على خبر ليس، لوقوعه كثيرا.

و قول الأخر:

ما الحازم الشّهم مقداما و لا بطل (3) و تقدير (أمّا) المحذوفة هنا- مهما يكن من شيء- بعد الحمد و الصلاة:

فهذه (رسالة) و هي جملة يسيرة من الكلام (وجيزة) مؤدّية للمقصود بأقلّ من عبارة المتعارف بين الأوساط الذين ليسوا في مرتبة البلاغة و لا في غاية الفقاهة (4).

و وصفها بالوجازة المؤذنة بالمدح؛ لعدم اقتضاء الحال الاطناب، إذ الغرض من التصنيف إيصال المعنى إلى فهم المتعلّم، فترك التطويل أقل كلفة، و أسهل على الحافظ، و إلّا فقد يقتضي الحال كون البلاغة هي الإطناب.

(في فرض الصلاة) أي في واجبها؛ لمرادفة الفرض للواجب عندنا. و أراد به الجنس، إذ الغرض بيان جميع واجبات الصلاة الواجبة.

و أطلق الصلاة و إن كان المراد الواجبة؛ لخروج المندوبة بذكر الفرض، إذ النافلة لا فرض فيها.

صنّفتها (إجابة لالتماس) أي طلب المساوي من مساويه حقيقة أو ادّعاء، كما يقتضيه مقام الخطاب. (من)، أي شخص أو الشخص الذي (طاعته)، و هي (5)

____________

(1): في المصدر: سابقا. و في هامش المصدر أشار محقّقة إلى أن في نسخة منه: سائق.

(2): شعر زهير بن أبي سلمى، صنعة الأعلم الشنتمري: 169.

(3): شطر بيت مجهول قائله، استشهد به ابن هشام الأنصاري في المغني 2: 619/ 858، و تمام البيت:

ما الحازم الشّهم مقداما و لا بطل * * * إن لم يكن للهوى بالحقّ غلابا

(4): في «ع»: الفصاحة.

(5): في «ع»: أي.

11

امتثال ملتمسه (حتم)، أي واجبة محتومة. و في الإخبار بالمصدر دون اسم المفعول مبالغة و تأكيد، كما في قولك: رجل عدل، في العدول عن اسم الفاعل.

و لا ستواء المذكّر و المؤنث في المصدر اكتفى به عن إظهار تأنيث الخبر عن (طاعته) المؤنثة.

(و إسعافه) بحاجته، و هو قضاؤها له، تقول: أسعفت الرجل بحاجته: إذا قضيتها له.

(غنم) و هو مصدر «غنم»، و الاسم «الغنيمة».

بقي في العبارة فوائد:

الأولى: الإجابة مصدر قولك: أجاب يجيب، و الاسم: الجابة، بغير همز، و انتصابه على المفعول لأجله، و العامل فيه محذوف، أي صنّفتها إجابة. و المراد بالإجابة: الانقياد و التسليم و امتثال الأمر و أخويه. (1)

الثانية: الالتماس حقيقة: هو الطلب من المساوي، كما أنّ الأمر: طلب الأعلى، و الدعاء و السؤال: طلب الأدنى. لكن قد يتجوّز في كلّ من الثلاثة بحسب مقتضى المقام، فيستعمل أحدها مكان الآخر.

و المناسب لأبواب الخطابة تعظيم الطالب و تفخيمه، فلذلك أطلق الالتماس في موضع السؤال؛ لدلالة الظاهر على أنّ الواقع هنا طلب الأدنى لا المساوي.

و مثله في استعمال بعضها في موضع بعض قوله تعالى لنبيّه وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنٰا (2)، و قوله تعالى فَمٰا ذٰا تَأْمُرُونَ* (3)؛ لاقتضاء مقام المستعلم للحال التعبير بالسؤال و إن كان في ذاته أشرف، و اقتضاء الاستشارة و الاحتياج إلى إخراج الرأي السديد التواضع و إن كان مقام الملك أعلى من مقام الرعية.

و مثله القول في اقتضاء باب الخطابة، و هذا هو المعبّر عنه بالادّعاء، و جعله

____________

(1): هما الدعاء و الالتماس.

(2) الزخرف: 45.

(3) الأعراف: 110، الشعراء: 35.

12

قسيما للحقيقة.

الثالثة: في إبهام اسم (1) المسند إليه بجعله موصولا أو نكرة موصوفة، و الكشف عنه بالصلة أو الصفة، و جعلها طاعة واجبة، تعظيم و تفخيم للطالب، مضافا إلى ما تقدّم من جعله ملتمسا.

و من التعبير بالموصول لمقام التفخيم قوله تعالى فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مٰا غَشِيَهُمْ (2)، و ما ذكر في الآية من المثال موافق للمذكور هنا نوعا.

و من التعبير بالموصول على وجه التعظيم الموافق لشخص مثال المصنّف قول أبي العلاء:

أ عبّاد المسيح يخاف صحبي * * * و نحن عبيد من خلق المسيحا

(3) و هذا باب محقّق في محلّه.

الرابعة: الذي يقتضيه السياق و مقام الخطابة كون التعبير عن إجابة الطاعة بكونها واجبة على سبيل المبالغة و التعظيم، كما قد عرفته في نظائره.

و في بعض قيود الرسالة- و ربما نسب إلى المصنّف- (4) أنّ طاعته إنّما كانت حتما؛ لأنّه سأل واجبا، و هو صحيح في نفسه و إن كان فيه خروج عن مقاصد أبواب الخطابة، و لعلّه اكتفى في مقاصدها بما تقدّم من الالتماس و الطاعة.

و ردّه الشارح المحقّق الشيخ علي(رحمه اللّه) رأسا، و جعله فاسدا لفظا و معنى:

أما اللفظ؛ فلأنّه مفوّت لجزالة الكلام، و الغرض من المبالغات المقصودة بما قبله و ما بعده.

و أما من جهة المعني؛ فلأنّه إنّما يستقيم ذلك من اللفظ أن لو قال: من طاعته في ذلك حتم. و الصورة التي أتى بها مطلقة، فكيف يقتصر بها على المسؤول. قال:

____________

(1): اسم: لم ترد في «د».

(2) طه: 78.

(3) سقط الزند: 75.

(4) نسبه المحقّق الكركي في شرحه للألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 166 إلى بعض الحواشي على الألفيّة.

13

و لو سلّم ذلك لم يتمّ الوجوب؛ لأنّ الواجب هو التعليم لا التصنيف (1).

و يمكن الجواب عن الأوّل: بأنّ الجزالة المطلوبة من الخطابة قد تأدّت بجعله ملتمسا، و جعل إجابته طاعة، و لا يجب البلوغ إلى الغاية في ذلك، بل على تقدير تفويت الجزالة رأسا لا يوجب الخلل، فكيف مع وجودها. و العدول عن باب الخطابة إلى مقام الترغيب و الترهيب في تعليم المتعلّم و تنبيه الغافل، و وجوب إرشاد العالم الجاهل- كما قد أرشدت إليه الأدلة من الكتاب و السنة (2)- أمر مطلوب.

و عن الثاني: بأنّ حذف مثل ذلك مع دلالة السّياق و السّباق عليه من قوله: (فهذه رسالة في فرض الصلاة)، و كونها قد صنّفت إجابة لالتماس الطالب، و غير ذلك جائز، بل مقتضى الوجازة حذف ما دلّ عليه المقام و استفيد المحذوف من باقي الكلام، و قد جاء في القرآن و فصيح كلام العرب من أنواع الحذف التي لا يدل على بعضها دليل من اللفظ ما أفرد له أبواب، و من أراد معرفته مستقصاة فليطالع المغني (3).

و عن الثالث: بأنّه إن أراد بالتعليم إلقاء اللفظ الدال على المعنى إلى المتعلّم، فانحصار الوجوب فيه ممنوع، بل هو أحد أفراد الواجب، فإنّ الواجب عند المفتي (4) إيصال المعنى إلى ذهن السامع بحيث يستفيد منه مطلوبه، و هو أمر كلّي يحصل في ضمن التصنيف و التعليم باللفظ و غيرهما، فيكون كلّ واحد من التعليم و التصنيف واجبا على التخيير، و يبقى فرد التصنيف أفضل الواجبين و أكملهما؛ لعموم النفع به و استمراره على مرور الأزمان، فلا جرم صدق وصف التصنيف بالوجوب؛ لأنّه أحد أفراد الواجب المخيّر إن لم يكن أكملها.

و إن أراد بالتعليم الواجب هو هذا المعنى الكلّي، فنفي الوجوب عن التصنيف ممنوع؛ لأنّه أحد أفراده.

____________

(1): شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 166- 167.

(2) البقرة: 159، آل عمران: 187، الكافي 1: 41/ 1، مجمع البيان 1: 447 و 2: 467.

(3) مغني اللبيب 2: 605- 607:

(4) في «ع»: على المعلّم (خ ل).

14

و كيف كان، فرعاية أبواب الخطابة يقتضي كون الوجوب على جهة المبالغة و إن كان المعنى الآخر صحيحا أيضا.

(و اللّه المستعان) على تصنيف الرسالة و غيره، و ترك ذكر المستعان عليه إما اختصارا من قبيل قوله تعالى أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (1)، أو لإرادة التعميم من قبيل قوله تعالى:

وَ اللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ السَّلٰامِ (2).

(و هي)، أي الرسالة (مرتّبة) ترتيبا، و هو جمع الأشياء المختلفة و جعلها بحيث يطلق عليها اسم الواحد، و يكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقدّم و التأخّر في النسبة العقلية و إن لم تكن مؤتلفة. و هو أعمّ من التأليف من وجه؛ لأنّه ضمّ الأشياء مؤتلفة، سواء كانت مرتّبة الوضع أم لا. و هما أخصّ من التركيب مطلقا؛ لأنّه ضمّ الأشياء مؤتلفة كانت أم لا، مرتّبة الوضع أم لا. و قد يستعمل الترتيب أخصّ مطلقا من التأليف، و قد يجعلان مترادفين.

(على مقدِّمة) بكسر الدال، و بناؤها من قدّم بمعنى تقدّم، و منه قوله تعالى:

لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ (3)، فهي كمقدّمة الجيش للجماعة المتقدّمة منه.

و يجوز الفتح على ضعف؛ لإيهامه كون استحقاق التقديم بجعل الجاعل لا بالذات.

و المراد بها هنا طائفة من الكالم تكون أمام المقصود بالذات؛ لارتباط بينهما.

(و فصول ثلاثة) جمع فصل، و هو لغة: الحاجز بين الشيئين (4).

و اصطلاحا: قيل: هو الجامع للمسائل المتّحدة جنسا المختلفة نوعا (5). و هو لا يتمّ مُطلقا؛ لعدم اتفاق الكتب على عنوان المسائل، بل كثيرا ما يُعبّرون بالفصل مقام غيره من المقاصد و الأبواب، و بالعكس. و قد يعرّفون الكتاب بذلك، و الفصل: بما جمع المسائل المتّحدة نوعا المختلفة صنفا.

____________

(1): الأعراف: 143.

(2) يونس: 25.

(3) الحجرات: 1.

(4) القاموس المحيط 4: 30، تاج العروس 15: 573 «فصل»، مفردات الراغب: 395.

(5) قاله المحقّق الكركي في شرح الألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 167.

15

و الحقّ أنّ جنسيّة المسائل المختلفة و نوعيتها أمر اعتباري يختلف باختلاف الاصطلاح، و من ثمّ اختلفت عباراتهم في ذلك.

(و خاتمة) و هي تتمّة يؤتى بها لاستدراك ما فات ذكره من المباحث السالفة؛ لعدم انتظامه معها في بابها.

و حصر الرسالة في ذلك أمر جعليّ لا استقرائيّ و لا عقليّ، و قد اختلف النظر في وجه حصرها فيه، فالذي ذكره الشارح المحقّق: أنّ المبحوث عنه في الرسالة إما أن يكون مقصودا بالذات، أولا. و الأوّل إما أن يكون البحث فيه عن الشرط، أو عن المشروط، أو عن المانع. فالأوّل هو الفصل الأوّل و كذا الثاني و الثالث، و الثاني إما أن يتعلّق بالمقصود تعلّق السابق، أو اللاحق. الأوّل المقدّمة، و الثاني الخاتمة (1).

و هذا الوجه هو الأغلب في ترتيب الكتب و الأنسب بمقام المقدّمة و الخاتمة، إلّا أنّه لا يناسب غرض هذه الرسالة، فإنّ غرضها الذاتيّ فروض الصلاة الواجبة اليوميّة و غيرها، كما صرّح به مرارا. و لا يخفي أنّ في الخاتمة كثيرا من فروض الصلاة سيّما الأنواع الستّة غير اليوميّة؛ فإنّ أكثر الخصوصيّات فروض مقارنة فضلا عن الشروط، و هي أدخل الفروض في المقصود بالذات، بل هي المقصود بالذات، كما فهمه بعض (2). و أحكام السهو و الشك لا تقصر عن المنافيات، خصوصا على القول بأنّ معرفتها شرط في صحة الصلاة.

و كيف كان، فمعرفتها واجبة، و خروجها عن ذات الصلاة و شرطها أقرب من المانع للصحة في الجملة كفصل المنافيات، و قد أدخله فيها.

و أيضا فإنّ الشارح (قدّس اللّه سرّه) ذكر في بيان عدد الستّين فرضا المقدّمة: أنّ في المقدِّمة منها تسعة (3)، كما سيرد عليك تفصيله (4). و حينئذ لا يتمّ خروج جميع

____________

(1): شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 167.

(2) هو ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعيّة في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 6.

(3) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 246.

(4) يأتي في الصفحة: 207- 208.

16

المقدِّمة من المقصود بالذات، خصوصا قوله: (و يجب أمام فعلها معرفة اللّه تعالى. إلى آخره)، فإنّ ذلك معدود من جملة الشروط، و كذا القول في أخذ أفعالها بالدليل أو التقليد. فقد ظهر عليك من ذلك أنّ المقدّمة و الخاتمة داخلتان في المقصود بالذات في الجملة و إن خرج عنه بعض مسائلهما، فلا يتمّ تخصيص الفصول بالمقصود الذاتي.

و بالغ بعضهم فزعم أنّ المقصود الذاتيّ هو باب المقارنات، و ما سواه خارج. (1)

و فساده واضح؛ لما عرفت من أنّ كلّ ما تعلّق بفرض الصلاة غرض ذاتي، و المصنّف قد صرّح بعدها في الفصل الأوّل و الثالث في عدد الفروض حيث قال: (فهذه ستون فرضا مقدَّمة) (2)، و قال أخيرا بعد ذكر الخمسة و العشرين المنافية: (صار جميع ما يتعلّق بالخمس ألفا و تسعة) (3). فعلم أنّه يريد بواجبات الصلاة أعم ممّا تلتئم منه الحقيقة و هو فصل المقارنات، و ممّا يكون شرطا في تحقّقها، و أنّه مع ذلك إما وجوديّ و هو فصل المقدّمات، أو عدميّ و هو فصل المنافيات. و لو لا تصريحه بإرادة إدخال هذه الفصول في الفروض التي هي غرض الرسالة، أمكن تمشّي ذلك.

و يرد عليه أيضا ما تقدّم من اشتمال الخاتمة على فروض كثيرة لغير اليوميّة، و لا يمكن القول بأنّ المقصد الذاتيّ هو اليوميّة و الباقي من الصلاة الواجبة مقصود بالعرض؛ لعدم إشعار عبارته و مطلبه به، بل بما هو أعم كقوله: (فهذه رسالة في فرض الصلاة) (4).

و قال: (و أصنافها سبعة) (5)، و ذكر الفروض المشتركة، ثم ذكر الفروض المختصّة بكلّ صلاة واجبة.

فإن قيل: جمعه الفروض و تعرّضه لحصرها في الفصول الثلاثة لا غير، يؤذن بأنّ

____________

(1): هو ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعيّة في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد الملية: 5- 6.

(2) يأتي في الصفحة: 206.

(3) يأتي في الصفحة: 316.

(4) تقدّم في الصفحة: 9- 10.

(5) يأتي في الصفحة: 55.

17

غرضه الذاتي منحصر في الفصول الثلاثة دون المقدّمة و الخاتمة؛ لعدم التفاته إلى ما اشتملتا عليه من الواجبات، و ذلك يؤيّد ما ذكره الشارح المحقّق من وجه الحصر، مضافا إلى ما هو المطبوع و المألوف في نظائر ذلك من المؤلّفات.

قلنا: ذلك هو الظاهر، لكنّه لا دليل على اختصاصه بالذكر من بين الواجبات الباقية، كما قد بيّناه، خصوصا على ما اختاره هذا المحقّق من دخول جملة من الفروض المعدودة في المقدِّمة، فكلامه حينئذ لا يتوجّه على تقريره و إن أمكن الحصر في الفصول بوجه آخر، و هو أن يجعل الستّين من الفصل الأوّل خاصّة، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و لو أردت بيان وجه الحصر على تقدير دخول المقدِّمة و الخاتمة أو الخاتمة لا غير، أمكنك ذلك بضرب من تغيير الأوّل، إلّا أنّ البحث في ذلك كلّه قليل الجدوى، لكن اقتضى الحال ذكر ما أوردناه فيه.

و حيث فرغنا من ديباجة الرسالة، فلنشرع في المقصود بالذات، فنقول:

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[أمّا المقدّمة]

(أمّا المقدّمة) فاعلم أنّ من حقّ طالب كثرة تضبطها جهة واحدة، أن يعرّفها بتلك الجهة، و أن يعرّف غايتها؛ ليزداد فيها نشاطا، و لا يكون سعيه عبثا. و فلذلك جرت عادة العلماء بتقديم تعريف ما يقصدون البحث فيه من العلوم (1)، و ذكر غايته و موضوعه على الشروع في مسائله، فسلك المصنّف (رحمه اللّه) تعالى هذا النهج القويم، و ابتدأ بتعريف الصلاة الواجبة التي غرض الرسالة هو البحث عن فروضها، و أشار في ضمن التعريف إلى الغاية المطلوبة منها، ثم عقّبه بذكر الموضوع الرسالة، و هو ما يبحث فيها عن إعراضه الذاتيّة، و عقّب ذلك بجملة من الترهيب و الترغيب فيها؛ ليزيد الطالب لها نشاطا، فقال:

(فللصلاة الواجبة: أفعال معهودة) أي معلومة شرعا على وجه معيّن (مشروطة بالقبلة و القيام اختيارا، تقرّبا إلى اللّه تعالى). فالأفعال بمنزلة الجنس تشمل العبادات و غيرها و أفعال القلب و الجوارح، فيدخل في التعريف صلاة المريض المستلقي العاجز عن الإيماء، فإنّ أفعاله كلّها قلبيّة. و صلاة شدّة الخوف مع العجز عن الإيماء، فإنّ أفعالها حينئذ لسانيّة و قلبيّة لا غير. و صلاة الغريق قد تلحق بالأوّل، و قد تلحق بالثاني،

____________

(1) في «ش»: من العلوم قبل الشروع.

22

و بقيّة القيود بمنزلة الفصل.

فخرج ب(المعهودة) ما لا ينقل شرعا على وجه معيّن كالمباحات.

و ب(المشروطة بالقبلة) الطواف و السعي و نحوهما من العبادات المعهودة شرعا، مع عدم توقّفها على الاستقبال بها، فإنّ الطائف يجعل القبلة على يساره، فلا يصدق الاستقبال بذلك.

و بالمشروطة ب(القيام) يخرج الذبح، و أحكام الموتى التي يشترط فيها الاستقبال كالاحتضار و التغسيل على المختار، و الدفن إجماعا.

قال الشارح المحقّق: و (اختيارا): مصدر وضع موضع الحال، و العامل فيه الصفة، و صاحبه الضمير المستكن فيها، أي مشروطة تلك الأفعال بالقبلة و القيام في حالة اختيار المكلّف و قدرته عليهما (1).

و يشكل بعدم إمكان حمله على ذي الحال حمل المواطاة و لو بتأويل، ليكون نفس صاحبه في المعنى، و هو على تفسيره حال من المكلّف. و يمكن جعل المصدر بمعنى المفعول، أي في حالة كون تلك الأفعال مختارة للمكلّف مقدورة له، فتصح الحاليّة.

و سوّغ مجيء الحال للنكرة قربها إلى المعرفة بالوصف، و لو جعل منصوبا بنزع الخافض أمكن أيضا.

قال الشارح المحقّق: و به تندرج صلاة المضطر في القبلة و القيام كالمتحيّر و المريض، و لو لا القيد لخرجت، فلم ينعكس التعريف (2).

و (تقرّبا) منصوب على المفعول لأجله، و هو بيان للغاية لا للإدراج و لا للإخراج، و سوّغ ذكره الإشارة إلى العلل الأربع التي لا تتم إلّا به، أعني المادّة و الصورة و الفاعل و الغاية، التي لا ينفكّ عنها مركّب صادر عن فاعل مختار، فالأفعال إشارة إلى المادّة، و مع (3) القيود إلى الصورة، و التقرّب إلى الغاية، و الأفعال تدلّ على الفاعل التزاما.

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 168. و في «ش» ورد هنا قول الشارح المحقّق الآتي بعد ستة أسطر.

(2) شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 168.

(3) في «ع»: و بقية.

23

و إن لم يكتف في القيد بذلك أمكن جعله احترازا من صلاة الرياء عند المرتضى (رحمه اللّه) تعالى، فإنّه يرى صحتها، بمعنى حصول الامتثال بها و إن لم يترتّب على فعلها ثواب (1)، و ليس احترازا عنها مطلقا؛ لفسادها عند باقي الأصحاب، و المعرَّف هو الصحيحة، فتخرج بالشروط المتقدّمة.

و اعلم أنّ كون القيود المذكورة خاصة مركّبة أولى من كونها فصلا؛ لأنّها أمور عَرَضيّة خارجة عن ذات الصلاة، و مع ذلك كلّ واحد منها أعم من الآخر من وجه، فإنّ المشروطة بالقبلة- و هي الصلاة و أحكام الميت و الذبح- أعمّ من المشروطة بالقيام- و هي الصلاة و الطواف و السعي و نحوها- و بالعكس، و كذلك الفعل المتقرَّب به أعم منهما. و يجتمع من الجميع خاصة للصلاة الواجبة مركبة من القيود المذكورة، فيكون التعريف رسما لا حدّا، و الأمر في ذلك سهل.

و هذا التعريف للصلاة الواجبة من خصوصيات الرسالة، و قد عرّف المصنّف الصلاة المندوبة خاصّة في رسالة النفل. (2) و المستعمل من ذلك تعريف مطلق الصلاة حسب غرض المعرّفين، و ربما خلا المعرّف من قيد الواجبة في كثير من نسخ الرسالة، و لا بدّ منه؛ لتخرج المندوبة إذ لا يشترط فيها القيام و لا القبلة على بعض الوجوه، اللهم إلّا أن تحمل اللام على العهد الذكرى، و هو السابق في الديباجة.

و هذا التعريف مع كونه من أجود التعريفات، و ملاحظة المصنّف الاطراد و الانعكاس فيه، ترد عليه أمور:

الأوّل: أنّ قيد [المعهودة مجمل]

(المعهودة) مجمل؛ لاشتراكه بين المعهود شرعا و عرفا، و بين جماعة خاصة و في ذهن شخص خاص. و لا دليل يدل على إرادة أحدها، و إنّما حملناه على المعهود شرعا؛ لعدم تماميته بدونه، لا لقيام دليل واضح يدل عليه. و استعمال مثل هذه الألفاظ في التعريفات محذور، و ليس ذلك من باب الموضوع لغة و عرفا و شرعا حتى يقدّم المعنى الشرعي و يتم المراد؛ لأنّ الوضع هنا واحد و هو اللغوي، لكنه مشترك بين

____________

(1) الانتصار: 17.

(2) الرسالة النفليّة: 82.

24

كونه معهودا عند مطلق أهل اللغة أو غيرهم، كما فصل، فالإجمال واقع، مع أنّ خروج المباحات بالقيد- كما ذكر أوّلا- موضع نظر، فإنّ المباح أحد الأحكام الخمسة الشرعيّة، فهو معهود (1) شرعا أيضا.

الثاني: ينتقض في طرده ما لو نذر (2) ذكر اللّه تعالى

أو الصلاة على النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و آله، أو النظر إلى وجه العالم و نحوه من العبادات المعهودة شرعا، مستقبلا، قائماً، اختيارا، تقرّبا إلى اللّه تعالى. فإنّ نذر ذلك منعقد؛ لكونه عبادة راجحة مقدورة للناذر، و كذلك القيود مطلوبة شرعا.

الثالث: ينتقض في طرده أيضا بأبعاض الصلاة المشترطة بالقيام كالقراءة

، فإنّها ليست صلاة مع صدق التعريف عليها، و لا يرد كونها فعلا واحدا فيخرج بجميع الأفعال؛ لأنّ التلفّظ بكلّ حرف فعل من أفعال اللسان مغاير للآخر و إن اتفقت في الصنف (3).

الرابع: ينتقض في عكسه بصلاة الاحتياط

المُخيّر فيها بين القيام و القعود اختيارا، فإنّها من أصناف الصلاة الواجبة و أحد أفراد الملتزم كما سيأتي (4)، فلا بدّ من قيد يدخلها في التعريف.

الخامس: ينتقض في عكسه أيضا بما لو نذر صلاة مقيّدة بحالة الجلوس

، أو مخيّرا فيها بين القيام و القعود، فإنّ ذلك جائز، كما سيأتي من أنّها هيئة مشروعة (5)، بل قيل بالتخيير في الصلاة المنذورة و إن لم يشترط اعتبارا بأصلها. و أما مع ملاحظة التخيير أو قيد الجلوس، فالمصنّف قاطع بجوازه، و ذلك وارد على التعريف؛ لأنّها حينئذ صلاة واجبة من أفراد الملتزم، بل هي أظهرها، و القيام غير شرط فيها.

السادس: ينتقض في عكسه أيضا بما لو نذر صلاة إلى غير القبلة ماشيا أو راكبا،

____________

(1) في «د»: فهي معهودة.

(2) في «د»: بناذر.

(3) في «د» فيتحقق الجمع.

(4) يأتي في الصفحة: 380 عند قول الماتن: و يدخل في شبه النذر العهد و اليمين و صلاة الاحتياط.

(5) يأتي في الصفحة: 378.

25

فإنّ ذلك جائز منعقد عند المصنّف (1) و غيره (2) إن لم تجز النافلة إلى غير القبلة مطلقا، و يتبعه النذر في ذلك، و هذا أيضا من أفراد الملتزم.

و قد ينتقض بأمور أخر، و ليس ذلك ببدع من التعريفات فإنّها عرضة للنقوض و التزييفات. (3).

(و) الصلاة (اليوميّة واجبة بالنصّ) و هو لغة: الظهور (4).

و اصطلاحا: قول دالّ على المعنى، مع عدم احتمال النقيض. و بالقيد الأخير خرج الظاهر؛ لأنّه القول الدال على المعنى دلالة راجحة غير مانعة من النقيض.

و قد يطلق النصّ على ما دلالته راجحة مطلقا، و هو المراد هنا.

(و) كما أنّ وجوبها ثابت بالنصّ من اللّه (5) و رسوله (6) و من قام مقامه، (7) كذا هو ثابت ب (الإجماع) من المسلمين، و المراد به: اتّفاق أهل الحلّ و العقد منهم على حكم شرعي.

و إنّما خصّ اليوميّة بالذكر بعد تعريفه الصلاة الواجبة مطلقا؛ لأنّ وجوب غيرها من الصلوات ليس كذلك، و ليترتّب عليه كفر مستحلّها، فإنّ صلاة الجمعة مختلف في شرعيتها في حال الغيبة عندنا (8)، و الكسوف غير واجبة عند العامة (9)، و اختلفوا في وجوب صلاة العيد مطلقا (10)، و باقي الآيات مختلف فيها عندنا (11)، إلى غير ذلك

____________

(1) الذكرى: 248.

(2) كالعلّامة في تذكرة الفقهاء 4: 200 المسألة 505.

(3) في «ع»: و الاعتراضات (خ ل).

(4) القاموس المحيط 2: 331، تاج العروس 9: 369، لسان العرب 7: 97 «نصص».

(5) النساء: 103.

(6) سنن أبي داود 1: 298/ 429.

(7) الكافي 3: 271/ 1.

(8) انظر مختلف الشيعة 2: 250 المسألة 147، إيضاح الفوائد 1: 119، غاية المراد 1: 163.

(9) انظر المجموع 5: 43- 44، المغني لابن قدامه 2: 280.

(10) انظر المجموع 5: 2، المغني لابن قدامه 2: 223.

(11) انظر الكافي في الفقه: 155، مختلف الشيعة 2: 290 المسألة 179.

26

من الصلوات، فليس إجماع المسلمين حاصلا إلّا على وجوب اليوميّة.

(و مستحل تركها كافر)؛ لأنّ وجوبها معلوم من دين الإسلام ضرورة، و كلّ حكم شرعي شأنه ذلك فمنكره كافر. و إنّما لم يفرّع الحكم بالكفر على ثبوت الوجوب بالنّص و الإجماع؛ لينبّه على أنّ مناط الكفر ليس معلّقا على مخالفة الإجماع مطلقا، بل لا بدّ مع ذلك من ثبوت الحكم بالضرورة، فلو كان المجمع عليه من الأمور التي يمكن خفاؤها على بعض الناس لم يحكم بكفره على تقدير إنكاره.

و اللازم من كفر مستحل تركها كونه مرتدا إن سبق له إسلام عن فطرة إن انعقد حال إسلام أحد أبويه، فيقتل إن كان رجلا ما لم يدّع شبهة محتملة في حقّه كقرب عهده بالإسلام، أن نشوية في بادية بعيدة عن معرفة فروع الإسلام و لوازمه. و عن ملّة إن لم يكن كذلك، فيستتاب، فإن تاب و إلّا قتل. و المرأة لا تقتل مطلقا، بل تحبس و تضرب أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت.

و في حكم استحلالها استحلال ترك شرط مجمع عليه كالطهارة، أو جزء كالركوع، فإنّ وجوب ذلك كلّه مع الإجماع عليه ضروري أيضا.

و لو تركها غير مستحل عزّر، فإن عاد إلى الترك عزّر ثانيا، و قتل في الثالثة، و الأولى قتله في الرابعة. و كفى بما ذكر ترهيبا من تركها و تفخيما لشأنها، و عقّب ذلك بالترغيب فيها و قدّم عليه الترهيب؛ لأنّ دفع الضرر أولى من جلب النفع، فقال:

(و فيها)، أي في اليوميّة (ثواب جزيل) مترتّب (1) على فعلها.

(ففي الخبر بطريق أهل البيت (عليهم السلام)) الذي رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال ( «صلاة فريضة خير من عشرين حجّة») بكسر الحاء على غير قياس، ( «و حجّة خير من بيت مملوء ذهبا يتصدّق منه حتى يفني») (2) الذهب.

و متن الحديث في الكافي: «خير من بيت ذهب».

____________

(1) في «ع»: يترتب.

(2) الكافي 3: 265/ 7، الفقيه 1: 134/ 630، التهذيب 2: 236/ 935.

27

و الفريضة و إن كانت مطلقة إلّا أنّ الظاهر أنّ المراد بها اليوميّة، و عبارة المصنّف مشيرة إلى ذلك حيث ذكر الحديث في سياق اليوميّة.

و وجه التقييد: أنّ اليوميّة هي الفرد الذي يتبادر إليه الذهن من إطلاق الصلاة، و ما سيأتي في الخبر الآخر (1)، و أنّ حمله على العموم يوجب الفساد، حيث إنّ الحجة مشتملة على صلاة فريضة، فيلزم تفضيل الشيء على نفسه بمراتب، فتخصيص الصلاة باليوميّة مع هذه القرائن أولى من تخصيص الحجة بالمجردة عن صلاة الطواف، أو بالحجة المندوبة، أو بالواقعة في غير ملّتنا، أو أنّ المتفضّل به في الصلاة أزيد من المستحق في الحج، مع قطع النظر عن المتفضّل به في الحج؛ لعدم الدليل على ذلك كلّه.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أفضل الأعمال أحمزها» (2) أي أشقها، المقتضي لكون الحجة أفضل من الصلاة، يحمل على ما عدا اليوميّة، جمعا بين الأخبار، و اختصارا في تخصيص هذا الخبر على ما تندفع به المنافاة.

و تخصيص اليوميّة من بين الأفراد؛ لما تقدّم، و لدلالة الأذان و الإقامة على كونها أفضل الأعمال؛ لاختصاصهما باليوميّة.

نعم، ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال «إيمان باللّه»، قيل: ثم ما ذا؟ قال: «جهاد في سبيل اللّه»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (3).

و أجيب بجواز اختلافه باختلاف الأشخاص، كما نقل أنّه سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «برّ الوالدين»، و سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: «الصلاة لأوّل وقتها» (4) و سئل أيضا أي الأعمال أفضل؟ فقال: «حجّ مبرور» (5)، فيختص بما يليق بالسائل من الأعمال، فيكون للسائل الأوّل والدان يحتاجان إلى برّه، و المجاب بالصلاة

____________

(1): يأتي في الصفحة: 29.

(2): القواعد و الفوائد 1: 108، النهاية في غريب الحديث و الأثر 1: 440 «حمز»، الفروق للقرافي 2: 3.

(3) صحيح مسلم 1: 88/ 135، مسند أحمد 2: 264، سنن الدارمي 2: 201.

(4) مسند أحمد 1: 448، سنن الدارقطني 1: 246/ 4.

(5): مسند أحمد 2: 264، فتح الباري 1: 77.

28

عاجزا عن الحج و الجهاد، و بالجهاد قادرا عليه محتاجا فيه إليه (1).

و هي حكمة منه (2) (صلّى اللّه عليه و آله) يداوي كلّ مريض بما يليق به، مع أنّ طريق هذه الأخبار ليست كطريق خبرنا، فهو مرجّح.

و اعلم أنّه لا يحتاج إلى تقييد البيت المملوء من الذهب بكونه مجتمعا من الصدقات الواجبة، كما قيّده به الشارح المحقّق؛ بناء على أنّ المندوب لا مزيّة في تفضيل بعض الواجبات عليه (3)؛ لأنّ الواجب القليل إذا فضّل على المندوب الكثير تتمّ به المزيّة، و أي ترغيب أعظم و أتم من أنّ صلاة ركعتين خفيفتين أفضل و أكثر ثوابا من عشرين بيتا من الذهب يتصدّق بها الإنسان بأسرها حتّى يحصل له منها مائتا بيت، ما هذا إلّا تمام الفضل من اللّه تعالى و الرحمة.

و أما القول بأنّ مطلق الواجب أفضل من مطلق المندوب، بحيث تكون تسبيحة واحدة واجبة أكثر ثوابا من ألف حجّة فما زاد، فممّا لا يدل عليه دليل، و لا يقتضيه نظر، و لا يقبله العقل.

و قد ذكر المحقّقون جملة من المندوبات أفضل من مساويها من الواجب، فضلا عما هو أنقص منها، كالابتداء بالسّلام فإنه مستحب و هو أفضل من الرد، و إبراء المعسر من الدين مستحب و هو أفضل من إنظاره به و هو واجب، و إعادة المنفرد صلاته جماعة فإنّها مندوبة و هي أفضل من الأولى الواجبة (4).

و التحقيق في هذا المقام ما ذكره بعض الأفاضل: من أنّ المراد بكون الواجب أفضل من المندوب مع تساويهما في الكميّة، كصلاة ركعتين واجبة فإنّها أفضل من ركعتين سنّة، و درهم صدقة واجبة أفضل من مثله مندوبا، و هكذا. و مع ذلك يستثني منه ما قد ذكرناه، و أمّا مع الاختلاف فلا دليل عليه.

____________

(1): من المجيبين بهذا الجواب الماتن الشهيد الأوّل في القواعد و الفوائد 2: 116.

(2): في هامش «ع» ورد بدل (منه): نبيّنا (خ ل).

(3): شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) 3: 171.

(4) انظر الفروق للقرافي 2: 127، القواعد و الفوائد 2: 107.

29

نعم، ورد في الحديث القدسي: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل ما افترضت عليه» (1)، و ورد أيضا: «أنّ الواجب أفضل من سبعين مثلا من النفل». إلّا أنّهما ليسا من الأدلة الثابتة بسند يعتمد عليه بحيث يخصّصان ما دلّ عليه النقل و العقل من الأدلّة من أنّ «أفضل الأعمال أحمزها» (2)، فإنّ الثواب المستحق يزيد بزيادة العبادة و ينقص بنقصانها؛ لأنّ المشقّة أصل التكليف المؤدّي إلى الثواب و مداره، و كلّما عظمت عظم، إلّا ما أخرجه الدليل الخاص.

و على تقدير تمام الثاني يكون الكلام فيما زاد على السبعين، مع أنّه لو كان الواجب أفضل من الندب مطلقا لم يكن للتقييد بالسبعين فائدة.

و قد ورد أيضا في بعض النوافل وجوه تترجّح بها على الفرائض من وجه و إن كانت الفرائض تترجّح من وجه آخر، كما ورد عنه (عليه السلام) أنّه «إذا أذّن المؤذّن أدبر الشيطان و له ضراط» إلى قوله: «فإذا أحرم العبد بالصلاة جاء الشيطان فيقول له: اذكر كذا اذكر كذا حتى يضل الرجل كذلك فلا يدري كم صلّى» (3)، مع أنّ الأذان و الإقامة من وسائل الصلاة و مقدّماتها المستحبة.

و بالجملة فلا قاطع على أفضلية مطلق الواجب على جميع المندوبات، و للنظر فيه مجال. و كيف كان فحديث أفضلية الفريضة الواحدة على عشرين بيتا من الذهب لا يحتاج إلى التقييد.

(و عنهم (عليهم السلام): «ما تقرّب العبد إلى اللّه تعالى بشيء بعد المعرفة») باللّه تعالى و رسوله و ما به يتحقّق الإيمان ( «أفضل من الصلاة»).

و هذا معنى الحديث المروي، و لفظه ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم و أحب ذلك إلى اللّه عزّ و جل ما هو؟ فقال: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه

____________

(1): مسند أحمد 6: 256، اتحاف السادة المتّقين 8: 477، عوالي اللئالي 1: 408/ 74.

(2): انظر القواعد و الفوائد 1: 108، معارج الأصول: 215، الفائق للزمخشري 1: 319، النهاية لابن الأثير 1: 44.

(3) صحيح البخاري 1: 158، سنن أبي داود 1: 355/ 516.

30

الصلاة، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا (1).

و في هذا الحديث إشارة إلى أنّ المراد بالصلاة المفضّلة هي اليوميّة، و موضع الدلالة قوله: «هذه الصلاة»، فإنّه إشارة إلى الفرد المتعارف المتكرر و هو الصلاة اليوميّة.

و في الاقتصار من اسمه على الإشارة تنبيه على تعظيمه و تمييزه أكمل تمييز، كما هو مقرّر في محلّه من علم المعاني، و حيث لم يكن غير هذه الصلاة أفضل منها في علم الإمام (عليه السلام) دلّ على عدم وقوعه و تحقّقه، و إلّا لكان معلوما له (عليه السلام)؛ لأنّه من أحكام الدين التي يجب إحاطته بها، فتعبيره (عليه السلام) بعدم العلم كناية عن العدم. و هذا هو الذي تقدّم الوعد به من دلالة هذا الخبر على أنّ الصلاة المفضّلة هي اليوميّة (2)، فإنّ ما كان أفضل من غيره من العبادات يكون أفضل من الحج بأزيد من العدد المتقدّم فضلا عنه.

و تنقيح الحديث يتم بمباحث:

الأوّل: ظاهر إطلاق الحديث و مقتضى استدلال المصنّف أنّ الصلاة أفضل الأعمال مطلقا

، سواء كانت واقعة في أوّل وقتها أم في وقت إجزائها.

و قد ورد في هذا المقام خبر آخر مقيّد، و هو ما رواه ابن مسعود عنه (عليه السلام) أنّه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: «الصلاة في أوّل وقتها» (3)، و حيث كان هذا الخبر مقيّدا وجب حمل المطلق عليه كما تقرّر في الأصول؛ لاستلزامه إعمال الدليلين، فعلى هذا لا يتم المدّعى، كذا أورده بعض الفضلاء.

و جوابه: منع المنافاة الموجبة للجمع بينهما بتقييد المطلق بموضع التقييد، فإنّ الخبر الأوّل اقتضى كون الصلاة مطلقا أفضل من غيرها من العبادات، سواء وقعت في أوّل

____________

(1): مريم: 31، الكافي 3: 264/ 1، الفقيه 1: 135/ 634، التهذيب 2: 236/ 932.

(2): تقدّم في الصفحة: 27.

(3): سنن أبي داود 1: 296/ 426، سنن البيهقي 1: 232/ 434، سنن الدارقطني 1: 246/ 4، كنز العمال 8: 1/ 21646.

31

وقتها أم في آخره. و الحديث الآخر دلّ على كون الصلاة في أوّل وقتها أفضل الأعمال مطلقا، و العمل بهما معا ممكن من غير منافاة، فإنّ الصلاة مطلقا إذا كانت أفضل من غيرها من العبادات كان الفرد الكامل منها أفضل الأعمال قطعا بالنسبة إلى باقي أفرادها و إلى غيرها، مع أنه خبر ابن مسعود ليس في قوّة خبرنا الصحيح، بل إسناده غير معلوم، فلا يصلح للتقييد لو توقّف الأمر عليه.

الثاني: ظاهر الحديث يقتضي نفي أفضليّة غير الصلاة عليها

، و المطلوب أفضليّتها على غيرها، و أحدهما غير الآخر، فإنّ قوله (عليه السلام): «لا أعلم أفضل منها» (1) لو سلّم منه نفي وجود الأفضل لا يدل على نفي وجود المساوي، و المطلوب لا يتم بدونه، فإنّ الفرق واضح بين إثبات أفضلية شيء من غيره، و بين نفي أفضلية غيره منه.

و يمكن الجواب بأنّ نفي المساوي و إن لم يعلم من نفس الجواب لكن علم بوجه آخر، و هو أنّ السؤال إنّما وقع عن الأفضل كما في قوله: سألته عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم و أحبّ ذلك إلى اللّه عزّ و جل ما هو (2)؟ فلو كان غير الصلاة مساويا لها في الفضيلة لزم منه عدم مطابقة الجواب للسؤال، و خبر ابن مسعود أوضح دلالة من الحديث الأوّل، بل السؤال ساقط عنه رأسا؛ لأنّه سأله عن أفضل الأعمال فأجاب بأنّه الصلاة (3)، و في سقوط السؤال عن الحديث الآخر بحث.

و يمكن أن تستفاد الأفضلية من مثل هذه العبارة من العرف العام، فإنّ أهل اللسان كثيرا ما يستعملون ذلك في شيء و يريدون أنّه أفضل من غيره، لا نفي أفضليّة غيره عليه خاصة، و يتأكد ذلك بدلالة المقام عليه و إرشاد أوّل السؤال إليه كما بينّاه.

الثالث: قد تحقّق في الأصول أنّ المعرفة من العبادات التي لا تتحقّق فيها القربة و لا تتوقّف على النيّة

؛ لتوقّف نيّة القربة على معرفة المتقرّب إليه، فلو توقّفت المعرفة عليها دار، و السؤال في الحديث وقع عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم، و ذلك

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 29- 30.

(2) تقدّم في الصفحة: 29.

(3) تقدّم في الصفحة: 30.

32

يقتضي كون المراد به من العبادات الواقعة بعد المعرفة، و في قوله (عليه السلام): «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة»، دلالة على كون المعرفة أفضل من الصلاة، فيكون التقرّب بها أتم، و ذلك يخالف ما تقرّر في القاعدة.

و جوابه: أنّ في قوله (عليه السلام): «ما أعلم أفضل» إلى آخره عدول عمّا اقتضاه السؤال، و تحقيق للحال بوجه آخر، و هو أنّ المعرفة باللّه تعالى أفضل من الصلاة، بمعنى أنّ اللّه تعالى جعل جزاءها أفضل (1) الجزاء، و هو الخلود في الجنّة. و لا يلزم من ذلك كونها متقرّبا بها منوية قبل وقوعها، ففي كلامه (عليه السلام) تنقيح للسؤال و تقرير له بوجه آخر على غير جهة التقرّب.

و الحاصل أنّ المعرفة موجبة للقرب لا للتقرّب، و ما بعدها من العبادات موجبة للتقرّب؛ لأنّ (تفعّل) في هذا المقام غير (فعل) و إن أمكن ردّهما إلى معنى واحد في بعض الموارد.

و اعلم أنّ الحكمة في أفضليّة الصلاة على باقي العبادات- مع النصّ- أنّ الأعمال البدنيّة أفضل من الماليّة و أشدّ مشقّة، و من ثمّ قبلت الماليّة النيابة في حال الحياة اختيارا.

ثم الأفعال البدنيّة منها الحج و فيه- مع التكليف به بالبدن- شائبة الماليّة؛ لاشتراطه بالاستطاعة، بخلاف الصلاة. و وجوب ستر العورة فيها ليس على حدّ شرط الحج؛ لسقوطه عند العجز عنه و وجوب الصلاة عاريا، بخلاف استطاعة الحج. و مثله الجهاد، و من ثمّ قبل النيابة حال الحياة مع الضرورة.

و الصوم و إن كان عبادة بدنيّة لكنّه ليس فعلا محضا؛ لأنّه عبارة عن الإمساك عن المفطرات على وجه مخصوص، و هو من قبيل التروك، و نسبته إليه تعالى في الحديث القدسي و أنّه يختص بالجزاء به (2)، و تسميته عملا، ليس صريحا في أفضليّته على الصلاة، بل على اشتماله على مزيّة لا تحصل في غيره، مع أنّ الصلاة جمعت بين خصوصيّة الصوم و الاعتكاف و الحج و غيرها من العبادات، مع اختصاصها بفضيلة

____________

(1) في «ع»: أعظم.

(2) صحيح مسلم 2: 807/ 163، سنن ابن ماجة 1: 525/ 1638.

33

الركوع و السجود و غيرهما.

(و أعلم أنّها) أي الصلاة اليوميّة؛ بقرينة ما تقدّم من قوله: (و اليوميّة واجبة)، ثم قوله: (و مستحل تركها كافر)، ثم قوله: (و فيها ثواب جزيل). و لعدم صحة استثناء الحائض و النفساء من جميع أفراد الصلاة الواجبة، إذ الجنازة لا يشترط فيها الطهارة فتجب عليهما، و مثلها الجمعة فإنّها لا تجب على المرأة مطلقا و لا على المسافر و نحوه على بعض الوجوه.

و يحتمل- على بعد- عوده إلى الصلاة المعرّفة؛ لاشتراك أفرادها في هذا المعنى، فإنّ صلاة الجنازة واجبة في الجملة، و كذلك الملتزم بالنذر و شبهه واجب عينا على من التزم به ممّن جمع الوصفين، و توقف وجوبها مع ذلك على اجتماع شرائط الالتزام كتوقف وجوب غيرها من الصلوات على حصول أسبابها و نحوها.

و يضعّف بما مرّ إن جعلنا إطلاق الصلاة على الجنازة على طريق الحقيقة، كما هو الظاهر من مذهب المصنّف، و سيأتي ما فيه.

و لعلّ تخصيص اليوميّة بالذكر لمزيد شرفها كما خصّها سابقا، و لعدم انتظام دخول جميع الأقسام إلّا بتكلّف، بخلاف اليوميّة فإنّها (تجب على كلّ بالغ عاقل)، سواء كان ذكرا أم أنثى، و دخولها في العبارة ليس بالتبعيّة بل لاشتراك الوصف هنا بين المذكّر و المؤنث، و لا يشترط حصول الوصفين في جميع وقت العبادة المؤقّتة، بل يكفي حصولهما في بعض الوقت إذا أدرك من أوّله أو وسطه قدر الصلاة و شرائطها التي ليست حاصلة له، أو من آخره قدر ركعة مع الشرائط المفقودة.

(إلّا الحائض و النفساء)، فلا تجب عليهما الصلاة في حال الحيض و النفاس، بل تحرم عليهما ما دامتا كذلك، فإذا زال و قد بقي من الوقت و لو قدر الطهارة و ركعة- كما تقدّم- وجبت، و كذا لو عرضا بعد أن مضى من أوّل الوقت مقدار الصلاة بعد الشرائط.

(و يشترط في صحتها)، أي اليوميّة و إن كان غيرها أيضا كذلك؛ لئلّا يلزم اختلاف مرجع الضمائر و هو مستهجن، (الإسلام)، فلا تصح من الكافر ما دام على كفره

34

إجماعا، و لامتناع تقرّبه على الوجه المعتبر شرعا، و لا فرق بين الكافر المعطّل و غيره.

و اعلم أنّه كما يشترط في صحتها الإسلام كذا يشترط الإيمان، و هو التصديق القلبي و الإقرار اللساني بالمعارف الآتية، فلا تصح عبارة المخالف و إن حكم بإسلامه، و سيأتي التنبيه على اشتراط الإيمان أيضا في عبارة المصنّف بقوله: (فمن لم يعتقد ما ذكرناه فلا صلاة له) (1).

و تحقيق المقام يقع في موضعين:

أحدهما: إثبات المغايرة بين الإيمان و الإسلام

، و المراد بالإسلام: الانقياد و الإذعان بإظهار الشهادتين، سواء اعترف مع ذلك بباقي المعارف أم لا، فهو أعمّ من الإيمان.

و ممّا يدل على التغاير بينهما قوله تعالى قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ، (2) نفى عنهم الإيمان و أثبت لهم الإسلام، و هو دال على التغاير.

و احتجّ على اتحادهما بقوله تعالى قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ، نفي عنهم الإيمان و أثبت لهم الإسلام، و هو دال على التغاير.

و احتجّ على اتحادهما بقوله تعالى فَأَخْرَجْنٰا مَنْ كٰانَ فِيهٰا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمٰا وَجَدْنٰا فِيهٰا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (3)، حيث استثنى المسلمين من المؤمنين، و هو دال على الاتحاد.

و أجيب بأنّ الاستثناء المتصل يقتضي تصادق المستثنى و المستثنى منه في الفرد المستثنى، لا في كلّ فرد، و الحال هنا كذلك فإنّ الإسلام لمّا كان أعمّ من الإيمان كان مشتركا بينهما، فصح تسمية المؤمن مسلما و استثناؤه منه، فلا دلالة حينئذ فيها على الاتحاد، و تبقى دلالة الأولى على التغاير خالية عن المعارض. (4).

و ذهب بعض الشارحين إلى أنّ اعتقاد الأصول الآتية التي من جملتها الإمامة هو

____________

(1) يأتي في الصفحة: 54- 55.

(2) الحجرات: 14.

(3) الذاريات: 35- 36.

(4) المجيب هو المحقّق الكركي في شرحه للألفيّة (المطبوع ضمن رسائله) 3: 172.

35

الإسلام، و جعل قوله: (و تجب أمام فعلها. الى آخره تفسيرا للإسلام المذكور في قوله: (و يشترط في صحتها الإسلام) (1) و هو ضعيف، بل لا دليل عليه.

و ثانيهما: أنّ الإيمان بالمعنى المذكور معتبر في صحة الصلاة

كما يشترط الإسلام، و الدليل عليه إجماع الأصحاب على عدم دخول غير المؤمن الجنّة، فلو صحّت الصلاة من غير المؤمن لأثيب عليها، و لزم وجوب دخول الجنّة لإيصال الثواب إليه؛ إذ لا يقع إلّا فيها إجماعا، و الأخبار من طرقنا متظافرة بذلك، و في بعضها أنّه: «لو عبد اللّه ألف عام بين الركن و المقام لم يقبل منه شيئا و دخل النار خالدا فيها» (2). و سيأتي حكم المصنّف في هذه الرسالة بذلك أيضا (3)، و لا نعلم قائلًا بخلاف ذلك (4).

نعم، ربّما يتوهّم من قولهم: إنّ المخالف إذا استبصر لا تجب عليه إعادة ما صلّاه صحيحا عنده و إن كان فاسدا عندنا، أنّ عبادته صحيحة مع إتيانه بالشرائط المعتبرة فيها عندهم.

و هو بعيد عن الدلالة؛ لأنّ عدم وجوب الإعادة أعمّ من الصحة، و لا دلالة للعام على الخاص. و لأنّه لو كان كذلك لم تجب عليه إعادة ما صلّاه صحيحا عندنا مع فساده عند بطريق أولى؛ لموافقته مطلوب الشارع، و ليس كذلك، بل قد اختلف الأصحاب في عدم إعادة هذه الفرد، مع اتفاقهم على عدم إعادة الأوّل.

و الوجه أنّ مستند عدم الإعادة عليه النصوص الواردة عن الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و في بعضها إشارة إلى أنّ ذلك تفضّل من اللّه تعالى و إسقاط لما هو واجب استتباعا للإيمان الطارئ (5)، كما يسقط عن الكفار ذلك بإسلامه، فلو مات المخالف على خلافه عذّب عليها كما يعذّب الكافر.

____________

(1) هو ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعيّة في شرح الألفيّة المطبوعة مع الفوائد المليّة: 11.

(2) أمالي الطوسي 1: 131، وسائل الشيعة 1: 123/ 312.

(3) يأتي في الصفحة: 38.

(4) جملة (و لا نعلم قائلًا بخلاف ذلك) لم ترد في «د»، و في «ع» كتب فوقها: هذه العبارة موجودة في نسخة الأصل.

(5) الكافي 3: 545/ 1، التهذيب 4: 54/ 143 و 5: 9/ 23، الاستبصار 2: 145/ 472.

36

فإن قيل: الكافر يسقط عنه قضاء العبادة و إن كان قد تركها، و المخالف إنّما تسقط عنه إعادة ما فعله صحيحا دون ما تركه، بل يجب عليه قضاؤه إجماعا، و ذلك قد يدل على الصحة.

قلنا: هذا إنّما يدل على عدم المساواة بينهما في الحكم شرعا، لا على صحة فعله على ذلك الوجه، و لعلّ السرّ في ذلك- مع النّص (1)- أنّ الكافر لا يعتقد وجوب الصلاة، فليس عنده في تركها جرأة على اللّه تعالى، فأسقط ذلك الإسلام بالنّص و الإجماع. بخلاف المخالف فإنّه يعتقد وجوبها و العقاب على تركها، فإذا فعلها على الوجه المعتبر عنده كان ذلك منه كترك الكافر، بخلاف ما لو تركها فإنّه قادم على الجرأة و المعصية للّه تعالى على كلّ حال، فلا يسقط عنه القضاء، مع دخوله في عموم: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته (2)».

و يؤيّد ذلك حكمهم بعدم إعادة ما صلّاه صحيحا بحسب معتقده و إن كان فاسدا عندنا، و استشكالهم في عدم إعادة ما صلّاه صحيحا عندنا مع فساده عنده، و لو كان السبب هو الصحة كان الجزم بهذا الفرد أولى من عكسه.

و قد استشكل بعض الأصحاب في سقوط القضاء عمّن صلّى منهم أو صام؛ لاختلال الشرائط و الأركان، فكيف يجزئ عن العبادة الصحيحة مع وقوع الاتفاق و دلالة النصوص على بطلان الصلاة بالإخلال بشرط أو فعل مناف من غير تقييد (3).

و هذا الإشكال يندفع بالنّص الدال على السقوط و ما وقع منهم ليس مجزئا عن الصحيح، و إنّما أسقط اللّه تعالى عنهم إعادة ما أخلّوا بفعله على وجهه تفضّلا منه بسبب الإيمان الطارئ، فلم يؤاخذهم على ما سبق. و على تقدير إثابتهم (4) على ذلك فهو على سبيل التبعيّة للإيمان، لا لكونه صحيحا في نفسه. و في هذه المسألة

____________

(1) مسند أحمد 4: 199 و 204 و 205، الجامع الصغير 1: 183/ 3064، عوالي اللآلي 2: 54/ 145.

(2) الكافي 3: 435/ 7، التهذيب 3: 162/ 350، عوالي اللآلي 2: 54/ 143.

(3) كالعلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 5: 263- 262 المسألة 176.

(4) في «ع»: جزائهم.

37

مزيد بحث لا يليق بهذه الرسالة، قد حرّرناه في شرح الإرشاد (1)، و أفردناه في محل آخر. (2)

و إنّما يشترط في صحتها الإسلام (لا في وجوبها)، بمعنى أنّها تجب على الكافر كما تجب عليه سائر التكاليف السمعية عندنا؛ لدخوله تحت الأوامر العامة، لكن لا تصح منه ما دام على كفره. ثم إن مات على الكفر عذّب على تركها، أو على فعلها على غير وجهها كما يعذّب على ترك الإيمان.

و خالف في ذلك أبو حنيفة (3)، حيث ذهب إلى كونه غير مكلّف بفروع الشريعة حالة انتفاء شرطها عنه، و هو الإيمان.

لنا: لو كان حصول شرط الفعل شرطا للتكليف به لم تجب صلاة على محدث؛ لانتفاء شرطها و هو الطهارة، و لم تجب صلاة قبل النيّة؛ لأنّها شرطها. و ذلك معلوم البطلان بالضرورة، و وقوعه دليل على جوازه.

و يدل عليه قوله تعالى مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (4) صرّح بتعذيبهم بترك الصلاة.

و احتجاجه بأنّه لو كلّف بالفروع لصحّت منه- لأنّ الصحة موافقة الأمر، و اللازم منتف، و لأمكن الامتثال؛ لأنّه شرط التكليف فلا ينفك عنه، و هو غير متحقّق؛ لأنّه في حالة الكفر غير ممكن و بعده يسقط الأمر عنه- ضعيف؛ لأنّا لا نريد أنّه مأمور بفعله حال كفره، بل بأن يؤمن و يفعل كالمحدث، و هو ممكن في حال الكفر، غايته أنّه مع الكفر لا يمكن، و ذلك ضرورة بشرط المحمول، لا ينافي الإمكان الذاتي، كقيام زيد في وقت عدم قيامه فإنّه ممكن و إن امتنع بشرط عدم قيامه، و تحقيق المسألة في الأصول، و هذا البحث كلّه آت عندنا في المخالف كما بيّناه.

____________

(1) روض الجنان: 356.

(2) و هي رسالة كتبها المصنّف في الولاية و أنّ الصلاة لا تقبل إلّا بها. انظر الدر المنثور 2: 188.

(3) أحكام القرآن للجصّاص 1: 186، بدائع الصنائع 2: 69.

(4) المدثّر: 42- 43.

38

(و يجب أمام فعلها) و قبل الاشتغال بها وجوبا أوّليّا (1) بالذات (معرفة اللّه تعالى) و هو التصديق بوجوده (و ما يصح عليه) من صفاته الثبوتية (و يمتنع) من صفاته السلبية (و عدله و حكمته) بمعنى كونه لا يفعل القبيح (2) و لا يخلّ بالواجب (3)، و يتفرّع عليه خلق الأفعال و جزاء الأعمال.

(و نبوّة نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و إمامة الأئمة) الاثني عشر ((عليهم السلام)، و الإقرار بجميع ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)) من أحوال التكليف و المعاد و الصراط و الميزان و غيرها.

(كلّ ذلك) المتقدّم من المعارف يجب كونه (بالدليل)، و المراد به هنا ترتيب ما تطمئنّ به النفس من الأمور الموجبة لإثبات هذه المعارف، و الجزم بها بأي ترتيب اتّفق. (لا بالتقليد) المحض، و هو الأخذ بقول الغير من غير حجّة.

و تحقيق هذه الجملة يتمّ بأمور:

الأوّل: هذا الوجوب المتعلّق بهذه المعارف معدود من جملة مقدّمات الصلاة

، فكان حقّه أن يذكر معها، و إنّما ذكره هنا لقلّة مباحثه الخاصة من حيث إنّه مقدّمة للصلاة و إن كانت مباحثه عظيمة من حيثية أخرى، و هي من تلك الحيثية تذكر في علم آخر.

و هل المعارف بأجمعها شرط في صحّة الصلاة، بحيث لو أخلّ المكلّف بشيء منها لم تصحّ صلاته، أم لا؟

الذي صرّح به المصنّف في هذه الرسالة الأوّل، كما نبّه عليه بقوله أخيرا (فمن لم يعتقد ما ذكرناه فلا صلاة له)، و هذا هو الظاهر؛ لعدم تحقّق الإيمان بدونها، و هو مناط الثواب، و للنصّ (4)، و قد تقدّم الكلام فيه. (5)

و قد نازع بعض الأفاضل في شرطيتها في الصلاة؛ محتجا بأصالة براءة ذمة المكلّف

____________

(1) وجوبا أوليا: لم ترد في «د».

(2) في «د»: قبيحا.

(3) في «د»: بواجب.

(4) الكافي 2: 405/ 6، أمالي الصدوق: 278/ 24، كمال الدين: 379/ 1.

(5) تقدّم في الصفحة: 34.

39

من أخذ هذه المعارف بالدليل في صحّة صلاته و إن كان وجوبها في الجملة ممّا لا شبهة فيه. و قد عرفت جوابه (1).

الثاني: محلّ المخاطبة بهذا الواجب بعد تحقّق التكليف بإحدى العلامات الدالة عليه

، فلا يجب الاشتغال بتحصيلها قبله؛ لأنّ الوجوب فرع التكليف، و مع تحقّقه تجب المبادرة إليه على الفور، سواء كان ذلك في وقت صلاة أم لا؛ لأنّ ذلك و إن كان شرطا في الصلاة فهو واجب مستقل برأسه، و لا بعد في كون شيء واجبا في نفسه و شرطا في شيء آخر، كغسل الجنابة عند القائل بوجوبه لنفسه، و غسل الميّت بالنسبة إلى الصلاة عليه و دفنه مع إمكانه، و أشباه ذلك كثيرة، و لا ريب في تحقّق الإيمان بعد تحصيل هذه المعارف، و هل يوصف به في زمان مهلة النظر؟ إشكال، و قطع المرتضى (رحمه اللّه) بكونه حينئذ كافرا (2).

و في تحقّق وقت طويل للمهلة ندور؛ لأنّ القدر الواجب الذي يصير الإنسان به مؤمنا و يحصل فيه أقل ما يجب من المعرفة قصير جدا في الغالب، و من هنا جاء ما ورد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يلقى الأعراب و يأمرهم بأن يقرّوا للّه بالوحدانية و له بالرسالة، فإذا فعلوا ذلك تركهم و حكم بإسلامهم. (3)

و في الحديث المشهور أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا اللّه» (4).

و هذا القدر و ما فوقه ممّا يتحقّق به الإيمان ممكن تحصيله عقيب التكليف في زمن يسير، و قد يتّفق نادرا خلاف ذلك بحيث يخرج وقت الصلاة قبل تحصيل القدر الواجب، كما لو بلغ آخر الوقت بمقدار الصلاة أو ركعة منها بعد تحصيل الشرائط. و في وجوب قضاء الصلاة عليه حينئذ إشكال: من الشك في كفره حينئذ، و استلزام تكليفه

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 35.

(2) جوابات المسائل الرّسيّة الأولى (رسائل الشريف المرتضى) 2: 317.

(3) انظر تأريخ المدينة لابن شبة النميري 2: 522.

(4) سنن ابن ماجة 2: 1295/ 3927، سنن البيهقي 4: 114، مسند أحمد 1: 11، كنز العمال 1: 88/ 375.

40

بالصلاة التكليف بما لا يطاق.

و ليس نظر الكافر المحض- و هو معتقد خلاف الإسلام- في أدلّة الحق و بحثه عنه معدودا من المهلة، بل هو حينئذ كافر بلا خلاف، و تحقيق المسألة في الكلام.

الثالث: المعرفة مرادفة للعلم

، بل ربّما كانت أخصّ منه؛ لأنّها تطلق على من سبق له جهل بما عرفه، و العلم لا يشترط فيه ذلك.

و من ثمّ يطلق على اللّه تعالى أنّه عالم، و لا يقال: إنّه عارف؛ لإشعاره بسبق جهل، و حينئذ نقول:

العلم بهذه الأشياء و المعرفة لها قد تكون تصورية و قد تكون تصديقية؛ لانقسام العلم إليهما، و الواجب من ذلك هو المعرفة التصديقية لا التصورية؛ لأنّ تصورها لا يوجب الحكم بالإسلام أو الإيمان من دون الحكم الجازم بثبوت ما هو ثابت منها و سلب ما هو منفي. و إنّما لم يقيّد المصنّف المعرفة بالتصديقية- مع أنّ ذلك لازم كما قد عرفته- اكتفاء بقوله أخيرا: (كلّ ذلك بالدليل)، فإنّ الدليل لا تكتسب به إلّا المعارف التصديقية، كما أنّ التصورية تكتسب بالقول الشارح.

الرابع: جعل المعرفة بهذه الأشياء واجبة قبل الصلاة

، أعمّ من أن يكون قبلها شيء آخر واجب أوّلا، فلا يدل حينئذ على أنّها أوّل الواجبات، و يحتاج إلى التقييد بالواجب بالذات لئلّا يرد أنّ أوّل الواجبات هو النظر المعرّف لها؛ لأنّ النظر و إن كان وجوبه أسبق، لكن لا إشعار في العبارة بأنّ المعرفة هي أوّل الواجبات، و إنّما خصّها بالذكر من دون النظر- مع أنّه أيضا واجب- من باب مقدّمة الواجب المطلق؛ لأنّها مقصودة بالذات و وجوبه تابع لها، فيلزم من الحكم بوجوبها- مع كونها واجبا مطلقا- وجوب ما يتوقف عليه، و إذا كان شرطا فيها كان متقدّما ضرورة، فلا يحتاج في مثل هذا المحل الموضوع للاختصار و الإشارة إلى هذه الأحكام بالعرض إلى التنبيه على أزيد من ذلك، و تحقيقه في الكلام، و ما سيأتي من الإحالة عليه كاف في جواز الإجمال.

الخامس: المراد بمعرفة اللّه تعالى هنا التصديق بكونه موجودا واجب الوجود لذاته،

لا المعرفة التامة التي لا تتمّ إلّا بمعرفة صفات جلاله و نعوت كماله؛ لما سيأتي بعده من

41

عطف معرفة تلك المعارف على المعرفة به المقتضي للمغايرة. (1).

و أشار بذلك إلى الباب الأوّل من أبواب علم الكلام المقصود بالذات الباحث عن أحكام الذات و وجوب وجوده، و بقوله: (و ما يصح عليه) أي يصح وصفه به و هي الصفات الثبوتية الثمان (و بما يمتنع عليه) من الصفات السلبية.

و هذا بخلاف ما ذكره الفاضل في باب الحادي عشر (2)، فإنّه يريد فيه بما يصح عليه و يمتنع باب العدل. و الفرق بين الاصطلاحين ذكر الصفات بنوعيها في الباب قبل ذلك و ترك ذكر باب العدل، فعلم أنّه يريد به ذلك. و عكس ذلك في هذه الرسالة فإنّه ذكر العدل في قوله: (و عدله و حكمته) و لم يذكر الصفات، فعلم أنّه يريد هذا المعنى.

السادس: لا ريب في اعتبار التصديق بصفاته الثبوتية

، و هي متعددة، و أصلها القدرة و العلم، و مرجعهما إلى وجوب الوجود.

و قد اختلف كلام أهل الكلام في عدد المعتبر منها، فجعلها العلّامة المحقّق نصير الدين في التجريد ثمانية: القدرة، و العلم، و الحياة، و الإرادة، و الإدراك، و الكلام، و الصدق، و السرمدية (3).

و جعل بعض العلماء الثمانية هي: القدرة، و العلم، و الحياة، و الإرادة، و السمع، و البصر، و الكلام، و البقاء (4).

و ذكر الفاضل في كثير من مصنّفاته الكلامية أنّ الصفات الثبوتية التي يجب على المكلّف معرفتها بالدليل منحصرة في ثمان، الأوّل: القدرة، الثاني: العلم، الثالث:

الحياة، الرابع: الإرادة و الكراهة، الخامس: الإدراك، السادس: أنّه قديم أزلي باق أبدي، السابع: أنّه متكلّم، الثامن: أنّه صادق (5).

____________

(1) يأتي في الصفحة:

(2) الباب الحادي عشر: 9.

(3) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 281- 290.

(4) كالشيخ الطوسي في الاقتصاد: 53- 60، و أبي الصلاح الحلبي في تقريب المعارف: 40- 50.

(5) الباب الحادي عشر: 9- 18، نهج الحق و كشف الصدق: 53، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 281- 290.

42

و كأنّه ردّ الكراهة إلى الإرادة؛ لأنّها إرادة الترك، و جعل مرجع السادسة إلى السرمدية كما في التجريد، أو إلى بعضها و هو البقاء، كما في العدد الثاني.

و كيف كان ففي تحقيق العدد الذي لا بدّ من اعتباره في التوحيد نظر؛ لأنّه إن روعي في ذلك ظاهر هذه الصفات و أسمائها المختلفة وجب اعتبار الكل، و إن نظر إلى الأصل الذي يرجع إليه كفى معرفة القدرة و العلم، لرجوع الكراهة و الإرادة و السمع و البصر و الإدراك إلى العلم، و الكلام إلى القدرة، بل الكل راجع إلى وجوب الوجود، كما مرّ.

و التحقيق: أنّ كلّ صفات اللّه تعالى الثبوتية و غيرها اعتبارات تحدثها عقولنا عند مقايسة ذاته تعالى إلى غيرها، و إلّا فذاته المقدّسة لا تركيب فيها و لا صفة لها زائدة عليها، و الكلّ راجع إلى كمال الذات المقدّسة و غنائها. لكن لمّا كانت عقول الخلق على مراتب من التفاوت، لوحظت له هذه الصفات و الاعتبارات؛ ليتوصّل بها الخلق (1) إلى معرفته على حسب استعدادهم، ثم ينتهي قولهم عند إحاطتها بحقائق هذه الأشياء و مطالعتها لأنوار كبريائه، إلى أن تعتبر ذاته المقدّسة من غير ملاحظة شيء آخر، كما قال على (عليه السلام): «و تمام توحيده نفي الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة» (2).

فعلى هذا لا حرج في اختلاف هذه الأعداد، فإنّ مرجعها إلى اعتبار المعتبر، و الغرض منها التقريب إلى أفهام أهل التوحيد بحسب تفاوتهم في مراتبهم، و المرجع واحد عند تحقيق الحال، فكلّ واحد من هذه الأعداد مجزي في أصل التوحيد، و مؤد للواجب إن شاء اللّه تعالى.

السابع: المراد بالعدل المنسوب إليه تعالى

- بحيث صار باعتباره عادلا- ما قابل الجور و الظلم، و بكونه عدلا أنّه لا يفعل القبيح و لا يخلّ بالواجب.

و أما الحكمة فتطلق على معرفة الأشياء و العلم بحقائقها، و على الترك للقبيح،

____________

(1) في هامش «ع»: الخلائق (خ ل).

(2) نهج البلاغة 1: 15 خطبة رقم 1.

43

و على معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. و أفضل العلوم العلم باللّه تعالى، و أجلّ الأشياء هو اللّه تعالى، و اللّه سبحانه لا يعرفه كنه معرفته غيره، و جلالة العلم بقدر جلالة المعلوم، فهو الحكيم حقّا؛ لعلمه بأجلّ الأشياء بأجلّ علم.

و المراد بالحكمة في هذا المقام المعنى الثاني و إن دخلت في العدل، و من ثمّ سمّي الباب الباحث عن ذلك في الكلام بباب العدل، و هي بالمعني الأوّل داخلة في العلم، و بالمعني الأخير علم خاص قوي.

و يترتّب على وجوب اعتقاد كونه تعالى عدلا أنّه لا يفعل القبيح و لا يرضى به، فما يصدر منّا من القبائح مستند (1) إلى قدرتنا و اختيارنا و إن كانت القدرة من فعل اللّه تعالى، فإنّ فاعل الآلة ليس فاعلا لما يصدر بواسطتها من القتل و الضرب، و اللّه منزّه عن ذلك.

و يتفرّع على عدم إخلاله بالواجب أو عليهما معا تكليف المكلّفين، و أثابه المطيعين، و إرسال المرسلين، و إنزال الكتب مبشرّين و منذرين.

الثامن: لا ريب في اعتبار تقديم التصديق بنبوّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمام الصلاة

، بل هو شرط الإسلام، و لكن القدر الواجب منه هل هو مجرّد اعتقاد نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله)، كما هو ظاهر العبارة، أم لا بدّ مع ذلك من اعتقاد عصمته و طهارته و ختمه للأنبياء، و نحو ذلك ممّا يتفرّع على النبوة من الأحكام و يلزمها من الشرائط؟

ليس ببعيد الاكتفاء بالأوّل.

أما في الإسلام فظاهر؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا اللّه و إنّي رسول اللّٰه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلّا بحقها» (2)، و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يكتفي من الأعراب و طالب الإسلام بذلك.

و أما في الصلاة فلما ذكر، و قد كانوا يصلّون بعد ذلك و لم يأمرهم بإعادتها،

____________

(1) في «د»: مستنده.

(2) سنن ابن ماجة 2: 1295/ 3927، سنن البيهقي 4: 114، مسند أحمد 1: 11، كنز العمال 1: 88/ 375.

44

و لا نبّههم (1) على عدم الاكتفاء بها، و إلّا لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب و وقت الحاجة، و لأنّ الظاهر من جماعة من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّهم ما كانوا يعتقدون فيه ذلك، بل ربما اعترضهم وهم و ريب في بعض ما كلّفهم به، كما يعلم ذلك من كتب السير الباحثة عن تلك الأحوال.

و ربما أجيب عن ذلك بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يستدرجهم بالمعرفة شيئا فشيئا؛ ليستأنسوا بالإسلام، و لو كلّفوا بذلك دفعة واحدة لنفرت نفوسهم عنه و مجّته طباعهم و لم يقبلوه ابتداء.

و يمكن اعتبار جميع ما ذكر؛ لأنّ الغرض المقصود من الإرسال لا يتم إلّا به، فتنتفي الفائدة التي باعتبارها وجب الإرسال، و هو ظاهر بعض كتب العقائد المصدّرة بأنّ من جهل ما ذكروه فيها فليس مؤمنا، مع ذكرهم ذلك (2)، و الأوّل غير بعيد من الصواب.

التاسع: هل يشترط في تحقّق الإيمان الحاصل بالإقرار بالأئمّة الاثني عشر

- مع ما تقدّم من الشهادتين- التصديق بزيادة عن كونهم أئمة يهدون (3) بالحقّ، و يجب الانقياد إليهم و الأخذ عنهم و إن لم يعتقد كمالهم و عصمتهم و طهارتهم، كما ذكر في النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فيه الوجهان، و أولى بالاكتفاء هنا.

و كذا الإشكال في وجوب معرفة عددهم و أسمائهم عن ظهر القلب، أو الاكتفاء بالتصديق و الإذعان للعدد المخصوص و إن لم يحفظه كذلك، بل راجعه من كتاب و نحوه، و يمكن الاكتفاء بما يأمن معه التغيير و التبديل بحيث يخرج عن التقليد البحث (4)؛ لأصالة عدم التكليف بأزيد من ذلك، و اللّه أعلم.

العاشر: القدر الذي يجب التصديق به ممّا جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

ما علم

____________

(1) في «د»: ينهاهم، و في هامش «ع» أشار الناسخ إلى كونها نسخة بدل.

(2) الباب الحادي عشر: 5.

(3) في «د»: الهدى.

(4) في «د»: المحض.

45

مجيؤه به تواترا من أحوال المبدأ و المعاد كالتكليف بالعبادات، و السؤال في القبر و عذابه، و المعاد الجسمانيّ، و الحساب، و الصراط، و الميزان، و الجنة و النار. و لا يجب العلم بكيفيّة ذلك و تفاصيله، فإنّه ممّا يخفي على الخواص، و لا قاطع بتعيّنه.

و أما ما ورد عنه (عليه السلام) من طريق الآحاد فلا يجب التصديق به مطلقا و إن كان طريقه صحيحا؛ لأنّ خبر الواحد ظنّيّ قد اختلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعيّة الظنّيّة فكيف الاعتقاديّة العلميّة، و لاستلزامه التكليف بما لا يطاق، و إن كان قد يجب العمل بمدلوله في بعض الموارد، لكن لا على سبيل المعرفة.

الحادي عشر: الدليل لغة: الدّال

(1)، و هو الناصب للدليل، و قد يطلق على ما فيه إرشاد.

و عند الفقهاء: ما يمكن أن يتصول بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبريّ، و لا ينحصر الدليل على هذه المعارف فيما ذكره العلماء، بل لا يشترط ترتيب مقدّماته على الوجه المعتبر في الإنتاج عند أهل الحدّ و البرهان، و إنّما الواجب عينا من ذلك إقامة ما تطمئن به النفس بحسب استعدادها، و يسكن إليه القلب بحيث يمنع من تطرّق الشبهة عن عقيدة المكلّف، و يخرج به عن التقليد البحت (2) و العمى الصرف، كدليل العجوز و غيرها.

و أما معرفة الدليل التفصيلي و الاستعداد لدفع الشبهة و تحرير السؤال و الجواب فهو واجب كفاية؛ لردّ شبهة الخصوم حراسة للمذهب من تسلّط الخصم عليه. و الواجب من هذا النوع أن يكون في كلّ قطر من أقطار المسلمين واحد يذبّ عنهم بحيث لا يعسر الوصول إليه عادة عند الحاجة، و قد يجب ذلك أيضا على المكلّف لدفع شبهة تعرض له في نفسه.

و قد تقدّم في البحث الثامن ما يدل على الاكتفاء بهذا القدر من المعرفة.

الثاني عشر: نبّه المصنّف بقوله [لا بالتقليد]

(لا بالتقليد) على خلاف جماعة من المحققين منّا

____________

(1) الصحاح 4: 1698، تاج العروس 14: 242، لسان العرب 11: 248 «دلل».

(2) في هامش «د»: المحض (خ ل).

46

و من الجمهور، حيث اكتفوا به في الأصول (1)، فأراد المصنّف بذلك التصريح بخلاف مقالتهم بعد إيجابه للمعارف بالدليل؛ لزيادة البيان. و لأنّه لا يلزم من إيجاب الدليل مطلقا عدم إيجاب غيره؛ لجواز وجوب أحد الأمرين تخييرا، و الواجب التخييري أحد أفراد الواجب بقول مطلق.

و المراد بالتقليد: الأخذ بقول الغير من غير دليل، مأخوذ من تقليده بالقلادة و جعلها في عنقه، كأنّه يجعل ما يعتقده من قول الغير من حقّ أو باطل قلادة في عنق من قلّده، و من اشتقاقه يظهر اعتلاله و خطره.

(و العلم المتكفّل) أي الضامن مجازا (بذلك) الواجب من هذه المعارف بأدلتها هو (علم الكلام) و هو العلم الباحث عن الذات الإلهيّة و صفاتها و أفعالها، و النبوّة، و الإمامة، و المعاد، و ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من الشرائع و الأحكام و تفاصيل الأحوال على قانون الإسلام، سمّي بذلك؛ لأنّه أوّل ما يجب من العلوم التي لا تعلّم و لا تتعلّم إلّا بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك.

و لأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات، و إلزام الخصوم و حلّ الشبهات، و إيراد السؤالات و الجوابات.

و لأنّه أكثر العلوم خلافا و نزاعا، فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين و الردّ عليهم.

و لأنّ مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه و أكثرها نزاعا و جدالا، حتى قتل بسببها خلق كثير، فضلا عن العداوة فيها.

و لأنّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا و كذا.

و لأنّه لقوّة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للكلام المتين: هذا هو الكلام.

و لأنّه لابتنائه على الأدلّة القطعيّة أشد العلوم تأثيرا في القلب، فسمّي بالكلام

____________

(1) انظر عدّة الأصول: 294، المسالك الجامعيّة في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: 11، المستصفى من علم الأصول 2: 401، الإحكام في أصول الأحكام 4: 229، المحصول في علم الأصول 2: 539.

47

المشتق من الكلم و هو الجرح.

(ثم (1) المكلّف بها) أي بالصلاة اليوميّة أو بالصلاة الواجبة، كما مرّ مثله في ضمير (و أعلم أنها) و ما بعده.

(الآن) و هو لغة: الزمان الحاضر (2)، و المراد هنا زمان المصنّف و ما ماثله من زمان غيبة الإمام.

(من الرعيّة) أي رعيّة الإمام (عليه السلام)، و الألف و اللام عوض عن المضاف إليه.

و احترز ب(الرعيّة) عن الإمام (عليه السلام)، فإنّه أجلّ من أن يكون من أحد القسمين؛ لأنّ طريق الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة ظنّي، و التقليد أضعف منه، فلا يكون الإمام مجتهدا كالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، خلافا لبعض الأصوليين من العامة حيث جوّزوا على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الاجتهاد (3)، و تحقيق المسألة في الأصول.

(صنفان): أحدهما (مجتهد) اسم فاعل من الاجتهاد، و هو لغة: فعل ما فيه مشقة، مأخوذ من الجهد بالفتح، و هو المشقة (4):

و اصطلاحا: استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بحكم شرعي.

و المجتهد: هو العارف بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة بالقوّة القريبة من الفعل، و ذلك يتوقّف على معرفة الكتاب و السنّة و الإجماع ممّا يتعلّق بالأحكام الشرعيّة، و كيفية الاستدلال بها، و ذلك يتوقّف على علم العربية و الأصولين و المنطق، و الاعتماد على كتاب مصحّح بجمع الأحاديث الشرعيّة، و اللغة، و ما نسخ من الآيات، و حال الرواة، و تفصيل ذلك كلّه في الأصول.

(و) هذا المجتهد (فرضه الأخذ بالاستدلال) بالأدلة التفصيليّة المستندة إلى الكتاب

____________

(1) في «ش 1» و «ش 2»: ثم إنّ.

(2) الصحاح 5: 2076، القاموس المحيط 4: 202 «أين».

(3) انظر الإحكام في أصول الأحكام 4: 172، المحصول في علم الأصول 2: 489.

(4) الصحاح 2: 460، القاموس المحيط 1: 296، تاج العروس 4: 407 «جهد».

48

أو السنّة أو الإجماع أو دلالة العقل، (على كلّ فعل من أفعالها)، و احترز بالأدلة التفصيلية عن المقلّد، فإنّه قد يستدل في المسائل، لكن ليس ذلك بالأدلة التفصيلية، بل بدليل إجمالي يعمّ جميع المسائل، كقوله: هذا الحكم أفتاني به المفتي، و كلّ ما أفتى به المفتي فهو حقّ، فهذا حقّ.

(و) الصنف الثاني (مقلّد) اسم فاعل من التقليد، و قد مرّ بيانه. و المراد به هنا المستفتي، و هو مقابل المفتي، أعني المجتهد.

(و) هذا المقلِّد (يكفيه الأخذ عن المجتهد) المذكور سابقا، و لا يجب عليه زيادة على ذلك مع وجوده، على وجه يجوز الأخذ عنه، بل و لا مشافهته، بل يجوز الأخذ عنه (و لو بواسطة أو وسائط) مع إمكان مشافهته على أصح القولين للأصوليين، و إنّما ترك ذكر الواسطتين للتنبيه عليهما بجواز رجوعه إلى الوسائط من باب مفهوم الموافقة، أو لدخولهما في الجمع حقيقة على قول، أو مجازا و تغليبا على آخر. و لو قال: بواسطة و إن تعدّدت، شمل الواسطتين فما زاد.

(مع عدالة الجميع)، و هم المجتهد و الوسائط.

و تنقيح هذا المقام يتمّ بمباحث:

الأوّل: في عطف المصنف هذا البحث على ما قبله [بتمّ الدالة على التراخي إشارة لطيفة إلى عدم ارتباطه به]

ب(تمّ) الدالة على التراخي، إشارة لطيفة إلى عدم ارتباطه به، و مغايرته له مغايرة بعيدة و الحال كذلك، فإنّ مرجع ما تقدّم إلى علم الكلام، و مرجع هذا البحث إلى أصول الفقه، فهي مقدّمات مختلفة المأخذ و المرجع يناسبها التنبيه على اختلافها، و في تأخير هذه المقدّمة عن تلك إشارة إلى تقدّم الأولى في المرتبة على هذه، و هو كذلك، فإنّ المعرفة أوّل الواجبات المقصودة بالذات.

الثاني: احترز المصنّف [بالآن في جعل المكلّفين صنفين عن زمان ظهور الإمام (عليه السلام)]

ب(الآن) في جعل المكلّفين صنفين عن زمان ظهور الإمام (عليه السلام) و نحوه، فإنّ الرعية فيه حينئذ ثلاثة أصناف لا صنفان:

من يمكنه الوصول إلى الإمام و الأخذ عنه قبل فوات الغرض المطلوب من المستفتي عنه كوقت الصلاة، و هذا يجب عليه الرجوع إليه و لا يسمّى مجتهدا و لا مقلّدا؛ إذ ليس

49

معرفته الأحكام عن استنباط فينتفي الاجتهاد، و لا أخذه عن مستنبط حتى يكون مقلّدا، و إنّما أخذه عمّن لا ينطق عن الهوى، و هو مأخوذ عن صاحب الوحي (عليه السلام) بغير واسطة أو بواسطة معصوم، أو ما في حكم ذلك، و لا يتغيّر حكمه بموته.

و من لا يمكنه الوصول إليه على ذلك الوجه ففرضه الأخذ بالاجتهاد إن كان من أهله، و التقليد لأهله إن لم يكن، كما مرّ (1).

الثالث: في قوله في المجتهد [ (و فرضه) و قوله في المقلّد: (و يكفيه) إشارة لطيفة إلى الفرق بين المرتبتين]

(و فرضه) و قوله في المقلّد: (و يكفيه) إشارة لطيفة إلى الفرق بين المرتبتين، و أنّ الاجتهاد أشدّ مؤنة و أكثر مشقّة من التقليد، فإنّ الاجتهاد مأخوذ من الجهد و المشقة كما مرّ (2)، فناسبه التعبير عنه بالفرض الواجب، و هو الأمر الذي لا يجوز العدول عنه إلى غيره ممّا هو أخف منه، بخلاف التقليد فإنّه أمر سهل لا يتوقّف على تجشّم كلفة، فلذا عبّر فيه بقوله: (و يكفيه) الدال على التنزّل إلى أمر سهل دون الأوّل، و هو نوع من اللطف.

الرابع: يستفاد من قوله [ (على كلّ فعل من أفعالها) أنّ الاجتهاد لا يتجزّأ]

(على كلّ فعل من أفعالها) أنّ الاجتهاد لا يتجزّأ، و إلّا لكان هنا قسم ثالث، و هو الاستدلال على بعض أفعالها و التقليد في البعض الآخر.

و الأصح جواز التجزؤ فيثبت القسم الثالث، و قد كاد أن يكون النزاع في المسألة لفظيا، و تحقيق المسألة في الأصول.

الخامس: في قوله أيضا [ (و فرضه. إلى آخره) إشارة إلى أنّ المجتهد لا يسوغ له ترك الاجتهاد و الرجوع إلى التقليد]

(و فرضه. إلى آخره) إشارة إلى أنّ المجتهد لا يسوغ له ترك الاجتهاد و الرجوع إلى التقليد، كما هو القول الصحيح للأصوليين.

و بيان ذلك أنّ المراد بالمجتهد المتهيئ لمعرفة الأحكام و لو بالقوة القريبة من الفعل، كما مرّ (3)، فيشمل حكمه بوجوب الاستدلال من قد نظر في المسألة بالفعل و من لم ينظر مع التهيئة له كذلك.

السادس: في تعليقه الاستدلال على أفعال الصلاة دون ذاتها إشارة إلى أنّ محل الاجتهاد هو الفروع الشرعيّة

التي لم تعلم ضرورة من الدين، فلا يسمّى الاستدلال على

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 47- 48.

(2) تقدّم في الصفحة: 47.

(3) تقدّم في الصفحة: 47.

50

وجوب الصلاة اجتهادا؛ لأنّه معلوم ضرورة، و ذلك ممّا يجب الاحتراز عنه في تعريف الفقيه و الفقه. و هذا بخلاف تفاضل أفعالها، فإنّ الاستدلال عليها واجب لا يجوز العدول عنه إلى التقليد و إن كان كثيرا منها قد أجمع المسلمون على وجوبه كالركوع و إن اختلفوا في كيفيته و ما يجب فيه إلّا أنّه ليس بضروري، فلا بدّ من الاستدلال على وجوبه و لو بالإجماع.

السابع: لمّا كان موضوع الرسالة أفعال الصلاة الواجبة كان المراد بالأفعال ذلك

بقرينة المقام و إن كان اللفظ أعم من ذلك، و كذلك يجب على المجتهد الاستدلال على ندب الفعل المندوب إن أراد فعله ليوقعه على وجهه و إن كان لو ترك فعله لم يجب عليه النظر فيه، فلو أوقعه بنيّة الندب من غير استدلال بطلت الصلاة؛ للنهي المقتضي للفساد، و لكن ذلك خارج عن الفرض هنا.

الثامن: اللام في قوله [ (و يكفيه الأخذ) يمكن كونه للعهد الذكري]

(و يكفيه الأخذ) يمكن كونه للعهد الذكري، و هو الأخذ في كلّ فعل من أفعالها المتقدّم و إن كان ذلك ممتازا بالاستدلال لكن المائز قد خرج بقوله: (الأخذ عن المجتهد) و حينئذ فيجب على المقلّد التقليد في كلّ فعل من أفعالها التي يجب على المجتهد الاستدلال عليها، و لو لا محاولة إرادة ذلك كانت العبارة مجملة، إذ ليس فيها حينئذ بيان القدر المأخوذ بالتقليد، و يجوز الاستعانة على كون الأخذ لجميع الأفعال بقرينة المقام و إن لم نجعل اللام عهدية على تكلّف.

و مقتضى الاقتصار بالوجوب على ذلك أنّ الإخلال بأخذ المنافيات و مسائل السهو و الشك ليس مؤثّرا في صحة الصلاة، بقرينة حكمه بعد ذلك ببطلان صلاة من لم يأخذ الأفعال بأحد الطريقين، و يتّجه ذلك في المنافيات إذا خلا المكلّف عنها في الصلاة، و يمكن في الباقي ذلك.

و ربما قيل بوجوب تعلّم مسائل الشك الأصول التي تعمّ بها البلوى قبل الشروع في الصلاة و إن لم تحصل الحاجة إليها؛ لأنّ طروءها في أثناء الصلاة يمنع من تعلّمها حينئذ؛ لتحريم قطعها و الاستمرار عليها من غير أن يعلم الحكم به، و في تأثير تركه في

51

صحة الصلاة وجهان.

التاسع: اللام في قوله [ (عن المجتهد) للعهد الذكري]

(عن المجتهد) للعهد الذكري، و هو المذكور قبله بيسير، أي عن المجتهد المتقدّم الأخذ بالاستدلال، و فيه إشارة لطيفة إلى اشتراط حياة المجتهد المأخوذ عنه، فإنّ ذلك هو المعروف من مذهب الإمامية، لا نعلم فيه مخالفا منهم و إن كان الجمهور قد اختلفوا في ذلك (1)، و تحقيق المسألة في الأصول.

و يؤيّد إرادة ذلك أنّ جعل اللام للاستغراق هنا غير سديد، إذ لا يسوغ تقليد كلّ مجتهد، بل فيه تفصيل يأتي إن شاء اللّه تعالى، و حمل اللام على الجنس مع عدم تماميته أيضا لا نكتة فيه، إذ التنكير يؤدي معناه هنا.

العاشر: في توحيد لفظ المجتهد بعد الإشارة إلى المعهود سابقا إيماء إلى اعتبار اتحاد المأخوذ عنه

، فمع تعدّد المجتهدين الأحياء يتعيّن تقليد الأعلم، و مع التساوي في العلم فالأورع، و مع التساوي فيهما يتخيّر في تقليد من يشاء و إن كان الفرض بعيدا، بل قيل بعدمه أصلا، و على تقدير وقوعه فإذا قلّد أحدهما في مسألة ففي جواز رجوعه إلى غيره في غيرها أو فيها في واقعة أخرى أقوال، أصحها الجواز.

الحادي عشر: يعلم الأعلم بالتسامع و القرائن، لا بالبحث عن نفس العلم

، إذ ليس على العامي- و هو المستفتي- ذلك.

و قريب منه العلم بالمجتهد، فلا يجب على المستفتي العلم باجتهاد المفتي، بل يجب عليه تقليد من يغلب على ظنّه أنّه من أهل الاجتهاد.

و يحصل هذا الظنّ برؤيته منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق و اجتماع من المسلمين على استفتائه، و العمل بمقتضى قوله.

و يثبتان أيضا بالممارسة المطلّعة على الحال من العالم بطريق الاجتهاد، و لا يشترط في الممارس أن يكون مجتهدا، بل يمكن ذلك في كثير من المقلّدة، فإنّ مناطه الظنّ.

و بشهادة عدلين بالممارسة، أو بحصول أحد الأسباب المفيدة له.

____________

(1) انظر نهاية السؤل في شرح منهاج الأصول 4: 577، المحصول في علم الأصول 2: 526.

52

و بإذغان جماعة من العلماء العارفين بالطريق بحيث يحصل بذلك الشياع إن لم يكن فيهم عدلان.

و تعلم العدالة بالمعاشرة المطّلعة على الحال، و بشهادة عدلين، و بالشياع.

و المراد بالعدالة: ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى و المروءة.

و المراد بالتقوى: اجتناب الكبائر- و هي ما توعّد عليه بخصوصه في الكتاب و السنّة- و الإصرار على الصغائر، و هي ما عداها من المعاصي.

و بالمروءة: اجتناب ما يُسقط المحلّ من القلوب و إن كان مباحا.

الثاني عشر: يستفاد من اشتراط عدالة الجميع أنّه لا بدّ من العلم بمجموع الوسائط، و الإسناد إلى مجتهد معيّن

، و ثبوت عدالتهم شرعا. فلا يكفي التعويل على حسن الظن بمن أخذ عنه العدل، و أنّه لا يأخذ إلّا عن عدل مع عدم الحكم بعدالة الواسطة بأحد الوجوه السابقة، و اعتماد خلاف ذلك باطل بالإجماع، خصوصا في تقليد الموتى مع تقادم عهدهم و بعد زمانهم، فما يفعله كثير من أهل زماننا غير جائز، بل هو غير معروف في المذهب أصلا، و بيانه من وجوه:

الأوّل: اعتمادهم على تقليد الميّت

، و قد بيّنا أنّ القائل به غير معروف في أصحابنا، بل الذين توجد كتبهم منهم الآن و تنقل فتواهم قد أكثروا في كتبهم الأصوليّة و الفروعيّة من إنكار ذلك، و نادوا بأنّ الميّت لا قول له، و أسمعوا به من كان حيّا، فعلى مدّعي الجواز بيان القائل على وجه يجوز الاعتماد عليه، فإنّا قد تتبعنا ما أمكننا تتبعه من كتب القوم فلم نظفر بقائل به من فقهائنا المعتمدين، بل وجدنا لأصحابنا قولين:

أحدهما: قول كثير من القدماء، و فقهاء حلب كأبي الصلاح (1)، و ابن حمزة بوجوب الاجتهاد عينا، و عدم جواز التقليد لأحد البتّة، و هو قول غريب عجيب، مستلزم للمحنة الكبرى و الطامّة العظمى.

و ثانيهما: قول المتأخّرين و المحقّقين من أصحابنا أنّه واجب على الكفاية، و أنّه متى

____________

(1) الكافي في الفقه: 114. و ذهب إليه من فقهاء حلب ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 485- 486.