منتهى المطلب في تحقيق المذهب - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
481 /
7

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة المقصد الثاني]

البحث الرّابع: في أفعال الوضوء و كيفيّته:

مسألة: في النّيّة،

و فيها بحثان غامضان:

الأوّل: في وجوبها:

قال علماؤنا: النّيّة شرط في الطّهارة المائيّة بنوعيها و التّرابيّة، و هو قول عليّ (عليه السلام)، و هو مذهب ربيعة، و اللّيث، و إسحاق، و أبي عبيد، و ابن المنذر (1)، و أحمد بن حنبل (2)، و أبي ثور، و داود (3)، و الشّافعيّ (4)، و مالك (5). و قال أبو حنيفة

____________

(1) الشرح الكبير بهامش المغني 1: 151، المجموع 1: 312، المغني 1: 121، نيل الأوطار 1: 163.

(2) المغني 1: 121، الكافي لابن قدامة 1: 28، الإنصاف 1: 142، بداية المجتهد 1: 8، المجموع 1:

312، منار السّبيل 1: 25، نيل الأوطار 1: 163، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 151.

(3) المجموع 1: 312، بداية المجتهد 1: 8.

(4) الام 1: 29، 47، المهذّب للشّيرازيّ 1: 14، مغني المحتاج 1: 47، التّفسير الكبير 11: 153، المجموع 1: 312، فتح الوهّاب 1: 11، شرح فتح القدير 1: 28، الهداية للمرغينانيّ 1: 13، فتح العزيز هامش المجموع 1: 310، أحكام القرآن للجصّاص 3: 336، أحكام القرآن لابن العربي 2:

559، بداية المجتهد 1: 8، بدائع الصّنائع 1: 19، المبسوط للسّرخسي 1: 72، المغني 1: 121، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 151.

(5) مقدّمات ابن رشد 1: 53، بداية المجتهد 1: 8، أحكام القرآن للجصّاص 3: 336، نيل الأوطار 1:

163، المغني 1: 121، المجموع 1: 312، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 151، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559.

8

و الثّوريّ: لا تشترط النّيّة في طهارة الماء، و إنّما تشترط للتّيمّم (1).

و قال الحسن بن صالح بن حيّ: ليست النّيّة شرطا في شيء من الطّهارات المائيّة و التّرابيّة (2)، و عن الأوزاعي روايتان:

إحداهما كقول الحسن، و الأخرى كقول أبي حنيفة (3).

لنا: وجوه:

أحدها: ما رواه الجمهور، عن عليّ (عليه السلام)، انّه قال: (النّيّة شرط في جميع الطّهارات) (4) و قوله حجّة.

و من طريق الخاصّة: ما روي، عن الرّضا (عليه السلام)، قال: (لا قول إلّا بعمل، و لا عمل إلّا بنيّة، و لا نيّة إلّا بإصابة السّنّة) (5).

الثّاني: انّ الوضوء عبادة، و كلّ عبادة بنيّة.

أمّا الصّغرى: فلأنّ أهل اللّغة نصّوا على انّ التّعبّد هو التّذلّل (6)، قال الشّاعر:

و أفردت إفراد البعير المعبّد (7).

أي: المذلّل، و هذا المعنى المشتق منه موجود هنا، فإنّ فعل الطّهارة على وجه

____________

(1) المبسوط للسّرخسي 1: 72، بدائع الصّنائع 1: 19، شرح فتح القدير 1: 28، الهداية للمرغينانيّ 1:

13، المحلّى 1: 73، أحكام القرآن للجصّاص 3: 336، المجموع 1: 313، فتح العزيز هامش المجموع 1: 310، نيل الأوطار 1: 163، المغني 1: 121، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 151، التّفسير الكبير ج 11: 153، ميزان الكبرى 1: 115، رحمة الأمّة بهامش ميزان الكبرى 1: 17.

(2) المجموع 1: 313، بداية المجتهد 1: 67، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559، أحكام القرآن للجصّاص 3: 336، المحلّى 1: 73.

(3) المجموع 1: 313، بداية المجتهد 1: 67، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559، أحكام القرآن للجصّاص 3: 336، المحلّى 1: 73.

(4) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا، و قد أشار إليه ابن قدامة في المغني 1: 121.

(5) التّهذيب 4: 186 حديث 520، الوسائل 1: 33 الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات، حديث 2.

(6) الصّحاح 2: 503.

(7) صدره: إلى أن تحامتني العشيرة كلّها.

و البيت لطرفة بن العبد في معلّقته المشهورة.

9

الطّاعة نوع تذلّل، فيصدق عليه اللّفظ. و لأنّ التّيمّم عبادة و هو بدل، و البدل بحكم الأصل.

و أمّا الكبرى فيدلّ عليها قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (1) و الإخلاص هو مراد بالنّيّة.

و قوله تعالى قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً (2).

و قوله تعالى فَاعْبُدِ اللّٰهَ مُخْلِصاً (3).

الثّالث: الوضوء عمل ضرورة، و كلّ عمل بنيّة، لقوله (عليه السلام): (إنّما الأعمال بالنّيّات، و إنّما لكلّ امرئ ما نوى) (4) اتّفق عليه الجمهور فنفى أن يكون له عمل شرعيّ بدون النّيّة.

الرّابع: قوله تعالى وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىٰ (5).

الخامس: قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا (6) و المفهوم منه في لغة العرب أي: اغسلوا للصّلاة، كما يقال: إذا لقيت الأمير فالبس أهبتك، أي: للقائه، و إذا لقيت العدوّ فخذ سلاحك، أي: لأجل لقائه، و هو كثير النّظائر.

السّادس: لو لم تجب النّيّة في الوضوء لزم أحد الأمرين: إمّا التّسلسل أو خرق

____________

(1) البيّنة: 5.

(2) الزّمر: 14.

(3) الزّمر: 2، و في النّسخ: فَاعبُدُوا اللّهَ مُخْلصِين و و هي غير موجودة في القرآن بهذا اللّفظ، و لعلّه من سهو النّسّاخ.

(4) صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3: 1515 حديث 1907، سنن التّرمذي 4: 179 حديث 1647، سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، سنن ابن ماجه 2: 1413 حديث 4227، سنن النّسائي 1: 58، سنن البيهقي 7: 341، مسند أحمد 1: 25، 43، سنن الدّار قطني 1: 50 حديث 1.

(5) اللّيل: 20.

(6) المائدة: 6.

10

الإجماع، و التّالي بقسميه باطل قطعا، فالمقدّم مثله.

بيان الشّرطيّة: انّ الوضوء بقيد عدم النّيّة إمّا أن يكون شرطا أو لا يكون، و على التّقدير الأوّل يلزم خرق الإجماع، و على التّقدير الثّاني إمّا أن لا يكون المسمّى شرطا، أو يكون، و على التّقدير الأوّل يلزم خرق الإجماع، و على التّقدير الثّاني يلزم التّسلسل، لأنّ الكلّي لا يمكن وجوده إلّا مشخّصا، و قيد الخصوصيّة هما النّيّة و عدمها، فأحدهما شرط للمسمّى، فإمّا أن يكون الشّرط العدم، فيلزم خرق الإجماع، لأنّ شرط الشّرط شرط، و إمّا الوجود، فيلزم المطلوب، و إمّا أن يكون مسمّى ثانيا و ينقل (1) الكلام إليه و ذلك يفضي إلى التّسلسل المحال.

السّابع: أنّها طهارة عن حدث فلا تصحّ بغير نيّة كالتّيمّم.

الثامن: انّها عبادة، فافتقرت إلى النّية كالصّلاة.

و بيان الصّغرى من وجهين:

أحدهما: انّ العبادة هي الفعل المأمور به شرعا من غير اطّراد عرفيّ و لا اقتضاء عقليّ، و الطّهارة كذلك، فإنّها مرادة شرعا ليست ممّا يطّرد بها العرف و لا يقتضيها العقل لانتفاء المصلحة المتأخّرة فيها (2).

الثّاني: انّها تنقسم إلى فرض و نفل، و كلّ ما انقسم إليهما فهو عبادة بالاستقراء.

و بيان الكبرى: انّ العبادة لو صحّت بدون النّيّة فلا تخلو إمّا أن يحصل عليها ثواب أم لا، و القسمان باطلان.

أمّا الأوّل: فلأنّه يلزم منه مخالفة الدّليل و هو قوله (عليه السلام) (ليس المؤمن من عمله إلّا ما نواه) (3) رواه الجمهور، المراد بذلك نفي الثّواب بدون النّيّة.

____________

(1) «ح» «ق»: و نقل.

(2) «خ»: بها.

(3) عمدة القارئ 1: 22.

11

و الثّاني باطل، و إلّا لزم القبح العقليّ و هو حصول التّكليف من غير عوض، و لأنّه مخالف للعمومات الواردة من جهة الكتاب و السّنّة الدّالّة على الثّواب في كلّ عبادة.

احتجّ: أبو حنيفة بوجوه:

أحدها: قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا (1) ذكر الشّرائط و لم يذكر النّيّة، فلو كانت شرطا لوجب ذكرها.

الثّاني: أنّه أمر بالغسل، و مقتضى الأمر الإجزاء (2) بفعل المأمور به.

الثّالث: انّ الآية ليس فيها ذكر النّيّة، فلو أوجبناها لكنّا قد زدنا على النّصّ، و الزّيادة على النّصّ نسخ.

الرّابع: أنّها طهارة بالماء، فلا تفتقر إلى النّيّة كغسل النّجاسة.

الخامس: انّها غير عبادة، فلا تفتقر إلى النّيّة كسائر الأفعال الخارجة عن كونها عبادة (3).

و بيان الصّغرى: انّها لو كانت عبادة فإمّا مع النّيّة أو بدونها، و الثّاني باطل لأنّها لو كانت عبادة مع عدم النّيّة بطل قولكم: كلّ عبادة تفتقر إلى النّيّة، و الأوّل باطل أيضا، و إلّا لبطل قولكم أيضا بافتقار العبادة إلى النّيّة، و إلّا لزم اشتراط النّيّة بالنّيّة.

فالجواب عن الأوّل: انّه حجّة لنا، لما بيّنّا من أنّ المفهوم منه إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فاغسلوا للصّلاة (4). و أيضا: فإنّه لم يذكر الشّرائط بل ذكر أركان الوضوء،

____________

(1) المائدة: 6.

(2) «ح» «ق»: الاجتزاء.

(3) المبسوط للسّرخسي 1: 72، بدائع الصّنائع 1: 19، المغني 1: 121، المجموع 1: 313، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 152.

(4) راجع ص 9.

12

و النّبيّ (صلى الله عليه و آله) بيّن شرائطه كالتّيمّم.

و عن الثّاني: بما قلناه أوّلا، و أيضا: مقتضى الأمر وجوب الفعل و هو واجب، فاشترط لصحّته شرط آخر، كالتّيمّم.

و عن الثّالث: بما ذكرناه أوّلا، و بالمنع من كون الزّيادة على النّصّ نسخا.

و عن الرّابع: أنّها مع كونها طهارة، هي أيضا عبادة، و العبادة لا تكون إلّا منويّة، لأنّها قربة إلى اللّه تعالى و طاعة.

و عن الخامس: أن نقول انّها عبادة بدون النّيّة، أي تسمّى عبادة بدونها (1).

قوله: تبطل كلّ عبادة تفتقر إلى النيّة. قلنا: لا نسلّم، فإنّا نقول: انّ العبادة تفتقر إلى النّيّة في التّحصيل و الإيجاد على الوجه المطلوب شرعا، لا انّها تفتقر إليها بأن تكون مصحّحة للإطلاق اللّفظي. سلّمنا، لكنّا نقول: انّها عبادة مع النّيّة.

قوله: يبطل افتقارها إلى النّيّة و إلّا لزم افتقار العبادة مع النّية إلى النّية. قلنا:

هذا باطل، فإنّه لا يلزم من افتقارها إلى نيّة هي جزؤها، افتقارها مع ذلك الجزء إلى نيّة أخرى ثانية.

فروع:

الأوّل: إزالة النّجاسة لا تفتقر إلى النّيّة.

و هو قول العلماء، و حكي عن ابن سريج (2) و هو قول أبي سهل الصّعلوكي (3) من الشّافعيّة- انّها تفتقر إلى النّيّة (4).

____________

(1) «خ»: بدون النّيّة.

(2) أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج البغداديّ، قدوة الشّافعيّة، ولّي القضاء بشيراز، سمع الحسن بن محمّد الزّعفراني، و أبا داود السّجستاني. و حدّث عنه أبو القاسم الطّبراني و أبو الوليد حسّان بن محمّد. له مصنّفات كثيرة مات في جمادى الأولى سنة 306 ه.

تذكرة الحفّاظ 3: 811، طبقات الحفّاظ للسّيوطي: 339، شذرات الذّهب 2: 247.

(3) أبو سهل: محمّد بن سليمان العجليّ الصّعلوكيّ النّيسابوريّ الحنفيّ نسبا و الشّافعيّ مذهبا، شيخ الشّافعيّة بخراسان، سمع من أبي العبّاس السّرّاج، و أخذ عنه ابنه أبو الطيّب و غيره. مات سنة 369 ه.

العبر 2: 132، شذرات الذّهب 3: 69.

(4) المجموع 1: 311، فتح العزيز هامش المجموع 1: 311.

13

لنا: انّها كالتّرك، فلا تفتقر إلى النّيّة.

الثّاني: غسل الميّت لا بدّ فيه من النّيّة

و قد صرّح بذلك أبو الصّلاح (1)، لأنّها عبادة، فتفتقر إلى النّيّة، و للشّافعيّ وجهان:

أحدهما: كما قلناه، بناء على انّ الميّت لا ينجس، فكان غسله كالطّهارة عن حدث.

و الثاني: عدم الافتقار إلى نيّة (2)، بناء على أنّه ينجس، فصار كغسل النّجاسة.

الثّالث: الحائض إذا انقطع دمها قال بعض علمائنا: لا يحلّ للزّوج الوطء

حتّى تغتسل (3) فإن نوت به إباحة الاستمتاع فالأقرب الإجزاء، و للشّافعيّ وجهان: هذا أحدهما، و الثّاني: لا يجوز (4)، لأنّها من أهل حقّ اللّه تعالى، و الطّهارة فيها حقّ للّه تعالى و حقّ للزّوج، فلا بدّ من نيّتهما معا، لتكلّفها طهارة تصلح للحقّين بخلاف الذّميّة، لأنّها (5) ليست من أهل اللّه تعالى، فاكتفى فيها بنيّة حقّ الزّوج.

الرّابع: لو ارتدّ لم يبطل غسله و لا وضوؤه على الأقوى

، و يبطل تيمّمه، لأنّه نوى به الاستباحة و قد خرج عنها بالرّدّة.

الخامس: طهارة الصّبيّ معتبرة عند الشّيخ (6)، و فيه إشكال

أقربه أنّها تمرين. و به

____________

(1) الكافي في الفقه: 134.

(2) المجموع 1: 334 و 5: 156، مغني المحتاج 1: 332، المهذّب للشيرازي 1: 128، ميزان الكبرى 1: 203، فتح العزيز هامش المجموع 5: 114.

(3) الفقيه 1: 53.

(4) المجموع 1: 323.

(5) «خ»: فإنّها.

(6) الخلاف 1: 463 مسألة- 192.

14

قال أبو حنيفة (1)، و قال الشّافعيّ بالأوّل (2).

لنا: انّه ليس أهلا للتّكليف، و على قول الشّيخ لو بلغ بغير المبطل بعد الطّهارة لم يجب عليه الاستئناف، و كذا لو جامع الصّغيرة فاغتسلت، ثمَّ بلغت.

السّادس: لو اغتسل الجنب و ترك جزءا من بدنه،

ثمَّ نسي الاغتسال فأعاد الغسل و غسل ذلك المحل، فالأقوى صحّة غسله، لأنّ الواجب عليه غسل ذلك الجزء و قد حصل.

السّابع: لو نوت المستحاضة بالوضوء استباحة صلاتين فما زاد، ففي صحّة الطّهارة إشكال

ينشأ من انّها نوت شيئا يستحيل حصوله شرعا فلا عبرة بذلك الوضوء، و من استلزام نيّة الصّلاتين نيّة إحداهما.

الثّاني: في كيفيّتها و شرائطها.

و النيّة عبارة عن القصد، يقال: نواك اللّه بخير، أي: قصدك، و نويت السّفر، أي: قصدته و عزمت عليه، و محلّها القلب لأنّه محلّ القصود و الدّواعي، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، سواء تلفّظ بها بلسانه أو لا، و لو نطق بها و لم يخطر بباله لم يجزئه، و لو سبق لسانه إلى غير عزمه و ما اعتقده، لم يمنع صحّة ما اعتقده بقلبه.

و يشترط استحضار نيّة التّقرّب لقوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (3) و لا يتحقّق الإخلاص بدون التّقرّب.

و يشترط استباحة شيء لا يستباح إلّا بها، كالصّلاة، و الطّواف، أو رفع الحدث و هو إزالة المانع من كلّ فعل يفتقر إلى الطّهارة لقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا (4) أي: للصّلاة على الأقوى، و اكتفى الشّيخ (رحمه اللّه) في بعض كتبه بنيّة

____________

(1) الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 415.

(2) المجموع 1: 333.

(3) البيّنة: 5.

(4) المائدة: 6.

15

القربة. (1).

لنا: الآية فإنّها تدلّ على نيّة الاستباحة.

و يجب أن تقع مقارنة لغسل الوجه، لأنّه مبدأ للطّهارة، فلو تراخت عنه لوقع غير منويّ.

و يستحبّ إيقاعها عند غسل اليدين للوضوء أمام غسل الوجه.

و تشتمل النّيّة أفعال الطّهارة المسنونة و الواجبة، لأنّ غسل اليدين للوضوء من أفعاله، فجاز إيقاع النّيّة عنده. و جوّز الشّافعيّة ذلك بشرط بقاء الذّكر إلى غسل الوجه (2)، و المعتمد ما قلناه. و يتضيّق عند غسل أوّل جزء من الوجه الّذي هو أوّل واجباته، و لا يجوز تقديمها على غسل اليدين و لو بالزّمن اليسير، خلافا لأحمد (3)، و إلّا فإن استحضرت حالة الغسل فتلك اخرى مجدّدة و إلّا وقع غير منويّ فلا يكون مجزيا.

و يجب استدامتها حكما بمعنى انّه لا ينتقل إلى نيّة منافية لها، و لا يشترط الاستمرار حقيقة للمشقّة. نعم، يستحبّ، لتقع جميع الأفعال مقترنة بالنّيّة.

و هل يشترط نيّة الوجوب أو النّدب؟ الوجه اشتراطه، لأنّه فعل مشترك فلا يتخصّص إلّا بالنّيّة، و بالقياس على واجبات العبادات.

فروع:

الأوّل: لو نوى ما لا يشرع له الطّهارة كالأكل، و البيع، و التّبرّد لم يرتفع حدثه

إجماعا، لأنّه لم ينو الطّهارة و لا ما يتضمّن نيّتها، فلا تكون حاصلة له، كالّذي لم ينو شيئا.

____________

(1) النّهاية: 15.

(2) المجموع 1: 320، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 317.

(3) المغني 1: 124، الكافي لابن قدامة 1: 28، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 154.

16

الثّاني: لو نوى ما ليس من شرطه الطّهارة

بل من فضله كقراءة القرآن، و النّوم، أو كتابة القرآن، أو الأحاديث، أو الفقه، أو الكون على طهارة، قال الشّيخ: لا يرتفع حدثه (1)، لأنّه لم ينو رفع الحدث و لا ما يتضمّنه، فأشبه ما لو نوى التّبرّد، و فيه للشّافعيّ وجهان (2)، و يمكن أن يقال بارتفاع الحدث كأحد وجهي الشّافعيّ، لأنّه نوى طهارة شرعيّة فينبغي أن يحصل له ما نواه، عملا بالخبر.

و قوله: لم ينو رفع الحدث و لا ما يتضمّنه، ممنوع لأنّه نوى شيئا من ضرورته صحّة الطّهارة و هو الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك و هو على طهارة، فصحّت طهارته، كما لو نوى ما لا يباح إلّا بها، أمّا لو نوى وضوءا مطلقا فالوجه عدم الارتفاع، لما قاله الشّيخ، و إن كان فيه نظر من حيث انّ الوضوء و الطّهارة إنّما ينصرفان بالإطلاق إلى المشروع فيكون ناويا لوضوء شرعيّ، إلّا أنّ الأوّل أصحّ، و هو قول أكثر الشّافعيّة (3).

الثّالث: لو جدّد الطّهارة ندبا فتبيّن انّه كان محدثا فوجهان:

أحدهما: الإجزاء، لأنّه نوى طهارة شرعيّة فيحصل له.

و الآخر: عدمه، لأنّه لم ينو رفع الحدث و لا ما يتضمّنه، فهو كما لو نوى التّبرّد.

و كذا لو شكّ في الحدث بعد يقين الطّهارة فتوضّأ احتياطا. و لو أغفل لمعة في الطّهارة الواجبة فانغسلت في الثّانية أو أغفلت في الغسلة الأولى فانغسلت في الثّانية فالوجهان.

الرّابع: لو نوى الجنب الاستيطان في المسجد، أو قراءة العزائم، أو مسّ كتابة القرآن ارتفع حدثه

قولا واحدا، لأنّه شرط لذلك كلّه، أمّا لو نوى الاجتياز ففي ارتفاع حدثه إشكال، نصّ الشّيخ على عدمه (4).

____________

(1) المبسوط 1: 19.

(2) المهذّب للشّيرازي 1: 15، المجموع 1: 324، مغني المحتاج 1: 49، فتح العزيز هامش المجموع 1:

322، السّراج الوهّاج: 15.

(3) المهذّب للشّيرازي 1: 15، المجموع 1: 323.

(4) المبسوط 1: 19.

17

الخامس: لو نوى الطّهارة و التّبرّد أجزأه

، و هو أظهر قولي الشّافعيّ (1)، لأنّ التّبرّد (2) يحصل بدون النّيّة فلا يؤثّر هذا الاشتراك فإنّه قد فعل الواجب و زيادة غير منافية، كما لو قصد بالصّلاة، الطّاعة و الخلاص من خصمه، و يحتمل البطلان و هو الوجه الثّاني للشّافعيّ (3)، لأنّه لم يخلص فعله للعبادة. أمّا لو ضمّ إلى الرّفع نيّة الرّياء، فالوجه عندي البطلان، لأنّ الطّاعة لا تخلص طاعة إلّا بنيّتها، و لم تحصل، فلا يكون ما فعله مجزيا.

السّادس: لو عزبت النّيّة عن خاطره في أثناء الطّهارة لم يؤثّر في صحّتها،

خلافا للشّافعيّ فيما لو عزبت بعد اقترانها بغسل اليدين، و وافقنا على الإجزاء لو عزبت بعد اقترانها بغسل الوجه (4).

لنا: انّه أتى بالمأمور به، و هو الطّهارة مع النّيّة، فوجب الاجتزاء (5) به، و لأنّ ما اشترطت له النّيّة لا يبطل بعزوبها و الذّهول عنها كالصّلاة و الصّيام، و الفرق بين ما لو اقترنت بغسل الوجه و غسل اليدين باطل، لأنّهما استويا في كونهما من أفعال الطّهارة المشترطة فيها النّيّة. و لو عزبت عند (6) غسل الوجه، و قد قدّمها عند غسل اليدين، ثمَّ غسل اليدين للتّبرّد، لم يقع عن الوضوء فإن ذكر و رطوبة الوجه باقية، جاز استئناف غسل اليدين بنيّة الوضوء و إلّا استأنف من أوّله.

____________

(1) المهذّب للشّيرازي 1: 15، المجموع 1: 325، مغني المحتاج 1: 49، السّراج الوهّاج: 15، فتح الوهّاب 1: 12.

(2) «خ»: التّبريد.

(3) الام 1: 29، المهذّب للشّيرازي 1: 15، مغني المحتاج 1: 49، السّراج الوهّاج: 15، المجموع 1:

325.

(4) الام 1: 29، المجموع 1: 320، المهذّب للشّيرازي 1: 14، مغني المحتاج 1: 50.

(5) «ن» «م»: الإجزاء.

(6) «م»: بعد.

18

السّابع: لو نوى قطع النّيّة في أثناء الطّهارة لم يبطل فعله

الأوّل خلافا لبعض الشّافعيّة (1)، لأنّه وقع صحيحا فلا يؤثّر فيه قطع النّيّة، كما لو نوى القطع بعد الفراغ، و ما أتى به من الغسل بعد القطع لا اعتداد به لفقدان شرطه، و لو أعاد النّيّة أعاد ما فعله بغير نيّة، لكن يقع هنا فرق بين الوضوء و الغسل في طول الفصل و قصره، فيجوز في الغسل معهما، و يشترط في الوضوء عدم الطّول المؤدّي إلى الجفاف.

الثّامن: لو شكّ في النّيّة بعد الفراغ لم يلتفت،

لأنّها وقعت مشروعة، فلا يؤثّر فيها تجدّد الشّك. أمّا لو وقع الشّك في الأثناء استأنف قولا واحدا، لأنّها عبادة مشروطة بالنّيّة و لم تتحقّق.

التّاسع: لو وضّأه غيره لعذر اعتبرت نيّة المتوضّئ،

لأنّه المخاطب بالطّهارة و الوضوء يحصل له، و لا يحصل إلّا مع النّيّة، و لا اعتبار بالموضّي لأنّه غير مخاطب و لا يحصل له، فأشبه حامل الماء إليه.

العاشر: لا تصحّ طهارة الكافر

لعدم النّيّة منه، و لو وقعت النّيّة منه فهي غير معتبرة إذ من شرطها الإسلام، و لا فرق بين أن يكون ذميّا أو حربيّا.

و قال الشّافعيّ في أحد الوجهين: اجتزاء الذّميّة تحت المسلم بغسلها من الحيض لحقّ الزّوج، فلا يلزمها الإعادة بعد الإسلام (2).

الحادي عشر: لو نوى بطهارته (3) صلاة معيّنة، كان كما لو نوى استباحة الصّلاة،

و كذا لو نوى انّه لا يصلّي غيرها. و هو أحد أقوال الشّافعيّ، و قال أيضا:

يفسد، لأنّه لم ينو ما تقتضيه الطّهارة. و قال أيضا: يباح له ما نوى، لأنّ الطّهارة قد تصحّ لصلاة واحدة كالمستحاضة (4).

____________

(1) المجموع 1: 336.

(2) المجموع 1: 330، فتح العزيز هامش المجموع 1: 313.

(3) «خ»: بطهارة.

(4) المهذّب للشّيرازي 1: 15، المجموع 1: 327، فتح العزيز هامش المجموع 1: 321.

19

لنا: انّه فعل المأمور به و هو النّيّة و الأفعال، فوجب الاجتزاء و لا يحصل بدون رفع الحدث، فيجوز له الدّخول به في كلّ صلاة واجبة، أو مندوبة، لزوال المانع، و لأنّ هذا إبطال للطّهارة (1) بعد صحّتها من غير حدث، و لا فرق بين أن تكون تلك الصّلاة نفلا أو فرضا.

الثّاني عشر: المستحاضة تكفيها نيّة استباحة الصّلاة.

و هو أحد قولي الشّافعيّ (2)، و لا يجوز لها نيّة رفع الحدث، لأنّه موجود، خلافا للشّافعيّ، فإنّه اشترطه مع نيّة الاستباحة في أحد قوليه (3)، و هو باطل، لأنّه نيّة ما يمتنع حصوله، فإن نوت الرّفع احتمل الصّحّة، لاستلزامه نيّة الاستباحة، و الأقوى البطلان. و كذا المبطون و صاحب السّلس و المتيمّم.

و قال علماؤنا: من يجب عليه الطّهارتان ينوي رفع الحدث إن قدّم الغسل، و الاستباحة إن قدّم الوضوء. و الأقرب أنّ له أن ينوي الرّفع بكلّ منهما.

الثّالث عشر: لو فرّق النّيّة على أعضاء الوضوء، بأن نوى غسل الوجه لرفع الحدث، ثمَّ اليمنى كذلك إلى آخر الأعضاء، فالوجه عندي الإجزاء.

و هو أحد قولي الشّافعيّ، و في الآخر: لا يجزئه (4).

لنا: انّه إذا صحّ غسل الوجه بنيّة مطلقة يدخل فيها ضمنا، فلأن يصح بنيّة مقصودة أولى.

احتجّ: بأنّ الوضوء عبادة واحدة (إذ لا يتصوّر) (5) اختصاص بعضها بالبطلان

____________

(1) «خ»: الطّهارة.

(2) السّراج الوهّاج: 15، فتح العزيز هامش المجموع 1: 330، مغني المحتاج 1: 48.

(3) السّراج الوهّاج: 15، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 330، مغني المحتاج 1: 48.

(4) المجموع 1: 329، فتح الوهاب 1: 12، السّراج الوهّاج: 15، فتح العزيز هامش المجموع 1: 334، مغني المحتاج 1: 50.

(5) «م»: و لا يتصوّر.

20

و بعضها بالصّحة، فتصير كالصّلاة (1)، فكما تبطل لو نوى التّكبير، ثمَّ نوى القراءة و هكذا لبطلت صلاته، فكذا الطّهارة.

و الجواب: الفرق فإنّ أركان الصّلاة يرتبط بعضها بالبعض بخلاف أركان الطّهارة. أما لو أتى بالبعض من النّيّة عند غسل الوجه، و البعض عند اليمنى، و هكذا فإنّه تبطل طهارته، لأنّه يحصل بعض الأفعال خاليا عن النّية فلا يكون مجزيا.

الرّابع عشر: قد بيّنا انّه يستحبّ غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء (2)،

و هل يستحبّ في غير الإناء؟ إشكال، فإن قلنا به صحّ اقتران النّيّة به و إلّا فلا.

الخامس عشر: لو نوى رفع حدث معيّن ارتفعت جميع الأحداث،

سواء كان آخر الأحداث أو أوّلها، لأنّ الأحداث تتداخل، فلا يرتفع أحدها إلّا بارتفاع الجميع، و قد نوى رفع أحدها، فوجب أن يحصل له، فيحصل رفع الجميع. و هو أحد أقوال الشّافعيّ.

و الثّاني: انّه لا يرتفع حدثه، لأنّه لم ينو رفع جميع الأحداث.

و الثّالث: انّه إن كان آخر الأحداث ارتفعت كلّها، لأنّها تداخلت فيما بعدها، و إن كان أوّلها لم يرتفع (3).

السّادس عشر: لو نوى رفع حدث بعينه و الواقع غيره،

فإن كان غالطا صحّ، و إلّا بطل.

السّابع عشر: كلّ من عليه طهارة واجبة يجب أن ينوي الوجوب، و غيره ينوي النّدب،

فلو نوى الوجوب أعاد، و لو صلّى به فريضة لم تصحّ. و لو صلّى بطهارات متعدّدة فرائض كثيرة مع تخلّل الحدث، بأن كان يتوضّأ لكلّ فريضة قبل وقتها، أعاد الصّلاة الأولى خاصّة، لبطلانها، فصارت قضاء، و كلّ من عليه قضاء ينوي الوجوب.

____________

(1) فتح العزيز هامش المجموع 1: 335.

(2) تقدّم بيان ذلك في الجزء الأوّل ص 291.

(3) المجموع 1: 326، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 320، المهذّب للشّيرازي 1: 15.

21

مسألة: و يجب غسل الوجه.

و هو مذهب علماء الإسلام، قال اللّه تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (1).

و اختلفوا في حدّه، فمذهب أهل البيت (عليهم السلام) انّه من قصاص شعر الرّأس إلى الذّقن طولا، و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا. و به قال مالك (2). و قال الشّافعيّ (3)، و أبو حنيفة (4)، و أحمد: ما بين العذار و الاذن من الوجه (5). و ذهب الزّهريّ إلى انّ الأذنين من الوجه (6). و نقل شارح الطّحاويّ، عن أبي يوسف انّه روي عنه (7): إذا نبتت اللّحية زال العذار عن حدّ الوجه. و قال بعض الحنابلة: الصّدغان من الوجه (8).

لنا: انّ الوجه ما يحصل به المواجهة، و هذا لا يواجه به.

و ما رواه الشّيخ في الحسن، عن زرارة قال: قلت له: أخبرني عن حدّ الوجه الّذي ينبغي له أن يوضّأ الّذي قال اللّه عزّ و جل؟ فقال: (الوجه الّذي أمر اللّه عزّ و جلّ بغسله الّذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر، و إن نقص منه أثم: ما دارت عليه السّبّابة و الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرّأس إلى الذّقن، و ما حوت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه)

____________

(1) المائدة: 6.

(2) بداية المجتهد 1: 11، مقدّمات ابن رشد 1: 50، بلغة السّالك 1: 41، ميزان الكبرى 1: 117، نيل الأوطار 1: 188، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18، المجموع 1: 373.

(3) الام 1: 25، المهذّب للشّيرازي 1: 16، المجموع 1: 372، فتح الوهّاب 1: 12، مغني المحتاج 1:

50، 51، بداية المجتهد 1: 11، نيل الأوطار 1: 188، السّراج الوهّاج: 15.

(4) بدائع الصّنائع 1: 4، الهداية للمرغينانيّ 1: 12، بداية المجتهد 1: 11، المجموع 1: 373.

(5) المغني 1: 128، المجموع 1: 373، الكافي لابن قدامة 1: 32.

(6) المغني 1: 126، الشّرح الكبير بهامش المغنيّ 1: 158.

(7) «خ» بزيادة: انّه.

(8) المغني 1: 128، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 159، الإنصاف 1: 154.

22

قلت: الصّدغ من الوجه؟ قال: (لا) (1).

و رواه محمّد بن يعقوب (2)، و محمّد بن بابويه في كتابيهما في الصّحيح، و زاد ابن بابويه تعيين المرويّ عنه و هو أبو جعفر الباقر (عليه السلام)، و زاد أيضا: قال زرارة: قلت له: أرأيت ما أحاط به الشّعر؟ فقال: (كلّما أحاط به الشّعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء) (3).

و أيضا لا خلاف في تناول الأمر بالغسل لما ذكرناه (4)، فيكون ما عداه منفيّا (5) بالأصل السّالم عن معارضة اليقين.

و احتجّ الشّافعيّ (6)، و أبو حنيفة (7)، و أحمد بالإجماع (8).

و احتجّ الزّهريّ (9) بما رواه مسلم، عن النّبيّ (صلى الله عليه و آله) انّه سجد فقال:

(سجد وجهي للّذي خلقه و شقّ سمعه و بصره) (10) أضاف السّمع إليه كالبصر.

و الجواب عن الأوّل بالمنع من الإجماع مع وقوع الخلاف، و كيف يتحقّق ذلك و أهل البيت (عليهم السلام) ردّوا هذا القول، و مالك، و أبو يوسف، و الزّهريّ و غيرهم.

و عن الثّاني بأنّ الإضافة يكفي فيها مجرّد ملابسة ما، و هي حاصلة هنا و هي المجاورة، و لم ينقل أحد أنّ الأذنين مغسولتان بل نقلوا مسحهما، فيكون ما ذكره

____________

(1) التّهذيب 1: 54 حديث 154، الوسائل 1: 283 الباب 17 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(2) الكافي 3: 27 حديث 1.

(3) الفقيه 1: 28 حديث 1.

(4) مرّ ذكره في ص 21.

(5) «خ» «ح» «ق»: منتفيا.

(6) مغني المحتاج 1: 50، المجموع 1: 371.

(7) شرح فتح القدير 1: 13.

(8) المغني 1: 126، الكافي لابن قدامة 1: 32.

(9) المغني 1: 127 الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 158.

(10) صحيح مسلم 1: 535 حديث 771.

23

مدفوعا. على انّه معارض بما رواه الجمهور، عن النّبيّ (صلى الله عليه و آله) انّه قال:

(الأذنان من الرّأس) (1) و يبطل قول من قال: الصّدغ من الوجه، ما رواه الجمهور، عن الرّبيع بنت معوذ قالت: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) توضّأ فمسح رأسه و مسح ما أقبل منه و ما أدبر و صدغيه و أذنيه مرّة واحدة (2) فمسحه مع الرّأس و لم ينقل انّه غسله مع الوجه فبطل كونه من الوجه.

فروع:

الأوّل: لا اعتبار بمن تفضل يداه عن المعتاد أو تقصر أو يبلغ وجهه حدّا في الكبر يخرج به عن المعتاد أو في الصغر كذلك،

و لا اعتبار أيضا بالأصلع الّذي ينحسر شعره عن مقدّم رأسه، و لا الأنزع، و لا بالأغمّ الّذي ينزل شعره إلى الوجه، بل يجب على كلّ واحد من هؤلاء الرّجوع إلى مستوي الخلقة. و هو قول أكثر أهل العلم عملا بقوله تعالى:

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (3) و هذا خطاب يتوجّه إلى الغالب.

و قال الشّافعيّ: الغمم إن استوعب جميع الجبهة وجب إيصال الماء إليه، و إن لم يستوعب فوجهان (4).

الثّاني: لا يجب غسل ما خرج عن ما حدّدناه. و لا يستحبّ كالعذار

، و هو النّابت على العظم الناتئ الّذي هو سمت الصّماخ، و ما انحطّ عنه إلى وتد الاذن، و ما بينه و بين الاذن من البياض لا على الأمرد و لا على الملتحي، و به قال مالك (5). و قال الشّافعيّ: يجب

____________

(1) سنن أبي داود 1: 33 حديث 134.

(2) سنن التّرمذيّ 1: 49 حديث 34، سنن أبي داود 1: 32 حديث 129، نيل الأوطار 1: 202 حديث 1.

(3) المائدة: 6.

(4) المجموع 1: 372، فتح الوهّاب 1: 12، فتح العزيز هاش المجموع 1: 338.

(5) بلغة السّالك 1: 41، بداية المجتهد 1: 11، المجموع 1: 373، نيل الأوطار 1: 188.

24

غسله عليهما (1). و قال أبو يوسف: يجب على الأمرد خاصّة (2). و لا العارض و هو: ما نزل عن حدّ العذار و هو النّابت على اللّحيين. و لا الصّدغ و هو: الشّعر الّذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الاذن و نزل عن رأسها قليلا. و لا النّزعتان و هما: ما انحسر عنه الشّعر من الرّأس متصاعدا في جانبي الرّأس. و لا التّحذيف و هو: الشّعر الدّاخل في الوجه ما بين انتهاء العذار و النّزعة المتّصل شعر الرّأس، لأنّ التّكليف بهذه شرعيّ و لا شرع يدلّ على التّكليف بها فلا تكليف.

الثّالث: لا يلزم تخليل شعر اللّحية، و لا الشّارب، و لا العنفقة، و لا الأهداب

سواء كانت كثيفة أو خفيفة، و لا يستحبّ أيضا، بل الواجب إن فقد الشّعر غسل هذه المواضع، و إن وجد فإمرار الماء على ظاهر الشّعر. و قال ابن الجنيد: متى خرجت اللّحية و لم تكثر فعلى المتوضّئ غسل الوجه حتّى يستيقن وصول الماء إلى بشرته، لأنّها لم تستر مواضعها (3)، و هو قول الشّافعيّ (4).

و اتّفقوا على استحباب التّخليل إلّا أبا ثور، فإنّه قال بوجوب إيصال الماء إلى بشرة الوجه و إن كانت كثيفة (5). و هو قول المزني (6).

لنا: ما رواه الجمهور من وصف وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) انّه غسل وجهه ثلاثا، ثمَّ غسل يديه (7) و لم يذكر التّخليل فيكون منفيّا.

____________

(1) المجموع 1: 373، مغني المحتاج 1: 51، السّراج الوهّاج: 16.

(2) المجموع 1: 373، نيل الأوطار 1: 188.

(3) انظر: المختلف 1: 21.

(4) الام 1: 25، التّفسير الكبير 11: 158، المجموع 1: 374.

(5) المغني 1: 117، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 162، المجموع 1: 374، نيل الأوطار 1:

185.

(6) المغني 1: 117، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 162، المجموع 1: 374، نيل الأوطار 1:

185.

(7) صحيح البخاري 1: 58، سنن أبي داود 1: 29 حديث 118، سنن التّرمذي 1: 66 حديث 47.

سنن ابن ماجه 1: 149 حديث 434، سنن النّسائي 1: 71، سنن الدّار قطني 1: 82 حديث 13.

25

و أيضا: روى ابن عبّاس، عن النّبيّ (صلى الله عليه و آله) انّه توضّأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (1)، و من المستحيل إمكان غسل الوجه و إيصال الماء إلى ما تحت الشّعر بكفّ واحد و بالخصوص مع وضوء النّبيّ (صلى الله عليه و آله) بأنّه كثيف اللّحية كبيرها (2).

و أيضا: الوجه مأخوذ من المواجهة، و ذلك غير صادق على ما تحت الشّعر. و لأنّه شعر يستر ما تحته بالعادة، فوجب انتقال الفرض إليه قياسا على الرّأس.

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أرأيت ما كان تحت الشّعر؟ قال: (كلّما أحاط به الشّعر فليس على العباد أن يغسلوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجري عليه الماء) (3). و رواه ابن بابويه أيضا في الصّحيح (4).

و روى الشّيخ في الصّحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

سألته عن الرّجل يتوضّأ أ يبطن لحيته؟ قال: (لا) (5).

و روى، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: (إنّما عليك أن تغسل ما ظهر) (6) و «إنّما» تفيد الحصر.

تذنيب: لو نبت للمرأة لحية، كان حكمها ذلك

لما ذكرناه (7)، و لأنّه شعر ساتر لما

____________

(1) صحيح البخاري 1: 47، سنن النّسائي 1: 74، نيل الأوطار 1: 183 حديث 1، كنز العمّال 9:

حديث 26929.

(2) «م» «د» «ق» «ح»: كغيرها.

(3) التّهذيب 1: 364 حديث 1106، الوسائل 1: 335 الباب 46 من أبواب الوضوء، حديث 2.

(4) الفقيه 1: 28 حديث 88.

(5) التّهذيب 1: 360 حديث 1084، الوسائل 1: 334 الباب 46 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(6) التّهذيب 1: 78 حديث 202، الاستبصار 1: 67 حديث 201، الوسائل 1: 303 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 6.

(7) تقدّم في ص 24.

26

تحته، فأشبه لحية الرّجل، سواء كانت خفيفة، أو كثيفة، خلافا للشّافعيّ (1).

الرّابع: لا يجب غسل ما استرسل من اللّحية طولا و عرضا.

و هو قول أبي حنيفة (2)، و الشّافعيّ في أحد قوليه (3)، و في القول الآخر: يجب (4)، و به قال مالك (5).

و عن أحمد روايتان (6). و نقل عن أبي حنيفة، أيضا انّ اللّحية النّابتة في محلّ الفرض لا يجب غسلها إذا كانت كثيفة، لأنّ الوجه اسم للبشرة الّتي بها تحصل المواجهة، و الشّعر ليس ببشرة (7)، و ما تحته لا تحصل به المواجهة (8)، و هو أيضا مرويّ عن أبي يوسف (9). لكنّ الأظهر من مذهب أبي حنيفة، انّ عليه غسل الرّبع من اللّحية، قياسا على مسح الرّأس (10).

لنا: انّها ليست من الوجه، و لأنّه شعر خارج عن محلّ الفرض، فأشبه ما لو نزل من شعر الرّأس عنه كالذّؤابتين.

احتجّ (11) الموجبون، بأنّها تسمّى في الشّرع وجها، لما روي انّ النّبيّ صلّى اللّه عليه

____________

(1) مغني المحتاج 1: 52، المهذّب 1: 16، المجموع 1: 377.

(2) بدائع الصّنائع 1: 4، بداية المجتهد 1: 11، المغني 1: 130، نيل الأوطار 1: 182، التّفسير الكبير 11: 158، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 160.

(3) الام 1: 25، المهذّب للشّيرازي 1: 16، بداية المجتهد 1: 11، المغني 1: 130، التّفسير الكبير 11: 158.

(4) المجموع 1: 379، المهذّب للشّيرازي 1: 16، الام 1: 25، نيل الأوطار 1: 182، بدائع الصّنائع 1: 4، التّفسير الكبير 11: 158، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 160.

(5) بداية المجتهد 1: 11، مقدّمات ابن رشد 1: 50.

(6) الكافي لابن قدامة 1: 33، الإنصاف 1: 156.

(7) «خ»: بشرة.

(8) المغني 1: 130، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 160.

(9) أحكام القرآن للجصّاص 3: 343.

(10) بدائع الصّنائع 1: 3، شرح فتح القدير 1: 13، المغني 1: 131، أحكام القرآن للجصّاص 3: 343، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 160.

(11) المغني 1: 131، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 160، المجموع 1: 379.

27

و آله رأى رجلا غطّى لحيته في الصّلاة، فقال: (اكشف وجهك فإنّ اللّحية من الوجه) (1) و عرفا، و لهذا يقال: خرج وجهه، أي: لحيته، و لأنّه شعر نابت على موضع مغسول، فيوصل إليه الماء، كالشّارب.

و الجواب عن الأوّل: لعلّ ذلك الرّجل غطّى النّابت في محلّ الفرض لا السّاقط عنه.

و عن الثّاني: بأنّه مجاز في الاستعمال، و لهذا فإنّه لا يطّرد، فلا يقولون: طال وجهه أو عرض أو قصر وجهه لمن حصلت (2) هذه الأوصاف للحيته.

و عن الثّالث: انّ الحكم مضاف إلى المختصّ، و هو انّه شعر غير ساقط عن العضو المفروض، و إلّا لثبت في محلّ النّقض و هو المسترسل من الرّأس.

الخامس: الأذنان ليسا من الوجه،

فلا يجب غسلهما و لا يستحبّ، و لا يجب مسحهما ما أقبل منهما و ما أدبر، و لا يجوزان.

و قال الجمهور: يمسح الأذنان (3). و قال الزّهريّ: هما من الوجه يغسلان معه (4).

و قال الشّعبيّ، و الحسن البصريّ، و إسحاق: يغسل ما أقبل و يمسح ما أدبر (5). ثمَّ اختلف الشّافعيّ و أبو حنيفة، فقال الشّافعيّ: المستحبّ استئناف ماء جديد لهما (6)،

____________

(1) المغني 1: 131، المجموع 1: 379.

(2) «م» «ن» «ح» «ق»: جعل.

(3) المغني 1: 149، بداية المجتهد 1: 14، بدائع الصّنائع 1: 23، المهذّب للشّيرازي 1: 18.

(4) نيل الأوطار 1: 188، المجموع 1: 413، رحمة الأمّة هامش ميزان الكبرى 1: 19، تفسير القرطبي 6: 87.

(5) المجموع 1: 414، رحمة الأمّة هامش ميزان الكبرى 1: 19، نيل الأوطار 1: 188، و فيها:

الحسن بن صالح، بدل: الحسن البصري. تفسير القرطبي 6: 87، التّفسير الكبير 11: 159.

(6) المجموع 1: 413، السّراج الوهّاج: 18، بداية المجتهد 1: 14، سنن التّرمذي 1: 55، تفسير القرطبي 6: 90، الامّ 1: 26، المهذّب للشّيرازي 1: 18.

28

و قال أبو حنيفة: يمسحهما بماء الرّأس (1). و اتّفق أهل العلم على انّ مسحهما غير واجب إلّا ما يحكى عن إسحاق بن راهويه من إيجاب مسحهما (2).

لنا: انّه تكليف، فيتوقّف على الشّرح و لم يثبت، فاعتقاد فعله بدعة.

و ما رويناه، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حدّ الوجه (3).

و ما رويناه عنهم (عليهم السلام) من صفة وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) (4)، و صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) (5)، و لم يمسحا الأذنين.

و ما رواه الشّيخ، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) انّ أناسا يقولون:

انّ بطن الأذنين من الوجه، و ظهرهما من الرّأس؟ فقال: (ليس عليهما غسل و لا مسح) (6) و في طريقها ابن فضّال و ابن بكير، و فيهما قول (7)، إلّا انّ إجماع الأصحاب يؤيّد العمل بها، و اعتضادها بالأخبار الأخر.

احتجّوا (8) بما رواه ابن عبّاس، عن النّبيّ (صلى الله عليه و آله) انّه مسح رأسه و أذنيه بماء واحد (9).

____________

(1) الهداية للمرغيناني 1: 13، شرح فتح القدير 1: 24، بداية المجتهد 1: 14، تفسير القرطبي 6: 90، المبسوط للسّرخسي 1: 65، نيل الأوطار 1: 200.

(2) تفسير القرطبي 6: 90 نيل الأوطار 1: 200.

(3) تقدّم في ص 22 رقم «1».

(4) تقدّم في ص 297، 302، 306.

(5) الفقيه 1: 26 حديث 84، الوسائل 1: 282 الباب 16 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(6) التّهذيب 1: 55 حديث 156، الاستبصار 1: 63 حديث 187، الوسائل 1: 285 الباب 18 من أبواب الوضوء، حديث 2.

(7) مرّت ترجمتهما و القول فيهما في الجزء الأوّل ص 76، 204.

(8) المبسوط للسّرخسي 1: 65.

(9) سنن أبي داود 1: 33 حديث 133، نيل الأوطار 1: 198 حديث 2، و فيهما: و مسح برأسه و أذنيه مسحة واحدة.

29

و بما (1) روي، عنه (عليه السلام) انّه قال: (الأذنان من الرّأس) (2).

و الجواب عن الأوّل: انّه مدفوع عند الشّافعيّ، و لو كان صحيحا لما خفي عنه، على انّه حكاية فعل و فيه ضعف.

و عن الثّاني بالمنع منه، فإنّ سليمان بن حرب [1]، قال: انّه ليس من كلام النّبيّ (صلى الله عليه و آله)، و إنّما هو من كلام أبي أمامة [2] راوي الخبر (3).

و قال حمّاد بن زيد [3]: لا أدري هو من قول النّبيّ (صلى الله عليه و آله)، أو من قول أبي أمامة (4)، على انّ أصحاب الحديث قد ضعّفوه، فإنّ راويه شهر بن

____________

[1] سليمان بن حرب: أبو أيّوب الأزديّ الواشحيّ البصريّ، قاضي مكّة. سمع شعبة و مبارك بن فضالة، و روى عن حمّاد بن زيد و عنه ابن أبي شيبة، و إسحاق و أحمد بن سعيد الدّارميّ. مات بالبصرة سنة 224 ه.

تذكرة الحفّاظ 1: 393، العبر 1: 307، شذرات الذّهب 2: 54، رجال صحيح مسلم 1: 268.

[2] أبو أمامة: صديّ بن عجلان بن الحارث، أو وهب الباهليّ السّهميّ، كان مع عليّ (عليه السلام) بصفّين، روى، عن النّبيّ (ص)، و عليّ (ع)، و عمر، و عثمان، و أبي عبيدة، و معاذ، و روى عنه أبو سلام الأسود، و شرحبيل بن مسلم، و شهر بن حوشب، و مكحول و غيرهم. مات بالشّام سنة 86 ه.

الإصابة 2: 182، أسد الغابة 3: 16، الجمع بين رجال الصّحيحين 1: 226، رجال صحيح مسلم 1: 320.

[3] حمّاد بن زيد بن درهم: أبو أمامة الأزديّ مولاهم البصريّ من أئمّة الحديث حيث روى منها أربعة آلاف، سمع أبا عمران الجونيّ و أنس بن سيرين. و روى عنه عبد الرّحمن بن مهدي، و عليّ بن المديني، و أحمد بن المقدام و غيرهم. مات سنة 179 ه.

تذكرة الحفّاظ 1: 228، العبر 1: 211، شذرات الذّهب 1: 292.

____________

(1) المبسوط للسّرخسي 1: 65.

(2) سنن أبي داود 1: 33 حديث 134، سنن التّرمذي 1: 53 حديث 37، سنن ابن ماجه 1: 152 حديث 443 و 444 و 445، نيل الأوطار 1: 199 حديث 1.

سنن الدّار قطني 1: 104 حديث 41، مجمع الزّوائد 1: 234.

(3) سنن أبي داود 1: 33، شرح فتح القدير 1: 25، سنن البيهقي 1: 66.

(4) سنن التّرمذي 1: 53 حديث 37، سنن أبي داود 1: 33، 134، شرح فتح القدير 1: 25، سنن البيهقي 1: 67، التّعليق المغني هامش سنن الدّار قطني 1: 103.

30

حوشب [1]، و قال شعبة: انّ شهرا رافق رجلا من أهل الشّام فخانه (1). على انّ كونهما من الرّأس لا يدلّ على وجوب مسحهما و لا استحبابه، لما سنبيّن من اختصاص المسح بالمقدّم.

لا يقال: قد روى الشّيخ، عن عليّ بن رئاب [2]، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): الأذنان من الرّأس؟ قال: (نعم) قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت اذني؟

قال: (نعم) (2).

لأنّا نقول هذا الحديث مردود بالإجماع على خلافه، و بأنّه (يحمل على التّقيّة) (3)، و رواية يونس، و هو مشترك بين الموثّق كابن عبد الرّحمن [3] و ابن

____________

[1] شهر بن حوشب: أبو عبد الرّحمن أو أبو الجعد الأشعري الشّامي سكن البصرة، يروي عن أم سلمة، و ابن عمر، و أبي هريرة، و روى عنه قتادة و شمر بن عطيّة. قال أبو حاتم: لا يحتج به، و قال النّسائي و ابن عديّ: ليس بالقويّ، و قد أطال الذّهبي ترجمته و الأقوال فيه. مات سنة 100 ه. ميزان الاعتدال 2:

283، المجروحين 1: 361، الضّعفاء و المتروكين 2: 43.

[2] عليّ بن رئاب: أبو الحسن الطّحّان الكوفيّ، مولى جرم أو مولى بني سعد بن بكر، له أصل كبير، و هو ثقة جليل القدر، روى عن أبي عبد اللّه، و أبي الحسن (عليهما السلام)، قاله النّجاشيّ. و عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق (عليه السلام).

رجال النّجاشيّ: 250، رجال الطّوسيّ: 243، الفهرست: 87، رجال العلّامة: 93.

[3] يونس بن عبد الرّحمن مولى عليّ بن يقطين بن موسى. كان وجها في أصحابنا، متقدّما، عظيم المنزلة، روى عن أبي الحسن موسى (ع) و كان الرّضا (ع) يشير إليه في العلم و الفتيا، و كان ممّن بذل له على الوقت مال جزيل و امتنع عن أخذه، و ثبت على الحقّ، عدّه الشّيخ في رجاله تارة من أصحاب الكاظم (ع) و اخرى من أصحاب الرّضا (ع).

رجال النّجاشيّ: 446، رجال الطّوسيّ: 364، 394، رجال العلّامة: 184، و قد مرّت ترجمته في الجزء الأوّل ص 117.

____________

(1) سنن البيهقي 1: 66.

(2) التّهذيب 1: 62 حديث 169، الاستبصار 1: 63 حديث 188، الوسائل 1: 285 الباب 18 من أبواب الوضوء، حديث 3.

(3) «م» «ن» «د»: يحتمل التّقيّة.

31

رباط (1)، و المضعّف كابن ظبيان (2) فلا حجّة فيه.

السّادس: روى الشّيخ في حديث مرسل، عن الصّادق (عليه السلام)، قال: (إذا توضّأ الرّجل فليصفق وجهه بالماء

فإنّه إن كان ناعسا فزع و استيقظ، و إن كان البرد فزع و لم يجد البرد) (3).

و ذكر في حديث ضعيف، عن السّكوني، عن جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): (لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضّأتم و لكن شنّوا الماء شنّا) (4) و السّن (5): السّيل، و جمع بينهما بأنّ الأوّل محمول على إباحته و لا يجب خلافه، و الثّاني محمول على أولويّة غيره فلا ينافي.

السّابع: يستحبّ إسباغ ماء الوجه

لأنّ فيه غضونا (6)، و مع الكثرة يحصل اليقين بوصول الماء إلى الجميع.

الثّامن: لو غسل منكوسا، قال الشّيخ: لا يجزيه (7).

خلافا للمرتضى مع انّه

____________

(1) يونس بن رباط البجليّ، مولاهم، كوفيّ من أصحاب أبي عبد اللّه (ع) وثّقه النّجاشيّ، و الشّيخ، و العلّامة.

رجال النّجاشيّ: 448، رجال الطّوسيّ: 337، رجال العلّامة: 185.

(2) يونس بن ظبيان الكوفيّ، مولى، ضعيف جدّا لا يلتفت إلى ما رواه، كلّ كتبه تخليط، قاله النّجاشيّ، عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق (ع) و نقل العلّامة في رجاله عن ابن الغضائريّ انّه غال كذّاب وضّاع للحديث، ثمَّ قال: لا أعتمد على روايته.

رجال النّجاشيّ: 448، رجال الطّوسيّ: 336، رجال العلّامة: 266.

(3) التّهذيب 1: 357 حديث 1071، الاستبصار 1: 68 حديث 207، الوسائل 1: 305 الباب 30 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(4) التّهذيب 1: 357 حديث 1072، الاستبصار 1: 69 حديث 208، الوسائل 1: 305 الباب 30 من أبواب الوضوء، حديث 2.

(5) السّن خلاف الشّن، و هو الصّبّ المتّصل. النّهاية لابن الأثير 3: 413، 507.

(6) الوجه الغضن: هو الّذي فيه تجعّد و تكسّر. النّهاية لابن الأثير 3: 372.

(7) المبسوط 1: 20.

32

كرهه (1).

لنا: ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن زرارة بن أعين قال: حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده اليمنى فأخذ كفّا من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه (2). و فعله إذا كان بيانا للمجمل وجب اتّباعه فيه.

و أيضا: نقل عنه (عليه السلام) حين أكمل وضوءه انّه قال: (هذا وضوء لا يقبل اللّه الصّلاة إلّا به) (3).

و أيضا: لا شكّ انّه (عليه السلام) توضّأ بيانا، فإن كان قد ابتدأ بأسفل الوجه لزم وجوبه و لا قائل به، و يكون قد فعل المكروه فإنّه وافق على الكراهية و هو منزّه عنه، و إن كان قد غسل من أعلاه وجب اتّباعه.

التّاسع: قال الشّيخ في الخلاف: لا يستحبّ فتح العين عند الوضوء،

و احتجّ بإجماع الفرقة و بالأصل (4).

و روى ابن بابويه، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) انّه قال (افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلّها لا ترى نار جهنّم) (5) و هذا يعطي الاستحباب. و هو أحد قوليّ الشّافعيّ (6)، لأنّ ابن عمر فعله (7).

و الجواب: فعل ابن عمر ليس حجّة، مع انّهم نقلوا وضوء رسول اللّه صلّى اللّه

____________

(1) لم نعثر على قوله هذا من كتبه الموجودة، و لكن نقله عنه المحقّق في المعتبر 1: 143.

(2) التّهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 10.

(3) الفقيه 1: 25 حديث 76، الوسائل 1: 308 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 11.

(4) الخلاف 1: 14 مسألة- 35.

(5) الفقيه 1: 31 حديث 104، الوسائل 1: 341 الباب 53 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(6) المهذّب للشّيرازي 1: 16، المجموع 1: 369.

(7) المغني 1: 118، المهذّب للشّيرازي 1: 16.

33

عليه و آله و لم ينقل إدخال الماء إلى العينين، و لأنّ فيه ضررا، و قياسه على المضمضة و الاستنشاق ضعيف، لأنّ داخل الفم و الأنف يتغيّر، بخلاف داخل العين.

العاشر: لو غسل الشّعر النّابت على الوجه، ثمَّ زال عنه، أو انقلعت جلدة من يديه أو ظفره، أو قصّه، لم يؤثّر في طهارته.

و هو قول أكثر أهل العلم (1)، و نقل عن ابن جرير [1]، انّ ظهور بشرة الوجه بعد غسل شعره يوجب غسلها (2)، قياسا على ظهور قدم الماسح على الخفّ.

لنا: انّه أتى بالمأمور به، و لأنّه غسل ما هو أصل و هو الشّعر، بدليل انّه لو غسل البشرة دون الشّعر لم يجزه، فأشبه ما لو انكشطت جلدة من الوجه بعد غسله، و قياسه ضعيف، لأنّ الخفّين بدل مجزي عن غسل الرّجلين دونهما بخلاف الشّعر.

مسألة: و يجب غسل اليدين بالإجماع و النّصّ،

و أكثر أهل العلم على وجوب إدخال المرفقين في الغسل (3)، خلافا لبعض أصحاب مالك (4)، و ابن داود [2] (5)،

____________

[1] محمّد بن جرير بن يزيد بن كثير: أبو جعفر الطّبريّ، صاحب التّفسير، و التّأريخ، و المصنّفات الكثيرة.

سمع إسحاق بن أبي إسرائيل و محمّد بن حميد الرّازي و طبقتهما و حدّث عنه خلق كثير. مولده بآمل طبرستان سنة 224 ه. مات ببغداد سنة 310 ه.

تذكرة الحفّاظ 2: 710، العبر 1: 460، ميزان الاعتدال 3: 498، لسان الميزان 5: 100.

[2] أبو بكر محمّد بن عليّ بن داود الظّاهريّ، صاحب كتاب- الزّهرة- تولّى مقام الفتوى ببغداد بعد أبيه و كان يناظر أبا العبّاس بن سريج. مات سنة 297 ه.

تذكرة الحفّاظ 2: 660، العبر 1: 433، شذرات الذّهب 2: 226.

____________

(1) المجموع 1: 393، المغني 1: 130.

(2) المجموع 1: 393، المغني 1: 130.

(3) المجموع 1: 385، أحكام القرآن للجصّاص 3: 344، بدائع الصّنائع 1: 4، المغني 1: 137، شرح فتح القدير 1: 13، بداية المجتهد 1: 11، مغني المحتاج 1: 52، التّفسير الكبير 11: 159، ميزان الكبرى 1: 117.

(4) بداية المجتهد 1: 11، المغني 1: 137.

(5) المغني 1: 137، المجموع 1: 385.

34

و زفر (1).

لنا: ما رواه الجمهور، عن جابر، عن النّبيّ (صلى الله عليه و آله)، قال: كان النّبيّ (صلى الله عليه و آله) إذا توضّأ أدار الماء إلى مرفقيه (2). و هذا بيان للغسل المأمور به في الآية، فإنّ «إلى» قد تأتي بمعنى «مع» كقوله تعالى وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ (3) و قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ (4) و قوله مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ (5).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشّيخ، عن بكير و زرارة ابني أعين أنّهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، فدعا بطست أو بتور فيه ماء فغسل كفّيه- إلى قوله- فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع (6). و قد وافق على انّ مبدأ الغاية داخل.

و روى الشّيخ، عن الهيثم بن عروة التّميميّ [1]، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (7) فقال: (ليس هكذا تنزيلها إنّما هي فاغسلوا وجوهكم و أيديكم من المرافق) ثمَّ أمرّ يده من مرفقه إلى

____________

[1] الهيثم بن عروة التّميميّ، كوفيّ، ثقة، عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق (ع).

رجال النّجاشيّ: 437، رجال الطّوسيّ: 331، رجال العلّامة: 179.

____________

(1) بدائع الصّنائع 1: 4، شرح فتح القدير 1: 13، ميزان الكبرى 1: 117، أحكام القرآن للجصّاص 3:

344، المغني 1: 137، عمدة القارئ 2: 233، التّفسير الكبير 11: 159، المجموع 1: 385، الهداية للمرغيناني 1: 12.

(2) سنن الدّار قطني 1: 83 حديث 15، سنن البيهقي 1: 56.

(3) هود: 52.

(4) النّساء: 2.

(5) آل عمران: 52، الصّف: 14.

(6) التّهذيب 1: 56 حديث 158، الاستبصار 1: 57 حديث 168، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 11.

(7) المائدة: 6.

35

أصابعه (1). و لأنّ الاحتياط يقتضي الوجوب.

احتجّ: زفر (2) بأنّها غاية في الآية، فلا تدخل في ذي الغاية كقوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (3) و هو ضعيف.

أمّا أوّلا، فبالمنع من كونها غاية، بل بمعنى «مع» لما بيّنّاه (4) من الاستعمال و الاحتياط.

و ثانيا، بالمنع من كون الغاية غير داخلة، فإنّ بعضهم ذهب إلى وجوب الدّخول (5)، و آخرون قالوا بالوقف (6)، بأنّها تارة تدخل و اخرى لا تدخل، فكان مجملا. و قال آخرون: إن كان الحدّ من جنس المحدود دخل، كقوله: بعتك هذا الثّوب من هذا الطّرف إلى هذا الطّرف و إلّا فلا، كآية الصّيام (7) (8)، و هاهنا المرافق من جنس الأيدي.

فروع:

الأوّل: لو غسلهما مبتدئا بالمرافق أجزأ

إجماعا بل هو الأولى. و هل هو واجب أم لا؟ نصّ الشّيخ على ذلك (9) حتّى انّه لو استقبل الشّعر لم يجزه، و قال المرتضى بالاستحباب (10).

____________

(1) التّهذيب 1: 57 حديث 159، الوسائل 1: 285 الباب 19 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(2) المغني 1: 137، شرح فتح القدير 1: 13، الهداية للمرغينانيّ 1: 12.

(3) البقرة: 187.

(4) تقدّم بيانه في ص 34.

(5) مقدّمات ابن رشد 1: 51.

(6) المجموع 1: 386، عمدة القارئ 2: 234، أحكام القرآن للجصّاص 3: 344.

(7) المجموع 1: 386، عمدة القارئ 2: 234، أحكام القرآن للجصّاص 3: 344.

(8) البقرة: 187.

(9) المبسوط 1: 21، النّهاية: 14، الخلاف 1: 11 مسألة- 26.

(10) الانتصار: 16، رسائل الشّريف المرتضى (المجموعة الاولى): 213.

36

احتجّ الشّيخ بابتداء النّبيّ (صلى الله عليه و آله) من المرفق، لما رواه عن زرارة و بكير ابني أعين أنّهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلّم)، ثمَّ قال: ثمَّ غمس كفّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفقين (1).

و ما رواه الهيثم بن عروة و قد تقدّمت، و الرّواية الاولى في طريقها عثمان بن عيسى، و الثّانية في طريقها سهل بن زياد، و هما ضعيفان (2).

احتجّ المرتضى بأنّه أتى بالمأمور به، فيجب الإجزاء، لكنّه أتى بالكراهيّة (3).

و للشّيخ أن يقول: إذا كان مكروها لم يفعله النّبيّ (صلى الله عليه و آله) بيانا، فتعيّن الآخر، فيكون واجبا. و نحن نقول: قد بيّنّا تحريم النّكس في الوجه (4)، فيحرم هنا، لعدم القائل بالفرق.

الثّاني: الواجب في الغسل ما يحصل به مسمّاه

كالدّهن، بشرط بقاء التّسمية فيه، و ذلك بأن يصدق الجريان على الماء، أمّا المسح فلا، لأنّه بالأوّل يكون ممتثلا بخلاف الثّاني.

الثّالث: لو انقطعت يده من دون المرفق غسل الباقي من محلّ الفرض.

و هو قول أهل العلم (5).

لنا: ما رواه الشّيخ، عن رفاعة [1]، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن

____________

[1] رفاعة بن موسى الأسديّ النخاس، كوفيّ، ثقة في حديثه مسكونا إلى روايته لا يعترض عليه بشيء من الغمز، روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (ع)، عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصّادق (ع).

____________

(1) التّهذيب 1: 56 حديث 158، الاستبصار 1: 57 حديث 168، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 11.

(2) تقدم بيان ضعفهما في الجزء الأوّل 1: 39، 251.

(3) رسائل الشّريف المرتضى (المجموعة الأولى): 213.

(4) تقدّم بيانه في ص 31.

(5) المجموع 1: 394، المغني 1: 139.

37

الأقطع اليد و الرّجل كيف يتوضّأ؟ قال: (يغسل ذلك المكان الّذي قطع منه) (1) و رواه ابن يعقوب في كتابه في الحسن، عن رفاعة أيضا (2).

و روى الشّيخ في الحسن، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

سألته عن الأقطع اليد و الرّجل؟ قال: (يغسلهما) (3) و لأنّ غسل الجميع واجب بتقدير وجوده، و ذلك يستلزم وجوب غسل كل عضو، فلا يسقط بعضه بفقدان البعض الآخر.

الرّابع: لو انقطعت يده من المرفق سقط غسلها

، لفوات محلّ الغسل. و للشّافعيّ في غسل العظم الباقي- و هو طرف العضد وجهان، أصحّهما عنده الوجوب، لأنّ غسل العظمين المتلاقيين من العضد و المرفق واجب، فإذا زال أحدهما غسل الآخر (4).

و نحن نقول: إنّما وجب غسل طرف العضد توصّلا إلى غسل المرفق، و مع سقوط الأصل انتفى الوجوب.

لا يقال: قد روى الشّيخ في الصّحيح، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضّأ؟ قال: (يغسل ما بقي من عضده) (5).

لأنّا نقول: هذه الرّواية منافية للإجماع، فإنّ أحدا لم يوجب غسل العضد، فيحمل على الاستحباب تشبيها بالغاسل.

أمّا لو قطعت يده من فوق المرفق، سقط الغسل إجماعا، لفوات المحل، لكن

____________

رجال النّجاشيّ: 166، رجال الطّوسيّ: 194، رجال العلّامة: 71.

____________

(1) التّهذيب 1: 359 حديث 1078، الوسائل 1: 337 الباب 49 من أبواب الوضوء، حديث 4.

(2) الكافي 3: 29 حديث 8.

(3) التّهذيب 1: 360 حديث 1085، الوسائل 1: 337 الباب 49 من أبواب الوضوء، حديث 3.

(4) السّراج الوهّاج: 16، المجموع 1: 394، مغني المحتاج 1: 52.

(5) التّهذيب 1: 360 حديث 1086، الوسائل 1: 337 الباب 49 من أبواب الوضوء، حديث 2.

38

يستحبّ غسل الباقي، لما تقدّم من الرّواية، و هو قول الشّافعيّ (1).

الخامس: إذا كان أقطع اليدين فوجد من يوضّئه متبرّعا، لزمه ذلك

لتمكّنه، و إن لم يجد إلّا بأجرة يقدر عليها، فهل يجب ذلك أم لا؟ الوجه الوجوب للتمكّن أيضا، كما يلزمه شراء الماء. و قال بعض الجمهور: لا يلزمه، كما لو عجز عن القيام في الصّلاة، لا يلزمه استئجار من يقيمه و يعتمد عليه (2)، و نحن نمنع الأصل. و لو عجز عن الأجرة، أو لم يجد من يستأجره، صلّى على حسب حاله، كفاقد الماء و التّراب، و في وجوب إعادة الصّلاة إشكال.

السّادس: لو خلق له يد زائدة، أو إصبع، أو لحم نابت، أو جلد منبسط في محلّ الفرض، وجب غسله

لأنّه كالجزء منه، فأشبه الثّؤلول (3). و لو كانت فوق المرفق كالعضد، و المرفق لم يجب غسلها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، لأنّها خرجت عن محلّ الفرض، فأشبهت شعر الرّأس إذا نزل عن الوجه. و قال الشّافعيّ: إن كان بعضها يحاذي محلّ الفرض غسل المحاذي منه (4)، و ليس بشيء.

السّابع: لو لم يعلم اليد الزّائدة من الأصليّة، وجب غسلهما

جميعا، لأنّ غسل إحداهما متعيّن (5)، و تخصيص إحداهما به ترجيح من غير مرجّح، فوجب الجميع، كما لو تنجّست إحدى يديه، و لم يعلم (6) بعينها.

الثّامن: لو انقلعت جلدة من غير محلّ الفرض حتّى تدلّت من محلّ الفرض وجب غسلها

، لأنّ أصلها في محلّ الفرض فأشبهت الإصبع الزّائدة. و لو انقلعت من محلّ

____________

(1) الام 1: 26، المجموع 1: 394، مغني المحتاج 1: 52، السّراج الوهّاج: 16، فتح الوهّاب 1: 12.

(2) المغني 1: 139، عمدة القارئ 2: 233.

(3) الثؤلول: الحبّة الّتي تظهر في الجلد. النّهاية لابن الأثير 1: 205.

(4) المهذّب للشّيرازي 1: 17، المجموع 1: 388، مغني المحتاج 1: 53.

(5) «خ»: متيقن.

(6) «ح» «ق» يعلمها.

39

الفرض، فتدلّت من غير محلّ الفرض، لم يجب غسلها، قصيرة كانت أو طويلة بلا خلاف، لأنّها في غير محلّ الفرض، كما لا تغسل الإصبع النّابتة في غير محلّه. و لو انقلعت من أحد المحلّين، فالتحم رأسها في الآخر، و بقي وسطها متجافيا، صار حكمها حكم النّابت في المحلّين، يجب غسل ما حاذى محلّ الفرض من ظاهرها و باطنها، و غسل ما تحتها من محلّ الفرض.

التّاسع: لو قطعت يده من دون المرفق بعد الطّهارة، لم يجب غسل ما ظهر منها،

لأنّ الطّهارة لم تتعلّق بموضع القطع، و إنّما كانت متعلّقة بما كان ظاهرا من اليد و قد غسله.

العاشر: لو طالت أظفاره حتّى خرجت عن سمت يده، احتمل وجوب غسلها

لأنّه نادر، و عدمه، كاللّحية، و للشافعيّة الوجهان (1).

الحادي عشر: الوسخ تحت الظّفر المانع من وصول الماء إلى ما تحته، هل يجب إزالته مع عدم الضّرر؟ فيه إشكال

، فإنّ لقائل أن يقول: إنّه حائل عمّا يجب غسله، و يمكن إزالته من غير مشقّة فيجب، كالشّمع (2). و يمكن أن يقال: انّه ساتر عادة فكان يجب على النّبي (صلى الله عليه و آله) بيانه، و لمّا لم يبيّن دلّ على عدم الوجوب، و لأنّه يستر عادة، فأشبه ما يستره الشّعر من الوجه، و الأقرب الأوّل.

الثّاني عشر: ذو الرّأسين و اليدين يغسل أعضاءه مطلقا

، لأنّ كلّ واحد من الوجهين يسمّى وجها، سواء علمت الزّيادة أولا، و سواء حكم الشّارع بوحدته أو بكثرته.

(أصل: الباء إذا أدخلت على فعل متعدّ بنفسه أفادت التّبعيض

بالنّقل، أو لأنّا نعلم الفرق بين قولنا: مسحت يدي بالمنديل، و مسحت المنديل، في إفادة الأوّل

____________

(1) المهذّب للشّيرازي 1: 17، المجموع 1: 387.

(2) «خ»: كالوسخ.

40

التّبعيض من دون الثّاني، و لأنّه لو لم يفد التّبعيض لم يكن مفهما، لأنّ الإلصاق إنّما يفيده إذا لم يتعدّ الفعل بنفسه، و قول ابن جنّي [1]: انّ الباء لم تفد التّبعيض في لغة العرب، باطل، بالنّقل عن كثير من أهل اللّغة انّها تفيد (1)، و شهادة الإثبات مقدّمة) (2).

مسألة: و يجب مسح الرّأس بالنّصّ و الإجماع،

و اختلفوا في قدر الواجب منه، فقال مالك (3)، و أحمد في أحد قوليه: يجب مسح الجميع (4). و قال علماؤنا: الواجب مسح البعض (5). و هو مذهب الحسن، و الثّوريّ، و الأوزاعيّ (6)، و الشّافعي (7)، و أبي حنيفة (8). و فصّل أحمد في القول الآخر، فأوجب الاستيعاب في حقّ الرّجل دون

____________

[1] أبو الفتح، عثمان بن جنّي الموصليّ النّحويّ صاحب التّصانيف، لازم أبا علي الفارسي و تصدّر مكانه بعد موته ببغداد. مات في صفر سنة 392.

بغية الوعاة: 322، العبر 2: 183.

____________

(1) المصباح المنير 1: 67.

(2) ما بين القوسين في «خ» فقط.

(3) المدوّنة الكبرى 1: 16، بداية المجتهد 1: 12، مقدّمات ابن رشد 1: 51، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، أحكام القرآن للجصّاص 3: 344، المبسوط للسّرخسي 1: 63، المغني 1: 141، ميزان الكبرى 1: 117، التّفسير الكبير 11: 160، عمدة القارئ 2: 234، بدائع الصّنائع 1: 4، المجموع 1: 399، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18، شرح فتح القدير 1: 15.

(4) المغني 1: 141، الإنصاف 1: 161، الكافي لابن قدامة 1: 35، المجموع 1: 399، ميزان الكبرى 1: 117، نيل الأوطار 1: 192، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18.

(5) منهم: المفيد في المقنعة: 5، و السّيّد المرتضى في الجمل: 50، و الشّيخ الطّوسي في النّهاية: 14، و الخلاف 1: 13 مسألة- 29.

(6) المغني 1: 141، المجموع 1: 399، عمدة القارئ 2: 235، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 167.

(7) مغني المحتاج 1: 53، المجموع 1: 399، التّفسير الكبير 11: 160، أحكام القرآن للجصّاص 3:

344، عمدة القارئ 2: 235، المغني 1: 141، نيل الأوطار 1: 192.

(8) المبسوط للسّرخسي 1: 63، بدائع الصّنائع 1: 4، عمدة القارئ 2: 235، بداية المجتهد 1: 12، المغني 1: 141، التّفسير الكبير 11: 160، نيل الأوطار 1: 192.

41

المرأة (1)، و حكي عن محمّد بن [مسلمة] (2) من أصحاب مالك، انّه إن ترك قدر الثّلث جاز (3)، و قال غيره من أصحابه: إن ترك يسيرا بغير قصد جاز (4)، و حكي عن المزني انّه قال: يجب مسح جميعه (5).

لنا: قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (6) و قد بيّنّا انّ الباء للتّبعيض.

و ما رواه الجمهور، عن المغيرة بن شعبة [1] انّ النّبيّ (صلى الله عليه و آله) مسح بناصيته (7).

و ما رواه سعيد [2]، عن عثمان [10] انّه مسح مقدّم رأسه بيده مرّة واحدة لم

____________

[1] المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود. بن سعد بن عوف بن قيس الثّقفيّ، أبو عيسى أو أبو محمّد أو أبو عبد اللّه، أسلم عام الخندق، ولّاه عمر بن الخطّاب البصرة، و لم يزل عليها حتّى شهد عليه بالزّنا فعزله ثمَّ ولّاه الكوفة، و أقرّه عثمان عليها. هو أوّل من وضع ديوان البصرة، و أوّل من رشي في الإسلام، روى عن النّبيّ (ص) و روى عنه أبو أمامة الباهليّ و المسوّر بن مخرمة و نافع بن جبير و غيرهم. مات بالكوفة سنة 50 ه. الإصابة 3: 452، أسد الغابة 4: 406.

[2] سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، صاحب السّنن، سمع مالكا و فليح بن سليمان و اللّيث بن سعد و حدّث عنه أحمد و أبو بكر الأثرم و مسلم و أبو داود. مات بمكّة سنة 227 ه.

تذكرة الحفّاظ 2: 416، العبر 1: 314، ميزان الاعتدال 2: 159.

[3] عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس، أبو عبد اللّه و أبو عمر، روى عن النّبيّ (ص) و عن أبي بكر و عمر و روى عنه أولاده: عمر، و أبان، و سعيد. و مروان بن الحكم بن أبي العاص، و ابن

____________

(1) المغني 1: 141، الإنصاف 1: 162، الكافي لابن قدامة 1: 36، منار السّبيل 1: 27، عمدة القارئ 2: 235.

(2) في النّسخ: مسلم، و ما أثبتناه من المصدر.

(3) أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، المجموع 1: 399، عمدة القارئ 2: 234.

(4) أحكام القرآن لابن العربي 2: 568.

(5) المجموع 1: 399.

(6) المائدة: 6.

(7) صحيح مسلم 1: 230 حديث 81 و ص 231 حديث 83، سنن أبي داود 1: 38 حديث 150، سنن النّسائيّ 1: 76، سنن البيهقي 1: 58، نيل الأوطار 1: 207.

42

يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) (1).

و ما رواه أنس بن مالك انّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، توضّأ فرفع مقدّم عمامته و أدخل يده تحتها فمسح مقدّم رأسه و لم ينقض العمامة (2). و لا شكّ انّ مسح جميع الرّأس لا يتمّ مع رفع المقدّم.

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت و قلت انّ المسح ببعض الرّأس و بعض الرّجلين؟ فضحك، ثمَّ قال: «يا زرارة، قاله رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): و نزل به الكتاب من اللّه تعالى [لأنّ اللّه تعالى] (3) يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرفنا انّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمَّ قال وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ ثمَّ فصّل بين الكلامين، فقال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا حين قال: برؤسكم، انّ المسح ببعض الرّأس لمكان الباء، ثمَّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فعرفنا حين وصلهما بالرّأس انّ المسح على بعضها، ثمَّ فسّر ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) للنّاس فضيّعوه، ثمَّ قال فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ فلمّا وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لأنّه قال بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ ثمَّ وصل بها وَ أَيْدِيَكُمْ ثمَّ قال مِنْهُ أي من ذلك التّيمّم، لأنّه علم انّ ذلك أجمع لا يجري على الوجه، لأنّه يعلق من ذلك [الصّعيد] (4) ببعض

____________

مسعود و غيرهم. قتل بالمدينة سنة 35 ه.

الإصابة 2: 462، أسد الغابة 3: 376.

____________

(1) كنز العمّال 9: 443 حديث 26890.

(2) سنن أبي داود 1: 36 حديث 147، سنن ابن ماجه 1: 186 حديث 564.

(3) أضفناه من المصدر.

(4) أضفناه من المصدر.

43

الكفّ، و لا يعلق ببعضها، ثمَّ قال مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ (1) و الحرج الضّيق) (2).

و ما رواه في الصّحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

(مسح الرّأس على مقدّمه) (3).

و ما رواه، عن معمّر بن عمر (4)، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (يجزي من مسح الرّأس [موضع] (5) ثلاث أصابع، و كذلك الرّجل) (6).

و روى ابن يعقوب في الحسن، عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (المرأة يجزيها من مسح الرّأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع و لا تلقى عنها خمارها) (7).

و ما رواه، عن الحسين (8) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل توضّأ و هو

____________

(1) المائدة: 6.

(2) التّهذيب 1: 61 حديث 168، الاستبصار 1: 62 حديث 186، الوسائل 1: 290 الباب 23 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(3) التّهذيب 1: 62 حديث 171، الاستبصار 1: 60 حديث 176، الوسائل 1: 289 الباب 22 من أبواب الوضوء، حديث 1، 2.

(4) معمّر بن عمر ذكره الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق (ع) و قال: روى عنهما، أي: الباقر و الصّادق (ع).

رجال الطّوسيّ: 316.

(5) أضفناه من المصدر.

(6) التّهذيب 1: 60 حديث 167، الاستبصار 1: 60 حديث 177، الوسائل 1: 294 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 5.

(7) الكافي 3: 30 حديث 5، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 3.

(8) الحسين بن المختار، أبو عبد اللّه القلانسيّ، كوفيّ روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (ع) له كتاب يرويه عنه حمّاد بن عيسى. قاله النّجاشيّ. عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق و الكاظم (ع) و ضعّفه بأنّه واقفي، و تبعه العلّامة في رجاله، و وثّقه المفيد في الإرشاد و عدّه من أهل الورع الّذين رووا النّصّ على الإمام الرّضا (ع).

رجال النّجاشيّ: 54، إرشاد المفيد 2: 240، رجال الطّوسيّ: 169، 346، رجال العلّامة: 215.

44

معتمّ، فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال: (يدخل إصبعه) (1).

و أيضا: الأصل براءة الذّمّة، و من مسح بعض رأسه يصدق عليه أنّه قد مسح برأسه، كما يقال: مسحت برأس اليتيم.

و أيضا: فهو مسح يسقط في التّيمّم، فوجب أن لا يستحقّ الاستيعاب، كالمسح على الخفّين عندهم.

و أيضا: لا يجب الاستيعاب في المسح، كما لا يجب استيعاب الحلق في التّحلّل، و الجامع، ما اشتركا (2) فيه من كون كلّ واحد منهما حكما مختصّا بالرّأس على وجه العبادة.

احتجّوا (3) بما رووه (4)، عنه (عليه السلام) من أنّه توضّأ فمسح رأسه كلّه (5)، و لأنّه لمّا كان كلّ جزء من الرّأس محلّا للفرض، علم تعلّقه بالجميع، قياسا على سائر الأعضاء.

و الجواب عن الأوّل، بالمنع من صحّته، فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) أجمعوا على ردّه، و ردّه الشّافعي، و أبو حنيفة، فلو كان صحيحا لما ردّوه.

و أيضا: يحمل على غير الوجوب، جمعا بينه و بين ما نقلوه عنه (عليه السلام) من ترك مسح البعض، و لا يمكن أن يقال انّه ترك بعض الواجب (6).

و عن الثّاني، بالمنع من ثبوت العلّة في الفرع، فإنّ عندنا المسح مختصّ بالمقدّم على

____________

(1) الكافي 3: 30 حديث 3، التّهذيب 1: 90 حديث 239، الاستبصار 1: 61 حديث 183، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 2، و في الجميع: ليدخل إصبعه.

(2) «ح» «ق»: هو مشترك.

(3) المجموع 1: 399.

(4) «ح» «ق»: رووا.

(5) سنن أبي داود 1: 31 حديث 128.

(6) انظر: أحكام القرآن للجصّاص 3: 346.

45

ما يأتي، و مع هذا فإنّه ينتقض بالمسح على الخفّين، فإنّ كلّ جزء من الخفّ محلّ الفرض، ثمَّ لا يتعلّق الفرض بالجميع، و كذا بخصال الكفّارة المخيّرة.

أصل: الأمر بالماهيّة الكلّيّة لا يقتضي الأمر بشيء من جزئيّاتها على التّعيين،

لأنّ الماهيّة الكلّيّة صادقة على تلك الجزئيّات، و ليس كلّ واحد منها صادقا على الآخر، فما به الاشتراك غير ما ليس به الاشتراك، فالأمر بالماهيّة الكلّيّة الّتي بها الاشتراك، لا يكون أمرا بما به يمتاز كلّ واحد من الجزئيّات، لا بالذّات و لا بالاستلزام.

نعم، يكون أمرا بواحد منها لا بعينه لاستحالة تحصيل الكلّي إلّا في أحد جزئيّاته.

فروع:

الأوّل: الحقّ عندي انّ الواجب من مسح الرّأس لا يتقدّر بقدر في الرّجل و المرأة،

بل يكفي فيه أقلّ ما يصدق عليه الاسم، و به قال الشّيخ في المبسوط (1). نعم، الأفضل ما يكون مقداره ثلاث أصابع مضمومة، و به قال السّيّد المرتضى في المصباح، و قال في الخلاف: يجب مقدار ثلاث أصابع (2). و هو اختيار ابن بابويه (3)، و أبي حنيفة في إحدى الرّوايتين عنه، و في الرّواية الأخرى: يجزي مسح ربعه لا غير (4). و قال الشّافعيّ:

يجزي ما يقع عليه الاسم، و أقلّه ثلاث شعرات (5). و حكي عنه انّه لو مسح شعرة واحدة

____________

(1) المبسوط 1: 21.

(2) نقله عنه في المعتبر 1: 145.

(3) الفقيه 1: 28.

(4) أحكام القرآن للجصّاص 3: 344، المبسوط للسّرخسي 1: 63، عمدة القارئ 2: 235، بدائع الصّنائع 1: 4، الهداية للمرغينانيّ 1: 12، شرح فتح القدير 1: 15- 16، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، بداية المجتهد 1: 12.

(5) المهذّب للشّيرازي 1: 17، المغني 1: 143، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 167، مغني المحتاج 1:

53، شرح فتح القدير 1: 15، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، بدائع الصّنائع 1: 4.

46

أجزأه (1). و ذهب بعض الحنابلة إلى انّ قدر الواجب هو النّاصية (2)، و هو رواية عن أبي حنيفة (3)، و حكي عن أحمد انّه لا يجزي إلّا مسح أكثره (4).

لنا: قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ و المراد البعض الكلّي الصّادق على الكثير و القليل، و الأمر بالكلّي لا يكون أمرا بشيء من جزئيّاته على التّعيين، فأيّها أوقع أجزأه، و لا حدّ له شرعا، فيقتصر بالإجزاء على أقلّ ما يتناوله الاسم.

و ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن زرارة و بكير ابني أعين أنّهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إلى أن انتهيا إلى قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ قال (عليه السلام): (فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه (5) ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الأصابع، فقد أجزأه) (6).

و روى الشّيخ، عن حمّاد بن عيسى [1] بإسناد صحيح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرّجل يتوضّأ و عليه العمامة؟ قال: (يرفع العمامة قدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدّم رأسه) (7) و هذا الحديث و إن كان مرسلا إلّا انّ الأصل

____________

[1] حمّاد بن عيسى: أبو محمّد الجهنيّ، كوفيّ، سكن البصرة، عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق و الكاظم (ع) و وثّقه في الفهرست، و قال النّجاشيّ: كان ثقة في حديثه صدوقا. مات غريقا بوادي قناة و هو واد يسيل من الشّجرة إلى المدينة سنة 209 ه، و قيل: 208 ه، و له نيف و تسعون سنة. رجال الطّوسي: 174، 366، رجال النجاشيّ: 142، الفهرست: 61.

____________

(1) مغني المحتاج 1: 53، السّراج الوهّاج: 16، المغني 1: 143، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 167.

(2) المغني 1: 142، الإنصاف 1: 161.

(3) المبسوط للسّرخسي 1: 63، بدائع الصّنائع 1: 4، الهداية للمرغيناني 1: 12، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، المجموع 1: 399.

(4) المغني 1: 142، الإنصاف 1: 161.

(5) في بعض النّسخ: رجليه.

(6) التّهذيب 1: 76 حديث 191، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.

(7) التّهذيب 1: 90 حديث 238، الاستبصار 1: 60 حديث 178، الوسائل 1: 289 الباب 22 من

47

يعضده. على انّ ابن يعقوب رواه في كتابه، عن حمّاد، عن الحسين، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1)، و رواه السّيّد المرتضى في الخلاف، عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و الحاصل انّ حمّاد أرسله تارة، و أسنده أخرى، فيكون حكمه حكم الرّوايتين، فيعمل بالمسند.

لا يقال: انّهما روايتان في واقعة واحدة، فيقع التّعارض.

لأنّا نقول: ليسا في واقعة، لأنّ الرّواية الأولى عن أحدهما (عليهما السلام)، فيحتمل انّه أبو جعفر الباقر (عليه السلام). على انّهما لو كانا واحدا، لجاز سماعه من ثقة تارة، و منه (عليه السلام) أخرى، فإنّ باتّحاد المرويّ عنه، لا يحصل اتّحاد الواقعة، على انّ السّيّد المرتضى روى عن حمّاد، انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)، فكيف يقع الاتّحاد.

لا يقال: يعارض هذه الأدلّة ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: (المرأة يجزيها من مسح الرّأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع و لا تلقى عنها خمارها) (2) و الإجزاء إنّما يفهم في أقلّ الواجب.

لأنّا نقول: لا نسلّم انّه إنّما يفهم في أقلّ الواجب. نعم، لا شكّ انّه الأغلب.

على انّه يحتمل عود الإجزاء إلى عدم إلقاء الخمار، و هو الأولى، لما رواه الشيخ، عن عبد اللّه [1] بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: (لا تمسح المرأة بالرّأس كما يمسح الرّجال، إنّما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها و تضع الخمار عنها، فإذا كان الظّهر و العصر

____________

أبواب الوضوء، حديث 3.

[1] عبد اللّه بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين، قال العلّامة المامقاني: ليس له ذكر في كتب الرّجال.

تنقيح المقال 2: 178.

____________

(1) الكافي 3: 30 حديث 3.

(2) التّهذيب 1: 77 حديث 195، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 3.

48

و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها) (1).

احتجّ أبو حنيفة بأنّ المسح أمر مقصود، و الأمر به أمر باستعمال الآلة الّتي هي اليد، فكأنّها مذكورة دلالة، و الاقتضاء لا عموم له، فيثبت (2) بقدر ما يدفع به الضّرورة و هو الأدنى، و ثلاث أصابع اليد أدنى الآلة، لأنّه يقوم مقام كلّ اليد، لأنّه أكثر اليد إلّا انّه دون كلّه، فيصير مأمورا باستعمال هذا القدر ضرورة (3).

و الجواب: لا نسلّم أنّ الآلة هي اليد بل بعضها، سلّمنا، لكن لا نسلّم انّ أدنى اليد ثلاث أصابع، و كيف يصحّ منه ذلك و من مذهبه انّه لو مسح بإصبع واحدة ثلاث مرّات باستئناف ماء مقدار ثلاث أصابع أجزأه، فليس المعتبر حينئذ الآلة بل قدر الممسوح، فسقط ما قاله بالكلّيّة.

الثّاني: القائلون بالاكتفاء بالأقلّ اختلفوا

، فذهب قوم إلى انّ القدر الزّائد عليه يوصف بالوجوب، و المحقّقون منعوا من ذلك، فإنّ الواجب هو الذي لا يجوز تركه، و هذه الزّيادة يجوز تركها، فلا تكون واجبة.

الثّالث: المسح عندنا مختصّ بالمقدّم،

خلافا للجمهور (4).

لنا: ما رواه من حديث المغيرة بن شعبة و عثمان في اختصاص مسح رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) بالمقدّم (5).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: (مسح الرّأس على مقدّمه) (6).

____________

(1) التّهذيب 1: 77 حديث 194، الوسائل 1: 292 الباب 23 من أبواب الوضوء، حديث 5.

(2) «ح» «م»: فثبت.

(3) بدائع الصّنائع 1: 4.

(4) أحكام القرآن للجصّاص 3: 344، المغني 1: 142، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 167.

(5) تقدّم الحديثان في ص 41- 42.

(6) التّهذيب 1: 62 حديث 171، الاستبصار 1: 60 حديث 176، الوسائل 1: 289 الباب 22 من أبواب الوضوء، حديث 1، 2.

49

و لا يعارض هذا: ما رواه الشّيخ، عن الحسين بن عبد اللّه [1]، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يمسح رأسه من خلفه و عليه عمامة بإصبعه أ يجزيه؟

فقال: (نعم) (1) لوجهين:

أحدهما: انّ الرّاوي لا يحضرنا الآن حال ثقته و عدمها.

الثّاني: انّه لا يمتنع أن يدخل الرّجل إصبعه من خلفه و يمسح المقدّم، و يمكن أن يخرج ذلك مخرج التّقيّة.

و ممّا يعضد ما ذكرناه: ما رواه الشّيخ، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): (امسح على مقدّمه) (2).

الرّابع: يجوز المسح على المقدّم مقبلا و مدبرا

. و هو مذهب الشّيخ في المبسوط، و قال في الخلاف بالتّحريم (3).

لنا: انّه امتثل الأمر بالمسح، فوجب الإجزاء.

و ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن حمّاد بن عثمان [2]، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)،

____________

[1] الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العبّاس بن عبد المطّلب، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر و الصّادق (ع)، روى عنه أحمد بن النّضر، و عبد اللّه بن يحيى، و الحسين بن مختار، و استظهر المامقاني كونه إماميّا لكنّه مجهول.

رجال الطّوسيّ: 113، 169، جامع الرّواة 1: 245، تنقيح المقال 1: 333

[2] حمّاد بن عثمان بن زياد الرّواسيّ الملقّب ب«النّاب»، كوفيّ ثقة جليل القدر، عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الصّادق و الكاظم و الرّضا (ع). مات سنة 190 ه. رجال الطوسي: 173، 346، 371، الفهرست: 60.

____________

(1) التّهذيب 1: 90 حديث 240، الاستبصار 1: 60 حديث 179، الوسائل 1: 289 الباب 22 من أبواب الوضوء، حديث 4.

(2) التّهذيب 1: 62 حديث 171، الاستبصار 1: 60 حديث 176، الوسائل 1: 289 الباب 22 من أبواب الوضوء، حديث 2- بتفاوت يسير في اللّفظ.

(3) المبسوط 1: 21، الخلاف 1: 13 مسألة 31.

50

قال: (لا بأس أن يمسح الوضوء مقبلا و مدبرا) (1) و لأنّ أبا جعفر (عليه السلام) لمّا حكى وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، ذكر البدأة بالمرفقين لما كان واجبا، و أهمل كيفيّة المسح و بل قال: (ثمَّ مسح رأسه و قدميه) (2) (3).

و في رواية أخرى: (ثمَّ مسح ببقيّة ما بقي في يديه رأسه و رجليه) (4).

و لو كان استقبال الشّعر حراما لوجب بيانه، لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

الخامس: يجوز المسح على البشرة و على شعرها

، خلافا لبعض الجمهور، حيث ذهب إلى وجوب المسح على الشّعر (5).

لنا: قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (6) و هو يتناول البشرة حقيقة، و إنّما صيّر إلى الشّعر لمحلّ الضرورة، فعلى تقدير التّوصّل وجب الإجزاء.

احتجّ المخالف بأنّ الفرض قد انتقل إلى الشعر، كما انتقل في غسل اللّحية، فكما لم يجزئه هناك غسل الباطن فكذا هنا.

و الجواب: إنّما اعتبرنا الظّاهر في اللّحية، لانتقال اسم الوجه إليه، و زواله عن البشرة، بخلاف الرّأس الّذي اسمه لازم مع ستره بالشّعر فافترقا.

السّادس: لا يجوز المسح على حائل غير الشّعر

كالعمامة. و هو مذهب علمائنا

____________

(1) التّهذيب 1: 58 حديث 161، الاستبصار 1: 57 حديث 169، الوسائل 1: 286 الباب 20 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(2) «خ»: رجليه.

(3) التّهذيب 1: 75 حديث 190، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 9.

(4) التّهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 10.

(5) المغني 1: 146، المجموع 1: 404.

(6) المائدة: 6.

51

أجمع، و به قال الشّافعيّ (1)، و مالك (2)، و أبو حنيفة (3). و قال الثّوريّ، و الأوزاعيّ (4)، و أحمد (5)، و داود، و إسحاق: يجوز ذلك (6)، إلّا انّ أحمد، و الأوزاعيّ قالا: إنّما يجوز إذا لبسها على طهارة. و قال بعض أصحاب أحمد: إنّما يجوز ذلك إذا كانت تحت الحنك (7).

لنا: قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ و الباء إمّا للإلصاق أو للتّبعيض، و على كلا التّقديرين يجب المسح على البشرة ما لم تكن ضرورة مانعة كالشّعر.

و ما رواه الجمهور من صفة وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) انّه مسح برأسه (8).

____________

(1) الام 1: 26، المهذّب للشّيرازيّ 1: 18، المجموع 1: 407، ميزان الكبرى 1: 117، المغني 1:

341، أحكام القرآن للجصّاص 3: 357، رحمة الأمّة هامش ميزان الكبرى 1: 18، بداية المجتهد 1:

13.

(2) المدوّنة الكبرى 1: 16، بداية المجتهد 1: 13، مقدّمات ابن رشد 1: 52، الموطّأ 1: 35، المغني 1:

341، ميزان الكبرى 1: 117، المجموع 1: 407، أحكام القرآن للجصّاص 3: 357، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18.

(3) أحكام القرآن للجصّاص 3: 357، بدائع الصّنائع 1: 5، الهداية للمرغينانيّ 1: 30، شرح فتح القدير 1: 140، المغني 1: 341، المجموع 1: 407، بداية المجتهد 1: 13، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18.

(4) المجموع 1: 407، إرشاد السّاري 1: 280، أحكام القرآن للجصّاص 3: 357، التّفسير الكبير 11:

160، مقدّمات ابن رشد 1: 52، نيل الأوطار 1: 205، شرح الزّرقانيّ على موّطإ مالك 1: 74.

(5) المغني 1: 340، الإنصاف 1: 185، الكافي لابن قدامة 1: 48، المجموع 1: 407، عمدة القارئ 3: 101، رحمة الأمّة هامش ميزان الكبرى 1: 18، نيل الأوطار 1: 205، ميزان الكبرى 1: 117 (في بعض المصادر لم يقيّد بالطّهارة). شرح الزّرقانيّ على موّطإ مالك 1: 74.

(6) المجموع 1: 407، مقدّمات ابن رشد 1: 52، شرح الزّرقانيّ على موطّإ مالك 1: 74، نيل الأوطار 1:

205.

(7) المغني 1: 342، الإنصاف 1: 186، المجموع 1: 407.

(8) صحيح البخاريّ 1: 47، 51، 52، 58، صحيح مسلم 1: 204 حديث 3، و ص 205 حديث 4، و ص 210 حديث 18، و ص 216 حديث 34، سنن أبي داود 1: 26 حديث 106، 107، و ص 27 حديث 109، 110، 111، و ص 28 حديث 115، سنن التّرمذيّ 1: 47 حديث 32، و ص 48 حديث 33، و ص 49 حديث 34، و ص 50 حديث 35.

52

و روى الشّيخ، عن حمّاد، عن الحسين قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

رجل توضّأ و هو معتمّ فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال: «ليدخل إصبعه» (1).

تذنيب: لا فرق بين أن يكون الحائل ثخينا يمنع من وصول ماء المسح إلى الرّأس، أو يكون رقيقا

لا يمنع، عملا بالآية. و قال أبو حنيفة: إن (2) كان رقيقا ينفذ الماء منه و يبلغ ربع الرّأس أجزأه (3)، و هذا بناء على أصله من استئناف الماء.

السّابع: يستحبّ أن تضع المرأة القناع،

و يتأكّد في المغرب و الصّبح، لما رواه الشّيخ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و قد تقدّم في حديث عبد اللّه بن الحسين بن زيد (4).

الثّامن: لا يمسح على الجمّة (5) و لا على ما يجمع على مقدّم الرأس من غير شعر المقدّم

لأنّه حائل غير ضروريّ، فأشبه العمامة.

و لو خضب رأسه بما يستره، أو طيّنه بساتر، لم يجز المسح على الخضاب و الطّين، لأنّه لم يمسح على محلّ الفرض، فأشبه المسح على العمامة.

التّاسع: لو كان على رأسه جمّة فأدخل يده تحتها و مسح على رأسه، أجزأه،

لحصول الامتثال بالمسح على الرّأس. و نقل الشّيخ، عن الشّافعيّ عدم الجواز (6)، و هو ضعيف.

____________

(1) التّهذيب 1: 90 حديث 239، الاستبصار 1: 61 حديث 183، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 2.

(2) «خ»: إذا.

(3) بدائع الصّنائع 1: 5، المبسوط للسّرخسي 1: 101.

(4) تقدّم في ص 48.

(5) الجمّة: مجتمع شعر الرّأس و هي أكثر من الوفرة. الصّحاح 5: 1890.

(6) الخلاف 1: 14 مسألة- 33.

53

العاشر: يجب المسح في الرّأس و الرّجلين ببقيّة البلل

، و لا يجوز الاستئناف، و أوجب الجمهور الاستئناف (1) إلّا مالكا (2)، فإنّه أجاز المسح بالبقيّة، و هو منقول عن الحسن، و عروة، و الأوزاعي (3).

لنا: ما رواه الجمهور، عن عثمان قال: مسح رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) مقدّم رأسه بيده مرّة واحدة و لم يستأنف له ماء جديدا (4).

و من طريق الخاصّة، ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن زرارة بن أعين، قال: حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إلى أن قال: (ثمَّ مسح ببقيّة ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدها في الإناء) (5).

و روى، عن بكير و زرارة أيضا، عن أبي جعفر (عليه السلام) صفة وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) إلى أن قال: (ثمَّ مسح رأسه و قدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه، لم يجدّد ماء) (6). و فعله (عليه السلام) بيان للمجمل، فيكون واجبا.

و روى الشّيخ في الصّحيح، عن أبي عبيدة الحذّاء قال: وضّأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع و قد بال و ناولته ماء فاستنجى، ثمَّ صببت عليه كفّا فغسل به وجهه، و كفّا غسل به ذراعه الأيمن، و كفّا غسل به ذراعه الأيسر، ثمَّ مسح بفضل اليد رأسه

____________

(1) سنن التّرمذيّ 1: 52، المغني 1: 147، بداية المجتهد 1: 13، الشّرح الكبير بهامش المغني 1:

169.

(2) بداية المجتهد 1: 13.

(3) المغني 1: 147، عمدة القارئ 2: 266.

(4) كنز العمّال 9: 443 حديث 26890.

(5) التّهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 274 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 6.

(6) التّهذيب 1: 56 حديث 158، الاستبصار 1: 57 حديث 168، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 11.

54

و رجليه (1).

قال ابن الجنيد من أصحابنا: إذا كان بيد المتطهّر نداوة يستبقيها من غسل يده، مسح بيمينه رأسه و رجله اليمنى، و بيده اليسرى رجله اليسرى، و إن لم يستبق ذلك أخذ ماء جديدا لرأسه و رجليه (2). و ذلك ظاهر في جواز الاستئناف.

احتجّ بما رواه معمّر بن خلاد، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) أ يجزي الرّجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه فقال: (برأسه لا) فقلت: أ بماء جديد؟ فقال: (برأسه، نعم) رواه الشّيخ في الصّحيح (3).

و بما رواه في الصّحيح، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسح الرّأس قلت: أمسح بما في يدي [من الندى] (4) رأسي؟ قال (لا بل تضع يدك في الماء، ثمَّ تمسح) (5).

قال الشّيخ: و هذان محمولان على التّقيّة، و معارضان بالأحاديث المتقدّمة (6)، و بوجوب الموالاة المستدعية لعدم الاستئناف، بخلاف غسل اليدين الّذي لا يمكن إلّا به و بالاحتياط.

الحادي عشر: لو غسل موضع المسح لم يجزئه.

و به قال علماؤنا أجمع، و قال

____________

(1) التّهذيب 1: 58 حديث 162، الاستبصار 1: 58 حديث 172، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 8. في الجميع: بفضل النّدا.

(2) نقله عنه في المعتبر 1: 147.

(3) التّهذيب 1: 58 حديث 163، الاستبصار 1: 58 حديث 173، الوسائل 1: 288 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 5.

(4) أضفناه من المصدر.

(5) التّهذيب 1: 59 حديث 164، الاستبصار 1: 59 حديث 174، الوسائل 1: 287 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 4.

(6) التّهذيب 1: 59، الاستبصار 1: 59.

55

الشّافعي بالجواز (1)، و هو أحد قولي أحمد (2).

لنا: انّ الواجب المسح، فلا يجزي ما غايره كالغسل.

و ما رواه الجمهور في صفة وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) انّه مسح و أمر بالمسح (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشّيخ في الصّحيح، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لي: (لو أنّك توضّأت فجعلت مسح الرّجلين غسلا، ثمَّ أضمرت انّ ذلك من المفروض لم يكن بوضوء) (4).

و ما رواه، عن محمّد بن مروان [1] قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): (انّه يأتي على الرّجل ستّون و سبعون سنة ما قبل اللّه منه صلاة) قلت: و كيف ذلك؟ قال: (لأنّه يغسل ما أمر اللّه بمسحه) (5).

الثّاني عشر: لو ذكر انّه لم يمسح، مسح ببقيّة النّداوة

، فإن لم يبق في يديه، أخذ من لحيته و أشفار عينيه و حاجبيه و مسح، و لو لم يبق أعاد، لما رواه الشّيخ، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في الرّجل ينسى مسح رأسه حتّى يدخل في الصّلاة؟ قال: (إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه و رجليه فليفعل ذلك

____________

[1] محمّد بن مروان الكلبيّ، عدّه الشّيخ في رجاله من أصحاب الباقر (ع) تارة بهذا العنوان، و من أصحاب الصّادق اخرى بعنوان: محمّد الكلبيّ، روى عنه جميل و حكم بن مسكين و أبان و غيرهم.

رجال الطّوسيّ: 135، 305، جامع الرّواة 2: 190.

____________

(1) مغني المحتاج 1: 53، فتح الوهّاب 1: 13، المجموع 1: 410، فتح العزيز هامش المجموع 1: 355.

(2) المغني 1: 147، الإنصاف 1: 159، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 169.

(3) تقدّم في ص 51.

(4) التّهذيب 1: 65 حديث 186، الاستبصار 1: 65 حديث 193، الوسائل 1: 296 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 12.

(5) التّهذيب 1: 65 حديث 184، الوسائل 1: 294 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 2.

56

و ليصلّ) (1).

و روى في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): (و يكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدّم رأسك) (2) قاله في الذّاكر للتّرك.

و روى في الصّحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): (فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه و على ظهر قدميك) (3) و لأنّه ماء الوضوء، فأشبه ما لو كان على اليد، إذ الاعتبار بالبقيّة لا بمحلّها. و لا فرق بين أن يكون ذلك البلل بقيّة الغسلة الأولى أو الثّانية، لأنّ كلّ واحد منهما ماء الوضوء.

الثّالث عشر: لو مسح رأسه بخرقة مبلولة أو خشبة، لم يجزئه

عندنا قولا واحدا، لأنّه ماء جديد.

و القائلون بجواز الاستيناف اختلفوا، فذهب بعضهم إلى الجواز، لأنّه فعل المأمور به، و آخرون منعوا (4)، و هو الأصحّ، لأنّ النّبيّ (صلى الله عليه و آله) مسح بيده.

و لو وضع على رأسه خرقة مبلولة، فابتلّ بها رأسه، أو وضع خرقة، ثمَّ بلّها حتّى ابتلّ شعره، لم يجزئه قولا واحدا، لأنّ ذلك ليس بمسح و لا غسل.

الرّابع عشر: إن مسح بإصبع واحدة، أو إصبعين أجزأه

عندنا، لأنّ الاعتبار بأقلّ الاسم.

و أمّا من قال من أصحابنا بوجوب ثلاث أصابع، فإنّه لا يجزئه إلّا إذا مسح بها ما

____________

(1) التّهذيب 1: 89 حديث 235، و 99 حديث 260، الاستبصار 1: 74 حديث 229، الوسائل 1:

287 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 3.

(2) التّهذيب 1: 101 حديث 263، الوسائل 1: 287 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 2.

(3) التّهذيب 1: 100 حديث 261، الوسائل 330 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 1.

(4) المغني 1: 148- 149، الإنصاف 1: 160، الشّرح الكبير بهامش المغني 1: 170.