مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج7

- الشهيد الثاني المزيد...
478 /
5

الجزء السابع

[تتمة القسم الثاني في العقود]

[كتاب النكاح]

كتاب النكاح (1)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب النكاح و أقسامه ثلاثة:

[القسم الأول في النكاح الدائم]

القسم الأول في النكاح الدائم

____________

(1) كتاب النكاح اعلم أنّ النكاح يستعمل- لغة- في الوطي كثيرا، و في العقد بقلّة. قال الجوهري: «النكاح: الوطي، و قد يقال: العقد». (1) و- شرعا- بالعكس، يستعمل بالمعنيين إلّا أنّ استعماله في العقد أكثر، بل قيل: إنّه لم يرد في القرآن بمعنى الوطي إلا في قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (2) لاشتراط الوطي في المحلّل. و فيه نظر، لجواز إرادة العقد، و استفادة الوطي من السنّة. ثمَّ لا يمكن دلالته على إرادة الوطي، لاحتمال الاشتراك، أو كونه مجازا في الوطي، و المجاز يفتقر في الحمل عليه إلى القرينة، و هي منتفية هنا، و مجرّد اشتراط الوطي في المحلّل شرعا لا يكفي في القرينة هنا.

و قد اختلف الفقهاء في كونه مشتركا بين المعنيين، نظرا إلى استعماله فيهما و الأصل في الاستعمال الحقيقة، أم هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، التفاتا إلى أنّ المجاز خير من الاشتراك عند التعارض. ثمَّ اختلفوا في أنّ أيّ المعنيين الحقيقيّ؟

فقيل: الوطي، لثبوته لغة بكثرة، فحقيقته لغة لا إشكال فيها فيستصحب، لأصالة عدم النقل. و قيل: العقد، لكثرة الاستعمال فيه فيكون جانب الحقيقة فيه راجحا (3) حيث يضطرّ إلى جعل أحدهما مجازا. و هذا هو الأجود.

____________

(1) الصحاح 1: 413. و فيه: و قد يكون العقد.

(2) البقرة: 230.

(3) في «و» و إحدى الحجريتين: أرجح.

8

..........

____________

و قد جاء صالحا للأمرين معا في قوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (1) فإنّ النهي يتعلّق بالموطوءة و بالمعقود عليها من الأب، و حيث كان الاشتراك مرجوحا بالنسبة إلى المجاز أمكن حمله هنا على حقيقته و مجازه، فإنّه و إن كان على خلاف الأصل و يحتاج إلى قرينة فكذلك استعماله فيهما بطريق الحقيقة على المختار عند الأصوليّين. و لو حمل على معناه الحقيقي خاصّة و استفيد المعنى الآخر من خارج كان أقعد.

____________

(1) النساء: 22.

9

[و النظر فيه يستدعي فصولا]

و النظر فيه يستدعي فصولا:

[الأول في آداب العقد و الخلوة و لو أحقهما]

الأول في آداب العقد و الخلوة و لو أحقهما

[الأوّل: في آداب العقد]

الأوّل: في آداب العقد فالنكاح مستحبّ لمن تاقت نفسه من الرجال و النساء. (1) و من لم تتق، فيه خلاف، المشهور استحبابه، لقوله (عليه السلام) (1): «تناكحوا تناسلوا»، و لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «شرار موتاكم العزّاب»، و لقوله (عليه السلام): «ما استفاد امرؤ فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة، تسرّه إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها، في نفسها و ماله».

و ربما احتجّ المانع بأنّ وصف يحيى (عليه السلام) بكونه حصورا يؤذن باختصاص هذا الوصف بالرجحان، فيحمل على ما إذا لم تتق النفس.

و يمكن الجواب بأنّ المدح بذلك في شرع غيرنا لا يلزم منه وجوده في شرعنا.

____________

قوله: «النكاح مستحب لمن تاقت نفسه من الرجال و النساء. إلخ».

(1) اعلم أنّ النكاح مستحبّ مؤكّد لمن تاقت نفسه إليه، أي: اشتاقت، بإجماع المسلمين إلّا من شذّ منهم حيث ذهب إلى وجوبه (2)، و الآيات (3) الدالّة على

____________

(1) كذا في الشرائع. و الظاهر أن الحديث نبويّ. و في متن نسخ المسالك الخطية: (صلى اللّه عليه و آله).

(2) راجع حلية العلماء 6: 318.

(3) النساء: 3، 25 و النور: 32.

10

..........

____________

الأمر به في الجملة و الأخبار (1) الواردة فيه كثيرة. و أمّا من لم تتق نفسه إليه فهل هو مستحبّ في حقّه أم لا؟ المشهور استحبابه أيضا، لعموم الأوامر الدالة عليه التي أقلّ مراتبها الحمل على الاستحباب المؤكّد، كقوله تعالى وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ (2)، و قوله تعالى فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ (3)، و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (4) و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «من تزوّج أحرز نصف دينه، فليتّق اللّه في النصف الآخر» (5)، و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتي ألا و هي النكاح» (6). إلى غير ذلك من الأحاديث المتناولة بعمومها لموضع النزاع. و لأنّ في النكاح تكثير النسل، و بقاء النوع، و دفع وسوسة الشيطان، و الخلاص من الوحدة المنهيّ عنها، و الاستعانة بالزوجة على أمور الدين، و ربما أثمر الولد الصالح. و لا فرق في ذلك بين من تاقت نفسه إليه و غيره، و لا بين الرجل و المرأة، و لا بين القادر على أهبه النكاح و غيره.

و قال الشيخ في المبسوط: إنّ من لا يشتهي النكاح يستحبّ له أن لا يتزوّج، مستدلّا بقوله تعالى عن يحيى (عليه السلام) وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً (7) مدحه على

____________

(1) لاحظ الوسائل 14: 2 ب «1» من أبواب مقدمات النكاح.

(2) النور: 32.

(3) النساء: 3.

(4) جامع الأخبار: 101، البحار: 103: 220 ح 23.

(5) هذه الرواية لم ترد في النسخ الخطيّة، و وردت في إحدى الحجريّتين. لاحظ الكافي 5: 328 ح 2 و الوسائل 14: 5 ب «1» من أبواب مقدمات النكاح و آدابه ح 12.

(6) نوادر الراوندي: 35 و البحار 103: 222 ح 36.

(7) آل عمران: 39.

11

..........

____________

كونه حصورا، و هو الذي لا يشتهي النساء، و قيل: الذي يمكنه أن يأتي و لا يفعله. (1)

و استدلّ له أيضا: بأنّ في النكاح تعريضا لتحمّل حقوق الزوجيّة، و الاشتغال عن كثير من المقاصد الدينيّة، و حصول الولد الصالح و الزوجة الصالحة غير معلوم، و بالذمّ المتبادر من قوله تعالى زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ (2) خرج منه ما أجمع على رجحانه فيبقى الباقي [على الذمّ] (3).

و أجيب: بأنّ مدح يحيى (عليه السلام) بذلك لعلّه مختصّ بشرعه، فلا يلزم مثله في شرعنا.

و فيه نظر، لأنّ المدح في كتابنا- و هو شرعنا- مطلق، فلا دلالة على اختصاصه بشرعه. و على تقدير نقله عن شرعه ففي تعدّيه إلى شرعنا مع نقل القرآن له و عدم الإشارة إلى نسخه دليل على ثبوته. و كون شرعنا ناسخا لما قبله من الشرائع يفيد نسخ المجموع من حيث هو مجموع أمّا الأفراد فلا، للقطع ببقاء كثير منها في شرعنا، كأكل الطيّبات و نكاح الحلائل و غير ذلك.

و أجيب أيضا: بأنّه كان مكلّفا بإرشاد أهل زمانه في بلادهم المقتضي للسياحة و مفارقة الزوجة، المنافي لرجحان التزويج. و فيه نظر، لأنّ مثله وارد في شرعنا، و لا يقولون باستحباب ترك التزويج لذلك.

و الأولى في الجواب أن يقال: إنّ مدحه بكونه حصورا- و هو أن لا يشتهي النساء- لا يدلّ على كون التزويج مع ذلك مرجوحا، بل فائدته أنّه إذا لم يشته النساء يتفرّغ للعبادة و التوجّه إلى اللّه تعالى بقلب فارغ من الشهوة الطبيعيّة المانعة من ذلك غالبا، و إن كان التزويج مع ذلك راجحا، لأنّ

____________

(1) المبسوط 4: 160.

(2) آل عمران: 14.

(3) من إحدى الحجريتين.

12

..........

____________

فائدته غير منحصرة في الوطي بالشهوة، خصوصا و قد كانت الرهبانيّة في شرعهم و الانقطاع في بيت المقدس و غيره للعبادة من أهمّ عباداتهم و هو مناف للشهوة إلى النساء، و إن كان الجمع مع ذلك بينه و بين التزويج ممكنا لغير ذلك من الأغراض المترتّبة عليه من الإعانة على الطاعة و ضرورات المعيشة و غير ذلك. و حيث دلّ الوصف على رجحانه في نفسه، و لم يدلّ على مرجوحيّة التزويج، فتبقى عمومات الأدلّة متناولة لموضع النزاع من غير معارض.

و أمّا الاحتجاج باقتضائه تحمّل الحقوق، و الاشتغال عن كثير من المطالب الدينيّة، ففيه: أنّ هذه الأمور أيضا من جملة المطالب الدينيّة، و بالاشتغال بها يزيد الأجر، لكونه من مقدّمات الطاعة و لوازمها. و عدم معلوميّة صلاح الولد لا يقدح، لأنّ كونه مظنّة لحصوله كاف في رجحانه، مع أنّ مطلق الولد المسلم و من في حكمه مرجّح في نفسه، كما نبّه عليه النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بقوله:

«تناكحوا تناسلوا، فإنّي مباه بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط» (1) خصوصا و أكثر الأولاد يموتون قبل التكليف، و لو لا ذلك لامتلأت الأرض من الخلق، و من مات كذلك فهو نافع لنفسه و لأبويه بالشفاعة، و تكثير الأولاد، و الأنس بهم، و التلذّذ بصحبتهم في الجنّة، و ذلك من أهمّ المطالب. و أمّا الذمّ الواقع في الآية (2) بحبّ الشهوات من النساء و البنين فظاهر أنّه مختصّ بمحبّة ذلك للشهوة البهيميّة دون إرادة الطاعة و امتثال الأمر و كسر الشهوة و اكتساب الولد الصالح و غير ذلك من الفوائد الدينيّة، فلا ينافي المدّعى.

إذا تقرّر ذلك: فعلى القول بأفضليّته لمن لم تتق نفسه هل هو أفضل

____________

(1) جامع الأخبار: 101 و البحار 103: 220.

(2) آل عمران: 14.

13

..........

____________

من التخلّي للعبادة، أم هي أفضل منه؟ فيه قولان أصحّهما الأوّل، لعموم قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما استفاد امرؤ فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها في نفسها و ماله» (1). و قوله الصادق (عليه السلام): «ركعتان يصلّيهما متزوّج أفضل من سبعين ركعة يصلّيها أعزب» (2). و في حديث آخر عنه (عليه السلام): «ما أحبّ أنّ لي الدنيا و ما فيها و أنّي بتّ ليلة ليست لي زوجة. ثمَّ قال: الركعتان يصلّيهما رجل متزوّج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله و يصوم نهاره» (3). و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «شرار موتاكم العزّاب» (4) فإنّه جمع معرّف يفيد العموم و يتناول محلّ النزاع. و أمّا الأوامر الدالّة على رجحان التزويج في الجملة- ممّا سلف و غيرها- فلا دلالة لها على كونه أفضل من العبادة بل على كونه راجحا في نفسه، و هو حجّة على من يجعله مرجوحا على بعض الوجوه، و أما كون عبادة أفضل من أخرى فيحتاج إلى دليل خاصّ، و ما ذكرناه هنا دالّ عليه.

إن قيل: لا يلزم من أفضليّة الزوجة الموصوفة بهذه الصفات الأربع أفضليّة الزوجة مطلقا، و ليس النزاع إلّا فيه. و المتزوّج وقع في الخبر الآخر نكرة في مقام الإثبات، فلا يفيد العموم. و العزوبيّة تندفع بالتسرّي كما تندفع بالتزويج، لقول

____________

(1) الكافي 5: 327 ح 1، الفقيه 3: 246 ح 1168، التهذيب 7: 240 ح 1047 و الوسائل 14: 23 ب «9» من أبواب مقدمات النكاح ح 10.

(2) الفقيه 3: 242 ح 1146. راجع أيضا الكافي 5: 328 ح 1، التهذيب 7: 239 ح 1044 و الوسائل 14:

6 ب «2» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1. و في ما عدا الفقيه: المتزوّج. و سيأتي الفرق بينهما في عبارة الشارح.

(3) الكافي 5: 329 ح 6، التهذيب 7: 239 ح 1046 و الوسائل الباب المتقدم ح 4.

(4) عوالي اللئالي 2: 125 ح 344، 3: 283 ح 14، و بلفظ آخر في الوسائل 14: 7، الباب المتقدم ح 3.

14

..........

____________

الكاظم (عليه السلام) لرجل: «أ ليس لك جوار؟ فقال: بلى، فقال: إنّك لست بأعزب» (1). و حينئذ فلا يلزم من موت الإنسان غير متزوّج أن يموت من الأشرار.

قلنا: إذا ثبتت أفضليّة التزويج على بعض الوجوه لكلّ واحد من الناس ثبت ضعف القول بأرجحيّة العبادة على التزويج لبعض الآحاد، و به يحصل المطلوب.

و أيضا فالقول بأفضليّة التزويج لمن قدر على الزوجة الموصوفة دون غيره إحداث قول ثالث. و أمّا المتزوّج الواقع في الخبر الآخر نكرة فعموميّته من حيث الوصف المشعر بالعلّية، و لو لا إفادته العموم لذلك أو لغيره لما كان له فائدة، لأنّ إفادة كون متزوّج في الجملة أفضل من عزب في الجملة لا طائل تحته، و قد نصّ الأصوليّون على أنّ النكرة المثبتة في معرض الامتنان تفيد العموم لهذه العلّة. و أما اندفاع الشرّ بالتسرّي فلا ينافي أفضليّة التزويج، لأن العزوبة التي توجب كونه من الأشرار تندفع بأحد الأمرين، ففي كلّ منهما خير يدفع ذلك الشرّ المتحقّق من موته عزبا، سواء كان متعبّدا أم لا. و لو جعل النكاح حقيقة في الوطي أو مشتركا كان التسرّي أحد أفراده و بقي المطلوب بحاله. و احتجّ من ذهب إلى أفضليّة التخلّي للعبادة لهذا الفرد بما يتضمّن التزويج من القواطع و الشواغل و تحمّل الحقوق. و قد عرفت أنّ ذلك يوجب زيادة الأجر، فلا يقدح في الأفضليّة.

و اعلم أنّ النكاح إنّما يوصف بالاستحباب مع قطع النظر عن العوارض اللاحقة، و إلا فهو بواسطتها ينقسم إلى الأحكام الخمسة. فيجب عند خوف الوقوع في الزنا بدونه، و لو أمكن دفعه بالتسرّي فهو واجب تخييرا. و يحرم إذا أفضى إلى الإخلال بواجب كالحجّ، و مع الزيادة على الأربع. و يكره عند

____________

(1) الكافي 5: 329 ح 7، التهذيب 7: 239 ح 1048 و الوسائل الباب المتقدم ح 6.

15

..........

____________

عدم التوقان و الطّول على قول، و الزيادة على الواحدة عند الشيخ (1). و قد يكره بالنظر إلى بعض الزوجات كنكاح القابلة المربّية، و من ولدت من الزنا.

لكن هذا الحكم من جهة المنكوحة لا من جهة النكاح، و لو اعتبرناها جاء التقسيم إلى الخمسة أيضا بوجه آخر غير السابق. فالمكروه منها: ما ذكر، و كنكاح العقيم، و المحلّل، و الخطبة على خطبة المجاب. و الحرام عينا و جمعا، و هو كثير، و سيأتي. و المستحبّ كنكاح القريبة على قول، للجمع بين الصلة و فضيلة النكاح، و اختاره الشهيد في قواعده (2)، و البعيدة على آخر، لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم):

«لا تنكحوا القرابة القريبة، فإنّ الولد يخرج ضاويا» (3) أي نحيفا، و اختاره العلامة في التذكرة (4). قالوا: و السرّ فيه نقصان الشهوة بسبب القرابة. و يمكن فرض الواجب فيما لو علم وقوع الزنا من أجنبيّة، و أنه لو تزوّجها منعها منه و لا ضرر فيجب كفاية، و قد يتعيّن عند عدم قيام غيره به. و المباح ما عدا ذلك. و أمّا إباحته بالمعنى الأول فلا يتّفق على القول المشهور إلّا للغافل عن القصد الراجح، و الكلام في الأقسام الخمسة للقاصد. و يمكن فرضه عند الشيخ لمن لم تتق نفسه، فإنه في المبسوط (5) اقتصر فيه على نفي الاستحباب، و ظاهره بقاء الإباحة، إذ لا قائل بالكراهة حينئذ. و ابن حمزة (6) فرض الإباحة أيضا لمن يشتهي النكاح و لا يقدر عليه أو بالعكس، و جعله مستحبّا لمن جمع الوصفين، و مكروها لمن فقدهما.

____________

(1) المبسوط 6: 4. و فيه استحباب الاقتصار على الواحدة.

(2) القواعد و الفوائد 1: 381.

(3) إحياء العلوم للغزالي 2: 41.

(4) التذكرة 2: 569.

(5) المبسوط 4: 160. و فيه استحباب عدم التزويج.

(6) الوسيلة: 289.

16

و يستحبّ لمن أراد العقد سبعة أشياء، و يكره له ثامن.

فالمستحبّات: أن يتخيّر من النساء (1) من تجمع صفات أربعا: كرم الأصل، و كونها بكرا، ولودا، عفيفة.

____________

قوله: «فالمستحبّات: أن يتخيّر من النساء. إلخ».

(1) المراد بكريمة الأصل: أن لا يكون أصلها من زنا، و لا في آبائها و أمّهاتها من هو كذلك. قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «تخيّروا لنطفكم، و لا تضعوها في غير الأكفاء» [1]. و قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «إيّاكم و خضراء الدّمن، قيل: يا رسول اللّٰه و ما خضراء الدّمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السّوء» (2). و يحتمل أن يريد بكرم الأصل الإسلام أو الايمان أو ما هو أخصّ منهما، و لكن فعل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السلام) في مناكحهم يرشد إلى الأول، لأنهم لم ينظروا إلى إسلام الآباء فضلا عن غيره.

و يدلّ على اختيار البكر قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «تزوّجوا الأبكار فإنهن أطيب شيء أفواها، و أدرّ شيء أخلافا، و أحسن شيء أخلاقا، و أفتح شيء أرحاما» (3). و قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لجابر، و قد أخبره بأنه تزوّج ثيّبا:

«فهلّا بكرا تلاعبها و تلاعبك» (4) و لأنّ البكر أحرى بالمؤالفة و المشي على عادة الرجل.

____________

[1] لم نعثر عليه بهذا النص. راجع الكامل لابن عدي 2: 614 و تاريخ بغداد 1: 264. و هناك ما يقرب منه أيضا في سنن ابن ماجه 1: 633 ح 1968. و كذا في الكافي 5: 332 ح 2 و الوسائل 14: 29 ب «13» من أبواب مقدمات النكاح، ح 3.

____________

(2) الكافي 5: 332 ح 4، الفقيه 3: 248 ح 1177، التهذيب 7: 403 ح 1608 و الوسائل 14: 29 ب «13» من أبواب مقدمات النكاح، ح 4 و كذا في 19 ب «7» منها ح 7.

(3) الكافي 5: 334 ح 1، التوحيد: 395، الباب 61 ح 10، التهذيب 7: 400 ح 1598 و الوسائل 14:

34 ب «17» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1 و 2.

(4) راجع كنز العمال 16: 499 ح 45632، 45633، 45634.

17

و لا يقتصر على الجمال و لا على الثروة، فربما حرمهما. (1)

____________

و المراد بالولود: ما من شأنها ذلك بأن لا تكون صغيرة و لا آيسة و لا في مزاجها ما يدلّ على عقمها كعدم الحيض. و بهذا يجمع بين الولود و البكر. و بالعفيفة:

غير الزانية أو ما هو أخصّ منها كالمتبرّجة. قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «ألا أخبركم بخير نسائكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه فأخبرنا، قال: إنّ من خير نسائكم الولود، الودود، الستيرة، العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرّجة مع زوجها، الحصان مع غيره، التي تسمع قوله، و تطيع أمره، و إذا خلا بها بذلت له ما أراد منها، و لم تبذل له تبذّل الرجل» (1). و قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «انكحوا الولود الودود». (2) و قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «الحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد» (3).

قوله: «و لا يقتصر على الجمال و الثروة، فربما حرمهما».

(1) أشار بذلك إلى ما روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «من تزوّج امرأة لما لها و كله اللّه إليه، و من تزوّجها لجمالها رأى فيها ما يكره، و من تزوّجها لدينها جمع اللّه له ذلك» (4)، و روى هشام بن الحكم في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: إذا تزوّج الرجل امرأة لجمالها أو مالها و كل إلى ذلك، و إن تزوّجها لدينها رزقه اللّه الجمال و المال». (5)

____________

(1) الفقيه 3: 246 ح 1167، التهذيب 7: 400 ح 1597 و كذا الكافي 5: 324 ح 1 و الوسائل 14: 14 ب «6» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.

(2) نوادر الراوندي: 13، البحار 103: 237 ح 33.

(3) الفقيه 3: 358 ح 1712، الأمالي للصدوق: 454 ح 1، علل الشرائع: 514، الباب (289) ح 5 و الوسائل 14: 186 ب «148» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(4) التهذيب 7: 399 ح 1596 و الوسائل 14: 31 ب «14» من أبواب مقدمات النكاح، ح 5.

(5) الكافي 5: 333 ح 3، الفقيه 3: 248 ح 1180، التهذيب 7: 403 ح 1609 و الوسائل 14: 30 ب «14» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

18

و صلاة ركعتين، و الدعاء بعدهما (1) بما صورته: (اللّهم إني أريد أن أتزوّج، فقدّر لي من النساء أعفّهنّ فرجا، و أحفظهنّ لي في نفسها و مالي، و أوسعهنّ رزقا، و أعظمهنّ بركة) و غير ذلك من الدعاء.

و الإشهاد و الإعلان. (2)

____________

قوله: «و صلاة ركعتين و الدعاء بعدهما».

(1) وقت هذه الصلاة بعد إرادة التزويج و قبل تعين امرأة مخصوصة أو قبل العقد بقرينة قوله في الدعاء: «فقدّر لي من النساء إلخ». قال الصادق (عليه السلام): «إذا همّ أحدكم بذلك- يعني التزويج- فليصلّ ركعتين و يحمد اللّه و يقول: اللهم إني أريد أن أتزوّج فقدّر لي من النساء أعفّهنّ فرجا، و أحفظهنّ لي في نفسها و في مالي، و أوسعهنّ رزقا، و أعظمهنّ بركة، و قدّر لي منها ولدا طيّبا تجعله خلفا صالحا في حياتي و بعد موتي». (1)

قوله: «و الإشهاد و الإعلان».

(2) المشهور بين أصحابنا أنّ الإشهاد في نكاح الغبطة سنّة مؤكّدة و ليس بشرط في صحّة العقد، و هو مذهب جماعة من علماء العامّة (2)، لأصالة عدم الوجوب و الاشتراط، و عدم دليل صالح عليه، و لقول الباقر و الصادق (عليهما السلام): «لا بأس بالتزويج بغير شهود فيما بينه و بين اللّه تعالى، و إنما جعل الشهود في تزويج البتّة من أجل الولد و من أجل المواريث» (3).

____________

(1) الكافي 5: 501 ح 3، الفقيه 3: 249 ح 1187، التهذيب 7: 407 ح 1627 و الوسائل 14: 79 ب «53» من أبواب مقدمات النكاح.

(2) راجع المغني لابن قدامة 7: 339، المهذّب ضمن المجموع 16: 198.

(3) هذا المضمون ورد في عدة روايات. راجع الوسائل 14: 67 ب «43» من أبواب مقدمات النكاح.

19

و الخطبة أمام العقد. (1)

____________

و ذهب ابن أبي عقيل (1) منّا و جماعة من العامّة (2) إلى اشتراطه فيه، فلا ينعقد بدونه، لما رووه (3) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بطرق متعدّدة تدلّ على نفي النكاح بدون الشاهدين، و قد اعتبرها جهابذة النقّاد من أهل الحديث فوجدوها بأسرها ضعيفة السند، و ليس هذا محلّ تحقيق الحال. و من طرقنا روى المهلّب الدلّال عن أبي الحسن (عليه السلام) مكاتبة: «التزويج الدائم لا يكون إلّا بوليّ و شاهدين» (4). و فيها ضعف السند أيضا. و بالجملة: فليس في الباب حديث صحيح من الجانبين، فالاعتماد على الأصل حيث لا معارض.

و اعلم: أنّ الإعلان غير الإشهاد و أبلغ منه فلذا جمع بينهما، و ليس بواجب إجماعا و إنما حكمته حكمة الإشهاد، و قد ذكرت في النصوص السابقة. و يدلّ عليه بخصوصه ما روي (5) أنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يكره نكاح السرّ حتى يضرب بدفّ و يقال:

أتيناكم أتيناكم * * * فحيّونا نحيّيكم

قوله: «و الخطبة أمام العقد».

(1) بضمّ الخاء، هي حمد اللّه تعالى قبل العقد، و أكملها إضافة الشهادتين، و الصلاة على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)، و الوصيّة بتقوى اللّه تعالى و الدعاء للزوجين، و إنّما استحبّت كذلك للتأسّي بالنبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السلام) بعده،

____________

(1) حكاه العلامة عنه في المختلف: 535.

(2) راجع المغني لابن قدامة 7: 339، روضة الطالبين 5: 391.

(3) السنن الكبرى للبيهقي 7: 125 و راجع أيضا الحاوي الكبير 9: 57.

(4) التهذيب 7: 255 ح 1101، الاستبصار 3: 146 ح 529 و الوسائل 14: 459 ب «11» من أبواب المتعة ح 11.

(5) راجع مجمع الزوائد للهيثمي 4: 288.

20

و إيقاعه ليلا. (1)

____________

و خطبهم منقولة (1) في ذلك مشهورة. و كذا يستحبّ خطبة أخرى أمام الخطبة- بكسر الخاء- من المرأة أو وليّها. و يستحبّ للوليّ أيضا الخطبة ثمَّ الجواب.

و يجزي في الجميع الاقتصار على حمد اللّه تعالى. و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«أنّ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) كان يتزوّج و هو يتعرّق عرقا يأكل فما يزيد على أن يقول: الحمد للّه و صلّى اللّه على محمد و آله، و استغفر (2) اللّه، و قد زوّجناك على شرط اللّه تعالى، ثمَّ قال عليّ بن الحسين (عليه السلام): إذا حمد اللّه فقد خطب» (3).

و لو ترك الخطبة صحّ العقد عند جميع العلماء إلا داود (4) الظاهري. و قد رووا (5) في قصّة سهل الساعدي أنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) زوّجه بغير خطبة، و روينا عن الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن التزويج بغير خطبة فقال: «أو ليس عامّة ما يتزوّج فتياننا و نحن نتعرّق الطعام على الخوان نقول: يا فلان زوّج فلانا فلانة، فيقول: نعم قد فعلت» (6)

قوله: «و إيقاعه ليلا».

(1) لقول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «أمسوا بالأملاك فإنّه أعظم

____________

(1) لا حظ المستدرك 14: 202 ب «33» من أبواب مقدمات النكاح.

(2) كذا في النسخ و أيضا في الكافي و التهذيب. و في الوسائل: و نستغفر اللّه، و هو أولى.

(3) الكافي 5: 368 ح 2، التهذيب 7: 408 ح 1630 و الوسائل 14: 66 ب «41» من أبواب مقدمات النكاح ح 2.

(4) راجع المغني لابن قدامة 7: 433.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 7: 144.

(6) الكافي 5: 368 ح 1، التهذيب 7: 408 ح 1629 و في 249 ح 1078: فتياتنا و الوسائل 14: 66 ب «41» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

21

و يكره إيقاعه و القمر في العقرب. (1)

____________

للبركة» (1) و قول الرضا (عليه السلام): «من السنّة التزويج بالليل، لأنّ اللّه عزّ و جل جعل الليل سكنا، و النساء إنما هنّ سكن» (2). و علّل بأنه أقرب إلى المقصود و أقلّ للانتظار حيث يكون الدخول ليلا، و النصّ أعمّ من ذلك.

قوله: «و يكره إيقاعه و القمر في العقرب».

(1) لما رواه الشيخ و ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام): «قال: من تزوّج و القمر في العقرب لم ير الحسنى» (3) و التزويج حقيقة في العقد. و المراد بالعقرب برجه لا المنازل الأربع المنسوبة إليه، و هي الزبانا و الإكليل و القلب و الشولة، و ذلك لأنّ القمر يحلّ في البروج الاثني عشر في كلّ شهر مرّة. و جملة المنازل التي هذه الأربع بعضها ثمانية و عشرون مقسومة على البروج الاثني عشر، فيخصّ كلّ برج منها منزلتان و ثلث، فللعقرب من هذه الأربع ما لغيره، و الذي بيّنه أهل هذا الشأن أنّ للعقرب من المنازل ثلثي الإكليل و القلب و ثلثي الشولة، و ذلك منزلتان و ثلث، و أمّا الزبانا و ثلث الإكليل فهو من برج الميزان، كما أنّ ثلث الشولة الأخير من برج القوس.

و إطلاق العقرب محمول على برجه لا على هذه المنازل الأربع، فلا كراهة في منزلة الزبانا مطلقا، و أما المنزلتان المشطّرتان فإن أمكن ضبطهما و إلا فينبغي اجتناب الفعل (4) و القمر بهما، حذرا من الوقوع فيما كره منهما.

____________

(1) راجع المغني لابن قدامة 7: 435 و لم نعثر عليه في مصادر الحديث.

(2) الكافي 5: 366 ح 1، التهذيب 7: 418 ح 1675 و الوسائل 14: 62 ب «37» من أبواب مقدمات النكاح ح 3.

(3) الفقيه 3: 250 ح 1188، التهذيب 7: 407 ح 1628 و 461 ح 1844 و الوسائل 14: 80 ب «54» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(4) في هامش «و»: العقد خ ل.

22

[الثاني: في آداب الخلوة بالمرأة]

الثاني: في آداب الخلوة بالمرأة. و هي قسمان:

[الأول: يستحبّ لمن أراد الدخول أن يصلّي ركعتين و يدعو بعدهما]

الأول: يستحبّ لمن أراد الدخول أن يصلّي ركعتين (1) و يدعو بعدهما.

و إذا أمر المرأة بالانتقال أن تصلّي أيضا ركعتين و تدعو، و أن يكونا على طهر، و أن يضع يده على ناصيتها إذا دخلت عليه، و يقول: (اللهم على كتابك تزوّجتها، و في أمانتك أخذتها، و بكلماتك استحللت فرجها، فان قضيت لي في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا، و لا تجعله شرك شيطان)، و أن يكون الدخول ليلا، و أن يسمّي عند الجماع و يسأل اللّه تعالى أن يرزقه ولدا ذكرا سويّا.

____________

قوله: «يستحب لمن أراد الدخول أن يصلّي ركعتين. إلخ».

(1) قد ذكر المصنف (رحمه الله) جملة من السنن المرويّة عند الدخول و هي ستّ:

الأولى: أن يصلّي ركعتين يقرأ في كلّ منهما الفاتحة و ما شاء من القرآن إن أحبّ الزيادة على الفاتحة، و يجهر فيهما على الأفضل، لأنّهما من السنن الليليّة أو ممّا لا نظير له، و يدعو بعدهما بالمنقول.

الثانية: أن تفعل المرأة مثل ذلك. روى أبو بصير قال: «سمعت رجلا يقول لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إنّي رجل قد أسننت و قد تزوّجت امرأة بكرا صغيرة و لم أدخل بها، و أنا أخاف إذا دخلت على فراشي أن تكرهني لخضابي و كبري، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا أدخلت عليك إن شاء اللّه فمرهم قبل أن تصل إليك أن تكون متوضّئة، ثمَّ لا تصل إليها أنت حتّى توضّأ و تصلّي ركعتين، ثمَّ مرهم يأمروها أن تصلّي أيضا ركعتين، ثمَّ تحمد اللّه تعالى و تصلّي على محمد و آله، ثمَّ ادع اللّٰه و مر من معها أن يؤمّنوا على دعائك، ثمَّ ادع اللّه و قل: اللهم ارزقني إلفها و ودّها و رضاها بي و أرضني بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و أنفس ائتلاف، فإنّك تحبّ الحلال و تكره الحرام. و اعلم أنّ الإلف من اللّه، و الفرك من الشيطان ليكره ما

23

..........

____________

أحلّ اللّه عزّ و جل» (1).

الثالثة: أن يكونا حال الدخول على طهر، و هو الظاهر من حال هذا الخبر.

الرابعة: أن يضع يده على ناصيتها- و هي [في] مقدّم رأسها ما بين النزعتين- و يدعو بالمنقول. روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا دخلت عليه فليضع يده على ناصيتها و يقول: اللهم على كتابك تزوّجتها، و في أمانتك أخذتها، و بكلماتك استحللت فرجها، فان قضيت لي في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا، و لا تجعله شرك شيطان، قلت: و كيف يكون شرك شيطان؟ قال: فقال لي: إنّ الرجل إذا دنا من المرأة و جلس مجلسه حضر الشيطان، فان هو ذكر اسم اللّه تنحّى الشيطان عنه، و إن فعل و لم يسمّ أدخل الشيطان ذكره فكان العمل منهما جميعا و النطفة واحدة» (2). و عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادما أو دابّة فليأخذ بناصيتها و ليقل: اللهم إني أسألك من خيرها و خير ما جبلتها عليه، و أعوذ بك من شرّها و شرّ ما جبلتها عليه» (3).

الخامسة: أن يكون الدخول ليلا و قد تقدّم (4) من الأخبار ما يدلّ عليه، و قال الصادق (عليه السلام): «زفّوا عرائسكم ليلا، و أطعموا ضحى» (5). و حكمته

____________

(1) الكافي 5: 500 ح 1، التهذيب 7: 409 ح 1636، الوسائل 14: 81 ب «55» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(2) الكافي 5: 501 ح 3، الفقيه 3: 249 ح 1187، التهذيب 7: 407 ح 1627 و الوسائل 14: 79 ب «53» من أبواب مقدمات النكاح.

(3) سنن ابن ماجه 1: 617 ح 1918.

(4) في ص: 18.

(5) الكافي 5: 366 ح 1، الفقيه 3: 254 ح 1203، التهذيب 7: 418 ح 1676 و الوسائل 14: 62 ب «37» من أبواب مقدمات النكاح ح 2.

24

..........

____________

واضحة، لما يشتمل عليه من الأمور التي يناسبها الحياء و التستّر، و الليل محلّ ذلك.

و يستحبّ مؤكّدا إضافة الستر المكانيّ و القوليّ إلى الستر الزمانيّ، لاشتراكهما في المعنى، و قد روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «إنّ من شرّ الناس عند اللّه منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة و تفضي إليه ثمَّ ينشر سرّها» (1).

و في حديث آخر عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «مثل من يفعل ذلك مثل شيطان و شيطانة لقي أحدهما بالسكة فقضى حاجته منها و الناس ينظرون إليه» (2).

السادسة: التسمية عند الجماع، و سؤال اللّه تعالى أن يرزقه ولدا سويّا ذكرا، و قد تقدّم في الحديث السابق ما يدلّ عليه، و عن ابن عباس أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «لو أنّ أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم اللّه اللهم جنّبنا الشيطان و جنّب الشيطان منّا ما رزقتنا، فإن قدّر بينهما في ذلك ولد لم يضرّ ذلك الولد الشيطان أبدا» (3). و روي عن الصادق (عليه السلام): «إذا أتى أحدكم أهله فليذكر اللّه عند الجماع، فان لم يفعل و كان منه ولد كان شرك الشيطان» (4). و كما يستحبّ التسمية عند الدخول يستحبّ عند كل جماع، لهذا الحديث و غيره (5). و عن الباقر (عليه السلام) «إذا أردت الجماع فقل: اللهم ارزقني ولدا و اجعله تقيّا زكيّا ليس في خلقه زيادة و لا نقصان و اجعل عاقبته إلى خير» (6).

____________

(1) المصنف لابن أبي شيبة 4: 39 ح 17559، الجامع الصغير 1: 381 ح 2491.

(2) مسند أحمد 2: 541، السنن الكبرى للبيهقي 7: 194.

(3) مسند الحميدي 1: 239 ح 516، صحيح مسلم 2: 1058 ح 1434، مسند أحمد 1: 217.

(4) الفقيه 3: 256 ح 1214 و الوسائل 14: 97 ب «68» من أبواب مقدمات النكاح ح 6، بتفاوت يسير.

(5) راجع الوسائل 14: 97 ب «68» من أبواب مقدمات النكاح.

(6) التهذيب 7: 411 ح 1641 و الوسائل 14: 82 ب «55» من أبواب مقدمات النكاح ح 5.

25

و يستحبّ الوليمة عند الزفاف يوما أو يومين، (1) و أن يدعى لها المؤمنون. و لا تجب الإجابة بل تستحبّ. فاذا حضر فالأكل مستحبّ و لو كان صائما ندبا.

____________

قوله: «و تستحبّ الوليمة عند الزفاف يوما أو يومين. إلخ».

(1) الوليمة هي الطعام المتّخذ في العرس، سمّيت بذلك لاجتماع الزوجين، فإنّ أصل الوليمة (1) اجتماع الشيء و تمامه. و منهم من أطلقها على كلّ طعام يتخذ في حادث سرور من أملاك و ختان و غيرهما، و سمّيت بها على ذلك لاجتماع الناس عليها.

و لكنّ استعمالها في المعنى الأول أشهر، و عليه فإطلاقها على غيره يحتاج إلى قيد كباقي استعمال المجازات، فيقال: وليمة الختان، و وليمة البناء و غيرهما، و حيث تطلق فهي محمولة على وليمة العرس.

و يقال للطعام المتّخذ عند الولادة: الخرس و الخرسة، و عند الختان: العذيرة و الاعذار، و عند إحداث البناء: الوكيرة، و عند قدوم الغائب: النقيعة، و للذبح يوم سابع المولود: العقيقة، و عند حذاق الصبيّ: الحذاق، و هو- بفتح أوله و كسره- تعلّم الصبيّ القرآن أو العمل. و المأدبة اسم لما يتّخذ من غير سبب و يطلق على كلّ طعام، و الزفاف- بكسر أوله- إهداء العروس إلى زوجها.

إذا تقرّر ذلك: فلا خلاف عندنا في استحباب الوليمة حينئذ مؤكّدا، للتأسّي بالنبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) بعده. قال الصادق (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) حين تزوّج ميمونة بنت الحارث أولم و أطعم الناس الحيس» [1] و عن الرضا (عليه السلام): «أنّ النجاشي لمّا خطب لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

____________

[1] الكافي 5: 368 ح 2، التهذيب 7: 409 ح 1632 و الوسائل 14: 65 ب «40» من أبواب مقدمات النكاح ح 3. و الحيس هو الطعام المتّخذ من التمر و الأقط و السمن و قد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت. و الأقط: لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به. راجع نهاية ابن الأثير 1: 467 و 57.

____________

(1) لسان العرب 12: 643، (مادة و لم).

26

..........

____________

و سلّم آمنة بنت أبي سفيان فزوّجه دعا بطعام و قال: إنّ من سنن المؤمنين الإطعام عند التزويج» (1) و عنه (عليه السلام): «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

لا وليمة إلا في خمس: في عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز، فالعرس التزويج، و الخرس النفاس بالولد، و العذار الختان، و الوكار الرجل يشتري الدار، و الركاز الرجل يقدم من مكّة» (2).

و للشافعيّ (3) قول بوجوبها، لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعبد الرحمن بن عوف: «أو لم و لو بشاة» (4) و الأمر للوجوب. و أجيب بحمله على الاستحباب، لأنّه لو كان واجبا لأمر بفعله غيره و فعله في باقي أزواجه و لم ينقل ذلك، مع أصالة براءة الذمّة.

و قد ذكر المصنف من أحكامها أمورا:

الأول: لا تقدير لها بل المعتبر مسمّاها و كلّما كثرت كان أفضل، و قد سبق أمر النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بشاة فصاعدا من غير تحديد في جانب الكثرة.

و روي (5) أنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أولم على صفيّة بسويق و تمر، و إنما فعل ذلك لأنّه كان على سفر في حرب خيبر. و عن أنس: «ما أو لم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) على امرأة من نسائه ما أو لم على زينب، جعل يبعثني فأدعو الناس

____________

(1) الكافي 5: 367 ح 1، التهذيب 7: 409 ح 1633، الوسائل الباب المتقدم ح 1. و في الحديث: من سنن المرسلين.

(2) التهذيب 7: 409 ح 1634، الفقيه 3: 254 ح 1204 و الوسائل 14: 65 ب «40» من أبواب مقدمات النكاح، ح 5.

(3) راجع الحاوي الكبير 9: 555.

(4) سنن ابن ماجه 1: 615 ح 1907، سنن الترمذي 3: 402 ح 1094.

(5) سنن ابن ماجه 1: 615 ح 1909، مسند أحمد 3: 110، السنن الكبرى للبيهقي 7: 260.

27

..........

____________

فأطعمهم خبزا و لحما حتى شبعوا» (1). و من لم يتمكّن فليولم بما تيسّر، كما أو لم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) على بعض نسائه بمدّين من شعير (2).

الثاني: وقتها عند الزفاف، و أقلّه ما يحصل فيه مسمّاها و أكثره يوم أو يومان، و تكره الزيادة، قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «الوليمة في اليوم الأول حقّ و في الثاني معروف و في الثالث رياء و سمعة» (3). و قال الباقر (عليه السلام):

«الوليمة يوم، و يومان مكرمة، و ثلاثة أيام رياء و سمعة» (4).

الثالث: المدعوّ إليها، و يستحبّ دعاء المؤمنين، لأنهم أفضل، و أولى بالموادّة و أقرب إلى إجابة الدعاء. و لو لم يمكن تخصيصهم فلا بأس بجمعهم مع غيرهم، لحصول الغرض بهم، و الباقي زيادة في الخير. و ليكن كثرتهم و قلّتهم بحسب حال الطعام و عادة البلد، ففي بعض البلاد يحضر الطعام القليل للخلق الكثير من غير نكير، و في بعضه بخلاف ذلك.

الرابع: يستحبّ للمدعوّ الإجابة استحبابا مؤكّدا، خصوصا إذا كان الداعي مؤمنا، فإنّ من حقّ المؤمن إجابة دعوته. و لا فرق بين القريب و البعيد، و لو إلى غير البلد، مع عدم المشقّة البالغة التي لا تتحمّل عادة. و ليست بواجبة عندنا، للأصل.

و ذهب جماعة من العامّة (5) إلى وجوبه، لما روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)

____________

(1) المغني لابن قدامة 8: 106. و لم نجده بهذه الصورة في مصادر الحديث. راجع صحيح مسلم 2: 1049 ح 90 و 91 و ص 1046 ح 87.

(2) مسند أحمد 6: 113، السنن الكبرى 7: 260.

(3) تلخيص الحبير 3: 195 ح 1560. راجع أيضا الكافي 5: 368 ح 4 و فيه (. و ما زاد رياء و سمعة)، الوسائل 14: 65 ب «40» من أبواب مقدمات النكاح، ح 4.

(4) الكافي 5: 368 ح 3، التهذيب 7: 408 ح 1631، المحاسن: 417 ح 182 و الوسائل 14: 65 ب «40» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.

(5) راجع الحاوي الكبير 9: 557 و المغني لابن قدامة 8: 107.

28

..........

____________

أنّه قال: «من دعي إلى وليمة فلم يجب فقد عصى اللّه و رسوله، و من جاءها من غير دعوة دخل سارقا و خرج مغيرا» (1) و في خبر آخر عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم):

«من دعي فلم يجب فقد عصى اللّه و رسوله» (2) و في ثالث: «من دعي إلى الوليمة فليأتها» (3) و حملت على شدّة الاستحباب.

و يشترط في استحباب الإجابة أو وجوبها: كون الداعي مسلما، و أن لا يكون في الدعوة مناكير و ملاهي إلا أن يعلم زوالها بحضوره من غير ضرر فيجب لذلك، و أن يعمّم صاحب الدعوة بها الأغنياء و الفقراء، و لو من بعض الأصناف كعشيرته و جيرانه و أهل حرفته فلو خصّ بها الأغنياء لم ترجّح الإجابة و لم تجب عند القائل به، لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) «شرّ الولائم ما يدعى لها الأغنياء و يترك الفقراء» (4)، و أن يخصّه بالدعوة بعينه أو مع جماعة معيّنين. فأما لو دعا عامّا و نادى: ليحضر من يريد، و نحو ذلك لم تجب الإجابة و لم تستحب، لأنّ الامتناع و الحال هذه لا يورث الوحشة و التأذّي حيث لم يعيّن، و أن يدعى في اليوم الأول أو الثاني، فلو أولم في الثالث كرهت الإجابة.

و لو دعاه اثنان فصاعدا أجاب الأسبق، فإن جاءا معا أجاب الأقرب رحما، ثمَّ الأقرب دارا كما في الصدقة. و قد روي أنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما إليك بابا، فإنّ أقربهما إليك بابا أقربهما إليك جوارا، فإن سبق أحدهما فأجب من سبق» (5).

الخامس: كما تستحبّ الإجابة فالأكل مستحبّ، لأنّ الغرض من الدعوة

____________

(1) سنن أبي داود 3: 341 و السنن الكبرى للبيهقي 7: 68.

(2) سنن أبي داود 3: 341 و السنن الكبرى للبيهقي 7: 68.

(3) تلخيص الحبير 3: 194 ح 1558.

(4) مسند أحمد 2: 405، سنن ابن ماجه 1: 616 ح 1913 بتفاوت في اللفظ.

(5) تلخيص الحبير 3: 196 ح 1561.

29

..........

____________

ذلك، و لما في تركه من التعرّض للوحشة و النفرة، و لأنّه أبلغ في إكرام الداعي و جبر قلبه، و لقول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «و إن كان مفطرا فليطعم» (1). و بعض من أوجب الحضور أوجب الأكل (2) و لو لقمة لما ذكرناه، و امتثالا للأمر في الخبر، و لأنّ المقصود من الأمر بالحضور الأكل فكان واجبا. و أجيب بمنع انحصار المقصود في الأكل، بل مجرّد الإجابة كاف في جبر القلب، و لهذا كلّف الصائم واجبا بالحضور من غير أكل. و يمنع حصول الوحشة مع إكرامه بالحضور و إجابة دعائه و اجتماعه بين (3) الجماعة. و التوعّد المذكور سابقا إنما هو على ترك الإجابة.

السادس: الصوم ليس عذرا في ترك إجابة الدعوة، لقول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم، و إن كان صائما فليصلّ» (4) أي: يحضر و يدعو لأهل الدعوة.

ثمَّ إن كان الصوم واجبا مضيّقا- كرمضان و النذر المعيّن و ما في حكمه كقضاء رمضان بعد الزوال- لم يجز له الإفطار. و إن كان موسّعا- كالنذر المطلق و قضاء رمضان قبل الزوال- جاز الإفطار على كراهية.

و إن كان نفلا فإن شقّ على صاحب الدعوة صومه استحبّ إفطاره إجماعا، و لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) حضر دار بعضهم، فلما قدّم الطعام أمسك بعض القوم و قال: إنّي صائم، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): يتكلّف لك أخوك المسلّم و تقول: إنّي صائم؟! أفطر ثمَّ اقض يوما مكانه» (5). و إن لم يشقّ على

____________

(1) مسند أحمد 2: 507، سنن أبي داود 2: 331 ح 2460.

(2) راجع المغني لابن قدامة 8: 110.

(3) في «و»: مع الجماعة.

(4) مسند أحمد 2: 507، سنن أبي داود 2: 331 ح 2460.

(5) سنن الدار قطني 2: 178 ح 24 و 26 بتفاوت في اللّفظ، تلخيص الحبير 3: 198 ح 1568.

30

..........

____________

صاحب الدعوة إمساكه فالأقوى أنّه كذلك، لعموم الأمر (1)، كرواية داود الرقّي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لإفطارك في منزل أخيك أفضل من صيامك سبعين ضعفا أو تسعين ضعفا» (2). و صحيحة جميل بن دراج عنه (عليه السلام) قال: «من دخل على أخيه فأفطر عنده و لم يعلمه بصومه فيمنّ عليه كتب اللّه له صوم سنة» (3). و في التذكرة (4) قرّب هنا استحباب الإتمام عملا بظاهر التعليل في الخبر النبويّ، فإنّ التكلّف له يوجب المشقّة في تركه غالبا و هو مناط الأمر بالإفطار، و فيه إيماء إلى العلّة فيتعدّى إلى ما شاركها في المعنى و هو مشقّة الإمساك على نفسه.

و اعلم أن استحباب الإفطار هنا و رجحانه على الصوم الموجب لترتّب الثواب عليه زيادة على الصوم مشروط بكون الباعث عليه إجابة الدعوة و امتثال أمر اللّه تعالى فيها، ليكون طاعة يترتّب عليها الثواب، فلو فعله بغير قصد الطاعة فلا ثواب له أصلا فضلا عن أن يكون أفضل من الصوم، كما هو معلوم من قواعد الشرع، و إطلاق الأمر بالفطر محمول على تصحيح النيّة في ذلك اتّكالا على أنّ الأعمال بالنيّات. و لا تختصّ هذه الأحكام بهذه الوليمة، بل تأتي في كلّ دعوة إلى طعام.

____________

(1) في «و»: لعموم الأخبار.

(2) الكافي 4: 151 ح 6، الفقيه 2: 51 ح 221، ثواب الأعمال: 107 ح 1، علل الشرائع: 387 ح 2 المحاسن: 411 ح 145 و الوسائل 7: 110 ب «8» من أبواب آداب الصائم ح 6.

(3) الكافي 4: 150 ح 3، الفقيه 2: 51 ح 222، علل الشرائع: 387 ح 3، ثواب الأعمال: 107 ح 2، المحاسن: 412 ح 153 و الوسائل الباب المتقدم ح 4.

(4) التذكرة 2: 580.

31

و أكل ما ينثر في الأعراس جائز. (1) و لا يجوز أخذه إلا بإذن أربابه، نطقا أو بشاهد الحال. و هل يملك بالأخذ؟ الأظهر: نعم.

____________

قوله: «و أكل ما ينثر في الأعراس جائز. إلخ».

(1) هنا أربع مسائل:

الأولى: يجوز نثر المال في الأعراس من مأكول و غيره، كالجوز و اللوز و السكّر و التمر و الزبيب و الدراهم و غيرها، لأصالة الجواز، و لأن ذلك من متمّمات أغراض السرور المطلوب في هذه المواضع. و هل يوصف مع أصل الجواز بالمعنى الأعمّ بشيء من الأحكام الخمسة؟ لا ريب في انتفاء الوجوب، لعدم دليل يدلّ عليه. و أمّا الاستحباب فأثبته بعض العامّة (1) لنحو ما ذكرناه، و حكم آخرون (2) بالكراهة، لأنه يؤخذ باختلاس و انتهاب، و هو يؤدّي إلى الوحشة و العداوة، و لأنّه قد يأخذه غير من يحبّ صاحبه. و في إثبات الكراهة بمثل ذلك نظر، و الثابت أصل الجواز، و غيره من الأحكام يحتاج إلى دليل صالح.

الثانية: يجوز الأكل من هذا المنثور عملا بشاهد الحال المستمرّ في سائر الأعصار ما لم تعلم الكراهة، و لأنّه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضّيفان بوضعه بين أيديهم. و لا فرق في النثر بين جعله عامّا و خاصّا بفريق معيّنين، و إن اختصّ حكم الثاني بفريقه، كما لو وضعه بين يدي القرّاء (3) و نحوهم، فلا يجوز لغيرهم الأكل منه إلا بإذن المالك صريحا.

الثالثة: لا يجوز أخذه من غير أن يؤكل في محلّه إلّا بإذن أربابه صريحا أو بشاهد الحال، كما يتّفق في رميه على العموم من غير وضعه على خوان و شبهه.

و بالجملة: فالمرجع فيه إلى شاهد الحال، فإن دلّ على المنع من أخذه امتنع،

____________

(1) الحاوي الكبير 9: 565- 566، حلية العلماء 6: 518.

(2) الحاوي الكبير 9: 565- 566، حلية العلماء 6: 519.

(3) في «م»: الفقراء.

32

..........

____________

و من ذلك أن يوضع على وعاء لصاحب الدعوة بين يدي الآكلين، فانّ ذلك قرينة إرادة ضبطه و قصر الإذن على الأكل. و إن دلّ على إباحة الأخذ جاز. و إن اشتبه الأمران فمقتضى العبارة المنع، لأنّه جعل الجواز مشروطا بالاذن و لو بشاهد الحال، و هو حسن، لأصالة المنع من التصرّف في مال الغير، خرج منه ما إذا استفيد الاذن فيبقى الباقي. و في التذكرة (1) جوّز أخذه ما لم تعلم الكراهة، و قد روي «أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) حضر في أملاك، فأتي بإطباق عليها جوز و لوز و تمر فنثرت، فقبضنا أيدينا، فقال: ما لكم لا تأخذون؟ قالوا: لأنّك نهيت عن النهب، قال: إنّما نهيتكم عن نهب العساكر، خذوا على اسم اللّه، فجاذبنا و جاذبناه» (2).

الرابعة: حيث يجوز أخذه بأحد الوجوه هل يملكه الآخذ بمجرّد الأخذ؟

قيل: نعم، اعتبارا بالعادة الدالة على إعراض المالك عنه فأشبه التقاط المباحات، و اختاره في التذكرة (3). و قيل: لا يملك بذلك، و إنما يفيد مجرّد الإباحة، لأصالة بقاء ملك مالكه عليه إلى أن يحصل سبب يقتضي النقل، و ما وقع إنّما يعلم منه إفادة الإباحة. و هذا هو الأقوى. و الفرق بينه و بين مباح الأصل واضح، لأنّ ذلك لا ملك لأحد عليه فإثبات اليد عليه مع نيّة التملّك كاف في تملكه، بخلاف المملوك إذا أبيح بالإذن فإنّ ذلك لا يخرج عن أصل الملك، و إثبات يد المأذون له فيه ليس من الأسباب الناقلة للملك شرعا، فيتمسّك بالاستصحاب إلى أن يعلم المزيل.

و يتفرّع على ذلك: جواز رجوع المالك فيه ما دامت عينه باقية في يد الآخذ، فلو أتلفه و لو بالأكل زال ملك المالك عنه. و لو نقله الآخذ عن ملكه ببيع و نحوه فالأقوى زوال ملك المالك عنه. و الكلام في أكل الحاضر منه الذي حكم بجوازه، في

____________

(1) التذكرة 2: 580.

(2) تلخيص الحبير 3: 200 ح 1578.

(3) التذكرة 2: 581.

33

[الثاني: يكره الجماع في أوقات ثمانية]

الثاني: يكره الجماع في أوقات ثمانية: (1) ليلة خسوف القمر، و يوم كسوف الشمس، و عند الزوال، و عند غروب الشمس حتى يذهب الشفق، و في المحاق، و بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و في أول ليلة من كلّ شهر إلا في شهر رمضان، و في ليلة النصف، و في السفر إذا لم يكن معه ماء يغتسل به، و عند هبوب الريح السوداء و الصفراء، و الزلزلة، و الجماع و هو عريان، و عقيب الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء. و لا بأس أن يجامع مرّات من غير غسل يتخلّلها و يكون غسله أخيرا، و أن يجامع و عنده من ينظر إليه، و النظر إلى فرج المرأة في حال الجماع و غيره.

و الجماع مستقبل القبلة أو مستدبرها، و في السفينة، و الكلام عند الجماع بغير ذكر اللّه.

____________

أنه هل يباح الأكل من غير أن يحكم بالملك، أم يملك؟ القولان، و على المختار لا يزول ملك المالك إلا بالازدراد. و مثله الطعام المقدّم للضيف، و يزيد الضيف عن هذا أنّه لا يجوز له التصرّف بغير الأكل مطلقا إلا مع علمه بإذن المالك. نعم، يرجع في نحو إطعام السائل و الهرّة و إطعام بعضهم بعضا إلى قرائن الأحوال، و هي مما يختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال و الأوقات و جنس الطعام.

و حيث لا نقول بملك الآخذ لشيء من ذلك يفيد أولويّته بما يأخذه، فليس لغيره أخذه منه قهرا. و مثله ما لو بسط حجره لذلك فوقع فيه شيء منه ما دام ثابتا فيه، فان سقط منه قبل أخذه ففي سقوط حقّه وجهان، كما لو وقع في شبكته شيء ثمَّ أفلت. و لو لم يبسط حجره لذلك لم يملك ما يسقط فيه قطعا، و هل يصير أولى به؟

وجهان يأتيان فيما يعشّش في ملكه بغير إذنه، و يقع في شبكته بغير قصد.

قوله: «يكره الجماع في أوقات ثمانية. إلخ».

(1) مستند الكراهة في هذه المواضع روايات كثيرة يجتمع من جملتها ذلك،

34

..........

____________

و يدخل بعضها في بعض. روى الشيخ في الصحيح عن عمرو بن عثمان، عن أبي جعفر (عليه السلام) و قد سأله: أ يكره الجماع في ساعة من الساعات؟ فقال: «نعم، يكره في الليلة التي ينكسف فيها القمر، و اليوم الذي تنكسف فيه الشمس، و فيما بين غروب الشمس إلى أن يغيب الشفق، و من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و في الريح السوداء و الصفراء، و الزلزلة. و لقد بات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عند بعض نسائه فانكسف القمر في تلك الليلة، فلم يكن منه فيها شيء، فقالت له زوجته: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي كلّ هذا للبغض؟ فقال: و يحك هذا الحادث من السماء فكرهت أن أتلذّذ فأدخل في شيء، و قد عيّر اللّه قوما فقال عزّ و جل وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمٰاءِ سٰاقِطاً يَقُولُوا سَحٰابٌ مَرْكُومٌ (1) و ايم اللّه لا يجامع مع أحد في هذه الساعات التي وصفت فيرزق من جماعه ولدا و قد سمع بهذا الحديث فيرى ما يحبّ» (2) و زاد الكليني: «و في اليوم و الليلة التي يكون فيها الريح السوداء و الصفراء و الحمراء، و اليوم و الليلة التي يكون فيها الزلزلة» (3).

و عنه (عليه السلام) قال: «فيما أوصى به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا (عليه السلام) قال: يا علي لا تجامع أهلك في أول ليلة من الهلال، و لا في ليلة النصف، و لا في آخر ليلة، فإنه يتخوّف على ولده من فعل ذلك الخبل، فقال علي: و لم ذاك يا رسول اللّه؟ فقال: إنّ الجنّ يكثرون غشيان نسائهم في أول ليلة من الهلال و ليلة النصف و في آخر ليلة، أما رأيت المجنون يصرع في أول الشهر و في وسطه و في

____________

(1) الطور: 44.

(2) التهذيب 7: 411 ح 1642 و كذا الفقيه 3: 255 ح 1207 و الوسائل 14: 89 ب «62» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.

(3) الكافي 5: 498 ح 1، الوسائل الباب المتقدّم ح 1.

35

..........

____________

آخره» (1). و روى سليمان الجعفري عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «من أتى أهله في محاق الشهر فليسلّم لسقط الولد» (2).

و عن إسحاق بن عمّار قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يكون معه أهله في السفر و لا يجد الماء أ يأتي أهله؟ قال: ما أحبّ أن يفعل ذلك إلّا أن يخاف على نفسه» (3). و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قد سئل: أجامع و أنا عريان؟

فقال: «لا، و لا مستقبل القبلة و لا مستدبرها» (4). و قال (عليه السلام): «لا تجامع في السفينة» (5).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «يكره أن يغشى الرجل المرأة و قد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى، فان فعل و خرج الولد مجنونا فلا يلومنّ إلا نفسه» (6). و لا بأس بتكرّر الجماع من غير غسل، للأصل، و لما روي (7) من أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يطوف على نسائه ثمَّ يغتسل أخيرا.

____________

(1) الكافي 5: 499 ح 3، التهذيب 7: 411 ح 1644، الوسائل 14: 90 ب «46» من أبواب مقدمات النكاح ح 1.

(2) الكافي 5: 499 ح 2، الفقيه 3: 254 ح 1206، التهذيب 7: 411 ح 1643، الوسائل 14: 90 ب «63» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(3) التهذيب 7: 418 ح 1677. راجع أيضا الكافي 5: 495 ح 3، الوسائل 14: 76 ب «50» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(4) التهذيب 7: 412 ح 1646، الفقيه 3: 255 ح 1210، الوسائل 14: 98 ب «69» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(5) التهذيب 7: 412 ح 1646 و فيه و قال علي (عليه السلام)، الفقيه 3: 255 ح 1211، الوسائل 14: 98 ب «69» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.

(6) التهذيب الحديث السابق، الفقيه 3: 256 ح 1212، الوسائل 14: 99 ب «70» من أبواب مقدمات النكاح ح 1.

(7) مسند أحمد 3: 225، سنن ابن ماجه 1: 194 ح 588.

36

..........

____________

و كان علي (عليه السلام) يقول: «يستحبّ للرجل أن يأتي أهله أول ليلة من شهر رمضان، لقول اللّه عزّ و جل أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ، و الرفث المجامعة» (1).

و روى الكليني بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): و الذي نفسي بيده لو أنّ رجلا غشي امرأته و في البيت مستيقظ يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما ما أفلح أبدا، إن كان غلاما كان زانيا، و إن كانت جارية كانت زانية». (2) و روى الشيخ عن سماعة قال: «سألته عن الرجل ينظر إلى فرج المرأة و هو يجامعها؟ فقال: لا بأس إلّا أنه يورث العمى». (3) و عن عبد اللّه بن سنان: «قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اتّقوا الكلام عند التقاء الختانين، فإنّه يورث الخرس». (4)

تنبيهات: الأول: المحاق مثلث الميم، و هو ثلاث ليال من آخر الشهر زمان خفاء القمر فلا يرى غدوة و لا عشيّة، لأنّه يطلع مع الشمس فتمحقه. قال أهل اللغة (5): لليالي الشهر عشرة أسماء: غرر، ثمَّ نفل، ثمَّ تسع، ثمَّ عشر، ثمَّ بيض، ثمَّ درع، ثمَّ ظلم، ثمَّ حنادس، ثمَّ دآدئ، ثمَّ محاق.

____________

(1) الفقيه 3: 303 ح 1455 و الوسائل 14: 91 ب «64» من أبواب مقدمات النكاح، ح 4، و الآية في سورة البقرة: 187.

(2) الكافي 5: 500 ح 2، و الوسائل 14: 94 ب «67» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.

(3) التهذيب 7: 414 ح 1656 و الوسائل 14: 85 ب «59» من أبواب مقدمات النكاح، ح 3.

(4) الكافي 5: 498 ح 7، التهذيب 7: 413 ح 1653، الوسائل 14: 86 ب «60» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(5) يظهر ذلك بالمراجعة إلى تهذيب اللغة 2: 77، 201 و 14: 382، القاموس 4: 59، 2: 326، 3: 20، 4: 146، 2: 209، 1: 14، 3: 282.

37

..........

____________

الثاني: إنما تكون ليالي المحاق ثلاثا على تقدير تمام الشهر، فلو نقص كان النقص من ليالي المحاق، لأنّ كلّ ثلاثة قبلها قد استوفت اسمها قبل أن يتبيّن النقص، و لأصالة عدم الكراهة، و لأنّ انمحاق الهلال حقيقة في الليلتين الأخيرتين و الأخرى تابعة.

الثالث: الليلة الأخيرة يجتمع فيها كراهتان، من جهة المحاق و كونه آخر الشهر، فيتأكّد الكراهة فيها زيادة على أختيها.

الرابع: الخبر السابق دلّ على كراهية الوطي في محاق الشهر أعمّ من كونه ليلة الدخول و غيره، كغيره من هذه المواضع، و لكن روى الكليني عن الكاظم (عليه السلام): «من تزوّج في محاق الشهر فليسلّم لسقط الولد» [1] و هذه العبارة تقتضي كراهية العقد، لأنّ التزويج حقيقة فيه، و حينئذ فيكره كلّ منهما استنادا إلى الحديثين، و إن كان المصنف و غيره قد اقتصروا على كراهة الوطي. و الشهيد (رحمه الله) احتمل من حديث التزويج أن يريد به العقد و الوطء معا. و هو بعيد.

الخامس: مقتضى التعليل بسقط الولد أنّ الخطر في جماع يمكن أن يحصل به ولد أو في جماع الحامل (2)، فلو كانت خالية من ذلك كاليائسة احتمل قويّا عدم الكراهة، إذ ليس في الباب غير ما ذكر من النصوص، و ليس فيها الحكم بالكراهة مطلقا كما أطلقه الفقهاء فيختصّ بموضع الخطر، بل ليس فيه تصريح بالكراهة، إلّا أن التعرّض لسقوط الولد لمّا كان مرجوحا في نفسه حكموا بالكراهة لذلك. و مثله تعليل الجماع في آخر الشهر و أوّله بخبل الولد، و تعليل نظر الفرج بعماه، و تعليل الكلام حال الجماع بخرسه، اللهم إلا أن يجعل ذلك بعض ما يترتّب عليه، و يجعل

____________

[1] لم نجده في الكافي، و رواه الصدوق في العيون 1: 288 عن الامام الصادق (عليه السلام)، و في العلل: 514 عن الامام الباقر (عليه السلام). راجع الوسائل 14: 80 ب «54» من أبواب مقدمات النكاح ح 3.

____________

(2) في «ش» الحائل.

38

..........

____________

الكراهة لما هو أعم من ذلك، لكنّ التعليل يأباه. و ما ذكرناه من تفسير العمى في نظر الفرج بعمي الولد ذكره جماعة من الأصحاب (1). و يحتمل قويّا أن يريد به عمى الناظر، إذ ليس هناك ما يدلّ على إرادة الولد و لا هو مختصّ بحالته. و هذا هو الذي رواه العامّة (2) في كتبهم و فهموه. و عليه يحسن عموم الكراهة للأوقات.

السادس: أطلق المصنف الكراهة عند وجود من ينظر إليه، و هو شامل للمميّز و غيره. و قيل: يختصّ ذلك بالمميّز. و هو حسن. و تعليل الخبر يقتضي أنّ الخطر على الولد السامع بأن يكون زانيا، و أنّ الضمير المستكنّ في «أفلح» يرجع إليه لا إلى المجامع، و وجه الكراهة حينئذ التعرّض لنقص الولد السامع. فلو كان كبيرا دخل في العموم بل أولى و إن لم يتناوله اسم الغلام و الجارية.

السابع: النهي الوارد عن الكلام حالة الجماع في الوصيّة [1] مقيّد بالكثير و متعلّق بالرجل، و ظاهره عدم الكراهة من المرأة و في القليل منه، و لا بأس بذلك.

و أمّا الخبر (4) الآخر فمتناول للجميع. و يمكن الجمع بينهما باشتداد الكراهة في الكثير، خصوصا من جانب الرجل.

الثامن: المشهور كراهة النظر إلى فرج المرأة حالة الجماع من غير تحريم، و قد تقدّم (5) في مقطوعة سماعة نفي البأس عنه. و عدّه ابن حمزة (6) من المحرّمات،

____________

[1] لم يرد النهي عن الكلام الكثير حالة الجماع في حديث الوصية و انما ورد في حديث المناهي راجع الفقيه 4: 3 ح 1 و الوسائل 14: 87 ب «60» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.

____________

(1) كما في الجامع للشرائع: 454، غاية المراد: 171.

(2) كنز العمال 16: 344، 348، 355.

(4) المتقدم في ص: 36، هامش (4).

(5) في ص: 36، هامش (3).

(6) الوسيلة: 314.

39

..........

____________

و لعلّه استند إلى ظاهر النهي الوارد عنه في وصيّة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لعليّ (عليه السلام): «و لا تنظر إلى فرج امرأتك و غضّ بصرك» (1) و النهي فيه متناول لحالة الجماع و غيرها. و في مقطوعة سماعة التقييد بحالته، و هو أولى. و مثلها رواية أبي حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أ ينظر الرجل في فرج امرأته و هو يجامعها؟

قال: لا بأس» (2). و لعلّ الإطلاق في الخبر الآخر مقيّد بتلك الحالة، لأنّ السياق فيها، مع أنّ الاستناد في الأحكام إلى مثل هذه الروايات الواهية لا يخلو من إشكال لو لا سهولة الخطب في الكراهة، و على هذه الوصيّة تفوح رائحة الوضع، و قد صرّح به بعض النقّاد.

____________

(1) الفقيه 3: 359 ح 1712، الوسائل 14: 85 ب «59» من أبواب مقدمات النكاح، ح 5، و في الحديث:

و لا ينظر أحد إلى فرج امرأته و ليغضّ بصره عند الجماع.

(2) الكافي 5: 497 ح 5، التهذيب 7: 413 ح 1651 و الوسائل 14: 85 ب «59» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2.

40

[الثالث: في اللواحق]

الثالث: في اللواحق، و هي ثلاثة:

[الأول: يجوز أن ينظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها، (1) و إن لم يستأذنها]

الأول: يجوز أن ينظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها، (1) و إن لم يستأذنها. و يختصّ الجواز بوجهها و كفّيها. و له أن يكرّر النظر إليها و أن ينظرها قائمة و ماشية. و روي جواز أن ينظر إلى شعرها و محاسنها و جسدها من فوق الثياب.

____________

قوله: «يجوز النظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها. إلخ».

(1) لا خلاف بين سائر العلماء في جواز النظر لمن أراد التزويج بامرأة، و قد رواه الخاصّة (1) و العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السلام)، قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لرجل من أصحابه و قد خطب امرأة: «انظر إلى وجهها و كفّيها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (2) أي تجعل بينكما المودّة و الألفة، يقال: أدم اللّه بينهما، على وزن (3) فعل. و ربما قيل باستحبابه، نظرا إلى ظاهر الأمر الذي أقلّ مراتبه ذلك. و يمكن منع دلالته عليه، لجواز إرادة الإباحة فإنها بعض مستعملاته حيث لا يراد به الوجوب، كقوله تعالى وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا (4).

و شرط الجواز مع إرادته إمكانه عادة بأن تكون محلّلة له في الحال، و يجوز أن تجيبه إليه، فلا يجوز النظر إلى ذات البعل، و لا إلى المعتدّة ليتزوّجها عند الخلوّ من المانع، و لا لمن يعلم عادة عدم إجابتها.

و ينبغي أن يكون قبل الخطبة، إذ لو كان بعدها و تركها لشقّ ذلك عليها و أوحشها. و لو لم يتيسّر له النظر بنفسه بعث إليها امرأة تتأمّلها و تصفها له، للتأسّي

____________

(1) راجع الوسائل 14: 59 ب «36» من أبواب مقدمات النكاح.

(2) سنن ابن ماجه 1: 599 ح 1865، الجامع الصحيح 3: 397 ح 1087، السنن الكبرى للبيهقي 7: 84.

(3) المجازات النبوية: 106 رقم 92.

(4) سورة المائدة: 2.

41

..........

____________

فإنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بعث أم سليم إلى امرأة و قال: «انظري إلى عرقوبها، و شمّي معاطفها» (1).

إذا تقرّر ذلك: فالذي يجوز النظر إليه منها اتّفاقا هو الوجه و الكفّان من مفصل الزند ظهرا و بطنا، لأنّ المقصود يحصل بذلك فيبقى ما عداه على العموم.

و الرواية التي أشار إليها المصنف المتضمّنة جواز النظر إلى شعرها و محاسنها رواها عبد اللّه بن الفضل مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت له: أ ينظر الرجل إلى المرأة يريد تزويجها فينظر إلى شعرها و محاسنها؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذّذا» (2). و روى عبد اللّه بن سنان بطريق فيه مجاهيل قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ ينظر إلى شعرها؟ فقال: نعم، إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» (3). و روى غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام): «في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها، قال: لا بأس إنما هو مستام». (4) و ظاهر أنّ هذه الروايات من حيث السند لا تصلح حجّة في جواز ما دلّ الدليل على تحريمه، فلذلك نسب المصنف الحكم إلى الرواية، فالاقتصار على موضع الاتّفاق متعيّن.

و المراد بمحاسنها مواضع زينتها، و هي أوسع دائرة من الوجه و الكفّين، و ربّما قيل باختصاصها بهما. و قوله: «من فوق الثياب» قيد للنظر إلى الجسد لا إلى غيره، لعدم تقييد الروايات به. و كما يجوز النظر للرجل فكذا للمرأة، لاشتراكهما في المقصود.

____________

(1) مسند أحمد 3: 231، السنن الكبرى 7: 87.

(2) الكافي 5: 365 ح 5، و الوسائل 14: 59 ب «36» من أبواب مقدمات النكاح، ح 5.

(3) التهذيب 7: 435 ح 1734، الفقيه 3: 260 ح 1239، و الوسائل الباب المتقدم ح 7.

(4) التهذيب 7: 435 ح 1735 و الوسائل الباب المتقدّم ح 8.

42

و كذا يجوز أن ينظر إلى أمة يريد شراءها، و إلى شعرها و محاسنها. (1)

____________

و اعلم أنّه سيأتي (1) جواز النظر إلى وجه المرأة الأجنبيّة و كفّيها في الجملة، فإذا وجب الاقتصار هنا على هذا القدر بقي الفرق بينهما و بين الأجنبيّة من وجوه:

أحدها: أنّ جوازه للأجنبيّة موضع خلاف، و هنا موضع وفاق.

و الثاني: أنّه في الأجنبيّة مشروط بعدم خوف الفتنة، و هنا لا يشترط، لأنّه يريد التزويج، اللهم إلّا أن يخافها قبل وقوع العقد. و في التذكرة (2) أطلق الجواز مع خوف الفتنة و بدونها، معلّلا بأن الغرض إرادة النكاح، و مقتضاه أنّ ذلك مناف للفتنة.

و الثالث: أنّه في الأجنبيّة مقصور على أول نظرة فلا يجوز التكرار، و هنا يجوز.

و الرابع: أنّه في الأجنبيّة مكروه، و هنا لا كراهة فيه إن لم يكن مستحبّا. و أما نظرها من وراء الثياب قائمة و ماشية فلا خصوصيّة له عن الأجنبيّة إلا من حيث الإباحة هنا و الكراهة ثمَّ.

قوله: «و كذا يجوز أن ينظر إلى أمة يريد شراءها، و إلى شعرها و محاسنها».

(1) لا ريب في جواز النظر إلى الأمة التي يريد شراءها و إنما الكلام في محلّه و موضع الوفاق منه وجهها و كفّاها و محاسنها و شعرها و إن لم يأذن المولى صريحا، لأنّ عرضها للبيع قرينة الإذن في ذلك. و هل يجوز الزيادة على ذلك من باقي جسدها ما عدا العورة؟ قيل: نعم، قطع به في التذكرة (3)، لدعاء الحاجة إليه للتطلع

____________

(1) في ص: 46.

(2) التذكرة 2: 573.

(3) التذكرة 2: 573.

43

و يجوز النظر إلى أهل الذّمّة و شعورهنّ، لأنّهن بمنزلة الإماء، (1) لكن لا يجوز ذلك لتلذّذ و لا لريبة.

____________

إليها لئلّا يكون بها عيب فيحتاج إلى الاطّلاع عليه، و قيّده في الدروس (1) بتحليل المولى، و معه يجوز إلى العورة أيضا. و في رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها، قال: لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها و يمسّها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي له النظر إليه» (2). و ظاهر الرواية جواز النظر إلى ما عدا العورة- كما اختاره في التذكرة- و إن لم يأذن المولى، مع احتمال أن يريد بقوله: «ما لا ينبغي له النظر إليه» ما هو أعمّ من العورة.

و لم يتعرّض المصنف لجواز اللمس، و في الرواية تصريح بجوازه. و هو حسن مع توقف الغرض عليه، و إلّا فتركه أحسن إلّا مع التحليل. و الحكم هنا مختصّ بالمشتري، فلا يجوز للأمة النظر إليه زيادة على ما يجوز للأجنبيّ، بخلاف الزوجة.

و الفرق أنّ في الشراء لا اختيار لها بخلاف التزويج.

قوله: «و يجوز النظر إلى أهل الذمّة و شعورهنّ، لأنهن بمنزلة الإماء. إلخ».

(1) إنّما كنّ بمنزلة الإماء لأنّ أهل الذّمة فيء (3) في الأصل للمسلمين، و إنّما حرّمهن التزام الرجال بشرائط الذمّة فتبعهم النساء، فكان تحريمهنّ عارضيّا، و الإماء كذلك و إنما حرّمهنّ ملك المسلمين لهنّ. و المراد بالإماء إماء الناس غير الناظر، أو إماؤه المحرّمات عليه بعارض كتزويجهنّ. و قد روي الجواز بطريق السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) الدروس: 346.

(2) التهذيب 7: 75 ح 321، الفقيه 4: 12 ح 9 و الوسائل 13: 47 ب «20» من أبواب بيع الحيوان ح 1.

(3) في هامش «و»: (فيء) ليس في أكثر النسخ.

44

..........

____________

و سلّم: لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهنّ و أيديهنّ» (1). و في حديث آخر عنه (عليه السلام) قال: «لا بأس بالنظر إلى نساء أهل تهامة و الأعراب، و أهل البوادي من أهل الذمّة و العلوج، لأنّهن إذا نهين لا ينتهين» (2). و ليس في الخبرين تعليل بما ذكره المصنف. نعم، روى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام). «أنّ أهل الكتاب مماليك للإمام» (3)، فتكون نساؤهم بمنزلة الإماء في الجملة.

و يفهم من تعليله أنّه يرى جواز النظر إلى أمة الغير كذلك، و هو المشهور مقيّدا بكون النظر إلى وجهها و كفّيها و شعرها خاصّة بالقيدين.

و منع ابن إدريس (4) من النظر إلى نساء أهل الذمّة، لعموم قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (5). و اختاره العلامة في المختلف (6) و إن وافق المشهور في باقي كتبه (7).

و على القول بالجواز فهو مقيّد بعدم التلذّذ بالنظر و عدم الريبة، و ينبغي أن يكون المراد بها خوف الوقوع معها في محرّم، و هو المعبر عنه بخوف الفتنة. و في التذكرة (8) اشترط في الجواز أن لا يكون لتلذّذ، و لا مع ريبة، و لا خوف افتتان.

____________

(1) الكافي 5: 524 ح 1، و الوسائل 14: 149 ب «112» من أبواب مقدمات النكاح، ح 1.

(2) الكافي 5: 524 ح 1، الفقيه 3: 300 ح 1438، علل الشرائع: 565 ح 1، و الوسائل 14: 149 ب «113» من أبواب مقدمات النكاح ح 1. و اللفظ للفقيه.

(3) الكافي 5: 358 ح 11، التهذيب 7: 449 ح 1797، الوسائل 14: 420 ب «8» من أبواب ما يحرم بالكفر.

(4) السرائر 2: 61.

(5) سورة النور: 30.

(6) المختلف: 534.

(7) الإرشاد 2: 5، تبصرة المتعلّمين: 134، القواعد 2: 2.

(8) التذكرة 2: 574.

45

و يجوز أن ينظر الرجل إلى مثله ما خلا عورته، (1) شيخا كان أو شابّا، حسنا أو قبيحا، ما لم يكن النظر لريبة أو تلذّذ. و كذا المرأة.

____________

و يظهر من ذلك أنّ الريبة غير خوف الفتنة. و في القواعد و غيرها (1) اقتصر منهما على عدم الريبة كما في الكتاب. و هو أجود.

قوله: «و يجوز أن ينظر الرجل إلى مثله ما خلا عورته. إلخ».

(1) جواز نظر كلّ واحد من الرجال و النساء الى مثله موضع وفاق قولا و فعلا، بشرط أن لا يكون النظر بتلذّذ، و لا يخاف معه فتنة بالوقوع في محرّم، و أن يكون النظر لغير العورة، و هي من الرجل ما يجب ستره في الصلاة. و لا فرق في ذلك بين الحسن و القبيح، للعموم، و لا بين الأمرد و غيره عندنا، و إلّا لأمر الشارع الأمرد بالحجاب. نعم، لو خاف الفتنة بالنظر إليه أو تلذذ به فلا إشكال في التحريم كغيره.

و قد روي: «أنّ وفدا قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و فيهم غلام حسن الوجه، فأجلسه من ورائه، و كان ذلك بمرأى من الحاضرين» (2) و لم يأمره بالاحتجاب عن الناس فدلّ على أنّه لا يحرم، و إجلاسه وراءه تنزّها منه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و تعفّفا.

و إطلاق المصنف جواز نظر المرأة إلى مثلها يشمل المسلمة و الكافرة و التفريق. و المشهور أن الحكم كذلك على العموم، و لكن ذهب الشيخ (3) في أحد قوليه إلى أنّ الذميّة لا تنظر إلى المسلمة حتى الوجه و الكفين، لقوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ- إلى قوله- أَوْ نِسٰائِهِنَّ (4) و الذميّة ليست منهن،

____________

(1) القواعد 2: 2، الإرشاد 2: 5، التحرير 2: 3.

(2) تلخيص الحبير 3: 148 ح 1487.

(3) لم نعثر عليه و لعله استفيد مما ذكره في التبيان 7: 380.

(4) سورة النور: 31.

46

و للرجل أن ينظر إلى جسد زوجته باطنا و ظاهرا، (1) و إلى المحارم ما عدا العورة. و كذا للمرأة.

و لا ينظر الرجل إلى الأجنبيّة أصلا إلا لضرورة، (2) و يجوز أن ينظر إلى وجهها و كفّيها على كراهية مرّة، و لا يجوز معاودة النظر. و كذا الحكم في المرأة.

____________

و على قوله ليس للمسلمة أن تدخل مع الذمّية إلى الحمّام. و المشهور (1) الجواز، و أنّ المراد ب«نسائهنّ» من في خدمتهنّ من الحرائر و الإماء، فيشمل الكافرة، و لا فارق بين من في خدمتها منهنّ و غيرها.

قوله: «و للرجل أن ينظر إلى جسد زوجته باطنا و ظاهرا. إلخ».

(1) لا شبهة في جواز نظر كلّ من الزوجين إلى جسد الآخر مطلقا، لأن له الاستمتاع به، فالنظر أولى، و الفرج من جملة ذلك، و قد تقدّم (2) الخلاف في النظر إليه حال الجماع و أنّ الأصحّ الجواز. و المملوكة في حكم الزوجة مع جواز نكاحها، فلو كانت مزوّجة للغير أو مرتدّة أو مجوسيّة على قول أو وثنيّة أو مكاتبة أو مشتركة بينه و بين غيره كانت بمنزلة أمة الغير. و لو كانت مرهونة أو مؤجرة أو مستبرأة أو معتدّة عن وطي شبهة جاز على الأقوى.

قوله: «و لا ينظر إلى الأجنبيّة أصلا إلا لضرورة. إلخ».

(2) تحريم نظر الرجل إلى الأجنبيّة فيما عدا الوجه و الكفّين موضع وفاق بين المسلمين. و لا فرق فيه بين التلذّذ و عدمه، و لا بين خوف الفتنة و عدمه. و أما الوجه و الكفان فإن كان في نظرهما أحد الأمرين حرم أيضا إجماعا، و إلا ففي الجواز أقوال:

____________

(1) في النسخ الخطية: و الأشهر.

(2) في ص: 38.

47

..........

____________

أحدها: الجواز مطلقا على كراهية، اختاره الشيخ (1)- (رحمه الله)- لقوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا (2) و هو مفسّر بالوجه و الكفّين، و لأنّ ذلك مما تعمّ به البلوى، و لإطباق الناس في كلّ عصر على خروج النساء على وجه يحصل منه بدوّ ذلك من غير نكير.

و الثاني: التحريم مطلقا، اختاره العلامة في التذكرة (3)، لعموم قوله تعالى:

وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ (4) الآية، و لاتّفاق المسلمين على منع النساء من أن يخرجن سافرات، و لو حلّ النظر لنزّلن منزلة الرجال، و لأنّ النظر إليهنّ مظنّة الفتنة، و هو محلّ الشهوة، و اللائق بمحاسن الشرع حسم الباب و الإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبيّة، و لأنّ الخثعميّة أتت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بمنى في حجّة الوداع تستفتيه، و كان الفضل بن العبّاس رديف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأخذ ينظر إليها و تنظر إليه، فصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) وجه الفضل عنها، و قال: «رجل شابّ و امرأة شابّة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان» (5).

و في كلّ واحد من هذه الأدلّة نظر، لأنّ النهي في الآية مختصّ بما عدا الوجه و الكفّين، لقوله تعالى إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا. و دعوى اتّفاق المسلمين عليه معارض بمثله، و لو تمَّ لم يلزم منه تحريم هذا المقدار، لجواز استناد منعهنّ إلى المروّة و الغيرة، بل هو الأظهر، أو على جهة الأفضليّة، إذ لا شك فيها. و حديث الخثعميّة يدلّ على الجواز لا على التحريم، لأنّه (صلى اللّه عليه و آله) لم ينههما عن النظر أوّلا و لا صرفهما

____________

(1) المبسوط 4: 160.

(2) النور: 31.

(3) التذكرة 2: 573.

(4) النور: 31.

(5) مسند أحمد 1: 76، 157، الحاوي الكبير 9: 35.

48

..........

____________

عنه، و إنّما صرفه لما علّله من خوفه من وقوع الفتنة، و مع الخوف لا كلام في التحريم، مع أنّ صرفه لوجهه أعمّ من كونه على وجه الوجوب فلا يدلّ عليه، و يؤيّد كونه ليس على وجه الوجوب عدم نهيه لهما عن ذلك باللفظ، فإنّ النهي عن المنكر واجب على الفور و لم يحصل منه ذلك، و إنما حصل منه فعل غير دالّ عليه، و لو سلّم فهو على بعض الوجوه لا مطلقا كما بيّناه.

و القول الثالث: جواز النظر إلى الوجه و الكفّين على كراهة مرّة لا أزيد، و هو الذي اختاره المصنف و العلامة في أكثر كتبه (1). و وجه الجواز ما تقدّم، و وجه تحريم الزائد عن المرّة أنّ المعاودة و دوام النظر مظنّة الفتنة، لأنّ شأنه أن يحدث منه الميل القلبيّ و يترتّب عليه الفتنة كما اتّفق للفضل، دون الواحدة الناشئة غالبا لا عن داعية الشهوة و الميل القلبي.

و هذا حسن إن تحقّق من المعاودة أحد المحظورين، و إلّا ففيه ما مرّ. و عليه:

فينبغي أن يراد بالمرّة ما لا إطالة لها عرفا بحيث يتحقّق الميل القلبي، فإنّ ذلك كمعاودة النظر. و لا فرق بين اتّحاد المجلس و تعدّده. و محلّ الخلاف في المرّة، الواقعة عن قصد ليترتّب عليها الحكم الشرعي، أمّا ما يقع اتّفاقا بغير قصد فلا يتعلّق بها حكم اتّفاقا. و لا ريب أنّ القول بالتحريم مطلقا طريق السلامة. و نظر المرأة إلى الرجل كنظره إليها، لوجود المقتضي فيها، و لقوله تعالى وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ (2) فلا يجوز لها النظر إلى وجهه و كفّيه.

و اعلم: أنّ إطلاق المصنف الأجنبيّة شامل للكبيرة و الصغيرة، و كذا إطلاقه الحكم في المرأة يشمل النظر إلى الصغير و الكبير. و لا بدّ من استثناء الصغيرة التي

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 3، التحرير 2: 3.

(2) النور: 31.

49

و يجوز عند الضرورة، كما إذا أراد الشهادة عليها، (1) و يقتصر الناظر منها على ما يضطرّ إلى الاطّلاع عليه، كالطبيب إذا احتاجت المرأة إليه للعلاج، و لو إلى العورة، دفعا للضرر.

____________

ليست مظنّة الشهوة من الحكم، و كذا العجوز المسنّة البالغة حدّا تنتفي الفتنة و التلذّذ بنظرها غالبا على الأقوى، لقوله تعالى وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً فلا جناح عليهنّ أن يضعن ثيابهنّ (1) الآية، و من استثناء الصغير غير المميّز بالنسبة إلى المرأة، و هو الذي لم يبلغ مبلغا بحيث يصلح لأن يحكي ما يرى، لقوله تعالى أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ (2) و لأنّه حينئذ بمنزلة سائر الحيوانات.

و أمّا المميّز فان كان فيه ثوران شهوة و تشوّق فهو كالبالغ في النظر، فيجب على الوليّ منعه منه، و على الأجنبيّة التستّر عنه، و إلا ففي جوازه قولان، من إيذان استيذان من لم يبلغ الحلم في الأوقات الثلاثة- التي هي مظنّة التكشّف و التبذّل دون غيرها- بالجواز، و من عموم قوله تعالى أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ، فيدخل غيره في النهي عن إبداء الزينة له. و هذا أقوى، و الأمر بالاستيذان في تلك الأوقات لا يقتضي جواز النظر كما لا يخفى. هذا كلّه مع الاختيار، أمّا مع الضرورة فسيأتي.

قوله: «و يجوز عند الضرورة، كما إذا أراد الشهادة عليها. إلخ».

(1) قد عرفت أنّ موضع المنع من نظر كلّ من الرجل و المرأة إلى الآخر مشروط بعدم الحاجة إليه، أمّا معه فيجوز إجماعا. و قد تقدّم من مواضع الحاجة النظر إلى من يريد نكاحها أو شراءها، و منها إرادة الشهادة عليها تحمّلا أو أداء، و للمعاملة

____________

(1) النور: 60، و الآية الكريمة هكذا:. فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ.

(2) النور: 31.

50

..........

____________

ليعرفها إذا احتاج إليها، و للفصد و الحجامة و ما شاكلهما من الطبيب و نحوه، حيث يحتاج إلى شيء منه.

و يختصّ الجواز في الجميع بما تندفع به الحاجة، ففي مثل الشهادة يكفي نظر الوجه، و استثناؤه حينئذ من المنع على تقدير القول به مطلقا، أو مع افتقاره إلى التكرار، أو بغير كراهة، أو مع الحاجة إلى الزيادة عليه لو فرض.

و في مثل الطبيب لا يختصّ بعضو معيّن، بل بمحلّ الحاجة و لو إلى العورة. و كما يجوز النظر يجوز اللمس هنا حيث يتوقّف عليه. و لو أمكن الطبيب استنابة امرأة أو محرم أو الزوج- في موضع العورة- في لمس المحلّ و وضع الدواء وجب تقديمه على مباشرة الطبيب. و الأقوى اشتراط عدم إمكان المماثل المساوي له في المعرفة أو فيما تندفع به الحاجة. و لا يشترط في جوازه خوف فساد المحلّ، و لا خوف شدّة الضّنى، بل المشقّة بترك العلاج، أو بطوء البرء. و قال في التذكرة: «و ينبغي أن يكون ذلك بحضور محرم» (1). و هو حسن.

و في جواز النظر إلى فرج الزانيين لتحمّل الشهادة قولان، أحدهما: المنع، اختاره في التذكرة (2)، لأنّه نظر إلى فرج محرّم فكان محرّما، و ليست الشهادة على الزنا عذرا، لأنّه مأمور بالستر. فعلى هذا إنما تكون الشهادة عليه مع الرؤية اتّفاقا لا قصدا، أو معه بعد التوبة إن جعلناه كبيرة. و الثاني: الجواز، و اختاره في القواعد (3)، لأنّه وسيلة إلى إقامة حدّ من حدود اللّه تعالى، و لما في المنع من عموم الفساد، و اجتراء النفوس على هذا المحرّم، و انسداد باب ركن من أركان الشرع، و لم تسمع الشهادة بالزنا، لتوقّف تحمّلها على الإقدام على النظر المحرّم، و إدامته لاستعلام

____________

(1) التذكرة 2: 573.

(2) التذكرة 2: 573.

(3) القواعد 2: 3.

51

[مسألتان]

مسألتان:

[الأولى: هل يجوز للخصيّ النظر إلى المرأة المالكة (1) أو الأجنبيّة؟]

الأولى: هل يجوز للخصيّ النظر إلى المرأة المالكة (1) أو الأجنبيّة؟ قيل:

نعم، و قيل: لا. و هو الأظهر، لعموم المنع، و ملك اليمين المستثنى في الآية المراد به الإماء.

____________

الحال، بحيث يشاهد الميل في المكحلة. و إيقاف الشهادة على التوبة يحتاج إلى زمان يعلم منه العزم على عدم المعاودة، فيعود المحذور السابق. و هذا القول ليس بذلك البعيد.

و أمّا نظر الفرج للشهادة على الولادة، و الثدي للشهادة على الرضاع، فإن أمكن إثباتهما بالنساء لم يجز للرجال، و إلا فالوجهان، أجودهما الجواز، لدعاء الضرورة إليه، و كونه من مهامّ الدين و أتمّ الحاجات خصوصا أمر الثدي. و يكفي في دعاء الضرورة إلى الرجال المشقّة في تحصيل أهل العدالة من النساء على وجه يثبت به الفعل.

قوله: «هل يجوز للخصيّ النظر إلى المرأة المالكة. إلخ».

(1) هنا مسألتان:

الأولى: في جواز نظر البالغ الخصيّ المملوك للمرأة إلى مالكته قولان، أحدهما: الجواز، ذهب إليه العلامة في المختلف (1)، لقوله تعالى أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ (2) الشامل بعمومه للمملوك الفحل و الخصيّ، فإن فرض خروج الفحل لشبهة دعوى الإجماع بقي العامّ حجّة في الباقي، مع أنّ الشيخ ذكر في المبسوط ما يدلّ على ميله إلى جواز نظر المملوك مطلقا و إن كان قد رجع عنه أخيرا، و هذه

____________

(1) المختلف: 534.

(2) النور: 31.

52

..........

____________

عبارته: «إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيّا فهل يكون محرما لها حتى يجوز له أن يخلو بها و يسافر معها؟ قيل: فيه وجهان أحدهما- و هو الظاهر- أنه يكون محرما، لقوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ- إلى قوله- أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ.

و الثاني- و هو الأشبه بالمذهب- أنّه لا يكون محرما، و هو الذي يقوى في نفسي» (1).

و هذا الكلام يدلّ على تردّد و إن كان ميله أخيرا إلى التحريم.

و المقصود أنّ الحكم بتحريم نظر المملوك الفحل ليس بإجماعيّ، فيمكن الاستدلال عليه بعموم الآية، و قد روى الشيخ في المبسوط (2) و غيره (3) «أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، و على فاطمة ثوب إذا قنعت رأسها لم يبلغ رجليها و إذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلمّا رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس، إنّما هو أبوك و غلامك». و روى الكليني أخبارا [1] كثيرة بطرق صحيحة عن الصادق (عليه السلام) أنّ المراد بقوله تعالى أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ شامل للمملوك مطلقا. و روي في الصحيح عن معاوية بن عمّار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المملوك يرى شعر مولاته و ساقها، قال: لا بأس» (5).

و يدلّ على جواز نظر الخصيّ أيضا قوله تعالى أَوِ التّٰابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ (6) و الخصيّ إذا كان ممسوح الذكر مع الأنثيين لا تبقى له إربه في النساء، لأنّ الإربة هي الحاجة إليهنّ، و هي منتفية عنه. و الاستدلال بملك اليمين

____________

[1] لم نجد في الكافي بهذا المضمون الا حديثا واحدا، راجع الكافي 5: 531 ح 2.

____________

(1) المبسوط 4: 161.

(2) المبسوط 4: 161.

(3) سنن أبي داود 4: 62 ح 4106 و المغني لابن قدامة 7: 457.

(5) الكافي 5: 531 ح 3، الوسائل 14: 165 ب «124» من أبواب مقدمات النكاح، ح 3.

(6) النور: 31.

53

..........

____________

أوضح. و قد روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قناع النساء الحرائر من الخصيان، فقال: كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن (عليه السلام) و لا يتقنّعن» (1). و لا يخلو من دلالة على جواز النظر و إن لم يكن صريحا، لأنّ الظاهر من التقنّع هنا ستر الوجه منهم، مع احتماله إرادة غيره.

و الثاني: المنع، و هو الذي اختاره المصنف، و قبله الشيخ في الخلاف (2) و بعده العلامة في التذكرة (3)، لعموم المنع المستفاد من قوله تعالى وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الآية، و قوله تعالى وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ. و ملك اليمين روى أصحابنا أن المراد به الإماء، و لأنّ محرميّته ليست مؤبّدة، و لهذا لو باعته خرج عن الدلالة، فكان كزوج الأخت، و إنما يفيد المحرميّة من يحرم مؤبّدا. و قد روى الشيخ أيضا في الصحيح عن أحمد بن إسحاق عن الكاظم (عليه السلام): «قال: قلت له:

يكون للرجل الخصيّ يدخل على نسائه فيناولهنّ الوضوء فيرى شعورهنّ، قال:

لا» (4).

و الشيخ حمل الخبر الأول على التقيّة من سلطان الوقت، لأنّه روى أيضا في حديث آخر (5) أنّه (عليه السلام) لمّا سئل عن ذلك فقال: «أمسك عن هذا» و لم يجب.

____________

(1) التهذيب 7: 480 ح 1926، الاستبصار 3: 252 ح 903 و أيضا في الكافي 5: 532 ح 3 و عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 19 ضمن ح 44، راجع الوسائل 14: 167 ب «125» من أبواب مقدمات النكاح، ح 3.

(2) الخلاف 4: 249 مسألة (5).

(3) التذكرة 2: 574.

(4) التهذيب 7: 480 ح 1925، الاستبصار 3: 252 ح 902، و روي أيضا في الكافي 5: 532 ح 2 و الفقيه 3: 300 ح 1434 و الوسائل 14: 166 ب «125» من أبواب مقدمات النكاح، ح 2، و الراوي محمد بن إسحاق.

(5) التهذيب 7: 480 ذيل الحديث 1926 و 1927، الاستبصار 3: 252 ذيل الحديث 903.

54

..........

____________

و هو ظاهر في التقيّة.

و التحقيق في هذه المسألة: أنّ الأخبار الواردة في الخصيّ بخصوصه من الجانبين غير دالّة على المطلوب لأنّ الجواب هنا وقع ب«لا» النافية، و نفي الفعل المخصوص أعمّ من تحريمه، بل يجوز أن يكون لغرض آخر كالكراهة و التنزّه و غيرهما. و عدم التقنّع غير صريح في كشف الوجه ليراهنّ، و إن كان ظاهره ذلك.

و الإمساك عن الجواب في الخبر الأخير يمكن كونه لعدم صلاحيّة الوقت له، و لا يخلو من دلالة على التنزّه و الكراهة، إذ لو لم يكن فيه رخصة لكان الواجب الجواب به على وجه يرفع الإبهام. و كونه للتقيّة غير جيّد، لأنّها مسألة اجتهاديّة و المخالفون مختلفون فيها، فمنهم (1) من جوّز له النظر و جعله محرما، و منهم (2) من منعه مطلقا، و منهم [1] من فصّل فحرّم نظره إلى أن يكبر و يهرم و تذهب شهوته، و هذا في الحقيقة في حكم القول بالمنع مطلقا، لأنّ الهرم البالغ هذا الحدّ يجوّز النظر للفحل أيضا، لدخوله في غير أولي الإربة. و حينئذ فحمل مثل هذا على التقيّة غير واضح، و لا ينبغي التعلّق بها إلّا في المسائل التي اتّفق عليها من خالفهم، و إلّا فلهم أسوة بمن وافق، فينبغي التفطّن لذلك في نظائر هذه المسألة فإنّها كثيرة تراهم يحملون فيها الحكم على التقيّة مع اختلاف المخالفين فيها، و مثل هذا لا يجوّز العدول عن مدلول اللفظ بمجرّد الاحتمال البعيد.

و أمّا الاستدلال بعموم لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ فاستدلال ببعض الجملة دون بعض، و هذا ليس بجيّد، لأنّ الاستثناء أخرج المتنازع. و أبعد منه الاستدلال ب قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ.

____________

[1] لم نعثر عليه و لعلّه يستفاد مما نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 12: 237.

____________

(1) راجع المغني لابن قدامة 7: 457، الوجيز 2: 3، جواهر العقود 2: 13.

(2) راجع المغني لابن قدامة 7: 457، الوجيز 2: 3، جواهر العقود 2: 13.