روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج2

- الشهيد الثاني المزيد...
670 /
465

[كتاب الصلاة]

466

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

467

كتاب الصلاة و هي لغةً: الدعاء.

قال تعالى وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (1).

و قال الأعشى:

عليكِ مثلُ الذي صَلّيتِ فاغْتَمِضِي* * * لله نوماً فإنّ لجنبِ المرءِ مُضْطَجَعاً

عقيب دعاء ابنته له بقولها كما حكاه عنها في البيت السابق (2):

تقُولُ بِنتي و قد قَرّبتُ (3) مُرْتَحَلًا* * * لله يا ربّ جنّبْ أبي الأَوْصابَ و الوَجَعا (4)

و قد يتجوّز بها في الرحمة إذا نسبت إليه تعالى، و قد تقدّم (5) تحقيق ذلك في خطبة الكتاب.

و شرعاً: عبادة مخصوصة، تارة تكون ذِكْراً محضاً، كالصلاة بالتسبيح، و تارة فعلًا مجرّداً، كصلاة الأخرس، و تارةً تجمعهما، كصلاة الصحيح.

و قد اختلف في وقوعها بالحقيقة على صلاة الجنازة، و المشهور كونها حقيقةً لغويّة، مجازاً شرعيّاً؛ إذ لا يفهم عند الإطلاق إلا ذات الركوع و السجود.

و يؤيّده: عدم اشتراط الطهارة فيها، و عدم وجوب الفاتحة و التسليم عندنا، و قد قال تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا (6) و قال (عليه السلام): «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (7)

____________

(1) التوبة (9): 103.

(2) أي السابق في القصيدة.

(3) في «ق، م»: «قبضت» بدل «قرّبتُ» و ما أثبتناه من المصادر.

(4) ديوان الأعشى: 105 و 106؛ و أنظر تهذيب اللغة: 12: 236؛ و التبيان 5: 286؛ و المغني 1: 410.

(5) في ج 1، ص 25.

(6) المائدة (5): 6.

(7) حلية الأولياء 7: 124؛ مسند أبي عوانة 2: 125؛ الكامل لابن عدي 4: 1437.

468

و «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» (1) إلى غير ذلك من الأدلّة، فهي دعاء للميّت مشروط شرعاً بشرائط مخصوصة. و تسميته صلاةً باعتبار المعنى اللغوي.

و يدلّ على ذلك قول الصادق (عليه السلام) و قد سُئل عن فعلها على غير وضوء: «نعم، إنّما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل، كما تكبّر و تسبّح في بيتك على غير وضوء» (2).

و ذهب بعض الأصحاب (3) و منهم الشهيد (4) (رحمه اللّه) إلى أنّها حقيقة شرعيّة بدلالة الاستعمال، و إرادة المجاز معه يحتاج إلى دليل؛ لكونه على خلاف الأصل.

و قد اختلف تعريفها بسبب هذا الاختلاف، و لا تكاد تجد تعريفاً خالياً عن دَخْلٍ، كما هو شأن التعريفات.

و قد عرّفها المصنّف في التحرير بناءً على الأوّل بأنّها أذكار معهودة مقترنة بحركات و سكنات مخصوصة يتقرّب بها العبد إلى اللّه تعالى (5).

فالأذكار بمنزلة الجنس تشمل الدعاء و القراءة و غيرهما من الكلام المباح. و باقي القيود بمنزلة الفصل. و خرج بالمعهودة الأذكارُ المباحة التي لم تنقل شرعاً على وجه معيّن. و بالمقترنة بالحركات و السكنات الدعاء و قراءة القرآن. و أراد بالحركات و السكنات الركوع و السجود و القيام و غيرها ممّا يقوم مقامها. و تخرج بها صلاة الجنازة؛ إذ لا يعتبر فيها ذلك. و قيد التقرّب بيان للغاية، و تخرج به صلاة الرياء.

و تندرج في التعريف صلاة المضطرّ و لو بالإيماء و المطاردة و غيرها ممّا لا يشترط فيه القبلة و لا القيام، و إنّما هو ذكر بحركة مخصوصة، و صلاة النافلة و لو سفراً و جالساً، و غير ذلك من الأنواع.

و نُقض في طرده بأذكار الطواف، و في عكسه بصلاة الأخرس؛ فإنّه لا أذكار فيها.

____________

(1) الكافي 3: 69/ 2؛ سنن أبي داوُد 1: 16/ 61؛ سنن الترمذي 1: 8 9/ 3؛ سنن ابن ماجة 1: 101/ 275 و 276؛ سنن الدارقطني 1: 360/ 4؛ مسند أحمد 1: 198 199/ 1009.

(2) الكافي 3: 178/ 1؛ الفقيه 1: 107/ 495؛ التهذيب 3: 203/ 475.

(3) كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 6.

(4) الذكرى 1: 65.

(5) تحرير الأحكام 1: 26.

469

و أُجيب عن الأوّل: بأنّ المراد بالاقتران التلازم من الطرفين، و ليس كذلك أذكار الطواف؛ إذ لا تلازم بينها و بين الحركات؛ لانفكاكها من الأذكار.

و عن الثاني: بأنّ تحريك الأخرس لسانه قائم مقام الذكر.

و فيهما منع؛ فإنّ الاقتران أعمّ من التلازم، فلا يدلّ عليه على الخصوص. و إرادة بعض أفراد العامّ غير جائز في التعريف إلا بقرينةٍ جليّة.

و لأنّا نفرضه فيما لو وجبت فيه بنذر و شبهه، فإنّهما حينئذٍ متلازمان، و هو كافٍ في النقض، و لا يلزم من قيام حركة لسان الأخرس مقام الذكر كونه ذكراً، فإنّ البدل مغاير للمبدل.

و عرّفها المحقّق الشيخ علي بأنّها أفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم للقربة. و ادّعى فيه الاحتراز التامّ و صحّة الاطّراد و الانعكاس (1).

و أُورد على طرده بالذكر المنذور المفتتح بالتكبير المختتم بالتسليم، و أبعاض الصلاة، الأخيرة المفتتحة بالتكبير، كالركوع و السجود و التشهّد المتّصلة بالتسليم، و بالصلاة المتبيّن فسادها بعدم الطهارة مثلًا.

فأجاب: بأنّ المراد بالتكبير تكبير مخصوص متعارف بين الفقهاء إذا أُطلق تكبير الافتتاح يستفاد منه ذلك التكبير المخصوص، أعني تكبير التحريم، فاللام فيه للعهد. و كذا المراد بالتسليم تسليم مخصوص، و هو المحلّل لا التحيّة المتعارفة و لا التسليم على الأنبياء و غيرهم؛ لأنّ ذلك لا يفهم من التسليم على ألسنة الفقهاء. و هذا المعنى منتفٍ في الذكر المنذور، فإن أُريد بالنذر و قلنا بانعقاده، لم يتصوّر مثله في التسليم بمعنى المحلّل؛ لأنّ التسليم على الوجه المخصوص ليس عبادةً مطلقاً، بل في مواضع مخصوصة، فلا يمكن جَعْله عبادةً بالنذر؛ لأنّها موقوفة على إذن الشارع، بخلاف التكبير؛ فإنّه عبادة مطلقاً؛ لأنّه ذكر للّه و ثناء عليه.

و هذا بعينه جواب عن الصلاة الفاسدة و الأبعاض المذكورة. و يزيد منع كونها مفتتحةً بتكبير؛ لأنّ فاتحة الشيء جزؤه الأوّل، كما في افتتاح الصلاة بالتكبير، فإنّه جزؤها الأوّل

____________

(1) جامع المقاصد 2: 6.

470

بناءً على ما حُقّق من كون النيّة بالشرط أشبه (1).

و فيه نظر؛ لأنّ هذا التكبير المعروف بين الفقهاء لا يمكن معرفته إلا مضافاً إلى الصلاة، فيكون قد أُخذ في تعريف الصلاة ما يتوقّف فهمه عليها، و هو دور.

و أيضا لو أُريد بالتكبير ما حصل فيه فائدة التحريم و بالتسليم ما حصل فيه فائدة التحليل، لم يتصوّر الحكم ببطلان الصلاة بزيادتهما، فإنّ ذلك الزائد غير محرّم و لا محلّل، و إنّما المراد الإتيان بصورتهما بقصدهما.

و قوله: «إنّ التسليم على ذلك الوجه ليس عبادةً و لا ينعقد نذره» موضعُ نظر أيضاً؛ فإنّهم قد نصّوا على استحباب أن يقصد به التسليم على الأنبياء و الأئمّة و الملائكة إلى غير ذلك ممّا فصّلوه، و لا ريب أنّ التسليم على هؤلاء أمر مندوب، فيكون نذره صحيحاً. و عدم وجود فائدة التحليل فيه لا يُخرجه عن كونه بصورة تسليم الصلاة، كما في التكبير و التسليم المزيدين في غير محلّهما.

و دعوى كون فاتحة الشيء جزءه الأوّل في موضع المنع أيضاً؛ فإنّه و إن تمّ في الصلاة لأنّها مجموع مركّب من أفعال مخصوصة أوّلها التكبير لا يتمّ في غيرها، كما تقول: ينبغي افتتاح السفر بالصدقة و نحوه.

سلّمنا، لكنّ الذكر المنذور الملحوظ في النذر كون أوّله التكبير و آخره التسليم يكون التكبير جزءه الأوّل، فالإيراد بحاله.

و عرّفها الشهيد (رحمه اللّه) بناءً على ما اختاره من دخول صلاة الجنازة في أقسامها الحقيقيّة بأنّها أفعال مفتتحة بالتكبير مشترطة بالقبلة للقربة فتدخل الجنازة (2)، بخلاف ما سبق؛ فإنّها خارجة منه بقيد التسليم.

و أُورد على طرده الذكر المنذور حال الاستقبال مفتتحاً بالتكبير، و أبعاض الصلاة، و الصلاة المندوبة مطلقاً على القول بعدم اشتراط الاستقبال فيها، و مع السفر و الركوب على القول بالاشتراط، و الصلاة المنذورة إلى غير القبلة حيث يصحّ النذر.

(و النظر) يقع (في المقدّمات) بفتح الدال و كسرها، و هي ما تتقدّم على الماهيّة إمّا

____________

(1) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(2) الذكرى 1: 65.

471

لتوقّف تصوّرها عليها، كذكر أقسامها و كمّيّاتها كالمقصد الأوّل، أو لاشتراطها بها، أو لكونها من مكمّلاتها السابقة كالأذان و الإقامة (و) في (الماهيّة) و هي ذات الصلاة التي أوّلها التكبير و آخرها التشهّد أو التسليم (و اللواحق) و هي ما تلحق الماهيّة من الأحكام، كالبحث عمّا يُفسدها، و كيفيّة تلافيها مع ذلك و مكمّلاتها بالجماعة و ما يلحقها من النقص بسبب الخوف و السفر.

472

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

473

[النظر الأوّل في المقدّمات]

(النظر الأوّل: في المقدّمات) (و فيه مقاصد):

[المقصد الأوّل في أقسامها]

[المقصد] (الأوّل: في أقسامها) (و هي) تنقسم انقسام الكلّيّ إلى جزئيّاته إلى (واجبة و مندوبة).

(فالواجبات) جمعها باعتبار تعدّد أفرادها، و وحّدها أوّلًا مراعاةً للجنس (تسع):

الصلاة (اليوميّة) و هي الخمس، سُمّيت بذلك؛ لتكرّرها في كلّ يوم. و نسبتها إلى اليوم دون الليلة إمّا تغليباً، أو لأنّ معظمها في اليوم، أو لكونه مذكّراً فكان أولى بالنسبة، كما يكون أولى بالاسم على تقدير جمعهما في اسمٍ واحد، كالأبوين.

(و الجمعة) و عدّها قسماً برأسه؛ لمغايرتها للظهر و إن كانت بدلًا منها، و لم يثبت كونها ظهراً مقصورة.

(و العيدان و الكسوف) العارض للشمس و القمر (و الزلزلة و الآيات و الطواف و الأموات).

و في جميع هذه الأقسام عدا الأوّل أقام المضاف إليه مقام المضاف بعد حذفه و كساه إعرابه، و في الأوّل حذف الموصوف و أقام الصفة مقامه.

و قوله (و المنذور و شبهه) لا يلتئم معهما، بل هو تركيب برأسه.

و في عدّ الكسوف و الزلزلة و الآيات أقساماً ثلاثة إشكال؛ لأنّ الآيات تشملهما، فجَعْلُ بعض أقسام الشيء قسيماً له لا يستقيم، فالأولى عدّها قسماً واحداً لتصير الأقسام

474

سبعةً، كما صنعه الشهيد (1) (رحمه اللّه).

و في عدّه لصلاة الأموات منها دلالة على ترجيح وقوع اسم الصلاة عليها حقيقةً.

و في القواعد (2) و غيرها (3) أسقطها من العدد بناءً على القول الآخر.

و يمكن كون ذكرها هنا بنوع تجوّز، كما ذكر وضوء الحائض و نحوه من أقسام الوضوء مع عدم كونه طهارةً عنده (4)، فإنّهم لا يتحاشون أن يذكروا في التقسيم ما لا يدخل في التعريف.

و المراد بشبه المنذور ما حلف عليه أو عُوهد أو تحمّل عن الغير و لو باستئجار، و صلاة الاحتياط، فإنّها غير اليوميّة، مع احتمال دخولها فيها.

و في كون قضاء اليوميّة من أقسامها أو من القسم الأخير نظر: من كونه غير المقضي و إن كان فعل مثله، و من انقسامها إلى الأداء و القضاء، و هو دليل الحقيقة. و كذا القول في غيرها ممّا تقضى.

(و المندوب) من الصلوات (ما عداه) أي ما عدا الواجب المذكور من الصلوات، و هي أقسام كثيرة يأتي ذكر بعضها.

(فاليوميّة خمس) صلوات بعد أن كانت خمسين، فخفّفها اللّه تعالى عن هذه الأُمّة ليلة المعراج إلى خمس (5)، و أبقى ثواب الخمسين؛ لآية المضاعفة (6)، كما ورد في الخبر (7).

فإحدى الخمس (الظهر) و هي الصلاة الوسطى على أصحّ الأقوال، و نقل الشيخ فيه إجماعنا (8)؛ لرواية زرارة عن الباقر (9)، و البزنطي عن الصادق (عليه السلام) (10). و لتوسّطها بين

____________

(1) اللمعة الدمشقيّة: 9؛ البيان: 107؛ الدروس 1: 136.

(2) انظر قواعد الأحكام 1: 24 ففيها غير ساقطة. و في نسخة القواعد التي اعتمد عليها المحقّق الكركي في شرحه عليها ساقطة. انظر جامع المقاصد 2: 7.

(3) تذكرة الفقهاء 2: 259؛ منتهى المطلب 4: 11؛ نهاية الإحكام 1: 308.

(4) منتهى المطلب 2: 383، الفرع الأوّل.

(5) تفسير القمّي 2: 3 12؛ الفقيه 1: 125 602/ 126؛ صحيح البخاري 1: 135 136/ 342؛ سنن الترمذي 1: 417/ 213.

(6) الأنعام (6): 160.

(7) الفقيه 1: 126/ 603.

(8) الخلاف 1: 294 295، المسألة 40.

(9) الكافي 3: 271/ 1؛ الفقيه 1: 124 125/ 600؛ التهذيب 2: 241/ 954.

(10) كذا في «ق، م» و الطبعة الحجريّة، و كذا في الذكرى 2: 288.

475

صلاتي النهار: الصبح و العصر، و وقوعها في وسط النهار حيث ينتشر الناس في معاشهم و يتوفّرون على الاشتغال بأمر دنياهم، فاقتضى ذلك الاهتمام بالمحافظة عليها.

(و العصر) و هي عند المرتضى الوسطى (1) (و العشاء).

(و كلّ واحدة) من هذه الثلاث (أربع ركعات في الحضر، و نصفها) بحذف الركعتين الأخيرتين (في السفر) و الخوف.

و المراد بتنصيفها باعتبار ما استقرّت عليه و إلا فقد روينا عن الصادق (2) و رووا عن عائشة أنّ الصلاة افترضت مثنى إلا المغرب، فزِيد فيما عدا الصبح و المغرب ركعتين، و في السفر تصلّى كما افترضت (3).

(و المغرب ثلاث) ركعات (فيهما) أي في السفر و الحضر. و لا يحتاج هنا إلى إضافة الخوف؛ لدخوله فيهما اتّفاقاً؛ إذ الحال منحصرة في السفر و الحضر.

(و الصبح ركعتان كذلك) أي: سفراً و حضراً.

(و نوافلها) أي: نوافل اليوميّة (في الحضر) أربع و ثلاثون ركعة على المشهور:

(ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، و أربع بعد المغرب) و قبل كلّ شيء سوى التسبيح، ذكره الشهيد في الذكرى (4).

(و ركعتان من جلوس) على الأفضل (تعدّان) لذلك بركعة، و تجوزان من قيام؛ لخبر سليمان بن خالد عن الصادق (5)، و تصلّيان ركعتين أيضاً.

و عدّهما حينئذٍ (بركعة) باعتبار كون ثوابهما ثواب ركعةٍ من قيام في غيرهما، أو لأنّهما بدل من ركعتين من جلوس؛ إذ هو الأصل فيهما، و الركعتان من جلوس معدودتان بواحدة، كما دلّت عليه رواية البزنطي عن الكاظم (6).

و محلّهما (بعد العشاء) و بعد كلّ صلاة يريد فعلها، صرّح بذلك المصنّف في

____________

(1) رسائل الشريف المرتضى 1: 275.

(2) الكافي 1: 266 (باب التفويض إلى رسول اللّهُ ..) 4؛ الفقيه 1: 289/ 1319؛ التهذيب 2: 113 114/ 424.

(3) كما في جامع المقاصد 2: 8؛ و انظر صحيح البخاري 1: 369/ 1040؛ و صحيح مسلم 1: 478/ 685؛ و سنن النسائي 1: 225؛ و مسند أحمد 7: 387/ 25806.

(4) الذكرى 2: 367.

(5) التهذيب 2: 5/ 8.

(6) الكافي 3: 444/ 8؛ التهذيب 2: 8/ 14.

476

النهاية (1) و الشيخان في المقنعة و النهاية (2) حكاه في الذكرى، قال: حتى نافلة شهر رمضان (3).

و قطع الشهيد في النفليّة بأنّ نافلة شهر رمضان، الواقعة بعد العشاء، تكون بعد الوتيرة (4). و سيأتي تحقيق الحال إن شاء اللّه.

(و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل) و إطلاق صلاة الليل على الجميع تغليب لاسم الأكثر، و إلا فصلاة الليل منها ثمان ثمّ ركعتا الشفع ثمّ ركعة الوتر. (و ركعتا الفجر).

فهذه أربع و ثلاثون ركعة نقل الشيخ إجماعنا عليها (5)، و رواها في التهذيب بهذا التفصيل عن الصادق (6) و الرضا (7)».

و روى ثلاث و ثلاثون (8) بإسقاط الوتيرة.

و روى تسع و عشرون: ثمان للظهر قبلها، و ركعتان بعدها، و ركعتان قبل العصر، و ركعتان بعد المغرب، و قبل العتمة ركعتان، و إحدى عشرة اللّيليّة، و ركعتا الفجر (9).

و روى زرارة عن الصادق (عليه السلام) أنّها سبع و عشرون اقتصر بعد المغرب على ركعتين (10).

و اختلاف هذه الأخبار منزّل على الاختلاف في الاستحباب بالتأكيد و عدمه، فلا ينافي مطلق الاستحباب.

(و تسقط نوافل الظهرين و الوتيرة في السفر) و الخوف.

أمّا نوافل الظهرين: فلا خلاف في سقوطها.

و أمّا الوتيرة: فالمشهور سقوطها، بل ادّعى عليه ابن إدريس الإجماع (11).

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 308.

(2) المقنعة: 118؛ النهاية: 60 و 119.

(3) الذكرى 2: 309.

(4) النفليّة: 106.

(5) الخلاف 1: 525 526، المسألة 266.

(6) التهذيب 2: 4/ 2.

(7) التهذيب 2: 8/ 14.

(8) التهذيب 2: 4/ 4.

(9) التهذيب 2: 6/ 11؛ الاستبصار 1: 219/ 777.

(10) التهذيب 2: 7/ 12.

(11) السرائر 1: 194.

477

و المستند بعد الإجماع المنقول بخبر الواحد رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلا المغرب فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهنّ في حضر و لا سفر» (1).

و رواية أبي يحيى الحنّاط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «يا بُنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة» (2).

و في هذا الخبر إيماء إلى سقوطها في الخوف الموجب للقصر أيضاً.

و جوّز الشيخ في النهاية فعل الوتيرة (3)؛ استناداً إلى رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) «إنّما صارت العشاء مقصورةً و ليس تترك ركعتاها لأنّها زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتمّ بها بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتان من التطوّع» (4).

و قوّاه في الذكرى بأنّه خاصّ و معلّل و ما تقدّم خالٍ منهما، قال: إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه (5).

و العمل على المشهور.

____________

(1) الكافي 3: 439 440/ 3؛ التهذيب 2: 14 15/ 36.

(2) التهذيب 2: 16/ 44؛ الإستبصار 1: 221/ 780.

(3) النهاية: 57.

(4) الفقيه 1: 290/ 1320.

(5) الذكرى 2: 298.

478

[المقصد الثاني في أوقاتها]

(المقصد الثاني: في أوقاتها)

[وجوب معرفة أوقات الصلاة الواجبة عيناً و أوّل وقت صلاة الظهر]

يجب معرفة أوقات الصلاة الواجبة عيناً؛ لتوقّف الواجب المطلق عليه، و حيث كان كذلك وجب بيان الأوقات.

(فأوّل وقت) صلاة (الظهر إذا زالت الشمس) أي: مالت عن وسط السماء و انحرفت عن دائرة نصف النهار نحو المغرب، فذلك هو الزوال (المعلوم) بأحد أمرين (بزيادة الظلّ) المبسوط، و هو المأخوذ من المقاييس القائمة على سطح الأُفق (بعد نقصه).

و احترزنا بالمبسوط عن الظلّ المنكوس، و هو المأخوذ من المقاييس الموازية للأُفق، فإنّ زيادته تحصل من أوّل النهار و تنتهي عند انتهاء نقص المبسوط، فهو (1) ضدّه، فلا بدّ من الاحتراز عنه.

[بيان ما يعلم به زوال الشمس]

و بيان ذلك: أنّ الشمس إذا طلعت، وقع لكلّ شاخص قائم على سطح الأرض بحيث يكون عموداً على سطح الأُفق ظلّ طويل في جانب المغرب، و هذا الظلّ هو المبحوث عنه هنا، ثمّ لا يزال ينقص كلّما ارتفعت الشمس حتى تبلغ كبد السماء و تصل إلى دائرة نصف النهار، و هي دائرة عظيمة موهومة تفصل بين المشرق و المغرب تقاطع دائرة الأُفق على نقطتين هُما نقطتا الجنوب و الشمال، و قطباهما منتصف النصف الشرقي و منتصف النصف الغربي من الأُفق، و هُما نقطتا المشرق و المغرب.

و حينئذٍ فيكون ظلّ الشاخص المذكور واقعاً على خطّ نصف النهار، و هو الخطّ الواصل

____________

(1) في «م»: و هو.

479

بين نقطتي الجنوب و الشمال، و هناك ينتهي نقصان الظلّ المذكور. و قد لا يبقى للشاخص ظلّ أصلًا في بعض البلاد، و إذا بقي الظلّ، فمقداره مختلف باختلاف البلاد و الفصول، فكلّما كان بُعْد الشمس عن مسامتة رؤوس أهل البلد أكثر كان الظلّ فيها أطول.

فإذا مالت الشمس عن وسط السماء و انحرفت عن دائرة نصف النهار إلى المغرب، فإن لم يكن بقي ظلّ، حدث حينئذٍ في جانب المشرق، و كان ذلك علامة الزوال. و إن كان قد بقي، أخذ حينئذٍ في الزيادة، فيكون ذلك علامةً أيضاً.

فإطلاق المصنّف العلامةَ على الثاني خاصّة مبنيّ على الغالب بالنسبة إلى البلاد و الزمان، و إلا فاللازم ذكر الأمرين، كما صنع في غير (1) هذا الكتاب، أو التعبير بلفظٍ يشملهما، كظهور الظلّ في جانب المشرق.

و لاستخراج هذه الزيادة طُرق جليلة و دقيقة:

فالجليلة الواضحة التي دلّت عليها الأخبار كخبر عليّ بن أبي حمزة (2)، و خبر سماعة عن الصادق (3) أن ينصب مقياساً على وجه الأرض حيال الشمس و يقدّر ظلّه عند قرب الشمس من الاستواء ثمّ يصبر قليلًا و يقدّر، فإن كان دون الأوّل أو بقدره، فإلى الآن لم تزل، و إن زاد زالت، إلا أنّ هذا الطريق إنّما يعلم به زوال الشمس بعد مضيّ زمانٍ طويل، لكنّه عامّ النفع للعالم و العامّي.

و من الطّرق الدقيقة: الدائرة الهنديّة، و قد ذكرها المصنّفُ في النهاية (4)، و جماعة من الأصحاب، كالمفيد (5) و غيره (6).

و طريقها أن يسوّي موضعاً من الأرض تسويةً صحيحة بأن يدار عليها مسطرة مصحّحة الوجه مع ثبات وسطها بحيث يماسّها في جميع الدورة، أو تعلم بالماء إن كانت صلبةً بحيث إذا صبّ عليها مسّها من جميع الجهات. ثمّ تدار عليها دائرة بأيّ بُعْدٍ كان و ينصب

____________

(1) مثل تذكرة الفقهاء 2: 301؛ و منتهى المطلب 4: 42.

(2) التهذيب 2: 27/ 76.

(3) التهذيب 2: 27/ 75.

(4) نهاية الإحكام 1: 334.

(5) المقنعة: 92 و 93.

(6) كالشيخ الطوسي في النهاية: 58؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 72 73؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 13.

480

على مركزها مقياس مخروطي محدّد الرأس طوله قدر ربع قطر الدائرة تقريباً نصباً مستقيماً بحيث يحدث عن جوانبه زوايا قوائم، و يعلم ذلك بأن يقدر ما بين رأس المقياس و محيط الدائرة بمقدار واحد من ثلاث نقط من المحيط، و يرصد رأس الظلّ عند وصوله إلى محيطها للدخول فيها ممّا يلي الغرب قبل الزوال، و بعد الزوال عند خروجه منها من جهة الشرق، و يُعلّم على نقطتي الوصول، و ينصف القوس التي بين العلامتين من الجانبين، أعني جهة الجنوب و الشمال، و يُخرِج من منتصفها خطّاً مستقيماً يمرّ بالمركز، فهو خطّ نصف النهار الذي ينتهي أحد طرفيه بنقطة الجنوب و الآخر بنقطة الشمال. و لك أن تكتفي بتنصيف القوس الشماليّة و تصل بين مركز الدائرة و منتصف القوس، فإذا ألقى المقياس ظلّه على هذا الخطّ الذي هو خطّ نصف النهار، كانت الشمس في وسط السماء لم تزل، فإذا ابتدأ رأس الظلّ يخرج عنه، فقد زالت الشمس. و لو نصفت القوسين الحادثتين من قطع خطّ نصف النهار للدائرة و وصلت بينهما بخطّ يقاطع خطّ نصف النهار على أربع زوايا قوائم كلّ منها ربع المحيط، كان ذلك الخطّ خطّ المشرق و المغرب، فيتّصل أحد طرفيه بنقطة مشرق الاعتدال و الآخر بنقطة مغربه.

و سيأتي في باب القبلة الاحتياج إليها إن شاء اللّه، فإنّ بهذه الدائرة تعرف القبلة أيضاً بنوع من التحقيق.

و من الطّرق الدقيقة التي يعلم بها الزوال أيضاً: الأسطرلاب، و ربع الدائرة، و دائرة المعدّل، و غيرها من الأعمال، و قد ذكرها أيضاً بعض (1) الأصحاب.

بقي هنا بحث شريف لا بدّ من التنبّه له، و هو: أنّ المصنّف (2) و جماعة (3) مثّلوا من البلاد التي يعلم الزوال فيها بحدوث الظلّ بعد عدمه مكّة و صنعاء في أطول أيّام السنة، و هو يوم واحد عند نزول الشمس السرطان.

و حكى بعضهم (4) فيه قولًا آخر، و هو: أنّ ذلك يكون بالبلدين قبل أن ينتهي طول

____________

(1) كالشيخ الطوسي في النهاية: 58؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 72.

(2) نهاية الإحكام 1: 333.

(3) منهم: الشهيد في الدروس 1: 138؛ و الذكرى 2: 321؛ و السيوري في التنقيح الرائع 1: 167 168؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 12.

(4) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 12؛ و انظر منتهى المطلب 4: 42؛ و تذكرة الفقهاء 2: 301.

481

النهار بستّة و عشرين يوماً، و يستمرّ كذلك إليه، و كذا بعد انتهائه بستّة و عشرين يوماً أيضاً.

و التحقيق: أنّ كلا القولين فاسد؛ و ذلك لأنّ الوجه في عدم الظلّ للشاخص مسامتة الشمس لرأسه بحيث لا تميل عنه إلى جهة الشمال و لا إلى جهة الجنوب، و ذلك إنّما يكون في أطول أيّام السنة لبلدٍ يكون عرضه مساوياً للميل الأعظم الذي لفلك البروج عن معدّل النهار، و هو أربع و عشرون درجة مجبورة الدقائق، أمّا ما كان عرضه أقلّ من الميل الأعظم كمكّة و صنعاء فإنّ الشمس تسامت رؤوس أهله في السنة مرّتين، و ذلك عند بلوغ الميل قدر عرض البلد في الربيع و الصيف. و ممّا ثبت كون عرض مكّة إحدى و عشرين درجةً و أربعين دقيقة أو ما قاربها و عرض صنعاء أربع عشرة درجة و أربعين دقيقة أيضاً، و حينئذٍ فتكون مسامتة الشمس لرؤوس أهل صنعاء قريباً من وسط الزمان الذي بين الاعتدال و المنقلب الصيفي في فصل الربيع و الصيف عند كون الشمس في برج الثور و الأسد. ثمّ يحدث لها ظلّ جنوبي عند انتقالها في الصعود و لا يزال يتزايد حتى ينتهي الصعود، و ذلك اليوم الأطول، فيكون لها حينئذٍ بالبلد المذكور ظلّ جنوبيّ مستطيل. ثمّ يأخذ في النقصان عند دخولها في برج السرطان إلى أن ينقص الميل بحيث يساوي عرض البلد، و ذلك عند كونها في برج الأسد، فيعدم الظلّ أيضاً يوماً واحداً ثمّ يحدث لها ظلّ شماليّ و لا يزال يتزايد حتى ترجع إلى برج الثور، فيكون لها في السنة مسامتتان و ظلان: جنوبيّ و شماليّ، و أين هذا ممّا ذكروه؟

و أمّا مكّة فعرضها كما تقدّم ينقص عن الميل الأعظم كثيراً، فتكون مسامتة الشمس لرؤوس أهلها قبل انتهاء الميل أيضاً، فتسامت رؤوس أهلها مرّتين أيضاً.

و قد حقّقها جماعة من أهل هذا الفنّ كالعِمة المحقّق خواجه نصير الدين الطوسي و غيره بأنّها تكون عند الصعود في الدرجة الثامنة من الجوزاء، و في الهبوط بعد الانقلاب الصيفي في الدرجة الثالثة و العشرين من السرطان؛ لمساواة الميل في الموضعين لعرض مكّة، و لا يكون في هاتين الحالتين للمقاييس المنصوبة على سطح الأُفق ظلّ أصلًا، و تكون الشمس فيما بين هاتين الصورتين شماليّةً عن سمت مكّة، فتقع الأظلال في أنصاف النهار جنوبيّة.

و هذا التقرير يقارب القول الثاني، لكن يظهر فساده من وجهين:

أحدهما: أنّ ذلك القول جعلوه شاملًا لمكّة و صنعاء، و قد عرفت بُعْد صنعاء عن هذا

482

المقام كثيراً، و إنّما يقارب مكّة خاصّة.

و الثاني: أنّه اقتضى عدم الظلّ أصلًا في تمام اثنين و خمسين يوماً، و ذلك من مبدإ مسامتة الشمس لرؤوس أهل مكّة إلى أن ترجع إلى المسامتة الثانية، و ليس الأمر كذلك، و إنّما يعدم في كلّ مسامتة يوماً واحداً في مبدأ المدّة و منتهاها ثمّ يرجع الظلّ جنوبيّا، كما تقدّم.

نعم، يمكن أن يقال في مكّة: إنّ المراد بعدم الظلّ في هذه المدّة الظلّ الشمالي المتعارف، و ذلك لا ينافي ثبوت ظلّ آخر، لكنّه يفسد من جهة قولهم: إنّ علامة الزوال لهذا الفريق حدوثه بعد عدمه، فإنّه لا يتمّ ذلك.

و جملة الأمر أنّ البلد إن نقص عرضها عن الميل الأعظم، أو لم يكن لها عرض كخطّ الاستواء، سامتت الشمس رؤوس أهله مرّتين في غير يومي المنقلبين، و عدم الظلّ فيه حينئذٍ.

و من هذا القسم مكّة و الطائف و اليمامة و نجران و صنعاء و زبيد و حضرموت و غيرها و إن كانت أوقات المسامتة فيها مختلفةً؛ لاختلاف عروضها. و إن ساواه سامتته مرّة واحدة عند المنقلب الشمالي في الأرض المعمورة، و يكون عدم الظلّ حينئذٍ في أطول الأيّام كما ذُكر.

و أقرب البلدان إلى هذا القسم مدينة الرسولُ، فلو مثّل بها كان حسناً و إن كانت زائدةً في العرض عن الميل الأعظم، لكنّ الزيادة دقائق لا يظهر بسببها للحسّ.

و إن زاد عرض البلد عن الميل الكلّيّ كالشام و العراق و جميع ما خرج عنهما نحو الشمال و غيرهما من البلاد التي يزيد عرضها عن أربعة و عشرين درجة، فإنّ الظلّ الشمالي لا يعدم؛ لعدم مسامتة الشمس لرؤوسهم أصلًا، فتكون علامة الزوال عندهم زيادة الظلّ. فتدبّر هذه الجملة، فإنّها مبنيّة على مقدّمات دقيقة، و استقم كما أُمرت، و لا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه.

و الأمر الثاني (1) ممّا يُعلم به الزوال: ما أشار إليه بقوله (أو ميل الشمس إلى الحاجب الأيمن للمستقبل) لقبلة أهل العراق. و إنّما أطلقها؛ لظهورها، أو لكونها قبلته.

و هذه العلامة لا يعلم بها الزوال إلا بعد مضيّ زمانٍ كثير؛ لاتّساع جهة القبلة بالنسبة

____________

(1) قد سبق الأمر الأوّل في ص 478.

483

إلى البعيد. و من ثَمَّ قيّدها المصنّف في النهاية و المنتهى (1) بمَنْ كان بمكّة إذا استقبل الركن العراقي ليضيق المجال و يتحقّق الحال. و الأمر باقٍ بحاله؛ فإنّ الشمس لا تصير على الحاجب الأيمن لمستقبل الركن العراقي إلا بعد زمانٍ كثير، بل ربما أمكن استخراجه للبعيد في زمانٍ أقلّ منه لمستقبل الركن.

و التحقيق: أنّه لا حاجة إلى التقييد بالركن؛ لما ذكرناه (2)، و لأنّ البعيد إذا استخرج نقطة الجنوب بإخراج خطّ نصف النهار، صار المشرق و المغرب على يمينه و يساره، كما هو أحد علامات العراقي، و إن كان في هذه العلامة بحث تقف عليه في محلّه إن شاء اللّه.

فإذا وقف الإنسان على سمت هذا الخطّ، ظهر له ميل الشمس إذا مالت في زمانٍ قصير يقرب من زيادة الظلّ بعد نقصه، و أمّا إذا اعتبر البعيد قبلة العراقي بغير هذه العلامة خصوصاً بالنظر الدقيق الذي يخرج به سمت القبلة، فإنّ الزوال لا يظهر حينئذٍ إلا بعد مضيّ ساعات من وقت الظهر، كما لا يخفى على من امتحن ذلك.

و قريب من ذلك اعتباره باستقبال الركن العراقي، فإنّه ليس موضوعاً على نقطة الشمال حتى يكون استقباله موجباً لاستقبال نقطة الجنوب و للوقوف على خطّ نصف النهار، و إنّما هو بين المشرق و الشمال، فوصول الشمس إليه يوجب زيادة ميل عن خطّ نصف النهار، كما لا يخفى.

[وقت صلاة الظهر المختصّ بها]

إذا تقرّر ذلك، فوقت الظهر المختصّ بها بمعنى عدم وقوع العصر فيه مطلقاً من زوال الشمس (إلى أن يمضي) من الزمان (مقدار أدائها) تامّة الأفعال و الشروط بأقلّ واجباتها بحسب حال المكلّف، باعتبار كونه مقيماً و مسافراً، صحيحاً و مريضاً، سريع القراءة و الحركات و بطيئها، مستجمعاً بعد دخول الوقت لشروط الصلاة أو فاقدها، فإنّ المعتبر مضيّ قدر أدائها و أداء شرائطها المفقودة.

فإن اتّفق خُلوّه منها جميعاً بأن كان محدثاً عارياً و نجس الثوب و البدن و المكان، بطيء القراءة و الحركات و نحو ذلك، كان وقت الاختصاص مقدار تحصيل هذه الشرائط و فعل الصلاة.

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 335؛ منتهى المطلب 4: 43.

(2) في «م»: لما ذُكر.

484

و لو اتّفق كونه متطهّراً خالياً ثوبه و بدنه و مكانه من نجاسة، عالماً بالقبلة و نحو ذلك، كان وقته قدر أداء الصلاة خاصّة حتى لو فرض كون المكلّف في حال شدّة الخوف و قد دخل عليه الوقت جامعاً للشرائط، فوقت الاختصاص بالنسبة إليه مقدار صلاة ركعتين عوض كلّ ركعة تسبيحات أربع. و لو فرض سهوه عن بعض الواجبات، فإن كان ممّا يتلافى، فوقت تلافيه من وقت الاختصاص.

[بيان الوقت المشترك للظهر و العصر و الوقت المختص بالعصر]

(ثمّ) بعد مضيّ هذا المقدار من الزوال (تشترك) الظهر في الوقت (مع العصر) بمعنى إمكان صحّة العصر قبل الظهر في هذا الوقت. و يتّفق ذلك فيما لو صلّى العصر قبل الظهر ناسياً، فإنّها تصحّ إذا وقعت أو بعضها في الوقت المشترك، و يصلّي الظهر بعدها، كما سيأتي.

و يستمرّ الاشتراك من مضيّ مقدار أداء الظهر كما ذُكر (إلى أن يبقى للغروب مقدار أداء العصر) على الوجه المتقدّم (فتختصّ) العصر (به) فلو لم يكن صلّى الظهر قبل ذلك، بقيت قضاءً بعد أن يصلّي العصر في المختصّ بها.

نعم، لو أدرك من آخر الوقت قدر خمس ركعات، زاحم بالظهر.

و القول بالاختصاص على الوجه المذكور هو المشهور بين الأصحاب.

و يرشد إليه ظاهرُ قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (1) فإنّ ضرورة الترتيب تقتضي الاختصاص.

و روايةُ داوُد بن فرقد المرسلة عن الصادق (عليه السلام) «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر» (2).

و في دلالة الآية نظر، و الخبر مرسل.

و ذهب ابنا بابويه إلى اشتراك الوقت من أوّله إلى آخره بين الفريضتين إلا أنّ هذه قبل هذه (3).

____________

(1) الإسراء (17): 78.

(2) التهذيب 2: 25/ 70؛ الاستبصار 1: 261/ 936.

(3) المقنع: 91؛ الفقيه 1: 139/ 647 و 140/ 648؛ و نسبه إلى ابني بابويه الشهيد في الذكرى 2: 323؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 24.

485

و نقله المرتضى عن الأصحاب (1) من غير تعيين.

و عليه دلّت رواية عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام)

إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعاً إلا أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما حتى تغيب الشمس

(2) و غيره من الأخبار.

و حملها المحقّق على الاشتراك بعد الاختصاص؛ لتضمّنها «إلا أنّ هذه قبل هذه» جمعاً بين الأخبار. و لأنّه لمّا لم يتحصّل للظهر وقت مقدّر؛ لأنّها قد تصلّى بتسبيحتين كما تقدّم، و قد يدخل عليه الوقت في آخرها ظانّاً فيصلّي العصر بعدها عبّر بما في الرواية، و هو من ألخص العبارات (3). و ليطابق ظاهر الآية (4).

و ذهب بعض الأصحاب إلى أنّ للظهر اختصاصاً آخَر من آخِر الوقت بمقدار أدائها قبل المختصّ بالعصر متّصلًا به. و فرّع عليه بأنّه لو أوقع العصر قبل الظهر ناسياً في ذلك الوقت، لم يصحّ العصر، بل يعيدها الآن و يقضي الظهر (5).

و على المشهور يصحّ العصر و يقضي الظهر؛ لخروج وقتها. و على القول بالاشتراك يصلّي الظهر الآن أداءً و يصحّ العصر.

[أوّل وقت صلاة المغرب]

(و أوّل) وقت صلاة (المغرب إذا غربت الشمس) الغروب (المعلوم بغيبوبة الحمرة المشرقيّة) أي الكائنة في جهة المشرق، و هو ما خرج عن دائرة نصف النهار نحو المشرق.

و هذا هو المشهور بين الأصحاب. و مستنده الأخبار الصحيحة عن الصادقين».

كقول الباقر (عليه السلام)

إذا غابت الحمرة من هذا الجانب فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها

(6). و قول الصادق (عليه السلام): «وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار أن تقوم بحذاء القبلة و تتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق، إذا جاوزت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب

____________

(1) مسائل الناصريّات: 189، المسألة 72.

(2) الفقيه 1: 139/ 647؛ التهذيب 2: 19/ 51 و 24/ 68؛ الاستبصار 1: 246/ 881.

(3) المعتبر 2: 35.

(4) الإسراء (17): 78.

(5) الشهيد في القواعد و الفوائد 1: 87.

(6) الكافي 3: 278/ 2 و 4: 100 101/ 2؛ التهذيب 2: 29/ 84؛ الإستبصار 1: 265/ 956.

486

الإفطار و سقط القرص» (1).

و هذا الحديث دلّ على أنّ سقوط الحمرة علامة سقوط القرص، و هو موافق للاعتبار؛ فإنّ المراد بسقوط القرص و غيبوبة الشمس سقوطه عن الأُفق الغربي لا خفاؤها عن أعيننا؛ لأنّ ذلك يحصل بسبب ارتفاع الأرض و البناء (2) و نحوهما، فإنّ الأُفق الحقيقي غير مرئيّ غالباً، كما أنّ المراد بطلوعها طلوعها على الأُفق لا علينا؛ لاختلاف الأرض في الارتفاع و الانخفاض، و من ثَمَّ اعتبر أهل الميقات لها مقداراً في الطلوع يعلم به و إن لم نشاهدها، فكذلك القول في مغيبها؛ لعدم الفرق، كما ورد به النصّ عن أئمّة الهدى و أهل البيت الذين هم أدرى بما فيه.

[بيان الوقت المشترك للمغرب و العشاء و الوقت المختص بالعشاء]

يستمرّ الوقت مختصّاً بها (إلى أن يمضي) منه (مقدار أدائها) على ما تقرّر في الظهر (ثمّ يشترك الوقت بينها و بين العشاء) على أشهر القولين، و قد ورد به أخبار صحيحة:

كخبر زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: «صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالناس المغرب و العشاء الآخرة قبل الشفق من غير علّة في جماعة، و إنّما فعل ذلك ليتّسع الوقت على أُمّته» (3).

و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام) في الرجل يصلّي العشاء الآخرة قبل الشفق «لا بأس بذلك» (4).

و ذهب الشيخان (5) و جماعة (6) من الأصحاب إلى أنّ أوّل وقت العشاء ذهاب الحمرة المغربيّة؛ استناداً إلى أخبار أُخرى حَمْلُها على وقت الفضيلة طريق الجمع بينها و بين ما دلّ على الأوّل.

و يمتدّ الوقت المشترك بينهما (إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار العشاء فيختصّ بها) أي بالعشاء، فلا يصحّ فعل المغرب فيه مطلقاً.

و للمصنّف (7) وجه فيمن أدرك قبل انتصاف الليل مقدار أربع بوجوب الفرضين مُخَرّج

____________

(1) الكافي 3: 279/ 4 و 4: 100 (باب وقت الإفطار) ح 1؛ التهذيب 4: 185/ 516.

(2) ورد في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «و الماء» بدل «و البناء». و الظاهر ما أثبتناه.

(3) الكافي 3: 286/ 1؛ التهذيب 2: 263/ 1046؛ الاستبصار 1: 271/ 981.

(4) التهذيب 2: 34/ 104؛ الإستبصار 1: 271/ 978.

(5) المقنعة: 93؛ النهاية: 59؛ المبسوط 1: 75؛ الخلاف 1: 262، المسألة 7.

(6) منهم: سلار في المراسم: 62؛ و ابن أبي عقيل كما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 2: 47، المسألة 7.

(7) انظر: قواعد الأحكام 1: 25، و مختلف الشيعة 2: 72 73، ضمن المسألة 20.

487

من وجوب الظهر لمُدرك قبل الغروب مقدارَ خمس ركعات بناءً على جواز فعل الظهر وقت الثلاث الاولى من العصر، فلا اختصاص للعصر بها في هذه الحال، فيأتي مثله في المغرب و العشاء عند إدراك قدر الأربع؛ لإدراك قدر ركعة للعشاء.

و فيه ضعف؛ لأنّ وقوع شيء من الظهر في المختصّ بالعصر لا يُصيّره وقتاً لها، كما لو وقع ثلاث من العصر في وقت المغرب و ركعة من الصبح بعد طلوع الشمس.

و لأنّ المقتضي لفعل الظهر في الفرض إدراك ركعة من وقت الظهر، و ذلك منتفٍ في إدراك مقدار أربع من وقت العشاء؛ لخروج وقت المغرب بأسره.

بل التحقيق أنّ قدر الأربع الأخيرة و إن كان للعصر إلا أنّ الظهر زاحمتها بثلاث منه، كما أنّ قدر الثلاث كان للمغرب، إلا أنّه لمّا أُوقعت العصر فيه أداءً كان بحكم وقتها، فلا وجه لوجوب المغرب بإدراك أربع.

هذا، مع أنّ النصّ قد ورد عن أئمّة الهدى «بأنّه لو بقي أربع من وقت العشاءين، اختصّت العشاء به (1)، فلا مجال للاجتهاد حينئذٍ و التخريج.

و للشيخ قول بامتداد وقت العشاء إلى ثلث الليل خاصّة (2)، و في المعتبر: يمتدّ إلى طلوع الفجر (3)؛ استناداً إلى أخبار يعارضها مثلها، و يزيد عليها ترجيحاً بالشهرة.

و للمحقّق أن يحملها على وقت الفضيلة، كما حُملت أخبار الثّلْث، فتبقى أخباره لا معارض لها، بخلاف العكس؛ فإنّ التعارض حاصل على مذهب الجماعة.

نعم، في مرفوع ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أمر مَنْ نام عن العتمة حتى انتصف الليل بقضائها (4). و كذا رواية النوم عن العشاء إلى نصف الليل، المتضمّنة للقضاء و صوم الغد (5).

لكنّهما لا يصلحان للمعارضة؛ لرفع الاولى و ترك العمل بمضمون الثانية. و لعدم دلالتهما على القضاء قبل طلوع الفجر أو على الانتباه قبله. و لإمكان حمل القضاء فيهما

____________

(1) التهذيب 2: 28/ 82؛ الإستبصار 1: 263/ 945.

(2) النهاية: 59؛ الخلاف 1: 264 265، المسألة 8.

(3) المعتبر 2: 43.

(4) التهذيب 2: 276/ 1097.

(5) الفقيه 1: 142/ 658.

488

على الفعل مطلقاً، كقوله تعالى فَإِذٰا قَضَيْتُمُ الصَّلٰاةَ (1) فَإِذٰا قَضَيْتُمْ مَنٰاسِكَكُمْ (2).

و للأصحاب أن يحملوا الروايات الدالّة على الامتداد إلى الفجر على التقيّة؛ لإطباق الفقهاء الأربعة عليه و إن اختلفوا في كونه آخر وقت الاختيار أو الاضطرار. و هو محمل حسن في الخبرين المتعارضين إذا أمكن حمل أحدهما عليها، كما ورد به النصّ عنهم «، و يبقى التعارض بين الثّلْث و النصف، فيحمل الأوّل على وقت الفضيلة، و الثاني على الإجزاء؛ لاختصاصهما بنا، و اللّه أعلم.

[وقت صلاة الصبح و وقت نافلة الظهر]

(و أوّل) وقت صلاة (الصبح إذا طلع الفجر الثاني المعترض) و يسمّى الصادق؛ لأنّه صدقك عن الصبح، و يسمّى الأوّل الكاذب؛ لأنّه ينمحي بعد ظهوره و يزول ضوؤه.

و سمّي الصبح من قولهم: رجل أصبح: إذا جمع بين بياض و حمرة.

و الصادق هو المستطير المنتشر الذي لا يزال يزداد، بخلاف الأوّل.

قال النبيّ: «لا يغرّنّكم الفجر المستطيل، كُلوا و اشربوا حتى يطلع الفجر المستطير» (3).

(و آخره طلوع الشمس) على الأُفق على أشهر القولين؛ لقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة: «وقت الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (4).

و ذهب الشيخ في أحد قوليه إلى أنّ آخره للمختار طلوع الحمرة، و للمضطرّ طلوع الشمس (5)؛ استناداً إلى أحاديث كثيرة حَمْلُها على وقت الفضيلة أظهر؛ لعدم إشعارها بالمنع من التأخير.

(و) أوّل (وقت نافلة الظهر) و هي صلاة الأوّابين (إذا زالت الشمس).

و في آخره أقوال منشؤها اختلاف الروايات ظاهراً.

و المشهور منها فتوًى و روايةً: امتدادها (إلى أن يزيد الفيء) الحاصل للشخص بعد الزوال زيادة على ما بقي من الظلّ عند الزوال مقدار (قدمين) أي سُبْعي الشخص؛ فإنّ

____________

(1) النساء (4): 103.

(2) البقرة (2): 200.

(3) أورده الشهيد في الذكرى 2: 349.

(4) التهذيب 2: 36/ 114؛ الاستبصار 1: 275/ 998.

(5) المبسوط 1: 75؛ الخلاف 1: 267، المسألة 10.

489

قسمة الشخص متى أُطلقت بالأقدام فالمراد بها الأسباع بناءً على الغالب من كون طول كلّ شخص ذي قدم سبعة أقدام بقدمه.

و في بعض الأخبار تحديد وقت نافلة الظهر بذراع (1). و هو يناسب القدمين أيضاً؛ لأنّ القدمين ذراع بالتقريب.

و ذهب جماعة (2) من الأصحاب إلى تحديده بزيادة الفيء مثل الشخص؛ لقول الصادق (عليه السلام) في رواية زرارة (3) و غيره (4)

كان حائط مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) قامة، فإذا مضى من فيئه ذراع صلّى الظهر، و إذا مضى ذراعان صلّى العصر.

قال في المعتبر: و هذا يدلّ على بلوغ المثل و المثلين؛ لأنّ التقدير أنّ الحائط ذراع؛ لأنّه روى عليّ (5) بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) «أنّ في كتاب علي (عليه السلام) القامة ذراع» (6) و عنه (عليه السلام)، قلت: كم القامة؟ قال: «ذراع، إنّ قامة رَحْل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانت ذراعاً» (7) و (8) و نحوه قال في التذكرة (9).

و يظهر من النهاية (10) محاولة الجمع بين رواية القدمين و الذراع و المثل بالقامة أيضاً بناءً على أنّ القدمين ذراع و الذراع قامة، كما تقدّم.

و في المختلف جمع بينهما بالحمل على تطويل النافلة بكثرة الدعاء و نحوه و تخفيفها بقلّة ذلك (11).

و في جميع ذلك ترجيح للقول بالمثل، فالمصير إليه متّجه.

____________

(1) الكافي 3: 288/ 1؛ التهذيب 2: 245/ 974؛ الاستبصار 1: 249/ 893.

(2) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 199؛ و المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 50؛ و العلّامة الحلّي في تحرير الأحكام 1: 27؛ و تذكرة الفقهاء 2: 316 317، المسألة 37؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 20.

(3) الفقيه 1: 140/ 653؛ التهذيب 2: 19 20/ 55، و 250/ 992؛ الاستبصار 1: 250/ 899، و 255/ 915.

(4) و هو عبد اللّه بن سنان. انظر الكافي 3: 295 296/ 1؛ و التهذيب 3: 261 262/ 738.

(5) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «عمر» بدل «عليّ» و ما أثبتناه من المصادر.

(6) التهذيب 2: 23/ 64؛ الاستبصار 1: 251/ 900.

(7) التهذيب 2: 23/ 66؛ الاستبصار 1: 251/ 902.

(8) المعتبر 2: 48.

(9) تذكرة الفقهاء 2: 317.

(10) نهاية الإحكام 1: 311 312.

(11) مختلف الشيعة 2: 54، المسألة 10.

490

و قيل (1) بامتداد وقت النافلة بامتداد وقت الفريضة. و في بعض (2) الأخبار دلالة عليه.

(فإن خرج) الوقت بأيّ معنى فُسّر (و لم يتلبّس) بالنافلة (قدّم الظهر ثمّ قضاها) أي النافلة (بعدها، و إن تلبّس) في الوقت من النافلة و لو (بركعة) تامّة. و تتحقّق بتمام السجدة الثانية و إن لم يرفع رأسه منها (أتمّها) مخفّفةً أداءً تنزيلًا لها منزلة الصلاة الواحدة و قد أدرك منها ركعة (ثمّ صلّى الظهر) بعدها.

و المستند رواية عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (3).

و استثنى بعض (4) الأصحاب من ذلك يوم الجمعة؛ لدلالة الأخبار على تضيّق الجمعة، و أنّ لها وقتاً واحداً حين تزول الشمس، فيترك ما بقي من النافلة، و يصلّي الفريضة قبل و يصلّي النافلة بعدها أداءً، كما لو صلّيت قبلها.

و هل تختصّ بذلك الجمعةُ أو الصلاة يوم الجمعة؟ خبر زرارة عن الباقر (5) دلّ على الأوّل، و ظاهر خبر إسماعيل بن عبد الخالق عن الصادق (6) على الثاني.

فرع: لو ظنّ خروج وقت النافلة قبل إكمال ركعة حيث لا طريق له إلى العلم فشرع في الفريضة ثمّ تبيّن السعة، فالظاهر أنّه يصلّيها بعدها أداءً؛ لبقاء وقتها.

[وقت نافلة العصر و جواز تقديم نافلتي الظهرين على الزوال في يوم الجمعة خاصة]

(و) وقت (نافلة العصر بعد الفراغ من الظهر إلى أن يزيد الفيء أربعة أقدام) و القائل بالمثل في الظهر قال هنا بالمثلين، و الخلاف واحد روايةً و فتوى.

(فإن خرج) وقتها (قبل تلبّسه) منها (بركعة، صلّى العصر و قضاها) بعدها (و إلا) أي و إن لم يكن الخروج قبل تلبّسه بركعة بل إنّما خرج بعد صلاة ركعة فصاعداً (أتمّها) مخفّفةً أداءً، كما مرّ، ثمّ صلّى العصر بعدها.

(و يجوز تقديم النافلتين) أي نافلتي الظهرين (على الزوال في يوم الجمعة خاصّة) سواء

____________

(1) القائل هو أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 158.

(2) انظر الكافي 3: 288 289/ 3؛ و الفقيه 1: 257/ 1165؛ و التهذيب 2: 264/ 1051.

(3) التهذيب 2: 273/ 1086.

(4) هو الشهيد في الذكرى 2: 365.

(5) التهذيب 3: 13/ 46.

(6) التهذيب 3: 13/ 45؛ الاستبصار 1: 412/ 1577.

491

صلّى الجمعة أم لا (و يزيد فيه) أي في يوم الجمعة على النافلتين أو في عدد النافلتين، المدلول عليه بذكرها التزاماً (أربع ركعات) ينوي بها نافلة الجمعة، و يتخيّر في الستّ عشرة بين الجمعة و الظهرين كما كانت أوّلًا.

و كما يجوز تقديمها على الزوال يجوز تأخيرها بأسرها عنه مقدّمةً على الفرضين أو مؤخّرةً عنهما أو متوسّطةً بينهما أو بالتفريق.

و الأفضل تفريقها سداس: ستّ بُكْرةً عند انبساط الشمس، و هو انتشارها على وجه الأرض و كمال ظهورها، و ستّ عند الارتفاع، و ستّ عند الزوال، و ركعتان بعده. و دونه تأخير الستّ الأُولى و جَعْلها بين الفرضين.

و مستند ذلك كلّه أخبار مختلفة.

قال المصنّف في النهاية: و السرّ في زيادة الأربع يوم الجمعة أنّ الساقط فيه ركعتان، فيستحبّ الإتيان ببدلهما، و النافلة الراتبة ضعف الفرائض (1).

و مقتضاه قصر استحباب الزيادة على ما إذا صلّيت الجمعة، و كلام الأصحاب و إطلاق الأخبار يقتضيان كون يوم الجمعة متعلّق الاستحباب من غير تقييدٍ بصلاة الجمعة.

و أيضاً فالوارد في الأخبار أنّ الجمعة ركعتان من أجل الخطبتين (2)، فهُما بدل من الركعتين، فلا يحتاج إلى بدلٍ آخر. و كأنّ المراد أنّ منشأ الاستحباب الجمعةُ، فلا ينافيه تغيّر الحال لاختلال الشرائط، و قيام النافلة مقام الركعتين أقوى في المناسبة الصوريّة من الخطبتين، فكانت أولى بالبدليّة، و هذا التكلّف مستغنى عنه بعد ورود النصّ.

(و) وقت (نافلة المغرب بعدها إلى ذهاب الحمرة) المغربيّة، و هي غاية فضيلة المغرب، و لا اعتبار بالبياض الباقي في جانب المغرب بعد الحمرة إجماعاً منّا و من أكثر مخالفينا.

(فإن ذهبت) الحمرة (و لم يكملها) تركها، و (اشتغل بالعشاء) إلا أن يكون في أثناء ركعتين فيكملهما، سواء كانتا الأوّلتين أم الأخيرتين؛ للنهي عن إبطال العمل (3). و لأنّ الصلاة على ما افتتحت عليه.

____________

(1) نهاية الإحكام 2: 52.

(2) الفقيه 1: 269/ 1228.

(3) سورة محمّد (47): 33.

492

و حكى في الذكرى عن ظاهر ابن إدريس أنّه إن كان قد شرع في الأربع، أتمّها و إن ذهب الشفق.

قال فيها: و لو قيل بامتداد وقتها بوقت المغرب، أمكن؛ لأنّها تابعة لها (1).

و يظهر من المصنّف في المنتهي (2) أنّ توقيتها بذهاب الحمرة إجماعيّ، فلا عدول عنه.

[وقت نافلة العشاء و صلاة الليل]

(و) وقت (الوتيرة بعد العشاء) الآخرة (و تمتدّ بامتدادها) لتبعيّتها للفريضة، فعلى هذا لو انتصف الليل و لمّا يأت بها، صارت قضاءً.

و لا فرق حينئذٍ بين خروج الوقت قبل شروعه فيها و بعده؛ للإطلاق.

و يحتمل الفرق و التفصيل بخروجه قبل إكمال ركعة منها و بعده، فيتمّها على الثاني دون الأوّل.

(و وقت صلاة الليل بعد انتصافه) إلى طلوع الفجر (و كلّما قرب من الفجر) الثاني (كان أفضل).

و اعتبر المرتضى الأوّل (3) و (4).

و أراد بصلاة الليل ما يعمّ الوتر، كما صنع أوّلًا، و جعلها إحدى عشرة ركعة.

و أفضل أوقات الوتر بين الصبحين؛ للرواية عن أمير المؤمنين (5).

(فإن طلع) الفجر الثاني (و قد صلّى) من صلاة الليل (أربعاً) و يتحقّق بإكمال السجدة الأخيرة و إن لم يرفع رأسه منها و لم يتشهّد، كما مرّ (أكملها) أي صلاة الليل التي من جملتها الشفع و الوتر بعد الفجر مخفّفةً بالحمد وحدها، كما يخفّفها بها لو خاف ضيق الوقت.

(و إلا) أي و إن لم يكن قد صلّى منها أربعاً، سواء كان قد شرع فيها أم لم يشرع، تركها و (صلّى ركعتي الفجر).

و هل يقطع الركعتين لو كان في أثنائهما أم يكملهما؟ الإطلاق يقتضي الأوّل، و النهي

____________

(1) الذكرى 2: 367؛ و انظر: السرائر 1: 202.

(2) منتهى المطلب 4: 96.

(3) أي الفجر الأوّل.

(4) مسائل الناصريّات: 198، المسألة 76.

(5) أوردها الشهيد في الذكرى 2: 373.

493

عن إبطال العمل الذي أقلّه الكراهة في النافلة يقتضي الثاني، و قد سبق في نافلة المغرب إكمالهما، و هنا لم يصرّحوا بشيء.

و الوجهان آتيان في نافلة الظهرين قبل إكمال ركعة.

[وقت نافلة الفجر و جواز تقديمها على صلاة الفجر]

(و وقتهما) أي وقت ركعتي الفجر (بعد الفجر الأوّل) بل بعد صلاة الليل و إن لم يكن طلع الفجر على المشهور من الأخبار و كلام الأصحاب.

و في بعض الأخبار التصريح بأنّهما من صلاة الليل (1)، و تُسمّيان بالدسّاستين؛ لدسّهما في صلاة الليل.

و لعلّ إطلاق المصنّف أوّل وقتهما بالفجر بناءً على أنّه الأصل، كما يُرشد إليه إضافتهما إليه، و أنّ التقديم لهما رخصة حتى أنّ المرتضى و الشيخ في المبسوط جعلا أوّل وقتهما طلوع الفجر الأوّل (2)، و لو كانتا من صلاة الليل مطلقاً، لزم البدأة بالفريضة قبلهما لو طلع الفجر و لم يصلّ من صلاة الليل أربع ركعات.

و يمتدّ وقتهما (إلى أن تطلع الحمرة المشرقيّة) على المشهور.

و ظاهر كلام الشيخ في التهذيب عدم جواز فعلهما بعد طلوع الفجر الثاني حيث حمل الأخبار بفعلهما بعد الفجر على الفجر الأوّل (3).

و أفضل وقتهما بين الفجرين.

(فإن طلعت) الحمرة المشرقيّة (و لم يصلّهما، بدأ بالفريضة) ثمّ قضاهما إن شاء؛ لرواية عليّ بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلّي الغداة حتى تسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر أ يركعهما أو يؤخّرهما؟ قال: «يؤخّرهما» (4).

و لو كان طلوع الحمرة بعد الشروع فيهما، ففيه الوجهان.

(و يجوز تقديمهما على الفجر) لما مرّ.

و الظاهر عدم الفرق في جواز التقديم بين مَنْ صلّى صلاة الليل و غيره كما يقتضيه الإطلاق، و إن كان تعبير بعضهم بكون أوّل وقتهما بعد صلاة الليل يؤذن باختصاص

____________

(1) التهذيب 2: 132 133/ 512؛ الاستبصار 1: 283/ 1030.

(2) جُمل العلم و العمل: 62؛ المبسوط 1: 76.

(3) التهذيب 2: 134 و 135، ذيل الحديث 523 و 525.

(4) التهذيب 2: 340/ 1409.

494

التقديم بمصلّيها.

[أفضلية قضاء صلاة الليل على تقديمها على انتصاف الليل]

(و قضاء صلاة الليل) بعد فوات وقتها (أفضل من تقديمها) على انتصاف الليل في صورة جوازه، و هي عند حصول المانع من فعلها في وقتها، كالشابّ الذي شقّ عليه القيام لها لغلبة النوم عليه من رطوبة رأسه، و المسافر الذي يصدّه جدّه عن القيام، و خائف البرد و الجنابة و مريدها و لو اختياراً حيث يشقّ الغسل لها، و غير ذلك من الأعذار.

و مستند جواز التقديم الأخبارُ:

كرواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في صلاة الليل و الوتر أوّل الليل في السفر إذا تخوّفت البرد أو كانت علّة، فقال: «لا بأس أنا أفعل إذا تخوّفت» (1).

و رواية يعقوب بن سالم عنه (عليه السلام) «يقدّمها خائف الجنابة في السفر أو البرد» (2) و غيرهما من الأخبار.

و قد ورد روايات أُخرى بجواز تقديمها من غير تقييد بالعذر:

كرواية ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) في فعل صلاة الليل في الليالي القصار صيفاً أوّل الليل، فقال: «نَعَم، نِعْمَ ما رأيت و نِعْمَ ما صنعت» (3) و قوله (عليه السلام): «إنّما النافلة مثل الهديّة متى ما اتي بها قُبلت» (4).

و حُملت على العذر؛ حملًا للمطلق على المقيّد، مع أنّ الرواية الأُولى مؤذنة به؛ لفرضه ذلك في الليالي القصار، التي هي موضع المشقّة و مظنّة غلبة النوم.

و إنّما كان القضاء أفضل على تقدير جواز التقديم؛ لرواية معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) في الذي يغلبه النوم يقضي، و لم يرخّص له في الصلاة أوّل الليل، و في الشابّة يغلبها النوم تُقدّم إن ضيّعت القضاء (5). فتُحمل على الأفضليّة؛ جمعاً بينها و بين ما تقدّم، حتى أنّ المصنّف في المختلف مَنَع من تقديمها (6)، تبعاً لابن إدريس (7)، و ابْن

____________

(1) التهذيب 3: 228/ 580؛ الاستبصار 1: 280/ 1017.

(2) التهذيب 2: 168/ 665.

(3) التهذيب 2: 118 119/ 446؛ الاستبصار 1: 279/ 1014.

(4) التهذيب 2: 267/ 1065؛ الإستبصار 1: 278/ 1009.

(5) الكافي 3: 447/ 20؛ التهذيب 2: 119/ 447؛ الاستبصار 1: 279 280/ 1015.

(6) مختلف الشيعة 2: 70، المسألة 19.

(7) السرائر 1: 202.

495

أبي عقيل (1) من تقديمها لغير المسافر؛ لتوقيتها بالانتصاف، و مَنَع الصلاة قبل الوقت، فلا أقلّ من أن يكون التقديم مفضولًا بالنسبة إلى القضاء.

تنبيهات:

الأوّل: وقت التقديم على القول بجوازه النصف الأوّل من الليل، فلا يجوز تقديمها على الغروب؛ لما تقدّم من الأخبار (2) المصرّحة بأوّل الليل.

و هل يشترط تأخيرها عن العشاءين؟ إطلاق الأخبار و الأصحاب يقتضي عدمه، مع احتماله؛ قصراً للضرورة على محلّها، و هو منتفٍ قبل صلاة العشاء. و يردّه إطلاق الأخبار.

الثاني: المراد بصلاة الليل المقدّمة الإحدى عشرة ركعة، لا الثماني التي هي صلاة الليل حقيقةً، و قد تقدّم التصريح بتقديم الوتر في رواية الحلبي (3)، و ليس منها ركعتا الفجر هنا و إن أُطلق عليهما أنّهما منها، كما تقدّم (4)، فلا يصحّ تقديمهما و إن خاف فوتهما.

الثالث: لو قدّمها ثمّ انتبه في الوقت أو زال العذر هل يشرع (5) فعلها ثانياً؟ الظاهر ذلك؛ لأنّ التقديم إنّما شُرّع للضرورة و قد زالت.

و يحتمل العدم؛ للامتثال، و عدم النصّ. و هو مختار ولد المصنّف (6) في بعض فتاواه.

الرابع: هل ينوي فيها مع التقديم الأداءَ؟ يحتمله؛ لأنّ جميع الليل قد صار وقتاً لها، و لا معنى للأداء إلا ما فُعل في وقته. و عدمه؛ لأنّه ليس وقتاً حقيقيّا، و لهذا أُطلق عليها فيه التقديم، فينوي فيها التعجيل لا الأداء، و قد صرّح به بعض (7) الأصحاب. هذا إن اشترطنا نيّة الأداء هنا.

____________

(1) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 2: 70، المسألة 19.

(2) منها: رواية ليث، المتقدّمة في ص 494.

(3) تقدّمت رواية الحلبي في ص 494.

(4) في ص 493.

(5) في «م»: هل يسوغ.

(6) لم نعثر على مختاره فيما بين أيدينا من المصادر.

(7) لم نتحقّقه.

496

و أمّا ركعتا الفجر إذا قُدّمتا عليه فينوي فيهما الأداء؛ لما تقدّم (1) من كون وقتهما بعد صلاة الليل على المشهور.

(و تقضى الفرائض) الفائتة في (كلّ وقت) و إن كان أحد الأوقات الخمسة؛ لأنّ وقت الفائتة الواجبة ذكرها كما وردت به الأخبار (2) لقوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (3) أي لذكر صلاتي.

قال بعض المفسّرين: أنّها للفائتة؛ لقول النبيّ: «مَنْ نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها، إنّ اللّه تعالى يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (4)» (5) و في الآية وجوه أُخرى من التأويل.

(ما لم يتضيّق) وقت (الحاضرة) فتُقدّم على الفائتة؛ لأنّ الوقت لها بالأصالة فتكون أحقّ به، و هو موضع وفاق.

(و) تقضى (النوافل) أيضاً في كلّ وقت، و لو قال: «تصلّى» كان أجود (ما لم يدخل وقتها) أي وقت الفرائض، فإن دخل، فظاهر المصنّف عدم الجواز، و قد صرّح به في غير (6) هذا الكتاب، و هو المشهور بين المتأخّرين؛ لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «لا صلاة لمن عليه صلاة» (7) و لقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة

لا يتطوّع بركعة حتى يقضي الفريضة

(8). و اختار الشهيد (9) (رحمه اللّه) و جماعة (10) جواز النافلة أداءً و قضاءً لمن عليه فريضة ما لم يضرّ بها؛ استناداً إلى أخبار كثيرة أوردها في التهذيب و الكافي:

____________

(1) في ص 493.

(2) منها: ما في الفقيه 1: 278/ 1265؛ و التهذيب 2: 171/ 680.

(3) طه (20): 14.

(4) طه (20): 14.

(5) كما في الذكرى 2: 413؛ و جامع المقاصد 2: 23؛ و انظر مجمع البيان 7 8: 5 6؛ و التفسير الكبير 22: 20.

(6) انظر نهاية الإحكام 1: 325.

(7) أورده ابنا قدامة في المغني 1: 680؛ و الشرح الكبير 1: 485؛ و الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 127؛ و الخلاف 1: 386، المسألة 39؛ و العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2: 359.

(8) الكافي 3: 292 293/ 3؛ التهذيب 2: 266/ 1059؛ الاستبصار 1: 286/ 1046.

(9) الدروس 1: 142؛ الذكرى 2: 402.

(10) منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 23 24.

497

منها: ما رواه في التهذيب عن سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد و قد صلّى أهله، أ يبتدئ بالمكتوبة أو يتطوّع؟ فقال: «إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوّع قبل الفريضة، فإن خاف فوت الوقت فليبدأ بالفريضة» (1).

و عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت: أُصلّي في وقت فريضة نافلةً؟ قال: «نعم في أوّل الوقت إذا كنت مع إمام تقتدي به، فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة» (2).

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس، فقال: «يصلّي ركعتين ثمّ يصلّي الغداة» (3).

و عن عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام) «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حرّ الشمس فركع ركعتين ثمّ صلّى الصبح» (4).

و حملوا الأخبار الدالّة على النهي على الكراهة؛ جمعاً بينها و بين ما دلّ على الجواز.

أقول: ما ذكروه من الأخبار الشاهدة بالجواز عدا الرابع غير سليم من الطعن في السند.

أمّا الأوّل: ففي سنده عثمان بن عيسى عن سماعة، و هُما واقفيّان، لكنّهما ثقتان (5).

و الثاني: عثمان بن عيسى عن إسحاق، و إسحاق فطحيّ.

و في طريق الثالث: سماعة عن أبي بصير، و قد عرفت حال سماعة.

و أمّا الرابع: فصحيح السند، لكن في معارضته للخبرين (6) نظر، مع أنّ الركعتين اللتين صلاهما النبيّ قبل أن يصلّي الصبح لم يبيّن أنّهما نافلة، فجاز كونهما فريضةً بسبب من الأسباب.

و يمكن أن يستدلّ بأصالة عدم الوجوب، و يعتضد بالأخبار الأُخرى، فإنّها و إن لم يكن طريقها صحيحاً لكنّها من الموثّق.

____________

(1) التهذيب 2: 264/ 1051.

(2) التهذيب 2: 264/ 1052.

(3) التهذيب 2: 265/ 1057.

(4) التهذيب 2: 265/ 1058.

(5) جملة «لكنّهما ثقتان» لم ترد في «م».

(6) أي النبوي و خبر زرارة، المتقدّمان في ص 496.

498

و يكون حمل أخبار النهي على الكراهة؛ طريقاً للجمع، و هو خير من اطّراح هذه الأخبار التي قد صحّ بعضها و اعتضد باقيها، و عمل جماعة من الأصحاب بمضمونها، و قوّى العمل بها حديث «إنّ الصلاة خير موضوع بالوصف فمن شاء استقلّ، و مَنْ شاء استكثر» (1).

و يدلّ على أنّ الركعتين نافلة أو على جواز النافلة لمن عليه فريضة صحيحُ زرارة عن الباقر (عليه السلام) في حديثٍ طويل يتضمّن وصف الصلاة التي فاتتهُ و أنّه أمر بلالًا فأذّن ثمّ صلّى ركعتي الفجر و أمر أصحابه فصلّوا ركعتي الفجر ثمّ قام فصلّى بهم الصبح. و فيه (2) أنّ بعض (3) أعدائه اعترضه بأنّهُ روى عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة» فأجابُ بأنّه «قد فات الوقتان جميعاً، و أنّ ذلك كان قضاءً من رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله)» (4).

و هذا الحديث كما دلّ على جواز النافلة في وقت قضاء الفريضة، كذلك يدلّ على توسعة وقت القضاء و إن كان الفائتة متّحدةً ليومها؛ لتقديمه النافلة على قضاء الفريضة.

فإن قيل: هذه الحجّة أخصّ من المدّعى؛ لأنّها دلّت على جواز النافلة لمن عليه فريضة مقضيّة خاصّة، و المدّعى جوازها مطلقاً، فلا يتمّ الاحتجاج بها على الجواز، بل هي على المنع أدلّ.

و يؤيّده صحيحة زرارة أيضاً، قال: قلت لأبي جعفر: أصلّي نافلة و عليّ فريضة، أو في وقت فريضة؟ قال: «لا، إنّه لا تصلّى نافلة في وقت فريضة، أ رأيت لو كان عليك صوم من شهر رمضان، أ كان لك أن تتطوّع حتى تقضيه؟» قال: قلت: لا، قال: «فكذلك الصلاة» قال: فقايسني و ما كان يقايسني (5). و كأنّهُ أراد به مجرّد المثال، أو ليُعلّم زرارة ما يحتجّ به على خصومه، لا الاحتجاج بالقياس.

و هذا الحديث أيضاً صريح في النهي عن النافلة في وقت الفريضة، و إذا جُمع بينه و بين

____________

(1) المستدرك للحاكم 2: 597؛ الخصال 2: 523/ 13.

(2) أي في حديث زرارة.

(3) و هو: الحَكَم، كما في الذكرى 2: 422.

(4) أورده الشهيد في الذكرى 2: 422.

(5) أورده الشهيد في الذكرى 2: 424.

499

ما قبله، كان النهي مختصّاً بفعلها في وقت الحاضرة؛ لأنّها ذات الوقت حقيقةً.

قلنا: قد ثبت دلالة الأُولى على جواز النافلة لمن عليه فريضة في الجملة. و تُحمل الثانية عليها، و لا قائل بالتفصيل، فاللازم إمّا اطّراح الرواية، أو القول بالجواز في الجملة، و متى قيل به في الجملة لزم القول به مطلقاً؛ لعدم القائل بالفرق، فالقول به إحداث قول ثالث.

فإن قيل: بطريق القلب دلّ الحديثان على النهي عن النافلة في وقت الفريضة في الجملة و لا قائل بالتفصيل، فاللازم اطّراح الروايتين إن لم نقل بالمنع مطلقاً حذراً من إحداث قول ثالث.

قلنا: يمكن حمل النهي على الكراهة؛ جمعاً بينهما و بين ما دلّ على الجواز، فإنّ القول بحمل النهي على التحريم يستلزم اطّراح تلك الأخبار بالكلّيّة، أو حملها على ما لا يدلّ عليه، كحملها على انتظار الجماعة، فكان حمل النهي على الكراهة التي هي أحد مفهوماته أولى، مع أنّ حديث «لا صلاة لمن عليه صلاة» لم يستثبته الأصحاب من طريقهم، و إنّما أورده الشيخ في المبسوط و الخلاف (1) مرسلًا، و لم يذكره في كتابي الأخبار، و اللّه أعلم.

(و يكره ابتداء النوافل) في خمسة مواطن: ثلاثة تعلّق النهي فيها بالزمان، و هي (عند طلوع الشمس) حتّى ترتفع و تذهب الحمرة، و يستولي سلطانها بظهور شعاعها، فإنّه في ابتداء طلوعها ضعيف (و) عند (غروبها) أي ميلها إلى الغروب، و هو اصفرارها حتى يكمل الغروب بذهاب الحمرة المشرقيّة (و) عند (قيامها) في وسط النهار و وصولها إلى دائرة نصف النهار، المعلوم بانتهاء نقصان الظلّ (إلى أن تزول) و يأخذ الظلّ في الزيادة.

و الكراهة ثابتة في جميع الأيّام (إلا يوم الجمعة) فلا تكره النافلة فيها عند القيام، فإنّه يستحبّ التنفّل فيها بركعتين نصف النهار؛ لما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة (2).

____________

(1) المبسوط 1: 127، الخلاف 1: 386، المسألة 139.

(2) سنن البيهقي 2: 652/ 4433.

500

و عن الصادق (عليه السلام)

لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة

(1). (و) وقتان تعلّق النهي فيهما بالفعل (بعد) صلاة (الصبح) حتى تطلع الشمس (و) بعد صلاة (العصر) حتى تغرب الشمس.

و معنى تعلّقه هنا بالفعل اختصاصه بمن صلّى الصبح و العصر، دون مَنْ لم يصلّهما، و أنّ مَنْ عجّلهما في أوّل الوقت طالت الكراهة في حقّه، و إن أخّرهما قصرت.

و هذه الخمسة مرجعها إلى ثلاثة؛ لاتّصال ما بعد الصبح بما بعد الطلوع، و ما بعد العصر بما بعد الاصفرار، لكن اختلاف السبب بالفعل و الوقت جعلها خمسة. و احترز بالنوافل عن الفرائض، فلا تكره في هذه الأوقات، أداءً كانت أو قضاءً.

و الأصل في الكراهة في هذه الأوقات ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه نهى عن الصلاة فيها (2)، و أنّه قال: «إنّ الشمس تطلع و معها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثمّ إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، و إذا دَنَتْ للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها» (3).

و نحوه روي من طرقنا عن أبي الحسن الثاني (4).

و فُسّر قرن الشيطان بحزبه، و هُمْ عَبَدة الشمس يسجدون لها في هذه الأوقات.

و في مرفوعٍ إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ رجلًا قال لهُ: إنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان، قال: «نعم، إنّ إبليس اتّخذ عريشاً بين السماء و الأرض، فإذا طلعت الشمس و سجد في ذلك الوقت الناسُ قال إبليس لشياطينه: إنّ بني آدم يصلّون لي» (5) فمن ثَمَّ كرهت النوافل في هذه الأوقات.

(عدا ذي السبب) المتقدّم على هذه الأوقات أو المقارن لها أو الحاصل فيها، و ذلك كصلاة الطواف و الإحرام و الزيارة و الحاجة و الاستخارة و الاستسقاء و التحيّة و الشكر و قضاء النوافل و صلاة ركعتين عقيب فعل الطهارة عن حدث.

____________

(1) التهذيب 3: 13/ 44؛ الاستبصار 1: 412/ 1576.

(2) سنن ابن ماجة 1: 397/ 1253؛ سنن النسائي 1: 275؛ سنن البيهقي 2: 637/ 4384، المصنّف لعبد الرزّاق 2: 425/ 3590، مسند أبي يعلى 3: 37/ 1451.

(3) سنن ابن ماجة 1: 397/ 1253؛ سنن النسائي 1: 275؛ سنن البيهقي 2: 637/ 4384، المصنّف لعبد الرزّاق 2: 425/ 3590، مسند أبي يعلى 3: 37/ 1451.

(4) علل الشرائع: 343 (الباب 47) الحديث 1.

(5) الكافي 3: 290/ 8؛ التهذيب 2: 268/ 1068.

501

و إنّما لم تكره ذات السبب؛ لاختصاصها بورود النصّ على فعلها في هذه الأوقات أو في عموم الأوقات، و الخاصّ مقدّم. و للأصل. و في بعض الأخبار الدالّ على بعض ذي السبب أنّه من سرّ آل محمّد المخزون (1).

و المراد بكراهة النافلة فيها كونها خلاف الأولى، كباقي العبادات المكروهة، فتنعقد؛ لعدم المنافاة، و ينعقد نذرها. و توقّف المصنّف في التذكرة و النهاية (2).

و اعلم أنّه كان يغني قيد الابتداء عن استثناء ما لَه سبب، كما صنع الشهيد (3) (رحمه اللّه) و غيره، فإنّهم يحترزون بالمبتدئة عن ذات السبب.

و يمكن الاحتراز بالابتداء هنا عن الاستدامة بأن يدخل عليه أحد الأوقات و هو في أثناء نافلة لا سبب لها، فإنّه لا يكره له قطعها؛ لكونه مكروهاً (4)، فتتعارض الكراهتان، و يرجع إلى الأصل، و لأنّ المنهيّ عنه الصلاة لا بعضها.

(و أوّل الوقت أفضل) من غيره؛ لما فيه من المسارعة إلى فعل الطاعة و لزوم المغفرة. و الأخبار في ذلك عن النبي و الأئمّة «لا تحصى.

فمنها: عنه (عليه السلام) «أفضل الأعمال الصلاة لأوّل وقتها» (5).

و عن الصادق (عليه السلام)

إنّ فضل أوّل الوقت على آخره كفضل الآخرة على الدنيا

(6). و في قوله (عليه السلام)

أوّل الوقت رضوان اللّه، و آخره عفو اللّه

(7) كفاية، فإنّ الرضوان إنّما يكون للمحسنين، و العفو يشبه أن يكون للمقصّرين.

و تحصل أفضليّة الأوّليّة بالاشتغال بشروط الصلاة و مقدّماتها، كالطهارة و ستر العورة و الأذان حين دخوله، فلا يُعدّ حينئذٍ مؤخّراً، و لا يشترط تقديم ما يمكن تقديمه عليه، كما لا يعتبر تكلّف العجلة على خلاف العادة. و لا يضرّ الاشتغال بما لا ينافيه عرفاً، كأكل لقمة، و كلام خفيف.

____________

(1) الفقيه 1: 315/ 1429؛ التهذيب 2: 173/ 689، و 174/ 693؛ الاستبصار 1: 290/ 1060.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 338، الفرع «ب»؛ نهاية الإحكام 1: 321 و 322.

(3) الذكرى 2: 381.

(4) كذا، و الظاهر: فإنّه لا يكره له إتمامها؛ لأنّ قطع النافلة مكروه.

(5) سنن الترمذي 1: 319 320/ 170؛ سنن الدارقطني 1: 247/ 10، و 248/ 13؛ سنن البيهقي 1: 637/ 2042.

(6) الكافي 3: 274/ 6؛ ثواب الأعمال: 58/ 2؛ التهذيب 2: 40 41/ 129.

(7) سنن الترمذي 1: 321/ 172؛ سنن الدارقطني 1: 249/ 21؛ سنن البيهقي 1: 640/ 2050.

502

و في اشتراط ذلك فيما لو نذر الصلاة في أوّل وقتها نظر: من تبعيّة الشروط و المقدّمات وجوب الفعل، المتوقّف على الوقت، و عدم منافاة الأوّليّة عرفاً، و من ثَمَّ حصلت الفضيلة لولا النذر. و من اقتضاء اللفظ كون الصلاة أوّل الوقت، فيقدّم ما أمكن من مقدّماتها؛ تحصيلًا للواجب المطلق بحسب الإمكان، و اختاره المصنّف في النهاية بعد اعترافه بعدم منافاة ذلك للفضيلة لولا النذر (1).

و متى اعتبرنا تقديم المقدّمات حُكم بمنافاة أكل اللقمة و نحوها بطريقٍ أولى. أمّا الإسراع على خلاف العادة فلا.

و هذه الفضيلة ثابتة لجميع الصلوات في جميع الأوقات (إلا ما يستثني) في تضاعيف كتب الفقه. و جملته سبعة عشر تأخير الصلاة بها عن أوّل الوقت أفضل من تقديمها.

أ تأخير (2) الظهر إذا اشتدّ الحرّ إلى وقوع الظلّ الذي يمشي الساعي فيه إلى الجماعة؛ للإبراد بها؛ لما رووه عن النبيّ أنّه قال: «إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصلاة» (3).

و رويناه عن الصادق (عليه السلام)، قال

كان المؤذّن يأتي النبيّ في صلاة الظهر، فيقول له رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله): أبرد أبرد

(4). و اعتبر المصنّف فيه كون الصلاة في جماعةٍ (5)؛ لظاهر الخبرين، فلو صلّى منفرداً في بيته، فلا إبراد؛ لعدم المشقّة المقتضية له.

و لو أراد المنفرد الانتقال إلى المسجد ليصلّي منفرداً، فالظاهر استحباب الإبراد؛

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 332.

(2) ورد هذا الفرع في «ق، م» و الطبعة الحجريّة هكذا:

أ تأخير الظهر إذا اشتدّ الحرّ؛ للإبراد بها؛ لما رووه عن النبيّ أنّه قال: «إذا اشتدّ الحرّ إلى وقوع الظلّ الذي يمشي الساعي فيه إلى الجماعة فأبردوا بالصلاة».

و ما أثبتناه هو الموافق لعبارة الشهيد في الذكرى 2: 398، مضافاً إلى أن جملة «إلى وقوع الظلّ .. إلى الجماعة» لم ترد في المصادر.

و أيضاً نلفت النظر إلى ما استظهره الشارح (قدّس سرّه) من الحديث طبقاً لما هو موجود في النسخ الخطّيّة و الحجريّة فيما سيأتي حيث قال: و مقتضى الخبر الأوّل: تحديد التأخير بحصول، إلى آخره.

(3) صحيح البخاري 1: 199/ 512؛ صحيح مسلم 1: 430/ 615؛ سنن ابن ماجة 1: 222/ 677؛ سنن أبي داوُد 1: 110/ 402؛ علل الشرائع: 247 (الباب 181) الحديث 1.

(4) الفقيه 1: 144/ 671.

(5) تذكرة الفقهاء 2: 376.

503

لمساواته الجماعةَ في المشقّة. و يمكن دلالة الخبر عليه. و اعتبر الشيخ مع ذلك كونَ الصلاة في المسجد و البلاد حارّة (1).

و الظاهر عدم اعتبارهما؛ أخذاً بالعموم.

و في تنزّل الجمعة منزلة الظهر وجهان: نَعَمْ؛ لعموم الخبر، و اختاره المصنّف في التذكرة (2). و: لا؛ لشدّة الخطر في فواتها، و عمومِ «أوّل الوقت رضوان اللّه» (3) خرج عنه الظهر، فيبقى ما عداها.

و مقتضى (4) الخبر الأوّل: تحديد التأخير بحصول ظلّ الحائط على الساعي إليها، و هو مناسب للإبراد المدلول عليه في الخبر الثاني غالباً.

ب تأخير العصر إلى المثل أو أربعة أقدام. و قد نبّه عليه المصنّف في التذكرة (5)، و جَعَله في الذكرى أقرب (6). و في الأخبار ما يدلّ عليه.

ج تأخير المستحاضة الظهر و المغرب إلى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بينهما و بين العصر و العشاء بغسلٍ واحد مع ملاحظة إيقاع كلّ واحدة في وقتها، فتُؤخّر الظهر إلى أن يبقى لصيرورة ظلّ الشخص مثله قدر الصلاة، و تُقدّم العصر في أوّل وقتها، و كذا القول في العشاءين.

د تأخير المغرب و العشاء للمفيض من عرفة إلى المشعر الحرام و إن مضى ربع الليل أو ثلثه؛ لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «لا تصلّ المغرب حتى تأتي جَمْعاً و إن ذهب ثلث الليل» (7).

و «جَمْع» بفتح الجيم و إسكان الميم هي: المشعر. و يقال لها: المزدلفة بكسر اللام.

و نقل المصنّف في المنتهي (8) إجماع أهل العلم على ذلك.

____________

(1) المبسوط 1: 77.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 378، الفرع «ب».

(3) تقدّم تخريجه في ص 501، الهامش (7).

(4) لاحظْ ما علّقناه في ص 502 الهامش (2).

(5) تذكرة الفقهاء 2: 379 ذيل الفرع «ه».

(6) الذكرى 2: 332.

(7) التهذيب 5: 188/ 625؛ الاستبصار 2: 254/ 895.

(8) منتهى المطلب 2: 723 (الطبعة الحجريّة).

504

هتأخير الظهرين و الصبح حتى تصلّى النافلة ما لم يستلزم خروج وقت الفضيلة.

و قيل (1): و إن خرج.

و تأخير العشاء حتى يذهب الشفق الأحمر، بل قيل بوجوبه (2).

ز تأخير الصبح حتى تكمل نافلة الليل إذا أدرك منها أربعاً، كما مرّ.

ح تأخير المغرب للصائم في صورتيه المشهورتين.

ط تأخير المشتغل بقضاء الفرائض الفائتة للحاضرة إلى آخر وقتها إن لم نقل بوجوبه.

ي إذا كان التأخير مشتملًا على صفة كمال، كانتظار الجماعة للإمام و المأموم ما لم يطل الزمان، أو طول الصلاة و التمكّن من استيفائها.

و قد روي عن الصادق (عليه السلام) في المغرب

إذا كان أرفق بك و أمكن لك في صلاتك و كنت في حوائجك فلك إلى ربع الليل

(3). تأخير ذوي الأعذار، كفاقد المسجد و الساتر أو وصفه، مع رجاء زوال العذر بالتأخير إن لم نقل بوجوبه، كما ذهب إليه المرتضى (4) مطلقاً، و جماعة (5) في المتيمّم.

يب تأخير المربّية ذات الثوب الواحد الظهرين إلى آخر الوقت لتغسل الثوب قبلهما، و تحصل فيه أربع صلوات بغير نجاسة أو بنجاسة خفيفة.

يج تأخير مدافع الأخبثين الصلاة إلى أن يخرجهما، و كذا الريح و النوم، و إن فاتته فضيلة الجماعة و المسجد. و كذا لو فاتته الطهارة المائيّة، كما لو اضطرّ بعد زوالها إلى التيمّم على أحد الوجهين.

يد تأخير الظانّ دخول الوقت و لا طريق له إلى العلم حتى يتحقّق الدخول.

يه تأخير مريد الإحرام الفريضةَ الحاضرة حتى يصلّي سنّة الإحرام ثمّ يصلّي الفريضة و يُحرم عقيبها، كما سيأتي بيانه.

____________

(1) لم نعثر على القائل.

(2) قال الشيخ المفيد في المقنعة: 93؛ و الشيخ الطوسي في النهاية: 59؛ و المبسوط 1: 75: أوّل وقت العشاء الآخرة مغيب الشفق، و هو الحمرة في المغرب.

(3) التهذيب 2: 31/ 94، و 259 260/ 1034؛ الاستبصار 1: 267/ 964.

(4) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 400 401؛ و انظر مسائل الناصريّات: 156، المسألة 51.

(5) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 61؛ و الشيخ الطوسي في النهاية: 47؛ و سلار في المراسم: 54؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 47.

505

يو تأخير صلاة الليل إلى آخره.

تأخير ركعتي الفجر إلى طلوع الأوّل، كما مرّ.

(و لا يجوز تأخيرها) أي الصلاة الواجبة (عن وقتها) و كذا تأخير شيء منها و إن بقيت أداءً، كمُدرك ركعة منه، فإنّ ذلك بحكم التغليب، و إلا فالركعات الباقية خارجة عن الوقت مع وجوب فعلها فيه، و الإخلال بالواجب حرام. و هذا الحكم إجماعيّ.

(و) كذا (لا) يجوز (تقديمها عليه) و لا يجزئ ما فَعَله في التقديم و إن أجزأ في التأخير مع نيّة القضاء.

و لا فرق في ذلك بين العالم و الجاهل و الناسي، و إن انتفى الإثم على الأخير.

و احتُرز بالواجبة عن النافلة، فإنّه يجوز تقديمها على الوقت في بعض المواضع، كما عرفته.

و لا يجوز البناء في الوقت على الظنّ مع إمكان العلم (و يجتهد في) تحصيل (الوقت إذا لم يتمكّن من العلم) بالأمارات المفيدة للظنّ بدخوله، كالأوراد المفيدة له من صنعةٍ و درسٍ و قراءةٍ و غيرها، و كتجاوب الديكة؛ للرواية عن الصادق (1).

و لا بدّ من تقييده بشهادة العادة به و إن كان النصّ مطلقاً.

و نفاه المصنّف في التذكرة (2) مطلقاً. و الخبر حجّة عليه.

فإن ظنّ الدخول حيث لا طريق له إلى العلم، صلّى (فإن) طابق، صحّ. و إن (انكشف فساد ظنّه و قد فرغ) من الصلاة (قبل الوقت، أعاد) الصلاة؛ لوقوعها في غير وقتها.

و لعموم رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) «مَنْ صلّى في غير وقت فلا صلاة له» (3).

(و إن دخل) الوقت (و هو متلبّس) بالصلاة (و لو) في آخر أفعالها، كما لو كان (في التشهّد) إن لم نقل بوجوب التسليم، أو في أثناء التسليم الواجب إن قلنا بوجوبه (أجزأ) على أصحّ القولين؛ لأنّه متعبّد بظنّه مأمور بالعبادة على هذا الوجه، فيقتضي الإجزاء، خرج منه ما إذا لم يدرك شيئاً من الوقت، فيبقى الباقي.

____________

(1) الكافي 3: 248/ 2؛ الفقيه 1: 143 144/ 668؛ التهذيب 2: 255/ 1010.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 382، الفرع «د».

(3) الكافي 3: 285/ 6؛ التهذيب 2: 140/ 547، و 254/ 1005.

506

و روى إسماعيل بن رباح عن الصادق (عليه السلام)

إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقتٍ و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك

(1). و اختار المصنّف في المختلف البطلان؛ لرواية أبي بصير، السالفة (2)؛ فإنّها شاملة للصلاة الكاملة و غيرها (3).

و في الشمول نظر. و لو سُلّم، وجب تخصيصها بخبر إسماعيل؛ لأنّه خاصّ.

(و لو صلّى قبله) أي قبل الوقت (عامداً أو جاهلًا) بدخوله أو باعتباره في الصلاة أو بحكم الصلاة قبل الوقت (أو ناسياً) لمراعاة الوقت (بطلت صلاته) و إن دخل الوقت في أثنائها على أشهر القولين؛ لنهي الأوّل عن الشروع فيها قبله، و النهي في العبادة يقتضي الفساد. و لضمّ الثاني جهلًا إلى تقصيرٍ. و لتفريط الثالث بعدم التحفّظ مع قدرته عليه.

و لأنّ الوقت سبب في الوجوب، فلا يتقدّم الوجوب عليه، و الإجزاء تابع للوجوب، خرج عنها الظانّ؛ للرواية (4)، و تعبّده باجتهاده، فيبقى الباقي على أصله، فلا دلالة حينئذٍ لحديث «رُفع عن أُمّتي الخطأ و النسيان» (5) مع أنّ في دلالته على أصل الحكم بحثاً يأتي إن شاء اللّه.

و للشيخ قول بمساواة العامد للظانّ في عدم الإعادة (6).

و هو بعيد، و يلزم منه إلحاق الجاهل و الناسي به بطريقٍ أولى. و يحتمل إلحاق الناسي به خاصّة.

و لو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بالدخول، ففي الإجزاء نظر: من مطابقة نفس الأمر، و عدم الدخول الشرعي.

و اختار في البيان (7) الأوّل، و في الذكرى (8) البطلان.

____________

(1) الكافي 3: 286/ 11؛ الفقيه 1: 143/ 666؛ التهذيب 2: 35/ 110.

(2) في ص 505.

(3) مختلف الشيعة 2: 65 67، المسألة 18.

(4) و هي رواية إسماعيل بن رباح، المتقدّمة أعلاه.

(5) كنز العمّال 4: 233/ 10307 نقلًا عن الطبراني في المعجم الكبير.

(6) النهاية: 62.

(7) البيان: 112.

(8) الذكرى 2: 392 393.

507

و أولى به تارك الاجتهاد مع القدرة عليه أو تارك التقليد مع العجز عن الاجتهاد؛ لعصيانهما. و لو لم يتذكّر الاجتهاد أو التقليد، فكالناسي.

(و لو صلّى العصر قبل الظهر ناسياً) و لم يذكر حتى فرغ من الصلاة (أعاد) الصلاة (إن كان) صلاها جميعها (في) الوقت (المختصّ) بالظهر (و إلا) أي: و إن لم يكن صلاها جميعها في الوقت المختصّ بالظهر بأن وقعت في الوقت المشترك بين الفريضتين، أو دخل المشترك و هو فيها (فلا) إعادة، بل يصلّي الظهر بعدها أداءً.

و لو ذكر في أثناء العصر، عدل إلى الظهر و صحّت، سواء كان في المختصّ أم المشترك؛ لأنّ المقتضي لفسادها إذا وقعت في المختصّ و لم يذكر حتى فرغ عدم إجزائها عن الظهر؛ لفقد النيّة، و لا عن العصر؛ لوقوعها قبل وقتها، بخلاف ما لو تذكّر فعدل؛ فإنّ النيّة تؤثّر فيما مضى.

و يدلّ عليه أيضاً إطلاق رواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) إلى قوله: فذكر و هو يصلّي أنّه لم يكن صلّى الاولى «فليجعلها الاولى» (1) و غيرها.

هذا كلّه على القول باختصاص الظهر من أوّل الوقت بمقدار أدائها. و يمكن فرضه على القول باختصاصها من آخره كذلك، كما تقدّم.

و على القول باشتراك الوقت بين الفرضين كمذهب الصدوقين (2) تجيء صحّة الصلاتين و إن لم يذكر حتى فرغ. و لو ذكر في الأثناء، فالعدول بحاله؛ لوجوب الترتيب إجماعاً.

و إنّما فرض المصنّف المسألةَ في الظهرين؛ لعدم ورود الحكم في العشاءين غالباً، فإنّه لو نسي و صلّى العشاء في المختصّ بالمغرب فدخل المشترك و هو فيها، فتصحّ، كما تقدّم.

نعم، لو فرض سهوه عن أفعالٍ تقابل الركعة الأخيرة بحيث تقع العشاء بجملتها صحيحةً في المختصّ بالمغرب، بطلت، كالعصر. و كذا لو كانت مقصورةً.

(و الفوائت) من الفرائض اليوميّة (تترتّب) في القضاء بمعنى أنّه إذا اجتمع في ذمّة المكلّف فريضتان فصاعداً، ترتّبت اللاحقة منها على السابقة، فتقدّم السابقة في القضاء على لاحقتها، و هكذا (كالحواضر) التي قد علم ترتيبها.

____________

(1) الكافي 3: 294/ 7؛ التهذيب 2: 197/ 777، و 269/ 1072.

(2) تقدّمت الإشارة إلى مصادر قولهما في ص 484، الهامش (3).

508

(فلو صلّى المتأخّرة) في الفوات قبل المتقدّمة فيه عامداً، لم تصحّ.

و لو كان ناسياً (ثمّ ذكر) في أثناء المتأخّرة (عدل) منها إلى المتقدّمة (مع الإمكان) و ذلك حيث لا تتحقّق زيادة ركوع على عدد السابقة، فلو كانت الفائتة المتقدّمة صبحاً، فإن ذكر قبل ركوع الثالثة، عدل إليها، أو مغرباً فذكر قبل ركوع الرابعة. و لو تساويا عدداً، فالعدول ممكن ما لم يفرغ.

و معنى العدول أن ينوي بقلبه أنّ هذه الصلاة بمجموعها ما مضى منها و ما بقي هي السابقة المعيّنة مؤدّاةً أو مقضاةً إلى آخر ما يعتبر في النيّة.

و يحتمل عدم وجوب إكمال المشخّصات المشتركة بين الفرضين، كالوجوب و القربة و الأداء و القضاء إن اتّفقا فيها، لسبق صحّته و صلاحيّته للمعدول إليها.

و ينبّه على اعتبار الجميع ظاهر خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام)

فانوها الاولى [ثمّ صلّ العصر] فإنّما هي أربع مكان أربع

(1) فإنّ مقتضى النيّة ذلك.

و في البيان: ليس فيه أي العدول إلا نيّة تلك الصلاة (2). و هو يدلّ على اعتبار الجميع؛ لأنّ نيّة تلك الصلاة يعتبر فيها ذلك.

(و إلا) أي و إن لم يمكن العدول بأن تجاوز محلّه (استأنف) المتقدّمة بعد إكمال ما هو فيها إن لم يكن أكملها. و يغتفر الترتيب؛ للنسيان.

و ربما أوهم الاستئناف غير ذلك، لكنّ المراد ما قلناه.

و احترزنا باليوميّة عن غيرها من الصلوات الواجبة، حاضرةً كانت أم فائتة أم بالتفريق، كالعيد و الآيات و الجنازة و غيرها، فإنّه لا ترتيب فيها مع أنفسها، و لا بينها و بين اليوميّة على المشهور. و ربما ادّعى بعضهم عليه الإجماع (3).

و نقل في الذكرى عن بعض مشايخ الوزير مؤيّد الدين ابن العلقمي وجوب الترتيب بينها في الموضعين؛ لعموم «فليقضها كما فاتته» (4) و (5) و احتمله المصنّف في

____________

(1) الكافي 3: 291/ 1؛ التهذيب 3: 158/ 340، و ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) البيان: 257.

(3) انظر: المهذّب البارع 1: 459.

(4) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 406؛ و ابن فهد الحلّي في المهذّب البارع 1: 460.

(5) الذكرى 2: 436.

509

التذكرة (1)، و نفى عنه البأس في الذكرى (2).

و هذا كلّه مع سعة وقتهما، أمّا لو تضيّق وقت إحداهما خاصّة، قدّم المضيّق. و لو تضيّقا معاً، قُدّمت اليوميّة.

(و لا تترتّب الفائتة) من الصلاةَ اليوميّة (على الحاضرة) منها (وجوباً) بل استحباباً (على رأي) للأصل.

و لقوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (3).

و قولِ الصادق (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: فيمَنْ نام قبل أن يصلّي المغرب و العشاء: «فإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب و العشاء قبل طلوع الشمس» (4) و «ثمّ» للترتيب.

و لا يمكن حمله على ضيق الوقت؛ لدفعه بقبليّة طلوع الشمس.

و قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير مثله، ثمّ قال: «فإن خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب و يدع العشاء حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها ثمّ ليصلّها» (5) و لو كانت مضيّقةً، لما جاز له التأخير؛ لأنّ القائل بالمضايقة يمنع ما هو أعظم من ذلك، كما سيأتي.

و مخالفتهما للظاهر في بعض مدلولاتهما لا تنافي العملَ بالبعض الآخر، مع الاتّفاق على صحّتهما، و قد تقدّم (6) في صحيح زرارة ما يدلّ على ذلك أيضاً، و كذا كلّ حديثٍ دلّ على جواز النافلة لمن عليه فريضة، فإنّه يدلّ على التوسعة.

و المشهور خصوصاً بين المتقدّمين حتى ادّعى بعضهم (7) عليه الإجماع: القول بالمضايقة المحضة، و معناها وجوب تقديم الفائتة مطلقاً على الحاضرة، و بطلان الحاضرة لو قدّمها عمداً مع سعة الوقت، و وجوب العدول لو كان سهواً، حتى بالغ المرتضى

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 359، الفرع «و».

(2) الذكرى 2: 436.

(3) الإسراء (17): 78.

(4) التهذيب 2: 270/ 1076.

(5) التهذيب 2: 270/ 1077؛ الإستبصار 1: 288/ 1054.

(6) في ص 498.

(7) هو ابن إدريس في «خلاصة الاستدلال» كما نقله عنه الشهيد في غاية المراد 1: 102.

510

(رحمه اللّه) في المسائل الرسيّة، فمنع المكلّف بذلك من أكل ما يفضل عمّا يمسك الرمق، و من نومٍ يزيد على ما يحفظ الحياة، و من تكسّبٍ يزيد على قدر الضرورة، و بالجملة مَنَع من كلّ فعلٍ مباح أو مندوب أو واجب موسّع (1).

و ربّما احتجّوا على ذلك بالإجماع.

و بقوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (2) فإنّ المراد بها الفائتة؛ لرواية زرارة عن الباقر (عليه السلام)

ابدأ بالذي فاتك

(3)

، فإنّ اللّه تعالى يقول

أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي

(4) و الأمر للوجوب. و المراد به «لوقت ذكرى لك إيّاها» قاله كثير من المفسّرين (5)، و الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، و النهي في العبادة مفسد.

و بقول النبيّ

مَنْ فاته صلاة فوقتها حين يذكرها

(6) و «مَنْ» من صيغ العموم.

و بصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) «إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير طهارة و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهنّ فأذّن لها و أقم ثمّ صلّها ثمّ صلّ ما بعدها بإقامةٍ لكلّ صلاة» (7) الحديث بطوله، و غير ذلك من الأخبار.

و أُجيب: بمنع الإجماع و دلالةِ الآية على ذلك؛ فإنّ فيها وجوهاً اخرى: أنّ الصلاة تذكر بالمعبود و تشغل القلب و اللسان بذكره، أو أنّ اللام للتعليل، أي: لأنّي ذكرتها في الكتب و أمرت بها، أو أنّ المراد لذكري خاصّة فلا ترائي بها، أو أنّ المراد لأذكرك بالثناء. و بدلالةِ الأخبار على الوجوب المطلق لا الفوري، و مطلقه لا يدلّ على الفور كما حقّق في الأُصول، فيتعارض الوجوبان، و يجمع بين الأخبار بالحمل على الاستحباب، فإنّ العمل بالخبرين و لو بوجهٍ أولى من اطّراحهما أو اطّراح أحدهما.

و ذهب المصنّف في المختلف إلى تقديم فائتة يومها، سواء اتّحدت أم تعدّدت ما

____________

(1) أجوبة المسائل الرسيّة الأُولى (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 2: 365.

(2) طه (20): 14.

(3) كذا في «ق، م» و الطبعة الحجريّة. و في المصادر: «بالتي فاتتك».

(4) الكافي 3: 293/ 4؛ التهذيب 2: 172/ 686؛ الاستبصار 1: 287/ 1051.

(5) كما في غاية المراد 1: 103؛ و انظر التفسير الكبير 22: 20.

(6) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 406.

(7) الكافي 3: 291/ 1؛ التهذيب 3: 158/ 340.

511

لم تتضيّق الحاضرة، دون غيرها و إن اتّحد (1). و المحقّقُ إلى تقديم الواحدة مطلقاً دون غيرها (2). و يمكن أخذ حُججهما ممّا ذكرناه.

و في المسألة أقوال أُخر ذِكْرُها مع حُججها بالمطوّلات أليق.

و اعلم أنّ تعبير المصنّف بترتّب الفائتة على الحاضرة تبع فيه شيخَه المحقّق (3)، و هو من باب صناعة القلب، كقول رؤبة:

و مَهْمَهٍ مغبرةٍ أرجاؤه* * * لله كأنّ لونَ أرضه سماوة (4)

أي لون سمائه لغبرتها لون أرضه.

و قول القُطامي:

لله كما طيّنت بالفدن السياعا (5)

فإنّ الفدن: القصرُ. و السياع: الطين.

قيل: و منه كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا فَجٰاءَهٰا بَأْسُنٰا (6) و (7) و قٰابَ قَوْسَيْنِ (8) أي: قابي قوس (9)، و هو باب متّسع، و ذلك لأنّ المحكوم عليه بالترتّب على الآخر و عدمه هو الحاضرة لا الفائتة، فكان الأصل فيه: «و لا تترتّب الحاضرة على الفائتة» إلى آخره.

____________

(1) مختلف الشيعة 2: 437، المسألة 309.

(2) شرائع الإسلام 1: 111، المعتبر 2: 405؛ المسائل العزّيّة (ضمن الرسائل التسع): 112.

(3) انظر المختصر النافع: 46؛ و المعتبر 2: 405.

(4) مغني اللبيب 2: 912. و روى باختلاف، و هذا نصّه:

و بلد عامية إعماؤه* * * كأنّ لون أرضه سماوة

انظر المثل السائر 4: 277؛ لسان العرب 15: 98، «ع م ى».

(5) مغني اللبيب 2: 913؛ و في لسان العرب 8: 170 «س ى ع»: «بطّنت» بدل «طيّنت».

(6) الأعراف (7): 4.

(7) كما في مغني اللبيب 2: 913 914.

(8) النجم (53): 9.

(9) قال ابن هشام: نقل الجوهري [الصحاح 1: 207 «ق و ب»] في فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أنّ أصله «قابي قوس» فقلبت التثنية بالإفراد. و هو حسن. مغني اللبيب 2: 914.

512

[المقصد الثالث في الاستقبال]

(المقصد الثالث: في الاستقبال)

[يجب استقبالُ الكعبة]

(يجب) على المكلّف (استقبالُ) عين (الكعبة مع) إمكان (المشاهدة) كمن كان في مكّة متمكّناً منها و لو بمشقّة يمكن تحمّلها عادةً، فيجب على مَنْ بالأبطح ذلك و لو بالصعود إلى السطح أو الجبل مع الإمكان.

(و) استقبالُ (جهتها مع البُعْد) عنها أو تعذّر مشاهدتها بمرضٍ (1) أو حبس و نحوهما (في فرائض الصلوات، و عند الذبح) بمعنى الشرط، أو مع وجوب الذبح بوجهٍ من وجوهه (و) عند (احتضار الميّت) و تغسيله (و دفنه و الصلاة عليه) و قد تقدّم (2) الكلام في ذلك.

و هذا القول و هو اعتبار العين للقادر على المشاهدة، و الجهةِ لغيره هو أصحّ القولين للأصحاب؛ للأخبار (3) الدالّة على أنّ الاستقبال كان إلى بيت المقدس ثمّ حُوّل إلى الكعبة من غير تفصيلٍ.

و لقول النبيّ لمّا صلّى قُبُلَ (4) الكعبة: «هذه القبلة» (5).

و اعتبار الجهة مع البُعْد؛ لأنّ الشطر هو: النحو. و لأنّ اعتبار العين مع البُعْد يوجب بطلان صلاة الصفّ المستطيل الذي يخرج عن سمت الكعبة أو سمت الحرم. و ما ورد من

____________

(1) في «ق، م»: لمرض.

(2) تقدّم في ج 1، ص 253 و مابعدها.

(3) منها ما في الكافي 3: 286/ 12؛ و الفقيه 1: 178/ 843.

(4) قُبُل كلّ شيء: أوّله و ما استقبلك منه. النهاية لابن الأثير 4: 8.

(5) صحيح البخاري 1: 155/ 389؛ صحيح مسلم 2: 968/ 1330؛ سنن النسائي 5: 220؛ سنن البيهقي 2: 14/ 9؛ مسند أحمد 6: 261/ 21247.

513

النصّ على علامات القبلة للبعيد دالّ عليه؛ لاتّساع خِطّةِ الأقاليم عن سعة الحرم.

و قال الشيخ و أكثر الأصحاب (1): إنّ الكعبة قبلةُ مَنْ في المسجد، و المسجد قبلة مَنْ في الحرم، و الحرم قبلة مَنْ خرج عنه (2)، حتى ادّعى الشيخ عليه الإجماع (3)، و قد روي من طريق العامّة عن النبيّ (4)، و من طريق الخاصّة عن الصادق (5).

و في طريق الجميع ضعف، و في بعضها إرسال. و الإجماع لم يتحقّق؛ لمخالفة جماعة من أعيان الفضلاء، كالمرتضى (6) و ابن الجنيد (7) و غيرهما من المتقدّمين و أكثر (8) المتأخّرين إن لم يكن جميعهم.

و في الذكرى نزّل الأخبار الدالّة على المسجد و الحرم على الجهة على سبيل التقريب إلى أفهام المكلّفين و إظهاراً لسعة الجهة (9).

و هذا القول مع ضعف مستنده (10) يستلزم بطلان صلاة بعض الصفّ الذي يزيد طوله على سعة الحرم، فكيف تصحّ صلاة أهل الإقليم الواحد كالعراق بعلامةٍ واحدة!؟

و اعلم أنّ عبارة الأصحاب مختلفة في معنى الجهة التي هي قبلة البعيد اختلافاً معنويّاً.

فقال المصنّف في التذكرة: جهة الكعبة هي ما يظنّ أنّه الكعبة حتى لو ظنّ خروجه عنها لم تصحّ (11).

____________

(1) كما في الذكرى 3: 159؛ و منهم: سلّار في المراسم 60؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 84؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 85.

(2) النهاية: 62 63؛ المبسوط 1: 77 78؛ الخلاف 1: 295، المسألة 41.

(3) الخلاف 1: 295، المسألة 41.

(4) سنن البيهقي 2: 16، ذيل الحديث 2234.

(5) الفقيه 1: 177 178/ 841؛ و التهذيب 2: 44/ 139 و 140.

(6) جُمل العلم و العمل: 63.

(7) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 2: 79، المسألة 24.

(8) منهم: ابن إدريس في السرائر 1: 204؛ و المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 65؛ و الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 131؛ و العِمة الحلّي في تذكرة الفقهاء 3: 6، المسألة 136؛ و قواعد الأحكام 1: 26؛ و مختلف الشيعة 2: 79، المسألة 24؛ و الشهيد في البيان: 114؛ و الدروس 1: 158؛ و الذكرى 3: 158.

(9) الذكرى 3: 159.

(10) في الطبعة الحجريّة: «سنده» بدل «مستنده».

(11) تذكرة الفقهاء 3: 7.

514

و هذا التفسير مع فساد عبارته يستلزم بطلان صلاة بعض الصفّ المستطيل الذي يزيد طوله على مقدار بُعْد الكعبة؛ للقطع بخروج بعضه عنها فضلًا عن ظنّ كلّ واحد أنّه مستقبل الكعبة.

فإن قيل: القطع بخروج بعضه متعلّق بأفراد المجموع على الإشاعة لا على التعيين، فلا ينافيه ظنّ كلّ واحد على التعيين أنّه مستقبل الكعبة.

قلنا: الظنّ لا بدّ من استناده إلى أمارة مشيرة له بحيث يجوز الركون إليه شرعاً، و هذا القطع ينافيه.

و لو قيل: إنّ هذا لا يتحقّق مع البُعْد؛ لأنّ الجرم الصغير كلّما ازداد الإنسان عنه بُعْداً اتّسعت جهة المحاذاة، فإذا كان بقدر شخص واحد بحيث يخرج عنه شخص ثانٍ عند القرب منه، أمكن محاذاتهما له مع البُعْد عنه بل محاذاة العشرة مثلًا، فليكن الصفّ المستطيل كذلك.

قلنا: هذا تحقيق أمر الجهة بغير المعنى الذي ذكره؛ إذ التحقيق أنّ محاذاة القوم للجرم الصغير عن مقدارهم ليست إلى عينه و إن أوهم ذلك؛ لأنّا نفرض خطوطاً خارجة من مواقفهم نحوه بحيث تخرج متوازية، فإنّها لا تلتقي أبداً و إن خرجت إلى غير النهاية، و حينئذٍ فإنّما يقع على الجرم المقابل منها مقدار وسعه من القوم لا الجميع، و إلا لزم خروج الخطوط عن كونها متوازيةً، هذا خُلْف.

و ممّا يدلّ على كون ذلك غير معتبر أنّ العلامات المنصوبة من الشارع للقبلة يوجب امتثالها صحّة الصلاة و إن لم يخطر ظنّ كون ذلك إلى نفس الكعبة، فإن كان ذلك غير كافٍ، لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة أو وقت الخطاب. و إن كان كافياً، لم يكن ظنّ ذلك معتبراً.

و في المعتبر: نعني بالجهة السمتَ الذي فيه الكعبة لا نفس البنيّة، و ذلك متّسع يمكن أن يوازي جهة كلّ مُصلّ (1).

و قريب منه تعريف المصنّف في النهاية (2)، و هو أجود ممّا سبق و إن كان غير تامّ أيضاً؛

____________

(1) المعتبر 2: 66.

(2) نهاية الإحكام 1: 392.