منتهى المطلب في تحقيق المذهب - ج9

- العلامة الحلي المزيد...
456 /
5

[المدخل]

هذا هو الجزء التاسع من كتاب «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» الذي منّ اللّه سبحانه علينا فيما مضى بتحقيق و إخراج ثمانية أجزاء منه. و نسأله تعالى التوفيق لمواصلة العمل حتّى اكتمال أجزائه جميعا.

و قد اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على نسخ مخطوطة عديدة، و لم ندّخر وسعا- في أثناء التحقيق- عن البحث عن نسخ أخرى إغناء للعمل و إكمالا لما في بعض النسخ السابقة من نقص. و من هنا أضفنا إلى النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء التاسع نسخة أخرى تحتفظ بها المكتبة المركزيّة للآستانة الرضويّة المقدّسة، رقمها 19473 مكتوبة بخطّ النسخ. و تشتمل على البحث الثامن في بقيّة أقسام الصوم إلى آخر الكتاب، وقفها السيّد أبو الحسن ملكيّ بن سلطان العلماء الزنجانيّ سنة 1415 هعلى المكتبة، و رمزنا لها بالحرف «ر».

و لا يفوتنا أن نقدّر لأعضاء قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية جهودهم المشكورة في تصحيح هذا الجزء، و هم حجج الإسلام و الإخوة الأفاضل:

1- الشيخ علي الاعتماديّ.

2- الشيخ نوروز علي الحاجيآباديّ.

3- الشيخ عبّاس المعلّميّ.

4- الشيخ محمّد علي الملكيّ.

5- الشيخ علي النمازيّ.

6- الأخ شكر اللّه الأختريّ.

7- الأخ علي أصغر المولويّ.

8- الأخ عادل البدريّ.

9- الأخ السيّد طالب الموسويّ.

10- السيّد أبو الحسن الهاشميّ.

11- السيّد بلاسم الموسويّ.

و نشكر أيضا لحجّة الإسلام و المسلمين الشيخ عليّ أكبر إلهى الخراسانيّ إشرافه على تحقيق الكتاب راجين له و لكلّ الإخوة المشاركين في هذا العمل القبول و حسن المآب.

قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلاميّة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الكتاب الرابع في الصوم

و فيه مقدّمة و مباحث

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[أما المقدّمة]

الصوم في اللغة: هو الإمساك، قال اللّه تعالى حكاية عن مريم (عليها السّلام):

إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً (1) أي صمتا عن الكلام، و يقال: صام النهار إذا أمسكت الشمس عن السير، و قال الشاعر:

خيل صيام و خيل غير صائمة * * * تحت العجاج و أخرى تعلك اللجما

(2) أي ممسكة عن الصهيل (3).

فاستعمال الصوم في هذه المعاني- مع أنّ الأصل عدم الاشتراك و المجاز، و وجود ما يصلح معنى له في كلّ واحد و اشتراكه أعني الإمساك مطلقا- دالّ على كونه حقيقة فيه.

و في الشرع عبارة عن إمساك مخصوص يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

مسألة: و هو ينقسم إلى واجب و ندب و مكروه و محظور.

فالواجب ستّة: صوم شهر رمضان، و الكفّارات، و دم المتعة، و النذر و ما في معناه من اليمين و العهد، و الاعتكاف على بعض الوجوه، و قضاء الواجب.

و الندب: جميع أيّام السنة إلّا العيدين و أيّام التشريق لمن كان بمنى.

و المؤكّد منه أربعة عشر: صوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر، و أيّام البيض و الغدير،

____________

(1) مريم (19): 26.

(2) الصحاح 5: 1970، لسان العرب 12: 351، تفسير الطبريّ 2: 128، التفسير الكبير 5: 69، تفسير القرطبيّ 2: 272، تفسير التبيان 2: 114.

(3) الصّهيل و الصهال: صوت الفرس. الصحاح 5: 1747.

10

و مولد النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله)، و مبعثه، و دحو الأرض، و عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء، و عاشوراء على جهة الحزن، و المباهلة، و كلّ خميس، و كلّ جمعة، و أوّل ذي الحجّة و رجب و شعبان.

و المكروه أربعة: صوم عرفة لمن يضعفه (1) عن الدعاء، أو شكّ (2) في الهلال، و النافلة سفرا عدا ثلاثة أيّام للحاجة بالمدينة، و الضيف نافلة من غير إذن مضيفه، و كذا الولد من غير إذن الوالد، و الصوم ندبا لمن دعي إلى طعام.

و المحظور تسعة: صوم العيدين، و أيّام التشريق لمن كان بمنى، و يوم الشكّ بنيّة الفرض، و صوم نذر المعصية، و صوم الصمت، و صوم الوصال، و صوم المرأة و العبد ندبا من غير إذن الزوج و المالك، و صوم الواجب سفرا عدا ما استثني، و سيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى.

مسألة: قيل أوّل ما فرض صوم عاشوراء.

و قيل: لم يكن فرضا بل تطوّعا (3).

و قيل: لمّا قدم النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) المدينة أمر بصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر، و هو قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ (4) الآية، ثمّ نسخ بقوله:

شَهْرُ رَمَضٰانَ (5) (6). و قيل: المراد بالأيّام المعدودات شهر رمضان، فالآية ليست منسوخة.

____________

(1) كثير من النسخ: يضعف.

(2) ف و غ: يشكّ.

(3) صحيح مسلم 2: 792 الحديث 1125، المغني 3: 113، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 100، المجموع 6: 383، عمدة القارئ 10: 254، حلية العلماء 3: 211.

(4) البقرة (2): 183.

(5) البقرة (2): 185.

(6) صحيح البخاريّ 3: 31، سنن أبي داود 1: 140، مسند أحمد 5: 246، تفسير الطبريّ 2: 130- 131، أحكام القرآن للجصّاص 1: 215، التفسير الكبير 5: 71، تفسير القرطبيّ 2: 275، تفسير التبيان 2: 116، المجموع 6: 249، سنن البيهقيّ 4: 200.

11

و قيل: أوّل ما فرض صوم شهر رمضان للمطيق لم يكن واجبا عينا، بل كان مخيّرا بين الفدية و الصوم، و كان الصوم أفضل، و ذلك قوله تعالى: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (1) ثمّ نسخ بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (2) (3)

مسألة: قيل: كان الصوم في ابتداء الإسلام أن يمسك من حين يصلّى عشاء الآخرة أو ينام إلى أن تغيب الشمس،

فإذا غربت حلّ الطعام و الشراب إلى أن يصلّى العشاء أو ينام (4)، و إنّ صرمة بن قيس الأنصاريّ (5) أتى امرأته و كان صائما فقال:

عندك شيء؟ فقالت: لعلّي أذهب فأطلب لك، فذهبت و غلبته عينه فجاءت فقالت:

خيبة لك، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه و كان يعمل يومه في أرضه، فذكر ذلك للنبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) فنزل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ (6) الآية (7) و روى ابن عبّاس أنّ عمر بن الخطّاب اختان نفسه فجامع امرأته و قد صلّى

____________

(1) البقرة (2): 184.

(2) البقرة (2): 185.

(3) تفسير التبيان 2: 118- 123.

(4) تفسير الطبريّ 2: 164- 165، أحكام القرآن للجصّاص 1: 281، التفسير الكبير 5: 104، المجموع 6: 251.

(5) أكثر المصادر: قيس بن صرمة، و في سنن أبي داود: صرمة بن قيس، و اختلف فيه أيضا في كتب التراجم، قال ابن الأثير: قيس بن صرمة، و قيل: صرمة بن قيس، و قيل: قيس بن مالك بن أوس صرمة المازنيّ. و قال ابن حجر: قيس بن صرمة، و قيل: صرمة بن قيس بن مالك أبو صرمة، و قيل: قيس بن أنس أبو صرمة. و قال ابن عبد البرّ: صرمة بن أبي أنس، و اسم أبي أنس: قيس بن صرمة بن مالك، و هو الذي نزلت في سببه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ.

أسد الغابة 4: 217، الإصابة 2: 302 و ج 3: 251، الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 202.

(6) البقرة (2): 187.

(7) صحيح البخاري 3: 36، سنن أبي داود 2: 295 الحديث 2314، سنن الترمذيّ 5: 210 الحديث 2968، سنن النسائيّ 4: 147، مسند أحمد 4: 295، سنن البيهقيّ 4: 201.

12

العشاء فنزل قوله تعالى: تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْ (1) (2).

مسألة: قيل السبب في تسمية رمضان أنّه كان يوافق زمان الحرّ مشتقّ من الرمضاء و هي الحجارة الحارّة؛

لأنّ الجاهليّة كانت تكبس في كلّ ثلاث سنين شهرا فيجعلون المحرّم صفرا حتّى لا تختلف شهورها في الحرّ و البرد، و ذلك هو النسيء الذي حرّمه اللّه تعالى (3) عليهم، فكان رمضان يشتدّ فيه الحرّ و ربيع في زمان الربيع و جمادى في جمود الماء فلمّا حرّم اللّه النسيء اختلفت الشهور في ذلك (4).

و روي عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أنّه إنّما سمّي رمضان؛ لأنّه يحرق الذنوب (5).

مسألة: و صوم شهر رمضان واجب بالنصّ و الإجماع،

قال اللّه تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (6).

و روى الجمهور عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم شهر رمضان، و حجّ البيت» (7).

و جاء رجل إلى النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) لصوته دويّ لا يفقه ما يقول، فدنا

____________

(1) البقرة (2): 187.

(2) تفسير ابن عبّاس: 20، تفسير الدّرّ المنثور 1: 197، و ينظر: سنن أبي داود 2: 295 الحديث 2313، سنن البيهقيّ 4: 201، و فيهما: فاختان رجل، مكان: عمر بن الخطّاب.

(3) التوبة (9): 37.

(4) التفسير الكبير 5: 83، تفسير القرطبي 2: 290- 291، لسان العرب 7: 161- 162.

(5) المغني 3: 5، كنز العمّال 8: 466 الحديث 23688، التفسير الكبير 5: 83. في الأخيرين: يرمض الذنوب، مكان: يحرق الذنوب.

(6) البقرة (2): 185.

(7) صحيح البخاريّ 1: 9، صحيح مسلم 1: 45 الحديث 16، سنن الترمذيّ 5: 5 الحديث 2609، سنن النسائيّ 8: 107، مسند أحمد 2: 26، 120 و 143.

13

منه فإذا هو يسأله عن الإسلام، فذكر له إلى أن ذكر صوم رمضان، فقال: هل عليّ غيره؟ فقال: «لا، إلّا أن تطوّع» (1).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الحسن- عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحجّ، و الولاية، قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله): «الصوم جنّة من النار» (2).

و عن أبي أيّوب، [عن أبي الورد] (3)، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «خطب رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) في آخر جمعة من شعبان فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّه (4) قد أظلّكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر رمضان فرض اللّه صيامه» الحديث (5). و الأخبار كثيرة في ذلك متواترة (6)، و لا خلاف بين المسلمين في وجوب صوم شهر رمضان.

مسألة: و الصوم المشروع هو الإمساك من أوّل النهار إلى آخره،

و هو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس الذي تجب معه الصلاتان.

و قال الأعمش: إنّما يجب الإمساك من طلوع الفجر الذي يملأ البيوت و الطرق (7).

لنا: قوله تعالى حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ

____________

(1) صحيح البخاريّ 1: 18، صحيح مسلم 1: 40 الحديث 11، سنن أبي داود 1: 106 الحديث 391، سنن النسائيّ 1: 226- 227، الموطّأ 1: 175 الحديث 94.

(2) التهذيب 4: 151 الحديث 418، الوسائل 7: 289 الباب 1 من أبواب الصوم المندوب الحديث 1.

(3) أثبتناها من المصدر.

(4) كثير من النسخ: إنّكم.

(5) التهذيب 3: 57 الحديث 198 و ج 4: 152 الحديث 423، الوسائل 7: 171 الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 2.

(6) الوسائل 7: 2 الباب 1 من أبواب وجوب الصوم و نيّته.

(7) تفسير الطبريّ 2: 173، التفسير الكبير 5: 110، تفسير القرطبيّ 2: 319، المغني 3: 5، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 4، المجموع 3: 45، عمدة القارئ 10: 297.

14

أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (1). و لا خلاف بين المسلمين في ذلك، و الأعمش منفرد لا يعتدّ بخلافه؛ للإجماع.

____________

(1) البقرة (2): 187.

15

البحث الأوّل في النيّة

و هي شرط في صحّة الصوم واجبا كان أو ندبا، رمضان كان أو غيره، ذهب إليه علماؤنا أجمع، و به قال أكثر الفقهاء (1).

و حكي عن زفر بن الهذيل، و مجاهد، و عطاء أنّ صوم رمضان (2) إذا تعيّن بأن كان مقيما صحيحا لا يفتقر إلى النيّة (3).

لنا: قوله تعالى: وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (4) و الصوم عبادة، و معنى النيّة الإخلاص.

و قوله تعالى: وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىٰ (5).

و ما رواه الجمهور عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «إنّما (6)

____________

(1) حلية العلماء 3: 185، أحكام القرآن للجصّاص 1: 243، المغني 3: 18، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 26، المهذّب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 300، بداية المجتهد 1: 292، مقدّمات ابن رشد 1: 181، الميزان الكبرى 2: 19، بدائع الصنائع 2: 83.

(2) ش: شهر رمضان.

(3) حلية العلماء 3: 185، الميزان الكبرى 2: 19، المبسوط للسرخسيّ 3: 59، بدائع الصنائع 2: 83، بداية المجتهد 1: 292.

(4) البيّنة (98): 5.

(5) الليل (92): 19- 20.

(6) كلمة: «إنّما» لا توجد في أكثر النسخ.

16

الأعمال بالنيّات» (1). و عنه (عليه السّلام): «من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (2).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله): «إنّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى» (3).

و عنه (عليه السّلام): «الأعمال بالنيّات» (4).

و عن الرضا (عليه السّلام) أنّه قال: «لا قول إلّا بعمل و لا عمل إلّا بنيّة و لا نيّة إلّا بإصابة السنّة» (5).

و لأنّه يحتمل وجهي الطاعة و غيرها و لا مميّز إلّا النيّة. و لأنّ قضاءه (6) يفتقر إلى النيّة فكذا الأداء، كالصلاة.

احتجّ المخالف: بأنّ الصوم في رمضان فرض مستحقّ بعينه فلا يفتقر إلى النيّة، كرة الوديعة و الغصب (7).

و الجواب: الفرق بأنّه حقّ الآدمي.

مسألة: قال الشيخ- (رحمه اللّٰه)-: يكفي في شهر رمضان نيّة القربة

و هو أن ينوي الصوم متقرّبا إلى اللّه تعالى لا غير، و لا يفتقر إلى نيّة التعيين، أعني أن ينوي

____________

(1) صحيح البخاريّ 1: 2، صحيح مسلم 3: 1515 الحديث 1907، سنن أبي داود 2: 262 الحديث 2201، سنن الترمذيّ 4: 179 الحديث 1647، سنن ابن ماجة 2: 1413 الحديث 4227، مسند أحمد 1: 25، سنن البيهقيّ 7: 341، كنز العمّال 3: 792- 793 الحديث 8779- 8780.

(2) سنن النسائيّ 4: 196، سنن الدارميّ 2: 7، سنن البيهقيّ 4: 213، سنن الدارقطنيّ 2: 171- 172 الحديث 1، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23789.

(3) التهذيب 4: 186 الحديث 519، الوسائل 7: 7 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 12.

(4) التهذيب 4: 186 الحديث 518، الوسائل 7: 7 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 11.

(5) التهذيب 4: 186 الحديث 520، الوسائل 7: 7 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 13.

(6) ص: القضاء.

(7) المبسوط للسرخسيّ 3: 59، الهداية للمرغينانيّ 1: 129، المجموع 6: 301.

17

وجه ذلك الصوم كرمضان أو غيره (1) و قال مالك: لا بدّ من نيّة التعيين في رمضان و غيره (2). و به قال الشافعيّ (3)، و أحمد في أحد القولين، و في القول الثاني كقولنا (4)، و هو مذهب أبي حنيفة بشرط أن يكون مقيما (5).

لنا: أنّ القصد من نيّة التعيين تمييز أحد الفعلين أو أحد وجهي الفعل الواحد عن الآخر، و هو غير حاصل في صورة النزاع؛ لأنّ رمضان لا يقع فيه غيره، بل هو على وجه واحد فاستغنى عن نيّة التعيين، كردّ الوديعة. و لأنّه فرض مستحقّ في زمان بعينه (6)، فلا يجب تعيين النيّة له، كطواف الزيارة عندهم.

احتجّوا: بأنّه صوم واجب فلا بدّ فيه من التعيين كالقضاء (7). و لأنّه واجب مؤقّت فافتقر إلى التعيين، كالصلاة.

و الجواب: الفرق بين صورة النزاع و المقيس عليه؛ لأنّ تلك الأوقات لا تتعيّن؛ لوقوع القضاء و الصلاة فيها فاحتاجت إلى التعيين.

مسألة: و ما عدا رمضان إن تعيّن زمانه بالنذر و شبهه كالنذور المعيّنة بوقت هل تكفي نيّة القربة فيها أم لا؟

قال الشيخ: لا تكفي (8)، و به قال

____________

(1) المبسوط 1: 276، الخلاف 1: 375 مسألة- 4، الجمل و العقود: 109.

(2) بداية المجتهد 1: 292، المغني 3: 26، الميزان الكبرى 2: 22، المجموع 6: 302.

(3) الأمّ 2: 96، حلية العلماء 3: 186، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 302، السراج الوهّاج:

138، الميزان الكبرى 2: 22، المغني 3: 27.

(4) المغني 3: 26- 27، الكافي لابن قدامة 1: 472، الإنصاف 3: 293، المجموع 6: 302.

(5) المبسوط للسرخسيّ 3: 60- 61، تحفة الفقهاء 1: 347- 348، بدائع الصنائع 2: 83- 84، مجمع الأنهر 1: 233.

(6) خاوح: معيّن.

(7) المغني 3: 28، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، بداية المجتهد 1: 293.

(8) المبسوط 1: 277- 278، الخلاف 1: 375 مسألة- 4، الجمل و العقود: 109.

18

الشافعي (1)، و مالك (2)، و أحمد (3).

و قال أبو حنيفة: لا يحتاج إلى نيّة التعيين (4). و هو مذهب السيّد المرتضى (رحمه اللّٰه) (5).

احتجّ الشيخ: بأنّه صوم واجب لا يتعيّن وقته بأصل الشرع فيفتقر إلى التعيين كالنذر المطلق.

احتجّ أبو حنيفة: بأنّه زمان تعيّن للصوم بسبب النذر فكان كرمضان، و لأنّ الأصل براءة الذمّة (6)، و هو قويّ.

أمّا ما لا يتعيّن صومه، كالنذور المطلقة، و الكفّارات، و القضاء، و صوم النفل فلا بدّ فيه من نيّة التعيين. و هو قول علمائنا و كافّة الجمهور، إلّا النافلة؛ لأنّه زمان لا يتعيّن الصوم فيه و لا يتخصّص وجهه، فاحتاج إلى النيّة المفيدة للاختصاص، و هو عامّ في الفرض و النفل.

____________

(1) قال الشافعيّ: إنّ صوم رمضان و غيره من الصوم الواجب لا يصحّ إلّا بتعيين النيّة و لم يفصّل بين صوم الواجب المعيّن و غير المعيّن، ينظر: الأمّ 2: 95- 96، حلية العلماء 3: 186، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 302، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 292، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 138.

(2) المغني 3: 26، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 29، المجموع 6: 302، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 292.

(3) المغني 3: 26، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 29، الكافي لابن قدامة 1: 472، الإنصاف 3: 293، المجموع 6: 302، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 292.

(4) تحفة الفقهاء 1: 347، بدائع الصنائع 2: 84، الهداية للمرغينانيّ 1: 118، مجمع الأنهر 1: 232- 233.

(5) جمل العلم و العمل: 89.

(6) تحفة الفقهاء 1: 348، بدائع الصنائع 2: 84، شرح فتح القدير 1: 239، المجموع 6: 302، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 292.

19

فروع:

الأوّل: قال الشيخ: تكفي نيّة التعيين عن نيّة القربة

و لا ينعكس (1) في كلّ صورة يشترط فيها نيّة التعيين (2). و هو مشكل؛ لأنّه فسّر نيّة التعيين بأن ينوي أن يصوم شهر رمضان أو غيره، و حينئذ لا بدّ من نيّة القربة؛ لأنّها شرط في كلّ عبادة، و نيّة التعيين مغايرة لها و غير مستلزمة لها؛ لجواز قصد أحدهما حالة الذهول عن الآخر، فإذن لا بدّ من نيّة التقرّب (3) أيضا. أمّا إن نوى مع التعيين التقرّب فإنّه يجزئه قولا واحدا، و كان مقصود الشيخ- (رحمه اللّٰه)- هذا.

الثاني: هل أخذ تعيين الفرض شرط في نيّة التعيين أم لا؟

فيه للشافعيّ (4) قولان: أحدهما: أنّه شرط؛ لأنّ صوم رمضان قد يقع نفلا عن المراهق. و الثاني:

الإجزاء (5) بنيّة أنّه من رمضان؛ لأنّه لا يقع إلّا فرضا ممّن عليه فرضه (6). و هذا قويّ.

الثالث: ليس للمسافر أن يصوم رمضان بنيّة أنّه منه إذا كان سفر التقصير؛

لأنّ الصوم عندنا في السفر محرّم على ما يأتي، و إن نواه عن غير رمضان فرضا كان أو نفلا لم يصحّ. و به قال الشافعيّ (7)، و أكثر الفقهاء (8)، و قال أبو حنيفة: يقع عمّا نواه

____________

(1) ش، ك، ق، ح و خا: و لا تنفكّ.

(2) المبسوط 1: 278، الخلاف 1: 375 مسألة- 4.

(3) ص: القربة.

(4) كثير من النسخ: للشافعيّة.

(5) ش، م و ص: الاجتزاء.

(6) حلية العلماء 3: 187، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 294، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 293- 294، مغني المحتاج 1: 425، السراج الوهّاج: 138.

(7) المهذّب للشيرازيّ 1: 189، المجموع 6: 263 و 445، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 441.

(8) المغني 3: 36، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 21، الكافي لابن قدامة 1: 466، الإنصاف 3: 288، المجموع 6: 263.

20

إذا كان واجبا. و قال محمّد و أبو يوسف: يقع عن رمضان (1). و تردّد الشيخ في المبسوط بين قولنا و بين جواز إيقاع الصومين فيه (2).

لنا: أنّ الصوم منهيّ عنه بقوله (عليه السّلام): «ليس من البرّ الصيام في السفر» (3) و لما يأتي.

و المنهيّ عنه لا يقع مأمورا به، فلا يقع عبادة؛ و لأنّه زمان أبيح الفطر فيه للعذر، فلا يجوز صيامه عن غير رمضان، كالمريض و الشيخ الهمّ.

احتجّ أبو حنيفة: بأنّه زمان تخيّر فيه بين الصوم و الإفطار، فجاز أن يصوم ما شاء، كالمقيم في غير رمضان (4).

و احتجّ أبو يوسف و محمّد: بأنّ الصوم واجب رخّص فيه للعذر و المشقّة، فإذا صام لم يرخّص (5) (6).

و الجواب: لا نسلّم التخيير على ما يأتي، و الفرق بين المقيم و المسافر أنّ المقيم يجوز له الإفطار بالأصالة لا لأجل العذر. و لأنّه يجوز له التطوّع، بخلاف صورة النزاع.

و عن الثاني: أنّه لا يلزم من فعله المنهيّ عنه اعتباره شرعا، كإتمام الصلاة.

الرابع: لو نوى الحاضر في شهر رمضان صيام غيره مع الجهل،

وقع عن رمضان

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 3: 61، بدائع الصنائع 2: 84، الهداية للمرغيناني 1: 119، شرح فتح القدير 2: 240، مجمع الأنهر 1: 233.

(2) المبسوط 1: 277.

(3) صحيح البخاريّ 3: 44، صحيح مسلم 2: 786 الحديث 1115، سنن أبي داود 2: 317 الحديث 1407، سنن الترمذيّ 3: 90 ذيل الحديث 710، سنن ابن ماجة 1: 532 الحديث 1664، 1665، سنن النسائيّ 4: 174- 176، مسند أحمد 3: 319 و 352، و ج 5: 434.

(4) المبسوط للسرخسيّ 3: 61، بدائع الصنائع 2: 84، الهداية للمرغينانيّ 1: 119، شرح فتح القدير 2: 240- 241، مجمع الأنهر 1: 233.

(5) المبسوط للسرخسيّ 3: 61، بدائع الصنائع 2: 84، الهداية للمرغينانيّ 1: 119، شرح فتح القدير 2: 240- 241، مجمع الأنهر 1: 233.

(6) ص، ش، ن و ك: يترخّص.

21

لا غير؛ لما بيّنّا من أنّ رمضان يكفي فيه نيّة القربة (1) و قد حصلت فلا تضرّ الضميمة. أمّا لو كان عالما فالأقوى أنّه كذلك؛ لهذا الدليل بعينه. و قيل: لا يجزئ؛ لانّه لم ينو المطلق فينصرف إلى رمضان و صرف الصوم إلى غير رمضان لا يجوز، فلا يقع أحدهما، أمّا رمضان فلأنّه لم ينوه، و أما غيره فلعدم صحّة إيقاعه (2)، و نحن هاهنا في الموضعين من المتردّدين.

مسألة: و يجوز في الصوم المتعيّن- كرمضان و النذر المعيّن- أن ينوي من الليل،

و يتضيّق حتّى (3) يطلع الفجر، فلا يجوز تأخيرها عن طلوعه مع العلم، و لو أخّرها و طلع الفجر فسد صوم ذلك اليوم إذا كان عامدا و وجب عليه قضاؤه، و لو تركها ناسيا أو لعذر جاز تجديدها إلى الزوال.

و قال الشافعيّ: لا يجزئ الصيام إلّا بنيّة من الليل في الواجب كلّه، المعيّن و غيره (4)- و به قال مالك (5)، و أحمد (6)- و في جواز مقارنة النيّة لطلوع الفجر عنده وجهان (7).

____________

(1) يراجع: ص 16.

(2) السرائر: 84.

(3) ح، ق و خا: حين.

(4) الأمّ 2: 103، حلية العلماء 3: 186، المهذّب للشيرازيّ 1: 180، المجموع 6: 289 و 301، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 302، مغني المحتاج 1: 423، السراج الوهّاج: 137، الميزان الكبرى 2: 22، عمدة القارئ 10: 303.

(5) إرشاد السالك: 48، بداية المجتهد 1: 293، مقدّمات ابن رشد 1: 182، بلغة السالك 1: 244، الميزان الكبرى 2: 22، المجموع 6: 301، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 302.

(6) المغني 3: 17- 18، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 26، الكافي لابن قدامة 1: 472، الإنصاف 3: 294، زاد المستقنع: 28.

(7) حلية العلماء 3: 186، المهذّب للشيرازيّ 1: 180، المجموع 6: 290، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 304.

22

و قال أبو حنيفة: يصحّ صوم رمضان بنيّة قبل الزوال، و كذا كلّ صوم معيّن (1).

لنا: على الحكم الأوّل، و هو جواز إيقاعها ليلا: الإجماع و النصّ، قال (عليه السّلام): «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» (2).

و على الحكم الثاني، و هو عدم جواز تأخيرها عن طلوع الفجر مع العلم:

الحديث (3) أيضا، و بأنّ النيّة شرط في الصوم على ما تقدّم، فمن تركها متعمّدا فقد أخلّ بشرط الصحّة فيكون الصوم فاسدا؛ لعدم الشرط، فلا يتجدّد له انعقاد.

و على الحكم الثالث، و هو الجواز مع العذر و النسيان: بما روي أنّ ليلة الشكّ أصبح الناس، فجاء أعرابيّ إلى النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله)، فشهد برؤية الهلال، فأمر النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) (4) مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك (5). و إذا جاء مع العذر- و هو الجهل بالهلال- جاز مع النسيان.

احتجّ الشافعيّ (6): بقوله (عليه السّلام): «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام قبل الفجر» (7).

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 3: 62، تحفة الفقهاء 1: 349، بدائع الصنائع 2: 85، الهداية للمرغينانيّ 1: 118، شرح فتح القدير 2: 233، مجمع الأنهر 1: 232.

(2) وردت هذه الرواية بألفاظ مختلفة، منها: «من لم يبيّت الصيام قبل [طلوع] الفجر فلا صيام له» ينظر:

سنن النسائيّ 4: 196، سنن الدارميّ 2: 7، سنن البيهقيّ 4: 213، سنن الدارقطنيّ 2: 171- 172 الحديث 1، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23789.

(3) أكثر النسخ: بالحديث.

(4) ص، ف و ق: (عليه السّلام).

(5) ينظر: الهداية للمرغينانيّ 1: 118، المبسوط للسرخسيّ 3: 62.

(6) المهذّب للشيرازيّ 1: 180، المجموع 6: 301، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 303- 304، مغني المحتاج 1: 423.

(7) سنن النسائيّ 4: 196، سنن الدارميّ 2: 7، سنن الدارقطنيّ 2: 171- 172 الحديث 1، سنن البيهقيّ 4: 213، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23789. و لفظ الحديث: «من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له».

23

احتجّ أبو حنيفة (1) بأنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) بعث إلى أهل العوالي يوم (2) عاشوراء أنّ من أكل منكم فليمسك بقيّة نهاره، و من لم يأكل فليصم (3). و كان صوما واجبا متعيّنا، فأجازه بنيّة من النهار. و لأنّه غير ثابت في الذمّة فهو كالتطوّع.

و الجواب عن الأوّل: أنّه وارد في الذاكر؛ إذ يستحيل تكليف الساهي و المعذور.

و عن الثاني: أنّ صوم عاشوراء لم يكن واجبا؛ لانّه قد روي عنه (عليه السّلام) هكذا: «هذا يوم عاشوراء لم يكتب اللّه عليكم صيامه و أنا صائم، فمن شاء فليصم و من شاء فليفطر» (4).

سلّمنا الوجوب لكنّه تجدّد في أثناء النهار، فكان كمن نذر إتمام صيام يوم صامه ندبا، فإنّ نيّة الفرض تتجدّد عند تجدّده، بخلاف صورة النزاع.

و عن الثالث: أنّ الفرق بين التطوّع و الفرض ثابت، فإنّ التطوّع سومح في تبييت نيّته من الليل تكثيرا له؛ إذ قد يبدو له الصوم في النهار، و لو اشترطت النيّة لمنع من ذلك، فسامح الشرع فيه كما سامح في ترك القيام في النافلة، و ترك الاستقبال في السفر تكثيرا له، بخلاف الفرض.

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 3: 62، الهداية للمرغينانيّ 1: 118، شرح فتح القدير 2: 237، المغني 3: 18، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 26، المجموع 6: 301.

(2) ح و خا: إلى أهل القرى في يوم، و في المصادر: إلى قرى الأنصار.

(3) صحيح مسلم 2: 798 الحديث 1136، مسند أحمد 6: 359، جامع الأصول 7: 203 الحديث 4441، سنن البيهقيّ 4: 288، المعجم الكبير للطبرانيّ 7: 31 الحديث 6288، و ج 11: 240 الحديث 11804، و ج 24: 275 الحديث 700.

(4) صحيح البخاريّ 3: 57، صحيح مسلم 2: 795 الحديث 1129، سنن النسائيّ 4: 204، الموطّأ 1: 299 الحديث 34، سنن البيهقيّ 4: 290، مسند أحمد 4: 95، جامع الأصول 7: 205 الحديث 4448.

24

و أيضا ينتقض بصوم كفّارة الظهار، فإنّه عند أبي حنيفة لا يثبت في الذمّة و لا يصحّ بنيّة من النهار (1).

فروع:

الأوّل: لو نوى أيّ وقت كان من الليل أجزأه.

و قال بعض الشافعيّة: إنّما تصحّ النيّة في النصف الثاني دون الأوّل؛ لاختصاصه بأذان الصبح و الدفع من مزدلفة (2).

و لنا: عموم (3) قوله (عليه السّلام): «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» (4) من غير تفصيل.

و لأنّ تخصيصه بالنصف الثاني مناف للغرض و مفض إلى تفويت الصوم؛ إذ التقديم رخصة فالتضييق (5) ينافيها، و أكثر الناس قد لا ينتبه في النصف الثاني و لا يذكر الصوم، و نمنع (6) المقيس عليه، و قد مضى البحث في الأذان (7)، و سيأتي

____________

(1) قال أبو حنيفة: صوم الواجب ضربان: ضرب يتعلّق بزمان بعينه كرمضان ... و ضرب ثبت في الذمّة و كان دينا غير معيّن يومه كصوم الكفّارات فلا يصحّ إلّا بنيّة من الليل. ينظر: تحفة الفقهاء 1: 349، الهداية للمرغينانيّ 1: 119، شرح فتح القدير 2: 240، مجمع الأنهر 1: 234.

(2) المهذّب للشيرازيّ 1: 180، المجموع 6: 290- 291، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 305، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 137، المغني 3: 21.

(3) كثير من النسخ: مفهوم، مكان: عموم.

(4) ورد الحديث بألفاظ مختلفة، منها: «من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» ينظر: سنن النسائيّ 4: 196، سنن الدارميّ 2: 7، سنن الدارقطنيّ 2: 171- 172 الحديث 1، سنن البيهقيّ 4: 213، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23789.

(5) كثير من النسخ: فالتضيّق.

(6) بعض النسخ: و يمنع.

(7) يراجع: الجزء الرابع: 425.

25

في الدفع من مزدلفة، على أنّهما يجوزان بعد الفجر فلا يفضي (1) منعهما في النصف الأوّل إلى فواتهما، بخلاف النيّة. و لأنّ اختصاصها بالنصف الأخير بمعنى التجويز و التخيير فيه و اشتراط النيّة بمعنى التحتّم و فوات الصوم بفواتها فيه، و مع اختلاف الحكمين لا يصحّ القياس.

الثانى: يجوز مقارنة النيّة لطلوع الفجر؛

لأنّ محلّ الصوم هو النهار و النيّة له فجازت مقارنتها له؛ لأنّ التقديم للمشقّة فلا يمنع جواز المقارنة.

و قال بعض الشافعيّة: يجب تقديمها على الفجر؛ لقوله (عليه السّلام): «من لم يجمع قبل الفجر فلا صيام له» (2).

و لأنّه يجب إمساكه بآخر جزء من الليل ليكمل به صوم النهار، فوجب تقديم النيّة على ذلك (3).

و الجواب: لمّا تعذّر إيقاع العزم مع الطلوع، لعدم ضبطه، لم يكلّف الرسول (عليه السّلام) (4) به، و بعده لا يجوز، فوجبت القبليّة لذلك، لا أنّها في الأصل واجبة قبل الفجر و نمنع (5) من الإمساك بالليل و إن كان الصوم لا يتمّ إلّا به، فلا نسلّم أنّه تجب نيّته.

الثالث: لا يشترط في النيّة من الليل الاستمرار على حكم الصوم،

فيجوز

____________

(1) خا: فلا يقتضي.

(2) سنن أبي داود 2: 329 الحديث 2454، سنن الترمذيّ 3: 108 الحديث 730، سنن النسائيّ 4: 196، سنن الدارميّ 2: 6، مسند أحمد 6: 287، سنن الدارقطنيّ 2: 172 الحديث 3، سنن البيهقيّ 4: 202، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23790، فيض القدير 6: 222 الحديث 9020، جامع الأصول 7: 186 الحديث 4396.

(3) حلية العلماء 3: 186، المهذّب للشيرازيّ 1: 180، المجموع 6: 290، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 305، 309 و 310، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 137، الميزان الكبرى 2: 22.

(4) ح و خا: (صلى اللّٰه عليه و آله).

(5) بعض النسخ: و يمنع.

26

أن ينوي ليلا و يفعل بعدها ما ينافي الصوم إلى قبل الفجر، و أن ينام بعد النيّة- خلافا لأبي إسحاق من الشافعيّة (1)- لقوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (2).

مسألة: و ما ليس بمعيّن، كالقضاء و النذور المطلقة، فوقت النيّة فيه من الليل مستمرّ (3) إلى الزوال،

فيجوز إيقاعها في أيّ جزء كان من هذا الزمان إذا لم يفعل المنافي نهارا.

و قال أبو حنيفة: لا يجزئ إلّا من الليل (4)، و به قال الفقهاء. و قول السيّد المرتضى- (رحمه اللّٰه)-: إنّ وقت نيّة الصوم الواجب من أوّل الفجر إلى الزوال (5)، إنّما أراد به وقت التضيّق (6).

لنا: أنّه صوم لم يتعيّن زمانه، فجاز تجديد النيّة فيه إلى الزوال كالنافلة.

و يؤيّده: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال:

سألته عن الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار أن يصوم ذلك اليوم و يقضيه من (7) رمضان و إن لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: «نعم، يصومه و يعتدّ به إذا لم يحدث (8) شيئا» (9).

____________

(1) حلية العلماء 3: 186، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 288، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 306- 307.

(2) البقرة (2): 187.

(3) كثير من النسخ: مستمرّا.

(4) المبسوط للسرخسيّ 3: 85، تحفة الفقهاء 1: 349، بدائع الصنائع 2: 85، الهداية للمرغينانيّ 1: 119، شرح فتح القدير 2: 240- 241، مجمع الأنهر 1: 234، عمدة القارئ 10: 305.

(5) جمل العلم و العمل: 89، الانتصار: 60.

(6) كثير من النسخ: التضييق.

(7) ح بزيادة: شهر، كما في الوسائل.

(8) ح: إذا لم يكن أحدث، كما في الوسائل.

(9) التهذيب 4: 186، الحديث 522، الوسائل 7: 4 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 2.

27

و عن صالح بن عبد اللّه (1)، عن أبي إبراهيم (عليه السّلام)، قال: قلت له: رجل جعل للّه عليه صيام شهر، فيصبح و هو ينوي الصوم، ثمّ يبدو له فيفطر و يصبح و هو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم، فقال: «هذا كلّه جائز» (2).

و عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السّلام) عن الرجل يصبح لم (3) يطعم و لم يشرب و لم ينو صوما، و كان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامّة النهار؟ فقال: «نعم، له أن يصوم يعتدّ به من شهر رمضان» (4) و إنّما اعتبرنا الزوال؛ لأنّ الواجب الإتيان بصوم الفريضة من أوّل النهار إلى آخره، فإذا نوى قبل الزوال؛ احتسب له صيام ذلك اليوم كلّه؛ لما رواه الشيخ- في الصحيح- عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: قلت له: الرجل يصبح لا ينوي (5) الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم، فقال: «إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» (6).

و عن عمّار الساباطيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل [يكون] (7) عليه

____________

(1) صالح بن عبد اللّه الخثعميّ، عدّه الشيخ في رجاله تارة بإضافة وصفه بالكوفيّ من أصحاب الصادق (عليه السّلام)، و بغير إضافة من أصحاب الرضا (عليه السّلام)، قال المامقانيّ: لم أقف فيه على مدح. رجال الطوسيّ: 218، 378، تنقيح المقال 2: 93.

(2) التهذيب 4: 187 الحديث 523، الوسائل 7: 5 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 4.

(3) ح: و لم، كما في المصادر.

(4) التهذيب 4: 187 الحديث 526 و ص 188 الحديث 530، الوسائل 7: 5 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 6.

(5) ح: و لا ينوي، كما في المصادر.

(6) التهذيب 4: 188 الحديث 528، الوسائل 7: 6 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 8.

(7) أثبتناها من المصادر.

28

أيّام من شهر رمضان يريد أن يقضيها متى ينوي (1) الصيام؟ قال: «هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، و إن كان نوى الإفطار فليفطر» سئل: فإن كان نوى الإفطار يستقيم له أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: «لا» (2).

أمّا حديث أحمد بن محمّد بن أبي نصر عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان، و يصبح فلا يأكل إلى العصر، أ يجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال: «نعم» (3) فإنّه مع إرساله لا تعرّض فيه بالنيّة.

احتجّ الفقهاء: بقوله (عليه السّلام): «من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له» (4).

و لأنّه زمان لا يوصف نهاره بتحريم الأكل من أوّله، فإذا لم ينو من الليل لم يوصف أوّله بالتحريم، بخلاف الصوم المعيّن (5).

و الجواب: أنّ الحديث مخصوص بصوم النافلة فيندرج فيه ما شابهه في عدم التعيين (6)، و كذا عن الثاني.

مسألة: و في وقتها لصوم النافلة قولان:

____________

(1) هامش ح و المصادر: متى يريد أن ينوي.

(2) التهذيب 4: 280 الحديث 847، الاستبصار 2: 121 الحديث 394، الوسائل 7: 6 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 10.

(3) التهذيب 4: 188 الحديث 529، الاستبصار 2: 118 الحديث 385، الوسائل 7: 6 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 9.

(4) سنن النسائيّ 4: 197، سنن البيهقيّ 4: 202، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23791، و بتفاوت ينظر:

سنن أبي داود 2: 329 الحديث 2454، سنن الترمذيّ 3: 108 الحديث 730، سنن الدارميّ 2: 6، سنن الدارقطنيّ 2: 171 الحديث 1، سنن البيهقيّ 4: 213، الجامع الصغير للسيوطيّ 2: 181.

(5) المبسوط للسرخسيّ 3: 62، المغني 3: 19، المجموع 6: 301، بلغة السالك 1: 245.

(6) م و ك: التعيّن.

29

أحدهما: أنّه يجب من الليل، بمعنى أنّه لا يصحّ الصوم إلّا بنيّة (1) من الليل، ذهب إليه مالك (2)، و داود (3)، و المزنيّ (4)، و روي عن عبد اللّه بن عمر (5).

و قال علماؤنا أجمع: يجوز تجديدها نهارا، و به قال ابن مسعود، و حذيفة، و سعيد بن المسيّب، و سعيد بن جبير، و النخعيّ (6)، و الشافعيّ (7)، و أحمد (8)، و أصحاب الرأي (9).

لنا: ما رواه الجمهور عن عائشة قالت: دخل عليّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا، قال: «فإنّي إذا صائم» (10).

____________

(1) ح: بنيّته.

(2) بداية المجتهد 1: 293، بلغة السالك 1: 245، إرشاد السالك: 48، حلية العلماء 3: 191، المغني 3: 29، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 33، عمدة القارئ 10: 303.

(3) حلية العلماء 3: 191، المغني 3: 29، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 33.

(4) حلية العلماء 3: 191، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 292، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 310.

(5) المغني 3: 30، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 35.

(6) المغني 3: 29، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 33.

(7) الأمّ 2: 95، حلية العلماء 3: 190- 191، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 292 و 302، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 310، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 137، الميزان الكبرى 2: 22، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 132.

(8) المغني 3: 29- 30، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 33 و 35، الكافي لابن قدامة 1: 473، الإنصاف 3: 297، زاد المستقنع: 28.

(9) المبسوط للسرخسيّ 3: 85، تحفة الفقهاء 1: 349، بدائع الصنائع 2: 85، الهداية للمرغينانيّ 1: 119، شرح فتح القدير 2: 241، مجمع الأنهر 1: 233، عمدة القاري 10: 303.

(10) صحيح مسلم 2: 809 الحديث 1154 سنن أبي داود 2: 329 الحديث 2455، سنن الترمذيّ 3: 111 الحديث 733، سنن ابن ماجة 1: 543 الحديث 1701، سنن النسائيّ 4: 193، مسند أحمد 6: 207، سنن الدارقطنيّ 2: 175 الحديث 18، سنن البيهقيّ 4: 203، كنز العمّال 7: 81 الحديث 18059، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 277 الحديث 7792.

30

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: قال عليّ (عليه السّلام): «إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثمّ بدا له (1) الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا أو يفطر (2) فهو بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر» (3).

و عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الصائم المتطوّع تعرض له الحاجة، قال: «هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و إن مكث حتّى العصر ثمّ بدا له أن يصوم و لم يكن نوى ذلك، فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء» (4) (5).

و في الصحيح عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يدخل إلى أهله فيقول: عندكم شيء و إلّا صمت، فإن كان عندهم شيء أتوه به و إلّا صام» (6).

و لأنّ نفل الصلاة مخفّف (7) عن فرضها بترك القيام، و فعلها على الراحلة إلى غير القبلة، فكذا الصوم.

احتجّ مالك: بظاهر قوله (عليه السّلام): «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل» (8). و لأنّ الصلاة يتساوى وقت نيّة فرضها و نفلها، فكذا الصوم (9).

____________

(1) في المصادر: ذكر، مكان: بدا له.

(2) في المصادر: و لم يفطر، مكان: أو يفطر.

(3) التهذيب 4: 187 الحديث 525، الوسائل 7: 5 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 5.

(4) كثير من النسخ: «إن شاء اللّه».

(5) التهذيب 4: 186 الحديث 521، الوسائل 7: 7 الباب 3 من أبواب وجوب الصوم الحديث 1.

(6) التهذيب 4: 188 الحديث 531، الوسائل 7: 6 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 7.

(7) م: يخفّف.

(8) سنن النسائيّ 4: 197، سنن البيهقيّ 4: 202، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23791 و اللفظ فيها:

«من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له».

(9) بداية المجتهد 1: 293، بلغة السالك 1: 245، المغني 3: 29.

31

و الجواب عن الحديث: أنّه مخصوص بالناسي و المعذور (1). و لأنّ حديثنا خاصّ و حديثهم عامّ مع ضعفه، فإنّ في طريقه يحيى بن أيّوب (2)، و ضعّفه أحمد.

و عن القياس بالفرق؛ لأنّ النيّة مع أوّل الصلاة في النفل لا يؤدّي اشتراطها إلى تقليلها؛ لأنّها لا تقع إلّا بقصد و نيّة إلى فعلها.

أمّا اشتراط الصوم من الليل فإنّه يؤدّي إلى تقليل النفل، فإنّه ربّما عنّ (3) له الصوم بالنهار فعفي عن ذلك، كما تجوز الصلاة نفلا على الراحلة لهذه العلّة.

مسألة: و في امتداد وقتها للنافلة قولان:

أحدهما: أنّه إلى الزوال، فيفوت بعده. ذهب إليه بعض علمائنا (4)، و هو الظاهر من كلام الشيخ في المبسوط (5)، و به قال أبو حنيفة (6)، و الشافعيّ في أحد قوليه (7)، و أحمد في إحدى الروايتين (8).

____________

(1) بعض النسخ: و المنذور.

(2) يحيى بن أيّوب الغافقيّ أبو العبّاس المصريّ روى عن حميد الطويل و يحيى بن سعيد الأنصاريّ و عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم و جمع كثير، و روى عنه شيخه ابن جريج و الليث. قال ابن حجر: كان أحمد يقول: يحيى بن أيّوب يخطئ خطأ كثيرا، و نقل الذهبيّ عن الدارقطنيّ أنّ في بعض حديثه اضطرابا، و ذكره العقيليّ في الضعفاء، مات سنة 168 ه.

تهذيب التهذيب 11: 186، ميزان الاعتدال 4: 362، الضعفاء الكبير للعقيليّ 4: 391.

(3) بعض النسخ: عيّن.

(4) المختلف: 212 نقله عن ابن أبي عقيل.

(5) المبسوط 1: 277، الخلاف 1: 377 مسألة- 6.

(6) المبسوط للسرخسيّ 3: 62، تحفة الفقهاء 1: 349، بدائع الصنائع 2: 85، الهداية للمرغينانيّ 1: 119، شرح فتح القدير 2: 241، مجمع الأنهر 1: 233، عمدة القارئ 10: 303.

(7) الأمّ 2: 95، الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 56، حلية العلماء 3: 190، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 292 و 302، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 310- 311، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 137، الميزان الكبرى 2: 22، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 132.

(8) المغني 3: 29، 30، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 33 و 35، الكافي لابن قدامة 1: 473، الإنصاف 3: 297، زاد المستقنع: 28.

32

و ثانيهما: أنّه يمتدّ وقتها بامتداد النهار، فتجوز النيّة بعد الزوال إلى أن يبقى من النهار ما يصحّ صومه، فلو انتهى النهار بانتهاء النيّة لم يقع الصوم، و هو اختيار السيّد المرتضى (1)، و ابن إدريس (2)، و أكثر علمائنا (3)، و هو قول للشافعيّ أيضا غير مشهور (4). قال الشيخ في الخلاف: لا أعرف به نصّا (5).

لنا: على امتداد النيّة بامتداد النهار ما رواه الجمهور و الأصحاب عن الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و عليّ (عليه السّلام) أنّهما يدخلان المنزل، فإن وجدا طعاما أكلا و إلّا صاما، و قد تقدّم الحديثان من غير تعيين (6).

و ما رواه الشيخ في حديث هشام بن سالم الصحيح (7)، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قوله: «و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» (8) و كذا حديث أبي بصير عنه (عليه السّلام) (9)، و حديث محمّد بن قيس عن الباقر (عليه السّلام)، عن عليّ (صلوات اللّٰه عليه و آله) (10)، فإنّه دالّ بإطلاقه على صورة النزاع.

____________

(1) الانتصار: 60، 61، جمل العلم و العمل: 89.

(2) السرائر: 84.

(3) منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 2: 97، و الشيخ الطوسيّ في المبسوط 1: 278، و ابن زهرة الحلبيّ في الغنية (الجوامع الفقهيّة): 570- 571، و ابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهيّة): 683، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 154.

(4) حلية العلماء 3: 191، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 292، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 310- 311، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 137.

(5) الخلاف 1: 377 مسألة- 6.

(6) يراجع: ص 29، 30.

(7) خا و هامش ح: في الصحيح.

(8) التهذيب 4: 188 الحديث 528 و 532، الوسائل 7: 6 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 8.

(9) التهذيب 4: 186 الحديث 521، الوسائل 7: 7 الباب 3 من أبواب وجوب الصوم الحديث 1.

(10) التهذيب 4: 187 الحديث 525، الوسائل 7: 5 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 5.

33

و لأنّه نوى في جزء من النهار فكان مجزئا، كما لو نوى قبل الزوال. و لأنّ جميع الليل محلّ لنيّة الفرض، فإذا تعلّقت نيّة النفل بالنهار، كانت في جميعه.

احتجّ المخالف: بأنّ النيّة ينبغي أن تكون من أوّل النهار أو قبله، فإذا نوى قبل الزوال جاز ذلك تخفيفا، و جعلت نيّته مع معظم النهار بمنزلة نيّته مع جميعه، كما لو أدرك الإمام بعد الرفع لم يدرك الركعة؛ لفوات معظمها، و لو أدركه قبله، أدركها؛ لإدراكه معظمها (1).

و الجواب: لا يعارض ما ذكرتموه ما تلوناه من الأحاديث العامّة و القياسات الكثيرة.

فرع (2): هل يحكم له بالصوم الشرعيّ المثاب عليه من وقت النيّة، أو من ابتداء النهار؟

قال الشيخ في الخلاف بالثاني (3)، و به قال أكثر الشافعيّة، و قال آخرون منهم: إنّه يكون صائما من حين النيّة (4)، و به قال أحمد (5).

لنا: أنّ الصوم في اليوم الواحد لا يتبعّض فيه. و لأنّه لو جاز ذلك لجاز إذا أكل في أوّل النهار أن يصوم بقيّته.

و يؤيّده: رواية (6) هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) (7).

احتجّ المخالف: بأنّ ما قبل النيّة لم يقصد بالإمساك فيه الصوم،

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 3: 62، 63، المغني 3: 31، المهذّب للشيرازيّ 1: 181.

(2) ش و ك: مسألة.

(3) الخلاف 1: 377 مسألة- 7.

(4) حلية العلماء 3: 191، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 292- 293، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 315، 316، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 138.

(5) المغني 3: 31، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 36، الكافي لابن قدامة 1: 474، الإنصاف 3: 298.

(6) غ و ف: ما رواه.

(7) التهذيب 4: 188 الحديث 528 و 532، الوسائل 7: 6 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 8.

34

فلا يكون طاعة (1).

و الجواب: لا امتناع في ذلك، كما لو نسي النيّة بعد فعلها، فإنّه يحكم بكونه صائما تلك الحال حكما و إن انتفى القصد في تلك الحال، و كما لو أدرك الإمام راكعا فإنّه يحسب له تلك الركعة و إن فات بعضها.

لا يقال: إنّما لم يجز لمن أكل الصوم بقيّة النهار؛ لأنّه لم يترك حكم العادة، لا لما ذكرتموه.

و لأنّ رواية هشام تدلّ على أنّه يحسب له من وقت النيّة إذا أوقعها بعد الزوال.

و لرواية عبد اللّه بن سنان الصحيحة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «فإن بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم، فإنّه يحسب له من الساعة التي نوى فيها» (2).

لأنّا نقول: لو كانت العلّة ترك العادة لكان- من شرب جرعة أو أكل شيئا يسيرا لا يحصل به غداء (3)- صائما، و ليس كذلك. و لا ريب في دلالة رواية هشام على أنّ الناوي بعد الزوال يحتسب (4) له من حين النيّة، و الناوي قبله يحتسب (5) له من أوّل النهار، فالأولى العمل بمضمونها، و تحمل رواية ابن سنان عليها؛ لإمكانه.

إذا ثبت هذا، فالشرط عدم إيقاع ما يفسد الصوم لو كان صائما قبل النيّة، فلو فعل ما ينتقض به الصوم ثمّ نوى، لم يعتدّ به بلا خلاف.

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: أجاز أصحابنا في رمضان خاصّة أن تتقدّم نيّته

____________

(1) المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 293، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 316، المغني 3: 31، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 36.

(2) التهذيب 4: 187 الحديث 524، الوسائل 7: 5 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 3.

(3) بعض النسخ: الغداء. و الغداء- بالمدّ-: طعام الغداة. المصباح المنير: 443.

(4) بعض النسخ: يحسب.

(5) بعض النسخ: يحسب.

35

عليه بيوم أو أيّام (1). و قال في المبسوط: لو نوى قبل الهلال صوم الشهر، أجزأته النيّة السابقة إن عرض له ليلة الصيام سهو أو نوم أو إغماء، فإن كان ذاكرا فلا بدّ له من تجديدها (2)، و بنحوه قال في النهاية (3) و الجمل (4). و يمكن أن يحتجّ له بأنّ المقارنة غير شرط، و لهذا جاز تقديمها من أوّل الليل و إن يعقبها (5) الأكل و الشرب و الجماع، و إذا جاز ذلك، جاز أن يتقدّم بيوم أو يومين أو ثلاث؛ لتقارب الزمان هنا، كما هو ثم. و لكنّ هذا ضعيف جدّا؛ لأنّ تقديم النيّة من أوّل الليل مستفاد من مفهوم قوله (عليه السّلام): «من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له» (6). و لأنّ مقارنة النيّة لأوّل طلوع الفجر عسر جدّا، فانتفى، و صار المعتبر فعلها في الزمان الممتدّ من أوّل الليل إلى آخره، بخلاف تقدّمها (7) باليوم و الأيّام. و لأنّه لا فاصل بين الليلة و اليوم بغيرهما، بخلاف الأيّام السابقة. و لأنّه قياس من غير جامع، فلا يكون مسموعا.

مسألة: و جوّز أصحابنا في رمضان أن ينوي من أوّل الشهر صومه أجمع

و لا يحتاج كلّ ليلة إلى نيّة، و في غيره لا بدّ من نيّة (8) لكلّ يوم. و به قال مالك (9)،

____________

(1) الخلاف 1: 376 مسألة- 5.

(2) المبسوط 1: 276.

(3) النهاية: 151- 152.

(4) الجمل و العقود: 109.

(5) غ، ف، ق و خا: تعقّبها.

(6) سنن النسائيّ 4: 197، سنن البيهقيّ 4: 202، كنز العمّال 8: 493 الحديث 23791. و بتفاوت ينظر:

سنن أبي داود 2: 329 الحديث 2454، سنن الترمذيّ 3: 108 الحديث 730، سنن الدارميّ 2: 6، سنن الدارقطنيّ 2: 171 الحديث 1، سنن البيهقيّ 4: 213، الجامع الصغير للسيوطيّ 2: 181.

(7) بعض النسخ: تقديمها.

(8) ح: نيّته.

(9) مقدّمات ابن رشد 1: 183، إرشاد السالك: 48، بلغة السالك 1: 145، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 145.

36

و أحمد في إحدى الروايتين (1)، و إسحاق (2)، و حكي عن زفر (3).

و قال أبو حنيفة (4)، و الشافعيّ (5)، و أحمد في رواية: أنّه لا بدّ من تجديد النيّة لكلّ يوم (6).

لنا: أنّه نوى في زمان يصلح جنسه لنيّة الصوم لا يتخلّل (7) بينه و بين فعله زمان يصلح جنسه لصوم سواه، فجاز ذلك، كما لو نوى اليوم الأوّل من ليلته. و لأنّه عبادة واحدة حرمته واحدة و يخرج منه بمعنى واحد هو الفطر، فصار كصلاة واحدة. و لأنّ حرمته حرمة واحدة فيؤثّر فيه النيّة الواحدة كما أثّرت في اليوم الواحد، إذا وقعت في ابتدائه.

احتجّ المخالف: بأنّه صوم واجب، فوجب أن ينويه من ليلته، كاليوم الأوّل و لأنّ هذه الأيّام عبادات يتخلّلها ما ينافيها، و لا يفسد بعضها بفساد بعض، فأشبهت القضاء (8).

و الجواب: مساواة الليلة الأولى لباقي الليالي، كما بيّنّا، فكما جاز إيقاع النيّة

____________

(1) المغني 3: 23، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 28، الكافي لابن قدامة 1: 472، الإنصاف 3: 295.

(2) المغني 3: 23، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 28، المجموع 6: 302.

(3) المبسوط للسرخسيّ 3: 60.

(4) المبسوط للسرخسيّ 3: 60، بدائع الصنائع 2: 85، الهداية للمرغينانيّ 1: 118 و 128، شرح فتح القدير 2: 234، مجمع الأنهر 1: 233.

(5) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 65، حلية العلماء 3: 185، المهذّب للشيرازيّ 1: 180، المجموع 6: 302، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 289 و 291، مغني المحتاج 1: 424، السراج الوهّاج: 137، الميزان الكبرى 2: 22، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 132.

(6) المغني 3: 23، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 28، الكافي لابن قدامة 1: 472، الإنصاف 3: 295، زاد المستقنع: 28.

(7) كثير من النسخ: لا يتحلّل.

(8) المغني 3: 24، المهذّب للشيرازيّ 1: 180، المبسوط للسرخسيّ 3: 60، بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 302.

37

في كلّ ليلة جاز في الأولى، و كونها عبادات متعدّدة صحيح من وجه، و هي متّحدة من وجه آخر على ما قدّمناه.

و اعلم أنّ عندي في هذه المسألة إشكالا؛ إذ الحقّ أنّها عبادات منفصلة، و لهذا لا يبطل البعض بفساد الآخر، بخلاف الصلاة الواحدة و اليوم الواحد، و ما ذكره أصحابنا قياس محض لا نعمل به؛ لعدم النصّ على الفرع و على علّته، لكنّ الشيخ (رحمه اللّٰه) (1)، و السيّد المرتضى رضي اللّه عنه ادّعيا هاهنا الإجماع (2) و لم يثبت عندنا ذلك، فالأولى تجديد النيّة لكلّ يوم من ليلته.

فروع:

الأوّل: إن قلنا بالاكتفاء بالنيّة الواحدة

فإنّ الأولى (3) تجديدها بلا خلاف.

الثاني: لو نذر شهرا معيّنا، أو أيّاما معيّنة متتابعة، لم يكتف فيها بالنيّة الواحدة،

أمّا عندنا؛ فلعدم النصّ، و أمّا عندهم؛ فللفرق بين صوم لا يقع فيه غيره، و بين صوم يجوز أن يقع فيه سواه.

الثالث: لو فاتته النيّة من أوّل الشهر لعذر و غيره، هل يكتفي بالواحدة في ثاني ليلة أو ثالث ليلة للباقي من الشهر؟

فيه تردّد.

أمّا إن قلنا بعدم الاكتفاء في الأوّل قلنا به هاهنا، و إن قلنا بالاكتفاء هناك فالأولى الاكتفاء هنا؛ لأنّ النيّة الواحدة قد كانت مجزئة عن الجميع فعن البعض أولى، لكنّ هذه كلّها قياسات لا يعتمد عليها.

مسألة: يستحبّ صيام يوم الثلاثين من شعبان

إذا لم ير الهلال بنيّة أنّه من

____________

(1) الخلاف 1: 375 مسألة- 3.

(2) الانتصار: 61.

(3) ش: فالأولى.

38

شعبان، و لا يكره صومه، سواء كان هناك مانع من الرؤية كالغيم و شبهه، أو لم يكن هناك مانع.

و قال المفيد (رحمه اللّٰه): إنّما يستحبّ مع الشكّ في الهلال لا مع الصحو و ارتفاع الموانع، و يكره مع الصحو و ارتفاع الموانع، إلّا لمن كان صائما قبله (1)، و به قال الشافعيّ (2)، و الأوزاعيّ (3).

و قال أحمد: إن كانت السماء مصحية، كره صومه، و إن كانت مغيّمة، وجب صومه، و يحكم بأنّه من رمضان (4). و روي ذلك عن ابن عمر (5)، و قال الحسن، و ابن سيرين: إن صام الإمام صاموا، و إن أفطر أفطروا (6). و هو مرويّ عن أحمد (7).

و قال أبو حنيفة (8)، و مالك مثل قولنا (9).

لنا: ما رواه الجمهور عن عليّ (عليه السّلام) أنّه قال: «لأنّ أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من رمضان» (10).

____________

(1) نقله عنه في المعتبر 2: 650.

(2) المجموع 6: 403 و 420.

(3) حلية العلماء 3: 178، المجموع 6: 420- 421، عمدة القاري 10: 279.

(4) المغني 3: 14، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 5، الكافي لابن قدامة 1: 468، الإنصاف 3: 269- 270، زاد المستقنع: 28.

(5) المغني 3: 13، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 5، المجموع 6: 403، مقدّمات ابن رشد 1: 186.

(6) حلية العلماء 3: 179، المغني 3: 13، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 6، المجموع 6: 403 و 408.

(7) المغني 3: 13، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 6، الكافي لابن قدامة 1: 468، الإنصاف 3: 270.

(8) المبسوط للسرخسيّ 3: 63، تحفة الفقهاء 1: 343، بدائع الصنائع 2: 78، الهداية للمرغينانيّ 1: 119، 120، شرح فتح القدير 2: 243، مجمع الأنهر 1: 343، عمدة القارئ 10: 279.

(9) الموطّأ 1: 309، بلغة السالك 1: 242، عمدة القارئ 10: 279.

(10) سنن الدارقطنيّ 2: 170 الحديث 15، سنن البيهقيّ 4: 211، 212، المغني 3: 16، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 6، المجموع 6: 403 و 412، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 252، و من طريق الخاصّة، ينظر: الفقيه 2: 79 الحديث 348، المقنع: 59، الوسائل 7: 14 الباب 5 من أبواب وجوب الصوم الحديث 9.

39

و رووه عن عائشة (1)، و أبي هريرة (2). و رووا عن عائشة أنّها كانت تصومه (3) و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن محمّد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن اليوم الذي يشكّ فيه، فإنّ الناس يزعمون أنّ من صامه بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان، فقال: «كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفّقوا (4) له، و إن كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الأيّام» (5).

و عن بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: سألته عن صوم يوم الشكّ، فقال: «صمه، فإن يك من شعبان كان تطوّعا، و إن يك من شهر رمضان فيوم وفّقت (6) له» (7).

و عن الكاهليّ قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان، قال: لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من رمضان» (8).

____________

(1) مسند أحمد 6: 126، سنن البيهقيّ 4: 211، مجمع الزوائد 3: 148.

(2) سنن البيهقيّ 4: 211.

(3) المجموع 6: 403.

(4) ح: وفّق، كما في الاستبصار.

(5) التهذيب 4: 181 الحديث 502، الاستبصار 2: 77 الحديث 234، الوسائل 7: 13، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم الحديث 7.

(6) ص، ش و خا: وقعت.

(7) التهذيب 4: 181 الحديث 504، الاستبصار 2: 78 الحديث 236، الوسائل 7: 12 الباب 5 من أبواب وجوب الصوم الحديث 3.

(8) التهذيب 4: 181 الحديث 505، الاستبصار 2: 78 الحديث 237، الوسائل 7: 12، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم الحديث 1.

40

و لأنّه يوم محكوم به من شعبان، فلا يكره صومه، كما لو كانت عادته صيامه.

و لأنّ الاحتياط يقتضي الصوم، فلا وجه للكراهية، و لأنّه يوم محكوم به من شعبان، فكان كغيره من أيّامه.

احتجّ الشافعيّ (1): بما رواه أبو هريرة أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن صيام ستّة أيّام: اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان، و يوم الفطر، و يوم الأضحى، و أيّام التشريق (2).

و عن عمّار بن ياسر قال: من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم (صلى اللّٰه عليه و آله) (3).

و عن أبي هريرة أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «لا تقدّموا هلال رمضان بيوم و لا بيومين إلّا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم» (4).

و روى أصحابنا شبه ذلك، روي الشيخ عن هارون بن خارجة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «عدّ شعبان تسعة و عشرين يوما، فإن كانت متغيّمة (5)

____________

(1) المهذّب للشيرازيّ 1: 188، المجموع 6: 406- 407، مغني المحتاج 1: 433.

(2) سنن الدارقطنيّ 2: 157 الحديث 6، سنن البيهقيّ 4: 208، مجمع الزوائد 3: 203.

(3) صحيح البخاريّ 3: 34، سنن أبي داود 2: 300 الحديث 2334، سنن الترمذيّ 3: 70 الحديث 686، سنن ابن ماجة 1: 527 الحديث 1645، سنن النسائيّ 4: 153، سنن الدارميّ 2: 2، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 5: 239 الحديث 3577 و ص 242 الحديث 3587 و ص 243 الحديث 3588، سنن الدارقطنيّ 2: 157 الحديث 5، سنن البيهقيّ 4: 208، عمدة القارئ 10: 279.

(4) صحيح البخاريّ 3: 35، صحيح مسلم 2: 762 الحديث 1082، سنن أبي داود 2: 300 الحديث 2335، سنن الترمذيّ 3: 68 الحديث 684، و ص 69 الحديث 685 و ص 71 الحديث 687، سنن ابن ماجة 1: 528 الحديث 1650، سنن النسائيّ 4: 154، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 5: 239 الحديث 3578 و ص 241 الحديث 3584، سنن الدارميّ 2: 4، سنن الدارقطنيّ 2: 159 الحديث 15، سنن البيهقيّ 4: 207، عمدة القارئ 10: 272.

(5) بعض النسخ: مغيّمة.

41

فأصبح صائما، و إن كانت مصحية و تبصّرته و لم تر شيئا فأصبح مفطرا» (1).

و عن عبد الكريم بن عمرو قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): [إنّي] (2) جعلت على نفسي أن أصوم حتّى يقوم القائم، فقال: «لا تصم في السفر، و لا العيدين، و لا أيّام التشريق، و لا اليوم الذي يشكّ فيه» (3) و عن قتيبة الأعشى قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «نهى رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله) عن صوم ستّة أيّام: العيدين، و أيّام التشريق، و اليوم الذي يشكّ فيه من شهر رمضان» (4).

احتجّ أحمد (5): بما رواه ابن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله): «إنّما الشهر تسع و عشرون يوما فلا تصوموا حتّى تروا الهلال، و لا تفطروا حتّى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (6) و معنى الإقدار التضييق (7)، كما في قوله تعالى: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ (8).

____________

(1) التهذيب 4: 159 الحديث 447 و ص 180 الحديث 501، الاستبصار 2: 77 الحديث 233، الوسائل 7: 216 الباب 16 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4.

(2) أثبتناها من المصادر.

(3) التهذيب 4: 183 الحديث 510، الاستبصار 2: 79 الحديث 242، الوسائل 7: 16 الباب 6 من أبواب وجوب الصوم الحديث 3.

(4) التهذيب 4: 183 الحديث 509، الاستبصار 2: 79 الحديث 241، الوسائل 7: 16 الباب 6 من أبواب وجوب الصوم الحديث 2.

(5) المغنى 3: 15، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 6.

(6) صحيح البخاريّ 3: 34، صحيح مسلم 2: 759 الحديث 1080، سنن أبي داود 2: 297 الحديث 2320، الموطّأ 1: 286 الحديث 2، سنن الدارميّ 2: 4، مسند أحمد 2: 5، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 5: 242 الحديث 3585، سنن الدارقطنيّ 2: 161 الحديث 22، سنن البيهقيّ 4: 204.

(7) كثير من النسخ: التضيّق.

(8) الطلاق (65): 7.

42

و التضييق (1) له أن يجعل شعبان تسعة و عشرين يوما. و فعل ابن عمر ذلك، فكان يصوم مع الغيم و المانع، و يفطر لا معهما، و هو الراوي، فكان فعله تفسيرا.

و لأنّه شكّ في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنّه من غير رمضان، فوجب الصوم كالطرف الآخر. و لأنّ الاحتياط يقتضي الصوم.

و احتجّ ابن سيرين (2): بقول النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله): «الصوم يوم تصومون، و الفطر يوم تفطرون، و الأضحى يوم تضحّون» (3) قيل معناه: أنّ الصوم و الفطر مع الجماعة و معظم الناس (4).

و الجواب: أنّ الأحاديث الدالّة على النهي منصرفة إلى الصوم بنيّة أنّه من رمضان؛ لأنّه (5) ظاهرا من غير رمضان فاعتقاد أنّه منه قبيح، فإرادة فعله على هذا الوجه قبيحة و يقع الفعل باعتبار قبح الإرادة قبيحا، فكان منهيّا عنه، و النهي في العبادات يدلّ على الفساد.

و يؤيّده: ما رواه الشيخ عن محمّد بن شهاب الزهريّ قال: سمعت عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يقول: «يوم الشكّ أمرنا بصيامه و نهينا عنه، أمرنا أن يصومه (6) الإنسان على أنّه من شعبان، و نهينا عن أن يصومه (7) على أنّه من شهر رمضان و هو لم ير الهلال» (8).

____________

(1) كثير من النسخ: التضيّق.

(2) المغني 3: 13، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 6.

(3) سنن أبي داود 2: 297 الحديث 2324 (فيه: بتفاوت)، سنن الترمذيّ 3: 80 الحديث 697، سنن الدار قطنيّ 2: 164 الحديث 35، كنز العمّال 8: 488 الحديث 23760.

(4) سنن الترمذيّ 3: 80، المغني 3: 14، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 6.

(5) هامش ح بزيادة: كان.

(6) كثير من النسخ: أن يصوم.

(7) ش: نصومه، ن: نصوم.

(8) التهذيب 4: 164 الحديث 463 و ص 183 الحديث 511، الاستبصار 2: 80 الحديث 243، الوسائل 7: 16 الباب 6 من أبواب وجوب الصوم الحديث 4.

43

و حديث أحمد على الوجوب معارض بما رواه البخاريّ بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله): «صوموا لرؤيته، و أفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين» (1).

على أنّ مسلما رواه- في الصحيح- عن ابن عمر أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) ذكر رمضان فقال: «صوموا لرؤيته، و أفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فاقدروا له ثلاثين» (2).

و في حديث آخر عن ربعيّ بن حراش (3) أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) قال:

«صوموا لرؤيته، و أفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فعدّوا شعبان ثلاثين (4)، ثمّ صوموا، و إن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ثمّ أفطروا» (5).

و لأنّ الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه بالشكّ، و لهذا لا يحلّ الدين المعلّق بشهر رمضان، و لا الطلاق المعلّق به عنده. و أمّا الكراهية مع الصحو فمنفيّة بما ذكرناه من الأدلّة.

و قد روى الجمهور أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصل شعبان برمضان (6)،

____________

(1) صحيح البخاريّ 3: 34.

(2) صحيح مسلم 2: 759 الحديث 1080.

(3) ربعيّ بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد اللّه بن بجاد العبسيّ أبو مريم الكوفيّ روى عن عمر و عليّ (عليه السّلام) و ابن مسعود و أبي موسى و عمران بن حصين و حذيفة بن اليمان، و روى عنه عبد الملك بن عمير و أبو مالك الأشجعيّ و الشعبيّ، مات سنة: 101 و قيل 100 و قيل: 104 ه.

تهذيب التهذيب 3: 236، العبر 1: 91.

(4) غ بزيادة: يوما، كما في بعض المصادر.

(5) سنن الدارقطنيّ 2: 160 الحديث 20، و بتفاوت ينظر: سنن أبي داود 2: 298 الحديث 2326، سنن النسائيّ 4: 135، سنن الدارقطنيّ 2: 160 الحديث 23، 24، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 5: 190 الحديث 3449، سنن البيهقيّ 4: 208، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 164 الحديث 7337، كنز العمّال 8: 488 الحديث 23758.

(6) سنن أبي داود 2: 300 الحديث 2336، سنن ابن ماجة 1: 528 الحديث 1648، 1649، سنن النسائيّ 4: 150 و 199، سنن الدارميّ 2: 17، سنن البيهقيّ 4: 210، مجمع الزوائد 3: 192، المعجم الكبير للطبرانيّ 22: 224 الحديث 594.

44

و هو عامّ، و يحمل (1) نهي تقديم الصوم على العاجز ليقوى بالإفطار على الصوم الواجب، كما حمل رواية أبي هريرة عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتّى يكون رمضان» (2).

و احتجاج ابن سيرين ورد على الظاهر إذ الغالب عدم خفاء الهلال عن جماعة كثيرة، و خفاؤه عن واحد و اثنين، لا العكس.

فروع:

الأوّل: لو نوى أنّه من رمضان كان حراما، و لم يجزئه لو خرج من رمضان؛

لما بيّنّاه من أنّ النهي يدلّ على الفساد، و لحديث عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) (3).

و لما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال في يوم الشكّ: «من صامه قضاه و إن كان كذلك» (4) يريد: من صامه على أنّه من رمضان (5)، و يدلّ عليه قوله (عليه السّلام): «و إن كان كذلك» لأنّ التشبيه إنّما هو للنيّة.

و لو نوى أنّه من شعبان ندبا، ثمّ بان أنّه من رمضان، أجزأ عنه؛ لأنّه صوم شرعيّ غير منهيّ عنه، فكان مجزئا عن الواجب، لأنّ رمضان لا يقع فيه غيره،

____________

(1) ن و م: و نحمل.

(2) سنن أبي داود 2: 300 الحديث 2337، سنن ابن ماجة 1: 528 الحديث 1651، سنن الترمذيّ 3: 115 الحديث 738، سنن الدارميّ 2: 17، مسند أحمد 2: 442، سنن البيهقيّ 4: 209، كنز العمّال 8: 506 الحديث 23857، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 161 الحديث 7325 في بعض المصادر بتفاوت.

(3) التهذيب 4: 294 الحديث 895، الوسائل 7: 14 الباب 5 من أبواب وجوب الصوم الحديث 8.

(4) التهذيب 4: 162 الحديث 457، الوسائل 7: 17 الباب 6 من أبواب وجوب الصوم الحديث 5.

(5) ح: من صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤية، قضاه، كما في المصادر.

45

و نيّة الوجوب ساقطة؛ للعذر، كناسي النيّة إلى قبل الزوال، و لما ذكرناه من الأحاديث (1).

الثاني: لو نوى أنّه واجب أو ندب و لم يعيّن لم يصحّ صومه،

و لا يجزئه لو خرج من رمضان إلّا أن يجدّد النيّة قبل الزوال.

الثالث: لو نوى أنّه من رمضان فقد بيّنّا أنّه لا يجزئه-

و تردّد (2) الشيخ في الخلاف (3)- فلو ثبت الهلال قبل الزوال، جدّد النيّة و أجزأه؛ لأنّ محلّ النيّة باق.

الرابع: لو صامه بنيّة أنّه من شعبان ندبا، ثمّ بان أنّه من رمضان

و النهار باق، جدّد نيّة الوجوب، و لو لم يعلم حتّى فات النهار أجزأ عنه على ما بيّنّا (4).

الخامس: لو نوى أنّه إن كان من رمضان فهو واجب،

و إن كان من شعبان فهو ندب، للشيخ قولان:

أحدهما: الإجزاء لو بان من رمضان، ذكره في الخلاف؛ لأنّ نيّة القربة كافية و قد نوى القربة (5).

و الثاني: لا يجزئه (6)- و به قال الشافعيّ (7)- لأنّ نيّته متردّدة، و الجزم شرطها، و التعيين ليس بشرط إذا علم أنّه من شهر رمضان، أمّا فيما لا يعلم فلا نسلّم ذلك.

السادس: لو نوى الإفطار لاعتقاد أنّه من شعبان، فبان من رمضان قبل الزوال

و لم يتناول شيئا، نوى حينئذ الصوم الواجب، و أجزأه؛ لما بيّنّا أنّ محلّ النيّة إلى

____________

(1) يراجع: ص 42، 43.

(2) بعض النسخ: و قد تردّد.

(3) الخلاف 1: 378 مسألة- 9.

(4) غ: بيّنّاه.

(5) الخلاف 1: 382 مسألة- 21، 22.

(6) النهاية: 151.

(7) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 56، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 295، 296، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 323- 325، مغني المحتاج 1: 425، السراج الوهّاج: 138.

46

الزوال، و العذر موجود و هو الجهل، فكان كتارك النيّة نسيانا.

و لو ظهر له ذلك بعد الزوال أمسك بقيّة نهاره و وجب عليه القضاء، و به قال أبو حنيفة (1).

و الشافعيّ أوجب القضاء في الموضعين (2)، و قد سلف ضعفه (3).

و روي عن عطاء أنّه قال: يأكل بقيّة يومه (4). و لا نعلم أحدا قاله سواه، إلّا في رواية عن أحمد، ذكرها أبو الخطّاب (5).

و احتجّوا: بالقياس على المسافر (6)، و هو خطأ؛ لأنّ للمسافر الفطر بعد قدومه ظاهرا و باطنا، بخلاف صورة النزاع. و لما رواه الجمهور (7) عن ابن عبّاس أنّ الأعرابيّ لمّا شهد بالهلال، أمر النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) الناس بالصوم و صام (8).

السابع: لو نوى الصوم في رمضان، ثمّ نوى الخروج منه بعد انعقاده، لم يبطل صومه،

قال الشيخ- (رحمه اللّٰه) (9)- و الشافعيّ في أحد قوليه. و في الآخر: يبطل؛ لأنّ النيّة شرط في صحّته و لم يحصل (10).

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 3: 63، بدائع الصنائع 2: 78، 79.

(2) الأمّ 2: 102، حلية العلماء 3: 179، المهذّب للشيرازيّ 1: 179، المجموع 6: 271، مغني المحتاج 1: 438، السراج الوهّاج: 143.

(3) يراجع: ص 42.

(4) المغني 3: 74، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 15.

(5) المغني 3: 74، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 15، زاد المستقنع: 28، الإنصاف 3: 281.

(6) المغني 3: 74، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 15.

(7) ح: لما رواه الجمهور.

(8) سنن أبي داود 2: 302 الحديث 2340، سنن ابن ماجة 1: 529 الحديث 1652، سنن الترمذيّ 3: 74 الحديث 691، سنن النسائيّ 4: 131- 132، سنن الدارميّ 2: 5، سنن الدارقطنيّ 2: 157 الحديث 7- 12، سنن البيهقيّ 4: 212 في بعض المصادر بتفاوت.

(9) المبسوط 1: 278، الخلاف 1: 401 مسألة- 89.

(10) حلية العلماء 3: 187، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 297.

47

لنا: أنّه صام بشرطه، و هو النيّة، فكان مجزئا و لا يبطل بعد انعقاده، و نمنع (1) كون استدامة النيّة شرطا.

الثامن: لو شكّ هل يخرج أم لا، لم يخرج عندنا؛

لما تقدّم في المتيقّن، فمع الشكّ أولى، و للشافعيّ وجهان (2).

التاسع: لو نوى أنّه يصوم غدا من رمضان لسنة تسعين مثلا، و كانت سنة إحدى و تسعين و غلط في ذلك، صحّت نيّته،

خلافا لبعض الشافعيّة (3)؛ لأنّه صام بشرطه فلا يؤثّر فيه غلطه، كما لو حسب أنّه الاثنين فنواه و كان الثلاثاء.

العاشر: لو كان عليه قضاء اليوم الأوّل من رمضان، فنوى قضاء اليوم الثاني،

أو كان عليه يوم من سنة أربع فنواه من سنة خمس، الحقّ عندي أنّه لا يجزئ؛ لأنّه صوم لا يتعيّن بزمان، فلا بدّ فيه من النيّة، و الذي عليه لم ينوه، فلم يكن مجزئا، كما لو كان عليه رقبة من ظهار فنواها عن الفطر.

الحادي عشر: لو أخبره عدل واحد برؤية الهلال، فإن قلنا بالاكتفاء فيه بالشاهد الواحد فلا بحث،

و إن أوجبنا الشاهدين فهل يجوز له أن ينوي عن رمضان واجبا؟

فيه تردّد ينشأ، من كون المخبر إفادة الظنّ بخبره، فجاز له النيّة، و يجزئه لو بان أنّه من رمضان؛ لأنّه نوى بضرب من الظنّ، فكان كالشاهدين. و من كونه يوما محكوما به (4) من شعبان لم يخرج عن كونه يوم شكّ بشهادة الواحد، فكان الواجب نيّة النفل. و الأخير عندي أقرب.

____________

(1) بعض النسخ: و يمنع.

(2) حلية العلماء 3: 187، المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 297، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 133.

(3) حلية العلماء 3: 189، المجموع 6: 295، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 295، مغني المحتاج 1: 425، السراج الوهّاج: 138.

(4) ش: بأنّه، مكان: به.

48

الثاني عشر: لو كان عارفا بحساب المنازل و التسيير (1)،

أو أخبره العارف بذلك بالهلال من غير مشاهدة، فهل يجزئه الصوم لو نوى أنّه من رمضان؟ فيه التردّد، من حيث إنّ المخبر إفادة الظنّ، كما لو أخبر عن مشاهدة، و من حيث إنّه لم يخرج كونه يوم شكّ، و التردّد هنا أضعف؛ لأنّ الحساب ليس بطريق إلى إثبات الأهلّة و لا يتعلّق وجوبه به، و إنّما يثبت بالرّؤية أو استكمال ثلاثين، و لا ريب في عدم الوجوب هاهنا، بخلاف المخبر الواحد عن الرؤية؛ لوقوع الخلاف هناك و إن كان الحقّ عدمه أيضا على ما يأتي.

الثالث عشر: لو نوى أنّه صائم غدا إن شاء اللّه، فإن قصد الشكّ و التردّد،

لم يصحّ صومه؛ لأنّه لم يفعل نيّة جازمة فلا تكون مجزئة، كما لو تردّد بين الصوم و عدمه. و إن قصد التبرّك، أو أنّ ذلك موقوف على مشيئة اللّه تعالى و توفيقه و تمكينه، لم يكن شرطا و صحّ صومه.

الرابع عشر: لو نوى قضاء رمضان أو تطوّعا، لم يجزئه، لأنّه صوم لا يتعيّن بوقته فافتقر إلى التعيين.

و لأنّه جعله مشتركا بين الفرض و النفل، فلا يتعيّن لأحدهما؛ لعدم الأولويّة، و لا لغيرهما؛ لعدم القصد.

و قال أبو يوسف: إنّه يقع عن القضاء؛ لأنّ التطوّع لا يفتقر إلى التعيين، فكأنّه نوى القضاء، و صوما مطلقا. و قال محمّد: يقع تطوّعا (2). و به قال الشافعيّ (3)؛ لأنّ زمان القضاء يصلح للتطوّع، فإذا سقطت نيّة الفرض بالتشريك بقي نيّة الصوم، فوقع تطوّعا.

____________

(1) بعض النسخ: و التيسير.

(2) كذا نسب إليهما، و الموجود في المصادر هكذا: يقع صومه عن رمضان و لا يكون عن غيره بنيّة.

المبسوط للسرخسيّ 3: 142، تحفة الفقهاء 1: 348، بدائع الصنائع 2: 84، الهداية للمرغينانيّ 1: 118، 119، شرح فتح القدير 2: 239- 240، مجمع الأنهر 1: 233.

(3) الأمّ 2: 102، المجموع 6: 299.

49

و الجواب عن الأوّل: أنّ التطوّع و إن لم يفتقر إلى التعيين، إلّا أنّه يصحّ أن ينويه و يعيّنه، و هو مناف للفرض فلا يصحّ مجامعته، بخلاف ما لو نوى الفرض و الصوم المطلق؛ لأنّه جزء من الفرض غير مناف له فافترقا.

و عن الثاني: أنّ زمان القضاء كما هو صالح للتطوّع فكذا للقضاء، فلا تخصيص، و نيّتهما واقعة، و ليس سقوط نيّة الفرض للتشريك أولى من سقوط نيّة النفل، فإمّا أن يسقطا و هو المطلوب، أو ثبتا و هو محال.

الخامس عشر: لو نوى ليلة الثلاثين من رمضان أنّه إن كان غدا من رمضان فإنّه صائم منه،

و إن كان من شوّال فهو مفطر، قال بعض الشافعيّة: صحّت نيّته و صومه؛ لأنّه بنى نيّته على أصل و هو بقاء الشهر (1)، و عندي فيه تردّد.

و لو نوى أنّه صائم فيه عن رمضان أو نافلة لم يجز بلا خلاف؛ لأنّه جعله مشتركا و لم يخلصه للفرض.

السادس عشر: لو ترك النيّة عامدا إلى الزوال ثمّ جدّدها لم يجزئه على ما تقدّم (2)،

و يجب عليه الإمساك و القضاء، و هل يثاب على الإمساك؟ قيل: لا؛ لعدم الاعتداد به و عدم الإجزاء، فكان كما لو أكل متعمّدا ثمّ أمسك (3)، و الصحيح عندي أنّه يثاب عليه ثواب الإمساك؛ لأنّه واجب يستحقّ (4) بتركه العقاب فيستحقّ بفعله الثواب، لا ثواب الصوم.

السابع عشر: قد بيّنّا (5) أنّ محلّ النيّة من أوّل الليل إلى الزوال مع النسيان في الصوم الواجب رمضان كان أو غيره،

فإن خرج الزوال و لم ينو، خرج محلّ النيّة في

____________

(1) المهذّب للشيرازيّ 1: 181، المجموع 6: 294، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 326- 327، مغني المحتاج 1: 426، السراج الوهّاج: 138.

(2) يراجع: ص 21.

(3) المجموع 6: 272، 292- 293، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 316.

(4) بعض النسخ: مستحقّ.

(5) يراجع: ص 21.

50

الفرض دون النفل. هذا لمن أصبح بنيّة الإفطار، أمّا لو أصبح بنيّة الصوم ندبا في يوم الشكّ، فإنّه يجدّد نيّة الوجوب مع قيام البيّنة متى كان من النهار.

الثامن عشر: لو أصبح بنيّة الإفطار مع علمه بأنّه من الشهر و وجوبه عليه،

ثمّ جدّد النيّة لم يجزئه، سواء كان قبل الزوال أو بعده، لأنّه قد مضى من الوقت زمان لم يصمه، و لم يكن بحكم الصائم فيه من غير عذر، و يجب عليه الإمساك، سواء أفطر أولا، و وجب عليه القضاء.

التاسع عشر: قال الشيخ في المبسوط: النيّة و إن كانت إرادة لا تتعلّق بالعدم،

فإنّما تتعلّق بالصوم بإحداث توطين النفس و قهرها على الامتناع بتجديد (1) الخوف من عقاب اللّه و غير ذلك، أو يفعل كراهية لحدوث هذه الأشياء، فتكون متعلّقة على هذا الوجه و لا تنافي الأصول (2).

و تحرير ما استشكله الشيخ أنّ الإرادة صفة مميّزة لبعض المقدورات من بعض يقتضي تخصيص إيقاع الفاعل لبعضها دون الباقي فهي النيّة إنّما (3) تتعلّق بالممكنات المقدورة لنا.

إذا تقرّر هذا فنقول: النفي غير مقدور لنا على رأي قوم؛ لأنّ القدرة تتعلّق بالإيجاد؛ إذ لا تخصيص للعدم، فلا يكون بعضه مقدورا دون بعض. و لأنّه مستمرّ، و الصوم عبارة عن الإمساك، و هو في الحقيقة راجع إلى النفي فكيف تصحّ إرادته! فأجاب الشيخ بأنّ متعلّق الإرادة توطين النفس على الامتناع و قهرها عليه بتخويفها من العقاب و هو معنى وجوديّ.

أو نقول: الإرادة هاهنا راجعة إلى الكراهة (4) أعني أنّه يحدث كراهية تتعلّق

____________

(1) بعض النسخ: بتحذير.

(2) المبسوط 1: 278.

(3) ش: و إنّما.

(4) ن، م و ح: الكراهية.

51

بإحداث المفطرات. هذا ما قرّره الشيخ، و الحقّ في ذلك قد ذكرناه في كتبنا الكلاميّة (1).

العشرون: نيّة صوم الصبيّ منعقدة و صومه شرعيّ

و لو (2) بلغ قبل الزوال بغير المبطل وجب عليه تجديد نيّة الفرض و إلّا فلا.

الحادي و العشرون: لو نوى صوم يوم الشكّ عن فرض عليه، أجزأه،

سواء وافق ذلك صوم يوم عادته صومه، أولا، و سواء صام قبله أولا، و لا يكره له ذلك.

و قال بعض الشافعيّة: يكره له (3)، و هو خطأ؛ لأنّه إذا جاز له أن يصومه تطوّعا لسبب من موافقة (4) يوم عادته صومه أو تقدّم صومه عليه، ففي الفرض أولى، كالوقت الذي نهي عن الصلاة فيه. على أنّا نمنع كراهية صومه منفردا، و قد سلف.

إذا ثبت هذا، فلو صامه تطوّعا من غير سبب فعندنا أنّه مستحبّ و لا بحث (5) حينئذ، و عند المفيد- (رحمه اللّٰه)- أنّه مكروه (6)، على ما تقدّم، و كذا عند الشافعيّ، فهل يصحّ أم لا؟ قال بعض الشافعيّة: لا يصحّ؛ لأنّ الغرض به القربة و هي لا تحصل بذلك (7)، و فيه نظر.

____________

(1) ينظر: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 194.

(2) بعض النسخ: فلو.

(3) حلية العلماء 3: 213، المهذّب للشيرازيّ 1: 188، المجموع 6: 399- 400، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 414.

(4) بعض النسخ: موافقه.

(5) كثير من النسخ: و لا يجب.

(6) يستفاد من المقنعة: 48 و 59 الاستحباب، و نقل عنه في المعتبر 2: 650: «و يكره مع الصحو»، و قال صاحب الحدائق 13: 43: «و ما نقل هنا عن الشيخ المفيد (قدّس سرّه) لعلّه من غير المقنعة؛ لأنّ كلامه في المقنعة صريح في الاستحباب مطلقا.

(7) المهذّب للشيرازى 1: 188، المجموع 6: 400، فتح العزيز بهامش المجموع 6: 414- 415، مغني المحتاج 1: 433.

52

البحث الثاني فيما يمسك عنه الصائم

يجب الإمساك عن الأكل و الشرب، و الجماع و الإنزال، و الكذب على اللّه و على رسوله و الأئمّة (عليهم السّلام)، و الارتماس في الماء، و إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق، و البقاء (1) على الجنابة حتّى يطلع الفجر من غير ضرورة، و معاودة النوم بعد انتباهة حتّى يطلع الفجر، و القيء عامدا، و الحقنة، و جميع المحرّمات، فهاهنا (2) مسائل:

المسألة الأولى: وجوب الإمساك عن الأكل و الشرب نهارا مستفاد من النصّ و الإجماع.

قال اللّه تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (3).

و روى الجمهور عن النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «و الذي نفسي بيده لخلوف (4) فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك، بترك طعامه و شرابه و شهوته

____________

(1) كثير من النسخ: و المقام.

(2) ش، م و ن: فهنا.

(3) البقرة (2): 187.

(4) كثير من النسخ: لخلوق.

53

من أجلي» (1).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «كان بلال يؤذّن للنبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) حين يطلع الفجر، فقال النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله): إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام و الشراب، فقد أصبحتم» (2).

و في الصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) فقلت: متى يحرم الطعام (3) على الصائم و تحلّ الصلاة صلاة الفجر؟ فقال: «إذا اعترض الفجر و كان كالقبطيّة (4) البيضاء فثمّ يحرم الطعام و تحلّ الصلاة صلاة الفجر» قلت: فلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس؟ فقال: «هيهات، أين تذهب؟ تلك صلاة الصبيان» (5).

و في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول:

«لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، و النساء، و الارتماس في الماء» (6).

____________

(1) صحيح البخاريّ 3: 31، صحيح مسلم 2: 807 الحديث 1151، سنن الترمذيّ 3: 136 الحديث 764، سنن النسائي 4: 162- 163، الموطّأ 1: 310 الحديث 58، سنن الدارميّ 2: 24- 25، مسند أحمد 2: 495، سنن الدارقطنيّ 2: 203 الحديث 5، سنن البيهقيّ 4: 304، كنز العمّال 8: 456 الحديث 23636، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 306 الحديث 7892، المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 45 الحديث 1235، مجمع الزوائد 3: 165.

(2) التهذيب 4: 184 الحديث 513، الوسائل 7: 78 الباب 42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

(3) ح بزيادة: و الشراب، كما في الوسائل.

(4) أكثر النسخ: كالقطنة، و في بعضها: كالهبطيّة. القبطيّة: الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء. النهاية لابن الأثير 4: 6.

(5) التهذيب 4: 185 الحديث 514، الوسائل 3: 152 الباب 27 من أبواب المواقيت الحديث 1.

(6) التهذيب 4: 202 الحديث 584، الاستبصار 2: 80 الحديث 244، الوسائل 7: 18 الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1.

54

و قد أجمع المسلمون: على الفطر بالأكل و الشرب و إن اختلفوا في تفاصيل تأتي إن شاء اللّه.

المسألة الثانية: يقع الإفطار بالأكل و الشرب للمعتاد بلا خلاف على ما تقدّم،

أمّا ما ليس بمعتاد فذهب علماؤنا إلى أنّه يفطر، و أنّ حكمه حكم المعتاد، سواء تغذّى به أو لم يتغذّ به، و هو قول عامّة أهل العلم، إلّا ما نستثنيه.

و قال الحسن بن صالح بن حيّ: لا يفطر بما ليس بطعام و لا شراب (1).

و حكي عن أبي طلحة الأنصاريّ أنّه كان يأكل البرد في الصوم، و يقول: ليس بطعام و لا شراب (2).

و قال أبو حنيفة: لو ابتلع حصاة أو فستقة بقشرها، لم تجب الكفّارة فيعتبر في إيجاب الكفّارة ما يتغذّى به أو يتداوى به (3).

لنا: دلالة الكتاب و السنّة على تحريم الأكل و الشرب على العموم، فيدخل فيه محلّ النزاع، و فعل أبي طلحة لم يثبت، و لو ثبت لم يكن حجّة. و لأنّ الإمساك يجب عمّا يصل إلى الجوف، و تناول ما ليس بمعتاد- كالحصاة و المياه المستخرجة من الأشجار- ينافي الإمساك، فكان مفسدا للصوم.

المسألة الثالثة: بقايا الغذاء المستخلفة بين أسنانه إذا ابتلعها نهارا فسد صومه،

سواء أخرجها من فمه أو لم يخرجها.

و قال أحمد: إن كان يسيرا لا يمكنه التحرّز منه فابتلعه لم يفطر، و إن كان كثيرا أفطر (4).

____________

(1) حلية العلماء 3: 194، المغني و الشرح 3: 37، 38، المجموع 6: 317.

(2) المغني و الشرح 3: 37، 38، المجموع 6: 317. و قريب منه في مسند أحمد 3: 279.

(3) المبسوط للسرخسيّ 3: 74، 100 و 138، تحفة الفقهاء 1: 353 و 355، بدائع الصنائع 2: 99، الهداية للمرغينانيّ 1: 124، شرح فتح القدير 2: 260، مجمع الأنهر 1: 241- 242.

(4) المغني 3: 46، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 49- 50، الإنصاف 3: 307.