تقديم الشياع على اليد

- الحسين بن عبد الصمد العاملي المزيد...
11 /
209

[مقدمة]

تقديم الشياع على اليد

حسين بن عبد الصمد العاملى (پدر شيخ بهايى)

تحقيق: سيد محمد جواد جلالى

اين رساله از آنِ پدر شيخ بهايى، حسين بن عبد الصمد حارثى هَمْدانى (918- 984 ه) است. عنوان رساله در كتب فهارس، مختلف بوده و ظاهراً مؤلف به نام خاصى تصريح نكرده است. نسخهنويسان با توجه به مسئلۀ فقهى مطرح در كتاب، بر آن نام نهادهاند.

عنوانى كه ذكر كردهايم، بيشتر از همه در كتب فهارس آمده است.

شيخ آغا بزرگ طهرانى در الذريعة، رساله را با عنوان «رسالة في تقديم الشياع الظنّى على اليد» آورده، (1) سيد محمد رضا جلالى نيز همين عنوان را ذكر مىكند. (2)

نسخۀ مورد استناد ما در سال 1007 يعنى 23 سال پس از درگذشت مؤلف نوشته شده، در كتابخانه آية اللّه گلپايگانى (رحمه اللّه) است و ضمن مجموعهاى به

____________

(1). الذريعة، ج 11، ص 153، ش 969 و ج 20، ص 92، ش 2059 به نقل از مجموعه فقهية.

(2). مقدمة وصول الأخيار إلى اصول الأخبار.

210

شمارۀ 2 مىباشد. رساله را محمد على قزوينى در چهارده صفحه در ابعاد 7* 10 سانتىمتر نوشته است. (1)

*** [متن]

الحمد لله الذي شاع فضله و كرمه و استفاضت مننه و نعمه، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله ذوي العلم المستفيض و الفضل الطويل العريض.

و بعد فيقول فقير ربه الغني حسين بن عبد الصمد الحارثي أصلح الله حاله و مآله: هذا ما ظهر على هذا الخاطر الفاتر في مسألة كثيرة الجدوى عامّة البلوى واسمة بمن خلا من التعصب قلبه وصفا عن كدر التقليد نفسه أن ينظر فيها نظر منصف في الجدال؛ لاظهار الحق على كلّ حال، فإن الحق احقّ إنّ يتّبع، و على الله الاتّكال.

فأقول: قد اشتهر على ألسنة بعض المتأخرين أنّ اليد أقوى من الشياع، و أنه لا ينزع الملك من اليد به.

قال المحقق في الشرائع: «اما لو كان لواحد يد و لآخر شياع مستفيض، فالوجه ترجيح اليد» (2)، و نحو ذلك قال العلامة في القواعد (3)، و لا شبهة [في] (4) إنّ الشياع إذا شرط فيه حصول العلم أو أوصل اليه اتفاقاً حكم به، و انتزعت به العين من اليد، و لم يختص حينئذ بالمواضع المعدودة قطعاً، و إنما الكلام فيما إذا أفاد ظناً غالباً متاخماً للعلم و تقديمه على اليد في المواضع المعدودة، و الانتزاع به من اليد قوي متين سواء كان مع اليد تصرّف و بيع و اجارة و مزارعة، أو لا.

____________

(1). فهرست مخطوطات كتابخانه آية اللّه گلپايگانى، ج 1، ص 377.

(2). شرائع الاسلام 4: 919، ط/ دار الصادق- بيروت.

(3). انظر: قواعد الاحكام 2: 31 و 3: 502.

(4). الزيادة اقتضتها العبارة.

211

إنّ قلت: ادعى الشيخ في الخلاف الاجماع على تقديم اليد مع التصرّف.

قلت: الشيخ كثيراً ما يدعي الاجماع ثمّ يخالف هو في موضع آخر، و في المسألة ادّعى في الخلاف الاجماع (1)، و في المبسوط حكى فيها قولين، و تردد و لم يجزم بشيء (2)، و علماؤنا كثيراً ما يتجوّزون في دعوى الاجماع، فالواجب الاعتماد على ما لم يقم الدليل على خلافه أو لم يظهر فيه مخالف، و الخلاف هنا منقول.

و لنا على تقديم الشياع وجوه ثلاثة:

الاوّل: أن اليد دلالة ضعيفة على ملك العين، بل لا تدل عليه اصلًا، لأنّها أعم منه، و العام لا يدل على الخاص، و ذلك لانّ اليد قد يكون بسبب الاستئجار أو الايداع أو العارية أو الغصب مع الكذب في دعوى الملكية أو جهل السبب، كأن ينتقل من المورّث و يجهل سبب كونها في يده و نحو ذلك، بل نقول: اليد بذاتها لا تقتضي ملكاً، بل لا بدّ للملك من سبب آخر، و انما تقتضي جواز التصرّف؛ لحمل أفعال المسلمين ظاهراً على الصحة، و ذلك ما دام لم يظهر المنافي، و أما ملك العين فلا يدل عليه بوجه، فضلًا عن أن يقدّم على الشياع الذي جعله الشارع حجّة في ثبوت الملك المطلق و الوقف و نحوهما، و من هنا تردد في دلالتها على الملك جماعة منهم شيخنا أبو جعفر الطوسي و شيخنا ابو القاسم جعفر بن سعيد رحمهما الله تعالى (3)، و لعمري أنّ تردّدهم في محلّه، بل لا ينبغي التردد في عدم دلالتها سواء كان معها تصرّف ام لا؛ لما ذكرناه، و لضعف حجّة القائلين به، و هي رواية سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن الصادق (ع) قال: «قال له رجل: أ رأيت إن رأيت شيئاً في يدي رجل، أ يجوز أن أشهد به له؟ فقال: نعم، قلت: فلعلّه لغيره؟ قال:

____________

(1). انظر: الخلاف 6: 264.

(2). انظر: المبسوط 8: 269.

(3). انظر: المبسوط 8: 269، الشرائع 4: 761.

212

و من أين جاز لك إن تشتريه و يصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك: هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز إن تنسبه الى من صار ملكه اليك من قبله؟» (1).

هذا حجة القائلين بدلالة اليد على الملك، و لم أقف لهم على حجّة سوى هذه بعد تمام التتبّع، و هي ضعيفة سنداً و متناً:

أمّا سنداً فبسليمان و حفص.

أمّا سليمان، فقال النجاشي: «ليس بالمتحقّق بنا، غير أنه يروي عن جماعة من أصحابنا» (2)، و قال ابن الغضائري: «إنه ضعيف جداً لا يلتفت إليه يضع كثيراً على المهمات» (3).

و أما حفص، فقال ابن داود: «إنه ولي القضاء لهارون و كان عامياً» (4)، فكيف يعتمد على هذه الرواية في الاحكام الشرعية و الحقوق المالية؟

و أمّا متناً، فقوله: «و من أين جاز لك أن تشتريه؟» فإنّا نقول: هذا التعامل فاسد؛ لأن جواز الشراء ممن في يده شيء معروف؛ لحمل أفعال المسلمين على الصحة. هذا يضعف كون الامام يقول ذلك.

و أيضاً: المعلوم المتّفق عليه أنّ الشهادة لا تجوز إلّا مع العلم القطعي، و كيف يحصل ذلك من اليد و التصرف، و هما أعمّ.

و كيف يجوّز الامام للانسان الشهادة بغير علم، بل بمجرّد الخيال الظاهر، و لو جازت الشهادة بالملك بمجرّد اليد و التصرّف لم يتأتّ لأحد الدعوى على أحدٍ بما في يده، و يجب تصرّفه؛ لأن الحاكم و كل الناس يشهدون له بالملك و المدعى (5).

____________

(1). التهذيب 6: 282، الحديث 695.

(2). رجال النجاشي: 185.

(3). خلاصة الاقوال: 352، و انظر: معجم رجال الحديث 9: 269.

(4). رجال ابن داود: 242.

(5). كذا في النسخة.

213

و أما الشياع، فإنّه خالٍ من هذه الاحتمالات، إلّا تواطؤهم جميعاً على الكذب، و لا يخفى بُعدَه عادة، خصوصاً في الأوقاف العامّة و الأملاك لغير ذي الشوكة، و لا غرض للشهود في ذلك؛ لأنه المفروض، و إلّا لم يثر ظناً راجحاً، فمن البعيد غاية البعد تواطؤهم على الظلم لمن ليس بينهم و بينه عداوة بانتزاع ماله و جعله ل آخر بغير غرض.

و مما يدل على أنّ الشياع أقوى من الشاهدين، فضلًا عن اليد: أنه إنما يجوز الحكم بهما في أغلب المواضع و لحاكم الشرع فقط و ليس ذلك لأحدٍ سواه؛ و ذلك لكثرة تطرّق الاحتمالات بشهادتهما، و لا يجوز لاحد الشهادة بالملك بمجرّد الشاهدين من دون حكم الحاكم، بخلاف الشياع فإنّ كلّ من بلغه جاز له الشهادة به.

و الشياع قد يقارب العلم القطعي، بل قد يوصل إليه كما لا يخفى، و ليس ذلك للشاهدين و حينئذ كيف يجوز ترك العمل بمقتضى الشياع المتاخم للعلم الراجح ظنّاً على الظن المستفاد من شهادة الشاهدين، و عدم الانتزاع به من اليد و الانتزاع بهما منها الذي جعله الشارع في الثبوت باعتبار حصول الظن الراجح بصدق هؤلاء المخبرين و تخطئة المدّعى، و تقر في يد صاحب اليد؟ و الحال أنّ جانبه مرجوح موهوم، و تطرّق الكذب في مثله كثير معلوم اتباعاً لهوى النفس و حبّاً للعاجل، و قد منع العقلاء من ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجّح، فكيف يرجّح المرجوح؟

الوجه الثاني: إطلاق قول العلماء: أنّ الملك المطلق و الوقف و نحوهما يثبت بالشياع، و إذا ثبت وجب انتزاعه و إلّا كان ثبوته كعدمه.

و ما ذكره شيخنا العلايني (1) أعلى الله قدره و نوّر قبره في الجمع بين قوليهم: إنّ الملك يثبت بالشياع، و قول بعضهم: إنّ اليد لا ينتزع به، من أنّ المراد بثبوت الملك بالشياع إذا أخبر جماعة يكون الملك الذي لا يد ظاهرة لأحد عليه لزيد، و بلغ الأخبار

____________

(1). كذا في النسخة، و لم نقف على ترجمته، و سيأتي ذكره بعنوان «العلائي» أيضاً.

214

إلى المرتبة المعيّنة كان ذلك موجباً لكون زيد هو المالك حتى لو ادّعى مدّع ملكيته و كان خارجاً طولب بالبينة، نادر الوقوع قليل الجدوى و حقيق بالإعراض؛ لأنّ الخارج يطالب بالبينة. و إن لم يثبت الملك لزيد بالشياع إذا كان زيد ذا يد، و إن كانا خارجين كفى من أراد تملّكه وضع يده عليه، فيطالب الآخر بالبينة سواء كان زيداً أم عمرواً؛ فان فرض ضماً إذا لم يمكن وضع يد احدها عليه ندر الفرض، بل صار أبعد مما بين السماء و الارض، و متى يوجد ملك لا يد عليه، بل و لا يمكن ذلك مع تطاول الأزمنة، و يثبت بالشياع أنه ملك زيد بغير اليد و التصرف.

و أيضاً: ما فسّره به بعيد عن منطوق اللفظ، بل يأباه، لأنّ المراد بالثبوت إذا أطلق الشرعي، و ذلك إنما يكون عند الحاكم أو عند الشاهدين ليشهدوا أنّه عنده و على ما فسره به يكون الثبوت حاصلًا من قبل دعوى المدعي الآخر، و قبله لا حاجة إلى الاثبات و لا يعتاد؛ إذ يكفي وضع اليد، فما الفائدة في تجشّم مشقة حصول الشياع قبل المنازع و أيّ موجب لهذا التمحّل البارد و التخصص الكاسد بعد وقوع الخلاف في هذه المسألة المشهورة و قوة الشياع على اليد، بل اضمحلال دلالتها على الملك كما بيناه بالادلة المذكورة.

إن قلت: ما ذكره الشيخ علي توجيه، فلا يرد عليه اعتراض.

قلت: ليس لنا إلى هذا التوجيه ضرورة؛ لأن العلماء صرّحوا بثبوت الاشياء المذكورة بالشياع و جعله الشارع حجة شرعية في الثبوت، و مقتضاه تقديمه على اليد، و لكن بعض المتأخرين لما جمع بين الضدين فاثبت به و قدّم اليد عليه، احتاج إلى هذا التأويل العاري عن التحصيل.

و الأولى في توجيه كلام القوم: الحمل على ما إذا كان منشأ الشياع يد سابقة فقط، و بيناه على أن اليد الموجودة أولى من القديمة المظنونة، و لما رأى القائلون بأنّ اليد تدل

215

على الملك و أكثر ما يحصل العلم بالملك المطلق من اليد، أطلقوا أن اليد لا تزال بالشياع لتحقق هذه اليد و ظنيّة الشياع.

و هذا أوجه مما ذكره شيخنا العلائي عفا اللّه عنه، و حينئذ نقول: قد منع كثير من جواز الشهادة بالملك بمجرد اليد لعدم دلالتها عليه، و بتقدير الجواز فقد رجّح جماعة قديم اليد و قديم الملك على اليد، باعتبار السبق، و اختاره جماعة منهم الشيخ الطوسي و ابن إدريس و العلامة (1)؛ لأنه إذا ثبت الملك بطريق شرعي في وقت، لم يعارضه فيه شيء، فمقتضى الاستصحاب بقاؤه و إن لا يثبت لغيره ملك إلّا من جهته بسبب غير اليد؛ لأنّها لا تقتضي ملكاً.

و رجّح بعضهم اليد الحالية لتحققها؛ و هو ضعيف؛ لأنها و إن تحققت لا تقتضي ملكاً، إنما تقتضي ظاهراً جواز التصرف و استمرار اليد ما دام لم يظهر المنافي لحمل افعال المسلمين على الصحة، و ما هذا شأنه كيف يدل على الملك و يقدم على الشياع؟

و تحقيق الحال: أنّ اليد إن قلنا بعدم دلالتها على الملك كما هو الحق الصريح لم يتصوّر تقديمها على الشياع بوجه من الوجوه، اي سواء كان معها تصرّف أم لا، و إن قلنا بدلالتها عليه، فشهود الشياع إن كان مستند علمهم اليد فقط كان في جانبهم ترجيح السبق فتحتاج اليد الظاهريّة إلى إثبات السبب. و من قال بدلالة اليد على الملك و ترجيح اليد لتحققها لزمه ترجيح اليد هنا.

و إن كان مستند علمهم علم السبب أو اليد مع التصرف الدال على الملك، كان معهم مع الترجيح بالسبق الاستناد إلى علم السبب أو التصرف، فيرجح جانب الشياع بذلك، و كذا لو لم يذكروا سبب علمهم بكونه ملكه؛ إذ لا بدّ له من سبب فيحمل على

____________

(1). انظر: الخلاف 6: 343 و 347. المبسوط 8: 280 و 302. السرائر 2: 169 و 170، و لم نقف على كلام العلامة.

216

الشرعي و لا يجب الاستفصال في ظاهر الحال.

و تتمة هذا التحقيق: إنّ قولهم: «اليد لا ينزع بالشياع» يحتمل ظاهراً معتبراً: أن يكون المراد الشياع بالشاهدين بأن يكون مستند علمها الشياع، و لا يجوز أن يكون ذلك مرادهم؛ لانّه لا شبهة في وجوب حكم الحاكم به؛ لتصريحهم بأنّ مستند علم الشاهد قد يكون السماع المستفيض، فلو لم يعتد به لم يكن للشهادة به عند الحاكم فائدة، بل كان عبثاً محضاً.

و كذا قولهم: «إن مستند علم الشاهد قد يكون السماع المستفيض» يكون بغير فائدة.

أو أن يكون المراد: الشياع الثابت عند الحاكم باعتبار كثرة المخبرين، بحيث حصل له ظن متآخم للعلم، و الظاهر أنّ مرادهم بالشياع الذي لا ينتزع به اليد هذا، و لهذا ينظر شيخنا الشهيد رحمه الله في جواز الحكم به؛ لقولهم: «الحاكم يحكم بعلمه» (1) و الشياع لم يوصل إليه، و في تنظّره نظر؛ لأن جميع الفقهاء صرّحوا بأنّ مستند الشهادة قد يكون السماع المستفيض، و أكثر الفقهاء لم يشترطوا فيه الايصال إلى العلم القطعي، بل اكتفوا بما يتاخمه، فلو لم يجز للحاكم أن يحكم، لم يجز للشاهد أن يشهد به عند الحاكم، و لا أن يعمل به في الهلال و الافطار و الصوم و العدّة و نحو ذلك، فلا ينبغي التوقف في جواز حكمه، بل وجوب الحكم بطريق أولى، لان حكمه بما يثبت عنده الشياع أولى من حكمه بما يثبت عند غيره به؛ لانّ وجدانه أثبت عند نفسه.

و الحاصل: أنّ الفرق بين الشهادة و الحكم من أشكل المشكلات، و الذي يقتضيه النظر، بل هو الحقّ الذي لا يحوم حوله شبهة بعد ما تقرر أنّ قولهم: الحاكم يحكم بعلمه (2) و الشاهد يشهد إذا علم، المقصود به العلم العادي، و منه قولهم: «الخبر

____________

(1). انظر: الانتصار: 491.

(2). انظر: الانتصار: 491.

217

المحفوف بالقرائن يفيد العلم» (1) و ليس مقصودهم العلم الذي لا يحتمل النقيض قطعاً كالواحد نصف الاثنين؛ لان ذلك فرد واحد و يستحيل وجوده في الامور المتعارفة بين الناس في تصرّفاتهم و معاملاتهم كما لا يخفى، و لنمثل لذلك مثالًا يقبله اللبيب: و ذلك فيما لو شهد جماعة متكثرة، لا رابطة بينهم و لا غرض لهم دنيوي في اثبات ما شهدوا به، و لا عداوة لهم مع الشهود عليه، بأنّ هذه القرية وقف على المسجد الفلاني، أو أظهر المدّعي حسب قبالة قديمة، عليها آثار الصحة، قد تطرزت بخطوط العلماء في تلك الاعصار القديمة، و تأكدت بخطوط القضاة و اهل الاعتبار على توالي الأعصار، فلا يشكّ أحد في أنّه يحصل العلم بصحة ذلك. و لو قال أحد: يحتمل كذب جميع هؤلاء الشهود و تزوير هذه القبالة أو كذب هؤلاء العلماء و القضاة الذين وضعوا خطوطهم عليها، قلنا: و إن احتمل ذلك، لكنه خلاف العلم العادي الذي يحكم بمقتضاه العقلاء، فيكون ارتكاب خلافه عنتاً و مغالطة؛ لصريح العقل على نحو ما يرتكبه السوفسطائيّة، و كيف يرجّح الدعوى بمجرّد اليد التي لا تدل على الملك بوجه على هذا العلم العادي؟ «انّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد». (2) و قد صرحوا بأنّ الخبر المحفوف بالقرائن يفيد العلم، و المقصود به العادي لا القطعي، و مثّلوا له بما لو كان القاضي مريضاً مدنفاً، و أخبر واحد أنّه مات، و سمعنا الصياح من داره، و رأينا المغسّلين قد توجهوا إليه، و حملوا معهم النعش و الألواح لتغسيله؛ فانه يعلم أنّه قد مات و إن كان في نفس الامر قد يكون كل ذلك كذباً، أو توهم نشأ من إغماء و نحوه، أو يكون قد مات بعض ولده الذين كانوا صحاحاً و لم يمت هو، و لكن امثال هذه الاحتمالات لا يقدح في حصول العلم.

____________

(1). انظر: الشرائع 4: 687.

(2). سورة ق: 37.

218

و قد صرّح العلماء بجواز الاعتماد على القرائن في مواضع لا توصل إلى حدّ العلم بل تفيد ظناً كالقبول من المميز في الهدية، و فتح الباب و الاذن في الدخول و الموت، و أكل الضيف بتقديم الطعام من دون إذن، و التصرف في الهدية من غير لفظ، و الشهادة في الاعسار عند الصبر على الجوع و العري، و الشهادة بالعدالة؛ لانها أمر ظاهري لا تحقيقي و نحو ذلك، فكيف بما أفاد علماً عادياً تركن نفوس العقلاء إلى مثله، و لمّا كان اكثر فروع الفقه من الظنيّات، فلو جعلنا تفتّح أبواب الاحتمالات و توسّع دوائر التأويلات لم يتم لنا شيء من تلك الفروع في العبادات و لا في المعاملات، فلا جرم رفض العلماء قاطبة، بل جميع العقلاء، ما عدا السوفسطائية اعتبار هذه التخيّلات و حكموا بمقتضى علمهم العادي لئلا يرجّح الموهومات على المعلومات.

إن قلت: قد اعترفتم سابقاً بأنّ اليد تدل على جواز التصرف، فيمكن الجمع بين قولهم:

«الوقف يثبت بالشياع و اليد لا تنزع به» بأن نقول: يثبت الوقفية مثلًا و يحكم بها الحاكم و لكن لا تنتزع من اليد لجواز كونه مستأجراً، و حينئذ لا منافاة بين القولين بوجه.

قلت: لا شبهة أنّ اليد تدل على جواز التصرف دلالة ظاهرة لا قطعية؛ لتساوي كونها له و كونها غصباً في نفس الامر و انّما جوّز الشارع الشراء من ذي اليد و حمل أفعال الناس على الصحة و إن كانوا فسّاقاً أو كفاراً ليقوم سوق الناس و نظام معاشهم، و لو لا ذلك لاختل الحال؛ لانّا لو طالبنا كل من في يده شيء باقامة البيّنة على أنّه ملكه و لم نجوّز شراءه منه إلّا بعد الاثبات لزم من الحرج ما لا يحصى و تعطّل معاش الناس، فمن هنا سهّل الشارع ذلك و حمل أفعال الناس على الصحة حتى يتبيّن خلافه.

و إذا ثبت بالشياع أنّه ملك غير ذي اليد، و الشياع حجة قويّة شرعية، و دلالة اليد على جواز التصرف دلالة ظاهرة ضعيفة، لانّها أعم منه و إنما حكم بها للضرورة، و الاصل عدم وجود سبب يفيد جواز التصرف من إجارة و نحوها، فلا جرم وجب

219

الانتزاع أو تبيين السبب، و إلا لزم عدم فائدة الشياع؛ تنافٍ محض.

و ما يذعنه من الملكية ليس له عليه دليل أصلًا، لأنّ اليد إنّما تدل على جواز التصرف ظاهراً لا على الملك، فكيف يصدق دعواه بمجرد اليد التي لا تدل عليه بوجه من الوجوه، و لهذا لو اعترف بأنّه ملك زيد أو قام به بيّنة و ادّعى كونه في يده بطريق شرعي وجب عليه الاثبات أو انتزع منه، و لا تعتبر حينئذ دلالة اليد على جواز التصرف بالاجماع.

الوجه الثالث: أنّ الشياع قد يوصل إلى حد يكون الظن به حاصلًا أكثر ما يحصل للشاهدين كما نجده في أكثر الموارد، بل قد يوصل إلى العلم و سبب ذلك ما بيّناه في أنّ المواطاة على الكذب في الجمع الكثير أبعد منه في الشاهدين، لأن العدالة أمر ظاهري و قد يلوح من قول العلماء المعتبر في الشياع أنه ما أفاد ظناً راجحاً متاخماً للعلم: أنّ المعتبر منه ما حصل به الظن اكثر ممّا يحصل بالشاهدين، لانّهم لم يشترطوا فيهما ذلك و إن حصل منهما في بعض الاوقات، و إذا كان المدار حصول الظن الغالب المتاخم للعلم الذي قلّ أن يحصل في الشاهدين وجب العلم به بطريق الأولى. و ليس لك أن تقول: لا نسلّم أنّ الظن يحصل به اكثر، لأنّا نقول: البحث إذا حصل فمداره وجدان الحاكم و إلّا لم يحكم.

إن قلت: لو وجب العلم به إذا افاد ظناً راجحاً على البينة لم يختص بالامور المعدودة و وجب اطراده في كل شيء يعين الدليل.

قلت: بحثنا في الاشياء المعدودة، و أمّا غيرها فإن ثبت بدليل أنّه لا يعمل به فيها فهو المخصص، و إلّا أجريناه فيه.

الوجه الرابع: أنّه لو لم يقدّم الشياع على اليد لزم الحرج الشديد و الفساد العتيد كما هو واقع في أكثر الأملاك و الأوقاف الّتي قد استولى عليه من لا يرجوا أو لا يخاف،

220

و شاهد الفساد: أنّه قد رسخ في مسامعهم أنّ اليد لا تنزع بالشياع و أنّ الخطوط و القبالات لا تقلّد، و العدول في الأقطار إمّا معدومون أو مجهولون أو قليلون بحيث لا يمكنهم الاطلاع على أكثر المعاملات و التصرفات الواقعة بين الناس، فكلّ من وضع يده على وقف أو ملك للغير بإجارة و نحوها أو بغصب أمكنه أن يدّعي ملكيتها حبّاً للعاجل و ميلًا إلى زهرة الدنيا، و يتمّ له ذلك لما ذكرناه. و حينئذ ينسدّ باب المعاملات كالعارية و الاجارة و المزارعة؛ لما فيه من الخطر العظيم بتضييع الأموال بغير حقّ، و في ذلك من الضرر و الحرج ما لا يخفى، بل يؤدّي إلى أن يستولي المتغلّبون و أهل الفساد على أموال الضعفاء المنقولة، بل و الأكابر، و يتم لهم ذلك لما قدّمنا، بل يؤدي من الفساد إلى ما هو أكثر من ذلك بل أكبر من كل فساد، و هو استرقاق الأحرار إذا كانوا صغاراً؛ لأنّ النسب إنما يثبت بالشياع و يستحيل أو يندر ثبوته بالشهود، فاذا لم يقدم الشياع على اليد أمكن كل من وضع يده على صغير أن يدّعي رقّيته و يتم ذلك لغيره مما قلناه، و هذا نهاية الفساد و الحرج الذي ليس بعده فساد و لا حرج.

و إذا كان الخلاف في هذه المسألة واقعاً و الدليل على ما قلنا بيّناً ساطعاً، فما الباعث على التقليد في هذا الوجه الضعيف المؤدي إلى الفساد العنيف و طرح ما قام عليه البرهان المنيف.

اللهم ألهمنا المراد و اجعلنا من أهل الرشاد و صالحي العباد، إنك أنت الكريم الجواد.