معالم الدين و ملاذ المجتهدين (قسم الفقه) - ج1

- جمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي المزيد...
434 /
7

[مقدمة التحقيق]

الشيخ حسن بن زين الدين العاملي (قدّس سرّه) (صاحب المعالم) (959- 1011 هق) عصره- حياته- مدرسته

تصاغ الشخصية العلمية و النفسية و الاجتماعية لكلّ فرد خلال عمود الزمان متأثّرة بمجموعة من العوامل البيئية و الوراثية بما فيها الظروف السياسية و الاجتماعية العامة، بالاضافة إلى مجموعة المؤهّلات الفكرية (العقلية) و النفسية التي تحظى بها تلك الشخصية و ما تستطيع أن تستفيده من التراث الفكري و العلمي الذي ولّدته الأجيال السابقة حتّى العصر الذي تعيشه تلك الشخصية.

لقد ولد الشيخ المحقّق جمال الدين أبو منصور حسن بن زين الدين (صاحب المعالم) في منطقة جزّين من جبل عامل في بلاد الشام عام 959 هجرية قمرية و نشأ فيها و تكوّنت شخصيّته العلمية في مراحلها الاولى على يد مجموعة من تلامذة والده الشهيد الثاني (قدّس سرّه)، ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف و اختصّ بالمولى المقدّس الأردبيلي، ثمّ رجع مع ابن اخته السيد محمد (صاحب المدارك) إلى جبل عامل و استقلّ بالتدريس و التأليف حتّى ظهرت شخصيّته العلمية المرموقة في فترة و جيزة من خلال ما ألّفه في حقل الحديث

8

و حقل الرجال و حقل الاصول و حقل الفقه و غيرها من حقول المعرفة الإسلامية فكان صاحب مدرسة متميّزة لها خصائصها و آثارها في تأريخ التطوّر العلمي الإمامي.

و لأجل أن نتعرّف بوضوح على ما أنجزه هذا المحقّق في حقل الفقه و مقدّماته (من حديث و رجال و اصول) و ما أضافه إلى المدرسة الفقهية الإمامية يجدر بنا أن نلمّ بما يلي:

1- ما بلغه الفقه الإمامي من التطوّر حتّى عصر صاحب المعالم.

2- الظروف السياسية و الاجتماعية و الوضع الثقافي للبيئة التي نشأ فيها صاحب المعالم.

3- ما تميّزت به الحركة العلمية في عصر صاحب المعالم (في القرن العاشر الهجري) و خصائص البيئة التي نشأ فيها.

4- حياته الشخصية و العلمية و مجموعة العوامل الوراثية و البيئة العائلية التي لها أكبر الأثر في صقل الشخصية الانسانية و إيجاد مؤهّلاتها العقلية و النفسية.

5- إنجازات صاحب المعالم و معالم مدرسته الفقهية.

9

1- تطوّر الفقه الإمامي حتّى عصر صاحب المعالم

في اخريات حياة الإمام الصادق (عليه السلام) انتقلت مدرسة الفقه الشيعي من المدينة إلى الكوفة حيث كانت حينذاك مركزا علميا و تجاريا و سياسيا معروفا في العالم الإسلامي يقصده طلّاب العلم و المال و السياسة.

إنّ وفود جملة من الصحابة و التابعين إلى الكوفة من جهة و وفود مختلف العناصر الطالبة للعلم أو التجارة من أطراف العالم الإسلامي من جهة أخرى كان له الأثر البالغ في التلاقح العقلي و الذهني الذي أدّى بدوره إلى صيرورة الكوفة منطلقا للحركة العقلية و مصدرا للإشعاع الفكري و الفقهي الشيعيّين بالرغم من أنّ الكوفة لم تبق مقاما و مستقرّا للأئمة (عليهم السلام) إلى حين الغيبة الكبرى، و بالرغم من أنّ كلّ فقهاء الشيعة لم يتمركزوا في الكوفة إلى ذلك الحين (1).

و انتقلت حركة التدريس و التأليف إلى مدينتي قم و الريّ في بداية عصر الغيبة الكبرى بسبب المعاملة القاسية التي كان يلاقيها فقهاء الشيعة و علماؤهم من العباسيين، و قد وجدوا في هاتين البلدتين ركنا آمنا يطمئنّون إليه لنشر فقه أهل البيت (عليهم السلام) و حديثهم.

و عرف آل بويه في التأريخ بنزعتهم الشيعية و ولائهم لأهل البيت (عليهم السلام)

____________

(1) تأريخ فقه أهل البيت (عليهم السلام)، محمد مهدي الآصفي، مدرسة الكوفة: 16- 19، من مقدمة رياض المسائل.

10

فكانت حكومتهم هي السبب الآخر من أسباب ازدهار قم و الريّ في هذا العصر.

و نشطت حركة التأليف و البحث الفقهي في هذا العصر نشاطا كبيرا إذ دوّنت اولى المجاميع الحديثية الموسّعة و هي (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) للشيخين العظيمين الكليني (م 329) و الصدوق (م 381).

ثمّ أصبحت بغداد في القرن الخامس الهجري مركز الثقل الأوّل علميا و ثقافيا في العالم الإسلامي و انتقلت الحركة العلمية الشيعية من قم و الريّ إليها بعد أن ضعف جهاز الحكم العباسي و ظهرت شخصيات علمية كبيرة في بغداد كالمفيد و المرتضى و توسّعت المدرسة الفقهية الشيعية توسّعا أدّى بها إلى الانتقال إلى حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الوقت.

و قد قدّر للشيخ المفيد أن يكون رائدا فكريا لهذا العصر و أن يطوّر من مناهج الفقه و قواعده. و حاول السيد المرتضى أن يتابع خطوات استاذه المفيد في تطوير مناهج الفقه و الاصول. و عاصر الشيخ الطوسي حركة التطوير التي بدأها المفيد و تابعه فيها المرتضى و استمرّ بعدهما في محاولات التجديد و التطوير فقها و اصولا: مادّة و منهجا و اسلوبا.

و تعتبر مدرسة المفيد هذه- فتحا جديدا في عالم البحث الفقهي .. إذ استطاع المفيد أن يقوم بدور الجمع بين اتّجاهين متطرّفين: اتّجاه أهل الحديث و اتّجاه أهل الرأي، فكان اتّجاها وسطا بينهما، فلا جمود و لا انطلاق بل أمر بين أمرين (1). و أهمّ ملامح هذه المدرسة هي:

1- خروج الفقه عن دور الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب و السنّة إلى معالجة النصوص باستخدام قواعد علم الاصول، فقد انقلبت عملية

____________

(1) تأريخ التشريع الإسلامي، الدكتور عبد الهادي الفضلي: 262- 264.

11

استنباط الأحكام الشرعية في هذه المرحلة من مراحل تطوّر الفقه الإمامي إلى صناعة علمية لها قواعدها و بذلك انفصل البحث الاصولي و الكتب الاصولية عن البحث الفقهي و كتب الفقه. و قام البحث الفقهي على نتائج الدراسات الاصولية. و كانت الصناعة الفقهية في هذه الفترة تطوي مراحلها البدائية و لكنّها كانت بداية لعهد جديد.

2- استحداث فروع جديدة لم تتعرّض لها نصوص الروايات. كما يبدو ذلك جليّا في كتاب (المبسوط) للشيخ الطوسي.

3- ظهور الفقه المقارن بين مختلف مدارس الفقه الإسلامي. و أهمّ أثر فيه هو كتاب الخلاف للطوسي أيضا.

4- بروز ظاهرة الاجماعات و استخدامها في موارد عدم وجود النصّ الشرعي أو عدم سلامته، و لم تخل مؤلّفات الفقهاء المتقدّمين على هذا العصر من التمسّك بالإجماع، إلّا أنّ هذه الظاهرة تبدو في كتب الشيخ بصورة خاصة و في آثار هذه المدرسة بصورة عامّة أكثر من أيّ وقت سابق.

و بهذا يكون البحث الفقهي قد خطا خطوة كبيرة في هذه المرحلة من حياته و أشرف على أعتاب مرحلة جديدة داخلا دور المراهقة، و حاملا تجارب ثلاثة قرون حافلة بالجهود المثمرة و التجارب الخصبة (1).

و بالرغم من الفتح الفقهي الكبير الذي قدّر لمدرسة بغداد (مدرسة المفيد) على يد الشيخ الطوسي (قدّس سرّهما) إلّا أنّ ذلك لم يكن سوى بداية لفتوحات جديدة في تأريخ الفقه حصل عليها الفقه الإمامي عبر مدارس الحلّة و جبل عامل و اصفهان و النجف و كربلاء فيما بعد.

____________

(1) تأريخ فقه أهل البيت (عليهم السلام)، محمد مهدي الآصفي: مدرسة بغداد.

12

إنّ سقوط بغداد على يد هولاكو التتري و بقاء الحلّة مأمونة من شرّه- بعد أن أوفد أهل الحلّة وفدا يلتمس لهم الأمان و لبلدهم- أثمر ازدهار الحلّة علميا؛ إذ أخذت هذه البلدة المأمونة تستقطب الشاردين من بغداد من الطلّاب و الأساتذة و الفقهاء .. و انتقل معهم التراث و النشاط العلميين إلى الحلّة، و بذلك استقرّت الحوزة العلمية الكبرى للشيعة الإمامية في الحلّة و ظهر فيها مجموعة كبيرة من الفقهاء المبدعين الذين طوّروا مناهج البحث الفقهي و الاصولي و نظّموا أبواب الفقه و وسّعوا من آفاقه كما طوّروا علمي الحديث و اصول الفقه، كالمحقّق و العلّامة الحلّيين و فخر المحقّقين ابن العلّامة و ابن أبي الفوارس و ابن طاوس و الشهيد الأوّل.

و أهمّ ملامح مدرسة الحلّة الفقهية التي تميّزت بها عن مدرسة بغداد هي:

1- تنظيم أبواب الفقه:

قدّر للشيخ الطوسي الذي مثّل قمّة التطوّر للبحث الفقهي في عصره أن يجمع شتات الأشباه و النظائر في الفقه و يبوّت كلّ ذلك في أبواب خاصة بعد ما أكثر الفروع المستحدثة، إلّا أنّنا نلاحظ شيئا من التشويش في تبويبه لأبواب الفقه.

و لأوّل مرّة نلتقي بالتنظيم الرائع لأبواب الفقه في كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلّي (م 676 ه) و قد استمرّ فقهاء الشيعة على هذا التنظيم الرباعي لأبواب الفقه إلى العصر الحاضر.

و أساس هذا التقسيم الرباعي عند المحقّق هو:

إنّ الحكم الشرعي إمّا أن يتقوّم بقصد القربة أو لا. و الأوّل: (العبادات).

و الثاني: إمّا أن يحتاج إلى لفظ من الجانبين أو من جانب واحد أو لا يحتاج إلى اللفظ. فالأوّل: (العقود)، و الثاني: (الإيقاعات)، و الثالث: (الأحكام).

و بهذا تندرج جميع أبواب الفقه و مسائله في أقسام أربعة

13

العبادات و العقود و الإيقاعات و الأحكام.

2- الاهتمام الخاص بفقه المعاملات و محاولة التوسّع فيها، كما يبدو من مؤلّفات العلّامة الحلّي (قدّس سرّه).

3- التأليف الفقهي الموسوعي المقارن:

ألّف العلّامة (م 726 ه) موسوعته الفقهية القيّمة (تذكرة الفقهاء) في الفقه المقارن، كما ألّف موسوعته الفقهية الاخرى التي سمّاها ب(منتهى المطلب) و هي لا تقلّ عن التذكرة بل تزيد عليها بالسعة و الشمول و التفصيل في الفروع و الاحتجاج. و من يراجع هذين المؤلّفين يلمس بوضوح ضخامة العمل الفقهي الذي قدّمه العلّامة للعالم الإسلامي عامة و المذهب الإمامي خاصة لما اتّسم به من موضوعية و شمول و تفصيل يعزّ مثله في الدراسات المقارنة الاخرى.

4- تحقيق و تنقيح القواعد الاصولية، و الذي تمثّل في كتب المحقّق و العلّامة و فخر المحقّقين الاصولية و تلامذتهم.

5- جمع و تحقيق المسائل الخلافية بين فقهاء الشيعة:

و نتيجة للابتعاد عن عصر حضور الإمام المعصوم و صعوبة الاستنباط بعد ضياع جملة من النصوص أو عدم سهولة التأكّد من سلامتها سندا و دلالة من الطبيعي أن يكثر الاختلاف بين الفقهاء و تتشعّب مذاهبهم في استنباط الأحكام من المصادر الشرعية الموجودة بأيديهم، و على الفقيه أن يلمّ بوجوده الاختلاف في الرأي بعد اطّلاعه على تشتّت الآراء للفقهاء الإمامية أنفسهم للحصول على ما اتّفق عليه فقهاء المذهب و العلم بأسباب الاختلاف فيما اختلفوا فيه. و من هنا كتب العلّامة (مختلف الشيعة) الذي لا زال موضع اهتمام الدارسين إلى يومنا هذا.

6- إدخال القواعد الرياضية إلى ميدان الفقه و الاستفادة منها فيما يرتبط

14

بعلم الرياضيات من أبواب الفقه و كذلك علم الفلك (الهيئة) فيما يرتبط به من مسائل الفقه.

7- ظاهرة تربيع الحديث:

إنّ الفتن الطائفية التي كان يثيرها العباسيون بين حين و آخر في العراق قضت على جملة من تراث الإمامية كما نجد ذلك في إحراق مكتبة الشيخ الطوسي ببغداد، و كذلك الهجوم المغولي على بغداد هو العامل الآخر الذي ذهب بالكثير من التراث الإمامي .. ممّا أدّى إلى ضياع جملة كبيرة من القرائن التي تهمّ الفقيه للتمييز بين صحاح الأحاديث و ضعافها، و بينما كان الحديث الصحيح عند الفقهاء- قبل عصر العلّامة الحلّي- يطلق على كلّ حديث يوثق بصدوره عن المعصوم بالقرائن التي كانت متوفّرة للفقيه حينذاك، أصبح تمييز هذا الحديث الصحيح بمكان من الصعوبة، فكان من الضروري التفكير في اسس موضوعية محدّدة لتشخيص الحديث الصحيح من غيره. و تمخّض عن هذه الأسباب الاهتمام الخاص باسس التقييم لسند الحديث و تمّ الأمر بتصنيف الحديث إلى أربع درجات: الصحيح و الموثّق و الحسن و الضعيف.

و نهض بهذا الأمر فقهاء مدرسة الحلّة، أوّلهم السيد أحمد بن طاوس (م 673 ه) و تبعه في هذا التصنيف العلّامة الحلّي الذي طبّق هذه النظرية على جملة كتب الحديث فكتب (الدرّ و المرجان في الأحاديث الصحاح و الحسان) في عشرة أجزاء كما ألّف (النهج الوضّاح في الأحاديث الصحاح).

و قد استقرّ تصنيف الحديث إلى هذه الأقسام الأربعة بعد هذا التأريخ و أصبح أساسا للاستنباط بشكل عامّ.

و على أيّ حال فقد كانت مدرسة الحلّة امتداد لمدرسة بغداد و تطويرا لمناهجها و أساليبها و منجزاتها كما أنّها حلقة الوصل لنقل تراث مدرسة بغداد

15

- مادّة و منهجا- إلى مدرسة جبل عامل التي ازدهرت بعد عودة الشهيد الأوّل من الحلّة إليها.

و حاول الشهيد الأوّل (م 786 ه) أن يجعل من مدرسة جبل عامل مدرسة فقهية متطوّرة بعد عودته إلى جزّين التي كانت فيها مدرسة علمية معروفة قبل الشهيد .. فإنّه لم يقتصر على ما حصّله في الحلّة من علوم و معارف بل طاف البلاد الإسلامية و قرأ على عدد من مشايخ السنّة بمكّة و المدينة و بغداد و مصر و دمشق و بيت المقدس و مقام الخليل إبراهيم (عليه السلام)، و كان لهذا الانفتاح الثقافي و الفقهي أثر واضح في شخصية الشهيد و تآليفه و دروسه و في مدرسة جزّين التي طوّرها بجهوده.

و قد عمل الشهيد في هذه الفترة على تنظيم علاقة الامّة بالفقهاء من خلال شبكة الوكلاء الذين ينوبون عن الفقهاء في تنظيم شئون الناس في دينهم و دنياهم كما يقومون بجمع الحقوق المالية الشرعية لتوزيعها على مستحقّيها بنظر الفقيه الجامع لشرائط الفتوى و المرجعية.

و يبدو أنّ الشهيد الأوّل هو أوّل من أسّس هذا التنظيم الذي يريط الفقيه المتصدّي لشئون الامّة بقاعدته بواسطة شبكة الوكلاء. و قد استمرّ هذا التنظيم و نما و تطوّر فيما بعد إلى يومنا هذا.

و كان الشهيد يتردّد خلال فترة عمله في جزّين على دمشق كثيرا، و كان له في دمشق بيت عامر بالعلماء و طلبة العلم من مختلف المذاهب الإسلامية.

كما ألّف الشهيد كتاب (اللمعة الدمشقية) إجابة لدعوة الأمير الشيعي علي ابن مؤيّد حاكم خراسان الذي أرسل إليه وزيره يستقدمه إلى خراسان ليكون مرجعا للمسلمين هناك فاعتذر الشهيد بعذر جميل و أرسل إليه هذا المختصر الخالد في الفقه ليكون منهاجا لتنظيم شئون الدولة عليه. و قد ضمّن الشهيد

16

نظريته السياسية حول ولاية الفقيه كتابه هذا و بذلك يكون قد أدخل الفقه إلى عالم السياسة الدولية بشكل علمي و عملي و زرع بذور النظام السياسي الإمامي في وقت مبكّر. و قد طبّق المحقّق الكركي (م 940 ه) نظرية الشهيد هذه خلال فترة تسلّمه منصب شيخ الإسلام في الدولة الصفوية كما سنرى.

و اهتمّ الشهيد بتدوين القواعد الفقهية و هي أوّل محاولة يقوم بها فقيه إمامي بالإضافة إلى اهتمامه باصول الفقه الذي تجلّى في كتاب (جامع البين في فوائد الشرحين) حيث جمع فيه فوائد الشرحين الضيائي و العميدي على تهذيب العلّامة في علم الاصول. و قد سار الشهيد الثاني على خطى الشهيد الأوّل فشرح أكثر كتبه و علّق عليها و قد استخدم القواعد الفقهية و بشكل واسع في أبواب المعاملات بنحو لا نجد له نظيرا في كتب من تقدّمه كما نجده في كتابه (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية).

و بهذا نخلص إلى أهمّ ما أنجزته مدرسة جبل عامل حتّى النصف الأوّل من القرن العاشر الهجري بعد أن ورثت مدرستي بغداد و الحلّة الفقهيّتين و ذلك كما يلي:

1- تدوين القواعد الفقهية.

2- التوسّع في تدوين فقه المعاملات بالاستعانة بالقواعد الفقهية.

3- تنظيم علاقة الامّة بالفقهاء من خلال شبكة الوكلاء.

4- دخول الفقه إلى ميدان السياسة الدولية نظرية و تطبيقا من خلال تأصيل النظرية السياسية الإمامية في عصر الغيبة في الكتب الفقهية و التصدّي المباشر لمنصب ولاية الفقيه خلال الحكم الصفوي.

و إلى هنا نقف على ما آل إليه الفقه الإمامي حتّى عصر صاحب المعالم لنرى طبيعة الظروف السياسية و الاجتماعية في عصره و مجمل التطوّرات

17

الفقهية التي حقّقتها البيئة العلمية التي نشأ فيها كي نتوفّر على دراسة ما أثمرته الجهود العلمية لصاحب المعالم نفسه و ما حقّقته شخصيته الفذّة من منجزات و ما أضافته إلى التراث الإمامي من مؤلّفات.

18

2- الظروف السياسية و الاجتماعية و الثقافية في عصر صاحب المعالم

لقد نشأ صاحب المعالم في عصر تحكّمت فيه دولتان قويّتان: الدولة العثمانية و الدولة الصفوية، كما عاش في منطقتين متميّزتين: جبل عامل (من بلاد الشام) و النجف من العراق (الذي كانت تتناوب الدولتان العثمانية و الصفوية في التحكّم به و تسيير شئونه).

و من هنا يلزم أن نتعرّف على طبيعة الظروف السياسية و الاجتماعية التي كانت تمرّ بها بلاد الشام و بلاد فارس و طبيعة الحكم العثماني و الحكم الصفوي من جهة اخرى.

أ- نبذة عن التأريخ السياسي للتشيّع في بلاد الشام:

«لبلاد الشام علاقة عريقة و قديمة بالتشيّع منذ عهد الأمويّين و العبّاسيّين، إلّا أنّ الشيعة في هذين العهدين كانوا يعيشون مرحلة التقية و السرّية من الناحية السياسية و الدينية بسبب الاضطهاد الطائفي الذي كان يمارسه حكّام بني امية و العباسيين و ولاتهم في هذه المنطقة و غيرها من مناطق العالم الإسلامي.

حتّى إذا انقضى عصر عهد العباسيين و ظهرت للشيعة دول في التأريخ بعد سقوط الدولة العباسية- مثل دولة البويهيين في العراق و فارس، و دولة الحمدانيين في الموصل و حلب، و دولة العلويين في مصر و الحجاز و الشام و إفريقيا- بدأ الشيعة يتحرّكون في بلاد الشام و ينشطون ثقافيا و سياسيا.

و لقد عاش شيعة الشام أيام الفاطميين في القرن الرابع فترة حرية و استقرار،

19

نشطت فيها حركة التشيّع في بلاد الشام.

و عن هذه الفترة يقول السيوطي: غلا الرفض و فار بمصر و المشرق و المغرب (1).

في هذه الفترة انتعش التشيّع و امتدّ و انتشر في بلاد الشام، ثمّ تلا هذه الفترة حكم الأيوبيّين الذين استلموا الحكم من الفاطميين و حكموا مصر و الشام و جدّدوا اضطهاد الشيعة في بلاد مصر و الشام معا، ممّا أدّى إلى ضمور كبير للحالة الشيعية في مصر و الشام، ثمّ جاء من بعدهم المماليك عام 648 ليواصلوا نفس السياسة التي مارسها سلفهم الأيوبيون في اضطهاد الشيعة و التضييق عليهم في بلاد الشام، و كانت أيامهم من أشقّ الفترات على شيعة الشام.

و كان المماليك يتّخذون من فتاوى ابن تيمية ذريعة للفتك بالشيعة و إباحة دمائهم، و أدّى ذلك إلى أن يحتمي طائفة منهم بالجبال و المناطق الجبلية ليحموا أنفسهم من فتك النظام و بطشه، و يتظاهر طائفة منهم بالانتماء إلى المذاهب السنّية ليحمي نفسه و ذويه من بطش الحكام.

و نتج عن ذلك ضمور للتشيّع في بلاد الشام و اختفاء معالمه الفكرية و الثقافية. فقد فقدت الطائفة الاولى بالتدريج انتماءها الفكري و العملي للتشيّع، و لذلك أسموهم بالشيعة المتخاذلة أو المتستّرين. و أمّا الطائفة الثانية فقد شاع فيها الجهل نتيجة البعد و الانقطاع عن مراكز العلم.

في مثل هذه الظروف الصعبة في عصر المماليك حاول الشهيد الأوّل أن يوصل جبل عامل بمدرسة الحلّة و ينقل إليها العلم و الفقاهة و الفكر، و يجعل من جبل عامل مدرسة للفقاهة و الثقافة الإمامية مستفيدا من موقعها الجغرافي

____________

(1) تأريخ الخلفاء: 406.

20

الذي يمنحها حصانة طبيعية في مقابل تعدّي المماليك.

و كانت مدرسة (جزّين) التي أنشأها الشهيد الأوّل في جبل عامل بذرة لشجرة طيّبة نمت فيما بعد و أثمرت و اتّسعت و استتبعت مدارس فقهية اخرى في مناطق كثيرة من جبل عامل.

و رغم أن الشهيد الأوّل نفسه الذي أنشأ هذه المدرسة ذهب ضحية فتنة طائفية أوجدها المماليك في الشام و استشهد على يد (بيدمر) أحد ولاة المماليك على الشام إلّا أنّ العلم انتشر في جبل عامل، و تعدّدت مراكز العلم و الفقاهة و أصبحت هذه المنطقة مدرسة عامرة بالفقهاء و العلماء، و استعاد التشيّع وجهه الفقهي و الثقافي و أصالته في بلاد الشام.

و لمّا امتدّ بعد ذلك سلطان العثمانيين إلى بلاد الشام و واصل العثمانيون سياسة الاضطهاد و التضييق على شيعة الشام لم يكن هناك ما يهدّد كيان الشيعة العقائدي و الفقهي في الشام كما حدث ذلك في فتنة المماليك من قبل، فقد استطاع فقهاء الشيعة خلال هذه الفترة أن يعمّقوا في بلاد الشام و في جبل عامل بالخصوص الاسس الفكرية و الفقهية للتشيّع.

و قد استحدث الشهيد الأوّل نظاما خاصا لجباية الخمس و توزيع العلماء في المناطق، و كان لهذا العمل الفكري و الثقافي و التنظيمي الذي نهض به الشهيد و من خلفه من فقهاء الشيعة دور كبير في حفظ التشيّع في بلاد الشام» (1).

ب- الدولة الصوفية و هجرة الفقهاء إليها:

«الصفويون اسرة شيعية علوية عريقة تنتسب إلى صفيّ الدين الأردبيلي

____________

(1) محمد مهدي الآصفي، مقدمة رياض المسائل: 64- 66.

21

العارف و الصوفي المعروف المدفون بأردبيل في آذربايجان، و كان رجال هذه الاسرة يتوارثون زعامة الطريقة الصوفية. فلمّا تولّى (إسماعيل) أحد أحفاد صفي الدين زعامة الطريقة بعد مقتل والده جمع جيشا من أتباعه و قاده إلى قتال اسرة آققوينلو الحاكمة في آذربايجان و العراق، و قضى على نفوذ هذه الاسرة التركمانية في آذربايجان و اتّخذ من تبريز مقرّا لحكمه و سلطانه عام 905 ه، ثمّ توجّه بجيشه إلى العراق و فتحه و قضى على نفوذ اسرة آققوينلو في العراق بشكل كامل، و أصبح الشاه إسماعيل حاكما على إيران و العراق بشكل كامل.

و امتدّت فتوحات الشاه إسماعيل إلى خراسان، و تمّ له فتحها، كما تمّ له فتح (هرات) و إسقاط حكومة (أزبك) بعد حرب طويلة أخذت فيها الصبغة المذهبية، و حاول كلّ من الطرفين المتقاتلين أن يستفيد من انتمائه المذهبي في كسب المعركة لصالحه.

و هكذا تكوّنت دولة شيعية قويّة و واسعة في إيران و العراق و خراسان و هرات إلى جنب دولة سنّية قوية و واسعة كذلك، و هي الدولة العثمانية التي كانت تتّخذ من الخلافة الإسلامية غطاء شرعيا لوجودها السياسي في العالم الإسلامي، و استمرّ القتال- سجالا بين هاتين القوّتين على مناطق النفوذ، فبادرت الدولة الصفوية إلى فتح العراق و إسقاط حكومة أزبك السنية عام 914 ه.

ثمّ تقابلت الدولتان في معركة كبيرة في حياة الشاه إسماعيل و انتهت المعركة بانتصار آل عثمان على الصفويين في موقعة (چالدران) الشهيرة و انفصل العراق عن محور النفوذ الصفوي، و أعلن والي العراق عن انضمام العراق إلى الدولة العثمانية.

22

ثمّ استعاد الصفويون سيطرتهم على العراق من جديد عام 937 هبعد وفاة الشاه إسماعيل مؤسّس الدولة الصفوية. ثمّ استرجع آل عثمان سيطرتهم على العراق من جديد عام 941 ه.

و خلال هذا الصراع كان كلّ من الطرفين المتنافسين و المتقاتلين يحاول أن يكسب لموقفه في هذه المعركة الضارية غطاء شرعيا يمكنه من تحشيد المقاتلين إلى جانبه.

أمّا آل عثمان فكان عنوان الخلافة الإسلامية يدعمهم في هذه المعركة إلى حدّ بعيد، بالإضافة إلى الارتباط التأريخي للمؤسسة الفقهية السنّية بالمؤسسة السياسية.

أمّا الدولة الصفوية فكانت تواجه مشاكل حقيقية في هذا الجانب و كان عليها أن تعمل لكسب موقف فقهاء الشيعة إلى جانبها و تأييدهم لها.

على أنّ هذه الدولة الفتيّة كانت بحاجة إلى حضور فاعل لفقهاء الشيعة معها لتستطيع أن تؤدّي رسالتها في تكريس مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و فقههم و إدارة شئون الدولة على منهاج أهل البيت الفقهي، و قد كان بعض ملوك الصفويين كالشاه إسماعيل و ابنه طهماسب صادقين في محاولة تكريس المذهب الفقهي لأهل البيت في الدولة الصفوية و تمشية نظام الحكم الصفوي على منهاج فقه أهل البيت، و كانوا يحاولون الإفادة من فقهاء الشيعة في هذا المجال و تمكينهم من الدولة بالمقدار الذي لا يزاحمهم في حقّ اتّخاذ القرار السياسي بشؤون الدولة.

و كان هذا هو أحد العاملين الرئيسين لقدوم فقهاء الشيعة من جبل عامل من بلاد الشام إلى إيران، و قد أشرنا إلى ذلك من قبل، فقد كانت الدولة الشيعية الفتية بحاجة حقيقية و ماسّة إلى استقدام الفقهاء من جبل عامل لما تتمتّع به هذه المنطقة الجبلية من الشام من مدارس علمية و تراث فقهي و ثروة علمية كبيرة.

23

و العامل الثاني لهجرة فقهاء جبل عامل إلى إيران هو الاضطهاد الطائفي الذي كان يمارسه حكّام آل عثمان ضدّ الشيعية عموما و ضدّ فقهاء الشيعة على الخصوص. فقد سقطت الشام بيد آل عثمان عام 923 ه، و قضى العثمانيون على نفوذ المماليك قضاء تاما، و استمرّت بلاد الشام تحت النفوذ العثماني حتّى سقوط الدولة العثمانية.

و رغم الاضطهاد الطائفي الذي كان يمارسه المماليك ضدّ فقهاء الشيعة في الشام، فقد كان فقهاء الشيعة يتمتّعون بحرّية نسبية في منطقة جبل عامل في ممارسة نشاطهم الثقافي و الديني عند ما كان هذا النشاط لا يضرّ بمصالح الدولة.

فلمّا حلّ آل عثمان محلّ المماليك سلبوا من فقهاء الشيعة حتّى هذه المساحة المحدودة من حقّ النشاط العلمي، و ضيّقوا عليهم سبل العمل و الحركة من كلّ جانب.

فقد قام السلطان سليم الأوّل بأوسع مذبحة للشيعة في بلاد الأناضول و الشرائط الساحلي للبحر الأبيض المتوسّط، و يقدّر المؤرّخون قتلى الشيعة في هذه المذبحة سبعين ألفا.

و قتل عمّال آل عثمان الفقيه زين الدين العاملي (الشهيد الثاني) (رحمه اللّه) رغم المرونة المذهبية التي كان يمارسها هذا الفقيه الجليل، فقد كان على صلة وثيقة بالمراكز العلمية السنّية، و كسب تأييد الاستانة في أن يتولّى المدرسة العلمية النورية في بعلبك، و لم يستجب لدعوة الصفويين في الهجرة إلى إيران، رغم ذلك كلّه لم يسلم هذا الفقيه الجليل من سيف الاضطهاد الطائفي، و قتل على ساحل البحر بطريقة مشجية.

و بسبب هذين العاملين استجاب فقهاء جبل عامل إلى دعوة الصفويين للقدوم إلى إيران، فقدم من جبل عامل إلى أصفهان جمع كبير من خيار و كبار

24

فقهاء جبل عامل.

و كان المحقّق الكركي الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الشهير ب(المحقّق الثاني) هو أوّل فقيه من جبل عامل يستجيب لدعوة الصفويين.

التقى المحقّق الكركي بالشاه إسماعيل الصفوي في (هرات) عند ما فتح الملك الصفوي هرات في قمة مجده العسكري و انتصاراته و بارك له هذا النصر، و استقبل الملك المنتصر المحقّق الثاني في نشوة فتوحاته العسكرية باحترام و تقدير كبيرين، و طلب منه أن ينتقل معه إلى إيران و يتولّى شئون الدولة الشرعية و الفقهية بموجب مذهب أهل البيت.

و في بداية هذا اللقاء لم يخف المحقّق الكركي استياءه من بطش الصفويين بالسنّة في مدينة هرات بعد فتحها و القضاء على دولة الأزبك، و قد بلغه أنّ الجيش الصفوي قد قتل شيخ الإسلام في هرات سعد الدين التفتازاني صاحب كتاب (المطوّل في البلاغة) فقال للملك:- و هو يريد أن ينبّهه إلى خطئه في الاضطهاد الطائفي و الفتك بمن يخالفهم في المذهب- لو لم يقتل لأمكن أن يتمّ عليه بالحجج و البراهين حقيقة مذهب الإمامية و يذعن بإلزامه جميع بلاد ما وراء النهر و خراسان (1).

انتقل المحقق الكركي إلى إيران بصحبة الشاه و استغلّ هذه الفرصة أفضل استغلال، و نشط في تكريس و نشر فقه أهل البيت (عليهم السلام) في إيران، و تولّى تعيين العلماء و أئمة الجماعة و القضاة في أطراف البلاد بصورة منظّمة.

و إذا صحّ أنّ الشهيد الأوّل محمد بن مكي (رحمه اللّه) كان أوّل من مارس تنظيم ارتباط العلماء بالمرجعية و جباية الحقوق الشرعية بصورة منظّمة، فقد كان

____________

(1) مستدرك وسائل الشيعة 3: 432.

25

المحقق الكركي أوّل من مارس هذه النظرية في النظم بصورة ميدانية و واسعة في الدولة الصفوية، مستفيدا من إمكانات النظام و الدعم السياسي و المالي الذي كان يتلقّاه من قبل الدولة.

و قد استطاع المحقق الكركي أن يقنع جمعا من زملائه و أصدقائه و تلاميذه في جبل عامل للهجرة إلى إيران و الإفادة من هذه الفرصة السانحة لنشر و تكريس فقه أهل البيت (عليهم السلام) و بسط نفوذ الفقهاء في هذه الدولة الفتية.

و يبدو أنّ المحقق الكركي استطاع أن يحقّق خلال هذه الفترة أهدافه بصورة جيده، و نجح في بسط نفوذ المؤسسة الفقهية إلى حدّ بعيد، ممّا جعل البلاط الملكي يتضايق منه بصورة أو باخرى، و قد أدّى ذلك فعلا إلى برود ملحوظ في علاقة المحقق الكركي ببعض أجنحة البلاط، فآثر المحقق أن يغادر إيران إلى العراق، و يعود إلى النجف مرّة اخرى ليعاود نشاطه الفقهي في هذه المدينة المقدّسة بجوار مرقد أمير المؤمنين (عليهم السلام).

و قد مكث المحقّق قرابة ستّ سنوات في النجف توفّي خلالها الشاه إسماعيل و خلّف على الملك ابنه طهماسب.

و يبدو أنّ الفراغ الذي خلّفه المحقّق الكركي من بعده أضرّ بالدولة، و أنّ الجمهور كان يطالب بإلحاح بعودة المحقق الكركي إلى إيران، و لم يجد الشاه بديلا عن المحقق ممّا جعل طهماسب ابن الشاه إسماعيل يطلب من المحقق العودة إلى إيران لتسلّم منصب شيخ الإسلام في عاصمة ملكه (اصفهان).

فاستجاب المحقق الكركي لدعوة الملك و رجع إلى أصفهان عاصمة الصفويين بصفة (نائب الإمام). و هذه الصفة تمنحه بطبيعة الحال الولاية المطلقة في شئون النظام و الامّة و تجعل مشروعية النظام تابعة لإذن الفقيه. و أقرّ النظام الصفوي للمحقق بهذه الولاية المطلقة النائبة عن ولاية الإمام، و صرّح له الملك

26

(بأنّ معزول الشيخ لا يستخدم و منصوبه لا يعزل) (1).

و كان طهماسب يقول للمحقق الكركي: أنت أولى بهذا الأمر منّي. أنت نائب الإمام و أنا أحد عمّالك الذين يمثّلون أوامرك و نواهيك (2).

و مارس المحقق عمله من هذا الموقع الشرعي في فترة من حكومة الشاه طهماسب و كان ينصب الولاة و يعزلهم و يأمرهم بالعدل و الإحسان.

يقول السيد نعمة اللّه الجزائري: رأيت مجموعة من أحكام المحقق إلى الحكّام و الولاة، و كانت جميعا تتضمّن الأمر بالعدل إلى الرعايا و الإحسان إليهم، و كان للمحقق الكركي دور كبير في مكافحة الفحشاء و المنكرات و إقامة الفرائض في مواقيتها و الأمر بإعلان الأذان في مواقيت الصلاة، و ملاحقة المجرمين و المفسدين في إيران (3).

و لا شكّ أنّ هذا حديث جديد في تأريخ فقه أهل البيت، و لأوّل مرّة في التأريخ يتصدّى فقيه إمامي لشئون الولاية العامة من موقع السيادة و الولاية الشرعية نيابة عن الإمام. و هذا الأمر إن كان معروفا من الناحية النظرية في الفقه الشيعي فهو على الصعيد التنفيذي و التطبيقي حدث جديد بالمعنى الدقيق للكلمة» (4).

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 272.

(2) مفاخر الإسلام، للشيخ علي دواني 4: 441.

(3) أحسن التواريخ: حوادث سنة 931، نقلا عن السيد الجزائري (رحمه اللّه).

(4) مقدّمة رياض المسائل 1: 85- 91.

27

3- الحركة العلمية في عصر صاحب المعالم

إنّ المحقّق الكركي هو خرّيج مدرسة جبل عامل و قد حذا حذو الشهيد الأوّل في الهجرة إلى دمشق و القدس و مصر لينفتح على فقه المذاهب الأربعة.

و قد أتحف المكتبة الفقهية الإمامية بموسوعته القيّمة (جامع المقاصد) و هي شرح استدلالي لقواعد العلّامة يمتاز بالتركيز و الإيجاز و متانة الاستدلال و الاقتصار على قدر الضرورة من النقض و الاستدلال. و يعدّ أحد المصادر التي لا يستغني عن مراجعتها الفقيه حين الاستنباط. و قد اشتهرت دقّة نظر هذا الفقيه حتّى وسم ب(المحقّق الثاني).

و المحقّق الثاني- كما قلنا- هو أوّل فقيه عاملي استجاب لدعوة الصفويين فقدّم إلى أصفهان و مارس تطبيق نظرية ولاية الفقيه بشكل مىدانى واسع في الدولة الصفوية ثمّ غادر إيران إلى العراق ليعاود نشاطه الفقهي قرابة ستّ سنوات ثمّ طلب منه النظام الصفوي الرجوع إلى أصفهان فاستجاب ثانية و مارس عمله بصفة (نائب الإمام (عليه السلام)). و هو أوّل فقيه إمامي تصدّى لشئون الولاية العامة من موقع السيادة الشرعية نيابة عن الإمام (عليه السلام).

و بهذا دخل الفقه و الفقهاء- الذين استجابوا لدعوة المحقق الثاني- دور التطبيق الاجتماعي و السياسي بمستوى استلام زمام الحكم بصورة ملحوظة و أصبح من مسئولية الفقهاء الإجابة على كثير من الأسئلة التي كان يطرحها الولاة و القضاة و تناولها الفقهاء بالدرس و التأليف و يعدّ ذلك ثروة علمية فقهية مباركة.

28

و أمّا الشهيد الثاني فقد درس في معاهد جبل عامل (جبع و ميس و كرك نوح) كما درس في دمشق و مصر و روى عن جماعة من علماء العامة كالعلّامة و الشهيد اللذين انفتحا على فقه سائر المذاهب الإسلامية و أقام الشهيد الثاني بالقسطنطينية عام 966 هو درّس في المذاهب الخمسة مدّة طويلة و هو أوّل من صنّف من الإمامية في دراية الحديث أكثر من كتاب كما أنّه بلغ غاية الكمال في الأدب و الفقه و التفسير و الحديث و المعقول و الهيئة و الحساب و الهندسة، و قد اعتنى بمؤلّفات الشهيد الأوّل بالغ الاعتناء و تبلورت آراؤه الفقهية و منهجه العلمي بوضوح في كتبه الفقهية الشهيرة: روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان و الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الأوّل و مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام و غيرها كشروح الألفية و النفلية للشهيد. و قد كتب ثلاث رسائل عن صلاة الجمعة و آدابها و الحثّ عليها.

و المتأمّل في آثار الشهيد لا يستطيع إنكار تأثّره بالفتوحات الفقهية التي حصلت للفقه الإمامي منذ دخوله دور التطبيق الاجتماعي و السياسي على مستوى إدارة شئون الدولة على يد فقهاء الإمامية كالمحقق الكركي و من حذا حذوه بعد أن كان قابعا بين سطور الكتب و لم يستطع النمو إلّا على مستوى النظرية.

و قد انتقل تراث الشهيد الثاني- الذي اجتمعت فيه خصائص مدرسة الشهيد الأوّل و ما حازته مدرسة أصفهان بعد هجرة علماء جبل عامل إليها- عن طريق تلامذته إلى ولده صاحب المعالم الذي تلقّى العلم من جملة من تلامذة والده كوالد الشيخ البهائي و والد صاحب المدارك و السيد علي الصائغ الذي هو من أبرز تلامذة الشهيد الثاني و ممّن أجاز المولى المقدّس الأردبيلي أيضا.

و أمّا المقدّس الأردبيلي (م 993 ه) الذي تتلمذ عنده صاحب المعالم في

29

مدرسة النجف الأشرف فلم يذكر أصحاب التراجم عن أسماء أساتذته شيئا سوى قولهم أنّه درس عند بعض تلامذة الشهيد الثاني و عند فضلاء العراقين و المشاهد المعظّمة و له الرواية عن السيد علي الصائغ الذي هو من كبار تلامذة الشهيد الثاني. و مع هذا كلّه فقد تميّزت مدرسة المحقق الأردبيلي هذا عن المدارس المعاصرة لها بميزتين معروفتين:

الاولى: هي التحرّر من حصار التبعية للمشهور من الفقهاء و السابقين منهم بالرغم من اشتهاره ب(المقدّس).

و الثانية: هي الاعتماد على مبدأ السماح و السهولة في أحكام الشريعة على أساس قوله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «بعثت بالشريعة السهلة السمحة»، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «يسّروا و لا تعسّروا».

و قد نشأ صاحب المعالم في هذه المدرسة الفقهية و ارتوى من نميرها فيكون قد تأثّر بمدرستين منفتحتين مدرسة جبل عامل و مدرسة المقدّس الأردبيلي، و في عصر العهد الصفوي الذي أنزل الفقه الإمامي إلى الساحة الاجتماعية و السياسية على مستوى إدارة دولة و تسيير نظام للحكم في وسط اجتماعي مسلم.

30

4- حياة صاحب المعالم الشخصية و شخصيته العلمية

الشيخ جمال الدين أبو منصور: حسن بن زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح (تلميذ العلّامة الحلّي) بن أشرف (أو مشرف) العاملي النحاريري الجبعي المولود بجبع عشية الجمعة 27 رمضان المبارك عام 959 هق المتوفّى في جبع في مفتتح محرّم الحرام سنة 1011 هق. و قد استشهد والده و عمره سبع سنوات.

أثنى عليه كلّ من عاصره من أساتذته و طلّابه و من قارب عصره ممّن تأخّر عنه من أصحاب التراجم و الرجال، و إليك جملة من جمل الثناء عليه:

1- «وجه من وجوه أصحابنا ثقة عين صحيح الحديث ثبت واضح الطريقة نقيّ الكلام جيّد التصانيف» (1).

2- «كان عالما فاضلا متبحّرا محقّقا ثقة ثقة فقيها وجيها نبيها محدّثا جامعا للفنون، أديبا شاعرا زاهدا عابدا ورعا جليل القدر عظيم الشأن كثير المحاسن وحيد دهره، أعرف أهل زمانه بالفقه و الحديث و الرجال .. و كان ينكر كثرة التصنيف مع عدم تحريره، و كان حسن الخطّ جيّد الضبط عجيب الاستحضار حافظا للرجال و الأخبار و الأشعار» (2).

3- «بلغ من التقوى و الورع أقصاهما، و من الزهد و العبادة منتهاهما و من

____________

(1) نقد الرجال للتفرشي (م 1015 ه) كما في أعيان الشيعة 5: 93.

(2) أمل الآمل، للحرّ العاملي (م 1104 ه) 1: 57.

31

الفضل و الكمال ذروتهما و أسناهما، و كان لا يجوّز أكثر من قوت اسبوع (أو شهر) (1) لأجل القرب إلى مساواة الفقراء و البعد عن التشبّه بالأغنياء» (2).

4- «شيخ المشايخ الجلّة و رئيس المذهب و الملّة، الواضح الطريق و السنن و الموضح الفروض و السنن، يمّ العلم الذي يفيد و يفيض و خضمّ الفضل الذي لا ينضب و لا يغيض، المحقّق الذي لا يراع له يراع، و المدقّق الذي راق فضله و راع، المتفنّن في جميع الفنون» (3).

5- «الفقيه الجليل و المحدّث الاصولي، الكامل النبيل المعروف بصاحب المعالم، ذو النفس الطاهرة و الفضل الجامع و المكارم الباهرة، هو مصداق قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): (الولد سرّ أبيه)، بل هو أعلم، و مظهر المثل السائر: (و من يشابه أباه فما ظلم)، كان رضى عنه اللّه علّامة عصره و فهّامة دهره، و هو و أبوه و جدّه الأعلى و جدّه الأدنى و ابنه و سبطه (قدّس اللّه أرواحهم) كلّهم من أعاظم العلماء» (4).

6- «أمره في العلم و الفقه و التبحّر و التحقيق و حسن السليقة و جودة الفهم و جلالة القدر و كثرة المحاسن و الكمالات أشهر من أن يذكر» (5).

7- «و يكفي في علوّ شأنه و جلالته عند شيخه و استاذه المحقّق الأردبيلي ما كتبه له في آخر وصية كتبها لتلميذه (صاحب المعالم) بطلب منه ليكون

____________

(1) الترديد من صاحب الكلمة و هو حفيد صاحب المعالم الشيخ علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين.

(2) أعيان الشيعة عن الدرّ المنثور 5: 92- 93.

(3) سلافة العصر، للسيد علي خان المدني (م 1120 ه).

(4) رياض العلماء، للمولى عبد اللّه أفندي 1: 225.

(5) روضات الجنّات، للخوانساري 2: 296.

32

تذكرة له و نصيحة، حيث كتب له بعض الأحاديث و كتب في آخرها: كتبه العبد أحمد لمولاه لأمره و رضاه» (1).

نشأته العلمية و أساتذته:

نشأ الشيخ حسن (صاحب المعالم) مع ابن اخته و زميله السيد محمد (صاحب المدارك) و تلقّيا العلم من تلامذة والده الشهيد الثاني و هم: السيد نور الدين الكبير والد صاحب المدارك، و السيد علي الصائغ الذي اعتنى بهما عناية كبيرة تحقيقا لدعاء والده الشهيد الذي طلب من اللّه سبحانه أن يرزقه ولدا و يتولّى هذا السيد الفاضل تربيته و تولّى السيد علي الصائغ تربيتهما و قرءا عليه أكثر العلوم التي استفادها من الشهيد الثاني من معقول و منقول و فروع و اصول و عربية و رياضيات.

و من تلامذة الشهيد الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي حيث أجاز الشيخ حسن بتأريخ 983 ه.

و قد ذكر أصحاب التراجم أنّ المولى عبد اللّه اليزدي صاحب الحاشية المعروفة في المنطق قد درّس الشيخ حسن و السيد محمد المنطق و الرياضيات- في جبل عامل أو النجف- و قرأ هو عليهما الفقه و الحديث.

و هاجرا إلى العراق و لم يبقيا في النجف إلّا مدّة قليلة لعلّها سنتان أو أكثر حيث قرءا على المولى المقدّس الأردبيلي بعض المتون الاصولية و الفقهية التي لها دخل في الاجتهاد بمقدار ما يهمّ الفقيه معرفته من منطق و اصول و فقه في

____________

(1) أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين العاملي 5: 93، و مقدّمة منتقى الجمان عن حدائق المقرّبين.

33

حلقة خاصة بهما و باسلوب يختلف عن الأساليب الموروثة في التحصيل.

و كان طلبة الأردبيلي يسخرون منهما اسلوبهما في التحصيل و كان الأردبيلي يشير إلى أنّهما سوف يعود ان إلى بلدهما مجتهدين و يؤلّفان الكتب التي سوف تصبح مدارا و محورا للتدريس، و بالفعل كان الأمر كذلك إذ رجعا إلى جبل عامل و ألّف الشيخ حسن (معالم الدين و ملاذ المجتهدين) قبل وفاة استاذه الأردبيلي (993 ه) و مقدّمته هي من خيرة الكتب الدراسية الاصولية، و المعالم هو الكتاب الاصولي الأوّل الذي لا زال يدرّس إلى عصرنا الحاضر في الحوزات العلمية الإمامية. كما ألّف السيد محمد (مدارك الأحكام) و هو كتاب فقهي يشار إليه بالبنان.

34

5- مدرسة صاحب المعالم

1- نشاطه العلمي:

يمكن تصنيف النشاط العلمي للشيخ حسن بن زين الدين العاملي إلى نشاط تدريسي و آخر تأليفي.

أ- تلامذته و الراوون عنه:

و قد أثمر النشاط التدريسي مجموعة من الفقهاء و الطلّاب الذين جاء ذكرهم أو ذكر بعض منهم في كتب التراجم، منهم:

1- نجيب الدين علي بن محمد بن مكي بن عيسى بن حسن العاملي الجبيلي ثم الجبعي.

2- الشيخ عبد اللطيف بن محيي الدين العاملي.

3- الشيخ عبد السلام بن محمد الحرّ العاملي عمّ صاحب الوسائل.

4- الشيخ حسين بن الحسن الظهيري العاملي.

5- السيد نجم الدين بن محمد الموسوي السكيكي (يروي عنه إجازة و لا يعلم أقرأ عليه أم لا).

6- الشيخ موسى بن علي الجبعي (و يظنّ أنّه من تلاميذه إذ توجد بخطّه نسخة التحرير الطاوسي في الخزانة الرضوية، كتبه سنة 1011 هو هي سنة وفاة المؤلّف صاحب المعالم).

7- الشيخ أبو جعفر محمد ابن صاحب المعالم و له منه إجازة بتأريخ 990 ه.

8- الشيخ أبو الحسن علي و هو الآخر ابن صاحب المعالم و له منه إجازة

35

بتأريخ 990 هأيضا.

ب- مؤلّفاته:

1- التحرير الطاوسي (في علم الرجال) فرغ منه سنة 991 ه.

2- حواشي الخلاصة (في علم الرجال).

3- ترتيب مشيخة من لا يحضره الفقيه، ابتدأ به في النجف و فرغ منه في رمضان سنة 982.

4- منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح و الحسان (في الحديث).

5- الحواشي على الكافي و الفقيه و التهذيب و الاستبصار (في الحديث).

6- شرح ألفية الشهيد.

7- مناسك الحجّ.

8- الاثنا عشرية في الطهارة و الصلاة.

9- رسالة في عدم جواز تقليد الميّت.

10- مشكاة القول السديد في تحقيق معنى الاجتهاد و التقليد.

11- حاشية مبسوطة على المختلف للعلّامة.

12- شرح مبسوط للّمعة الدمشقية (و هو غير حواشي شرح اللمعة).

13- جواب المسائل المدنيات الاولى و الثانية و الثالثة.

14- شرح اعتقادات الصدوق.

15- كتاب الإجازات.

16- إجازة كبيرة معروفة.

17- ديوان شعر كبير.

18- معالم الدين و ملاذ المجتهدين (في الاصول و الفقه) فرغ منه سنة 994 ه.

36

التعريف بمؤلّفاته و شروحها:

قال المحدّث البحراني في (لؤلؤة البحرين): «إنّ تصانيف الشيخ حسن على غاية من التحقيق و التدقيق».

1- التحرير الطاوسي: ألّف السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسني كتابا في الرجال جمع فيه ما في الاصول الرجالية الخمسة (رجال النجاشي و فهرست و رجال الطوسي و اختيار معرفة رجال الكشي للطوسي أيضا و كتاب الضعفاء لابن الغضائري). و كان ابن طاوس قد حرّر كتاب الاختيار و هذّب أخباره متنا و سندا و وزّعها في كتاب (حلّ الإشكال) على التراجم، فلمّا ظفر صاحب المعالم بكتاب (حلّ الإشكال) و رآه مشرفا على التلف انتزع منه ما حرّره ابن طاوس و وزّعه في أبوابه من كتاب الاختيار خاصّة و سمّاه التحرير الطاوسي.

فالتحرير الطاوسي عبارة عن جمع ما حرّره ابن طاوس و هذّبه من كتاب الكشي خاصة دون ما عداه و إيداعه في كتاب واحد مسمّى بهذا الاسم.

و قد أضاف إليه صاحب المعالم في المتن و الحواشي فوائد كثيرة (1).

2- منتقى الجمان: لم يخرج منه غير العبادات، أبان فيه عن فوائد جليلة و جعل له مقدمة مفيدة و اقتصر فيه على إيراد الصحاح و الحسان من الأخبار على طريقة كتاب (الدرّ و المرجان) للعلّامة الحلّي، فإنّه كان لا يعمل بغيرهما، و كان يعرب أحاديثه بالشكل عملا بالحديث الذي رواه الكليني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أعربوا حديثنا فإنّا قوم فصحاء (2).

____________

(1) أعيان الشيعة 5: 96.

(2) أعيان الشيعة 5: 92 و 96.

37

3- شرح ألفية الشهيد محمد بن مكّي العاملي المشتملة على ألف واجب في الصلاة.

4- مناسك الحجّ: صنّفها في طريق مكّة و افتتحها بآداب السفر و ثنّى بأعمال المدينة المنوّرة عكس المتعارف معتذرا بأنّه زارها قبل مكّة المكرّمة، و طريقته فيها أن يذكر الحكم و دليله من الأخبار الصحيحة أو الحسنة.

5- الاثنا عشرية في الطهارة و الصلاة: فرغ منها في 26 جمادى الاولى سنة 989 ه، و شرحها جماعة منهم: الشيخ البهائي، و الشيخ نجيب الدين علي ابن محمد بن مكّي، و السيد نجم الدين بن محمد الموسوي السكيكي، و الشيخ محمد ابن صاحب المعالم، و الأمير فضل اللّه التفريشي، و الشيخ فخر الدين الطريحي، و السيد شرف الدين علي بن حجّة اللّه الشولستاني (1).

6- معالم الدين و ملاذ المجتهدين: له مقدمة تتضمّن تحرير مباحث اصول الفقه و تعرف بمعالم الاصول أو معالم الدين و طبعت مستقلّة، إذ عليها المعوّل في التدريس إلى يومنا هذا بعد ما كان التدريس في الشرح العميدي على تهذيب العلّامة و الحاجبي و العضدي، و على هذه المقدمة حواش و شروح كثيرة منها: حاشية لولده الشيخ محمد، و حاشية سلطان العلماء، و حاشية الملّا صالح المازندراني، و حاشية للمدقّق الشيرواني، و مجموعة حواش و تعليقات للوحيد البهبهاني، و حاشية مفصّلة للشيخ محمد تقي الأصفهاني كبيرة مطبوعة، و حاشية للشيخ محمد طه نجف و غيرهم.

و أمّا أصل الكتاب فهو كتاب فقهي استدلالي استقضى فيه الآراء و الأدلّة و رتّبه بشكل بديع: القسم الأوّل في العبادات و فيه كتب، و الكتاب الأوّل في

____________

(1) أعيان الشيعة 5: 97.

38

الصلاة و فيه أبواب، و الباب الأوّل في المقدّمات و فيه مقاصد، و المقصد الأوّل في الطهارة و فيه مطالب، و المطلب الأوّل في المياه و فيه مقامان: المقام الأوّل في المطلق و الثاني في المضاف. و المطلب الثاني في الطهارة من النجاسات، و المطلب الثالث في الطهارة من الأحداث.

و لم يتمّ منه سوى مباحث المياه و الطهارة من الخبث، و هو الكتاب الذي بين يديك.

و لم نعثر على شرح أو تعليقة على هذا المتن خلافا لما نراه من شروح و تعليقات على المقدمة في (علم الاصول).

2- منهجه و ملامح مدرسته:

ذهب صاحب المعالم إلى أنّ خبر الواحد العاري عن القرائن المفيدة للعلم حجّة إذا كان جامعا للشرائط التي منها إيمان الراوي و عدالته و ضبطه و أنّ العدالة إنّما تعرف بالاختبار بالصحبة المؤكّدة و الملازمة بحيث تظهر أحواله و يحصل الاطّلاع على سريرته حيث يكون ذلك ممكنا و مع عدمه باشتهارها بين العلماء و أهل الحديث و بشهادة القرائن المتكثّرة المتعاضدة، و بالتزكية من العالم بها، و لا يقبل في التزكية إلّا شهادة العدلين (1).

و المعروف عنه أنّه يلتزم بحجية الأخبار الصحاح و الحسان فقط، و الصحيح عنده هو ما قامت عليه الشهادة الشرعية التي تتمّ بواسطة عدلين. و من هنا يختلف الصحيح عنده عن الصحيح عند المشهور.

و لهذا صنّف كتابه منتقى الجمان حيث جمع فيه الأخبار الصحاح و الحسان

____________

(1) راجع الأصل 5 من المطلب السادس من المقدمة (معالم الاصول).

39

و صنّفهما إلى ثلاث درجات:

1- الصحيح عنده (الصحيح الأعلائي).

2- و الصحيح عند المشهور.

3- و الحسن.

و قد أدّى هذا المسلك الذي سلكه و وافقه فيه صاحب المدارك إلى ردود فعل قوية تجلّت في حركة الأخباريين فيما بعد حيث ذهبوا إلى حجية كلّ الأحاديث الواردة في الكتب الأربعة على عكس ما قام به المحقق صاحب المعالم من تهذيب أحاديث الكتب الأربعة و تضييق دائرة الحجية في هذه الموسوعات الحديثية الإمامية المهمّة حتّى انتقدهما صاحب الحدائق (المحدّث البحراني) بعنف قائلا: «و أنت خبير بأنّا في عويل من أصل هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح حيث إنّ اللازم منه لو وقف عليه أصحابه فساد الشريعة ..» (1).

هذا و قد ناقشه السيد محسن الأمين العاملي بتفصيل بعد نقل كلامه و بيان ما يذهب إليه، فراجع (2).

و قد اهتمّ صاحب المعالم بعلم الاصول حتّى اعتبره أهمّ العلوم للمجتهد و قد سعى لتنقيح المباحث الاصولية و الاهتمام بما له دخل في الاجتهاد منها. و من هنا صار كتابه (مقدمة المعالم) محورا للتدريس إلى يومنا هذا لسلاسته و دقّته و نظمه و حذفه للبحوث الزائدة بحسب حاجة ذلك العصر.

و أمّا في الفقه فقد تأثّر صاحب المعالم بمدرسة الشهيدين و مدرسة المقدّس

____________

(1) لؤلؤة البحرين 46- 47.

(2) أعيان الشيعة 5: 92- 93.

40

الأردبيلي و جمع بين كمالاتهما بالإضافة إلى حسن سليقته و اعتدالها و يشهد لذلك ما ذكره في مبحث النية من مناسك الحجّ، و ما ذكره في مبحث الطواف و غيره ممّا يشير إلى سلامة ذوقه و تفهّمه إلى مداليل الأخبار معتمدا مبدأ السهولة التي جاء التصريح بها في الآيات البيّنات و الأحاديث المأثورة من أنّ أحكام الإسلام بنيت على عدم الحرج.

هذا بالإضافة إلى اعتماده الدليل في كلّ مسألة و عدم الالتزام بمجرّد ما يلتزم به المشهور إن لم يكن لرأيهم دليل يعتمد عليه.

و على هذا الأساس يمكن أن نضيف إلى منجزات مدرسة جبل عامل أهمّ ما أنجزه المحقّق الشيخ حسن بن زين الدين العاملي نفسه من منجزات تعدّ نتاجا طبيعيا لمدرسة الحلّة التي تجسّدت في تراث جبل عامل عبر مدرسة النجف الأشرف و هي:

1- تنقيح أحاديث الكتب الأربعة.

2- تنقيح و تنظيم المباحث الاصولية.

3- تطبيق مبدأ السهولة و التحرّر من سلطة المشهور.

41

قيمة الكتاب العلمية

إنّ مقدّمة كتاب المعالم التي مثلث دورة اصولية استدلالية كاملة في عصر المؤلّف هي التي أدّت إلى اشتهار المؤلّف و خلود ذكره؛ لما اتّسم القسم الاصوليّ من كتابه بالمنهجية، و وضوح التعبير، و إحكام البيان، و الإحاطة بالآراء و أدلّتها حتّى عصر المؤلّف، و قوّة النقد، و الاهتمام بالمناقشات، التي تستحقّ الاهتمام؛ لغرض الكشف عن الحقيقة و تربية الذهنية الاصولية عند الفقيه.

إنّ هذه السمات بالرغم من انسحابها على القسم الفقهي من الكتاب و لكنّه لم يشتهر كاشتهار القسم الاصولي منه، و لعلّ ذلك يعود إلى وجود كتب فقهية ممتازة بكونها تمثّل دورة فقهية كاملة بينما لم يوفّق المؤلّف حتّى إلى إتمام مباحث كتاب الطهارة، بالاضافة إلى أنّ الحوزات العلمية كانت تميل إلى اختيار الكتب التي تتمتّع بنوع من التعقيد في العبارة و الإيجاز في البحث كتبا دراسية ليضطرّ الطالب إلى التأمّل و التدقيق لحلّ الألغاز و العبائر المشكلة ترويضا للذهن و إعدادا للطالب لممارسة عملية الاجتهاد الفكري في حقلي الفقه و الاصول، بينما نجد المعالم سلس البيان واضح العبارة خاليا من التعقيد، ينال المطالع منه بغيته بسرعة فائقة و لا يحتاج إلى التأمّل الكثير لفهم مقاصد المؤلّف و مناقشاته للآراء المخالفة لرأيه.

و مع هذا كلّه فإنّا نجد عند من تأخّر عن صاحب المعالم الاهتمام بآرائه التي جاءت في فقه المعالم كالعلّامة المجلسي في كتاب الطهارة من حقل الفقه لبحار الأنوار، و كالشيخ مرتضى الأنصاري (1281) في كتاب الطهارة من موسوعته الفقهية .. و هذا ممّا يشير إلى أهمية المؤلّف و أهمية آرائه التي سجّلها في معالمه.

42

منهجية كتاب المعالم

يتّضح لمن يطالع فقه المعالم أنّ المؤلّف قد اتّبع منهجا فريدا في بحوثه حيث اهتمّ بموارد الخلاف عند الإمامية و لم يتوقّف عند المسائل الواضحة و المتّفق عليها بين الفقهاء الإمامية.

كما إنّه يستشهد بآيات القرآن الكريم و يستدلّ بها في كلّ مورد تدلّ عليه محكمات الكتاب متجنّبا المناقشات التي لا طائل تحتها.

و إن كان هناك إجماع يعتمد عليه أشار إليه، و إلّا عطف عنان القلم إلى النصوص الروائية التي يصحّ الاحتجاج بها عنده. و يلتفت في كلّ نصّ يستدلّ هو به أو يكون الآخرون قد استدلّوا به إلى السند و الدلالة معا فيقوّمهما معا ثمّ يلاحظ تعارض النصوص و يحاول تقديم رأيه في الجمع بينها أو تقديم بعضها على بعض.

كما إنّه يبدأ الموضوع في كلّ مسألة و يردفه ببيان الحكم إن كان متّفقا عليه، و إلّا فيذكر المشهور أو الأشهر ثمّ يذكر الآراء الاخرى و قد يبدأ بأدلّة الخصم ثمّ يناقشها ثمّ ينتهي إلى الرأي المختار، و قد يعكس الأمر في موارد اخرى فيبدأ بذكر رأيه و أدلّته ثمّ يذكر الآراء الاخرى و أدلّتها ثمّ يناقشها. و يختلف المنهج من مسألة إلى اخرى من هذه الجهة باعتبار أنّه قد يكون الأصل هو ما ذهب إليه من الرأي و يكون خلافه بحاجة إلى الدليل فيركّز جهده على ذكر أدلّة الخصم و مناقشتها ليسير بالقارئ ممّا عليه الآخرون إلى ما ينبغي الاعتقاد به.

و لا ننسى اهتمام المؤلّف بآرائه و مبانيه في علم الاصول في بحثه الفقهي

43

هذا و إليها يرجع القارئ عند الحاجة. و من هنا فقد رأينا أن نذكر آراءه الاصولية في مقدّمة الكتاب مجرّدة عن الاستدلال ليستغني الباحث عن الرجوع إلى معالم الاصول المطبوع مستقلا عن فقه المعالم حتّى يومنا هذا.

44

النسخ المعتمدة لكتاب «معالم الدين»

اعتمدنا على ثلاث نسخ لكتاب «معالم الدين و ملاذ المجتهدين» في الفقه، و هي كما يلي:

أ- النسخة الخطية المرقّمة ب4585 في المكتبة العامة لآية اللّه العظمى النجفي المرعشي (قدّس سرّه) بقم. و قد أعطيناها رمز «أ» و هي أقل النسخ الثلاثة أخطاء.

و عليها تأريخ الفراغ من تأليف هذا الجزء من الكتاب بقلم المؤلف (حسن ابن زين الدين بن علي الشامي العاملي: سحر ليلة الأحد الثانية من ربيع الثاني سنة أربع و تسعين و تسعمائة) و تأريخ الفراغ من استنساخها بيد حسن ابن أحمد بن محمد بن علي بن سنبغ العاملي: ضحى يوم الإثنين الثامن و العشرون من شهر رمضان المبارك سنة ألف و واحد من الهجرة النبوية.

و في هامش الصفحة الأخيرة تأريخ انتهاء المعارضة (المقابلة) لهذه النسخة بأصل خطّ المصنّف (أدام اللّه أيّامه): أوّل نهار الخميس تاسع شوّال عام واحد و ألف من الهجرة النبوية، بتوقيع (علي المشتهر بنجيب الدين بن محمد ابن مكي بن عيسى بن حسن بن عيسى العاملي الجبيلي).

و عليها تملّك محمود بن حسام الدين المشرقي الجزائري بتأريخ ذي الحجة 1030 و محمد شريف بن فلاح الكاظميني.

و تقع في 199 صفحة 23 سطرا.

ب- النسخة الخطية المرقمة ب7179 في المكتبة العامة لآية اللّه العظمى النجفي المرعشي (قدّس سرّه) أيضا، و رمزنا لها ب«ب». و تأريخ نسخها سنة 1245 بيد موسى بن قاسم الأصفر الكاظمي، و عليها تملّك حسين بن محمد

45

الطباطبائي سنة الاستكتاب 1244 ه، و تقع في 185 25 سطرا.

ج- النسخة المطبوعة بالطبعة الحجرية و الموجودة نسخة منها في مكتبة آية- اللّه المرعشي النجفي أيضا.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

52

أسلوبنا في التحقيق

بعد الاستنساخ و إتمام المقابلة بين النسخ الثلاث حذفنا ما قطعنا بخطئه فلم نشر إلى أخطاء النسخ بل اقتصرنا على ذكر ما يحتمل صحّته ممّا جاء في النسخ الثلاث و رجّحنا الأنسب إلى اسلوب المؤلف و أدبه و بلاغته فجعلناه في المتن و أشرنا إلى غيره في الهامش.

كما صحّحنا ما جاء منقولا عن القرآن الكريم و كتب الحديث أو كتب الفقه أو غيرها على أساس المصدر المنقول منه إن كانت له نسخة محقّقة، و إن لم تكن له نسخة محقّقة و كان المنقول خطأ بيّنا اتّبعنا الصحيح الذي جاء في المصدر. و إن احتملنا صحّة ما جاء في متن الكتاب باعتبار عدم صحّة ما جاء في المصدر أو احتملنا وجود نسخة اخرى عند المؤلف من المصدر أثبتنا ما جاء في المصدر و الكتاب في المتن و الهامش لاحتمال وجود فائدة للمراجع إذا اطّلع على مثل هذا الاختلاف.

و حاولنا تخريج الأقوال و الأحاديث على أساس النسخ المحقّقة إن كانت صادرة حين التحقيق، و إلّا فقد اكتفينا بالإشارة إلى النسخ الحجرية الموجودة، و على المراجع أن يلاحظ الفهرس الألفبائي لمصادر التحقيق ليقف على الطبعة التي رجعنا إليها.

و ختاما نقدّم شكرنا الجزيل لكلّ الإخوة الأفاضل الذين شاركونا في الاستنساخ و المقابلة و الاستخراج و الإخراج الفنيّ للكتاب بعد انتهائنا من تحقيقه (عبر تقطيع النصّ و ضبطه و ترجيح الصحيح أو الأصحّ و الأنسب عند اختلاف النسخ أو إجمالها).

53

و كلّ ما أضفناه على نسخة المؤلف قد جعلناه بين معقوفتين [] ليكون مرشدا للمراجع إلى أنّ ما قد أضفناه- توضيحا أو حفظا للتناسق- إنّما هو تسهيل للقارئ و إعانة له كي يصل إلى الغرض بأيسر طريق إن شاء اللّه تعالى، و اللّه من وراء القصد و هو حسبنا و نعم الوكيل.

السيّد منذر الحكيم 12 ذو الحجّة الحرام 1416 هق

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}