مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام - ج4

- محمد بن علي الموسوي العاملي المزيد...
485 /
5

[تتمة كتاب الصلاة]

[الرّكن الثالث: في بقية الصلوات]

الرّكن الثالث:

في بقية الصلوات و فيه فصول:

[الفصل الأوّل: في صلاة الجمعة]

الفصل الأوّل:

في صلاة الجمعة (1) و النظر في. الجمعة، و من تجب عليه، و آدابها:

____________

قوله: (الركن الثالث، في بقية الصلوات: و فيه فصول، الفصل الأول: في صلاة الجمعة).

(1) أجمع العلماء كافة على وجوب صلاة الجمعة، و الأصل فيه الكتاب و السنة، قال اللّٰه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ (1) أجمع المفسرون (2) على أن المراد بالذكر هنا الخطبة، و صلاة الجمعة، تسمية للشيء باسم أشرف أجزائه، و الأمر للوجوب كما قرر في الأصول و هو هنا للتكرار باتفاق العلماء. و التعليق بالنداء مبني على الغالب.

____________

(1) الجمعة: 9.

(2) منهم الشيخ في التبيان 10: 8، و الطبرسي في مجمع البيان 5: 288، و ابن العربي في تفسير أحكام القرآن 4: 1805.

6

..........

____________

و في الآية مع الأمر الدال على الوجوب ضروب من التأكيد و أنواع الحث بما لا يقتضي تفصيله المقام، و لا يخفى على من تأمله من أولي الأفهام.

و أما الأخبار فمستفيضة جدا، بل تكاد أن تكون متواترة، فمن ذلك صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إن اللّٰه عزّ و جلّ فرض في كل سبعة أيام خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة: المريض، و المملوك، و المسافر، و المرأة، و الصبي» (1).

و صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال له: «إنما فرض اللّٰه عزّ و جلّ على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّٰه عزّ و جلّ في جماعة، و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة: عن الصغير، و الكبير، و المجنون، و المسافر، و العبد، و المرأة، و المريض، و الأعمى، و من كان على رأس أزيد من فرسخين» (2).

و صحيحة منصور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد، فإن كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم.

و الجمعة واجبة على كل أحد، لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة، و المملوك، و المسافر، و المريض، و الصبي» (3).

و صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)،

____________

(1) الكافي 3: 418- 1، التهذيب 3: 19- 69، المعتبر 2: 274، الوسائل 5: 5 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 14.

(2) الكافي 3: 419- 6، الفقيه 1: 266- 1217، التهذيب 3: 21- 77، الخصال:

533- 11، الأمالي: 319- 17، الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 1.

(3) التهذيب 3: 239- 636، الإستبصار 1: 419- 1610، الوسائل 5: 5 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 16 و ص 8 ب 2 ح 7.

7

..........

____________

قال: «من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع اللّٰه على قلبه» (1).

و صحيحة الفضل بن عبد الملك، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة نفر، و إنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» (2).

و صحيحة زرارة، قال: حثنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: «لا، إنما عنيت عندكم» (3).

و صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن أناس في قرية، هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: «نعم، يصلون أربعا إذا لم يكن من يخطب» (4).

و صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة، و ليلبس البرد و العمامة، و ليتوكأ على قوس أو عصا، و ليقعد قعدة بين الخطبتين، و يجهر بالقراءة، و يقنت في الركعة الأولى منهما قبل الركوع» (5).

و صحيحة زرارة قال، قال أبو جعفر (عليه السلام): «الجمعة واجبة على

____________

(1) التهذيب 3: 238- 632، المحاسن: 85- 22، عقاب الأعمال: 276- 3، الوسائل 5: 5 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 15.

(2) التهذيب 3: 238- 634، الإستبصار 1: 420- 1614، الوسائل 5: 8 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 6 و ص 10 ب 3 ح 2.

(3) التهذيب 3: 239- 635، الإستبصار 1: 420- 1615، المقنعة: 27، الوسائل 5:

12 أبواب صلاة الجمعة و آدابها 5 ح 1.

(4) التهذيب 3: 238- 633، الإستبصار 1: 419- 1613، الوسائل 5: 10 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 3 ح 1.

(5) التهذيب 3: 245- 664، الإستبصار 1: 418- 1607، الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 5.

8

..........

____________

من إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة، و كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إنما يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله رجعوا إلى رحالهم قبل الليل، و ذلك سنة إلى يوم القيامة» (1).

و صحيحة أخرى لزرارة قال، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): على من تجب الجمعة؟ قال: «على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم» (2).

فهذه الأخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة على وجوب الجمعة على كل مسلم عدا ما استثني تقتضي الوجوب العيني، إذ لا إشعار فيها بالتخيير بينها و بين فرد آخر، خصوصا قوله (عليه السلام): «من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع اللّٰه على قلبه» فإنه لو جاز تركها إلى بدل لم يحسن هذا الإطلاق. و ليس فيها دلالة على اعتبار حضور الإمام (عليه السلام) و نائبه بوجه، بل الظاهر من قوله (عليه السلام): «فإن كان لهم من يخطب جمعوا» و قوله:

«فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم» خلافه كما سيجيء تحقيقه إن شاء اللّٰه (3).

قال جدي(قدّس سرّه) في رسالته الشريفة التي وضعها في هذه المسألة بعد أن أورد نحو ما أوردناه من الأخبار و نعم ما قال: فكيف يسع المسلم الذي يخاف اللّٰه تعالى إذا سمع مواقع أمر اللّٰه تعالى و رسوله و أئمته (عليهم السلام) بهذه

____________

(1) التهذيب 3: 240- 642، الإستبصار 1: 421- 1621، الوسائل 5: 11 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 4 ح 1.

(2) الفقيه 1: 267- 1218، الوسائل 5: 8 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 4.

(3) في ص 21.

9

[الجمعة]

الجمعة ركعتان كالصبح، يسقط معهما الظهر. (1)

____________

الفريضة و إيجابها على كل مسلم أن يقصّر في أمرها و يهملها إلى غيرها و يتعلل بخلاف بعض العلماء فيها، و أمر اللّٰه تعالى و رسوله و خاصته (عليهم السلام) أحق و مراعاته أولى، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب إليهم، و لعمري لقد أصابهم الأمر الأول فليرتقبوا الثاني إن لم يعف اللّٰه تعالى و يسامح، نسأل اللّٰه العفو و الرحمة بمنه و كرمه (1).

قوله: (الجمعة ركعتان كالصبح يسقط معهما الظهر).

(1) هذان الحكمان إجماعيان بين العلماء كافة، قاله في المعتبر و المنتهى (2). أما أنها ركعتان فيدل عليه فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و الأئمة (عليهم السلام)، و الأخبار المتواترة (3).

و أما سقوط الظهر معها و عدم مشروعية الجمع بينهما فيدل عليه مضافا إلى الإجماع قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضل بن عبد الملك: «إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة نفر» (4). و في صحيحة محمد بن مسلم: «يصلون أربعا إذا لم يكن من يخطب» (5). و في حسنة الحلبي: «إن فاتته الصلاة- أي صلاة الجمعة- فلم يدركها فليصل أربعا» (6) و التفصيل قاطع للشركة. و ربما كان في قول المصنف رحمه اللّٰه: الجمعة ركعتان كالصبح، إشارة إلى أنها واجب مستقل، لا ظهر مقصورة كما يقوله بعض العامة (7).

____________

(1) رسائل الشهيد الثاني: 56.

(2) المعتبر 2: 274، و المنتهى 1: 327.

(3) الوسائل 5: 14 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6.

(4) المتقدمة في ص 7.

(5) المتقدمة في ص 7.

(6) الكافي 3: 427- 1، التهذيب 3: 160- 343، الإستبصار 1: 421- 1622، الوسائل 5: 41 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 3.

(7) نقله عن الشافعي في بدائع الصنائع 1: 256.

10

و يستحب فيهما الجهر. (1) و تجب بزوال الشمس. و يخرج وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله. (2)

____________

قوله: (و يستحب فيها الجهر).

(1) هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب. بل قال المصنف في المعتبر: إنه لا يختلف فيه أهل العلم (1). و يدل عليه ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن صلاة الجمعة في السفر، قال:

تصنعون كما تصنعون في الظهر، و لا يجهر الإمام فيها بالقراءة، و إنما يجهر إذا كانت خطبة» (2). و روي ابن أبي عمير في الصحيح، عن جميل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) نحو ذلك (3).

و قد قطع الأصحاب بعدم وجوب الجهر في هذه الصلاة، و يدل عليه مضافا إلى الأصل السالم عما يصلح للمعارضة صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يصلي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراءة، هل عليه أن لا يجهر؟ قال: «إن شاء جهر و إن شاء لم يجهر» (4) قال العلامة- رحمه اللّٰه- في المنتهى: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على أنه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، و لم أقف على قول للأصحاب في الوجوب و عدمه، و الأصل عدمه (5).

قوله: (و تجب بزوال الشمس، و يخرج وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله).

(2) هنا مسألتان: إحداهما: أنّ أول وقت صلاة الجمعة زوال الشمس، بمعنى أنه يجوز أن يخطب في الفيء الأول، فإذا زالت الشمس صلى الجمعة، أو

____________

(1) المعتبر 2: 304.

(2) التهذيب 3: 15- 54، الوسائل 4: 820 أبواب القراءة في الصلاة ب 73 ح 9.

(3) التهذيب 3: 15- 53، الوسائل 4: 820 أبواب القراءة في الصلاة ب 73 ح 8.

(4) التهذيب 2: 162- 636، الاستبصار 1: 313- 1164، قرب الإسناد: 94، الوسائل 4: 765 أبواب القراءة في الصلاة ب 25 ح 6.

(5) المنتهى 1: 328.

11

..........

____________

يخطب بعد الزوال كما سيجيء تحقيقه إن شاء اللّٰه (1)، و به قال أكثر الأصحاب.

و قال الشيخ في الخلاف: و في أصحابنا من أجاز الفرض عند قيام الشمس. قال: و اختاره علم الهدى رحمه اللّٰه (2). قال ابن إدريس بعد نقل ذلك: و لعل شيخنا سمعه من المرتضى مشافهة (3). فإن الموجود في مصنفات السيد موافق للمشهور من عدم جواز إيقاعها قبل تحقق الزوال. و المعتمد الأول.

لنا: أنّ الوظائف الشرعية إنما تستفاد من صاحب الشرع فيقتصر على صفتها المنقولة، و المنقول من فعله صلّى اللّٰه عليه و آله أنه كان يصلي الجمعة بعد الزوال، فلا تبرأ الذمة إلا بإيقاعها فيه. و تدل عليه أيضا الأخبار المستفيضة، كصحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنّ من الأمور أمورا مضيقة و أمورا موسعة، و إن الوقت وقتان، الصلاة مما فيه السعة، فربما عجل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و ربما أخر إلا صلاة الجمعة، فإن صلاة الجمعة من الأمر المضيق، إنما لها وقت واحد حين تزول» (4).

و صحيحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «وقت صلاة الجمعة عند الزوال» (5).

و رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حدّه؟ قال: «إذا قامت الشمس صل الركعتين، فإذا زالت الشمس فصل الفريضة» (6).

و صحيحة ذريح قال، قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «صل الجمعة

____________

(1) في ص 35.

(2) الخلاف 1: 246.

(3) السرائر: 64.

(4) التهذيب 3: 13- 46، الوسائل 5: 17 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 8 ح 3.

(5) التهذيب 3: 13- 43، الوسائل 5: 18 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 8 ح 5.

(6) قرب الإسناد: 98، الوسائل 5: 25 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 11 ذ ح 16.

12

..........

____________

بأذان هؤلاء، فإنهم أشد شيء مواظبة على الوقت» (1).

و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام). قال:

(كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك، و يخطب في الظل الأول، فيقول جبرائيل: يا محمد قد زالت فانزل وصل» (2).

و لم أقف للقول بجواز التقديم على حجة يعتد بها. و استدل له في التذكرة و المنتهى (3) بما رواه العامة عن وكيع الأسلمي، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته و خطبته قبل نصف النهار (4). و هو مستند ضعيف، فإن فعل أبي بكر ليس حجة، خصوصا مع مخالفته لفعل الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله.

و ثانيتهما: أن وقت صلاة الجمعة يخرج بصيرورة ظل كل شيء مثله، و هو اختيار أكثر الأصحاب، بل قال في المنتهى: إنه مذهب علمائنا أجمع (5).

قال الشهيد- رحمه اللّٰه- في الذكرى: و لم نقف لهم على حجة، إلا أن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كان يصلي في هذا الوقت. قال: و لا دلالة فيه، لأن الوقت الذي كان يصلي فيه ينقص عن هذا القدر غالبا، و لم يقل أحد بالتوقيت بذلك الناقص (6).

و قال أبو الصلاح: إذا مضى مقدار الأذان و الخطبة و ركعتي الجمعة فقد فاتت و لزم أداؤها ظهرا (7).

____________

(1) التهذيب 3: 284- 1136، الوسائل 4: 618 أبواب الأذان و الإقامة ب 3 ح 1.

(2) التهذيب 3: 12- 42، الوسائل 5: 30 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 15 ح 1.

(3) التذكرة 1: 143، و المنتهى 1: 318.

(4) سنن الدار قطني 2: 17- 1.

(5) المنتهى 1: 318.

(6) الذكرى: 235.

(7) الكافي في الفقه: 153.

13

و لو خرج الوقت و هو فيها أتمّ جمعة، إماما كان أو مأموما. (1)

____________

و يدفعه ما رواه ابن بابويه مرسلا، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال:

«وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة» (1) و ما رواه الفضيل ابن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «و الصلاة مما وسع فيه تقدم مرة و تؤخر أخرى، و الجمعة مما ضيق فيها، فإن وقتها يوم الجمعة ساعة تزول» (2).

و رده المصنف في المعتبر أيضا برواية ابن سنان المتقدمة المتضمنة لأن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كان يخطب في الفيء الأول «فيقول جبرائيل يا محمد قد زالت الشمس فانزل وصل» (3) قال: و هو دليل على تأخير الصلاة عن الزوال بقدر قول جبرائيل و نزوله (عليه السلام) و دعائه أمام الصلاة، و لو كان مضيقا لما جاز ذلك (4).

و قال ابن إدريس يمتد وقتها بامتداد وقت الظهر، لتحقق البدلية و أصالة البقاء (5). و اختاره الشهيد في الدروس و البيان (6). و فيه اطراح للأخبار رأسا.

و قال الجعفي: وقتها ساعة من النهار (7). و هو الظاهر من الأخبار (8).

و المسألة قوية الإشكال، و الاحتياط للدين يقتضي المبادرة إلى فعلها عند تحقق الزوال، و اللّٰه تعالى أعلم بحقيقة الحال.

قوله: (و لو خرج الوقت و هو فيها أتمها جمعة، إماما كان أو مأموما).

(1) إطلاق العبارة يقتضي وجوب إكمالها بمجرد التلبس بها في الوقت و لو

____________

(1) الفقيه 1: 267- 1223، الوسائل 5: 19 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 8 ح 13، و فيهما: أول وقت.

(2) الكافي 3: 274- 2، الوسائل 3: 100 أبواب المواقيت ب 7 ح 1.

(3) التهذيب 3: 12- 42، الوسائل 5: 18 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 8 ح 4.

(4) المعتبر 2: 276.

(5) السرائر: 66.

(6) الدروس: 42، و البيان: 101.

(7) نقله عنه في الذكرى: 235.

(8) الوسائل 5: 17 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 8.

14

و تفوت الجمعة بفوات الوقت، ثم لا تقضى جمعة إنما تقضى ظهرا. (1)

____________

بالتكبير، و به صرح الشيخ- رحمه اللّٰه- (1) و جماعة.

و احتج عليه في المعتبر بأن الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط فيجب إتمامها (2).

و يتوجه عليه: أن التكليف بفعل موقت يستدعي زمانا يسعه، لامتناع التكليف بالمحال، و لا يشرع فعله في خارجه إلا أن يثبت من الشارع شرعية فعله خارج الوقت.

و من ثم اعتبر العلامة (3) و من تأخر عنه (4) إدراك الركعة في الوقت كاليومية، لعموم قوله (عليه السلام): «من أدرك من الوقت ركعة فكمن أدرك الوقت كله» (5) و هو أولى.

قوله: (و تفوت الجمعة بفوات الوقت، ثم لا تقضى جمعة إنما تقضى ظهرا).

(1) المراد أنه مع فوات وقت الجمعة تجب صلاة الظهر أداء إن كان الوقت باقيا، و قضاء بعد خروجه، و هو إجماع أهل العلم، و يدل علة قوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي: «فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا» (6).

و في صحيحة عبد الرحمن العرزمي: «إذا أدركت الإمام يوم الجمعة و قد

____________

(1) الخلاف 1: 236، و المبسوط 1: 145.

(2) المعتبر 2: 277.

(3) المختلف: 108، و المنتهى 1: 321.

(4) كالشهيد الأول في الذكرى: 235، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 33، و روض الجنان:

284.

(5) تفرد بروايتها في المعتبر 2: 47.

(6) الكافي 3: 427- 1، التهذيب 3: 243- 656، الإستبصار 1: 421- 1622، الوسائل 5: 41 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 3.

15

و لو وجبت الجمعة فصلى الظهر وجب عليه السعي. فإن أدركها و إلا أعاد الظهر و لم يجتزئ بالأولى. (1)

و لو تيقن أن الوقت يتسع للخطبة و ركعتين خفيفتين وجبت الجمعة. (2)

____________

سبقك بركعة فأضف إليها ركعة أخرى و اجهر بها، فإن أدركته و هو يتشهد فصل أربعا» (1).

قال المصنف في المعتبر: و قوله في الأصل (2): تقضى ظهرا، يريد به وظيفة الوقت لا الجمعة (3).

قوله: (و لو وجبت الجمعة فصلى الظهر وجب عليه السعي، فإن أدركها و إلا أعاد الظهر و لم يجتزئ بالأولى).

(1) و ذلك لأن الآتي بها آت بغير الواجب فلا يخرج من العهدة، و يجب عليه الإتيان بالجمعة مع الإمكان، و إلا أعاد الظهر، لأن الأولى لم تكن صحيحة إذ لم يكن مخاطبا بها. و لا فرق في ذلك بين العمد و النسيان، و لا بين أن يظهر في نفس الأمر عدم الوجوب أو لا. نعم لو صلى الظهر ناسيا و ظهر عدم التمكن من الجمعة أمكن القول بالإجزاء.

و لو لم تكن شرائط الجمعة مجتمعة لكن يرجو اجتماعها قبل خروجه، فهل يجوز له تعجيل الظهر و الاجتزاء بها و إن تمت الجمعة بعد ذلك؟ أم يجب الصبر إلى أن يظهر الحال؟ وجهان أجودهما الثاني، لأن الواجب بالأصل هو الجمعة، و إنما يشرع فعل الظهر إذا علم عدم التمكن من الجمعة في الوقت.

قوله: (و لو تيقن أن الوقت يتسع للخطبة و ركعتين خفيفتين وجبت الجمعة).

(2) الضابط في ذلك تيقن اتساع الوقت للقدر الواجب من الخطبتين و الصلاة

____________

(1) التهذيب 3: 244- 659، الإستبصار 1: 422- 1625، الوسائل 5: 41 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 5.

(2) أي: المختصر النافع.

(3) المعتبر 2: 277.

16

و إن تيقن أو غلب على ظنه أن الوقت لا يتسع لذلك فقد فاتت الجمعة و يصلي ظهرا. (1)

____________

دون المسنون منهما.

قيل: و كذا تجب الجمعة مع ظن اتساع الوقت و الشك في السعة و عدمها لأصالة بقاء الوقت (1).

و يشكل بأن الواجب الموقت يعتبر وقوعه في الوقت، فمع الشك فيه لا يحصل يقين البراءة بالفعل، و الاستصحاب هنا إنما يفيد ظن البقاء و هو غير كاف في ذلك.

قوله: (و إن تيقن أو غلب على ظنه أن الوقت لا يتسع لذلك فقد فاتت الجمعة و يصلي ظهرا).

(1) هذه بظاهره مناف لما سبق من أن من تلبّس بالجمعة في الوقت يجب عليه إتمامها، فإنه يقتضي بإطلاقه جواز الشروع فيها مع ضيق الوقت.

و أجيب عنه بأن الشروع فيها إنما يشرع إذا ظن إدراك جميعها، لأنها لا يشرع فيها القضاء، و إنما وجب الإكمال مع التلبّس بها في الوقت للنهي عن إبطال العمل (2).

و أورد عليه أن قوله (عليه السلام): «من أدرك من الوقت ركعة» يعم الجميع (3).

و أجيب بأن هذا الحديث مقيد بقيد مستفاد من خارج، و هو كون الوقت صالحا للفعل، للقطع بأن ما لا يصلح للفعل يمتنع وقوعه فيه (4). و فيه نظر فإنه إن أريد بصلاحية الوقت للفعل إمكان إيقاعه فيه فهو متحقق هنا، و إن أريد غير ذلك فلا دليل عليه.

و من ثم ذهب جمع من الأصحاب إلى وجوب الدخول في الصلاة متى علم

____________

(1) كما في جامع المقاصد 1: 130.

(2) كما في جامع المقاصد 1: 130.

(3) كما في جامع المقاصد 1: 130.

(4) كما في جامع المقاصد 1: 130.

17

فأما لو لم يحضر الخطبة و أول الصلاة و أدرك مع الإمام ركعة صلى جمعة. (1)

____________

أنه يدرك ركعة بعد الخطبتين، لعموم من أدرك (1)، بل صرح العلامة في النهاية بوجوب الدخول في الصلاة مع إدراك الخطبتين و تكبيرة الإحرام خاصة (2). و هو بعيد.

قوله: (و أما لو لم يحضر الخطبة و أول الصلاة و أدرك مع الإمام ركعة صلى جمعة).

(1) هذا الحكم ثابت بإجماعنا و وافقنا عليه أكثر العامة (3). و المستند فيه روايات. منها صحيحة الفضل بن عبد الملك قال، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من أدرك ركعة فقد أدرك الجمعة» (4).

و صحيحة عبد الرحمن العزرمي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال إذا أدركت الإمام يوم الجمعة و قد سبقك بركعة فأضف إليها ركعة أخرى و اجهر فيها فإن أدركته و هو يتشهد فصل أربعا» (5).

و حسنة الحلبي: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة فقال: «يصلي ركعتين، فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا» و قال: «إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، فإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع» (6).

____________

(1) الجواهر 11: 141: أول من صرح بذلك الفاضل في بعض كتبه، و تبعه من تأخر عنه، لعموم من أدرك ركعة.

(2) نهاية الأحكام 2: 11.

(3) منهم الشافعي في الأم 1: 206، و ابنا قدامة في المغني و الشرح الكبير 2: 158، 177، و الغمراوي في السراج الوهاج: 90.

(4) التهذيب 3: 161- 346، الوسائل 5: 41 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 6.

(5) التهذيب 3: 244- 659، الإستبصار 1: 422- 1625، الوسائل 5: 41 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 5.

(6) الكافي 3: 427- 1، التهذيب 3: 243- 656، الإستبصار 1: 421- 1622، الوسائل 5: 41 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 3.

18

و كذا لو أدرك الإمام راكعا في الثانية على قول. (1)

____________

لا يقال: قدر روى الشيخ في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا تكون الجمعة إلا لمن أدرك الخطبتين» (1) لأنا نقول: إنه محمول على نفي الكمال جمعا بين الأدلة.

قوله: (و كذا لو أدرك الإمام راكعا في الثانية على قول).

(1) القول للشيخ- رحمه اللّٰه- في الخلاف (2)، و المرتضى (3)، و جمع من الأصحاب، و شرط في النهاية و كتابي الحديث إدراك تكبيرة الركوع في الثانية (4). و المعتمد الأول.

لنا: إن الجمعة تدرك بإدراك الركعة، و إدراكها يتحقق بإدراك الركوع.

أما إدراك الجمعة بإدراك الركعة فلما تقدم.

و أما إدراك الركعة بإدراك الإمام راكعا فيدل عليه روايات كثيرة، منها:

ما رواه الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبرت و ركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، و إن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة» (5).

و ما رواه سليمان بن خالد في الصحيح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

أنه قال في الرجل إذا أدرك الإمام و هو راكع فكبر الرجل و هو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة (6).

____________

(1) التهذيب 3: 243- 658، الإستبصار 1: 422- 1624، الوسائل 5: 42 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 26 ح 7.

(2) الخلاف 1: 247.

(3) جمل العلم و العمل: 70.

(4) النهاية: 105، و التهذيب 3: 43، و الاستبصار 1: 435.

(5) الكافي 3: 382- 5، الفقيه 1: 254- 1149، التهذيب 3: 43- 153، الإستبصار 1: 435- 1680، الوسائل 5: 441 أبواب صلاة الجماعة و آدابها ب 45 ح 2.

(6) الكافي 3: 382- 6، التهذيب 3: 43- 152، الإستبصار 1: 435- 1679، الوسائل 5: 441 أبواب صلاة الجماعة ب 5 ح 1.

19

..........

____________

و ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه في الصحيح أيضا، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا دخلت المسجد و الإمام راكع و ظننت أنك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبر و اركع، فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام فالحق بالصف، و إن جلس فاجلس مكانك، فإذا قام فالحق بالصف» (1).

و يؤيده رواية معاوية بن شريح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال:

«إذا جاء الرجل مبادرا و الإمام راكع أجزأته تكبيرة لدخوله في الصلاة و الركوع» (2).

و رواية جابر الجعفي قال، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني أؤم قوما فأركع فيدخل الناس و أنا راكع فكم أنتظر؟ قال: «ما أعجب ما تسأل عنه؟! انتظر مثلي ركوعك، فإن انقطعوا فارفع رأسك» (3).

احتج الشيخ في كتابي الحديث على القول الثاني بما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال، قال لي: «إن لم تدرك القوم قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة» (4).

و روى محمد بن مسلم أيضا في الصحيح، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام» (5).

و روى أيضا في الصحيح، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» (6).

____________

(1) الكافي 3: 385- 5، الفقيه 1: 254- 1148، الاستبصار 1: 436- 1682، التهذيب 3: 44- 155، الوسائل 5: 443 أبواب صلاة الجماعة ب 46 ح 3.

(2) الفقيه 1: 265- 1214، الوسائل 5: 449 أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 6.

(3) التهذيب 2: 48- 167، الوسائل 5: 450 أبواب صلاة الجماعة ب 50 ح 1.

(4) التهذيب 3: 43- 149، 150، الإستبصار 1: 434- 1676، 1677، الوسائل 5:

441 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 2، 3.

(5) التهذيب 3: 43- 149، 150، الإستبصار 1: 434- 1676، 1677، الوسائل 5:

441 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 2، 3.

(6) التهذيب 3: 43- 151، الإستبصار 1: 435- 1678، الوسائل 5: 440 أبواب صلاة الجماعة ب 44 ح 1.

20

و لو كبّر و ركع ثم شك هل كان الإمام راكعا أو رافعا لم يكن له جمعة و صلى الظهر. (1)

____________

و الجواب أولا: إن هذه الروايات أصلها واحد و هو محمد بن مسلم، و ما أوردناه سابقا مؤدى من عدة طرق فكان أرجح.

و ثانيا: بحمل النهي في الرواية الأولى على الكراهة، و حمل نفي الاعتداد على الاعتداد بها في الفضيلة، لا في الإجزاء، جمعا بين الأدلة.

نعم يمكن الاستدلال على هذا القول بقوله (عليه السلام) في رواية الحلبي المتقدمة: «إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، فإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع» (1) و يمكن العمل بمضمونها و اختصاص الجمعة بهذا الحكم و إن كانت الركعة تدرك في غيرها بإدراك الإمام في الركوع (2)، أو تأويلها بما يوافق المشهور بأن يحمل قوله:

«و قد ركع» على أنه قد رفع رأسه من الركوع، و لعل هذا أولى.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن المعتبر على هذا القول اجتماعهما في حد الراكع، و هل يقدح فيه شروع الإمام في الرفع مع عدم تجاوز حده؟ فيه وجهان، أظهرهما أنه كذلك، لأنه المستفاد من الأخبار المتقدمة (3). و اعتبر العلامة في التذكرة ذكر المأموم قبل رفع الإمام (4). و لم نقف على مأخذه.

قوله: (و لو كبر و ركع ثم شك هل كان الإمام راكعا أو رافعا لم يكن له جمعة و صلى الظهر).

(1) و ذلك لعدم تحقق الشرط، و هو إدراك الإمام في أثناء الركوع، و تعارض أصلي عدم الإدراك و عدم الرفع فيتساقطان (5)، و يبقى المكلف في عهدة الواجب

____________

(1) في ص 17.

(2) ما احتمله في المدارك من الفرق بين الجمعة و غيرها من متفرداته. الجواهر 11: 149.

(3) في ص 17.

(4) التذكرة: 182.

(5) في «م»: فيتساويان.

21

[ثم الجمعة لا تجب إلا بشروط]

ثم الجمعة لا تجب إلا بشروط:

[الأول: السلطان العادل أو من ينصبه]

الأول: السلطان العادل أو من ينصبه (1).

____________

إلى أن يتحقق الامتثال.

قوله: (ثم الجمعة لا تجب إلا بشروط، الأول: السلطان العادل أو من ينصبه).

(1) هذا الشرط مشهور في كلام الأصحاب خصوصا المتأخرين (1)، و أسنده في المعتبر إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه. و احتج عليه بفعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، فإنه كان يعيّن لإمامة الجمعة- و كذا الخلفاء بعده- كما يعيّن للقضاء، فكما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام، فكذا إمام الجمعة، قال: و ليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الأعصار، فمخالفته خرق للإجماع، ثم قال: و يؤيد ذلك ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) بعدة طرق، منها: رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين و لا تجب على أقل منهم: الإمام، و قاضيه، و المدعي حقا، و المدعى عليه، و الشاهدان، و الذي يضرب الحدود بين يدي الإمام» (2) (3).

و يتوجه على الأول منع دلالة فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله على الشرطية، فإنه أعم منها، و العام لا يدل على الخاص، مع أن الظاهر أن التعيين إنما هو لحسم مادة النزاع في هذه المرتبة، ورد الناس إليه من غير تردد، كما أنهم كانوا يعيّنون لإمامة الجماعة و الأذان مع عدم توقفهما على إذن الإمام إجماعا.

و على الرواية أولا: بالطعن فيها من حيث السند، فإن من جملة رجالها

____________

(1) منهم العلامة في القواعد 1: 36، و الكركي في جامع المقاصد 1: 130، و الشهيد الثاني في روض الجنان: 285.

(2) الفقيه 1: 267- 1222، التهذيب 3: 20- 75، الإستبصار 1: 418- 1608، الوسائل 5: 9 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 9.

(3) المعتبر 2: 279.

22

..........

____________

الحكم بن مسكين، و هو مجهول، فلا يسوغ العمل بروايته.

و ثانيا: إطباق المسلمين كافة على ترك العمل بظاهرها كما اعترف به المصنف في المعتبر، حيث قال: إن هذه الرواية خصّت السبعة بمن ليس حضورهم شرطا فسقط اعتبارها (1).

و ثالثا: أنها معارضة بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن أناس في قرية، هل يصلون الجمعة جماعة؟

قال: «نعم يصلون أربعا إذا لم يكن لهم من يخطب» (2) و هي كالنص في الدلالة على عدم اعتبار الإمام أو نائبه، إذ إرادة ذلك ممن يخطب غير جائز، لأنه يعد من قبيل الألغاز المنافي للحكمة (3).

و رابعا: أن الظاهر أن ذكر هذه السبعة كناية عن اجتماع هذا العدد و إن لم يكونوا عين المذكورين، فيسقط الاحتجاج بها رأسا.

و استدل العلامة في المنتهى (4) على هذا الشرط بحسنة زرارة، قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط، الإمام و أربعة» (5).

و حسنة محمد بن مسلم، قال: سألته عن الجمعة فقال: «أذان و إقامة، يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر» (6) الحديث.

____________

(1) المعتبر 2: 282.

(2) التهذيب 3: 238- 633، الإستبصار 1: 419- 1613، الوسائل 5: 10 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 3 ح 1.

(3) في «م»: للحكم.

(4) المنتهى 1: 317.

(5) الكافي 3: 419- 4، التهذيب 3: 240- 640، الإستبصار 1: 419- 1612، الوسائل 5: 7 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 2.

(6) الكافي 3: 424- 7، التهذيب 3: 241- 648، الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 7.

23

..........

____________

و رواية سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: «أما مع الإمام فركعتان، و أما من صلى وحده فهي أربع ركعات» (1).

و لا يخفى ضعف هذا الاستدلال لقصور هذه الروايات عن إفادة المطلوب، إذ من المعلوم أن المراد من الإمام فيها إمام الجماعة (2) قطعا، مع أنه لا إشعار فيها بالنائب بوجه من الوجوه، و اعتبار حضوره (عليه السلام) مما لم يقل به أحد.

و هنا أمران ينبغي التنبيه لهما:

الأول: الظاهر أن هذه المسألة ليست إجماعية، فإن كلام أكثر المتقدمين خال من ذكر هذا الشرط.

قال المفيد- رحمه اللّٰه- في كتاب الإشراف: باب عدد ما يجب به الاجتماع في صلاة الجمعة، عدد ذلك ثماني عشرة خصلة: الحرية، و البلوغ، و التذكير، و سلامة العقل، و صحة الجسم، و السلامة من العمى، و حضور المصر، و الشهادة للنداء، و تخلية السرب، و وجود أربعة نفر بما تقدم ذكره من هذه الصفات (3)، و وجود خامس يؤمهم له صفات يختص بها على الإيجاب: ظاهر الإيمان، و الطهارة في المولد من السفاح، و السلامة من ثلاثة أدواء: البرص، و الجذام و المعرة بالحدود المشينة لمن أقيمت عليه في الإسلام، و المعرفة بفقه الصلاة، و الإفصاح بالخطبة و القرآن، و إقامة فرض الصلاة في وقتها من غير تقديم و لا تأخير عنه بحال، و الخطبة بما يصدق فيه من الكلام، فإذا اجتمعت هذه الثماني عشرة خصلة وجب الاجتماع في الظهر يوم الجمعة على ما ذكرنا،

____________

(1) الكافي 3: 421- 4، التهذيب 3: 19- 70، الوسائل 5: 13 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 5 ح 3.

(2) في «س»: الجمعة.

(3) في المصدر: بما يأتي ذكره من هذه الصفات.

24

..........

____________

و كان فرضها على النصف من فرض الظهر للحاضر في سائر الأيام (1). انتهى كلامه (رحمه اللّه)، و ظاهره عدم الفرق في ذلك بين الأزمان و أن الوجوب مع اجتماع هذه الخصال عيني على كافة الأنام.

و قال أبو الصلاح التقي بن نجم الحلبي- (رحمه اللّه)-: و لا تنعقد الجمعة إلا بإمام الملة، أو منصوب من قبله، أو من يتكامل له صفة إمام الجماعة عند تعذر الأمرين (2). و هي صريحة في الاكتفاء- عند تعذر الأمرين- بصلاة العدد المعيّن مع إمام يجوز الاقتداء به، و هذا الشرط معتبر عنده في مطلق الجماعة، فإنه قال في بابها: و أولى الناس بها إمام الملة، أو من ينصبه، فإن تعذر الأمران لم تنعقد إلا بإمام عدل. (3) فيكون حكم الجماعة عنده في الصلاتين على حد سواء، و ظاهره أن الوجوب عيني، فإنه قال بعد ذلك: و إذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة و انتقل فرض الظهر من أربع ركعات إلى ركعتين بعد الخطبة، و تعين فرض الحضور على كل رجل. (4).

و قال القاضي أبو الفتح الكراجكي- (رحمه اللّه)- في كتابه المسمّى بتهذيب المسترشدين ما هذا لفظه: و إذا حضرت العدة التي يصح أن تنعقد بحضورها الجماعة يوم الجمعة و كان إمامهم مرضيا متمكنا من إقامة الصلاة في وقتها و إيراد الخطبة على وجهها، و كانوا حاضرين آمنين ذكورا بالغين كاملي العقول أصحاء وجبت عليهم فريضة الجمعة، و كان على الإمام أن يخطب بهم خطبتين و يصلي بهم بعدها ركعتين (5). انتهى. و هو كالسابق في الدلالة على الوجوب العيني و عدم التوقف على الإمام أو نائبه.

فعلم من ذلك أن هذه المسألة ليست إجماعية، و أن دعوى الإجماع فيها

____________

(1) الإشراف (رسائل المفيد): 9، 10.

(2) الكافي في الفقه: 151.

(3) الكافي في الفقه: 143.

(4) الكافي في الفقه: 151.

(5) نقله عنه الشهيد الثاني في رسائله: 80.

25

..........

____________

غير جيدة كما اتفق لهم في كثير من المسائل.

الثاني: إنّ من ادعى الإجماع على اشتراط الإمام أو نائبه فإنما أراد اعتبار ذلك في الوجوب العيني، أو مع حضور الإمام (عليه السلام) لا مطلقا.

و ممن صرح بذلك الشيخ- (رحمه اللّه)- في الخلاف، فإنه قال- بعد أن اشتراط في الجمعة إذن الإمام أو نائبه و نقل فيه الإجماع-: فإن قيل: أ ليس قد رويتم فيما مضى من كتبكم أنه يجوز لأهل القرايا و السواد من المؤمنين إذا اجتمع العدد الذي تنعقد بهم أن يصلوا جمعة؟ قلنا: ذلك مأذون فيه مرغّب فيه، فجرى ذلك مجرى أن ينصب الإمام من يصلي بهم (1).

و قال المصنف- رحمه اللّٰه- في المعتبر: السلطان العادل أو نائبه شرط في وجوب الجمعة عند علمائنا (2). ثم قال: لا يقال لو لزم ما ذكرتم لما انعقدت ندبا مع عدمه، لانسحاب العلة في الموضعين، و قد أجزتم ذلك إذا أمكنت الخطبة، لأنا نجيب: بأن الندب لا تتوفر الدواعي على اعتماده فلا يحصل الاجتماع المستلزم للفتن إلا نادرا [3]. و قال في موضع آخر: لو كان السلطان جائرا فنصب عدلا استحب الاجتماع و انعقدت جمعة (4). هذا كلامه رحمه اللّٰه، و هو صريح فيما ذكرناه.

و قال الشهيد- رحمه اللّٰه- في الذكرى- بعد أن ادعى الإجماع على اشتراط ذلك-: هذا مع حضور الإمام (عليه السلام)، و أما مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان، أصحهما و به قال معظم الأصحاب الجواز إذا أمكن الاجتماع و الخطبتان، ثم قال: و يعلل بأمرين، أحدهما: إن الإذن حاصل من الأئمة

____________

[3] المعتبر 2: 280. و قال قبلها مستدلا لاعتبار السلطان العادل: و موضع النظر أن الاجتماع مظنة النزاع و مثار الفتن غالبا و الحكمة موجبة حسم مادة الهرج و قطع نائرة الاختلاف و لن يستمر إلا مع السلطان.

____________

(1) الخلاف 1: 249.

(2) المعتبر 2: 279.

(4) المعتبر 2: 307.

26

فلو مات الإمام في أثناء الصلاة لم تبطل الجمعة و جاز أن تقدّم الجماعة من يتم بهم الصلاة. و كذا لو عرض للمنصوب ما يبطل الصلاة من إغماء أو حدث. (1)

____________

الماضين فهو كالإذن من إمام الوقت. و الثاني: إن الإذن إنما يعتبر مع إمكانه، أما مع عدمه فيسقط اعتباره و يبقى عموم القرآن خاليا عن المعارض. قال:

و التعليلان حسنان، و الاعتماد على الثاني (1).

و من هنا يعلم أن ما اعتمده المحقق الشيخ علي- رحمه اللّٰه (2)- من الإجماع على اشتراط الإمام أو نائبه، حتى منع من فعلها في زمن الغيبة بدون الفقيه الذي هو نائب على العموم غير جيد. و اللّٰه تعالى أعلم بحقائق أحكامه.

قوله: (فلو مات في أثناء الصلاة لم تبطل. و جاز أن تقدّم الجماعة من يتم بهم الصلاة و كذا، لو عرض للمنصوب ما يبطل الصلاة من إغماء أو حدث).

(1) أما عدم بطلان الصلاة بموت الإمام في أثناء الصلاة أو عروض ما يبطلها من إغماء أو حدث فظاهر لأن إبطال الصلاة حكم شرعي فيتوقف على الدلالة و لا دلالة، و هو إجماع.

و أما جواز تقديم الجماعة من يتم بهم الصلاة و الحال هذه فلثبوت ذلك في مطلق الجماعة على ما سيجيء بيانه (3).

و جزم العلامة في المنتهى بوجوب الاستخلاف هنا و بطلان الصلاة مع عدمه، محافظة على اعتبار الجماعة فيها استدامة كما تعتبر ابتداء (4). و لا ريب أنّ الاستخلاف أحوط و إن كان الأصح عدم تعيّنه، لأن الجماعة إنما تعتبر ابتداء لا استدامة كما سيجيء بيانه إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) الذكرى: 231.

(2) جامع المقاصد 1: 131.

(3) في ص 363.

(4) المنتهى 1: 335.

27

[الثاني: العدد]

الثاني: العدد، و هو خمسة، الإمام أحدهم، و قيل: سبعة، و الأول أشبه. (1)

____________

و استشكل العلامة في التذكرة جواز الاستخلاف هنا نظرا إلى أن الجمعة مشروطة بالإمام أو نائبه، و احتمال كون الاشتراط مختصا بابتداء الجماعة فلا يثبت بعد انعقادها كالجماعة (1). و لا يخفى قوة الوجه. الثاني من طرفي الإشكال.

و لو لم يتفق من هو بالصفات المعتبرة في الإمام وجب الإتمام فرادى جمعة لا ظهرا.

و هل يشترط مع الاستخلاف استئناف نية القدوة؟ الأظهر ذلك، لانقطاع القدوة بخروج الإمام من الصلاة، و قيل: لا، لتنزيل الخليفة منزلة الأول (2). و ضعفه ظاهر، لتعلق النية بالأول خاصة لما سيجيء من وجوب تعيين الإمام.

قوله: (الثاني، العدد: و هو خمسة، الإمام أحدهم، و قيل:

سبعة، و الأول أشبه).

(1) لا خلاف بين علماء الإسلام في اشتراط العدد في صحة الجمعة، و إنما الخلاف في أقله، و للأصحاب فيه قولان:

أحدهما- و هو اختيار المفيد رحمه اللّٰه (3)، و السيد المرتضى (4)، و ابن الجنيد (5)، و ابن إدريس (6)، و أكثر الأصحاب-: إنه خمسة نفر أحدهم الإمام، اقتصارا في تقييد الآية الشريفة على موضع الوفاق، و تمسكا بمقتضى الأخبار الصحيحة الدالة على ذلك، كصحيحة منصور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد، و إن

____________

(1) التذكرة 1: 146.

(2) كما في التذكرة 1: 146.

(3) المقنعة: 27.

(4) جمل العلم و العمل: 71، رسائل السيد المرتضى 1: 222.

(5) نقله عنه في المختلف: 103.

(6) السرائر: 63.

28

..........

____________

كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم» (1).

و صحيحة زرارة، قال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط، الإمام و أربعة» (2).

و صحيحة أبي العباس، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «أدنى ما يجزي في الجمعة سبعة أو خمسة أدناه» (3).

و ثانيهما: أنه سبعة في الوجوب العيني، و خمسة في الوجوب التخييري.

ذهب إليه الشيخ- رحمه اللّٰه- في جملة من كتبه (4)، و ابن البراج (5)، و ابن زهرة (6)، جمعا بين الأخبار المتضمنة لاعتبار الخمسة، و بين ما دل على اعتبار السبعة، كصحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة» (7).

و رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، و لا تجب على أقل منهم: الإمام، و قاضيه، و المدعي حقا، و المدعى عليه، و الشاهدان، و الذي يضرب الحدود بين يدي الإمام» (8).

____________

(1) التهذيب 3: 239- 636، الإستبصار 1: 419- 1610، الوسائل 5: 8 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 7.

(2) الكافي 3: 419- 4، التهذيب 3: 240- 640، الإستبصار 1: 419- 1612، الوسائل 5: 7 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 2.

(3) الكافي 3: 419- 5، التهذيب 3: 21- 76، الإستبصار 1: 419- 1609، الوسائل 5: 7 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 1.

(4) النهاية: 103، و الجمل و العقود (الرسائل العشر): 190، الخلاف 1: 235.

(5) المهذب 1: 100.

(6) الغنية (الجوامع الفقهية): 560.

(7) التهذيب 3: 245- 664، الإستبصار 1: 418- 1607، الوسائل 5: 9 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 10.

(8) الفقيه 1: 267- 1222، التهذيب 3: 20- 75، الإستبصار 1: 418- 1608، الوسائل 5: 9 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 9.

29

و لو انفضّوا في أثناء الخطبة أو بعدها قبل التلبّس بالصلاة سقط الوجوب. (1)

و إن دخلوا في الصلاة و لو بالتكبير وجب الإتمام و لو لم يبق إلا واحد. (2)

____________

و صحيحة زرارة قال، قلت لأبي جعفر (عليه السلام): على من تجب الجمعة؟ قال: «على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (1).

و بهذا الجمع يرتفع التنافي عن ظاهر هذه الرواية، فإن المنفي في قوله:

«و لا جمعة لأقل من خمسة» مطلق الوجوب المتناول للعيني و التخييري، و الثابت مع السبعة الوجوب العيني، و هي كالصريحة في عدم اعتبار حضور الإمام أو نائبه.

قوله: (و لو انفضوا في أثناء الخطبة أو بعدها قبل التلبس بالصلاة سقط الوجوب).

(1) لا يخفى أن الوجوب إنما يسقط سقوطا مراعى بعدم عودهم أو حصول من تنعقد به الجمعة، فلو عادوا بعد انفضاضهم بنى الإمام على الخطبة إذا لم يطل الفصل قطعا، و معه في أحد الوجهين، لحصول مسمّى الخطبة، و أصالة عدم اشتراط الموالاة. و لو أتى غيرهم ممن لم يسمع الخطبة أعادها من رأس.

قوله: (و إن دخلوا في الصلاة و لو بالتكبير وجب الإتمام و لو لم يبق إلا واحد).

(2) المراد بقاء واحد من العدد سواء كان الإمام أم غيره من المأمومين. و هذا الحكم أعني وجوب الإتمام مع تلبس العدد المعتبر بالصلاة و لو بالتكبير مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا، للنهي عن قطع العمل. و لأن اشتراط استدامة العدد منفي بالأصل. و لا يلزم من اشتراطه ابتداء اشتراطه استدامة كالجماعة، و كما في عدم الماء في حق المتيمم. و ربما حملت العبارة على أن المراد بقاء واحد

____________

(1) الفقيه 1: 267- 1218، الوسائل 5: 8 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 4.

30

[الثالث: الخطبتان]

الثالث: الخطبتان، (1)

____________

مع الإمام، لتحقق شرط الجماعة، و هو قول لبعض العامة (1)، و اعتبر بعضهم بقاء اثنين، لأن الثلاثة أقل الجمع (2)، و اشترط آخرون (3) انفضاضهم بعد صلاة ركعة تامة، لقوله (عليه السلام): «من أدرك ركعة من الجماعة فليضف إليها أخرى» (4) و نفى عن هذا القول البأس في التذكرة (5). و هو ضعيف، إذ لا دلالة في الخبر على أن من لم يدرك ركعة قبل انفضاض العدد يقطع الصلاة.

و اعلم أن ظاهر عبارة المصنف هنا تقتضي أن الإتمام إنما يثبت مع تلبس العدد المعتبر بالصلاة، و ظاهر المعتبر عدم اعتبار ذلك، فإنه قال: لو أحرم فانفض العدد المعتبر أتم جمعة لا ظهرا، ثم استدل بأن الصلاة انعقدت فوجب الإتمام لتحقق شرائط الوجوب، و منع اشتراط استدامة العدد (6). و مقتضى ذلك وجوب الإتمام متى كان الدخول مشروعا، و هو متجه.

قوله: (الثالث: الخطبتان).

(1) أجمع الأصحاب على أن الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة، و عليه العامة (7) إلّا من شذ (8)، لأن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله خطب خطبتين امتثالا للأمر المطلق فيكون بيانا له، و قد ثبت في الأصول أن بيان الواجب واجب، و لما روي عن الصادق (عليه السلام) بعدة طرق أنه قال: «و إنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» (9).

____________

(1) منهم الفيروزآبادي في المهذب 1: 11.

(2) منهم الفيروزآبادي في المهذب 1: 11.

(3) كالمزني في المختصر: 26.

(4) سنن ابن ماجة 1: 356- 1121، الجامع الصغير 2: 560- 8366.

(5) التذكرة 1: 147.

(6) المعتبر 2: 282.

(7) منهم الشافعي في الأم 1: 199، و الفيروزآبادي في المهذب 1: 111، و ابن قدامة في المغني و الشرح الكبير 2: 151، و الغمراوي في السراج الوهاج: 87.

(8) منهم ابن حزم في المحلى 5: 59، و ابن قدامة في المغني و الشرح الكبير 2: 150، و النووي في المجموع 4: 514.

(9) التهذيب 3: 238- 634، الإستبصار 1: 420- 1614، الوسائل 5: 8 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 6.

31

و يجب في كل واحدة منهما الحمد للّه، و الصلاة على النبي و آله (عليهم السلام)، و الوعظ، و قراءة سورة خفيفة، و قيل: يجزي و لو آية واحدة مما يتم بها فائدتها.

و في رواية سماعة: يحمد اللّٰه و يثني عليه، ثم يوصي بتقوى اللّٰه، و يقرأ سورة خفيفة من القرآن، ثم يجلس، ثم يقوم فيحمد اللّٰه و يثني عليه (1) و يصلي على النبي و آله و على أئمة المسلمين و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات.

____________

قوله: (و يجب في كل واحدة منهما الحمد للّه، و الصلاة على النبي و آله (عليهم السلام)، و الوعظ، و قراءة سورة خفيفة، و قيل: يجزي و لو آية واحدة مما يتم بها فائدتها، و في رواية سماعة: يحمد اللّٰه و يثني عليه، إلى آخره).

(1) اختلف الأصحاب فيما يجب اشتمال كل من الخطبتين عليه، فقال الشيخ- رحمه اللّٰه- في المبسوط: أقل ما تكون الخطبة أربعة أصناف: حمد اللّٰه تعالى، و الصلاة على النبي و آله، و الوعظ، و قراءة سورة خفيفة من القرآن (1). و نحوه قال ابن حمزة (2)، و ابن إدريس (3).

و قال في الخلاف: أقل ما تكون الخطبة أربعة أصناف: أن يحمد اللّٰه و يثني عليه، و يصلي على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، و يقرأ شيئا من القرآن، و يعظ الناس (4).

و قال في الاقتصاد: أقل ما يخطب به أربعة أشياء: الحمد للّه، و الصلاة على النبي و آله، و الوعظ، و قراءة سورة خفيفة من القرآن بين الخطبتين (5).

____________

(1) المبسوط 1: 147.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 675.

(3) السرائر: 63.

(4) الخلاف 1: 244.

(5) الاقتصاد: 267.

32

..........

____________

و قال المرتضى في المصباح: يحمد اللّٰه، و يمجده و يثني عليه، و يشهد لمحمد صلّى اللّٰه عليه و آله بالرسالة و يوشح الخطبة بالقرآن، ثم يفتتح الثانية بالحمد و الاستغفار و الصلاة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، و الدعاء لأئمة المسلمين (1).

و ربما ظهر من كلام أبي الصلاح عدم وجوب القراءة في شيء من الخطبتين (2).

أما وجوب الحمد و الصلاة على النبي و آله و الوعظ فظاهر المصنف في المعتبر (3)، و العلامة في جملة من كتبه (4) أنه موضع وفاق بين علمائنا و أكثر العامة (5)، و ذلك لعدم تحقق الخطبة بدونه عرفا. و استدل عليه في المنتهى بأمور واهية ليس في التعرض لها كثير فائدة.

و قد وقع الخلاف في هذه المسألة في مواضع:

الأول: إن القراءة فيهما هل هي واجبة أم لا؟ و على القول بالوجوب كما هو المشهور فهل الواجب سورة خفيفة فيهما، أو في الأولى خاصة، أو بين الخطبتين كما قاله في الاقتصاد (6)؟ و لعل مراده أن يكون بعد إتمام الأولى و قبل الجلوس فيطابق المشهور، أو آية تامة الفائدة في الخطبتين كما هو ظاهر الخلاف (7)؟ أو في الأولى خاصة كما هو ظاهر المصباح (8)؟

____________

(1) نقله عنه في المعتبر 2: 284.

(2) الكافي في الفقه: 151.

(3) ليس في المعتبر و كتب العلامة تصريح و لا ظهور في الإجماع، و قال في مفتاح الكرامة 3:

113: و استظهره صاحب المدارك من الفاضلين. و لعل موارد الاستظهار: المعتبر 2: 284، و المنتهى 1: 326، و التذكرة 1: 150.

(4) ليس في المعتبر و كتب العلامة تصريح و لا ظهور في الإجماع، و قال في مفتاح الكرامة 3:

113: و استظهره صاحب المدارك من الفاضلين. و لعل موارد الاستظهار: المعتبر 2: 284، و المنتهى 1: 326، و التذكرة 1: 150.

(5) منهم الشافعي في الأم 1: 200، و الكاساني في بدائع الصنائع 1: 263، و الغمراوي في السراج الوهاج: 87.

(6) الاقتصاد: 267.

(7) الخلاف 1: 244.

(8) نقله عنه في التذكرة 1: 149.

33

..........

____________

الثاني: وجوب الشهادة لمحمد صلّى اللّٰه عليه و آله بالرسالة في الأولى كما هو ظاهر المصباح (1)، و لم أقف على مصرح بوجوب الشهادة بالتوحيد هنا.

الثالث: وجوب الاستغفار للمؤمنين في الثانية و الدعاء لأئمة المسلمين كما هو ظاهر المرتضى أيضا (2).

و المرجع في ذلك كله إلى النقل الوارد عن النبي و الأئمة (عليهم السلام)، و الذي وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار ما رواه الشيخ في التهذيب، عن الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة، عن سماعة قال، قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «ينبغي للإمام الذي يخطب بالناس يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشتاء و الصيف، و يتردى ببرد يمنية أو عدني، و يخطب و هو قائم، يحمد اللّٰه و يثني عليه، ثم يوصي بتقوى اللّٰه، ثم يقرأ سورة من القرآن قصيرة، ثم يجلس، ثم يقوم فيحمد اللّٰه و يثني عليه، و يصلي على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و على أئمة المسلمين، و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات، فإذا فرغ من هذا قام المؤذن فأقام فصلى بالناس ركعتين، يقرأ في الأولى بسورة الجمعة، و في الثانية بسورة المنافقين» (3) و على هذه الرواية اعتمد في المعتبر (4)، و لا ريب أن العمل بمضمونها يحصل معه الامتثال، إنما الكلام في وجوب ما تضمنته مما يزيد على مسمّى الخطبتين، فإنها قاصرة عن إفادة ذلك متنا و سندا.

و روى الكليني- رضي اللّٰه عنه- في الكافي، عن محمد بن مسلم في الصحيح: إن أبا جعفر (عليه السلام) خطب خطبتين في الجمعة، تضمنت الأولى منهما حمد اللّٰه و الشهادتين و الصلاة على النبي و آله و الوعظ قال: «ثم اقرأ سورة من القرآن، و ادع ربك، و صل على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، و ادع للمؤمنين و المؤمنات، ثم تجلس».

____________

(1) نقله عنه في التذكرة 1: 149، و الذكرى: 236.

(2) نقله عنه في المعتبر 2: 284.

(3) التهذيب 3: 243- 655، الوسائل 5: 37 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 24 ح 1.

(4) المعتبر 2: 284.

34

..........

____________

و تضمنت الثانية الحمد و الشهادتين و الوعظ و الصلاة على محمد و آله، قال: «ثم تقول: اللهم صل على أمير المؤمنين و وصيّ رسول رب العالمين، ثم تسمي الأئمة حتى تنتهي إلى صاحبك، ثم تقول: اللهم افتح له فتحا يسيرا، و انصره نصرا عزيزا- قال-: و يكون آخر كلامه أن يقول إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) ثم يقول: اللهم اجعلنا ممن يذّكر فتنفعه الذكرى ثم ينزل» (2).

و الظاهر أن هذه الرواية متضمنة لكثير من المستحبات، إلا أن العمل بمضمونها أولى، لاعتبار سندها.

و من هنا يظهر أن القول بوجوب قراءة السورة في الأولى محتمل، لدلالة ظاهر الروايتين عليه.

أما وجوب السورة في الثانية فلا وجه له، لانتفاء ما يدل عليه رأسا، بل مقتضى رواية سماعة عدم توظيف القراءة في الثانية مطلقا، و مقتضى رواية ابن مسلم أن يكون آخر كلامه إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ الآية.

و ينبغي التنبيه لأمور:

الأول: ذكر جمع من الأصحاب أنه يجب في الخطبتين التحميد بصيغة:

الحمد للّه، و في تعيّنه نظر، لصدق مسمّى الخطبة مع الإتيان بالتحميد كيف اتفق.

الثاني: الأقرب أنه لا ينحصر الوعظ في لفظ، بل يجزي كل ما اشتمل على الوصية بتقوى اللّٰه، و الحث على الطاعات و التحذير على المعاصي و الاغترار بالدنيا و ما شاكل ذلك.

____________

(1) النحل: 90.

(2) الكافي 3: 422- 6، الوسائل 5: 38 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 25 ح 1.

35

و يجوز إيقاعهما قبل زوال الشمس حتى إذا فرغ زالت، و قيل: لا يصحّ إلا بعد الزوال، و الأول أظهر. (1)

____________

و في الاجتزاء بالآية المشتملة على الوعظ عنهما وجهان، أقربهما ذلك.

و كذا الكلام في الآية المشتملة على التحميد و نحوه من أجزاء الخطبة.

الثالث: ذكر جمع من الأصحاب أنه يجب الترتيب بين أجزاء الخطبة بتقديم الحمد، ثم الصلاة، ثم الوعظ، ثم القراءة، فلو خالف أعاد على ما يحصل معه الترتيب. و هو أحوط، و إن كان في تعيّنه نظر.

الرابع: منع أكثر الأصحاب من إجزاء الخطبة بغير العربية، للتأسي، و هو حسن. و لو لم يفهم العدد العربية، و لا أمكن التعلم قيل: تجب العجمية، لأن مقصود الخطبة لا يتم بدون فهم معانيها (1). و يحتمل سقوط الجمعة، لعدم ثبوت مشروعيتها على هذا الوجه.

قوله: (و يجوز إيقاعهما قبل زوال الشمس حتى إذا فرغ زالت، و قيل: لا يصح إلا بعد الزوال، و الأول أظهر).

(1) اختلف الأصحاب في وقت الخطبة. فقال السيد المرتضى في المصباح: إنه بعد الزوال فلا يجوز تقديمها عليه (2). و به قال ابن أبي عقيل (3)، و أبو الصلاح (4)، و نسبه في الذكرى إلى معظم الأصحاب (5).

و قال الشيخ في الخلاف: يجوز أن يخطب عند وقوف الشمس، فإذا زالت صلى الفرض (6). و قال في النهاية و المبسوط: يجوز إيقاعهما قبل الزوال (7). و المعتمد الأول.

____________

(1) كما في جامع المقاصد 1: 134.

(2) نقله عنه في السرائر: 64.

(3) نقله عنه في المختلف: 105.

(4) الكافي في الفقه: 151.

(5) الذكرى: 236.

(6) الخلاف 1: 246.

(7) النهاية: 105، و المبسوط 1: 151.

36

..........

____________

لنا: قوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ أوجب السعي بعد النداء الذي هو الأذان، فلا يجب قبله. و ما رواه محمد بن مسلم في الحسن، قال: سألته عن الجمعة فقال: «أذان و إقامة، يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب، و لا يصلي الناس ما دام الإمام على المنبر، ثم يقعد الإمام على المنبر قدر ما يقرأ قل هو اللّٰه أحد، ثم يقوم فيفتتح خطبته ثم ينزل فيصلي بالناس، يقرأ بهم في الركعة الأولى بالجمعة و في الثانية بالمنافقين» (1).

و يؤيده أن الخطبتين بدل من الركعتين، فكما لا يجوز إيقاع المبدل قبل الزوال فكذا البدل تحقيقا للبدلية. و أنه يستحب صلاة ركعتين عند الزوال على ما سيجيء بيانه، و إنما يكون ذلك إذا وقعت الخطبة بعد الزوال، لأن الجمعة عقيب الخطبة، فلو وقعت الخطبة قبل الزوال تبعتها صلاة الجمعة فينتفي استحباب صلاة الركعتين و الحال هذه.

احتج الشيخ في الخلاف (2) بإجماع الفرقة، و بما رواه في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك، و يخطب في الظل الأول، فيقول جبرائيل: يا محمد قد زالت الشمس فانزل وصل» (3).

و أجاب العلامة- رحمه اللّٰه- في المختلف عن الإجماع بالمنع منه مع تحقق الخلاف، و عن الرواية بالمنع من الدلالة على صورة النزاع. قال: لاحتمال أن يكون المراد بالظل الأول هو الفيء الزائد على ظل المقياس، فإذا انتهى في الزيادة إلى محاذاة الظل الأول، و هو أن يصير ظل كل شيء مثله و هو الظل

____________

(1) الكافي 3: 424- 7، التهذيب 3: 241- 648، الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 7.

(2) الخلاف 1: 246.

(3) التهذيب 3: 12- 42، الوسائل 5: 18 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 8 ح 4.

37

و يجب أن تكون مقدّمة على الصلاة، فلو بدأ بالصلاة لم تصحّ الجمعة. (1)

____________

الأول نزل فصلى بالناس، و يصدق عليه أن الشمس قد زالت حينئذ، لأنها قد زالت عن الظل الأول (1).

و لا يخفى ما في هذا التأويل من البعد و المخالفة لمقتضى الظاهر، و استلزامه وقوع الجمعة عنده بعد خروج وقتها، لموافقته على أن وقتها يخرج بصيرورة ظل كل شيء مثله، و هو معلوم البطلان.

نعم يمكن القدح فيها بأن الأولية أمر إضافي يختلف باختلاف المضاف إليه، فيمكن أن يراد به أول الظل و هو الفيء الحاصل بعد الزوال بغير فصل كما يدل عليه قوله (عليه السلام): «إن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك» فإن إتيانه (عليه السلام) بالصلاة بعد زوال الشمس عن دائرة نصف النهار قدر شراك يستدعي وقوع الخطبة أو شيء منها بعد الزوال. و يكون معنى قول جبرائيل (عليه السلام): يا محمد قد زالت الشمس فانزل وصل. أنها قد زالت قدر شراك فانزل وصل. و كيف كان فهذه الرواية مجملة المتن فلا تصلح معارضا لظاهر القرآن و الأخبار المعتبرة.

قوله: (و يجب أن تكون مقدمة على الصلاة، فلو بدأ بالصلاة لم تصح الجمعة).

(1) هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل قال في المنتهى: إنه لا يعرف فيه مخالفا (2). و المستند فيه فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و الأئمة (عليهم السلام) و الصحابة و التابعين و الأخبار المستفيضة الواردة بذلك، كرواية أبي مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن خطبة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله أقبل الصلاة أو بعد؟ فقال: «قبل الصلاة ثم

____________

(1) المختلف: 104.

(2) المنتهى 1: 327.

38

و يجب أن يكون الخطيب قائما وقت إيراده مع القدرة. (1)

____________

يصلي» (1).

قوله: (و يجب أن يكون الخطيب قائما وقت إيراده مع القدرة).

(1) هذا مذهب الأصحاب، و نقل عليه في التذكرة الإجماع (2)، و المستند فيه فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله في بيان الواجب، و قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب: «إن أول من خطب و هو جالس معاوية، و استأذن الناس في ذلك من وجع كان في ركبته- ثم قال- الخطبة و هو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين» (3).

و لو منعه مانع من القيام فالظاهر جواز الجلوس مع تعذر الاستنابة كما في الصلاة.

و لو خطب جالسا مع القدرة بطلت صلاته و صلاة من علم به من المأمومين، أما من لم يعلم بحاله فقد قطع الأصحاب بصحة صلاتهم و إن رأوه جالسا، بناء على الظاهر من أن قعوده للعجز، و إن تجدد العلم بعد الصلاة، كما لو بان أن الإمام محدث. و هو مشكل، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، و خروج المحدث بنص خاص لا يقتضي إلحاق غيره به.

و يجب في القيام الطمأنينة، للتأسي، و لأنهما بدل من الركعتين.

و هل يجب اتحاد الخطيب و الإمام؟

قيل: نعم، و هو اختيار الراوندي في كتابه أحكام القرآن (4)، و قواه العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى (5). و لا بأس به، لأن الوظائف الشرعية

____________

(1) الكافي 3: 421- 3، التهذيب 3: 20- 72، الوسائل 5: 30 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 15 ح 2.

(2) التذكرة 1: 150.

(3) التهذيب 3: 20- 74، الوسائل 5: 31 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 16 ح 1.

(4) فقه القرآن 1: 135.

(5) المنتهى 1: 324، و الذكرى: 234.

39

و يجب الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة. (1)

____________

إنما تستفاد من صاحب الشرع، و المنقول من فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و الأئمة (عليهم السلام) الاتحاد.

و قيل: لا يجب، بل يجوز اختلافهما، و هو اختيار العلامة في النهاية (1)، لانفصال كل من العبادتين عن الأخرى، و لأن غاية الخطبتين أن تكونا كركعتين، و يجوز الاقتداء بإمامين في صلاة واحدة.

و يتوجه على الأول: منع الانفصال شرعا، سلمنا الانفصال لكن ذلك لا يقتضي جواز الاختلاف إذا لم يرد فيه نقل على الخصوص، لعدم تيقن البراءة مع الإتيان به.

و على الثاني: بعد تسليم الأصل أنه قياس محض. و الاحتياط يقتضي المصير إلى الأول.

قوله: (و يجب الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة).

(1) هذا هو المشهور بين الأصحاب، و المستند فيه التأسي بالنبي صلّى اللّٰه عليه و آله فإنه فعل ذلك، و قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب: «الخطبة و هو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها» (2).

و احتمل المصنف في المعتبر الاستحباب، لأن فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كما يحتمل أن يكون تكليفا يحتمل أنه للاستراحة (3). و هو ضعيف.

و يجب في الجلوس الطمأنينة لما تقدم. و هل يجب السكوت؟ ظاهر الخبر ذلك، و يحتمل أن يكون المراد النهي عن التكلم حالة الجلوس بشيء من الخطبة.

و ينبغي أن تكون الجلسة بقدر قراءة قل هو اللّٰه أحد، لقوله (عليه السلام)

____________

(1) نهاية الأحكام 2: 18.

(2) التهذيب 3: 20- 74، الوسائل 5: 31 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 16 ح 1.

(3) المعتبر 2: 285.

40

و هل الطهارة شرط فيهما؟ فيه تردد، و الأشبه أنها غير شرط. (1)

____________

في حسنة محمد بن مسلم: «يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب، و لا يصلي الناس ما دام الإمام على المنبر، ثم يقعد الإمام على المنبر قدر ما يقرأ قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ، ثم يقوم فيفتتح خطبته» (1).

و لو عجز عن القيام في الخطبتين فخطب جالسا فصل بينهما بسكتة، و احتمل العلامة في التذكرة الفصل بالاضطجاع (2)، و هو ضعيف.

قوله: (و هل الطهارة شرط فيهما؟ فيه تردد، و الأشبه أنها غير شرط).

(1) اختلف الأصحاب في اشتراط طهارة الخطيب من الحدث وقت إيراد الخطبتين بعد اتفاقهم على الرجحان المتناول للوجوب و الندب، فقال الشيخ في المبسوط و الخلاف بالاشتراط (3)، و منعه ابن إدريس (4) و المصنف (5) و العلامة (6).

احتج الشيخ- رحمه اللّٰه- بأنه أحوط، إذ مع الطهارة تبرأ الذمة بيقين، و بدونها لا يحصل يقين البراءة، و بأن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كان يتطهر قبل الخطبة فيجب اتباعه في ذلك لأدلة التأسي (7)، و يؤيده ما رواه عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «و إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتى ينزل الإمام» (8) و الاتحاد لا معنى

____________

(1) الكافي 3: 424- 7، التهذيب 3: 241- 648، الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 7.

(2) التذكرة 1: 151.

(3) المبسوط 1: 147، و الخلاف 1: 245.

(4) السرائر: 63.

(5) المعتبر 2: 285، و الشرائع 1: 95، و المختصر النافع: 35.

(6) المختلف: 103، و القواعد 1: 37، و التبصرة: 31.

(7) الخلاف 1: 245.

(8) التهذيب 3: 12- 42، الوسائل 5: 15 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 6 ح 4.

41

و يجب أن يرفع صوته بحيث يسمع العدد المعتبر فصاعدا، و فيه تردد. (1)

[الرابع: الجماعة]

الرابع: الجماعة، فلا تصحّ فرادى، (2)

____________

له فالمراد المماثلة في الأحكام و الشرائط إلا ما وقع عليه الإجماع.

و أجيب عن الأول بمنع كون الاحتياط دليلا شرعيا، بل منع استلزام هذا القول للاحتياط، فإن إلزام المكلف بالطهارة بغير دليل إثم كما إن إسقاط الواجب إثم.

و عن الثاني بأن فعل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله أعم من الواجب، فإنه صلّى اللّٰه عليه و آله كان يحافظ على المندوبات كمحافظته على الواجبات، و التأسي إنما يجب فيما علم وجوبه كما تقرر في محله (1).

و عن الرواية بوجوه أظهرها: إن إثبات المماثلة بين الشيئين لا تستلزم أن تكون من جميع الوجوه، كما تقرر في مسألة نفي المساواة لا يفيد العموم.

و المسألة محل تردد و إن كان الاشتراط لا يخلو من رجحان تمسكا بظاهر الرواية.

قوله: (و يجب أن يرفع صوته بحيث يسمع العدد المعتبر فصاعدا، و فيه تردد).

(1) منشؤه أصالة عدم الوجوب، و أن الغرض من الخطبة لا يحصل بدون الإسماع (2). و الوجوب أظهر، للتأسي، و عدم تحقق الخروج من العهدة بدونه. و يؤيده ما روي أن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله كان إذا خطب يرفع صوته كأنه منذر جيش (3).

و لو حصل مانع من السمع سقط الوجوب، مع احتمال سقوط الصلاة أيضا إذا كان المانع حاصلا للعدد المعتبر في الوجوب، لعدم ثبوت التعبد بالصلاة على هذا الوجه.

قوله: (الرابع، الجماعة: فلا تصح فرادى).

(2) أجمع العلماء كافة على اشتراط الجماعة في الجمعة، فلا يصح الانفراد بها

____________

(1) أجاب عنه في المعتبر 2: 286.

(2) في «س»: الاستماع.

(3) الجامع الصغير 2: 329- 6656.

42

..........

____________

و إن حصل العدد، بل لا بد من الارتباط الحاصل بين صلاة الإمام و المأموم.

و يدل عليه التأسي، و الأخبار المستفيضة، كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «منها صلاة واحدة فرضها اللّٰه في جماعة، و هي الجمعة» (1) و في صحيحة عمر بن يزيد: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة» (2) و غير ذلك من الأخبار (3).

و تتحقق الجماعة بنية المأمومين الاقتداء بالإمام، فلو أخلوا بها أو أحدهم لم تصح صلاة المخل. و يعتبر في انعقاد الجمعة نية العدد المعتبر.

و في وجوب نية الإمام للإمامة هنا نظر، من حصول الإمامة إذا اقتدي به، و من وجوب نية كل واجب.

تفريع:

قال في الذكرى: لو بان أن الإمام محدث فإن كان العدد لا يتم بدونه فالأقرب أنه لا جمعة لهم لانتفاء الشرط، و إن كان العدد حاصلا من غيره صحت صلاتهم عندنا لما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى في باب الجماعة. قال: و ربما افترق الحكم هنا و هناك، لأن الجماعة شرط في الجمعة، و لم تحصل في نفس الأمر، بخلاف باقي الصلوات فإن القدوة إذا فاتت فيها يكون قد صلى منفردا، و صلاة المنفرد هناك صحيحة بخلاف الجمعة (4).

و أقول: إنه لا يخفى ضعف هذا الفرق، لمنع صحة الصلاة هناك على تقدير الانفراد، لعدم إتيان المأموم بالقراءة التي هي من وظائف المنفرد.

____________

(1) الفقيه 1: 266- 1217، التهذيب 3: 21- 77، أمالي الصدوق: 319- 17، الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 1.

(2) التهذيب 3: 245- 664، الإستبصار 1: 418- 1607، الوسائل 5: 9 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2 ح 10.

(3) الوسائل 5: 7 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 2

(4) الذكرى: 234.

43

و إذا حضر إمام الأصل وجب عليه الحضور و التقدّم. و إن منعه مانع جاز أن يستنيب. (1)

[الخامس: أن لا يكون هناك جمعة أخرى]

الخامس: أن لا يكون هناك جمعة أخرى. و بينهما دون ثلاثة أميال، (2)

____________

و بالجملة فالصلاتان مشتركتان في الصحة ظاهرا و عدم استجماعهما الشرائط المعتبرة في نفس الأمر، فما ذهب إليه أولا من الصحة غير بعيد، بل لو قيل بالصحة مطلقا و إن لم يكن العدد حاصلا من غيره أمكن، لصدق الامتثال و إطلاق قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة و قد سأله عن قوم صلى بهم إمامهم و هو غير طاهر، أ تجوز صلاتهم أم يعيدونها؟: «لا إعادة عليهم تمت صلاتهم، و عليه هو الإعادة، و ليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع» (1).

قوله: (و إن حضر إمام الأصل وجب عليه الحضور و التقدّم، و إن منعه مانع جاز أن يستنيب).

(1) لا ريب أن الإمام (عليه السلام) هو المتّبع قولا و فعلا، و البحث في هذه المسألة و أمثالها ساقط عندنا.

قوله: (الخامس، أن لا تكون هناك جمعة أخرى و بينهما دون ثلاثة أميال).

(2) أجمع علماؤنا على اعتبار وحدة الجمعة، بمعنى أنه لا يجوز إقامة جمعتين بينهما أقل من فرسخ سواء كانتا في مصر واحد أو مصرين، و سواء فصل بينهما نهر عظيم كدجلة أم لا. و لم يعتبر غيرهم الفرسخ لكن اختلفوا، فقال الشافعي (2) و مالك (3): لا يجمع في بلد واحد و إن عظم إلا في مسجد واحد،

____________

(1) التهذيب 3: 39- 139، الإستبصار 1: 432- 1670، الوسائل 5: 434 أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 5.

(2) الأم 1: 192.

(3) نقله عنه في المغني و الشرح الكبير 2: 182.

44

فإن اتفقتا بطلتا. (1)

____________

و أجازه أبو حنيفة في موضعين استحسانا (1). و أجاز بعضهم التعدد في البلد ذي الجانبين إذا لم يكن بينهما جسر (2). و قال أحمد: إذا كبر البلد و عظم كبغداد و البصرة جاز أن يقام فيه جمعتان و أكثر مع الحاجة، و لا يجوز مع عدمها (3).

و الأصل في هذا الشرط من طرق الأصحاب ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال» يعني لا يكون جمعة إلا فيما بينه و بين ثلاثة أميال «و ليس تكون جمعة إلا بخطبة، و إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء» (4).

و روى محمد بن مسلم أيضا في الموثق، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء، و لا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة أميال» (5).

قيل: و يعتبر الفرسخ من المسجد إن صليت في مسجد، و إلا فمن نهاية المصلين (6).

و يشكل الحكم فيما لو كان بعضهم بحيث لا يبلغ بعده عن موضع الأخرى النصاب دون من سواهم و تم العدد بغيرهم، فيحتمل بطلان صلاتهم خاصة لانعقاد صلاة الباقي باستجماعها شرائط الصحة، أو بطلان الجمعتين من رأس، لانتفاء الوحدة بينهما، و لعل الأول أقرب.

قوله: (فإن اتفقتا بطلتا).

(1) لامتناع الحكم بصحتهما، و لا أولوية لإحداهما، فلم يبق إلا الحكم

____________

(1) نقله عنه في المبسوط للسّرخسي 2: 120، و المجموع 4: 591.

(2) منهم الكاساني في بدائع الصنائع 1: 260.

(3) نقله عنه في المغني و الشرح الكبير 2: 181.

(4) التهذيب 3: 23- 79، الوسائل 5: 16 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 7 ح 1.

(5) الفقيه 1: 274- 1257، التهذيب 30: 23- 80، الوسائل 5: 17 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 7 ح 2.

(6) كما في جامع المقاصد 1: 136.

45

و إن سبقت إحداهما و لو بتكبيرة الإحرام بطلت المتأخرة. (1)

____________

ببطلانهما معا. و يجب عليهما الإعادة جمعة مجتمعين أو متفرقين بما يسوغ معه التعدد.

و يتحقق الاقتران باستوائهما في التكبير عند علمائنا و أكثر العامة (1)، و اعتبر بعضهم الشروع في الخطبة لقيامها مقام ركعتين (2). و قال بعضهم: يعتبر بالفراغ فإن تساوتا فيه بطلتا، و إن سبقت إحداهما بالسلام صحت دون الأخرى (3).

و تقبل في ثبوت الاقتران شهادة العدلين إذا كانا في مكان يسمعان التكبيرتين، و يتصور ذلك بكونهما غير مخاطبين بالجمعة و هما في مكان يسمعان التكبيرتين. و لا حاجة إلى اعتبار تساوي الإمامين في الإذن من الإمام (عليه السلام) على ما بيناه فيما سبق.

قوله: (و إن سبقت إحداهما و لو بتكبيرة الإحرام بطلت المتأخرة).

(1) الوجه في بطلان الصلاة المتأخرة ظاهر، لسبق انعقاد الأولى باستجماعها شرائط الصحة كما هو المقدر.

و قال في التذكرة: إن ذلك- أي صحة السابقة و بطلان اللاحقة- مذهب علمائنا أجمع (4).

و يجب على اللاحقة إعادة الظهر إن لم تدرك الجمعة مع السابقة، أو التباعد بما يسوغ معه التعدد.

و اعتبر جدي(قدّس سرّه) في روض الجنان في صحة السابقة عدم علم

____________

(1) منهم ابنا قدامة في المغني و الشرح الكبير 2: 189، 192، و النووي في المجموع 4: 497، و الشر بيني في مغني المحتاج 1: 281.

(2) الشر بيني في مغني المحتاج 1: 282، و الغمراوي في السراج الوهاج: 86.

(3) منهم النووي في المجموع 4: 497، و الشر بيني في مغني المحتاج 1: 281.

(4) التذكرة 1: 150.

46

و لو لم يتحقق السابقة أعادا ظهرا. (1)

____________

كل من الفريقين بصلاة الأخرى، و إلا لم يصح صلاة كل منهما، للنهي عن الانفراد بالصلاة عن الأخرى المقتضي للفساد (1).

و لمانع أن يمنع تعلق النهي بالسابقة مع العلم بالسبق، أما مع احتمال السبق و عدمه فيتجه ما ذكره، لعدم جزم كل منهما بالنية لكون صلاته في معرض البطلان.

و هل يفرق في بطلان اللاحقة بين علمهم بسبق الأولى و عدمه؟ إطلاق عبارات الأصحاب يقتضي عدم الفرق لانتفاء الوحدة المعتبرة، مع احتماله لاستحالة توجه النهي إلى الغافل، و عدم ثبوت شرطية الوحدة على هذا الوجه.

و المسألة محل تردد.

قوله: (و لو لم تتحقق السابقة أعاد ظهرا).

(1) عدم تحقق السابقة يشمل ما لو علم حصول جمعة سابقه معينة و اشتبهت بعد ذلك، و ما لو علم سابقه في الجملة و لم تتعين. و لا ريب في وجوب الإعادة عليهما معا في الصورتين، لحصول الشك في كل واحدة، و التردد بين الصحة و البطلان، فيبقى المكلف تحت العهدة إلى أن يتحقق الامتثال.

و قد قطع المصنف و أكثر الأصحاب بأن الواجب على الفريقين صلاة الظهر لا الجمعة، للعلم بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة أخرى عقيبها، و لما لم تكن متعينة وجبت الظهر عليهما، لعدم حصول البراءة بدون ذلك.

و قال الشيخ في المبسوط: يصلون جمعة مع اتساع الوقت، لأن الحكم بوجوب الإعادة عليهما يقتضي كون الصلاة الواقعة منهما غير معتبرة في نظر الشرع (2). و هذا متجه، لأن الأمر بصلاة الجمعة بصلاة عام و سقوطها بهذه الصلاة التي ليست مبرئة للذمة غير معلوم.

____________

(1) روض الجنان: 294.

(2) المبسوط 1: 149.

47

..........

____________

و على الأول فلو تباعد الفريقان بالنصاب بأن خرج أحدهما من المصر و أعادوا جميعا الجمعة لم تصح، لإمكان كون من تأخرت جمعته هم المتخلفون في المصر فلا تشرع فيه جمعة أخرى.

أما لو خرجوا منه جميعا و تباعدوا بالنصاب مع سعة الوقت تعين عليهم فعل الجمعة قطعا.

و أعلم أن المصنف- رحمه اللّٰه- لم يتعرض للصورة الخامسة، و هي ما لو اشتبه السبق و الاقتران، و قد اختلف الأصحاب في حكمها، فذهب الشيخ- رحمه اللّٰه (1)- و من تبعه (2) إلى وجوب إعادة الجمعة مع سعة الوقت، تمسكا بعموم الأوامر المقتضية للوجوب، و التفاتا إلى أصالة عدم تقدم كل من الجمعتين على الأخرى.

و ذهب العلامة- رحمه اللّٰه- في جملة من كتبه إلى وجوب الجمع بين الفرضين، لأن الواقع (3) إن كان الاقتران فالفرض الجمعة، و إن كان السبق فالظهر، فلا يحصل يقين البراءة بدون فعلهما (4). و احتمل في التذكرة وجوب الظهر خاصة، لأن الظاهر صحة إحداهما لندور الاقتران جدا فكان جاريا مجرى المعدوم، و للشك في شرط الجمعة و هو عدم سبق أخرى، و هو يقتضي الشك في المشروط (5). و ضعفه ظاهر، فإنا لا نسلم اشتراط عدم السبق، بل يكفي في الصحة عدم العلم بسبق أخرى.

و ذكر الشارح (قدّس سرّه): أنه يمكن إدراج هذه الصورة في عبارة المصنف رحمه اللّٰه، فإن السالبة لا تستدعي وجود الموضوع (6). و هو حسن إلا أنا لم

____________

(1) المبسوط 1: 149.

(2) منهم يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 94.

(3) في «ح» زيادة: في نفس الأمر.

(4) التذكرة 1: 150، و القواعد 1: 37.

(5) التذكرة 1: 150.

(6) المسالك 1: 34.

48

[النظر الثاني: فيمن يجب عليه]

النظر الثاني: فيمن يجب عليه، و يراعى فيه شروط سبعة:

التكليف. و الذكورة. و الحرية. و الحضر. (1)

____________

نقف في هذه الصورة على قول بالاجتزاء بالظهر. و لا يخفى أن إطلاق الإعادة على الظهر غير جيد، لعدم سبق ظهر قبلها، و كأنه أطلق الإعادة عليها باعتبار فعل وظيفة الوقت أولا و إن اختلف الشخص. و الأمر في ذلك هين.

قوله: (النظر الثاني، فيمن يجب عليه: و يراعى فيه سبعة شروط: التكليف، و الذكورة، و الحرية، و الحضر).

(1) أما اعتبار التكليف بمعنى البلوغ و العقل في هذه الصلاة بل و في غيرها من الصلوات فمذهب العلماء كافة، فلا يجب على المجنون و لا الصبي و إن كان مميزا، نعم تصح من المميز تمرينا و تجزيه عن الظهر. و لو أفاق المجنون في وقت الصلاة خوطب بها خطابا مراعى باستمراره على الإفاقة إلى آخر الصلاة.

و أما اعتبار الذكورة و الحرية فقال في التذكرة: إنه مذهب علمائنا أجمع، و به قال عامة العلماء (1). و يدل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة:

«و وضعها عن تسعة: عن الصغير، و الكبير، و المجنون، و المسافر، و العبد، و المرأة، و المريض، و الأعمى، و من كان على رأس أزيد من فرسخين» (2).

و في صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم: «منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلّا خمسة: المريض و المملوك، و المسافر، و المرأة، و الصبي» (3).

و لا تنافي بين استثناء الخمسة و التسعة، لأن المجنون و الكبير الذي لا يتمكن الحضور لا ريب في استثنائهما، و العمى يمكن إدخاله في المرض،

____________

(1) التذكرة 1: 153.

(2) الكافي 3: 419- 6، الفقيه 1: 266- 1217، التهذيب 3: 21- 77، الوسائل 5:

2 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 1.

(3) الكافي 3: 418- 1، التهذيب 3: 19- 69، المعتبر 2: 289، الوسائل 5: 5

أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 14.

49

و السلامة من العمى و المرض (1)

____________

و البعيد مستثنى بدليل منفصل.

و يخرج بقيد الذكورة المرأة و الخنثى، و بقيد الحرية القن و المدبر و المكاتب مطلقا و إن أدّى بعض ما عليه لأن المبعض ليس بحر.

و يمكن المناقشة في السقوط عن الخنثى و المبعض لانتفاء ما يدل على اشتراط الحرية و الذكورة، و إنما الموجود في الأخبار استثناء المرأة و العبد ممن يجب عليه الجمعة، و المبعض لا يصدق عليه أنه عبد، و كذا الخنثى لا يصدق عليها أنها امرأة.

و من ثم ذهب الشيخ في المبسوط إلى الوجوب على المبعض إذا هاياه المولى فاتفقت الجمعة في نوبته (1). و هو حسن.

و أما اعتبار الحضر- و المراد منه ما قابل السفر الشرعي، فيدخل فيه المقيم و كثير السفر و العاصي به و ناوي إقامة العشرة- فمجمع عليه بين العلماء أيضا، حكاه في التذكرة (2). و يدل عليه ما ورد في الروايات الكثيرة من استثناء المسافر ممن يجب عليه الجمعة (3)، و المتبادر منه أنه المسافر سفرا يوجب القصر. أما من لا يتحتم عليه ذلك- كالحاصل في أحد المواضع الأربعة- فالأظهر عدم وجوب الجمعة عليه، للعموم، و إن جاز له الإتمام بدليل من خارج. و جزم العلامة في التذكرة بالوجوب (4)، و قيل بالتخيير بين الفعل و الترك، و به قطع في الدروس (5).

قوله: (و السلامة من العمى و المرض).

(1) إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في العمى و المرض بين

____________

(1) المبسوط 1: 145.

(2) التذكرة 1: 153.

(3) الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1.

(4) التذكرة 1: 154.

(5) الدروس: 43.

50

و العرج. (1) و أن لا يكون همّا (2)

____________

ما يشق معهما الحضور و غيره، و بهذا التعميم صرح في التذكرة (1).

و اعتبر الشارح(قدّس سرّه) فيهما تعذر الحضور أو المشقة التي لا يتحمل مثلها عادة، أو خوف زيادة المرض (2). و هو تقييد للنص من غير دليل.

قوله: (و العرج).

(1) هذا الشرط ذكره الشيخ في جملة من كتبه (3)، و لم يذكره المفيد و لا المرتضى. و النصوص خالية منه، لكن لو أريد به البالغ حد الإقعاد كما ذكره المصنف في المعتبر (4) اتجه اعتباره، لأن من هذا شأنه أعذر من المريض، و لأنه غير متمكن من السعي فلا يكون مخاطبا به.

قوله: (و أن لا يكون هما).

(2) الهم- بكسر الهاء-: الشيخ الفاني، و المستفاد من النص سقوطها عن الكبير، و الظاهر أن المراد منه من يشق عليه السعي إلى الجمعة بواسطة الكبر.

و من الشرائط أيضا ارتفاع المطر، و قال في التذكرة: إنه لا خلاف فيه بين العلماء (5)، و تدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «لا بأس بأن تترك الجمعة في المطر» (6).

و ألحق العلامة (7) و من تأخر عنه (8) بالمطر: الوحل، و الحر و البرد

____________

(1) التذكرة 1: 153.

(2) المسالك 1: 34.

(3) النهاية: 103، و المبسوط 1: 143، و الاقتصاد: 268.

(4) المعتبر 2: 290.

(5) التذكرة 1: 153.

(6) الفقيه 1: 267- 1221، التهذيب 3: 241- 645، الوسائل 5: 37 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 23 ح 1.

(7) التذكرة 1: 153، و نهاية الأحكام 2: 43.

(8) منهم الأردبيلي في مجمع الفائدة 2: 344.

51

و لا بينه و بين الجمعة أزيد من فرسخين. (1)

____________

الشديدين إذا خاف الضرر معهما. و لا بأس به تفصيا من لزوم الحرج المنفي و ألحق به الشارح أيضا خائف احتراق الخبز أو فساد الطعام و نحوهم (1).

و ينبغي تقييده بالمضر فوته.

قوله: (و لا بينه و بين الجمعة أزيد من فرسخين).

(1) اختلف الأصحاب في تحديد البعد المقتضي لعدم وجوب السعي إلى الجمعة، فقيل حده أن يكون أزيد من فرسخين، و هو اختيار الشيخ في المبسوط و الخلاف (2)، و المرتضى (3)، و ابن إدريس (4). و مستنده حسنة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين، فإذا زاد على ذلك فليس عليه شيء» (5).

و قيل فرسخان، فيجب على من نقص عنهما دون من بعد بهما، و هو اختيار ابن بابويه (6)، و ابن حمزة (7). و يدل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «و وضعها عن تسعة» إلى قوله: «و من كان منها على رأس فرسخين» (8).

و قال ابن أبي عقيل: يجب على كل من إذا غدا من منزله بعد ما صلى الغداة أدرك الجمعة (9).

____________

(1) المسالك 1: 35.

(2) المبسوط 1: 143، و الخلاف 1: 233.

(3) جمل العلم و العمل: 71.

(4) السرائر: 63.

(5) الكافي 3: 419- 3، التهذيب 3: 240- 641، الإستبصار 1: 421- 1619، الوسائل 5: 12 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 4 ح 6.

(6) الهداية: 34.

(7) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 675.

(8) الكافي 3: 419- 6، الفقيه 1: 266- 1217، التهذيب 3: 21- 77، الوسائل 5:

2 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1 ح 1.

(9) نقله عنه في مختلف: 106.

52

و كل هؤلاء إذا تكلّفوا الحضور وجبت عليهم الجمعة و انعقدت بهم، سوى من خرج عن التكليف و المرأة، و في العبد تردد. (1)

____________

و قال ابن الجنيد بوجوب السعي إليها على من سمع النداء بها إذا كان يصل إلى منزله إذا راح منها قبل خروج نهار يومه (1).

و لعل مستندهما صحيحة زرارة قال، قال أبو جعفر (عليه السلام):

«الجمعة واجبة على من إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة، و كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إنما يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله رجعوا إلى رحالهم قبل الليل، و ذلك سنة إلى يوم القيامة» (2).

و أجاب عنها في الذكرى بالحمل على الفرسخين (3)، و هو بعيد. و الأولى حملها على الاستحباب كما ذكره الشيخ في كتابي الحديث (4).

و يبقى التعارض بين الروايتين الأولتين، و يمكن حمل الأولى على الاستحباب أيضا، أو حمل الثانية على أن المراد بمن كان على رأس فرسخين أن يكون أزيد منهما و لو بيسير، لكن لا يخفى أن هذا الخلاف قليل الجدوى، لأن الحصول على رأس الفرسخين من غير زيادة و لا نقصان نادر جدا.

قوله: (و كل هؤلاء إذا تكلفوا الحضور وجبت عليهم الجمعة و انعقدت بهم، سوى من خرج عن التكليف و المرأة، و في العبد تردد).

(1) المشار إليه بقوله: «و كل هؤلاء» من دلت عليهم القيود المذكورة في العبارة، و يندرج فيها المسافر و الأعمى و المريض و الأعرج و الهمّ و البعيد.

و الكلام في هذه المسألة يقع في مواضع:

____________

(1) نقله عنه في المختلف: 106.

(2) التهذيب 3: 238- 631، الإستبصار 1: 421- 1621، الوسائل 5: 11 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 4 ح 1.

(3) الذكرى: 234.

(4) التهذيب 3: 240، و الاستبصار 1: 421.

53

..........

____________

الأول: إن من لا يلزمه الجمعة إذا حضرها جاز له فعلها تبعا و أجزأته عن الظهر، و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، بل قال في المنتهى:

لا خلاف في أن العبد و المسافر إذا صليا الجمعة أجزأتهما عن الظهر، و حكى نحو ذلك في البعيد (1). و قال في التذكرة: لو حضر المريض و المحبوس بعذر المطر أو الخوف وجبت عليهم و انعقدت بهم إجماعا (2). و قال في النهاية: من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها و صلاها انعقدت جمعته و أجزأته، لأنها أكمل في المعنى و ان كانت أقصر في الصورة، فإذا أجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم، فلأن تجزي أصحاب العذر أولى (3).

و يمكن المناقشة في هذه الأولوية، أما أولا، فلعدم ظهور علة الحكم في الأصل التي هي مناط هذا الاستدلال.

و أما ثانيا، فللأخبار المستفيضة المتضمنة لسقوط الجمعة عن التسعة أو الخمسة (4)، فلا يكون الآتي بها من هذه الأصناف آتيا بما هو فرضه. إلا أن يقال: إن الساقط عنهم: السعي إليها خاصة، فإذا أتوا به توجه إليهم الخطاب بفعلها، بدليل أن من جملة التسعة من كان على رأس فرسخين، و لا خلاف في وجوب الجمعة عليه مع الحضور (و يشهد له ما رواه الشيخ عن) [5] حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، قال: «إن اللّٰه عزّ و جلّ فرض الجمعة على جميع المؤمنين و المؤمنات، و رخص للمرأة و المسافر و العبد أن لا يأتوها، فلما حضروها سقطت الرخصة و لزمهم الفرض الأول، فمن أجل ذلك أجزأ عنهم»

____________

[5] بدل ما بين القوسين في «س»، «م»: و بما ذكرناه صرح المفيد في المقنعة فقال: و هؤلاء الذين وضع اللّٰه عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها و أن يصلوها كغيرهم و يلزمهم استماع الخطبة و الصلاة ركعتين، و متى لم يحضروها لم تجب عليهم و كان عليهم الصلاة أربع ركعات كفرضهم في سائر الأيام، و استدل عليه الشيخ في التهذيب بما رواه.

____________

(1) المنتهى 1: 223، 322.

(2) التذكرة 1: 147.

(3) نهاية الإحكام 2: 45.

(4) الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1.

54

..........

____________

فقلت: عمن هذا؟ فقال: عن مولانا أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1).

و في الصحيح عن أبي همام، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال: «إذا صلت المرأة في المسجد مع الإمام يوم الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها، و إن صلت في المسجد أربعا نقصت صلاتها، لتصل في بيتها أربعا أفضل» (2) وجه الاستدلال أن نقص الصلاة بالصاد المهملة يقتضي أجزائها في الجملة و إن كانت أقل ثوابا بالنسبة إلى غيرها [3].

و المسألة قوية الإشكال، نظرا إلى هاتين الروايتين، و إطلاق السقوط في الأخبار الصحيحة المستفيضة (4) المقتضي لعدم التكليف بها، فلا يخرج المكلف من العهدة بفعلها. و لا ريب أن الاحتياط يقتضي صلاة الظهر ممن لا يجب عليه السعي إلى الجمعة (سوى البعيد) (5)، و اللّٰه أعلم.

الثاني: المشهور بين الأصحاب أن من لا يجب عليه السعي إلى الجمعة يجب عليه الصلاة مع الحضور، و ممن صرح بذلك المفيد في المقنعة فقال:

و هؤلاء الذين وضع اللّٰه عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها، و أن يصلوها كغيرهم، و يلزمهم استماع الخطبة و الصلاة ركعتين، و متى لم يحضروها لم تجب عليهم و كان عليهم الصلاة أربع ركعات كفرضهم في سائر الأيام (6).

و مقتضى كلامه- رحمه اللّٰه- وجوبها على الجميع مع الحضور من غير استثناء.

و نحوه قال الشيخ في النهاية (7).

و قال في المبسوط: أقسام الناس في الجمعة خمسة: من تجب عليه و تنعقد

____________

[3] في «ح» زيادة: نعم لو كانت بالضاد المعجمة انتفت دلالتها على الإجزاء بل دلت على نقيضه.

____________

(1) التهذيب 3: 21- 78، الوسائل 5: 34 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 18 ح 1.

(2) التهذيب 3: 241- 644، الوسائل 5: 37 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 22 ح 1.

(4) الوسائل 5: 2 أبواب صلاة الجمعة و آدابها ب 1.

(5) بدل ما بين القوسين في «س»، «ح»: و عدم الحضور.

(6) نقله عنه في التهذيب 3: 21.

(7) النهاية: 103.