حاشية شرائع الإسلام

- الشهيد الثاني المزيد...
576 /
5

مقدّمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي أوضح الشكّ بكشف النقاب عن وجه اليقين. و شيّد أعلام الدين بكتابه المبين، و بيّن أُصوله و منهج شريعته بمحكم التبيين.

و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريّته، النبيّ الأُمّيّ الأمين، و على إله الأئمّة الأطهار المنتجبين. و اللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء اللّه إلى قيام يوم الدين.

شرائع الإسلام

يعدّ كتاب شرائع الإسلام من أهمّ المتون الفقهيّة و أحسنها ترتيباً و أجمعها للفروع، حيث إنّ المحقّق الحلّي جمع فيه لبّ ما في نهاية الشيخ التي كانت طبق مضامين الأخبار. و ما في مبسوطه و خلافه اللَّذَين كانا على حذو كتب العامّة في جمع الفروع. فهو أوّل من جعل الكتب الفقهيّة بترتيب المتأخّرين.

و ممّا يمتاز به هذا الكتاب: الأسلوب السلس، و العبارة المشرقة، و الدقّة في تأدية المعنى، و الإيجاز في الألفاظ، و المنهجيّة الفذّة في البحث، و الموضوعيّة الأمينة في عرض الآراء.

يقول المتتبّع الكبير الشيخ الطهراني في شأن الكتاب و أهمّيّته:

و قد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلّفه إلى الان، و لا يزال من الكتب الدراسيّة في عواصم العلم الشيعيّة، و قد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة فجعلوا أبحاثهم و تدريساتهم

6

فيه، و شروحهم و حواشيهم عليه، و للعلماء عليه حواشٍ كثيرة، و له شروح متعدّدة، بل أنّ معظم الموسوعات الفقهيّة الضخمة التي ألّفت من بعد عصر المحقّق شروح له كما توضحه أسماؤها، فمنها: «أساس الأحكام» و «تقرير المرام» و «جامع الجوامع» و «جواهر الكلام». (1).

الشهيد الثاني و حاشيته على الشرائع

للشهيد الثاني على الشرائع شرح كبير معروف و هو المسمّى ب«مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام» و هو أهمّ و أكبر مصنّفات الشهيد الثاني، الذي طبع محقّقاً في 15 مجلّداً بمؤسّسة المعارف الإسلاميّة، في قم المقدّسة سنة 1419.

و له حاشية عليه، كانت مخطوطة حتّى الان، و من أجل معرفة خصوصيّاتها لا بدّ من ذكر أُمور:

الأوّل: الاسم الصحيح لهذا الكتاب هو: «حاشية شرائع الإسلام» كما ذكره مؤلّفه في إجازته لتاج الدين ابن الشيخ هلال الجزائري، الصادرة له في الرابع عشر من شهر ذي الحجّة سنة 964 ه.، و التي لها صورة في بحار الأنوار، حيث قال فيها:

فاستخرت الله تعالى و أجزته جميع ما جرى به قلمي من المصنّفات المختصرة و المطوّلة، و الحواشي و الفوائد المفردة و الفتاوى، و هي كثيرة شهيرة لا يقتضي الحال ذكرها، و من أهمّها كتاب: «مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام» وفّق الله تعالى لإكماله في سبع مجلّدات، كبيرة، و منها حواشي الكتاب المذكور مجلّدان (2).

و ذكره أيضاً بهذا الاسم تلميذ المصنّف و ملازمه في حَلّهِ و ترحاله محمّد بن علي بن حسن العودي الجزّيني في رسالة «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد» التي حكى قسماً منها حفيد ابن المصنّف الشيخ علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين في كتابه «الدرّ المنثور» (3).

و تبعهم في ذلك الشيخ الطهراني عند ذكر الحواشي على كتاب «شرائع الإسلام» (4) علماً بأنّ المصنّف (رحمه الله) لم يذكره بهذا الاسم في ديباجة الكتاب، بل عبّر عنه بقوله

____________

(1) الذريعة 13: 47- 84/ 1611.

(2) بحار الأنوار 105: 144.

(3) الدرّ المنثور 2: 185

(4) الذريعة 6: 106/ 574.

7

«فهذه تعليقة مختصرة و قيود محبّرة على كتاب شرائع الإسلام».

و العجيب في الأمر أنّ جلّ الذين ترجموا الشهيد الثاني لم يذكروا هذه الحاشية في جملة مصنّفاته.

الثاني: لم يذكر الشهيد الثاني تأريخ تأليفه لهذه الحاشية، و لعلّه ألّفه قبل تأليفه لمسالك الأفهام، حيث بدأ بكتابة بعض التعليقات المختصرة على الشرائع، ثمّ بدا له تطويرها و كتابة شرح كامل له. و من الثابت أنّ المصنّف (رحمه الله) قد انتهى من تأليف الجزء الأوّل من المسالك في يوم الأربعاء الثالث من شهر رمضان سنة إحدى و تسعمائة. فيكون تأليفه لهذه الحاشية قبل هذا التأريخ.

الثالث: التعرّف على ماهيّة الحاشية يتمّ في عدّة نقاط:

أ. حجم هذه الحاشية مجهول لدينا؛ و ذلك ناشئٌ من اختلاف محتوى النسخ الخطيّة لهذه الحاشية، فالمخطوطة المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام)، في مدينة مشهد المقدّسة برقم 14046 تنتهي بكتاب السكنى و الحبس، و المخطوطة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في طهران برقم 4360 تنتهي بكتاب السبق و الرماية، الفصل الرابع، في أحكام النضال، عند قول الماتن: «و لو قال: من سبق فله درهمان، و من صلّى فله درهم، فلو سبق واحد أو أربعة فلهم الدرهمان».

و رأى الشيخ الطهراني نسخةً من هذه الحاشية تحتوي على كتاب الفرائض فقط، حيث قال: «و رأيتُ نسخةً من حاشية الشهيد على كتاب الفرائض خاصّة من الشرائع في مكتبة سيّدنا الشيرازي بسامراء، أوّله قوله: الفرائض هي جمع الفريضة بمعنى مفروضة من الفرض و هو التقدير، و ينتهي إلى قوله: الحمل يرث بشرط» (1).

ب: كتب المصنّف (رحمه الله) هذه الحاشية بشكل موجز و مختصر، فهو يذكر أوّلًا قول المحقّق الحلّي ثمّ يعلّق عليه بما تقتضيه الضرورة، لذلك نجده لم يستدلّ بالآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة إلا في موارد قليلة جدّاً، و لا ينقل أقوال العلماء إلا في موارد نادرة. و قد يشير إلى أقوال بعض العلماء دون التصريح بأسمائهم كالشهيد الأوّل، و العِمة الحلّي و المحقّق الكركي.

____________

(1) الذريعة 6: 106/ 574.

8

و قد أشار (رحمه الله) في مقدّمتها إلى طبيعة هذه الحاشية و كونها مختصرة بقوله: تعليقة مختصرة و قيود مُحبّرة، و بقوله: تقيّد ما أطلقه و تُبيّن ما أجمله.

ج: يشير المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام إلى بعض الأقوال بعنوان قيل و «يقال»، و يُعلّق الشهيد الثاني على هذه الأقوال بكلمة واحدة مثل «قويّ» و «جيّد» و «ضعيف».

د: يحكي المصنّف (رحمه الله) في بعض الموارد آراء الماتن المحقّق الحلّي في كتابه «المعتبر»، سواء كانت هذه الآراء موافقة لما في الشرائع أو مخالفة له.

ه: يوضّح معاني بعض المصطلحات أو الكلمات اللغوية دون الإشارة إلى المصدر اللغوي.

الرابع: ذكرنا قبل قليل أنّ المصنّف (رحمه الله) كتب أوّلًا هذه الحاشية على الشرائع بشكل مختصر، ثمّ بدا له كتابة شرح كامل له، فألّف كتابه الفقهي المعروف «مسالك الأفهام»، لذلك فإنّنا نجد تشابهاً كبيراً بين عبارات هذه الحاشية و المسالك.

و نكتفي هنا بإيراد خمسة موارد توضّح هذه النسبة بين الكتابين، و هي:

1. قال في حاشية الشرائع عند شرح قول المحقّق الحلّي «و أمّا المحقون»: المراد به غير النابع و إن جرى على وجه الأرض (1).

و ذكر في المسالك عين هذه العبارة مضيفاً لها قوله: و إطلاق المحقون عليه تغليب كتغليب الجاري على النابع (2).

2. قال في حاشية الشرائع عند شرح قول الماتن «إلا أن تغيّر النجاسة أحد أوصافه»: أي الثلاثة المشهورة، و هي اللون و الطعم و الرائحة، لا مطلق الأوصاف، و المعتبر في التغيّر الحسّي لا التقديري على الأقوى (3).

و قال في المسالك: المراد بها الثلاثة المشهورة، أعني اللون و الطعم و الرائحة، لا مطلق الأوصاف كالحرارة و البرودة و غيرهما.

____________

(1) حاشية الشرائع: 23.

(2) مسالك الأفهام 1: 13.

(3) حاشية الشرائع: 23.

9

و يخرج بتغيير النجاسة له ما لو كان التغيّر بالمتنجّس كالدبس مثلًا، فإنّ انفعال طعم الماء لا ينجّسه، ما لم يستند التغيّر إلى النجاسة و المعتبر في التغيّر الحسّي لا التقديري (1).

3. قال في حاشية الشرائع عند شرح قول الماتن «أو ما كان كلّ واحدٍ من طوله و عرضه و عمقه ثلاثة أشبار و نصفاً»: هذا مع تساوي أبعاده، و مع اختلافها يعتبر بلوغ الحاصل من ضرب بعضها في بعض الحاصل من ضرب المتساوية كذلك (2).

و ذكر في المسالك عين هذه العبارة مضيفاً لها قوله: و هو اثنان و أربعون شبراً و سبعة أثمان الشبر من أشبار مستوي الخلقة، و هو الغالب في الناس (3).

4. قال في حاشية الشرائع عند شرح قول الماتن «و بنزح كرّ إن مات فيها دابّة أو حمار أو بقرة»: الأقوى اختصاص الحكم بالبغل و الحمار، و إلحاق الدابّة و البقرة بما لا نصّ فيه (4).

و ذكر في المسالك عين هذه العبارة مضيفاً لها قوله: و هو خيرة المصنّف في المعتبر؛ لأن ما عداهما خالٍ عن النصّ، و مطلق المماثلة غير كافٍ في الحكم، فإنّ البقرة مثل الثور و ليست بحكمه (5).

5. قال في حاشية الشرائع عند شرح قول الماتن «لموت الطير»: هو الحمامة و النعامة و ما بينهما (6).

و ذكر في المسالك عين هذه العبارة دون أيّ زيادة فيها (7).

عملنا في التحقيق

أ: اعتمدنا في تحقيق هذه الحاشية على نسختين خطّيّتين، هما:

الأُولى: المخطوطة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في طهران برقم 4360، و هي مذكورة في فهرسها 12: 73، كتبها بخطّ النسخ سعد بن محمّد الجزائري في يوم

____________

(1) مسالك الأفهام 1: 13- 14

(2) حاشية الشرائع: 23.

(3) مسالك الأفهام 1: 14.

(4) حاشية الشرائع: 24.

(5) مسالك الأفهام 1: 16.

(6) حاشية الشرائع: 25.

(7) مسالك الأفهام 1: 17.

10

الأربعاء الرابع عشر من شهر جمادى الأُولى سنة 985 ه.

و تقع هذه النسخة في 254 ورقة بحجم 13 23 سم، و كلّ ورقة تحتوي على 18 سطراً، و يوجد في آخرها عبارة: «نقلت هذه النسخة من خطّ الشيخ الشهيد زين الدين (قدّس الله روحه و نوّر ضريحه)».

و قد رمزنا لها بالحرف «م».

الثانية: المخطوطة المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مدينة مشهد المقدّسة برقم 14046، مذكورة في الفهرس الألفبائي لهذه المكتبة: 194، و هي مجهولة الكاتب و تأريخ الاستنساخ؛ لأنّ الورقة الأخيرة منها غير موجودة. و تقع هذه النسخة في 228 ورقة بحجم 20 12 سم، و كلّ ورقة تحتوي على 17 سطراً.

و قد رمزنا لها بالحرف «ض».

ب: عملنا في تحقيق هذه الحاشية بطريقة التلفيق بين النسختين الخطّيتين المتوفّرتين لدينا، فقابلناهما معاً و أثبتنا الصحيح أو الأصحّ في المتن مع الإشارة إلى بعض الاختلافات الموجودة بينهما في الهامش، ثمّ استخرجنا كلّ ما يحتاج إلى استخراج.

ج: وضعنا الحواشي المشار إليها ب«قوله:» بين القوسين الصغيرين مشيرين في الحاشية إلى رقم الصفحة من متن شرائع الإسلام المحقّق المطبوع سنة 1408 ه. في مؤسّسة مطبوعاتي إسماعيليان في 4 أجزاء في مجلّدين، لنيسّر للقارئ الرجوع إلى المتن عند الاحتياج.

د: عملنا فهرس الموضوعات و المصادر و ألحقناهما بآخر الكتاب.

شكر و ثناء

و ختاماً فإنّنا نتقدّم بجزيل الشكر و الثناء لكلّ من ساهم في تحقيق و إخراج هذه الحاشية، و نخصّ بالذكر الإخوة الأعزاء المحقّقين حجج الإسلام: محمّد الحسّون و محمّد الباقري و منصور الإبراهيمي الذين ساهموا معنا في توزيع النصّ و تقويمه. و الأُستاذ الأديب أسعد الطيّب و علي أوسط الناطقي و محمّد مهدي عادل نيا و فرج الله جهاندوست و محسن النوروزي و السيّد حسين بني هاشمي و غلام حسين الدهقان الذين ساهموا في المراجعة

11

النهائيّة و مقابلة النسخ و مراجعة المصادر و إعداد الفهارس و تصحيح التجارب المطبعيّة.

و أيضاً نتقدّم بخالص الشكر إلى الشيخ رضا المختاري؛ لتفضّله بإرشادات علميّة نافعة و عبد الهادى أشرفي و أحمد مؤتمني؛ لمساعدتهما في التصفيف و تنظيم الصفحات و إخراج الكتاب بأحسن هيئة ممكنة.

و نسأل الله أن يجعله ذخراً لنا و لهم في يوم لا ينفع مالٌ و لا بنون، و أن يوفّقنا لخدمة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

قسم إحياء التراث الإسلامي مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة صفر المظفّر 1422

12

حاشية سريع الإسلام الشيخ زين الدين بن عليّ العاملي (قدّس سرّه) المعروف بالشهيد الثاني

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

[مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين الحمدُ للّه حمداً يليق بجلاله و إفضاله، و الصلاة على سيّدنا محمّدٍ نبيّه و آله.

و بعد، فهذه تعليقةٌ مختصرةٌ و قيودٌ مُحبّرةٌ (1) على كتاب شرائع الإسلام، تُنَظّمُ ما اعتمد عليه من فتواه، و تُقَيّد ما أطلقه، و تُبيّن ما أجمله، و على الله سبحانه أعتمد، و هو حسبي و نِعمَ الوكيل.

ص 2

قوله: فإنّ رعاية الإيمان تُوجب قضاء حقّ الإخوان.

إشارة إلى ما ورد في الحديث: لا يكمل إيمانُ المؤمن حتّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه، و من أكمل محبوب النفس قضاء حاجتها، و غير ذلك من الأخبار الدالّة على الحثّ (2) على قضاء حاجة المؤمن (3).

قوله: و من الأصحاب مَن عرفتُ الإيمانَ من شأنه.

الشأن: الخطب و الأمر و الحال (4)، و المراد هنا الأخيرةُ.

و هذا الصاحب هو محمَّد بنُ محمود الزاهد، على ما وجدتُه بخطّ شيخنا الشهيد (رحمه الله).

قوله: و استبنتُ الصلاحَ على صفحات وجهه و نفحات لسانه.

أشار بذلك إلى ما روي عن عليّ (عليه السلام): ما أضمر أحدكم شيئاً إلا أظهره الله

____________

(1) محبّرة: أي محسّنة. انظر الصحاح 2: 620، «حبر».

(2) على الحثّ: لم ترد في «م».

(3) الكافي 2: 192- 196 باب قضاء حاجة المؤمن.

(4) الصحاح 4: 214، «شأن».

20

على صفحات وجهه و نفحات لسانه (1).

قوله: و هو مبنيّ على أقسامٍ أربعة.

هي: عباداتٌ، و عقودٌ، و إيقاعاتٌ، و أحكامٌ.

و وجه حصره في الأربعة: أنّ المبحوثَ عنه فيه إمّا أن يكون غايته الآخرة أو الدنيا، و الأوّل العبادات، و الثاني إمّا أن لا يتوقّف حكمه على صيغة، أو يتوقّف، و الأوّل الأحكام، و الثاني إمّا أن يكتفى فيها بواحدٍ أو يعتبر اثنان و لو حُكماً و الأوّل الإيقاعات، و الثاني العقود.

و اعلم أنّ كثيراً من أبواب هذه الأقسام يدخل في غيره كالقضاء و الشهادات و النذور و شبهها و العتق فإنّها من أقسام العبادات، و المكاتبة من أقسام العقود، و باقي العقود قد يقصد بها القربة فيكون منها، و الخلع و المباراة من أقسام الإيقاع، و هما بالعقود أليق، و ما يكتفى فيه بالقبول الفعلي من العقود هي بباب الإيقاع أليق؛ و من ثَمّ اختلفت أنظارُهم في الترتيب.

قوله: و نبدأ منها بالأهمّ فالأهمّ.

الأهمّ منها قد يكون باعتبار فضيلته في ذاته كالصلاة، فإنّها أشرف من باقي العبادات؛ فلذا قدّمها عليها.

و قد يكون باعتبار غيره كالطهارة، فإنّها باعتبار كونها شرطاً للصلاة قدّمها عليها؛ لأنّ الشرط متقدّم على المشروط.

و قد يكون باعتبار عموم الحاجة إليه كالصوم، فإنّه لوجوبه كلّ عام قدّمه على الحجّ الذي لا يتكرّر على المكلّف إلا بسببٍ عَرَضي.

و قد يكون لكثرة شرائطه و عسر (2) وجود اجتماعها كالجهاد المشروط غالباً بإذن الإمام.

و قدّم الزكاة على الصوم مع مشاركتها له في علّة التقديم، لاقترانها بالصلاة في الآيات الشريفة (3).

____________

(1) نهج البلاغة: 472/ 26.

(2) في «ض»: و عزّة.

(3) البقرة (2): 43 و 83 و 110؛ الحجّ (22): 41 و 78؛ النور (24): 56.

21

كتاب الطهارة

[الطهارات الثلاث]

ص 3

قوله: الطهارة: اسم للوضوء أو الغسل أو التيمّم على وجهٍ له تأثير في استباحة الصلاة.

إنّما أتى ب«تأثير» ليدخل فيه كلّ من الغسل المكمّل بالوضوء و وضوؤه تام، فإنّه لا يستباح بأحدهما، و إنّما له مدخلٌ في التأثير.

و أُورد على التعريف أُمورٌ:

أ: اشتماله على الترديد المنافي للتحديد.

و أُجيب بأنّه في أقسام المحدود لا في الحدّ (1).

ب: نقضه في طرده بالأبعاض.

و أجيب بخروجها بالمسمّيات الثلاثة، فإنّ دلالة المطابقة هي المعتبرة هنا.

ج: أنّه قد يُستباح بها غير الصلاة كالطواف.

و أُجيب بأنّ ذكرها لا ينفي ما عداها، خصوصاً مع اشتماله على المزيّة من حيث اشتراطها مطلقاً بها، بخلاف غيرها.

د: تعريفه الجنس بالنوع، و هو دور.

و أُجيب بجواز كون معرفة النوع ناقصة بحيث لا يتوقّف على معرفة الجنس، و معرفة

____________

(1) هذا الجواب و الثلاثة التي تليه للشهيد الأوّل في غاية المراد 1: 18 و 20.

22

الجنس مستفادة من معرفة النوع الناقصة، فلا دور.

و يمكن اندفاع الجميع بقوله: «اسم»، فإنّ التعريف الاسمي لا تعتبر فيه السلامة ممّا ذكر.

قوله: و الواجب من الغسل: ما كان لصلاة واجبة و. أو لِمَسّ كتابة القرآن إن وجب.

بنذرٍ و شبهه، أو لإصلاحِ غلطٍ لا يتمّ إلا به.

قوله: و الواجب من الغسل: ما كان ل. أو لدخول المساجد.

مع اللبث في غير المسجدين، و يستثنى من ذلك غسل المسّ فلا يتوقّف دخول المساجد مطلقاً عليه.

قوله: و قد يجب إذا بقي لطلوع الفجر من يوم يجب صومه بقدر ما يغتسل الجنب.

أشار بذلك إلى أنّ غسل الجنابة واجب لغيره لا لنفسه، و هو أصحّ القولين. فقبل تضيّق الليل للصوم و وجوبِ عبادةٍ مشروطةٍ به لا يجب، فينوي به حينئذٍ الندبَ بناءً على اعتبار نيّة الوجه، و يرتفع الحدث.

قوله: و لصومِ المستحاضة إذا غَمَسَ دمُها القطنةَ.

سواء سال أم لم يسل، و إنّما يجب للصوم مع وجود الغمس قبل صلاة الفجر، فلو وجد بعده لم يجب إلا مع السيلان قبل صلاة الظهرين، فيتوقّف عليه صحّة صوم اليوم الحاضر، أمّا لو تجدّد بعدها لم يتوقّف عليه الصوم و إن وجب الغسل لما بعده من الصلوات و الصيام.

قوله: و الواجب من التيمّم: ما كان ل. و المجنب في أحد المسجدين ليخرج به.

هذا إذا تعذّر الغسلُ داخلهما على وجهٍ يصحّ، و إلا وجب الغسل، و كذا لو أجنب خارجهما و دخل قبل الغسل، و كذا القول في الحائض و النفساء مع انقطاع دمهما.

قوله: و المندوب ما عداه.

بل يجب التيمّم لِما تجب له الطهارتان مع تعذّر هما؛ ليدخل فيه الطوافُ الواجبُ، و مسّ كتابة القرآن إن وجبَ، و دخولُ المساجد على التفصيل.

23

المياه

[أنواع الماء]

ص 4

قوله: أمّا الجاري.

المراد به النابع غير البئر و إن لم يجرِ على الأرض، و عدم انفعاله بدون التغيّر هو الأقوى، سواء دام نبعه أم لا.

قوله: و يُلحق به ماء الحمّام إذا كان له مادّة.

الأقوى اشتراط بلوغ المادّة و ما اتّصل بها من ماء الحمّام كرّاً، و حينئذٍ فلا فرق بين الحمّام و غيره.

قوله: و أمّا المحقون.

المراد به غير النابع و إن جرى على وجه الأرض.

قوله: و لا يطهر بإتمامه كرّاً على الأظهر.

قويّ.

قوله: إلا أن تُغيّر النجاسةُ أحدَ أوصافه.

أي الثلاثة المشهورة، و هي اللون و الطعم و الرائحة، لا مطلق الأوصاف، و المعتبر في التغيّر الحسيّ لا التقديريّ على الأقوى.

قوله: و ما كان منه كرّاً لا ينجس. و يطهر بإلقاء كرّ عليه فكرٍ.

الأقوى الاكتفاء في طهارته بملاقاته الكرّ بحيث يتّحدان عرفاً، و كذا يطهر بوقوع المطر عليه متقاطراً.

ص 5

قوله: و الكرّ: ألف و مائتا رطلٍ بالعراقي على الأظهر.

هذا هو المشهور.

قوله: أو ما كان كلّ واحدٍ من طوله و عَرضه و عُمقه ثلاثةَ أشبارٍ و نصفاً.

هذا مع تساوي أبعاده، و مع اختلافها يعتبر بلوغ الحاصل من ضرب بعضِها في بعضِ الحاصل من ضربِ المتساوية كذلك.

قوله: و يستوي في هذا الحكم مياه الغدران و الحياض و الأواني على الأظهر.

قويّ.

24

قوله: و أمّا ماء البئر.

البئر: مجمعُ ماءٍ نابعٍ من الأرض، لا يتعدّاها غالباً، و لا يخرج عن مسمّاها عرفاً.

قوله: و هل يُنجّس بالملاقاة؟ فيه تردّد، و الأظهرُ التنجيسُ.

هذا هو المشهور، و في عدم انفعاله بدون التغيّر قوّة.

طريق تطهير ماء البئر

قوله: بنزح جميعه إن وقع فيها. أو أحد الدماء الثلاثةِ على قولٍ مشهورٍ.

جيّد.

قوله: أو مات فيها بَعيرٌ.

هو من الإبل بمنزلة الإنسان يشمل الذكرَ و الأنثى و الصغيرَ و الكبير، و كذا يُنزح الجميعُ لموت الثور.

قوله: تراوح عليها أربعة.

أي أربعةُ رجالٍ، فلا يكفي غيرُهم و إن قام بعملهم. و المعتبر يوم الصوم، و لا فرق بين الطويل و القصير.

قوله: و بنزح كرّ إن مات فيها دابّةٌ أو حمارٌ أو بقرةٌ.

الأقوى اختصاصُ الحكم بالبغلِ و الحمارِ، و إلحاق الدابّة و البقرة بما لا نصّ فيه.

قوله: و بنزح سبعين إن مات فيها إنسان.

لا فرق فيه بين الصغير و الكبير، و الذكر و الأُنثى. و مثلُه ما لو وقع ميّتاً، و لا بين المسلم و الكافر، إلا أن يقع الكافرُ حيّاً فيلحق بما لا نصّ فيه.

قوله: و بنزح خمسين إن وقعت فيها عَذِرة فذابت.

هي فضلة الإنسان مطلقاً، و المشهور اعتبار الخمسين.

قوله: أو كثير الدم كذَبْح الشاة، و المروي من ثلاثين إلى أربعين.

المشهور اعتبار الخمسين.

قوله: و بنزح أربعين. و لبول الرجل.

دون المرأة، بل هو ممّا لا نصّ فيه. أمّا الخنثى فيجب لبوله أكثر الأمرين من الأربعين

25

و موجَبِ ما لا نصّ فيه.

ص 6

قوله: و بنزح سبع لموت الطير.

هو الحمامة و النعامة و ما بينهما.

قوله: و لاغتسال الجنب.

الخالي بدنه من نجاسة خبثيّة، و الحكم بالنجاسةِ تعبّدٌ، و إنّما يجب المقدّر مع صحّة الغُسل، و يشكل الحكم بالصحّة مع التعمُّدِ؛ للنهي.

قوله: و بنزح دلو لموت العصفور، و شبهه.

هو ما دون الحمامة من الطير.

قوله: و بول الصبيّ الذي لم يغتذ بالطعام.

في الحولين اغتذاءً غالباً على اللبن أو مساوياً، فلا يضرّ القليل، و لا تُلحق به الرضيعة.

قوله: و في ماء المطر و فيه البول و العذرة و خُرْء الكلاب ثلاثون دلواً.

لا فرق بين بقاء عين هذه النجاسات في الماء و زوالها، و حكم بعضها حكم الجميع إن كان يوجب ذلك منفرداً، و إلا كفى الاقتصار على مُقدّرِة منفرداً.

فروع ثلاثة

قوله: الثاني: اختلاف أجناس النجاسة موجب لتضاعف النزح، و في تضاعفه مع التماثل تردّد، أحوطه التضعيف.

الأقوى التضعيف مطلقاً.

قوله: إلا أن يكون بعضاً من جملةٍ لها مقدّرٌ، فلا يزيد حكمُ أبعاضها عن جملتها.

هذا إذا لم يحصل من اجتماعها ما يوجب انتقال الحكم، كما لو وقع قليل دَمٍ ثمّ مثله بحيث صار كثيراً، فإنّ الواجبَ حينئذٍ منزوح الكثير.

قوله: الثالث: إذا لم يقدّر للنجاسة منزوح. و إذا تغيّر أحدُ أوصافِ مائها بالنجاسة قيل: يُنزَحُ حتّى يزولَ التغيّرُ.

الأقوى أنّ النجاسة المغيّرةِ إن كانت منصوصةً وجبَ نزح أكثر الأمرين من المقدّر و ما

26

به يزول التغيّر، و إن كانت غير منصوصةٍ وجَبَ نزحُ الجميع، و مع التعذّر التراوح.

ص 7

قوله: و إذا حكم بنجاسة الماء لم يجز استعماله في الطهارة مطلقاً.

أي اختياراً و اضطراراً بقرينة التقييد في قَسيمَيه، و هو الأكلُ و الشربُ. و المراد بعدم الجواز التحريمُ مع اعتقاد المشروعيّةِ، أو بمعنى عدم الاعتداد به في رفع الحدث و الخبث مجازاً.

قوله: و لو اشتبه الإناء النجس بالطاهر وجب الامتناع منهما، و لو لم يجد غير مائهما تيمّم.

بخلاف ما لو اشتبه المطلقُ بالمضاف، فإنّه تجب الطهارة بهما معاً.

الماء المضاف

قوله: و هو طاهر لكن لا يزيل حَدَثاً إجماعاً، و لا خَبَثاً على الأظهر.

قويّ.

قوله: و تُكره الطهارة بماءٍ أُسْخِنَ بالشمسِ في الانيةِ.

و كذا غيرُ الطهارة من الاستعمال كالأكل و الشرب و إزالةِ النجاسة، و لا فرق بين الانية المنطبعة (1). و غيرها، و لا بين البلاد الحارّة و غيرها.

قوله: و ماءٍ أُسخن بالنار في غَسل الأموات.

مع الاختيار، فلو اضطرّ إليه لِبَرْدٍ و غيره فلا كراهيةَ.

ص 8

قوله: و الماء المستعمل في غسل الأخباث نَجِسٌ، سواء تغيّر بالنجاسة أو لم يتغيّر، عدا ماء الاستنجاء، فإنّه طاهرٌ ما لم يتغيّر بالنجاسة، أو تلاقيه نجاسةٌ من خارجٍ.

سواء كان الخارج عن محلّه و إن كان من جنسه، أم عن حقيقتِه كالدم و إن كان مستصحباً له. و يشترط أيضاً أن لا تنفصل مع الماء أجزاء من النجاسة مُتميّزة،

____________

(1) الأواني المنطبعة: هي الأواني المصنوعة من الفلزّات كالحديد و الرصاص و النحاس و غيرها عدا الذهب و الفضّة؛ لأنّ الشمس إذا أثّرت فيها استخرجت منها زهومة تعلو الماء، و منها يتولّد المحذور. و أمّا، و منها يتولد المحذور. و أمّا الذهب و الفضّة لصفاء معدنها لا تؤثّر فيهم الشمس هذا التأثير.

و غير لمنطبعة: هي الأواني الأخرى المصنوعة من الحزف أو الخشب و غير هما.

انظر للتفصيل: نهاية الإحكام 1: 226؛ الحدائق الناضرة 2: 409.

27

و لا فرق بين المخرجين، و لا بين المتعدّي و غيرِه في صدق اسم الاستنجاء عرفاً.

قوله: و ما استعمل في [رفع] الحدث الأكبر طاهر. و هل يُرفَع به الحدثُ؟ فيه تردّدٌ، و الأحوط المنع.

الأقوى أنّه يُرفَعُ.

الأسئار

قوله: الأسئار.

جمع سؤر، و هو ماءٌ قليلٌ باشره جسمُ حيوانٍ.

قوله: و في سؤر المُسوخ تردّدٌ، و الطهارة أظهر.

قويّ.

قوله: و مَن عدا الخوارجِ و الغُلاةِ من أصناف المسلمين طاهرُ الجسد.

المراد بالخوارجِ: أهلُ النهروان و مَن دانَ بمقالتهم، و مِن مقالتهم بغض عليّ (عليه السلام)، و في حكمهم النواصب: و هم المُبْغِضون لأحدٍ من أهل البيت (عليه السلام). و كذا المجسّمة بالحقيقة.

و المراد بالغلاة: مَن اعتقد إلهيّة أحدٍ من الناس.

قوله: و يكره سؤر الجِل. و الحائضُ التي لا تُؤمَن.

أي التي لا تتحفّظ من النجاسة، و كذا كلّ مَن لا يتحفّظ منها.

قوله: و ما لا يُدرَك بالطرف من الدم لا يُنَجّسُ الماءَ، و قيل: يُنَجّسُه و هو الأحوط.

المراد أنّ الطرف لا يُدركه بعد وصوله إلى الماء؛ لقلّته، فيستحيل فيه بسرعةٍ، و الأقوى أنّه ينجّسه كالكثير.

الوضوء

الأحداث الموجبة للوضوء

ص 9

قوله: و هي ستّة: خروج البول و الغائط و الريح من الموضع المعتاد.

أي الموضع الطبيعي لخروج الأحداث، و لا يشترط فيه الاعتياد، بخلاف غيره.

28

قوله: و لو خرج ممّا دون المعدة، نقض في قولٍ.

المراد مع عدم انسداد المعتاد، أمّا معه فينقض مطلقاً، و الأصحّ أنّه ينقض مع الاعتياد، و يتحقّق بالخروج منه مرّتين فينقض في الثالثة، و المراد بما دون المعدة ما تحت السرّة.

قوله: و النوم الغالب على الحاسّتين.

غلبة مستهلكة لا مطلق الغلبة، و المعتبر زوال الإحساس مطلقاً.

قوله: و الاستحاضة القليلة.

التقييد بالقلّة لإخراج ما فوقَها، فإنّه و إن أوجب الوضوءَ في بعض الأحوال إلا أنّه يوجب الغسل في الجملة، و الكلام في مُوجِبِ الوضوء خاصّةً.

ص 10

قوله: و لا ينقض الطهارةَ مذي و لا ودي.

المذي: ماءٌ رقيقٌ لزجٌ يخرج عقيب الشهوةِ، و الودي بالمهملة: ماءٌ أبيضُ غليظٌ يخرج عقيب البول، و بالمعجمة [الوذي:] ماءٌ يخرج عقيبَ الإنزال، و الثلاثةُ طاهرةٌ غيرُ ناقضةٍ.

أحكام الخلوة

قوله: و يجب فيه ستر العورة.

عن ناظرٍ محترمٍ.

قوله: و يحرم استقبال القبلةِ و استدبارُها.

بمقاديم البدن على حدّ ما يعتبر في الصلاةِ، و العورة في ذلك كغيرِها.

قوله: و يجب غسل موضع البول بالماء، و لا يُجزئ غيره مع القدرةِ.

أمّا مع العجز فيجزئ، بمعنى وجوب تجفيف النجاسة بما أمكن لأجل الصلاةِ و نحوِها و إن لم يحكم بطُهر المحلّ، كما يُجزئ التيمّم عن الطهارة المائيّة عند تعذّرها ثمّ ينتقض بوجود الماء.

قوله: و أقلّ ما يُجزئ مِثلا ما على المخرج.

الأقوى وجوبُ غَسله مرّتين منفصلتين، و كذا من البول مطلقاً.

29

قوله: و إذا لم يتعدّ كان مخيّراً بين الماء و الأحجار.

و في حكم الأحجار ما يزيلُ النجاسة من الأجسامِ الطاهرةِ الصلبة الجافّةِ غيرِ المحترمة، كالخِرَقِ و الخَزفِ و الخَشَبِ.

ص 11

قوله: إزالة العين دون الأثر.

المراد بالأثر الأجزاء اللطيفة العالقة بالمحلّ التي لا تزول إلا بالماء، و ليس هو الرطوبةُ و لا اللونُ.

قوله: و لا يُستعمل الحجرُ المستعمل.

مع نجاستِه، فلو طهر أو كان طاهراً كالمكمّل للثلاثة بعد نقاء المحلّ جاز استعماله.

قوله: و لو استعمل ذلك لم يُطهِّره.

الأقوى أنّ العظمَ و الروْثَ الصلب و المعطومِ يُطَهِّرُ و إن أثِمَ الفاعل.

سنن الخلوة

قوله: فالمندوبات: تغطيةُ الرأس.

إن كان مكشوفاً، و يستحبّ التقنّع فوق العمّامة أيضاً.

قوله: و المكروهات: الجلوس في الشوارع و المشارع.

الشوارع: هي الطرق، و المشارع: موارد المياه كشطوط الأنهار و رؤوس الابار.

قوله: و تحت الأشجار المثمرةِ.

أي التي من شأنها أن تُثمر و إن لم تكن مثمرةً بالفعل، و الكراهةُ مشروطةٌ بعدم استلزامه التصرّف في مال الغير بأن يكون المحلّ له، و لم يستلزم أذى الثمرة و لا الشجرة لو كانت لغيره، و إلا حرم.

قوله: و مواضع اللعن.

هي كلّ موضعٍ يُلعن فاعل الحدث فيه، و روى أنّها أبوابُ الدور.

قوله: و استقبال الشمس و القمر بفَرجِه.

فلو جعل بينهما حائلًا و لو ثوباً زالت الكراهيّة و إن استقبل الجهة، بخلاف استقبال القبلة و استدبارها فإنّ المعتبر فيهما الجهة.

30

قوله: و باليسار و فيها خاتم عليه اسم الله سبحانه.

أو اسم نبيّ، أو إمامٍ مقصودٍ بالكتابة، هذا إذا لم تُصبه نجاسةٌ، و إلا حَرُم.

قوله: و الكلام إلا بذكر الله. أو حاجة يضرُ فوتها.

بشرط أن لا يمكن تحصيلها بدون الكلام، فلو اندفعت الحاجةُ بالإشارةِ و نحوِها لم تزل الكراهيةُ. و يستثنى أيضاً ردّ السلام و إن كره السلام على المتخلّي. و حمدُ الله عند العطاس، و حكايةُ الأذان غير الحيعلات من جملة الذكر.

كيفيّة الوضوء

ص 12

قوله: و هل تجب نيّة رفع الحدث، أو استباحة شيء ممّا تشترط فيه الطهارة؟ الأظهر أنّه لا تجبُ.

الأحوطُ نيّة أحد الأمرين مع ما ذكر.

قوله: و لا تُعتبر النيّة في طهارة الثياب، و لا غير ذلك ممّا يقصد به رفع الخبث.

بمعنى زَوال النجاسةِ بدونها، لكن يتوقّف عليها حصولُ الثواب، كما يتوقّف عليها ثوابُ كلّ عملٍ.

قوله: و لو ضمّ إلى نيّة التقرّب إرادة التبرّد، أو غير ذلك كانت طهارتُه مجزيةً.

الأقوى البطلان، و مثلُه إرادة التنظيف و التسخّن بالماء الحارّ و نحوه.

قوله: و وقتُ النيّةِ عند غَسل الكفّين.

المستحبّ لأجل الوضوء، فلو كان غيره لم يُجزئ عنده.

قوله: و يجب استدامة حكمِها إلى الفراغ.

المراد ب«الاستدامة الحكميّة» أن لا ينوي نيّةً تنافي النيّة الأُولى، أو تنافي بعض مميّزاتها قبل الفراغ من الوضوء، و متى أخلّ بها بطلت النيّةُ بالنسبة إلى باقي الأفعال لا الوضوء فيستأنفها للباقي.

قوله: و قيل: إذا نوى غسل الجنابة أجزأ عن غيره، و لو نوى غيره لم يُجز عنه.

الأقوى تداخلُ أسباب الغسل مطلقاً، و إجزاء غسلٍ واحد عنها. ثمّ إن كان أحدُ الأسباب الجنابةَ لم يجب مع الغسل وضوءٌ، و إلا وجب الوضوء، و لو جامعها

31

سبب يُستحبّ له الغسل دخل ايضاً.

غسل الوجه

ص 13

قوله: الفرض الثاني: غسل الوجه، و هو ما بين منابت الشعر. و ما خرج عن ذلك فليس من حدّ الوجه.

بالأصالةِ، لكن يجب غَسلُ جزءٍ من كلّ حدودِ الوجه؛ لتوقّف الواجب عليه.

قوله: و لا عبرة بالأنزع و لا بالأغمّ، و لا بِمن تجاوزتْ أصابعُه العِذارَ.

العِذارُ: هو ما حاذى الأُذن يتّصل أعلاه بالصدغِ، و أسفله بالعارض (1).

و العارض: هو الشعر المنحطّ عن القدر المحاذي للأُذن نابتاً على اللحية (2)، و تحته الذَّقَن بالفتح: و هو مجمع اللحيين (3)، بالفتح أيضاً. و لا خلافَ في وجوب غَسل العارِض، و الأقوى وجوبُ غَسل العِذار.

قوله: بل يرجع كلّ منهم إلى مستوي الخلقة فَيَغْسِلُ ما يَغْسِلُه.

بمعنى أنّ كلا من الأنزع و الأغمّ، و مَن كَبُر وَجْهُه و صَغُر، و طالت أصابعُه و قصرت، يغسل من وجهه ما لو قدّر أنّه مستوي الخلقة لَغَسله، فلا يتجاوز طويلُ الأصابع العِذارَ، و لا يغسل الأنزعُ ما ينبت عليه شَعرُ مستوي الخلقة من رأسه، و يغسل الأغمّ مِن منابت شَعره ما لا ينبت عليه شعرُ مستوي الخلقة، و يغسل كبير الوجه و قصير الأصابع من عَرض وجهه إلى منتهى العذارين و العارضين و إن لم تبلغهما أصابِعُه.

قوله: و يجب أن يغسل من أعلى الوجه إلى الذقن، و لو غسل منكوساً لم يُجزئه على الأظهر.

قويّ.

قوله: و لا يجب غَسلُ ما استرسل من اللحيةِ و لا تخليلُها، بل يغسل الظاهر.

____________

(1) لسان العرب 4: 550، «عذر».

(2) الصحاح 3: 1087، «عرض».

(3) الصحاح 5: 2119، «ذقن».

32

أي لا يجب غَسلُ الشعر المسترسل منها، و لا إدخال الماء خِلال الشعر ليصل إلى البَشَرةِ، سواءٌ في ذلك اللحية الخفيفة و الكثيفة، بل يغسل صاحبُ الخفيفة ما يظهر من بَشَرَتِه التي يجب غَسلُها قبلَ ظهور الشعر دون المستورِ منها بالشعر، لكن يجب إدخال جزءٍ من المستور من باب المقدّمةِ.

غسل اليدين

قوله: فإن قُطِعتْ مِن المرفق سقط فرضُ غَسْلِها.

هذا إذا قُطِعَ مجموعُ المِرفَق بأن قُطِعت اليدُ من رأس العَضُد لا من المِفصل، فلو قُطعتْ من المِفْصَل وجب غَسل رأس العَضُد؛ لأنّه بعض المرفق فإنّ المرادَ به كلّ واحدٍ من رأس العَظْمين المتداخلين، أعني رأسَ الذراع و العضد بناءً على وجوبِ غَسل المِرفق أصالةً، و لو أوجبناه مقدّمة فقطعت من المِفْصَل سقط غَسل الباقي.

قوله: و لو كان له ذراعان دون المرفق، أو أصابع زائدة، أو لحم نابت، وجب غسل الجميع.

الضابطُ أنّ كلّ ما تحت المِرفق أو فيه يجب غَسلُه، سواء تميّزَ الزائدُ من الأصلي أم لا. و ما كان فوقَه لا يجب إلا اليد، فإنّها تُغسل مطلقاً مع عدم تميّزها عن الأصليّة، و معه تُغسل الأصليّةُ لا غير على الأقوى.

مسح الرأس

قوله: و لو جَفّ ما على يده أخذ من لحيته و أشفار عينيه.

لا يُشترط في الأخذ من بَلَلِ هذه و لا غيرِها من محالّ الوضوء الواجبةِ و المستحبّةِ جَفافُ ما على اليد الماسحة، بل يجوز الأخذُ من ذلك مطلقاً.

ص 14

قوله: و الأفضل مسح الرأس مقبلًا، و يُكره مُدبِراً على الأشبه.

قويّ.

قوله: و لو غَسَلَ موضعَ المسح لم يُجزئ.

يتحقّقُ غَسله بجريان الماء على مَوضِع المسحِ و إن كان من بَلَل الوضوء على الأقوى.

33

قوله: و يجوز المسحُ على الشعر المختصّ بالمقدّم.

بشرطِ أن لا يخرج بمدّه عن حدّ المقدّم، و إلا لم يجز على الجزء الخارج بالمدّ عنه، و يجوز على أصله الذي لا يخرج.

مسح الرجلين

قوله: و ليس بين الرِّجْلَين ترتيبٌ.

بل الأقوى وجوبُ تقديم اليمنى، فلا يجزئ العكسُ و لا المعيّة.

قوله: و لو قطع من الكعبِ سقط المسحُ على القَدَمِ.

هذا إذا قطع مجموع الكعب، و إلا وجب مسح الباقي.

قوله: و يجب المسحُ على بشرة القَدَم.

دون الشعرِ و إن اختصّ به، بخلاف الرأس.

قوله: و لا يجوز على حائلٍ من خُفّ و غيره إلا للتقيّة أو الضرورة.

فيجوز المسحُ على الخُفّ للتقيّة لا على غيره، و يُشترط في جواز المسح عليه أن لا تتأدّى بغسل الرِّجلين مع إمرارِ اليد على ظاهر هما في محلّ المسح، و إلا قُدّم على مسح الخفّين.

قوله: و إذا زال السببُ أعاد الطهارةَ على قولٍ، و قيل: لا تجب إلا لحدثٍ.

الأقوى عدم الوجوب.

مسائل

قوله: الموالاة واجبة، و هي. و قيل: بل هي المتابعةُ بين الأعضاء مع الاختيار.

بل الأقوى أنّها مراعاةُ الجَفاف لجميعِ ما تقدّم مطلقاً، و المعتبرُ منه الحسّي لا التقديريّ مطلقاً.

ص 15

قوله: و ليس في المسح تكرارٌ.

أي ليس فيه تكرارٌ مشروعٌ بحيث يكون جزءاً من العبادة، فلو فعله غيرَ معتقدٍ مشروعيّتَه كان عابثاً، و مع الاعتقاد يحرم و لا يُبْطِل الوضوءَ.

34

قوله: يجزئ في الغسل ما يسمّى به غاسلًا و إن كان مثلَ الدهن.

أقلّ ما يحصل به مسمّاه أن ينتقل كلّ جزءٍ من الماء عن محلّه إلى غيره من العضو، أو إلى خارجٍ و لو بمعاون، و تشبيهه بالدهن مبالغةٌ في الاجتزاء بقليلِ الجريان على وجهِ المَجاز، لا أنّه يجزئ نفس الدهن بدونه.

قوله: مَن كان على بَعضِ أعضاءِ طهارته جبائرُ، فإن أمكنه نزعُها أو تكرار الماء عليها حتّى يصل إلى البشرة وجب.

إنّما يتخيّر بين الأمرين لو كانت في محلّ الغَسل، و إلا لم يكفِ إيصال الماء إلى ما تحتها.

و الحاصلُ أنّها إن كانت في محلّ الغَسل، و أمكن إيصال الماء إلى ما تحتها على وجه الغَسل، و كان ما تحتها طاهراً وجب غَسل ما تحتها، و إن كان نجساً اشترط قبل ذلك تطهيره.

و إن لم يمكن غسل ما تحتها مسحَ على ظاهرها إن كان طاهراً، و إلا وضعَ عليها شيئاً طاهراً و مسحَ عليه.

و إن كانت في محلّ المسح وجبَ نزعُها مع الإمكان مطلقاً، و مع تعذّره يمسح عليها كما مرّ. و يجب في المَسْحَين ما كان يجب قبل الجبيرة، من استيعاب المحلّ، و الاكتفاء ببعضه. و لا يجب مع المسح إجراء الماء عليها و إن أمكن.

و لو لم يكن على الكسر أو الجرح لَصوقٌ، فإن أمكن غَسْلُه أو مَسْحُه في موضعِ المسح وجبَ، و إلا غسل ما حوله، و الأولى مسحُه إن أمكن، أو وضعُ شيء عليه و المسح فوقه.

قوله: و إذا زال العذرُ استأنف الطهارةَ على تردّدٍ.

الأقوى عدم الاستئناف.

قوله: و لا يجوز أن يتولّى وضوءَه غيرُه مع الاختيار، و يجوز عند الاضطرار.

بل يجب و لو بأجرةٍ، و يتولّى المكلّفُ النيّةَ، و الأفضل أن ينويا معاً، و ينوي كلّ ما يطابق فعلَه، و لو أمكن تقديمُ ما يغمس فيه المعذورُ العضوَ قُدّم على التولية.

قوله: مَن به السلَسُ، قيل: يتوضّأ لكلّ صلاةٍ.

35

قويّ.

قوله: و قيل: مَن به البَطنُ إذا تجدّد حدثُه في أثناء الصلاة يتطهّر و يبني.

قويّ، و لو كانت لهما (1) فترةٌ تسع الطهارةَ و الصلاةَ وجب تحرّيها.

سنن الوضوء

قوله: هي وضع الإناء على اليمين و الاغتراف بها.

إن كان الإناء يُغترف منه، و إلا وُضع على اليسار للصبّ منه في اليمين للغَسل بها، أو للإدارة إلى اليسار.

ص 16

قوله: و غَسل اليدين.

من الزنْدَين.

قوله: و أن يكون الوضوءُ بمدّ.

و ماء الاستنجاء من المخرجين منه.

قوله: و يُكره أن يستعينَ في طهارته.

تتحقّق الاستعانةُ بصبّ المعين الماءَ في اليد ليغسل به المتوضّئ، لا بصبّه على العضو؛ لأنّه توليةٌ. و لا فرق في الكراهية بين طلبها، و قبولِها لو عُرضتْ عليه.

قوله: و أن يمسحَ بللَ الوضوءِ عن أعضائه.

سواء كان مسحه بمنديلٍ أم غيرهِ و إن كان الأوّلُ أشدّ كراهةً، و يُلحق به تجفيفه بغير المسح.

أحكام الوضوء

قوله: من تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة، أو تَيقّنَهما و شكّ في المتأخّر.

هذا مع جَهله بحاله قبلهما، أو علمه على وجهٍ لا يستفيد من الاتّحاد و التعاقب كونه متطهّراً.

____________

(1) أي المسلوس المبطون.

36

قوله: و إن شكّ في شيء من أفعال الطهارة و هو على حاله أتى بما شكّ فيه، ثمّ بما بعده.

أي حال الوضوء بحيث لم يفرغ منه و إن كان قد تجاوز العضوَ المشكوكَ فيه.

قوله: و لو تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث أو في شيءٍ من أفعال الوضوء بعدَ انصرافه لم يُعد.

أي انصرافه عن فعل الوضوء و إن لم ينصرف عن محلّه.

قوله: من ترك غسل موضع النجو أو البول و صلّى، أعاد الصلاة، عامداً كان، أو جاهلًا.

أي جاهلًا بالحكم، أمّا جاهلُ الأصل فيعيدُ في الوقت خاصّةً على الأقوى.

قوله: و لو جدّد وضوءَه بنيّة الندب، ثمّ صلّى و ذكر أنّه أخلّ بعضو من إحدى الطهارتين فإن اقتصرنا على نيّة القربة فالطهارة و الصلاة صحيحتان.

احترز ب«نيّة الندب» عمّا لو جدّده بنذرٍ و شبهِه، فإنّه يرفع حينئذٍ. و الأقوى أنّ المجدّد يرفع مطلقاً، فتصحّ الصلاةُ على التقديرين.

قوله: و إن أوجبنا نيّةَ الاستباحة أعادهما.

لاحتمال كون الإخلال من الطهارة الأُولى، فلا يرفع الثانيةَ. و كذا لو اشترطنا نيّةَ الوجوب لا غير، كما اختاره المصنّف سابقاً.

ص 17

قوله: و لو أحدثَ عقيبَ طهارةٍ منهما، و لم يعلمها بعينها، أعاد الصلاتين إن اختلفتا عدداً، و إلا فصلاةً واحدةً

هذا تفريعٌ على الاكتفاء بنيّة القربة، و على القولين الأخيرين يعيد الصلاتين، كما في الإخلال. و الفرقُ بين الإخلال و الحدثِ: أنّ الإخلال إنّما يُبطل الطهارةَ التي وقع الإخلالُ فيها فتسلم الأُخرى، بخلاف الحدث فإنّه يُبطِلُ ما قبلَه من الطهارات مطلقاً، فلو وقع بعدَ الثانية أبطلهما معاً.

قوله: و كذا لو صلّى بطهارة ثمّ أحدث و جدّد طهارةً ثمّ صلّى أُخرى و ذكر أنّه أخلّ بواجب من إحدي الطهارتين.

المرادُ بالتجديد هنا معناه اللغوي و هو فعلُ الطهارة ثانياً لا الشرعي؛ إذ الفَرْضُ

37

تخلّل الحدثِ. و الحكمُ بإعادة الصلاتين هنا مع الاختلاف و الاكتفاء بواحدةٍ مع الاتّفاق جارٍ على جميع الأقوال؛ لأنّ الطهارتين مُبيحتان.

قوله: و لو صلّى الخمس [بخمس طهارات] و تيقّن أنّه أحدث عقيب إحدى الطهارات، أعاد ثلاث فرائض.

رباعيّةً مطلقةً إطلاقاً ثلاثيّاً، و صبحاً و مغرباً معيّنَين، و يتخيّر في تقديم أيّهما شاء، و في الرباعيّةِ بين الجهر و الإخفات.

قوله: و قيل: يعيد خمساً؛ و الأوّل أشبه.

قويّ.

الغسل

في الجنابة

ص 18

قوله: إذا علم أنّ الخارج منيّ فإن حصل ما يشتبه [به] و كان دافقاً تقارنه الشهوة و فتور الجسد، وَجَبَ الغسل.

المراد بالدفق: خروجُه بدفعٍ و انصبابٍ، و بفتور الجسد: انكسار الشهوةِ بعد خروجه. و لا يُعتبر في الحكم بكونه منيّاً اجتماع الأوصاف، بل يكفي أحدُها، لكنّها متلازمةٌ غالباً.

قوله: و إن وجد على جسده أو ثوبه منيّاً وجب الغُسل إذا لم يَشْرَكه في الثوب غيرُه.

يتحقّق الاشتراك فيه بأن يلبساه دفعةً، أو يناما عليه لا بالتناوب، بل يحكم به لذي النوبة، إلا أن يُعلم انتفاؤه عنه فينتفي عنهما. و متى حُكم بكون المني منه لحقه حكمُ الجنابةِ من آخر نومةٍ أو جنابةٍ ظاهرةٍ يمكن كونه منها، و الأحوطُ قضاءُ كلّ صلاةِ لا يعلم سبقها.

قوله: و إن جامع في الدُّبر و لم يُنْزِل وجب الغسلُ على الأصح.

قويّ.

قوله: و لو وطئ غلاماً فأوقبه و لم يُنزل، قال المرتضى (رحمه الله): يجب الغسلُ؛ معوّلًا على الإجماع المركّب، و لم يثبت الإجماع.

38

يتحقّق الإيقابُ هنا بإدخال الحشفة.

و المراد بالإجماع المركّب: ما تَركّب من قولين بحيث يلزم من مخالفتِهما مخالفةُ الإجماع، بأن ينحصر القولُ فيهما.

و معناه هنا أنّ كلّ مَن قال بوجوب الغُسل بالوطء في دبر المرأة قال به في دُبر الغلام، و من نفاه نفاه فيه، فالقولُ بوجوبه في دبر المرأة دون الغلام إحداثُ قولٍ ثالثٍ مخالفٍ للإجماع المركّب من القولين.

و ردّه المصنّف بأنّه لم يثبت انحصار الأقوال فيما ذكر، مستمسكاً بالأصل، و الأقوى ما اختاره المرتضى (1).

قوله: و لا يجب الغُسل بوطءِ بَهيمةٍ إذا لم يُنزل.

بل الأقوى الوجوبُ مطلقاً.

ص 19

قوله: الغسل يجب على الكافر عند حصول سببه، و لكن لا يصحّ منه في حال كفره، فإذا أسلم وجب و صحّ منه.

قيل: «وجب» مستدرك؛ لسبقِ ذكره في قوله: «يجب على الكافر». «و أُجيب بأنّ الفائدةَ دفع توهّمِ سقوطه بالإسلام، كما يسقط قضاء الصلاة و نحوها، لأنّ «الإسلامَ يَجبّ ما قبلَه» (2).

و إنّما لم يسقط؛ لأنّ الحدثَ من باب خطاب الوضع، فلا يسقط أثرُه و إن تخلّف؛ لوجود مانعٍ. فإذا أسلم و دخل وقتُ عبادةٍ مشروطةٍ بالغُسل، وجب الغسلُ بالسبب السابِق و إن حكم بسقوط وجوبه عند الإسلام لغير هذه العبادة.

حكم الجنابة

قوله: فيحرم عليه. أو شيءٍ عليه اسمُ الله.

أو اسمُ نبيّ، أو إمامٍ مقصودٍ بالكتابةِ، على الأشهر.

____________

(1) قال الماتن في المعتبر 1: 181 بعد نقل كلام المرتضى: «لم أتحقّق إلى الآن ما ادّعاه، فالأول التمسّك فيه بالأصل».

(2) مسند أحمد بن حنبل 5: 223/ 17323، و 231/ 17357.

39

قوله: و الجلوس في المساجد.

بل اللبث فيها و إن لم يجلس، دون الجواز فإنّه مكروهٌ لا غير.

قوله: و وضعُ شيءٍ فيها.

و إن كان من خارجِ المسجد، أو لم يستلزم اللبثَ.

واجبات غسل الجنابة

قوله: أمّا الغسل فواجباته خمسة. و تخليلُ ما لا يصلُ إليه الماءُ إلا به.

أي ما لا يصلُ الماء إلى البدن الذي تحت ما يجب تخليلُه كالخاتم إلا بالتخليل.

قوله: و الترتيب.

الواجبُ في الغسل الترتيب بين الأعضاء لا فيها، فيجوز غسل الأسفل منها قبل الأعلى.

و الرأس و الرقبةُ عضو واحدٌ، و يجب إدخالُ جزءٍ من غير المغسولِ فيه من باب المقدّمة مع عدم المَفْصِل المحسوس.

قوله: و يسقط الترتيبُ بارتماسةٍ واحدةٍ.

المراد بالارتماس دخولُه تحت الماء دفعةً واحدة عرفيّةً بحيث يشمل الماءُ البشرةَ في زمانٍ قليلٍ، و في حكمه الوقوفُ تحت المَجرى و المطر الغزِيرين، و النيّةُ فيه مقارنة لجزءٍ من البدن مع إتباعه الباقي بغير مُهلةٍ.

ص 20

قوله: إذا رأى المُغتسل بللًا بعدَ الغُسل، فإن كان بال أو استبرأ لم يُعِد، و إلا كان عليه الإعادةُ.

المرادُ بالبَلَل: المشتبه، فلو عَلِمَه نوعاً لحقه حكمُه. و إنّما لا يعيدُ مع الاستبراء خاصّةً إذا لم يمكنه البولُ، و إلا فلا حكم له.

و معنى عدم الإعادةِ مع البول عدم إعادة الغُسل، و هو موضع البحث، لكن يجب عليه الوضوء إن لم يكن استبرأ بعدَه، و حينئذٍ فالصور خمسٌ:

الأُولى: بال و استبرأ بعده، فلا إعادة مطلقاً.

الثانية: عكسه، فيعيد الغسل.

40

الثالثة: استبرأ و لم يبل مع إمكانه، فيعيد الغسل.

الرابعة: كذلك لا مع إمكانه، فلا إعادة.

الخامسة: بال و لم يستبرئ، فيعيد الوضوء.

قوله: الثانية: إذا غسل بعض أعضائه ثمّ أحدث،. و قيل يتمّه و يتوضّأ للصلاة، و هو أشبه.

قويّ.

في الحيض

قوله: فالحيض: هو الدم الذي له تعلّقٌ بانقضاء العدّة، و لقليله حدٌ.

«الدم» بمنزلةِ الجنس يشمل الدماءَ الثلاثةِ.

و «تعلّقه بانقضاء العدّة» يُخرج الاستحاضةَ كما يُخرج غيرَها من الدماء غير النفاس، فإنّه قد يتعلّق بانقضاء العدّةِ على بعض الوجوه، كالحامل من زنى في العدّة فإنّها تحتسبُ النفاس حيضة.

و يخرج النفاس بقوله: «و لقليله حدّ»؛ إذ لأحدّ لأقلّه.

قوله: يَخْرج بحُرقَةٍ.

هي بضمّ الحاء، و المراد بها اللَّذعُ الحاصل للمحلّ بسبب دَفعه و حرارَته.

ص 21

قوله: و قد يُشتبه بدم العُذْرَةِ.

هي بضمّ العين المهملة و سكون المعجمة: البَكارة بفتح الباء. و تُعرف بالتطوّق و عدمه بأن تضع قُطنةً بعد أن تستلقي على قفاها و ترفع رجليها، ثمّ تصبر هنيئةً ثمّ تُخرجها إخراجاً رفيقاً و تعتبرها.

قوله: و كلّ ما تراه الصبيّةُ قبلَ بلوغِها تسعاً فليس بحيض.

أي إكمالها التسع، هذا إذا عُلِم سنّها، فإن اشتبه حُكِمَ لها بالحيض مع اجتماع أوصافه في وقت إمكانه.

قوله: و كذا قيل فيما يَخرج من الجانب الأيمن.

الأقوى أنّ الجانبَ لا عبرة به في تحقّق الحيض و عدمه.

41

قوله: أقلّ الحيض ثلاثة أيّام. و هل يُشترط التوالي في الثلاثةِ، أو يكفي كونُها في جملةِ عشرةٍ؟ الأظهر الأوّل.

قويّ.

قوله: و تيأس المرأةُ ببلوغ ستّين، و قيل: في غير القرشيّةِ و النبطيّة ببلوغِ خمسين سنةً.

الأقوى أنّه ببلوغ خمسين في غير القرشيّة، و فيها ببلوغ ستّين.

و المرادُ بالقرشيّة: مَن انتسبت بأبيها إلى النضر بن كِنانَة، و منها بنو هاشم.

و أمّا غيرُهم، فإن عُلم انتسابُهم إليه أو عدمه لحقه حكمه، و إلا تعارض أصلا عدم الانتساب و عدم اليأس، و بقي الحكم السابقُ و هو وجوب العبادة عند دخول وقتها مستصحباً إلى أن يُعلم المزيل.

و المراد بالنَّبطيّة: المنسوبة إلى النَّبط، و هم على ما ذكره أهل اللغة (1) قومٌ يسكنون البطائح بين الفراتين.

قوله: ممّا يمكن أن يكون حيضاً فهو حيضٌ.

الإمكان إمّا بالنسبة إلى المرأة كالبلوغ و نقص السنّ عن اليأس، أو المدّة بأن لا ينقص عن ثلاثةٍ و لا يزيد عن عشرةٍ، أو الاستمرار بأن يتوالى ثلاثة، أو الحال كاللون القويّ مع الضعيف حيث ترجع إلى التمييز. و بالجملةِ فالمرجِعُ إلى اجتماع شرائطه و ارتفاع موانعه.

قوله: و تصير المرأةُ ذات عادةٍ بأن ترى الدمَ دفعةً ثمّ ينقطع أقلّ الطهر فصاعداً.

ما ذكره تحصيل العادة العدديّة خاصّةً إن لم يتّفق العددُ الثاني في وقت الأوّل، و إلا كانت وقتيّةً و عدديّةً. و لو تكرّر الوقتُ من دون العدد، كما لو رأت في أوّل الشهرِ سَبعةً ثُمّ في أوّل الثاني ثمانيةً، تحققت العادةُ الوقتيّةُ خاصّةً.

و الفرق بين الثلاثة: أنّ الأوّلَين ترجع فيهما مع تجاوز العشرة إلى ما تكرّر من العدد دون الأخيرة، و في الأخيرة تتحيّض برؤية الدم في وقته بخلاف الأُولى، فإنّها بالنسبة إلى وقته بمنزلة المضطربة. أمّا الوسطى فإنّها تحصل فائدتي العادة، و هما

____________

(1) الصحاح 3: 1162؛ لقاموس المحيط 2: 402، «نبط».

42

التحيّض برؤية الدم، و الرجوع مع تجاوز العشرة إلى العدد.

مسائل خمس

قوله: الأُولى: ذات العادة تترك الصلاة و الصوم برؤية الدم إجماعاً.

هذا في المعتادة بالوقت و العدد، أو بالوقت خاصّةً، أمّا العدديّة خاصّةً فكالمبتدئة في الاحتياط.

قوله: و في المبتدئة تردّد، الأظهر أنّها تحتاط للعبادة حتّى تمضي لها ثلاثةُ أيّامٍ.

الأقوى أنّ ذلك على وجه الاستحباب، و لها التحيّض برؤيته إذا ظنّته حيضاً.

قوله: و الثاني يمكن أن يكون حيضاً مستأنفاً.

فيُحكم بكونه حَيضاً؛ لِما تقدّم من أنّ كلّ دمٍ يمكن أن يكون حَيضاً فهو حَيضٌ.

ص 22

قوله: و ذات العادةِ تغتسل بعدَ عادتها بيومٍ أو يومين.

و لها الصبر إلى تمامِ العشرةِ مع الاستمرار.

قوله: الخامسة: إذا دخل وقت الصلاة فحاضت و قد مضى مقدارُ الطهارة و الصلاة.

هذا مبنيّ على الأغلب من وجود الشرائط غير الطهارة، فلو فرض فقدها أو بعضها اعتبر مضيّ زمانٍ يسع تحصيله كالطهارة.

قوله: لا يجوز لها الجلوس في المسجد و يكره الجوازُ فيه.

غير المسجدين، أمّا هما فيحرم كاللبثِ في غيرهما.

قوله: و تسجد لو تلت السجدة، و كذا إن استمعتْ على الأظهر.

قويّ، و كذا لو سَمِعتْ.

ص 23

قوله: فإن وطئ عامداً عالماً وجب عليه الكفّارة و قيل: لا تجب، و الأوّل أحوط.

حسن.

قوله: و الكفارة في أوّله دينار، و في وسطه نصف، و في أخره ربع.

المراد بأوّله و وسطه و اخره أثلاثه الثلاثة، فاليومان الأوّلان أوّلٌ لذات الستّة، و الثالثُ و الرابعُ وسطٌ، و الأخيران آخِرٌ، و على هذا القياس.

قوله: و لو تكرّر منه الوطء في وقت لا تختلف فيه الكفارة لم تتكرّر، و قيل: بل تتكرّر.

43

الأقوى تكرّرها بتكرّر الوطء مطلقاً.

قوله: لا يصحّ طلاقها إذا كانت مدخولًا بها و زوجها حاضرٌ معها.

أو في حكم الحاضر، و هو الغائبُ دون المدّة المعتبرة في صحّة الطلاق، كما أنّ الحاضر الذي لا يمكنه العلمُ بحالها لحبسٍ و نحوه في حكم الغائب.

في الاستحاضة

ص 24

قوله: كلّ دم تراه المرأة أقلّ من ثلاثة [أيّام]، و لم يكن دم قرح و لا جرح، فهو استحاضة. و كذا كلّ ما. أو يكون مع الحمل، على الأظهر.

الأقوى جوازُ مجامعة الحيض للحمل مطلقاً لكن يشترط في ما تراه في أخره أن يكون بينه و بين النفاس أقلّ الطهر كالحيض.

قوله: فإن كان لونه لوناً واحداً، أو لم يحصل فيه شريطتا التمييز.

هما: عدم نقصان المشابه عن ثلاثةٍ، و عدم زيادته على عشرةٍ. و يُشترط أيضاً كون الضعيف لا ينقص عن أقلّ الطهر، و يضاف إليه أيّام النقاء إن اتّفق. و إنّما لم يجعل اختلافَ الدم و مجاوزةَ الدم العشرةَ من شرائط التمييز مع أنّهما معتبران فيه؛ لأنّ ماهيّة التمييز لا تتمّ بدون الأوّل، فكأنّه لذلك بمنزلة ماهيّته فلم يجعله شرطاً. و الثاني هو الفرض؛ لأنّ وجه الرجوع إلى التمييز مجاوزة العشرةِ.

قوله: رجعتْ إلى عادة نسائها.

المراد بهنّ أقاربها من الطرفين أو أحدِ هما، و تتخيّر في وضع عادتهنّ حيث شاءت من أيّام الدم.

قوله: و قيل: أو عادة ذوات أسنانها.

المراد مع فقد الأقارب، أو اختلافهنّ على مذهبه. و المراد بأسنانها: المساويات لها في السنّ عرفاً، و يعتبر كونهنّ من بلدها، و الأقوى أنّه مع اختلافهنّ ترجع إلى الأكثر، و كذا الحكم في نسائها.

قوله: تحيّضت في كلّ شهر سبعة أيّام، أو عشرةً من شهر و ثلاثة من آخر، مخيّرةً فيهما.

44

و تتخيّر في وضعها حيث شاءت من أيّام الدم، و متى أخذَتْ روايةً استمرّتْ عليها.

قوله: و قيل: عشرة، و قيل: ثلاثة، و الأوّل أظهر.

قويّ.

قوله: ذات العادة تجعل أوقاتها حيضاً و ما سواه استحاضة، فإن اجتمع لها في العادة تمييز، قيل: تعمل على العادة.

المرادُ اجتماعهما على وجهٍ لا يمكن الجمعُ بينهما، فلو أمكن بأن تخلّل بينهما أقلّ الطهر حكم بهما حَيضاً، و الأقوى ترجيحُ العادة مع التعارض مطلقاً.

ص 25

قوله: و المضطربة العادة ترجع إلى التمييز فتعمل عليه، و لا تترُك هذه العبادة إلا بعد مضي ثلاثة أيّام على الأظهر.

الأقوى أنّ ذلك على وجه الاستحباب، و أنّها لو ظنّته حيضاً تحيّضت قبلها.

و يستثنى منها ذاكرةُ أوّل الوقت خاصّةً، فإنّها تتحيّض برؤيته إجماعاً كالمعتادة.

ص 26

قوله: لو ذكرت العدد و نسيت الوقت، قيل: تعمل في الزمان كلّه ما تعمله المستحاضةُ.

الأقوى جواز اقتصارها على العدد، و تخصيصه بما شاءت من أيّام الدم، و جعل الباقي استحاضةً.

قوله: و تغتسل للحيض في كلّ وقتٍ يُحتمل انقطاع الدم فيه.

و هو لكلّ صلاةٍ و عبادةٍ مشروطةٍ بالغُسل، هذا إذا لم تعلم زمانَ الدور كما لو علمت أنّه سبعةٌ، و لا تعلم في كَم أضلّتها. فلو علمتْه، كما لو علمتْ أنّها في كلّ شهرٍ مرّةً، فالسبعةُ الأُولى منه لا يحتمل الانقطاع.

قوله: و تقضي صومَ عادتها.

و هو العدد الذي حفظتْه إن علمتْ عدمَ الكسر، و إلا لزمها زيادة يوم عن العدد.

قوله: فإن ذَكرتْ أوّل حيضها أكملتْه ثلاثة [أيّام].

ذاكرة الوقت دون العدد لا يخلو إمّا أن تذكر أوّله خاصّةً، أو أخره خاصّةً، أو وسطه بمعنى المحفوف بمتساويين، أو وسطه بمعنى أثنائه مطلقاً، أو تذكر وقتاً في الجملة فهنا صورٌ

45

الأُولى: أن تذكر أوّله خاصّةً، فتجعل بعدَه يومين اخرَين حيضاً تمام الثلاثة، و تبقى السبعةُ بعده محتملةً للحيض و الاستحاضة و الانقطاع، فعلى الاحتياط تجمع فيها بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة و المنقطعة، فتغتسل على الثالث لكلّ عبادةٍ مشروطةٍ بالغسل إلى تمام العشرة، و باقي الشهر طهر. الثانية: أن تذكر آخرَه، فتجعل قبلَه يومين حيضاً ليكون نهاية الثلاثة المتيقّنة، و السبعةُ قبلَها تحتمل الحيضُ و الطهر دون الانقطاع، فتجمع فيها بين تكليفي الحائض و المستحاضة، و لا غسل للحيض إلا على الأخر.

الثالثة: أن تعلم وسطَه، بمعنى المحفوف بمتساويين. فإن علمتْه يوماً حفّته بيومين قبله و بعده و جعلتْها حيضاً متيقّناً، و قبلها ثلاثة تجمع فيها بين تكليفي الحائض و المستحاضة، و بعدها ثلاثة كذلك مع زيادة أعمال المنقطعة، و انتفاء العاشر هنا معلوم. و لو علمتْه يومين، حفّتهما بيومين، و جعلت الأربعةَ حيضاً و حفّتها بثلاثة قبلها و ثلاثة بعدها كما مرّ. و لو علمتْه ثلاثة، تيقّنت خمسة و حفّتْها بأربعة، يومين قبلها و يومين بعدها. و لو علمتْه أربعة، تيقّنت ستّةً و حفّتها بأربعة أيضاً، و هكذا.

الرابعة: أن تذكر الوسط، بمعنى الأثناء، فتجعل ما علمتْه و قبله يوماً و بعده يوماً حيضاً متيقّناً، و الاحتمال في تمام العشرة قبله و تمامها بعده، فلو كان ما علمتْه يوماً فالمتيقّن ثلاثة، و قبلها سبعة تحتمل الحيض و الطهر، و بعدها سبعةٌ تحتمل الثلاثة. و لو كان المتيقّن يومين فالحيض أربعةٌ، و قبلها ستّةٌ تحتمل الأمرين، و بعدها ستّة تحتمل الثلاثة، و هكذا.

الخامسة: أن تذكر وقتاً في الجملة، فهو المتيقّن حيضاً خاصّةً، و قبله تمام العشرة تحتمل الأمرين، و بعده كذلك تحتمل الأُمور، كما سلف. و الأقوى أنّها تكملة ما علمتْه إحدى الروايات إن قصر عنها قبله أو بعده أو بالتفريق على حسب ما يمكن، و إن ساوى إحداها أو زاد اقتصرتْ عليه.

قوله: و تغتسل للحيض في كلّ زمان يفرض فيه الانقطاع، و تقضي صوم عشرة أيّام احتياطاً.

إن علمتْ عدمَ الكسر، و إلا قضت أحد عشر.

46

أحكام الاستحاضة

قوله: دم الاستحاضة: إمّا أن لا يثقُب الكُرسُف، أو يثقُبه و لم يَسِلْ، أو يسيل.

المراد بثقبه: غمسه له ظاهراً و باطناً، و بعدمه: أن يبقى منه شيءٌ و إن قلّ، و بالسيلان: خروجه من القُطنة إلى غيرها بنفسه عند عدم المانع.

قوله: و في الثاني يلزمها مع ذلك تغيير الخرقة و الغُسل لصلاةِ الغَداة.

بعد الفجرِ إن لم تكن صائمةً، و إلا قدّمتْه بمقدار فعله و لو ظنّاً إن كان الغَمس سابقاً على ذلك، و لو تجدّد بعد الفجر كفاها غُسل الصلاة، و كذا تقدّمه مريدةً التهجّد ليلًا بالصلاة، و تجتزئ به.

ص 27

قوله: و إذا فعلتْ ذلك كانت بحكم الطاهر.

إنّما كانت بحكمها دون أن تكون طاهراً؛ لأنّ حدثها مستمرّ، فلا تكون طاهراً حقيقةً، بل بحكمها في استباحة ما تستبيحه مع قيامها بما ذكر.

قوله: و إن أخلّتْ بالأغسال لم يصحّ صومُها.

يُستثنى من ذلك غُسل العشاءين بالنسبة إلى اليوم الماضي، فإنّه ليس بشرطٍ في صحّته، نعم هو شرطٌ في المستقبل.

في النفاس

قوله: النفاس دمُ الولادة.

المراد به الخارج مع خروج جزءٍ ممّا يعدّ ادميّاً، أو مبدأ نشوء آدمي إلى تمام عشرة أيّامٍ.

قوله: و لو رأتْ قبل الولادة كان طُهراً.

إن لم يمكن كونه حيضاً، كما لو كان بينه و بين أخره و بين الظاهر أقلّ الطهر، و إلا كان حيضاً على الأقوى.

قوله: و أكثر النفاس عشرةُ أيّامٍ على الأظهر.

هذا هو الأقوى، و المراد أنّه لا يزيد عليها مطلقاً، لا بمعنى الحكم أنّه عشرةٌ مع وجوده

47

فيها مطلقاً، بل الكلام فيه كالحيض في أنّه مع الانقطاع عليها فما دون يكون الجميع نفاساً، و مع تجاوز العشرة ترجع ذات العادة في الحيض إليها و تجعل الباقي استحاضةً، و حكمها في الاستظهار كالحائض، أمّا المبتدئة و المضطربة فتجعل العشرةَ هنا نفاساً مع التجاوز مطلقاً.

قوله: و لو كانتْ حاملًا باثنين و تراخَت ولادةُ أحدهما، كان ابتداء نفاسها من وضع الأوّل، و عدد أيّامها من وضع الأخير.

التحقيق أنّهما يكونان نفاسين تامّين، فإن وضعت الثاني لدون عشرةٍ أمكن اتّصال نفاسين، و لو تراخت ولادة الثاني بحيث يمكن فرض استحاضةٍ بينهما حكم بها، بل يمكن فرضُ حيضٍ أيضاً، بأن يتخلّل بينه و بينهما أقلُّ الطهر متقدّماً و متأخّراً و إن كان الفرض بعيداً.

قوله: و لو [ولدت و] لم تر دماً ثمّ رأت في العاشر، كان ذلك نفاساً.

هذا مع انقطاعه على العاشر، أو كون عادتها في الحيض عشرة أو مبتدئة أو مضطربة، و إلا فلا نفاس لها.

قوله: و لو رأت عقيب الولادة، ثمّ طهرت، ثمّ رأت العاشر أو قبله كان الدمان و ما بينهما نفاساً.

هذا أيضاً مع انقطاعه على العاشر أو كون عادتها عشرة أو مبتدئة أو مضطربة، و إلا فنفاسها الأوّل لا غير، إلا أن يصادف الدم الثاني جزءاً من العادة.

قوله: و يحرم على النفساء ما يحرم على الحائض، و كذا ما يكره، و لا يصحّ طلاقها.

على الوجه المتقدّم في الحيض، فلو كان الزوج غائباً، أو في حكمه، أو غير داخلٍ بها صحّ.

في أحكام الميّت

ص 28

قوله: الاحتضار و يجب فيه توجيه الميّت إلى القبلة. و هو فرضُ كفايةٍ، و قيل: يستحبّ.

48

الوجوب أقوى.

قوله: و يستحبّ تلقينه الشهادتين و. و نقلُه إلى مصه.

و هو ما كان يصلّي فيه، أو عليه مع تعسّر خروج روحه و اشتداد نَزعه، لا مطلقاً.

قوله: و تعجيلُ تجهيزه.

قد ورد استحباب إيذان إخوانه من المسلمين بموته (1) و إن كانوا في قُرى حوله، و ينبغي مراعاة الجمع بين السنّتين، فيؤذن مَن لا ينافي حضوره التعجيل عرفاً.

في التغسيل

ص 29

قوله: و إذا كان الأولياءُ رجالًا و نساء فالرجال أولى.

فيباشرون الميّت، أو يأذنون لمن يباشره إن أمكنهم المباشرةُ كما لو كان الميّت ذكراً، و إلا توقّف الفعلُ على إذنهم مع الإمكان، فلو امتنع الوليّ أو كان غائباً سقط اعتبار إذنه.

قوله: و الزوج أولى بالمرأة من كلّ أحدٍ في أحكامها كلّها.

لا فرق بين الحرّةِ و الأمةِ، المدخول بها و غيرها، الدائم و غيرها. و المطلّقةُ رجعيّة زوجةٌ. و المشهورُ أنّ تغسيل كلّ من الزوجين صاحبه من وراء الثياب.

قوله: و يغسّل الرجلُ محارمَه من وراء الثياب.

المرادُ بالمحَرم: مَن يحرم نكاحه مؤبّداً بنسبٍ أو رضاعٍ أو مصاهرةٍ.

قوله: و كلّ مظهر للشهادتين و إن لم يكن معتقداً للحقّ يجوز تغسيله عدا الخوارج و الغُلاة.

و كذا النواصب و المجسّمة، و من أنكر ما عُلم ثبوتُه من الدّين ضرورةً.

قوله: و

الشهيد الذي قُتل بين يدي الإمام.

و كذا مَن قُتل في جهادٍ واقعٍ بأمره و إن لم يحضره، و يشترط إسلامُ الشهيد أو حكمه. و لو مات في المعركةِ من غير قتلٍ فليس بشهيدٍ، و كذا من أُصيب ثمّ قُتل

____________

(1) الكافي 3: 166/ 1 باب أنّ الميّت يؤذن به الناس؛ التهذيب 1: 452/ 1470.

49

بغيرها و إن شارك في الأجر، و كذا المقتولُ في جهادٍ سائغٍ مع عدم حضور الإمام أو نائبه.

قوله: و كذا مَن وجب عليه القتلُ يُؤمر بالاغتسال قبل قتله.

الغُسل المأمور به هو غُسل الميّت، فيجب فيه الخليطان. و يشترط في سقوطِ الغسل قتلُه بالسبب الذي اغتسل له، فلو قتل بغيره أو مات قبله غُسّل.

قوله: و لو وُجد بعضُ الميّت، فإن كان فيه الصدرُ أو الصدر وحدَه غُسّل و كُفّن و صُلّي عليه و دُفن.

[غسّل] بالخليطين، و يكفّن بثلاث لفائف، و يجب تحنيطُ ما فيه من مواضعه. و حكم القلب حكمه، و كذا عظام الميّت بأجمعها دون الرأس و أبعاضِها.

ص 30

قوله: و كذا السقطُ إذا كان له أربعةُ أشهر.

أي حكمُه حكمُ الصدر في الغسل و الكفن دون الصلاة.

قوله: و كذا السقط إذا لم تلجه الروح.

المراد به مَن قصر سنّه عن أربعة أشهرٍ.

قوله: و إذا لم يحضر الميّت مسلم و لا كافر و لا محرم من النساء دفن بغير غسل، و لا تقربه الكافرة، و كذا المرأة و روى: أنّهم يغسلون وجهها و يديها.

لا عمل عليها.

قوله: و يجب إزالةُ النجاسة عن بدنه أوّلًا.

المراد بها النجاسة العرضيّة، أمّا المستندة إلى الموت فلا تزول بدون الغسل.

قوله: ثم يغسّل بماء السدر.

المرادُ به المطروح فيه شيءٌ من السدر و إن قلّ بحيث يصدق مسمّاه، و لا يخرج الماء بمزجه عن الإطلاق، و كذا القول في الكافور.

قوله: و بماء القَراح أخيراً.

«القَراح» بالفتح: الذي لا يشوبه شيءٌ. و المراد به هنا الخالي من السدر و الكافور، و الظاهر أنّ المراد به عدم اشتراط ممازجته لشيءٍ، لا خلوصه منهما و من كلّ شيء ما دام اسم الماء عليه باقياً.

50

قوله: كما يُغتسل من الجنابة.

بأن يراعى الترتيب بين الأعضاء الثلاثة، لا فيها إن لم يغمسه في الماء دفعةً واحدةً عرفيّة، و إلا سقط الترتيب كالجنابة. و تتميّز الغسلات حينئذٍ بالنيّةِ، و وضعِ الخليط حالتها و إن اجتمعتْ في الماء الواحد.

قوله: و في وضوء الميّت تردّدٌ.

الأقوى الاستحبابُ، و محلّه بعد مقدّمات الغسل قبله.

قوله: و لا يجوز الاقتصار على أقلّ من الغَسَلات المذكورة إلا عند الضرورة.

فيجب ما أمكن منها مقدّماً للأوّل فالأوّل، فيقدّم غسل السدر ثمّ الكافور مع وجود هما.

قوله: و لو عدما الكافور و السدر غسل بالماء و قيل: لا تسقط الغسلة بفوات ما يُطرح فيها.

قويّ، فيُغسّل بالقَراح ثلاثاً.

قوله: و لو خيف من تغسيله تناثر جلده، كالمحترق و المجدور يُيمّم كما يُيمّم الحيّ العاجز.

المراد به العاجز بكلّ وجهٍ حتّى وضع كفّيه على جَبهته أو أحدا هما على الأُخرى باستعانةٍ، فإنّه ييمّم حينئذٍ بيدِ المُعين. و يفترقان مع ذلك بأنّ العاجز يتولّى النيّة، إذ لا عجز عنها مع بقاء التكليف.

قوله: و سنن الغسل أن. و أن يُفتق قميصُه.

بإذن الوارث إذا كان أهلًا للإذن.

قوله: و تُستر عورتُه.

إنّما يستحبّ السترُ مع وثوق الغاسل من نفسه بعدم النظر، أو كونه غيرَ مبصرٍ، أو كونه زوجاً، أو زوجةً، أو كون الميّت طفلًا له ثلاث سنين، و إلا وجب الستر.

ص 31

قوله: و تُغسّل يداه.

أي يدا الميّت ثلاثاً إلى نصف الذراع قبل كلّ غَسلةٍ.

51

قوله: و يُغسّل كلّ عضوٍ منه ثلاث مرّاتٍ في كلّ غسلة.

الاستحباب متعلّق بمجموعِ الثلاث من حيث هو مجموع، و ذلك لا ينافي وجوبَ بعض أفراده، و هو هنا كذلك؛ فإنّ الغسلةَ الواحدةَ من كلّ ثلاثٍ واجبةٌ و الأخيرتان مستحبّتان.

قوله: و يكره أن. و أن يغسّل مخالفاً.

مع إمكان تغسيل غيره له، و إلا تعيّن عليه من غير كراهةٍ. و يغسّله كغُسل أهل الخلاف، فلا يُجزئ غيره مع إمكانه.

في التكفين

قوله: يجب أن يكفّن في ثلاثة أقطاع، مئزرٍ و قميصٍ و إزارٍ.

يُشترط في كلّ واحدٍ من الثلاثة أن لا يحكي البدن، و في جنسها التوسّط عادة بحسب حال الميّت إن لم يتبرّع الوارثُ بالزائد، و لم تنفذ وصيّة الميّت به.

و في المئزر أن يستر ما بين السرّة و الركبة، و يجوز زيادته عنها يسيراً مطلقاً، و إلى القدم من أسفل و إلى الصدر من أعلى بإذن الوارث أو وصيّة الميّت النافذة به؛ فإنّ ذلك أكمله.

و في القميص وصوله إلى نصف الساق تقريباً، أو إلى القدم.

و في الإزار شموله لجميع البدن.

قوله: و لا يجوز التكفين بالحرير.

أي المحض، فلا يضرّ الممتزج به بحيث لا يستهلكه الحريرُ، و لا فرق بين الصغير و الكبير و الذكر و الأُنثى. و كذا لا يجوز التكفين فيما لا يؤكل لحمه، و لا في الجلد مطلقاً.

قوله: و يجب أن يمسح مساجده بما تيسّر من الكافور. و أقلّ الفضل في مقدار درهمٍ.

أي في كافور الحنوط، أمّا كافور الغسل فلا تقدير للفضل فيه.

قوله: و لا يجوز تطييبه بغير الكافور و الذريرة.

52

قال المصنّف في المعتبر: إنّها الطيبُ المسحوقُ (1)، و المعروف منها الان أنّها أخلاط خاصّةٌ من الطيب، و الحمل عليه أولى.

قوله: و سنن هذا القسم أن. و أن يزاد الرجل حِبَرَة عِبريّة.

هي بكسر الحاء و فتح الباء: ثوب يمني، «و العبريّة» بكسر العين منسوبة إلى موضعٍ مخصوصٍ منه. و لو تعذّر بعضُ الأوصاف كفت الحِبَرَةُ المجرّدةُ، فإنْ لم تُوجد فلفافةٌ أُخرى.

ص 32

قوله: و خرقةٌ لفخذيه، يكون طولها ثلاثة أذرعٍ و نصفاً، و في عرض شبرٍ تقريباً، فيشدّ طرفاها على حقويه، و يلفّ بما استرسل منها فخذاه لفّاً شديداً.

المراد بشدّ طرفيها في جانب العرض من أحد الطرفين ليمكن شدّ فخذيه بالباقي، و ينبغي بعد ذلك أن يثفر ثمّ يُلفّ بالباقي وَرِكاه و ما أمكن من فخذيه.

قوله: و عِمامَةٌ.

يُعتبر في طولها ما يؤدّي هذه الهيئة، و تجوز الزيادة عن ذلك بالمتعارف مطلقاً حيث تجوز العِمامَة، و في عَرضها ما يطلق عليه اسمها، و الظاهر اغتفار المخرّقة ما دام إطلاق اسمها باقياً.

قوله: و تزاد المرأةُ على كفن الرجل.

أي كفنُه الواجبُ و الندب، غير أنّها تبدّل عن العِمامة قِناعاً كما سنذكره، فهو في قوّة الاستثناء، أو أنّ العِمامة خارجةٌ عن الكفن، كما ذكره بعضُ الأصحاب (2)، و ورد في الأخبار (3).

قوله: لِفافَةٌ لثدييها.

يُعتبر فيها عرضاً أن تستر مجموع الثديين، و طولًا أن تلفّ يديها؛ ليتحقّق الوصف.

قوله: نَمَطاً.

هو لغةً ضربٌ من البُسطِ له خملٌ رقيق (4)، و محلّه فوق الجميع.

____________

(1) المعتبر 1: 284.

(2) منهم العلّامة في قواعد الأحكام 1: 226.

(3) الكافي 3: 144، باب تحنيط الميّت و تكفينه ح 706؛ التهذيب 1: 293/ 586 و 587.

(4) النهاية في غريب الحديث و الأثر 5: 119، «نمط».

53

قوله: و يكتب على الحِبَرَة و.

الأصل في استحباب الكتابة ما روي أنّ الصادق (عليه السلام) كتبَ على حاشية كفن ولده إسماعيل: «إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله» (1)، ثمّ تجاوز الأصحاب إلى كتابة الشهادتين و أسماء الأئمّة «للتبرّك.» و اختلفت عباراتُهم فيما يُكتب عليه من قطع الكفن اختلافاً كثيراً حتّى تجاوز بعضهم إلى الجميع، و قد عرفتَ المستند.

قوله: و يكون ذلك بتربة الحسين (عليه السلام) فإن لم تُوجد فبالإصبع.

بل يقدّم عليها الكتابةُ بالماء و الطين خصوصاً الأبيض؛ عملًا بإطلاق النصّ.

قوله: و لا يبلّ بالريق.

قال المصنّف في المعتبر نقلًا عن الشيخ (رحمه الله) (2): رأيت الأصحاب يجتنبونه، و لا بأس بمتابعتهم لإزالة الاحتمال، و لا بأس ببلّة بغير الريق (3).

قوله: و يجعل معه جريدتان من سعف النخل، فإن لم يوجد فمن السدر، فإنْ لم يُوجد فمن الخِلاف.

هو بكسر الخاء و تخفيف اللام: الصفصاف، و يقدّم بعده الرمّان على غيره من الشجر الرطب.

و لا حدّ لهما طولًا، و المشهور أنّه قدر عَظْم ذِراع الميّت، و يتخيّر بين شقّها و عدمه، و يعتبر فيهما الخُضرة.

ص 33

قوله: إذا خرج من الميّت نجاسة بعد تكفينه فإن لاقت جسده غسلت بالماء، و إن لاقت كفنه فكذلك، إلا أن يكون بعد طرحه في القبر فإنّها تُقرض، و منهم مَن أوجب قرضها مطلقاً.

الأقوى الأوّل، و إنّما تُقرض مع عدم تفاحش النجاسة بحيث تؤدّي إلى فَساد الكفن و هتك الميّت، و إلا فغُسلها أولى مع الإمكان، و مع التعذّر يسقط؛ للحرج.

قوله: كفن المرأة على زوجها.

____________

(1) التهذيب 1: 289/ 842 و 309/ 898.

(2) المبسوط 1: 177.

(3) المعتبر 1: 289.

54

لا فرق بين الدائم و المستمتع بها، و لا بين المُمكّنة و الناشز، و لا بين الحرّة و الأمة و المطلّقة رجعيّة زوجة و يجب عليه أيضاً مئونة التجهيز من الحنوط و غيره مع يساره و عدم وصيّتها النافذة به. و يلحق بها المملوك و إن كان مدبّراً أو مكاتباً لم يتحرّر منه شيءٌ، و إلا فبالنسبة، دون واجبِ النفقة مطلقاً.

قوله: و كفن الرجل من أصل تركته.

المراد به الكفن الواجب خاصّةً، و كذا مئونة التجهيز من سدرٍ و كافورٍ و غيرِهما.

في مواراة الميّت في الأرض

قوله: و له مقدّمات مسنونة كلّها أن. و أن تُربّع الجنازةُ.

و هو حملها من جوانبها الأربعة بأربعة رجالٍ، و الأفضل التناوبُ، و أفضله أن يبدأ بمقدّم السرير الأيمن الذي يلي يسار الميّت فيحمله بالكتف الأيمن، ثمّ يدور من خلفه إلى الأخر فيحمله كذلك، ثمّ ينتقل إلى الأيسر فيحمله بالأيسر، ثمّ يختم بمقدّمه الأيسر كذلك دور الرحى.

قوله: و أن يقول المشاهِدُ للجنازة: الحمد للّه الذي لم يجعلني من السواد المُخْتَرم.

السواد: الشخص، و من الناس عامّتهم.

و المخترم: الهالك مطلقاً، أو على غير بصيرة.

و الأمر على الثاني ظاهرٌ، و على الأوّل إشارةٌ إلى طلب الزيادة في العمر ليزداد في الطاعة؛ لأنّ بقيّة عمر المؤمن لأثمن لها. أو حمداً على الواقع رضى بقضاء الله تعالى كيف كان، و التفويض إليه بحسب الإمكان.

ص 34

قوله: و أن ينقله في ثلاث دفعات.

هذا هو المشهور، و المراد به وضعه قريباً من القبر ثمّ نقله إليه في دفعتين، و يُنزل في الثالثةِ. و الأخبار خاليةٌ عن ذلك كلّه، بل فيها «ضعه دونَ القبر بذراعين أو ثلاثة ليأخذ أهبته، ثمّ ضعه في لحده» (1)، و عليه المصنّف في المعتبر (2).

____________

(1) التهذيب 1: 312/ 907.

(2) المعتبر 1: 298.