رسالة قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج

- علي بن الحسين‏ المحقق الكركي المزيد...
91 /
5

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

نبذة من حياة الفقيه المحقّق الكركي [1] (ره)

وصفه و الثناء عليه:

لعلّ أول من ذكره- من أرباب التواريخ و السير- معاصره المؤرّخ الفارسي الصفوي خواند أمير في أواخر تاريخه «حبيب السير» في أثناء تعداد علماء دولة السلطان الشاه إسماعيل الصفوي ما معناه:

إنّ من جملتهم الشيخ علاء الدين عبد العالي، و علو مرتبة ذلك المتقي الورع في تحصيل العلم و الفضيلة بمنزلة وصل بها الى درجة الاجتهاد، و قد صار لغاية تبحره في العلوم العقلية و النقلية معتمدا لحكماء الإسلام و مرجعا للعلماء الواجبي الاحترام، و كانت فصاحة بيانه و طلاقة لسانه خارجة عن درجة التوصيف، و نهاية تديّنه و تقواه عند الأكابر و الأصاغر (معترفا بها) .. و في هذا التأريخ- يعني سنة ثلاثين و تسعمائة- بلاد بغداد و الحلة و النجف معمورة بوجوده الشريف.

نقل كلامه هذا المولى عبد اللّه الأصفهاني في «رياض العلماء» و علق عليه يقول:

أقول: في كلامه تأمل: لأن اسمه الشريف هو الشيخ علي بن عبد العالي لإعلاء الدين عبد العالي (1).

____________

[1] نسبة الى كرك نوح أي قرية نوح بالسريانية و العبرية، و فيها قبر يقال انه قبر نوح، و هي من قرى بعلبك في البقاع من لبنان. رأيتها بنفسي. و راجع تاريخ كرك نوح للدكتور حسن نصر اللّه: 84 و أيضا: معجم أسماء المدن و القرى اللبنانية: 145.

____________

(1) رياض العلماء 3: 444.

6

ثمّ نقل عن «أحسن التواريخ» لحسن بيك روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي أنه قال بشأنه:

لم يسع أحد بعد الخواجه نصير الطوسي في الحقيقة أزيد ممّا سعى الشيخ علي الكركي هذا في إعلاء أعلام المذهب الحق الجعفري الاثني عشري، و كان له في منع الفجرة و الفسقة. و زجرهم، و قلع قوانين المبتدعة و قمعها، و في إزالة الفجور و المنكرات، و اراقة الخمور و المسكرات، و اجراء الحدود و التعزيرات، و اقامة الفرائض و الواجبات، و المحافظة على أوقات الجمعة و الجماعات، و بيان أحكام الصيام و الصلوات، و الفحص عن أحوال الأئمة و المؤذّنين، و دفع شرور المفسدين و المؤذين، و زجر مرتكبي الفسوق و الفجور حسب المقدور، مساعي جميلة، و رغب عامة العوام في تعلّم الشرائع و أحكام الإسلام و كلّفهم بها (1).

و قال: و يلوح من بعض التواريخ الفارسية: أن الشيخ علي الكركي هذا قد دخل بلاد العجم في زمن سلطنة السلطان الشاه إسماعيل .. و في سنة غلبة السلطان المذكور على شاه بيگ خان ملك الاوزبك، و ذلك بعد ظهور دولة الشاه إسماعيل المذكور بعشر سنين، و أنه بعد دخول السلطان الشاه إسماعيل إلى هراة في تلك السنة دخل الشيخ علي المذكور في هراة عليه في تلك السنة (2).

و ذكره التفرشي في رجاله فقال: علي بن عبد العالي الكركي (قدس اللّه روحه) شيخ الطائفة و علامة وقته، صاحب التحقيق و التدقيق، كثير العلم، نقيّ الكلام، جيّد التصانيف من أجلاء هذه الطائفة (3).

و ذكره الحرّ العاملي في «أمل الآمل» فقال: الشيخ الجليل علي بن عبد العالي العاملي الكركي، أمره في الثقة و العلم و الفضل، و جلالة القدر و عظيم الشأن و كثرة التحقيق، أشهر من أن يذكر.

ثم نقل عن الشهيد الثاني. أنه أثنى عليه في بعض إجازاته فقال عند ذكره:

____________

(1) رياض العلماء 3: 450، 451.

(2) رياض العلماء 3: 445.

(3) نقد الرجال: 238 للتفرشي ت 1015 ه.

7

الشيخ الامام المحقق المنقّح، نادرة الزمان، و يتيمة الأوان (1).

و ذكره المجلسي في أول «بحار الأنوار» فقال فيه: أفضل المحققين، مروّج مذهب الأئمة الطاهرين، نور الدين علي بن عبد العالي الكركي «أجزل اللّه تشريفه، و حشره مع الأئمة الطاهرين» حقوقه على الايمان و أهله أكثر من أن يشكر على أقلها، و تصانيفه في نهاية الرزانة و المتانة (2).

و ذكره المولى عبد اللّه الأصفهاني في «رياض العلماء» فقال:

الشيخ الجليل الشهيد زين الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي، الفقيه المجتهد الكبير، العالم العلامة، الملقب بالشيخ العلائي و المعروف بالمحقق الثاني، شيخ المذهب، و مخرّب (مذهب) أهل النصب و الوصب ..

سافر من بلاد الشام (لبنان) الى بلاد مصر و أخذ عن علمائها .. و سافر الى عراق العرب و أقام بها زمانا طويلا، ثم سافر الى بلاد العجم و اتصل بصحبة السلطان، و قد عيّن له وظائف و ادارات كثيرة، حتى أنه قرر له سبعمائة تومانا في كل سنة بعنوان «السيورغال» في بلاد عراق العرب، و كتب في ذلك حكما، و ذكر فيه اسمه في نهاية الإجلال و الاحترام (3).

و قال: و قد كان هذا الشيخ معظما عند السلطان الشاه طهماسب في الغاية، و أعطاه وظائف و «سيور غالات» و ادارات ببلاد عراق العرب، و قد نصبه حاكما في الأمور الشرعية بجميع بلاد إيران، و أعطاه في ذلك الباب حكما و كتابا يقضي منه العجب، لغاية مراعاة ذلك السلطان لأدبه في ذلك الكتاب (4).

مشايخه من الخاصة و العامة:

قال الحرّ العاملي في «أمل الآمل»: يروي عن:

____________

(1) أمل الآمل 1: 121.

(2) بحار الأنوار 1: 21 و 41.

(3) رياض العلماء 3: 441.

(4) رياض العلماء 3: 450.

8

1- الشيخ شمس الدين محمّد بن داود .. و يروي عن:

2- الشيخ علي بن هلال الجزائري (1) و لم يذكر من الخاصة غيرهما.

و قال الأفندي في «رياض العلماء»: و قد قرأ (قدّس سرّه) و روى عن جماعة من علماء العامة أيضا، على ما صرّح به في إجازاته:

منها ما قاله في إجازته للمولى برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي الخوانساري الأصفهاني، على ظهر نسخة من «كشف الغمة لعلي بن عيسى الإربلي» قرأها عليه، على ما رأيته بخطه الشريف بهذه العبارة:

«و أما كتب أهل السنة في الفقه و الحديث: فاني أروي الكثير منها عن مشايخنا و عن مشايخ أهل السنة. فأما روايتي لذلك عن أصحابنا فإنما هي بالإجازة، و أما عن مشايخ أهل السنة فبالقراءة لبعض، المكملة بالمناولة، و بالسماع لبعض، و بالإجازة لبعض الفقرات (من) بعض.

فصحيح البخاري على عدة، منهم:

1- الشيخ الأجل العلامة أبو يحيى زكريا الأنصاري، و ناولني مجموعه مناولة مقرونة بالإجازة، و أخبرني: أنه يروي عن جمع من العلماء.

منهم: قدوة الحفاظ و محقق الوقت، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر: قال:

أخبرنا به العفيف أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد بن سليمان النيسابوري، سماعا لمعظمه و اجازة دائرة. قال: أخبرنا به الوفي أبو إبراهيم بن محمّد الطبري، أخبرنا به أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرقي، سماعا إلا شيئا يسيرا، قال: أخبرنا به أبو الحسن علي بن حميد ابن عمار الطرابلسي، أخبرنا به أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد الهروي، قال: أخبرنا به أبو مآل، أخبرنا به أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن أبي النعيم نعمة بن حسن بن علي بن بيان الصالحي الحجار، سماعا لجميعه، قال: و أنبأت به أم محمّد ستّ الوزراء وزيرة ابنة عمر بن سعد بن المنجا التنوخية، سماعا لجميعه الا يسيرا، مجبورا بالإجازة، قالت: أخبرنا به أبو عبد اللّه الحسين بن أبي بكر المبارك بن

____________

(1) أمل الآمل 1: 122.

9

محمّد بن يحيى الزبيدي، سماعا، قال: أخبرنا به أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب الشجري الهروي سماعا عليه لجميعه، قال: أخبرنا به أبو الحسن عبد الرحمن ابن محمّد بن المظفر بن داود الداودي، قال: أخبرنا به أبو محمّد عبد اللّه بن حمويه، أخبرنا به أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الغربري، قال: أخبرنا به مؤلفه الحافظ الناقد أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري.

2- و أما صحيح مسلم: فاني قرأت بعضه على الشيخ العلامة الرحلة عبد الرحمن بن ابانة الأنصاري بمصر في الثاني عشر من شعبان من سنة خمس و تسعمائة، و ناولني باقيه مناولة مقرونة بالإجازة، و له اسناد عال مشهور، بالصحيح المذكور.

3- و سمعته- الا مواضع- بدمشق بالجامع الأموي، على العلامة الشيخ علاء الدين البصروي، و أجاز في روايته، و رواية جميع مروياته.

و كذا سمعت عليه معظم مسند الفقيه الرئيس الأعظم محمّد بن إدريس الشافعي المطلبي.

و أمّا موطّإ الامام العالم مالك بن أنس نزيل دار الهجرة المقدسة: فإني أرويه بعدّة طرق عن أشياخ علماء الخاصة و العامة.

و كذا مسند الامام المحدّث الجليل أحمد بن حنبل، و مسند أبي يعلى، و سنن البيهقي و الدارقطني، و غير ذلك من المصنفات الكثيرة الشهيرة (1).

فهؤلاء ثلاثة من العامة، بالإضافة إلى اثنين من الخاصة، فجميع شيوخه خمسة.

تلامذته و الراوون عنه:

قال الأفندي في «رياض العلماء»: و له (قدّس سرّه) جماعة كثيرة من التلامذة من العرب و العجم، في جبل عاملة، و في العراق، و في بلاد إيران و غيرها.

1- منهم: السيد الأمير محمّد بن أبي طالب الأسترآبادي الحسيني الموسوي.

____________

(1) رياض العلماء 3: 449، 450.

10

2- و منهم: السيد شرف الدين علي الحسيني الأسترآبادي النجفي.

3 و 4- و من تلامذته: الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، و الشيخ إبراهيم ولده.

و قد ذكره «قده» بعض مؤلفاته في إجازته للشيخ علي بن عبد العالي الميسي و الشيخ إبراهيم ولده حيث قال: «و كذلك أجزت رواية ما صنّفته و ألّفته على نزارته و قلته».

5- و من تلامذة الشيخ علي هذا: المولى كمال الدين درويش محمّد ابن الشيخ حسن العاملي (النطنزي) جد والد المولى الأستاذ (المجلسي) من قبل امه، كما صرّح بذلك الأستاذ المذكور نفسه في «الأربعين» و غيره أيضا.

6- و منهم: الشيخ زين الدين الفقعاني.

7- و الشيخ أحمد بن محمّد بن أبي جامع العاملي، و قد كتب له إجازة تاريخها سنة ثمان و عشرين و تسعمائة بالغري.

8- و منهم: الشيخ علي المنشار (زين الدين العاملي صهر شيخنا البهائي شيخ الإسلام بأصبهان).

9- و منهم: الشيخ أحمد بن محمّد بن خاتون العاملي.

10- و منهم: الشيخ نعمة اللّه بن أحمد بن محمّد بن خاتون العاملي (ولده).

11- و منهم الشيخ إبراهيم بن علي بن يوسف الخوانساري الأصفهاني، و قد أجازه بإجازة نقلناها.

12- و يظهر من آخر «وسائل الشيعة» للشيخ المعاصر «قده»: أن الشيخ عبد النبي الجزائري أيضا يروي عن الشيخ علي الكركي هذا، فتأمل (1).

و نقل حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا، في تاريخه بالفارسية: حكاية مواضعة الشيخ علي الكركي هذا مع الصدر الكبير الأمير جمال الدين محمّد- الذي كان صدرا (رئيس الوزراء) للسلطان الشاه إسماعيل، و السلطان الشاه طهماسب الصفوي- على قراءة الشيخ علي «شرح التجريد الجديد»

____________

(1) رياض العلماء 3: 442، 443.

11

على الصدر المذكور، و قراءة ذلك على هذا الشيخ «قواعد الأحكام» للعلامة. فقرأ الشيخ علي عليه درسين من «شرح التجريد الجديد».

ثمّ تمارض ذلك الصدر: و أما الصدر فلم يقرأ على الشيخ علي «القواعد» أصلا (1).

13- و منهم: الشيخ علي بن هلال بن علي بن هلال الجزائري العاملي الكركي، قال الأفندي في «رياض العلماء» رأيت منه اجازة لتلميذه المولى ملك محمّد الأصفهاني، و يظهر من تلك الإجازة أنه يروي عن جماعة .. منهم الشيخ علي ابن عبد العالي الكركي العاملي المشهور. له رسالة في المسائل الفقهية العامة البلوى من كتاب الطهارة، كتب بعض الأفاضل على هامشها: أن هذا الشيخ توفي في أصفهان يوم الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة أربع و ثمانين و تسعمائة (2).

و قال فيه السيد الأمين العاملي: سكن أصفهان و توفي فيها عالما فاضلا فقيها، يروي عن المحقق الكركي و كان من تلاميذه، و هو أبو زوجة الشيخ البهائي. كان شيخ الإسلام في أصفهان و بعد وفاة أستاذه الكركي أصبح شيخ الإسلام على الإطلاق، و بعده أصبح صهره البهائي على ابنته الوحيدة الفاضلة شيخ الإسلام، و كان للمترجم خمسة الاف كتاب كان قد جاء بها من الهند، فلما توفي ورثتها ابنته الوحيدة فأوقفها الشيخ البهائي في المكتبة الكبيرة التي ضاعت بعده لعدم اهتمام المتولين لها. ذكر ذلك الأصفهاني في «رياض العلماء» (3).

14- و منهم: السيد شرف الدين السمّاك العجمي (4).

15- و قد انهى صاحب «الحدائق» سلسلة إجازته إلى الفاضل القطيفي عن المحقق الكركي (5).

____________

(1) رياض العلماء 3: 450.

(2) رياض العلماء 4: 284.

(3) أعيان الشيعة 8: 369 و ليس في ترجمة الشيخ علي بن هلال، و لم أتتبعه في سائر مظانّه.

(4) ذكره ابن العودي، كما في الدر المنثور 2: 169.

(5) لؤلؤة البحرين: 159.

12

مصنّفاته و مؤلفاته:

قال الأفندي في «رياض العلماء»: و قد ذكر «قده» بعض مؤلفاته في إجازته للشيخ علي بن عبد العالي الميسي و الشيخ إبراهيم ولده، حيث قال:

«و كذلك أجزت رواية ما صنفته و ألفته على نزارته و قلّته، من ذلك ما خرج من:

1- شرح «قواعد الأحكام» في خمسة مجلّدات تخمينا. و من ذلك:

2- كتاب النفحات، أعاد اللّه من بركاته. و من ذلك:

3- الرسالة الجعفرية، (في الواجبات و المستحبات من الصلوات اليومية فرغ منها بمشهد سنة 917 ه) و:

4- الرسالة الخراجية (و هي: قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج فرغ منه في 11 ربيع الثاني 916 ه) و:

5- الرسالة الرضاعية (فرغ منها في 11 ربيع الآخر سنة 916 هكما في الذريعة 11: 192) و:

6- رسالة الجمعة (فرغ منها: سنة 921 هو فيها نيابة الفقيه عن الحجة في زمن الغيبة، كما في الذريعة 15: 75). و غير ذلك من الرسائل .. و من ذلك ما خرج من:

7- حواشي «مختلف الشيعة». و:

8- حواشي كتاب «شرائع الإسلام». و:

9- حواشي كتاب «إرشاد الأذهان» و غيرها (1).

و قال بعض أفاضل تلامذة الشيخ علي الكركي هذا، في رسالة ذكر فيها أسامي مشايخنا ما هذا لفظه: و منهم الشيخ الأجل الرفيع القدر، شيخ الإسلام و المسلمين الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، صاحب التعليقات الحسنة و التصانيف المليحة، فمن تصانيفه: «شرح القواعد» و قد خرج منه ست مجلدات، الى بحث التفويض من النكاح، شرحا لم يعمل قبله أحد مثله، حلّ مشكلة مع

____________

(1) رياض العلماء 3: 441، 442.

13

تدقيقات حسنة و توفيقات لطيفة، خال من التطويل و الإكثار، و شارح لجميع ألفاظه المجمع عليه و المختلف فيه. و له «شرح الإرشاد» و «شرح الشرائع» و كتاب «نفحات اللاهوت في لعن الجبت و الطاغوت» و رسائل اخرى: كالجمعة، و:

10- رسالة السبحة (و الخراجية)، و:

11- الخيارية، و:

12- المواتية، و «الجعفرية» و «الرضاعية»، و:

13- شرح الألفية (للشهيد الأول في الفقه).

و قد لازمته مدة من الزمان و برهة من الأحيان، و استفدت من لطائف أنفاسه و أخذت من غرائب أغراسه. أسكنه اللّه بحبوحة جنانه (1).

و المجلسي في أول «بحار الأنوار» ذكر اسم «نفحات اللاهوت» هكذا:

«أسرار اللاهوت في وجوب لعن الجبت و الطاغوت» (2).

و أضاف الحرّ العاملي في «أمل الآمل» من كتبه و رسائله:

14- رسالة أقسام الأرضين، و لعلها هي الخراجية، و:

15- رسالة صيغ العقود و الإيقاعات، و:

16- رسالة السجود على التربة (المشوية المطبوخة ألفها في 11 ربيع الأول سنة 933 هفي النجف ردا على الفاضل القطيفي) و:

17- رسالة الجنائز، و:

18- رسالة أحكام السلام، و:

19- النجمية (في الكلام)، و:

20- المنصورية. (و لعلها باسم الأمير غياث الدين منصور الشيرازي وزير الشاه طهماسب) و:

21- رسالة في تعريف الطهارة (3).

____________

(1) رياض العلماء 3: 443، 444.

(2) بحار الأنوار 1: 21.

(3) أمل الآمل 1: 121.

14

و قال الأفندي في «رياض العلماء»: و من مؤلفاته أيضا: كتاب ..

22- المطاعن المحرمية. نسبه اليه ولده الشيخ حسن في كتاب «عمدة المقال في كفر أهل الضلال» و نسبه اليه الشيخ المعاصر (الحرّ العاملي) في «الرسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية» مع أنه لم يذكره في «أمل الآمل» و قال في تلك الرسالة: ان الشيخ علي هذا، أورد في ذلك الكتاب أخبارا كثيرة في الرد على الصوفية و ذمهم و كفرهم، و ذكر فيه أيضا وجوها عقلية متعددة في هذا المعنى. و له أيضا:

23- رسالة في العدالة. و:

24- رسالة في الغيبة. و جواب أسئلة كثيرة، و إجازات كثيرة صغيرة و كبيرة، و:

25- الرسالة الحجية، نسبها اليه الصدر الكبير آميرزا رفيع الدين محمّد في «رد شرعة التسمية» للسيّد الداماد. و ينقل عنها فيه. و قد رأيت نسخة منه مع شرح بعض علماء عصره عليها. و له أيضا:

26- حاشية على «تحرير الأحكام» للعلامة في الفقه. و ينقل عنها الشيخ حسن في فروع «معالم الدين» و صرح بأنه مأخوذ منها في هوامش الكتاب.

و أما رسالة الجمعة فهي داخلة في «شرح القواعد» على ما صرّح نفسه به في بحث صلاة الجمعة من «شرح القواعد» و قال: «من أراد أن يفرزها فليفرزها فإنها رسالة برأسها في الحقيقة». و أودع في تلك الرسالة القول بالوجوب التخييري في صلاة الجمعة في زمن الغيبة، و لكن مع وجود المجتهد الجامع الشرائط. و كان هو مقيمها لأنه نائب على القوم.

و قال حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا في تاريخه بالفارسية (أحسن التواريخ): و له أيضا:

27- الرسالة الكريّة. و:

28- حاشية على «المختصر النافع» للمحقق كلتاهما لم تتما. و:

29- الرسالة في التعقيبات.

15

ثمّ قال الأفندي: و الظاهر أنّ له أيضا:

30- حاشية كالشرح على اللمعة، على طريقة «قوله».

و نقل عن حسن بيگ روم لو: و الشرح و الحاشية على الإرشاد. و علق عليه يقول:

الظاهر أن الحاشية في قوله «و الشرح و الحاشية على الإرشاد» من باب العطف التفسيري، إذ لم أجد من مؤلفاته شرحا آخر على الإرشاد سوى الحاشية عليه، و يحتمل أن يكون قد اشتبه عليه «شرح الإرشاد» للشهيد الثاني فنسبة أيضا الى الشيخ علي هذا.

ثم كتب في تعليقته بخطه: أقول: الحاشية على الإرشاد للشيخ علي، و شرح الإرشاد لولده الشيخ عبد العالي (1).

قاطعة اللجاج:

لا يخفى أنّ المحقّق الكركي (ره) نفسه قد عبّر عن رسالته في مقدّمتها بما هو نصّه: «لمّا توالى على سمعي تصدّى جماعة من المتّسمين بسمة الصلاح و ثلّة من غوغاء الهمج الرعاء أتباع كل ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر و استولى عليهم الشيطان، فحلّ منهم في سويداء الخاطر، لتقريض العرض و تمزيق الأديم، و القدح بمخالفة الشرع الكريم، و الخروج عن سواء النهج القويم .. و في زماننا- حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، و اندرس بينهم معظم الأحكام، و خفيت مواضع الحلال و الحرام- هدرت شقاشق الجاهلين، و كثرت جرأتهم على أهل الدين، استخرت اللّه تعالى و كتبت في تحقيق هذه المسألة «رسالة»- ضمّنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، و أودعتها ما صرّحوا به في كتبهم من الفتوى بأن ذلك حلال لا شكّ فيه و طلق لا شبهة تعتريه- على وجه بديع، تذعن

____________

(1) رياض العلماء 3: 450- 452.

16

له قلوب العلماء، و لا تمجّه إسماع الفضلاء، و اعتمدت في ذلك أن أبيّن في هذه المسألة التي أفل بدرها و جهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، و لا تفاديا من تعريض جاهل، فان لنا بموالينا أهل البيت (عليهم السلام) أعظم أسوة و أكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الأقاويل و نسبوا إليهم الأباطيل، و بملاحظة «لو كان المؤمن في جحر ضبّ يبرد كل غليل» (1).

و قد ردّ هذه الرسالة الفاضل القطيفي(رحمه اللّه) الذي هو أحد تلامذة المحقّق الكركي- (قدّس سرّه)- سمّاها ب«السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج».

و العلامة الطهراني إذ يؤرّخ فراغ المحقق الكركي من تأليفه رسالته الخراجية بسنة 916 ه (2) يؤرخ فراغ الفاضل القطيفي من تأليفه رسالته الردّية «السراج الوهاج» بسنة 924 ه (3) فالفاصل بينهما ثمان سنين، و كجواب عن هذه الفترة الفاصلة قال القطيفي:

«و لم أكن ظفرت بها منذ الّفها إلا مرة واحدة في بلد «سمنان» و ما تأملتها إلا كجلسة العجلان، و أشار إلى من تجب طاعته (؟) بنقضها ليتخلّق من رآها برفضها، فاعتذرت، و ما بلغت (حينئذ) منها حقيقة تعريضه بل تصريحه بأنواع الشنع، فلما تأملته الآن .. مع علمي بأن ما فيها أو هي من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادّها ساكب، و هو مع ذلك لا يألو جهدا بأنواع التعريض بل التصريح .. فاستخرت اللّه على نقضها و ابانة ما فيها من الخلل و الزلل، ليعرف أرباب النظر الحق فيتبعوه و الباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك، فامتثلت ..» (4).

أما قبل هذا فقد كان الفاضل القطيفي من تلامذته و المستجيزين منه الحديث

____________

(1) مقدمة الكتاب.

(2) الذريعة 17: 7 عن نسخة رآها في مكتبة المجلس بطهران.

(3) الذريعة 12: 164 و لا يذكر مصدره.

(4) مقدمة السراج الوهّاج للقطيفي.

17

كما مرّ عن صاحب «الحدائق» (1) و لذلك قال فيه: «و العجب أنه مع كونه يروي عن الشيخ علي الكركي كانت له مع معارضات و مناقضات .. و قد وقعت بيدي رسالة من رسائله سماها ب«الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية» ذكر في صدر الرسالة المذكورة ما اتفق له مع الشيخ علي في سفره معه للمشهد المقدس الرضوي، من المسائل التي نسبه فيها الى الخطأ ..».

و ذكر فيها «اني دخلت يوما الى ضريح الرضا (عليه السلام) فوجدته (الكركي) هناك فجلست معه، فاتّفق حضور بقية العلماء الوارثين و زبدة العلماء الراسخين جمال الملة و الدين فابتدأ- بحضوره- معترضا عليّ: لم لم تقبل جائزة الحكام؟! فقلت: لأن التعرّض لها مكروه.

فقال: بل واجب أو مستحب.

فطالبته بالدليل.

فاحتجّ بفعل الحسن (عليه السلام) مع معاوية و قال: إنّ التأسّي إما واجب أو مندوب، على اختلاف المذهبين.

فأجبته عن ذلك و استشهدت بقول الشهيد «(رحمه اللّه) تعالى» في «الدروس»:

«ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل، و لا يعارض ذلك أخذ الحسن (عليه السلام) جوائز معاوية، لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة» (2).

فمنع- أولا- كون ذلك في «الدروس» ثم التزم بالمرجوحية. و عاهد اللّه تعالى هناك أن يقصر كلامه على قصد الاستفادة بالسؤال و الإفادة بالجواب.

ثمّ فارقته قاصدا الى المشهد الغروي على أحسن الحال.

فلما وصلت تواترت الأخبار عنه من الثقات و غيرهم بما لا يليق بالذكر، الى أن انتهى الأمر إلى دعواه العلم و نفيه عن غيره. فبذلت وسعي- بجميع أنواع الملاطفة-

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 159.

(2) لم نجده في مظانه في الدروس.

18

في (طلب) رضاه بالاجتماع للبحث و المذاكرة، فأبى ..».

و ذكر في آخر الرسالة ما صورته: «و إذ فرغت من هذه فأنا مشتغل بنقض رسالته «الخراجية» و كشف لبس ما رتّبه فيها من المباحث الإقناعية، و هو مما يقضى منه العجب العجيب، كما لا يخفى ذلك على الموفق الأريب» (1).

التحدّي بالمناظرة:

أما قوله: «فبذلت وسعي- بجميع أنواع الملاطفة- في (طلب) رضاه بالاجتماع للبحث و المذاكرة، فأبى».

فقد نقله المولى عبد اللّه الأصفهاني في «رياض العلماء» عن حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا، في تاريخه بالفارسية «أحسن التواريخ» ما معناه:

ان الشيخ إبراهيم القطيفي لما خاصم الشيخ علي الكركي رجع الأمير نعمة اللّه الحلي- الذي كان من تلامذة الشيخ علي الكركي- رجع عنه و اتصل بالشيخ إبراهيم القطيفي مع جماعة من العلماء في ذلك العصر: كالمولى حسين الأردبيلي، و المولى حسين القاضي مسافر و غيرهم ممن كان بينهم و بين الشيخ علي كدورة. و دافع الأمير نعمة اللّه الحلي مع الجماعة العلماء دافعوا الشيخ إبراهيم القطيفي على أن يباحث مع الشيخ علي الكركي في مجلس السلطان الشاه طهماسب في مسألة صلاة الجمعة، و وعده ذلك الجمع من العلماء أن يعاونوه في البحث في المجلس، و كان يعاونهم في ذلك جماعة من الأمراء أيضا، عداوة للشيخ علي (!) و لكن لم يتفق هذا المقصود و لم ينعقد ذلك أصلا (2).

السعي عليه عند السلطان:

و نقل المولى عبد اللّه الأصفهاني في «رياض العلماء» عن حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا، في تاريخه بالفارسية: «أحسن التواريخ» ما معناه:

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 161- 163.

(2) رياض العلماء 3: 452.

19

و كان من غرائب الأمور أن كتب بعض الأشرار مكتوبا مشتملا على أنواع الكذب و البهتان بالنسبة إلى الشيخ علي، و رماه الى دار السلطان الشاه طهماسب في «صاحبآباد» من «تبريز» بجنب الزاوية النصيرية، نسب اليه (قدّس سرّه) أنواعا من المناهي و الفسوق، بخط مجهول لا يعرف كاتبه.

فاجتهد السلطان و بالغ في استعلام الكاتب حتى ظهر أن الأمير نعمة اللّه المشار اليه كان له اطلاع على ذلك المكتوب، فانجر الأمر الى أن أمر السلطان المشار إليه بنفي الأمير نعمة اللّه من بلد (الحلة) إلى بغداد (1).

و كان من جملة الكرامات التي ظهرت في شأن الشيخ علي: أن محمود بيگ المهردار (صاحب الخاتم) كان من أشد أعداء الشيخ علي و ألدّ خصامه.

و في يوم جمعة في وقت العصر في ميدان «صاحبآباد» في «تبريز» كان يلاعب بالصولجان في حضرة ذلك السلطان.

قال الأفندي: و رأيت في بعض التواريخ الفارسية المؤلفة في ذلك العصر أيضا:

أن محمود بيگ المخذول المذكور كان قد أضمر في خاطره أنه بعد ما يفرغ السلطان من لعب الصولجان يذهب الى بيت الشيخ علي و يقتله بسيفه في ذلك الوقت بعينه. و كان قد تآمر في ذلك مع جماعة من الأمراء المعادين للشيخ علي.

و كان الشيخ علي في ذلك الوقت مشغولا بقراءة «دعاء السيفي» و «دعاء الانتصاف للمظلوم من الظالم» المنسوب الى الحسين (عليه السلام)، و كان على لسانه منه قوله: «قرّب أجله و أيتم ولده» .. و فرغ محمود بيگ من تلك اللعبة و توجّه الى جانب بيت الشيخ علي، فذهبت يد فرسه في بئر كانت في عرض الطريق فطاح هو و فرسه في ذلك البئر و اندق عنقه و انكسر رأسه و اضمحلّ و مات من ساعته! (2).

قال الأفندي: و رأيت ما معناه: حاول الشيخ علي الكركي هذا أن يعيّن قبلة بلدان إيران و يقوّمها، و كان يسكن شيراز السيد الأمير غياث الدين منصور (الحسيني)

____________

(1) أحسن التواريخ: 12: 253- 256.

(2) أحسن التواريخ: 12: 253- 256.

20

فساءه ذلك و اغتاظ أن يرتكب أحد غيره ذلك فيتدخل في الأمور الدينية المتعلقة بالبلد الذي هو فيه، إذ كان تشخيص الشيخ علي قبلة شيراز تجهيلا للأمير غياث الدين منصور في الحقيقة، فلذلك امتنع و منع و لم يمكنه من ذلك و قال: إن تعيين القبلة منوط بالدائرة الهندية، و هي متعلقة بأرباب علم الرياضي لا بالفقهاء. فلما بلغ هذا المنع الى الشيخ علي كتب هذه الآية و أرسلها اليه «سَيَقُولُ السُّفَهٰاءُ مِنَ النّٰاسِ: مٰا وَلّٰاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كٰانُوا عَلَيْهٰا؟! قُلْ: لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ، يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1) فلما وصل هذا إلى الأمير غياث الدين كتب اليه بهذه الآية «وَ لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ بِكُلِّ آيَةٍ مٰا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، وَ مٰا أَنْتَ بِتٰابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وَ مٰا بَعْضُهُمْ بِتٰابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ. وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ» (2).

و صار الأمير غياث الدين منصور صدرا (رئيس الوزراء) و كانت تبعة الشيخ علي من الأعراب يقومون بحل الأمور الشرعية و فصلها من غير تقيّد بخطابات ديوان الصدارة (ديوان رئاسة الوزراء) و أمثلته، فقويت العداوة و النزاع بينهما شيئا فشيئا حتى آل الأمر إلى المناقشة في مجلس السلطان، و رجّح السلطان جانب الشيخ علي (!) و عزل الأمير غياث الدين منصور عن الصدارة (رئاسة الوزراء) و لكن قلّده الشرعيات في كل بلاد فارس (شيراز) و جعله مستقلا في عزل القضاة و المتصدين للشرعيات و نصبهم بتلك البلاد و كتب اليه بذلك أحكاما مشتملة على الشفقة و العناية و أرسلها إليه مع خلاع فأخره [1].

و للشيخ حسين بن عبد الصمد الحارث الهمداني العاملي الجبعي (ت 984)

____________

[1] رياض العلماء 3: 454 و كان لقب الأمير ممّا اصطلح به الصفويون على السادة الهاشميين، كما اصطلحوا بالأميرزاده و مخففة الميرزا علي الهاشمي من قبل امه. فالأمير غياث الدين منصور حسيني زيدي: و هو الجدّ الأعلى للسيد علي خان المدني الشيرازي صاحب شرح الصحيفة و الدرجات الرفيعة، كما ذكر ذلك في سلسلة نسبه في كتابه الآخر: سلوة الغريب و أسوة الأديب، و عنه في مقدمة بحر العلوم للدرجات الرفيعة: 3 و هو صاحب المدرسة المنصورية في شيراز.

____________

(1) سورة البقرة: 142.

(2) سورة البقرة: 145.

21

والد شيخنا البهائي رسالة سمّاها «تحفة أهل الايمان في قبلة عراق العجم و خراسان» ردّ فيها على الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي، حيث غير محاريب كثيرة إذ أمرهم أن يجعلوا الجدي بين الكتفين، مع أنّ طول تلك البلاد يزيد على طول مكة كثيرا و كذا عرضها، فيلزم انحرافهم عن الجنوب الى المغرب كثيرا، ففي بعضها كالمشهد بقدر نصف المسافة: خمس و أربعين درجة، و في بعضها أقل (1).

نيابة السلطان عنه؟

نقل صاحب «الحدائق» في كتابه «لؤلؤة البحرين» عن السيد نعمة اللّه الجزائري في صدر كتابه «شرح غوالي اللئالي» قال: لما قدم الشيخ علي بن عبد العالي «عطر اللّه مرقده» أصفهان و قزوين في عصر السلطان العادل الشاه طهماسب «أنار اللّه برهانه» مكنه من الملك و السلطان و قال له: أنت أحق بالملك لأنك النائب عن الامام (عليه السلام)، و انما أكون من عمالك، أقوم بأوامرك و نواهيك. قال: و رأيت للشيخ أحكاما و رسائل الى الممالك الشاهية الى عمالها و أهل الاختيار فيها تتضمن قوانين العدل و كيفية سلوك العمال مع الرعية في أخذ الخراج و كميته و مقدار مدته. و الأمر لهم بإخراج العلماء من المخالفين لئلا يضلوا الموافقين لهم و المخالفين. و أمر بأن يقرر في كل بلد و قرية اماما يصلي بالناس و يعلمهم شرائع الدين. و الشاه يكتب إلى أولئك العمال بامتثال أوامر الشيخ و أنه الأصل في تلك الأوامر و النواهي (2).

نادرة طريفة:

حكى صاحب «روضات الجنات» عن «حدائق المقربين» بالفارسية

____________

(1) أمل الآمل 1: 75.

(2) لؤلؤة البحرين: 153.

22

ما معناه: ورد سفير مقرّب من جهة سلطان الروم (الخلافة التركية العثمانية) على السلطان الشاه طهماسب. فاتفق أن اجتمع به يوما جناب شيخنا المعظم في مجلس الملك، فلما عرفه السفير المذكور أراد أن يفتح عليه باب الجدل فقال:

يا شيخ، إن مادّة تاريخ اختراع طريقتكم هذه «مذهب ناحق» أي: مذهب غير حق، و فيه إشارة إلى بطلان هذه الطريقة كما لا يخفى. فألهم جناب الشيخ في جواب ذلك الرجل بأن قال بديهة و ارتجالا:

بل نحن قوم من العرب و ألسنتنا تجري على لغتهم لا على لغة العجم، و عليه فمتى أضفت المذهب الى ضمير المتكلم يصير الكلام: «مذهبنا حق» فبهت الذي كفر و بقي كأنّما ألقم الحجر (1).

وفاته:

ذكره السيد مصطفى التفرشي في هامش «نقد الرجال» فقال: مات (رحمه اللّه) في شهر جمادى الأولى سنة ثمان و ثلاثين و تسعمائة (2).

و نقل الأفندي في «رياض العلماء» عن رسالة لبعض أفاضل تلامذة الشيخ الكركي في ذكر أسامي مشايخه قال: مات (رحمه اللّه) تعالى بالغري من نجف الكوفة سنة سبع و ثلاثين و تسعمائة، و له من العمر ما ينيف على السبعين سنة (3).

و كأن الشيخ الحرّ اعتمد عليه فقال في «أمل الآمل»: و كانت وفاته سنة 937 و قد زاد عمره على السبعين (4).

و لكن الأفندي نقل عن «تاريخ جهانآرا»: أنه مات في مشهد علي (عليه السلام) في ثامن عشر ذي الحجة، و هو يوم الغدير، سنة أربعين و تسعمائة، في زمن السلطان

____________

(1) روضات الجنات 4: 362.

(2) نقد الرجال: 238.

(3) رياض العلماء 3: 444.

(4) أمل الآمل 1: 122.

23

الشاه طهماسب المذكور، و قيل في تاريخه: «مقتداى شيعه» (1).

و نقل عن حسن بيگ روم لو في تاريخه بالفارسية: «أحسن التواريخ» قال:

ان الشيخ علي بن عبد العالي المجتهد قد توفي في يوم السبت الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة أربعين و تسعمائة، بعد مضي عشر سنين من جملة أيام دولة السلطان الشاه طهماسب المذكور، و كانت جملة «مقتداى شيعه» تاريخ وفاته (2).

و قد صرّح حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي في بعض رسائله: بأن الشيخ علي هذا صار شهيدا (3) بالسم المستند الى فعل بعض أمناء الدولة (4).

و قال ابن العودي: توفي مسموما ثاني عشر ذي الحجة سنة 945 و هو في الغري على مشرفه السلام (5) و لذلك ترجم له العلامة الاميني في «شهداء الفضيلة» (6).

و قد كان (قدّس سرّه) من أزهد أهل عصره، حتى أنه أوصى بقضاء جميع صلواته و صيامه، و بقضاء حجة الإسلام مع أنه كان قد حج (7).

فالسلام عليه يوم ولد و يوم قتل مسموما و يوم يبعث حيّا.

محمّد هادي اليوسفي الغروي 22- 11- 1410 ه. ق قم المشرفة

____________

(1) رياض العلماء 3: 448.

(2) رياض العلماء 3: 451.

(3) رياض العلماء 3: 442.

(4) روضات الجنات 4: 374 عن أحسن التواريخ 12: 256.

(5) الدر المنثور 2: 160.

(6) شهداء الفضيلة: 108.

(7) رياض العلماء 3: 445.

24

تقديم بقلم الدكتور محمود البستاني

تظلّ الأرض- بصفتها ظاهرة اقتصاديّة ملحّة، كما هو معروف- من أهم الظواهر الفقهيّة التي توفّر عليها الباحثون قديما و حديثا و يجيء الخراج- و هو نوع من الضريبة أو الأجرة أو المقاسمة، على زراعة الأرض- في مقدّمة الأبحاث التي حفل بها النشاط الفقهي في الميزان المذكور، بحيث دفعت أكثر من فقيه إلى أن ينهض بدراسة مستقلة للظاهرة المتقدمة. مضافا إلى الحقل الذي ينتظمها في الدراسات التي تتناول- عادة- سائر أبواب الفقه.

و بالرغم من أنّ المسائل الخلافية التي تتفاوت و جهات النظر حيالها، تظلّ سمة واضحة في الحقل الفقهي بعامّة، إلّا أنّ ظاهرة الخراج (بما تواكبها من صلات بطبيعة «الأرض» و أقسامها- المفتوحة عسكريا بخاصّة- و ما يترتب على ذلك من تصرّفات مختلفة حيالها، من حيث المشروعيّة و عدمها) تبقى أشدّ إلحاحا من سواها من حيث ضرورة التوفّر على دراستها و تحديد مختلف الجوانب المتّصلة بها.

لقد اكتسبت الأرض- زمن التشريع- بعدا خاصّا يتصل بالفتوحات التي شهدها صدر الإسلام، و انسحاب ذلك على مختلف أنواع الأرض، من حيث التكييف الشرعي لها، و امتداد هذا التكييف إلى نمط تعاملنا مع الأرض و خراجها.

إنّ الأرض- تبعا للتقسيم الفقهي الموروث- تندرج ضمن الأنماط التالية:

1- أرض العنوة (أي: الأرض التي فتحت من خلال الغزو العسكري).

2- أرض الطوع (أي: الأرض التي أسلم عليها أهلها طواعية).

3- أرض الصلح (أي: الأرض التي تخصّ الكتابيين، ممن احتفظ بموقفه

25

الفكري، و صولح على إبقاء الأرض له قبال «الجزية»).

4- أرض الأنفال (أي: الأرض التي تخصّ الإمام أو الدولة، ممّا فتحت إمّا بغير الغزو العسكري، أو مطلق الأرض التي لا صاحب لها بغضّ النظر عن شكلها الذي ينسب إليه (عنوة أو غيره)، ميتة كانت أو عامرة بالأصالة.)

و الملاحظ: أنّ اختلاف و جهات النظر بطبع كلّ الأقسام المتقدّمة بحيث لا يكاد الدارس يقف على شاطئ محدّد في هذا الصدد، سواء أ كان الأمر متّصلا بتحديد نمط الأرض و فرز ما هو مفتوح منها عنوة أو صلحا أو طواعية (من حيث البعد التاريخي لها)، أو ما كان متصلا بإمكانية تملّكها ببيع أو إرث نحوهما في بعض الأنواع منها، أو انحصار ذلك في نطاق «الحقّ» دون «الملك»، أو ما كان متصلا بأداء الخراج أو سقوطه .. إلخ.

أنّ أمثلة هذا التفاوت في و جهات النظر، ليس من السهل تجاوزها، ما دام الأمر متصلا بمشروعية تعاملنا مع الأرض أو عدم مشروعية ذلك، و هو أمر يتطلب مزيدا من التوفّر على الدراسات المتّصلة بهذا الحقل.

أوّل ما يطالعنا في هذا الصدد- كما أشرنا- هو: فرز نمط الأرض و تحديد المفتوح منها «عنوة» عن سواه. و أهميّة هذا الفرز تتمثّل في أنّ المفتوح عنوة ملك للمسلمين، لا يسمح لأحد أن يتصرّف فيها بعمارة أو بيع أو شراء إلّا بإذن الإمام أو الدولة حيث يقبّلها الى من يستثمرها حسب ما تتطلبه المصلحة من التقبيل بالنصف أو الثلث أو الثلثين .. إلخ.

و هذا الحكم- كما نعرف جميعا- موضع وفاق، نصا و فتوى، بيد أن المشكلة تكمن في تحديد هذا النمط من الأرض، و في تحديد أجزاء البلد الواحد نفسه، كما لو كان البعض منها عنوة دون البعض الآخر، و كما لو كان البعض منها حيّا و الآخر مواتا.

إنّ المؤرخين أو الفقهاء الذين أرّخوا قديما لهذا الجانب لا تكاد تتفق كلمتهم على تحديد ثابت في هذا الصدد.

26

و حيال هذا لا يمكن حسم المشكلة، كما هو واضح. فالعراق- على سبيل المثال- بالرغم من كونه موضع وفاق على فتحه عنوة، و إلى أنّ أربعة مواضع منه قد صولح عليها فحسب، إلّا أنّ تحديد عامرة و فرزه عن مواته لا يمكن ان نتثبت منه تاريخيا.

مضافا إلى ذلك، فإن فتحه (وفقا للمعيار الذي يميّز بين المفتوح بإذن الإمام فيصبح لجميع المسلمين، و المفتوح بغير إذنه فيصبح للإمام خاصّة) يظلّ موضع خلاف أيضا.

و أيّا كان الأمر، فإنّ الباحث يعنيه- خارجا عمّا لحظناه- أن يقف على واحدة من و جهات النظر الفقهية المتّصلة بالأرض و خراجها و سائر الظواهر المرتبطة بهما، متمثّلة في ما كتبه الفقيه المعروف (الكركي المحقّق الثاني) في رسالته التي أسماها ب(قاطعة اللجاج ..) حيث يمكننا أن نلحظ من طبيعة عنوانها قضيّة التفاوت بين و جهات النظر التي حاول المؤلف أن (يقطع) من خلالها بوجهة نظر تحسم الموقف، عبر تصوراته التي طرحها في الكتاب المذكور. و في مقدمة ذلك:

اصطناع الفارق بين البيع في نطاق رقبة الأرض، و البيع في نطاق الحق أو الآثار للمساحات المفتوحة عنوة، أو ما يطلق عليها أحيانا بالأرض الخراجية مع ملاحظة أن أرض الصلح يطلق عليها نفس التسمية عند بعض الكتاب (أي ملاحظة الخراج بمعنى الجزية)، كما أنّ بعضهم يطلق نفس التسمية لأراضي الدولة التي تؤجّر و يضرب الخراج عليها، بل مطلق ما يفرض من الضرائب حسب الاستخدام اللغوي لها.

المهمّ، أن المؤلف (و مثله صفّ كبير من الفقهاء) حسم الموقف في اصطناعه الفارق بين بيع (الرقبة) فيما لا يجوز ذلك، و بين بيع (الحق) فيما يسمح به.

و في تصوّرنا انّ وجهة نظر المؤلف صائبة في هذا الصدد ما دام الدليل الفقهي يسعفنا في ذلك، من نحو رواية أبي بردة، «يشتري حقّه منها» فيما دلت بوضوح على جواز اشتراء الحق، بملاحظة أنّ رقبة الأرض للمسلمين جميعا، و إلى أن عمارتها تكسب المشتري حقّا، ما دام قائماً بمراعاة ذلك، و بضمنه تأدية الخراج.

و يبدو أنّ الأرض الخراجية كانت عصرئذ مقترنة بنمط من الهوان

27

الاجتماعي، بخاصّة عند «العامّة» حيث نلحظ تصورات معيّنة لديهم، تقترن حينا بأرض «الجزية» التي تشكل هوانا لمن يشتريها، و حينا ثانيا بكونها ملكا عامّا للمسلمين لا يجوز أن يشتريها أحد إلّا بمقدار ما يقتات به، و حينا ثالثا بأنّ التزام المشتري بالخراج إقرار بالهوان و إلى أنّ إسقاطه أكل لأموال المسلمين .. إلخ.

و لا يبعد انسحاب هذه الكراهة على المناخ الاجتماعي عصرئذ، و لذلك نلحظ في رواية أبي شريح: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شراء الأرض من أهل الخراج، فكرههه، و قال: إنّما أرض الخراج للمسلمين، فقالوا له: إنّه يشتريها الرجل و عليه خراجها، فقال (عليه السلام): لا بأس إلّا أن يستحي من عيب ذلك»، فإشارته (عليه السلام) إلى «العيب» لا يبعد أن يكون تلويحا إلى المناخ الاجتماعي الذي قرن شراء الأرض الخراجيّة بالهوان الذي أشرنا إليه.

و من الممكن أن تقترن الكراهة الاجتماعية بالكراهة الفرديّة أيضا، تنزّها عن الشبهات، و هذا ما يمكن أن نلحظه في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبيه: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ لي أرض خراج و قد ضقت بها أ فأدعها؟ قال: فسكت عني هنيئة، ثمّ قال: إنّ قائمنا (عليه السلام) لو قام كان يصيد بك من الأرض أكثر منها»، فقد أعلن المشار إليه بأنه قد ضاق بالأرض الخراجيّة التي بحوزته، تعبيرا عن الشبهة التي ألمت به حيال الأرض المذكورة.

على أية حال، فإنّ شراء الحق دون «الرقبة» يظل أمرا لا غبار عليه في ضوء النصّ الذي لحظناه، و النصوص الأخرى التي تتحدّث عن الشراء مطلقا مثل رواية الحلبي: «إلّا أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين»، و رواية ابن شريح المتقدّمة: «يشتريها الرجل و عليها خراجها؟ فقال: لا بأس» .. إلخ.

بيد أنّ الشراء المذكور قد اقترن- كما لحظنا- بضرورة تأدية الخراج بصفة حقّا للمسلمين. و هذا ما يستجرّنا إلى التساؤل عن كيفيّة أدائه في زمن الغيبة. أمّا زمن الحضور فلا معنى لإشارته الآن ما دام- عمليّا- لا فاعليّة لمثل هذا التساؤل.

و يعنينا موقف «المؤلف» في هذا الصدد.

يقول الكاتب تحت عنوان (في حل الخراج ..):

28

«و كون ضرب الخراج و تقبيل الأرضين و أخذه و صرفه موكولا إلى نظره (عليه السلام)، لا يقتضي تحريمه حال الغيبة لبقاء الحقّ و وجود المستحقّ مع تظافر الأخبار عن الأئمة الأطهار، و تطابق كلام أجلّة الأصحاب و متقدّمي السلف و متأخّريهم بالترخيص لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في تناول ذلك حال الغيبة. فإذا انضمّ إلى هذا كلّه أمر من له النيابة حال الغيبة ..».

نستخلص من هذا الكلام أن الكاتب لا يجد مانعا من تقبيل الأرض و دفع خراجها بالنسبة إلى الجائر، ما دامت الأموال الخراجيّة تصرف في مصالح الشعب، و منهم:

الطائفة المحقّة، بصفة أنّ لكلّ أحد منها حقا في بيت المال، بالنحو الذي أوضحته إحدى الروايات التي سردها المؤلف لتعزيز وجهة نظره: «اما علم أنّ لك في بيت المال نصيبا».

و الجدير بالذكر، أنّ الكاتب قد ارتكن- في دعم وجهة نظره المذكورة- إلى مجموعة من النصوص التي تتحدّث عن الشراء الطعام و غيره من الجائر أو قبول جوائزه فيما تصلح دليلا على جواز «الأخذ» لا «الدفع» الذي حاول التدليل عليه.

و الحقّ، أنّ ظاهرة التقبيل و ما تتطلّبه من الخراج، قد تكفّلت ببيان مشروعيّته طائفة من النصوص من نحو: «لا بأس أن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان»، و نحو: «ما تقول في الأرض أتقبلها من السلطان .. قال: لا بأس» إلخ.

و من البيّن أنّ تقبّل الأرض من السلطان يستتلي دفع الخراج إليه أيضا. إلّا أنّ ذلك يكتسب مشروعيّته في حالة انحصار الأمر في السلطة الجائرة. أمّا في حالة إمكان التعامل مع سلطة مشروعية أو فقيه مبسوط اليد، كما أشار المؤلف إلى ذلك حينئذ أو حتّى إمكان التخلّص من الدفع، و ذلك بإيصاله بنفسه إلى المستحقّين، أو لصالح العامّة، حينئذ ينتفي المسوغ لدفعه إلى الجائر، كما هو واضح.

هذا كلّه فيما يتصل بالأرض الحيّة.

29

و لكن ماذا عن الأرض الميّتة؟

يقرّر المؤلف بأنّ الأرض الميّتة من المفتوح عنوة للإمام، و إلى أنّه مسموح لأيّ فرد أن يحييها زمن الغيبة.

أمّا أنها للإمام فلكونها من «الأنفال» التي يندرج الموات ضمنها، و أمّا السماح للفرد بإحيائها فلنصوص: «من أحيا ..» و أمّا سقوط الإذن في زمن الغيبة فلأخبار الإباحة.

كما ألمح الكاتب عبر حديثه عن الأنفال إلى ظاهرة الخراج الذي يفرضه الجائر، موضحا إلى أنّه لا يبعد إلحاق هذا النمط من الأرض بما يؤخذ من الأرض المفتوحة عنوة، كما ألمح- متردّدا- إلى احتمال الجواز لمن استجمع صفات النيابة في جباية الخراج المذكور.

و يلاحظ على المؤلف أنّه لم يلق الإضواء الكاملة على ظاهرة الأرض الموات بالنحو الذي تتطلبه المعالجة لهذا الجانب: من تفصيل لأشكالها و من تعزيز بأدلّة محدّدة لوجهة نظره، بل اكتفى بفقرات عابرة بالإشارة إلى تملّك المحيي لموات الأرض المفتوحة عنوة، دون أن يحدّد موقع التملّك من أنّه في صعيد الرقبة أو الحقّ، و دون أن يحدّد موقع ذلك من الإحياء البدائي أو المتجدّد. علما بأنّ النصوص الواردة في هذا الصدد، بين نص يطالب بتأدية الخراج و آخر بتأدية الحقّ لصاحبها، و ثالث ينفي أيّ حق لمحييها السابق، و رابع مطلق لا تفصيل فيه.

و أيّا كان الأمر، يتعيّن على الدارس لرسالة المؤلف الخراجيّة أن يقف عند لغتها، و منهجها، و مادّتها، بغية التعرّف على طابعها العام في هذا الصدد.

أمّا لغتها، فتتميّز بالوضوح و اليسر اللذين يتطلّبهما البحث الفقهي- و سائر البحوث الإسلامية- ما دام الهدف من الكتابة هو إيصال الأفكار إلى الآخرين و ليس التصنّع اللغوي الجافّ. كما تتميّز لغته- و هذا ما يمنحها مزيدا من القيمة- بالابتعاد عن الحشو (الأصولي) الذي لا حاجة إلى إقحامه في بحوث فقهيّة، الهدف منها تجلية ما غمض من الأدلّة، و ليس تضبيبه بمزيد من اللغة الأصولية، التي عفا

30

عليها الزمن، و بخاصّة: إنّها لا تلقي أيّة إنارة جديدة على البحث بقدر ما تصطنع مجموعة من المصطلحات التي يمكن استبدالها باللغة المألوفة التي يتمثلها القارئ الاعتياديّ، و بذلك يتمّ تحقيق الهدف العباديّ من ممارسة البحث الفقهي.

المهم، أنّ الكاتب، أتيح له أن يتجنّب مزالق اللّغة التي أشرنا إليها، و أن يتوفّر على تأدية اللغة بنحوها المطلوب.

أمّا من حيث المنهج فيبدو أنّ المؤلف قد التزم طابع عصره من تبويب رسالته وفق تمهيد و مقدّمات خمس- بمثابة فصول- و مقالة- كان من الممكن أن تشكّل مقدّمة سادسة-، و خاتمة بمثابة ملاحق، فضلا عن تضمينها مسائل داخل المقدّمات- بمثابة حقول- تنتظم جوانب الفصل.

المقدّمة الأولى: تناولت أقسام الأرضين، و الثانية: الأرض المفتوحة عنوة، و الثالثة: أرض الأنفال، و الرابعة: تحديد المفتوحة عنوة (تاريخيّا)، و الخامسة: تحديد دلالة الخراج.

و أمّا المقالة فقد تناولت الخراج من حيث مشروعيّته زمن الغيبة.

أمّا الخاتمة فتناولت مسائل متفرقة عن الخراج.

في ضوء الخطوط التي لحظناها في التبويب المذكور يمكننا بوضوح أن نتبيّن هدف الكاتب من رسالته، متمثلا في تشدّده على الأرض المفتوحة عنوة- بما في ذلك مواتها- و صلة الخراج بمختلف الجوانب المرتبطة بالأرض المتقدّمة و بسواها، و هو ما يتّسق مع عنوان الرسالة التي كتبها، دون أن يتحدّث تفصيلا عن أنماط أخرى من الأرض التي تضئل علاقتها بالهدف الذي يشدّد عليه، و دون أن يتحدّث عن الظواهر الجانبيّة التي تتصل ببحوث الأرض بشكل عام، من معادن و مياه و سواهما ممّا اعتيد تناولها في غالبيّة البحوث.

و يبدو أنّ تشدّد المؤلف على الأرض المفتوحة عنوة بما يواكبها من ظاهرة الخراج، و بما تستتبعه من تعامل مع السلطة الزمنيّة، يظلّ على صلة بطابع العصر أو الحقبة الزمنيّة التي شهدت نوعا من الاهتمام الخاصّ بأمثلة هذا التعامل مع الأرض

31

و السلطة، تقبّلا أو إنكارا، و بخاصّة أنّ المؤلف- كما يقول مؤرخوه- كان يحتلّ موقعا علميا ضخما إلى الدرجة التي اجتذب بها أنظار السلطة، فمنحته تقديرا يتناسب مع موقعه العلميّ، و هو أمر قد يجابه بردود من الفعل قائمة على التساؤل عن مسوّغات التعامل مع سلطة أو أرض من الممكن أن يثأر التشكيك حيا لهما.

و قد ألمح المؤلف نفسه (في تمهيده لرسالته الخراجية التي نتحدث عنها) الى بعض المشكلات التي أثيرت حول الأرض و السلطة في هذا الصدد، كما ألمح في تضاعيف رسالته إلى ذلك. و يمكننا- مضافا إلى ما تقدّم- أن نلحظ أصداء المشكلة ذاتها في بعض الكتابات الفقهيّة التي ألّفت للردّ على رسالة المؤلف.

و أيّا كان الأمر، فإنّ هدفنا من الإشارة العابرة الى هذا الجانب، هو أن نصل بين عنوان رسالته و بين المناخ الاجتماعي الذي اكتنف ذلك.

و أخيرا، و نحن نتحدّث عن منهج الكاتب، ينبغي أن نشير إلى أنّ معالجته للظواهر الفقهيّة التي طرحها في رسالته، تظلّ على صلة بالمناخ العلميّ الذي طبع غالبيّة العصور الموروثة، و هو تصدير الظاهرة الفقهية المبحوث عنها بكتابات الطوسي بخاصّة، فيما احتلّ دون سواه موقعا لافتا للنظر، حتى أنّ المؤلف يكتفي حينا بتقديم ما كتبه الفقيه المذكور لإحدى المسائل، مقتصرا على ذلك في التدليل على هذه الوجهة من النظر التي يطرحها أو تلك، دون أن يشفعها بأيّ تدليل آخر. كما أنّ كلا من العلامة و الشهيد الأوّل يأخذان نصيبا كبيرا من ذلك.

أمّا أدوات الممارسة الفقهيّة التي يستخدمها في حقلي الأصول و التحقيق، فتتّسم أولاهما- كما سبقت الإشارة- بالإهمال التامّ لها لانتفاء فاعليّتها في الممارسة، و أمّا الأخرى فإن للكاتب قناعته بجملة من المبادئ المتمثّلة في الرواية المنجبرة بعمل الأصحاب، و التفكيك بين أجزاء الرواية، ممّا تعفيه من عناء الممارسة التي تستجرّها مشكلات الرواية. و لنقرأ بعض تعقيباته على الخبر الضعيف:

«الخبر الضعيف الإسناد إذا انجبر بقبول الأصحاب و عملهم، ارتقى إلى مرتبة الصحيح».

و مثله تعقيبه على مرسلة حمّاد المعروفة، مضافا إلى ظاهرة (التفكيك)

32

«و هذا الحديث و إن كان من المراسيل إلّا أنّ الأصحاب تلقّوه بالقبول .. بقي شيء و هو أنّه تضمّن وجوب الزكاة قبل حقّ الأرض، و بعد ذلك يؤخذ حقّ الأرض، و المشهور بين الأصحاب أن الزكاة بعد المؤن».

و عقّب على مرسلة الورّاق:

«مضمون هذه الرواية مشهور بين الأصحاب، مع كونها مرسلة، و جهالة بعض رجال أسنادها و عدم إمكان التمسّك بظاهرها».

و يوضح في تعقيب آخر مسوّغات العمل أساسا:

«أخبار الآحاد بين محققي الأصحاب و المحصّلين منهم إنّما يكون حجة إذا انضمّ إليها من المتابعات و الشواهد و قرائن الأحوال ما يدل على صدقها».

و من البيّن أن مجرّد العمل بالرواية لا يولد يقينا بوثاقتها و إلّا لانتفت عمليّة البحث عن الأسناد و تعطلت أيّة فاعليّة جديدة في تحقيقها، مع أنّ عمليّة تحقيق النصّ و تصحيح نسبته إلى قائله يظلّ في مقدّمة البحوث العلميّة الموروثة بخاصّة و هو أمر تتوفر عليه كلّ الأبحاث الحديثة، أيّا كان نمط المعرفة التي يتناولها البحث.

و تبعا لذلك، فإنّ القناعة الشخصيّة، لا عمل الأصحاب خلافا لرأي المؤلف هو الذي يكسب النصّ قيمته الحقيقيّة.

و على سبيل المثال، فإنّ مرسلة حمّاد المذكورة من الممكن أن يمنحها الباحث نمطا من الاعتبار لقناعته بأنّ الراوي المذكور لا يرسل إلّا عن ثقة، لا لأنّ الفقهاء عملوا بنصوصه المرسلة، أو لأنه من أصحاب الإجماع، على صحّة روايته عن المجهولين- تبعا لما يقرّره الأقدمون-، بل لأن الباحث نفسه ينبغي أن تتكون لديه قناعة شخصيّة بذلك.

و أمّا فيما يتصل بتفكيك أجزاء الرواية و العمل ببعضها دون الآخر، فإنّ النصّ لا يخلو إمّا من توفر نصوص مماثلة للجزء المعمول به في الرواية أو انفرادها بذلك.

33

ففي الحالة الأولى لا تمكن أية قيمة ذات بال في الارتكان لهذا الجزء ما دامت النصوص المعتبرة الأخرى تتكفل بتقديم الدليل. و حينئذ تنحصر قيمة هذا الجزء بكونه مجرّد تعزيز للدليل لا أكثر.

أمّا في الحالة الثانية فمن الصعب أن تتمّ القناعة بجزء لا شاهد له من النصوص الأخرى- فضلا عن ان الجزء الآخر شاذّ أساسا- إلّا إذا افترضنا إمكانيّة تساوقه مع الدليل العقليّ، و هو أمر بصعب الركون إليه.

على أيّة حال، فإنّ للمؤلف قناعته الخاصّة في المعيارين اللذين تقدّم الحديث عنهما، فيما يعيننا من ذلك أن نشير إلى انسحاب وجهة نظره المذكورة على طبيعة ممارسته الفقهيّة، حيث لحظنا مدى انسحاب ذلك على رسالته التي أعفته من الدخول في مشكلات الرواية و تحقيقها.

و مثل ما قلنا، فإنّ هذا الجانب المتصل بتحقيق النصّ، إذا كان لنا أن نناقش الكاتب فيه، فإنّنا على عكس ذلك، لا تعقيب لنا على اختزاله للأداة الأصولية- و هي الأداة الأخرى من ممارساته- فيما أشرنا إلى عدم ضرورتها، ما دام الهدف هو تجلية ما غمض من الأدلة، و ليس تغميض ما هو واضح منها.

و بعامّة، فإنّ «الرسالة» التي توفّر عليها الكاتب، تظلّ مستجمعة لهدف البحث و هو «الخراج» و ما يتصل به من ظواهر مرتبطة بمشروعيّته زمن الغيبة بطبيعة الحال. (و إلّا فإنّ زمن الحضور على تفصيل بين بسط اليد و عدمه لا فائدة من معالجته الآن).

و قد نجح المؤلف في عرض وجهة نظره و التدليل عليها بالشكل الذي يتطلبه البحث.

و لكن ما يلاحظ عليه- بشكل عام- هو تأكيده على فتاوى الأصحاب إلى الدرجة التي يبدو و كأن اهتمامه بوجهات نظرهم أشدّ من النصوص التي قدّمها في هذا الصدد، و هو أمر يقلّل من أهميّة الاستدلال لوجهة نظره، ما دمنا نعرف بوضوح أنّ فتاواهم تمثّل رأي أصحابها، و هي معرّضة للخطإ و الصواب و ليست حجة على

34

غيرهم.

مضافا إلى ذلك، يلاحظ: أنّ المؤلّف- بدلا من أن يستقطب أكثر عدد ممكن من قائمة الفقهاء- إذا به يستقطب أكثر عدد ممكن من فتاوى فقيه واحد أو أكثر.

فمثلا نجده- للتدليل على وجهة نظره- يتّجه إلى العلّامة في مختلف كتبه مثل التذكرة، المنتهى، التحرير، القواعد، الإرشاد .. إلخ، فيسجّل نفس الفتوى متكررة في الكتب المذكورة و من الواضح أنّ مثل هذا المنهج لا يخدم وجهة نظر المؤلف، لأنّه لم يصنع شيئا أكثر من أنّه نقل رأي فقيه واحد في مجموعة مؤلفاته، لا أنّه نقل رأي مجموعة من الفقهاء حتى تتعزّز بها فتواه.

أمّا ما يتصل ب(أفكار) المؤلف، فإن أهم ما يلفت الانتباه فيها- بعد أن عرضنا عابرا لحصيلة أفكاره- أن نجده (يشكّك) في نيابة الفقيه من حيث صلاحيته في التعامل مع مشكلات الخراج: إذنا، و جباية، في حين لا يتردّد البتة في صلاحية السلطة الزمنية.

و بالرغم من أنّ وجهة نظره عن (السلطة الزمنية) لها ما يسوّغها، ما دامت النصوص أقرّت مشروعيّة تقبيل الأرض و غيره من قبل السلطة الزمنيّة، بيد أنّ هذا يجعل القناعة ب(نيابة الفقيه) أشدّ مشروعيّة، دون أدنى شكّ، ما دام المؤلف ذاته يحتج- في جملة ما يحتج به على مشروعية التعامل مع السلطة الزمنية- أنّ للمسلمين (حقّا) في بيت المال. و الفقيه- دون ريب- أولى من غيره بمعرفة (الحقّ) و إيصاله إلى أصحابه. و أيا كان: فلكلّ وجهة نظره.

أخيرا: نقدّم هذه الرسالة القيمة إلى القارئ الكريم، آملين أن يفيد منها، بخاصّة أنها تجسّد رأي واحد من كبار فقهائنا الذين لا يكاد يتجاهله أيّ باحث يمارس عمليّة (البحث المقارن)، فضلا عن ان فقيهنا المذكور- كما ينقل مؤرخوه- لم يقتصر في نشاطه على البحث العلمي فحسب بل تجاوزه إلى ميدان الإصلاح الاجتماعيّ متنقّلا في جملة من البلدان، مساهما بذلك في نوعية الجمهور إسلاميّا، الأمر الذي يضفي على شخصيّته تقديرا خاصّا، يجعل من التعرف على رسالته- التي بين يديك- أهميّة ذات خطورة دون أدنى شك.

35

و قبل أن نغادر الكاتب في رسالته، نودّ أن نلفت انتباه القارئ إلى أنّ الطبعة القديمة التي انتظمت داخل ثلاثين رسالة بعنوان «كلمات المحققين» لم تخل من أغلاط بسبب من الطبع أو النسخ، بخاصّة فيما يتصل ب(النصوص) المنقولة عن «التهذيب» حيث يلاحظ أنّ كثيرا منها لا يطابق نصوص التهذيب، و لكن دون أن يغيّر ذلك من مضمونها و لذلك تركناها على حالها ما دامت الحاجة منتفية إلى ذلك، و اكتفينا بتصويب الغلط منها فحسب، دون أن نشير إلى ذلك في الهوامش ما دام الهدف هو التصويب، و ليس (شكلية التحقيق) التي لا فائدة جوهرية فيها.

محمود البستاني

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

[تمهيد المؤلف]

بسم اللّه الرحمن الرّحيم الحمد للّه الذي أيّد كلمة الحقّ بالبراهين القاطعة، و أعلى كلمة الصدق بالحجج اللامعة، و درج أباطيل المفترين بالدلائل الدامغة، و أذلّ أعناق المغالطين بالبيّنات القامعة، و الصلاة و السلام على المبعوث بخير الأديان محمد المختار من شجرة بني عدنان، و على آله الأطهار المهتدين، و عترته الأخيار الحفظة للدين.

و بعد:

فإنّي لمّا توالى على سمعي تصدّى جماعة من المتسمّين بسمة الصلاح، و ثلّة من غوغاء الهمج الرعاع، أتباع كلّ ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظّ وافر، و استولى عليهم الشيطان فحلّ منهم في سويداء الخاطر لتقريض العرض و تمزيق الأديم، و القدح بمخالفة الشرع الكريم، و الخروج عن سواء النهج القويم،- حيث انّا لمّا لزمنا الإقامة ببلاد العراق، و تعذر علينا الانتشار في الآفاق للأسباب ليس هذا محل ذكرها- لم نجد بدّا من التعلّق بالقرية لدفع الأمور الضروريّة من لوازم متمّمات المعيشة، مقتفين في ذلك أثر جمع كثير من العلماء و جمّ غفير من الكبراء الأتقياء، اعتمادا على ما ثبت بطريق من أهل البيت(عليهم السلام) من أنّ أرض العراق و نحوها- مما فتح عنوة بالسيف- لا يملكها مالك مخصوص، بل هي للمسلمين قاطبة يؤخذ منها الخراج و المقاسمة، و يصرف

38

في مصارفه التي بها رواج الدين، بأمر إمام الحقّ من أهل البيت(عليهم السلام)، كما وقع في أيّام أمير المؤمنين- (عليه السلام).

و في حال غيبته(عليه السلام) قد أذن أئمتنا(عليهم السلام) لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور، كما سنذكره مفصلا. فلذا تداوله العلماء الماضون و السلف الصالحون غير مستنكر و لا مستهجن.

و في زماننا- حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، و اندرس بينهم معظم الأحكام، و أخفيت مواضع الحلال و الحرام- هدرت شقاشق الجاهلين، و كثرت جرأتهم على أهل الدين، استخرت اللّه تعالى، و كتبت في تحقيق هذه المسألة «رسالة» ضمّنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار(عليهم السلام)، و أودعتها ما صرّحوا به في كتبهم من الفتوى: «بأنّ ذلك حلال لا شكّ فيه، و طلق لا شبهة تعتريه»، على وجه بديع، تذعن له قلوب العلماء، و لا تمجه إسماع الفضلاء. و اعتمدت- في ذلك- أن أبيّن في هذه المسألة التي أفل بدرها و جهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، و لا تفاديا من تعريض جاهل، فإنّ لنا بموالينا أهل البيت(عليهم السلام) أعظم أسوة و أكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الأقاويل، و نسبوا إليهم الأباطيل، و بملاحظة «لو كان المؤمن في جحر ضب يبرد كلّ غليل» مع أني لم أقتصر- فيما أشرت اليه- على مجرّد ما نبهت عليه. بل أضفت إلى ذلك من الأسباب التي تثمر الملك و تفيد الحلّ، ما لا يشوبه شكّ، و لا يلحقه لبس من شراء حصة من الأشجار، و الاختصاص بمقدار معيّن من البذر. فقد ذكر أصحابنا طرقا للتخلّص من الربا، و إسقاط الشفعة و نحوها مما هو مشهور متداول، بل لا ينفك منها إلّا القليل النادر. و قد استقرّ في النفوس قبوله و عدم النفرة منه، مع أنّ ما اعتمدته في ذلك: أولى بالبعد عن الشبهة، و أحرى بسلوك جادّة الشريعة.

و لم أودع- في هذه الرسالة- من الفتوى إلّا ما اعتقدت صحّته، و أقدمت على

39

لقاء اللّه تعالى به، مع علمي بأنّ من خلا قلبه من الهوى، و بصّر بصيرته من الغوى، و راقب اللّه تعالى في سريرته و علانيته، لا يجد بدا من الاعتراف به، و الحكم بصحته.

و سمّيتها: قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج، و رتّبتها على مقدّمات خمس، و مقالة، و خاتمة. و سألت اللّه تعالى أن يلهمني إصابة الحقّ، و يجنّبني القول بالهوى، إنّه وليّ ذلك، و القادر عليه.

40

المقدّمة الاولى في أقسام الأرضين

و هي في الأصل على قسمين:

أحدهما: أرض بلاد الإسلام،

و هي على قسمين أيضا: عامر و موات، فالعامر: ملك لأهله لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذن ملاكه. و الموات: إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لإمام المسلمين يفعل به ما يشاء، و ليس هذا القسم من محلّ البحث المقصود.

القسم الثاني: ما ليس كذلك،

و هو على أربعة أقسام:

أحدها: ما يملك بالاستغنام و يؤخذ قهرا بالسيف،

و هو المسمّى ب(المفتوح عنوة).

و هذه الأرض للمسلمين قاطبة لا يختصّ بها المقاتلة عند أصحابنا كافة، خلافا لبعض العامّة [1]، و لا يفضّلون فيها على غيرهم، و لا يتخيّر الإمام بين قسمتها و وقفها و تقرير أهلها عليها بالخراج، بل يقبلها الإمام (عليه السلام) لمن

____________

[1] للعامّة جملة أقوال:

أحدهما: تقسيم الأرض على الغانمين فحسب.

و الثاني: تصبح فيئا للمسلمين دون الغانمين.

و الثالث: تخيير الإمام بين قسمتها على الغانمين أو المسلمين.

كما اختلفوا في تقسيمها بين الغانمين أو وقفها .. إلخ. انظر تفصيلات ذلك في موسوعة الخراج كتاب:

الاستخراج لابن رجب الحنبلي، دار المعرفة- بيروت.

41

يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو غير ذلك. و على المتقبل إخراج مال القبالة الذي هو حقّ الرقبة. و فيما يفضل في يده- إذا كان نصابا- إمّا العشر أو نصف العشر.

و لا يصحّ التصرّف في هذه الأرض بالبيع و الشراء و الوقف و غير ذلك.

و للإمام (عليه السلام) أن ينقلها من متقبّل الى آخر، إذا انقضت مدّة القبالة أو اقتضت المصلحة ذلك. و له التصرف فيها بحسب ما يراه الإمام (عليه السلام) من المصلحة للمسلمين.

و انتفاع الأرض يصرف إلى المسلمين و إلى مصالحهم، و ليس للمقاتلة فيه إلّا مثل ما لغيرهم من النصيب في الارتفاع.

و ثانيها: أرض من أسلم أهلها عليها طوعا من غير قتال.

و حكمها أن تترك في أيديهم ملكا لهم يتصرفون فيها بالبيع و الشراء و الوقف و سائر أنواع التصرّف، إذا قاموا بعمارتها.

و يؤخذ منهم العشر أو نصفه زكاة بالشرائط.

فإن تركوا عمارتها و تركوها خرابا كانت للمسلمين قاطبة، و جاز للإمام (عليه السلام) أن يقبّلها ممّن يعمّرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع و نحو ذلك.

و على المتقبّل- بعد إخراج حقّ القبالة، و مئونة الأرض، مع وجود النصاب- العشر أو نصفه. و للإمام (عليه السلام) أن يعطي أربابها حقّ الرقبة من القبالة، على المشهور.

أفتى به الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط (1) و النهاية (2)، و أبو الصلاح (3) و هو الظاهر

____________

(1) انظر: حقل الزكاة، ص 234، 235- ج 1- المكتبة الرضوية.

(2) انظر: حقل الزكاة- ص 201- 202- ج 1- الطبعة المترجمة.

(3) نقلا عن المختلف- حقل الزكاة- ص 232.

42

من عبارة المحقق نجم الدين في الشرائع (1)، و اختاره العلّامة في المنتهى (2) و التذكرة (3) و التحرير (4).

و ابن حمزة (5) و ابن البرّاج ذهبا إلى أنّها تصير للمسلمين قاطبة و أمرها إلى الإمام (عليه السلام). و كلام شيخنا في الدروس (6) قريب من كلامهما فإنه قال: «يقبلها الإمام (عليه السلام) بما يراه و يصرفه في مصالح المسلمين».

و ابن إدريس (7) منع من ذلك كلّه، و قال: «إنّها باقية على ملك الأول، و لا يجوز التصرّف فيها إلّا بإذنه». و هو متروك.

احتجّ الشيخ بما رواه صفوان بن يحيى، و أحمد بن محمد بن أبي نصر (8)، قال: «ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج و ما سار فيها أهل بيته، فقال:

من أسلم طوعا تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر ممّا سقت السماء و الأنهار، و نصف العشر ممّا كان بالرشاء فيما عمروه منها، و ما لم يعمروه منها أخذه الإمام (عليه السلام) فقبله ممن يعمّره، و كان للمسلمين، و على المتقبّلين في حصصهم العشر أو نصف العشر» (9).

و في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبى نصر، قال: «ذكرت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) الخراج و ما سار به أهل بيته، فقال: العشر و نصف العشر على من أسلم تطوّعا تركت أرضه في يده، و أخذ منه العشر أو نصف العشر فيما عمّر منها، و ما لم يعمّر أخذه الوالي فقبّله ممّن يعمره و كان للمسلمين، و ليس

____________

(1) انظر: حقل الجهاد- ص 322- ج 1.

(2) انظر: حقل الجهاد- ص 935- ج 2.

(3) انظر: حقل الجهاد- ص 427- ج 1.

(4) انظر: حقل الجهاد- ص 142.

(5) انظر: «الوسيلة»- حقل الجهاد- ص 717- «الجوامع الفقهية».

(6) نقلا عن «المختلف»- ص 332.

(7) انظر: حقل الجهاد- ص 163- منشورات صادقي.

(8) انظر: «السرائر» حقل: أحكام الأرضين ص 110.

(9) التهذيب- حقل الخراج- ص 118- 119- ج 4- منشورات دار الكتب الإسلامية- ح 341.

43

فيما كان أقلّ من خمسة أو ساق شيء. و ما أخذ بالسيف فذلك للإمام (عليه السلام) يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بخيبر» (1).

و اعترض في المختلف (2)- بأنّ السؤال وقع عن أرض الخراج و لا نزاع فيه، بل النزاع في أرض من أسلم أهلها عليها. ثمّ أجاب ب: أنّ الجواب وقع أوّلا عن أرض من أسلم أهلها عليها، ثمّ إنّه (عليه السلام) أجاب عن أرض العنوة.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ العلّامة في المختلف احتجّ بهاتين الروايتين على مختار الشيخ و الجماعة، و هما في الدلالة على مختار ابن حمزة و ابن البرّاج أظهر.

ثمّ احتجّ لهما برواية [1] لا تدلّ على مطلوبهما [2] بل و لا تلتئم مع مقالتهما، و ليس لنا في بيان ذلك كثير فائدة. نعم، بمقتضى الروايتين: المتجه ما ذهبا إليه.

و ثالثها: أرض الصلح، و هي: كلّ أرض صالح أهلها عليها.

و هي أرض الجزية، فيلزمهم ما يصالحهم الإمام(عليه السلام) عليه من

____________

[1] و هي رواية معاوية بن عمار: «سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: أيما رجل أتى خربة فاستخرجها و كرى أنهارها و عمرها، فإنّ عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضا لرجل قبّله فغاب عنها و تركها و أخربها ثم جاء بعد يطلبها، فإنّ الأرض للّه ..».

[2] يبدو أنّ كلا من العلّامة و ناقده «المؤلّف» وقع في نفس التشوّش الذي طبع منهجهما الاستدلالي.

فالمؤلف أحتجّ للطوسي بنفس الروايتين اللتين احتج العلّامة بهما لوجهة نظره و وجهة نظر الطوسي و أبي الصلاح، فيما ذهبوا جميعا الى أنّ الأرض التي أسلم أهلها عليها طوعا: إذا تركوا عمارتها يقبلها الإمام من يعمّرها و يعطي صاحبها طسقها في حين أن الروايتين لم تتعرّضا للطسق الذي يمنحه الإمام لصاحب الأرض التي تركها.

علما بأنّ ثمّة رواية ثالثة استشهد بها العلّامة ردا على مختاري ابن حمزة و ابن البراج، جاء فيها «قلت: فان كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤد إليه حقّه»، فيما يمكن ان تشكل مستندا لوجهة النظر القائلة بالطسق، مع ملاحظة أنّ الإجابة كانت مطلقة، تتحدّث عن الرجل الذي يواجه أرضا خربة ذات مالك، دون أن تتحدث عن القبالة أو نمط المالك، و لكنّها قد تصلح قيدا للنصوص المطلقة التي تنفي أحقية المحيي الأول، بغض النظر عن سببية إحيائه: بأن كانت ممن أسلم أهلها عليها طوعا و تركها، أو تملكها بأخذ أسباب الملك من بيع أو إرث أو هبة.

____________

(1) التهذيب- حقل الخراج- ص 119- ص 242 ح 4.

(2) انظر: حقل الجهاد- ص 222.

44

نصف أو ثلث أو ربع أو غير ذلك، و ليس عليهم شيء سواه.

فإذا أسلم أربابها، كان حكم أرضهم حكم أرض من أسلم طوعا ابتداء، و يسقط عنهم الصلح لأنّه جزية.

و يصح لأربابها التصرّف فيها بالبيع و الشراء و الهبة و غير ذلك.

و للإمام(عليه السلام) أن يزيد و ينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدّة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية و نقصانها.

و لو باعها المالك من مسلم: صحّ، و انتقل ما عليها إلى رقبة البائع و هذا إذا صولحوا على أنّ الأرض لهم.

أمّا لو صولحوا على أنّ الأرض للمسلمين و على أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة، عامرها للمسلمين و مواتها للإمام- (عليه السلام).

و رابعها: أرض الأنفال،

و هي: كلّ أرض انجلى أهلها عنها و تركوها، أو كانت مواتا لغير مالك فأحييت، أو كانت آجاما و غيرها مما لا يزرع فاستحدثت مزارع، فإنّها للإمام(عليه السلام) خاصّة لا نصيب لأحد معه فيها، و له التصرّف فيها بالبيع و الشراء و الهبة و القبض، حسب ما يراه، و كان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع و يجوز له نزعها من يد متقبّلها إذا انقضت مدّة القبالة، إلا ما أحييت بعد موتها، فإنّ من أحياها أولى بالتصرّف فيها إذا تقبّلها بما يتقبّلها غيره، فإن أبى كان للإمام نزعها من يده و تقبيلها لمن يراه، و على المتقبّل- بعد إخراج مال القبالة- فيما يحصل: العشر أو نصفه.

مسائل

الأولى:

تقسيم الأرضين إلى هذه الأقسام الأربعة بعينه موجود في كلام

45

الشيخ في المبسوط و النهاية، بل تكاد عبارته تطابق العبارة المذكورة هنا. و الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في ذلك. فقد ذكره كذلك جماعة من المتأخرين كابن إدريس، و المحقق ابن سعيد، و العلّامة في مطوّلاته «كالمنتهى» و «التذكرة»، و متوسّطاته «كالتحرير»، و مختصراته «كالقواعد» و «الإرشاد» و كذا شيخنا الشهيد في «الدروس».

الثانية:

قال الشيخ (1): «كل موضع أوجبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين- إذا أخرج الإنسان مئونته و مئونة عياله لسنته- وجب عليه فيما بقي بعد ذلك الخمس لأهله» و هو متجه.

الثالثة:

ما يؤخذ من هذه الأراضي: إمّا مقاسمة بالحصّة، أو ضريبة تسمّى (الخراج)، يصرف لمن له رقبة تلك الأرض.

فما كان من المفتوح عنوة فمصرفه للمسلمين قاطبة. و كذا ما يؤخذ من أرض الصلح أعني «الجزية».

و ما يؤخذ ممّا أسلم أهلها عليها إذا تركوا عمارتها: على ما سبق [1].

و ما كان من أرض الأنفال: فهو للإمام(عليه السلام) و سيأتي تفصيل بعض ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

____________

[1] أي: للإمام أن يقبّلها شخصا آخر، و لكن على أن يعطي أربابها حق الرقبة.

____________

(1) انظر: المبسوط- حقل الزكاة- ص 226- ج 1.

46

المقدّمة الثانية في حكم المفتوح عنوة

أعني المأخوذ بالسيف قهرا لأنّ فيه معنى الإذلال، و منه قوله تعالى «وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» أي: ذلّت.

و فيه مسائل

الأولى: قد قدّمنا أنّ هذه الأرض للمسلمين قاطبة، لا يختص بها المقاتلة،

لكن إذا كانت محياة وقت الفتح. و لا يصحّ بيعها- و الحالة هذه- و لا وقفها و لا هبتها، بل يصرف الإمام(عليه السلام) حاصلها في مصالح المسلمين مثل: سدّ الثغور و معونة الغزاة و بناء القناطر، و يخرج منها أرزاق القضاة و الولاة و صاحب الديون و غير ذلك من مصالح المسلمين.

ذهب إلى ذلك أصحابنا كافة.

قال الشيخ في «المبسوط» (1) عند ما ذكر هذا القسم من الأرضين:

«و يكون للإمام النظر فيها و تقبيلها و تضمنها بما شاء، و يأخذ ارتفاعها و يصرفه في مصالح المسلمين و ما ينوهم: من سدّ الثغور و معونة المجاهدين و بناء القناطر و غير ذلك من مصالح المسلمين، و ليس للغانمين في هذه الأرض خصوصا شيء، بل هم و المسلمون سواء، و لا يصحّ بيع شيء من هذه الأرضين و لا هبته و لا معاوضته و لا تمليكه و لا وقفه و لا رهنه و لا إجارته و لا إرثه. و لا يصحّ

____________

(1) انظر: المبسوط- حقل الجهاد- ص 34- ج 2.

47

أن يبني دورا و لا منازل و لا مساجد و سقايات، و لا غير ذلك من أنواع التصرّف الذي يتبع الملك. و متى فعل شيئا من ذلك كان التصرّف باطلا، و هو باق على الأصل».

هذا كلامه(رحمه اللّه) بحروفه. و كلامه في النهاية قريب من ذلك، و كذا كلام ابن إدريس في السرائر.

و الذي وقفنا عليه من كلام المتأخرين عن زمان الشيخ(رحمه اللّه) غير مخالف لشيء من ذلك. فهذا العلامة في كتابه منتهى المطلب و تذكرة الفقهاء و التحرير مصرح بذلك.

قال في «المنتهى» (1): «قد بيّنا أنّ الأرض المأخوذة عنوة لا يختصّ بها الغانمون بل هي للمسلمين قاطبة إن كانت محياة وقت الفتح، و لا يصحّ بيعها و لا هبتها و لا وقفها، بل يصرف الإمام حاصلها في المصالح مثل: سدّ الثغور و معونة الغزاة و بناء القناطر، و يخرج منها أرزاق القضاة و الولاة و صاحب الدين و غير ذلك من مصالح المسلمين».

و قد تكرّر في كلامه نحو هذا: قبل و بعد، و كذا قال في التذكرة و التحرير، فلا حاجة إلى التطويل بإيراد عبارته فيهما.

و قد روى الشيخ في التهذيب عن حمّاد بن عيسى، قال:

«رواه بعض أصحابنا عن العبد الصالح أبي الحسن الأول(عليه السلام) في حديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة قال: «و ليس لمن قاتل شيء من الأرضين و ما غلبوا عليه إلا ما احتوى العسكر». إلى أن قال:

«و الأرض التي أخذت عنوة بخيل و ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمّرها و يحييها، و يقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من

____________

(1) انظر: حقل الجهاد- ص 926.

48

الخراج: النصف أو الثلث أو الثلثان، و على قدر ما يكون لهم صالحا و لا يضرّ بهم، فإذا خرج منها نماء بداء، فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحا، و نصف العشر مما سقي بالدوالي و النواضح، فأخذه الوالي فوجّهه في الوجه الذي وجهه اللّه تعالى له» إلى أن قال: «و يؤخذ بعد ما بقي من العشر، فيقسّم بين الوالي و بين شركائه الذين هم عمّال الأرض و أكرتها، فيدفع إليهم أنصباءهم على قدر ما صالحهم عليه، و يأخذ الباقي، فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين اللّه، و في مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام و تقوية الدين في وجوه الجهاد و غير ذلك مما فيه مصلحة العامّة، ليس لنفسه من ذلك قليل و لا كثير. و له- بعد الخمس- الأنفال.

و الأنفال: كل أرض خربة قد باد أهلها، و كل أرض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و لكن صولحوا عليها و أعطوا بأيديهم من غير قتال. و له رءوس الجبال، و بطون الأودية، و الآجام، و كلّ أرض ميتة لا ربّ لها. و له صوافي الملوك مما كان في أبديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود. و هو وارث من لا وارث له» (1) الحديث بتمامه.

و هذا الحديث- و إن كان من المراسيل- إلّا أنّ الأصحاب تلقّوه بالقبول، و لم نجد له رادّا، و قد عملوا بمضمونه. و احتجّ به- على ما تضمّن من مسائل هذا الباب- العلّامة في المنتهى. و ما هذا شأنه فهو حجّة بين الأصحاب، فإنّ ما فيه من الضعف ينجبر بهذا القدر من الشهرة.

بقي شيء واحد و هو: أنه تضمّن وجوب الزكاة قبل حقّ الأرض، و بعد ذلك يؤخذ حقّ الأرض. و المشهور بين الأصحاب أنّ الزكاة بعد المؤن. نعم، هو قول الشيخ- (رحمه اللّه).

____________

(1) انظر: حقل الخمس من التهذيب، ص 128- 130- ج 4- ح 366.

49

و روى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال:

«ما أخذ بالسيف فذلك للإمام(عليه السلام) يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)بخيبر، قبل أرضها و نخلها، و الناس يقولون لا تصحّ قبالة الأرض و النخل، إذا كان البياض أكثر من السواد، و قد قبل رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)خيبر (1).

و في معناه: ما رواه أيضا مقطوعا عن صفوان بن يحيى و أحمد بن أبي نصر (2).

الثانية: موات هذه الأرض

- أعني المفتوحة عنوة- و هو ما كان في وقت الفتح مواتا للإمام(عليه السلام) خاصّة (3) لا يجوز لأحد إحياؤه إلا بإذنه إن كان ظاهرا.

و لو تصرّف فيها متصرّف بغير إذنه كان عليه طسقها. و حالة الغيبة: يملكها المحيي من غير إذن.

و يرشد إلى بعض هذه الأحكام ما أوردناه في الحديث السابق عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) [1]. و أدل منه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد: «أنه سمع رجلا يسأل الصادق(عليه السلام) عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمّرها و أكرى أنها رها و بنى فيها بيوتا و غرس فيها نخلا و شجرا، قال: فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «كان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له و عليه طسقها يؤديه إلى الإمام من أهل بيتي، فإذا ظهر القائم(عليه السلام) فليوطّن نفسه على أن تؤخذ منه» (4).

____________

[1] مثل قوله(عليه السلام) (و له: بعد الخمس الأنفال. و الأنفال: كلّ أرض خربة باد أهلها) و (كل أرض ميتة لا ربّ لها) و انظر ص 47 من هذا الكتاب.

____________

(1) التهذيب: حقل الخراج- ص 119- ج 4- ح 342.

(2) نفس المصدر- ص 118- 119- ح 341.

(3) بصفة أنها من «الأنفال» فتخرج عن عموم الأرض المفتوحة عنوة.

(4) التهذيب- حقل الزيادات من الأنفال- ص 145- ج 4- ح 404.

50

و روى الشيخ عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الشراء من أرض اليهود و النصارى، فقال: ليس به بأس» إلى أن قال:

«و أيّ قوم أحيوا شيئا من الأرض و عمروها فهم أحقّ بها و هي لهم» (1).

الثالثة: قال الشيخ في النهاية و المبسوط، و كافّة الأصحاب: لا يجوز بيع هذه

و لا هبتها و لا وقفها- كما حكيناه سابقا عنهم- لأنها أرض المسلمين قاطبة، فلا يختصّ بها أحد على وجه التملك لرقبة الأرض، إنّما يجوز له التصرّف فيها، و يؤدي حق القبالة إلى الإمام(عليه السلام)، و يخرج الزكاة مع اجتماع الشرائط. فإذا تصرّف فيها أحد بالبناء و الغرس صحّ بيعها، على معنى: أنّه يبيع ماله من الآثار و حق الاختصاص بالتصرّف لا الرقبة ذاتها لأنّها ملك المسلمين قاطبة.

روى الشيخ عن صفوان بن يحيى عن أبي بردة بن رجاء، قال:

«قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال:

و من يبيع ذلك و هي أرض للمسلمين؟! قال: قلت: يبيعها الذي هي في يديه؟

قال: و يصنع بخراج المسلمين ماذا؟! ثمّ قال: لا بأس، يشتري حقّه منها و يحوّل حقّ المسلمين عليه، و لعلّه يكون أقوى عليها و أملك بخراجها منه» (2).

و هذا صريح في جواز بيع حقّه، أعني آثار التصرّف، و منع بيع رقبة الأرض. و لا نعرف أحدا من الأصحاب يخالف مضمون الحديث.

و عن محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الشراء من أرض اليهود و النصارى، فقال: ليس به بأس، قد ظهر رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)على أهل خيبر، فخارجهم على أن يترك الأرض بأيديهم يعملونها و يعمرونها فلا أرى به بأسا لو أنّك اشتريت منها» (3) الحديث.

و هذا يراد به ما أريد بالأوّل من بيع حقّه منها، إذ قد صرّح أوّلا بأنّها ليست

____________

(1) التهذيب- حقل الأنفال- ص 146- ج 4- ح 407.

(2) نفس المصدر- ح 406.

(3) نفس المصدر- ح 407.

51

ملكا لهم، و إنّما خارجهم النبي(صلى اللّه عليه و آله)فكيف يتصور منهم بيع الرقبة و الحالة هذه؟

و قريب من ذلك ما روى حسنا عن حريز عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:

«سمعته يقول رفع إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) رجل مسلم اشترى أرضا من أراضي الخراج، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): له ما لنا، و عليه ما علينا، مسلما أو كافرا، له ما لأهل اللّه و عليه ما عليهم» (1).

و هذا- في الدلالة- كالأوّل.

و عن حريز عن محمّد بن مسلم و عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:

«سألته عن ذلك، فقال: لا بأس بشرائها، فإنّها إذا كانت بمنزلة ما في أيديهم يؤدّى عنها» (2).

و أولى من ذلك ما رواه محمّد الحلبي في الصحيح عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) و قد سأله عن السواد ما منزلته؟ فقال:

«هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم و لم يخلق بعد.

فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلّا أن يشتري منهم على أن يصيّرها للمسلمين، فإن شاء وليّ الأمر أن يأخذها أخذها. قلنا: فإن أخذها منه؟ قال:

يردّ إليه رأس ماله، و له ما أكل من علّتها بما عمل» (3).

و في التذكرة رواه هكذا، قال: (يود) بالواو بدل الراء من الوداء مجزوما

____________

(1) التهذيب: ج 4- ص 147 ح 411.

(2) نفس المصدر- ص 147- ح 408.

(3) نفس المصدر، حقل: في أحكام الأرضين- ص 147- ج 7- ح 652.

52

لأنّه أمر للغائب محذوف اللام. و ما أوردناه أولى.

فإن قلت: إذا جوّزتم البيع و نحوه تبعا لآثار التصرّف، فكيف يجوز لوليّ الأمر أخذها من المشتري، و كيف يردّ رأس ماله، مع أنّه قد أخذ عوضه، أعني تلك الآثار؟

قلت: لا ريب أنّ وليّ الأمر له أن ينتزع أرض الخراج من يد متقبّلها إذا انقضت مدّة القبالة و إن كان له بها شيء من الآثار فانتزاعها من يدي المشتري أولى بالجواز، و حينئذ فله الرجوع برأس ماله لئلا يفوت الثمن و المثمن. لكنّ الذي يردّ الثمن يحتمل أن يكون هو الإمام(عليه السلام) لانتزاعه ذلك، و يحتمل أن يكون البائع، لما في الردّ من الإشعار بسبق الأخذ. و قوله «و له ما أكل» أنّه يريد به المشتري.

و في معنى هذه الأخبار أخبار أخر كثيرة، أعرضنا عنها إيثارا للاختصار.

تنبيهات

الأوّل: قد عرفت أن المفتوحة عنوة لا يصحّ بيع شيء منها و لا وقفه و لا هبته.

قال في المبسوط: «و لا يصحّ أن يبني دورا و لا منازل و لا مساجد و سقايات و لا غير ذلك من أنواع التصرّف الذي يتبع الملك، و متى فعل شيئا من ذلك كان التصرّف باطلا، و هو باق على الأصل».

و قد حكينا عبارته قبل ذلك.

و قال ابن إدريس (1):

«فإن قيل: لما نراكم تبيعون و تشترون و تقفون أرض العراق و قد أخذت عنوة؟ قلنا: انما نبيع و نقف تصرّفنا فيه و تحجيرنا و بناءنا، فأما نفس الأرض فلا يجوز ذلك فيها».

____________

(1) انظر: السرائر- ص 111.

53

قال العلّامة في المختلف (1) بعد حكاية ذلك عن ابن إدريس هذا، و هو يشعر بجواز البناء و التصرّف، قال:

«و هو أقرب».

قلت: هذا واضح لا غبار عليه. يدل عليه ما تقدّم من قول الصادق(عليه السلام) «اشتر حقّه منها»، و أنّه أثر محترم مملوك لم يخرج عن ملك مالكه بشيء من الأسباب الناقلة، فيكون قابلًا لتعلّق التصرّفات به.

و نحو ذلك قال في التذكرة (2) في كتاب البيع فإنّه قال:

«لا يصحّ بيع الأرض الخراجيّة لأنها ملك للمسلمين قاطبة لا يختصّ بها أحد، نعم يصحّ بيعها تبعا لآثار المتصرّف».

و كذا قال في القواعد (3) و التحرير (4).

ثمّ نعود إلى كلامه في المختلف فإنّه قال فيه في آخر المسألة من كتاب البيع:

«و يحمل قول الشيخ على الأرض المحياة دون الموات».

قلت: هذا مشكل لأنّ المحياة هي التي تتعلّق بها هذه الأحكام المذكورة، و أمّا الموات: فإنها في حال الغيبة مملوكة للمحيي، و مع وجود الإمام(عليه السلام) لا يجوز التصرّف فيها إلّا بإذنه، مع أنّ الحمل لا ينافي ما قرّبه من مختار ابن إدريس لأنّ مراده بأرض العراق: المعمورة المحياة التي فيها: لا يجوز بيعها و لا هبتها لأنها أرض الخراج.

نعم: يمكن حمل كلام الشيخ- رحمة اللّه- على حال وجود الإمام(عليه السلام) و ظهوره، لا مطلقا.

الثاني: نفوذ هذه التصرفات التي ذكرناها إنّما هو في حال غيبة الإمام

- عليه

____________

(1) انظر ص 333.

(2) انظر 465.

(3) انظر حقل الجهاد- ص 106

(4) انظر حقل الجهاد- 142

54

السلام- أمّا في حالة ظهوره فلا، لأنه إنّما يجوز التصرّف فيها بإذنه. و على هذا فلا ينفذ شيء من تصرّفات المتصرّف فيها استقلالا.

و قد أرشد إلى هذا الحكم كلام الشيخ في «التهذيب» (1)، فإنه أورد على نفسه سؤالا و جوابا محصّله- مع رعاية ألفاظه بحسب الإمكان- أنّه:

«إذا كان الأمر في أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها و كذا الغنائم و كان حكم الأرضين ما بنيتم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالأئمة(عليهم السلام)، إمّا لاختصاصهم بها كالأنفال أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل و التضمين لهم مثل أرض الخراج، فيجب أن لا يحلّ لكم منكح، و لا يخلص لكم متجر، و لا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه!! قيل له: إنّ الأمر- و إن كان كما ذكرت- من اختصاص الأئمة(عليهم السلام) بالتصرّف في هذه الأشياء، فإنّ هنا طريقا إلى الخلاص.

ثم أورد الأحاديث التي وردت بالإذن للشيعة في حقوقهم(عليهم السلام) حال الغيبة، ثم قال:

إن قال قائل: إنّ ما ذكرتموه إنّما يدلّ على إباحة التصرّف في هذه الأرض و لا يدلّ على صحة تملّكها بالشراء و البيع، و مع عدم صحتهما لا يصحّ ما يتفرع عليهما!! قيل له: قد قسمنا الأرضين على ثلاثة أقسام. أرض يسلم أهلها عليها فهي ملك لهم يتصرّفون فيها، و أرض تؤخذ عنوة أو يصالح أهلها عليها فقد أبحنا شراءها و بيعها لأنّ لنا في ذلك قسما لأنّها أراضي المسلمين، و هذا القسم أيضا يصح الشراء و البيع فيه على هذا الوجه، و أمّا الأنفال و ما يجرى مجراها فليس يصحّ تملكها بالشراء، و إنّما أبيح لنا التصرّف حسب.

____________

(1) انظر حقل الأنفال- ص 142- 146- ج 4- تعقيبا على حديث 405 و ما قبله.