منتهى المطلب في تحقيق المذهب - ج11

- العلامة الحلي المزيد...
550 /
5

تنبيه

كنّا قد أشرنا في الأجزاء الأوّل و السابع و التاسع من هذا الكتاب إلى النسخ المعتمدة في التحقيق. و قد تمكّنّا من الحصول على نسختين أخريين أخذتا موقعهما في تحقيق هذا الجزء، و هما:

1- النسخة المحفوظة في مكتبة الوزيريّ بيزد، و المرقّمة ب12682. فرغ محمّد عليّ بن شيخ عبّاس البلاغيّ من كتابتها سنة 1207 ه. تحتوي على كتاب الحجّ و العمرة. وقفها ملّا محمّد إسماعيل اليزديّ العقدائيّ على طلبة العلوم الدينيّة سنة 1231 ه، ثمّ وضعت في مكتبة الوزيريّ سنة 1344 ه. و قد رمزنا لها بالحرف «د».

2- النسخة المحفوظة في المكتبة المركزيّة للآستانة الرضويّة المقدّسة، و المرقّمة ب17841. كتبها عبد الكريم بن إبراهيم بن عليّ بن عبد العال الشهير بالميسيّ العامليّ سنة 975 ه. و قوبلت بنسخة مقابلة بنسخة المؤلّف الأصليّة. تشتمل على مباحث من الصوم و الاعتكاف و الحجّ و العمرة و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بيد أنّ فيها غير قليل من الاضطراب و التداخل في تسلسل المباحث، إلى جانب ما فيها من سقط كثير، لكنّها على أيّ حال لا تخلو من فائدة. و هي من موقوفات آل عصفور.

و قد رمزنا لها بالحرف «آل».

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الحمد للّه الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة و باطنة، و شرّفنا بأن هدانا إلى اتّباع أشرف أنبيائه و أوصيائه محمّد و آله الأئمّة المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و من فضل اللّه تعالى علينا أن وفّقنا لإخراج جزء آخر من كتاب «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» و هو الجزء الحادي عشر من هذه المجموعة الفقهيّة القيّمة، و نسأله سبحانه أن يواتر إحسانه علينا و يعيننا على إتمام ما بقي منها.

و حريّ بنا أن نشكر الزملاء الذين ساهموا في تحقيق هذا الجزء من أعضاء قسم الفقه، و هم السادة العلماء و الإخوة الفضلاء:

الشيخ عليّ الاعتماديّ.

الشيخ نوروز عليّ الحاجآباديّ.

الشيخ عبّاس المعلّميّ.

الشيخ محمّد عليّ الملكيّ.

الشيخ عليّ النمازيّ.

السيّد أبو الحسن الهاشميّ.

الأخ السيّد طالب الموسويّ.

الأخ عادل البدريّ.

الأخ شكر اللّه الأختري.

الأخ عليّ أصغر المولويّ.

كما يجدر بنا أيضا أن نشكر لسماحة حجّة الإسلام و المسلمين عليّ أكبر إلهيّ الخراسانيّ إشرافه على التحقيق، سائلين اللّه له و لكلّ المشاركين بهذا العمل دوام التوفيق و حسن العاقبة؛ إنّه غفور شكور.

قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلاميّة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[تتمة كتاب الخمس في الحج و العمرة]

المقصد الثالث في أفعال الحجّ

و فيه فصول:

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[الفصل] الأوّل في الإحرام بالحجّ

قد ذكرنا فيما تقدّم (1) من كتابنا هذا أفعال العمرة المتمتّع بها إلى الحجّ و أحكامها، و شرحنا ذلك مستوفى. و نحن الآن نذكر أفعال حجّ التمتّع (2) بعد إحلاله من العمرة، و نبدأ بحديث ذكره الجمهور، صحيح عندهم، رواه مسلم، و أبو داود، و ابن ماجة، عن جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) في صفة حجّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ نذكر بعد ذلك ما ورد من الأحاديث عندنا، و نستوفي مسائل هذا المقصد بعون اللّه تعالى فنقول:

روى الجمهور عن جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، عن أبيه محمّد الباقر (عليه السلام)، عن جابر، و ذكر الحديث إلى أن قال: «فحلّ الناس كلّهم و قصّروا إلّا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و من كان معه هدي، فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، و ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فصلّى بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر، ثمّ مكث قليلا حتّى طلعت الشمس و أمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا تشكّ قريش إلّا أنّه واقف

____________

(1) يراجع: الجزء العاشر ص 118.

(2) ق و ع: حجّ المتمتّع، خا: الحجّ المتمتّع.

12

عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة، فاجتاز (1) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى أتى عرفة، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء (2) فرحلت له فأتى بطن الوادي، فخطب الناس و قال: إنّ دماءكم و أموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع، و دماء الجاهليّة موضوعة، و إنّ أوّل دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث (3) كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل (4)، و ربا الجاهليّة موضوع، و أوّل ربا أضع ربانا ربا عبّاس بن عبد المطّلب؛ فإنّه موضوع كلّه، فاتّقوا اللّه في النساء فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه، و لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، و لهنّ عليكم رزقهنّ و كسوتهنّ بالمعروف، و قد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به (5): كتاب اللّه، و أنتم تسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت و أدّيت و نصحت، فقال بإصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء و ينكبها إلى الناس (6): اللهمّ اشهد

____________

(1) د، و المصادر: فأجاز.

(2) القصواء: الناقة التي قطع طرف أذنها ... و لم تكن ناقة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قصواء و إنّما كان هذا لقبا لها. النهاية لابن الأثير 4: 75.

(3) ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ يكنّى أبا أروى، و هو ابن عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو الذي قال فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «و إنّ أوّل دم أضعه دم ربيعة بن الحارث» و ذلك أنّه قتل لربيعة في الجاهليّة ابن اسمه آدم، و قيل: تمام، مات سنة 23 هبالمدينة في خلافة عمر.

أسد الغابة 2: 166، الإصابة 1: 506، الاستيعاب بهامش الإصابة 1: 505.

(4) قال في لسان العرب 11: 694: ... و هذيل: قبيلة.

(5) كثير من النسخ: إن اعتصم به، ع: ما إن تمسّكتم به.

(6) ينكبها: أي يميلها إليهم. النهاية لابن الأثير 5: 112.

13

ثلاث مرّات، ثمّ أذّن ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثمّ أقام فصلّى العصر، و لم يصلّ بينهما شيئا، ثمّ ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، و جعل حبل المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتّى غربت الشمس و ذهبت الصفرة قليلا حتّى غاب القرص، و أردف أسامة خلفه، و دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد شنق القصواء بالزمام حتّى أنّ رأسها ليصيب مورك (1) رحله، و يقول بيده اليمنى: أيّها النّاس السكينة السكينة، كلّما أتى حبلا من الحبال (2) أرخى لها قليلا حتّى تصعد، حتّى أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين، و لم يسبّح بينهما شيئا، ثمّ اضطجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى طلع الفجر، فصلّى الفجر حين تبيّن (3) له الصبح بأذان و إقامة، ثمّ ركب القصواء حتّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا اللّه و كبّره و هلّله و وحّده، و لم يزل واقفا حتّى أسفر جدّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، و أردف الفضل بن عبّاس، و كان رجلا حسن الشعر أبيض و سيما، فلمّا دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرّت به ظعن (4) يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهنّ فوضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه إلى الشقّ الآخر ينظر، فحوّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يده من الشقّ الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشقّ الآخر ينظر حتّى أتى بطن محسّر فحرّك قليلا،

____________

(1) المورك و الموركة: المرفقة التي تكون عند قادمة الرحل، يضع الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله في الركاب. النهاية لابن الأثير 5: 176، لسان العرب 10: 511.

(2) الحبل من الرمل: ما طال و امتدّ و اجتمع و ارتفع. المصباح المنير: 119، لسان العرب 11: 137، النهاية لابن الأثير 1: 333.

(3) أكثر النسخ: حتى تبيّن.

(4) الظّعن: النّساء، واحدتها: ظعينة، و أصل الظّعينة: الرّاحلة التي يرحل و يظعن عليها: أي يسار. و قيل للمرأة ظعينة، لأنّها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنّها تحمل على الراحلة إذا ظعنت، و قيل الظعينة:

المرأة في الهودج. ثمّ قيل للهودج بلا امرأة، و للمرأة بلا هودج: ظعينة. النهاية لابن الأثير 3: 157.

14

ثمّ سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى [حتّى أتى الجمرة] (1) التي عند الشجرة فرماها سبع حصيات، يكبّر مع كلّ حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثمّ انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا و ستّين بدنة [بيده] (2)، ثمّ أعطى عليّا (عليه السلام) فنحر ما غبر و أشركه في هديه، ثمّ أمر من كلّ بدنة ببضعة فوضعت (3) في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها و شربا من مرقها، ثمّ ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأفاض إلى البيت فصلّى بمكّة الظهر، فأتى بني عبد المطّلب و هم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطّلب، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا شرب منه» (4) قال عطاء: كان منزل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بمنى بالخيف (5).

مسألة: و إذا فرغ من أفعال العمرة و قصّر، فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه على ما بيّنّاه

(6). إذا عرفت هذا: فنقول: إنّه يجب عليه بعد ذلك الإتيان بالحجّ.

و صفته: أن يحرم بالحجّ من مكّة، ثمّ يمضي إلى عرفات فيقف بها إلى غروب الشمس من يوم عرفة، ثمّ يفيض إلى المشعر فيقف به بعد طلوع الفجر، ثمّ يفيض إلى منى فيحلق بها يوم النحر و يذبح هدية و يرمي جمرة العقبة، ثمّ إن شاء أتى مكّة ليومه أو لغده، فطاف (7) طواف الزيارة و صلّى ركعتيه و سعى للحجّ، و طاف طواف

____________

(1) أثبتناها من المصادر.

(2) أثبتناها من المصادر.

(3) في المصادر: فجعلت.

(4) صحيح مسلم 2: 886 الحديث 1218، سنن أبي داود 2: 182 الحديث 1905، سنن ابن ماجة 2:

1022- 1027 الحديث 3074.

(5) المغني و الشرح الكبير 3: 429.

(6) يراجع: الجزء العاشر ص 119.

(7) ع: و طاف.

15

النساء و صلّى ركعتيه، ثمّ عاد إلى منى لرمي ما تخلّف من الجمار، و إن شاء أقام بمنى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر، و مثله يوم الثاني عشر، ثمّ ينفر بعد الزوال، و إن شاء أقام إلى النفر الثاني، و عاد إلى مكّة للطوافين و السعي، فهذه صفة الحجّ للمتمتّع، و نحن نذكر حكما حكما في فصل فصل إن شاء اللّه تعالى.

مسألة: و يستحبّ أن يكون إحرامه بالحجّ يوم التروية

، و هو الثامن من ذي الحجّة، و سمّي بذلك؛ لأنّه لم يكن بعرفات ماء، و كانوا يستقون (1) من مكّة من الماء ريّهم (2)، و كان يقول بعضهم لبعض: تروّيتم تروّيتم، فسمّي يوم التروية لذلك.

ذكره ابن بابويه (3) و الجمهور، و نقل الجمهور أيضا وجها آخر: و هو أنّ إبراهيم (عليه السلام) رأى في تلك الليلة التي رأى فيها ذبح الولد رؤياه، فأصبح يروّي في نفسه أ هو حلم أم من اللّه تعالى؟ فسمّي يوم التروية، فلمّا كانت ليلة عرفة رأى ذلك أيضا، فعرف أنّه من اللّه تعالى، فسمّي يوم عرفة (4).

إذا ثبت هذا: فإنّه يستحبّ للمتمتّع إذا أحلّ من عمرته أن يحرم بالحجّ يوم التروية، و لا نعلم فيه خلافا.

روى الجمهور عن جابر: فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ (5).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن

____________

(1) كثير من النسخ: يسقون.

(2) ع: لريّهم.

(3) الفقيه 2: 127 الحديث 546، علل الشرائع: 435 الحديث 1.

(4) المغني و الشرح الكبير 3: 429، المجموع 8: 81، عمدة القارئ 9: 296، شرح الزرقانيّ على موطّأ مالك 2: 357.

(5) صحيح مسلم 2: 889 الحديث 1218، سنن أبي داود 2: 184 الحديث 1905، سنن ابن ماجة 2:

1024 الحديث 3074.

16

أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا كان يوم التروية إن شاء اللّه فاغتسل، ثمّ البس ثوبيك و ادخل المسجد حافيا، و عليك السكينة و الوقار، ثمّ صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثمّ اقعد حتّى تزول الشمس فصلّ المكتوبة، ثمّ قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة، فأحرم بالحجّ، ثمّ امض و عليك السكينة و الوقار، فإذا انتهيت إلى الرقطاء (1) دون الردم (2) فلبّ، فإذا انتهيت إلى الردم و أشرفت على الأبطح (3) فارفع صوتك بالتلبية حتّى تأتي منى» (4).

و عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى ألبّي بالحجّ؟ قال: «إذا خرجت إلى منى» ثمّ قال: «إذا جعلت شعب الدبّ (5) عن يمينك، و العقبة عن (6) يسارك، فلبّ بالحجّ» (7).

أمّا المكّيّ، فذهب مالك إلى أنّه يستحبّ أن يهلّ بالحجّ من المسجد لهلال

____________

(1) الرقطاء: موضع دون الردم و يسمّى مدعا، و مدعى الأقوام مجتمع قبائلهم. مجمع البحرين 4: 249.

(2) الردم: بمكّة، و هو حاجز يمنع السيل عن البيت المحرّم و يعبّر عنه الآن بالمدعى. المصباح المنير: 225، مجمع البحرين 6: 71.

(3) الأبطح: مسيل وادي مكّة و هو مسيل واسع فيه دقاق الحصى أوّله عند منقطع الشعب بين وادي منى و آخره متّصل بالمقبرة التي تسمّى بالمعلى عند أهل مكّة. النهاية لابن الأثير 1: 134، مجمع البحرين 2:

343.

(4) التهذيب 5: 167 الحديث 557، الاستبصار 2: 251 الحديث 883، الوسائل 9: 71 الباب 52 من أبواب الإحرام الحديث 1 و ج 10: 2 الباب 1 من أبواب إحرام الحجّ الحديث 1.

(5) شعب الدبّ: في طريق الخارج إلى منى و لعلّه عين شعب أبي دبّ الذي يقال: إنّ به قبر آمنة بنت وهب أمّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

معجم البلدان 3: 347، مراصد الاطّلاع 2: 800.

(6) في التهذيب و الوسائل: على.

(7) التهذيب 5: 167 الحديث 558، الاستبصار 2: 252 الحديث 884 و فيه: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، الوسائل 9: 63 الباب 46 من أبواب الإحرام الحديث 5.

17

ذي الحجّة (1).

و روي عن ابن عمر، و ابن عبّاس، و طاوس، و سعيد بن جبير استحباب إحرامه يوم التروية أيضا (2). و هو قول أحمد (3)؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بالإهلال يوم التروية (4).

و لأنّه ميقات للإحرام، فاستوى فيه أهل مكّة و غيرهم، كميقات المكان.

و لا خلاف أنّه لو أحرم المتمتّع بحجّة (5) أو المكّيّ قبل ذلك في أيّام الحجّ، فإنّه يجزئه.

مسألة: و يحرم من مكّة، و الأفضل أن يكون من تحت الميزاب

، و يجوز أن يحرم من أيّ موضع شاء من مكّة، و لا نعلم فيه خلافا.

روى الجمهور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «حتّى أهل مكّة يهلّون منها» (6)

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن صفوان، عن أبي أحمد عمرو بن حريث الصيرفيّ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): من أين أهلّ بالحجّ؟ فقال:

«إن شئت من رحلك، و إن شئت من الكعبة، و إن شئت من الطريق» (7).

____________

(1) الموطّأ 1: 339- 340، المدوّنة الكبرى 1: 369، بداية المجتهد 1: 325، شرح الزرقانيّ على موطّأ مالك 2: 258.

(2) المغني و الشرح الكبير 3: 430، المجموع 7: 181.

(3) المغني و الشرح الكبير 3: 430، الكافي لابن قدامة 1: 595، الإنصاف 4: 25، زاد المستقنع: 33.

(4) صحيح مسلم 2: 889 الحديث 1218، سنن أبي داود 2: 184 الحديث 1905، سنن ابن ماجة 2:

1024 الحديث 3074.

(5) ع: بالحجّ.

(6) صحيح البخاريّ 2: 165، صحيح مسلم 2: 838 الحديث 1181، سنن أبي داود 2: 143 الحديث 1738، سنن النسائيّ 5: 125- 126، سنن الدارميّ 2: 30، سنن الدار قطنيّ 2: 237- 238 الحديث 8، سنن البيهقيّ 5: 29.

(7) التهذيب 5: 166 الحديث 555، الوسائل 8: 246 الباب 21 من أبواب المواقيت الحديث 2.

18

و عن يونس بن يعقوب، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، من أيّ المسجد أحرم يوم التروية؟ فقال: «من أيّ المسجد شئت» (1).

و دلّ على استحباب ما قلناه قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ثمّ صلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثمّ اقعد حتّى تزول الشمس فصلّ المكتوبة، ثمّ قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة فأحرم بالحجّ» (2) الحديث.

مسألة: و يستحبّ له أن يفعل هنا كما فعل في إحرام العمرة من الطلي و الاغتسال و التنظيف

بإزالة الشعر و الدعاء و الاشتراط؛ لما تقدّم من الأحاديث (3).

و أمّا رواية أيّوب بن الحرّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّا قد أطلينا و نتفنا و قلّمنا أظفارنا بالمدينة فما نصنع عند الحجّ؟ فقال: «لا تطل و لا تنتف و لا تحرّك شيئا» (4). فإنّها محمولة على من كانت حجّته مفردة دون المتمتّع؛ لأنّ المفرد لا يجوز له شيء من ذلك حتّى يفرغ من مناسكه يوم النحر، و ليس في الخبر: إنّا قد فعلنا ذلك و نحن متمتّعون غير مفردين، قاله الشيخ (رحمه اللّه) (5).

مسألة: و يستحبّ أن يكون إحرامه عند الزوال يوم التروية

بعد أن يصلّي الفرضين (6)؛ لما تقدّم في حديث معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (7).

و يجوز أن يحرم بقيّة نهاره أو أيّ وقت شاء بعد أن يعلم أنّه يلحق عرفات، ثمّ

____________

(1) التهذيب 5: 166 الحديث 556، الوسائل 8: 246 الباب 21 من أبواب المواقيت الحديث 3.

(2) التهذيب 5: 167 الحديث 557، الوسائل 9: 71 الباب 52 من أبواب الإحرام الحديث 1.

(3) يراجع: الجزء العاشر ص 198.

(4) التهذيب 5: 168 الحديث 560، الاستبصار 2: 251 الحديث 882، الوسائل 9: 10 الباب 7 من أبواب الإحرام الحديث 2.

(5) التهذيب 5: 168.

(6) ع: الفريضتين.

(7) يراجع: ص 15.

19

يفعل ما فعل عند الإحرام الأوّل من الغسل و التنظيف و أخذ الشارب و قلم الأظفار و غير ذلك، ثمّ يلبس ثوبي إحرامه و يدخل المسجد حافيا عليه (1) السكينة و الوقار، و يصلّي ركعتين عند المقام أو في الحجر، و إن صلّى ستّ ركعات، كان أفضل.

و إن صلّى فريضة الظهر و أحرم عقيبها، كان أفضل، فإذا صلّى ركعتي الإحرام، أحرم بالحجّ مفردا، و يدعو بما دعا به عند الإحرام الأوّل، غير أنّه يذكر الحجّ مفردا؛ لأنّ عمرته قد مضت.

و يلبّي إن كان ماشيا من موضعه الذي صلّى فيه، و إن كان راكبا، فإذا نهض به بعيره، فإذا انتهى إلى الرّدم و أشرف على الأبطح، رفع صوته بالتلبية؛ لقول الصادق (عليه السلام) في حديث معاوية بن عمّار الصحيح: «فإذا انتهيت إلى الرقطاء دون الرّدم فلبّ، فإذا انتهيت إلى الرّدم و أشرفت على الأبطح، فارفع صوتك بالتلبية حتّى تأتي منى» (2).

و في حديث أبي بصير: «ثمّ تلبّي من المسجد الحرام» (3).

و في رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام): «إذا جعلت شعب الدبّ عن يمينك و العقبة عن يسارك فلبّ بالحجّ» (4).

قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: و هذه الروايات غير متنافية؛ لأنّ رواية أبي بصير

____________

(1) ع و ح: على.

(2) التهذيب 5: 167 الحديث 557، الاستبصار 2: 251 الحديث 883، الوسائل 9: 71 الباب 52 من أبواب الإحرام الحديث 1.

(3) التهذيب 5: 168 الحديث 559، الاستبصار 2: 252 الحديث 885، الوسائل 9: 71 الباب 52 من أبواب الإحرام الحديث 2.

(4) الكافي 4: 455 الحديث 6، التهذيب 5: 167 الحديث 558، الاستبصار 2: 252 الحديث 884 و فيه:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، الوسائل 9: 63 الباب 46 من أبواب الإحرام الحديث 5.

20

للماشي و الأخرى (1) للراكب (2)؛ لما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة، ثمّ صلّ ركعتين خلف المقام، ثمّ أهلّ بالحجّ، فإن كنت ماشيا فلبّ عند المقام، و إن كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك، و صلّ الظهر إن قدرت بمنى، و اعلم أنّه واسع لك أن تحرم في دبر فريضة أو دبر نافلة أو ليل أو نهار» (3).

مسألة: و لا يسنّ له الطواف بعد إحرامه

. و به قال ابن عبّاس، و هو مذهب عطاء، و مالك، و إسحاق، و أحمد (4).

و لو فعل ذلك لغير عذر، لم يجزئه عن طواف الحجّ، و كذا السعي. أمّا لو حصل عذر، مثل مرض أو خوف حيض، فإنّه يجوز الطواف قبل المضيّ إلى عرفات.

و قال الشافعيّ: يجوز مطلقا (5).

لنا: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر أصحابه أن يهلّوا بالحجّ إذا خرجوا إلى منى (6).

و قالت عائشة: خرجنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فطاف الذين أهلّوا بالعمرة (7) بالبيت، و بين الصفا و المروة، ثمّ حلّوا ثمّ طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا

____________

(1) أكثر النسخ: و الأخير.

(2) التهذيب 5: 168، الاستبصار 2: 252.

(3) التهذيب 5: 169 الحديث 561، الاستبصار 2: 252 الحديث 886، الوسائل 9: 63 الباب 46 من أبواب الإحرام الحديث 2.

(4) المغني و الشرح الكبير 3: 431.

(5) الأمّ 2: 170، المجموع 8: 61 و 84.

(6) صحيح مسلم 2: 882 الحديث 1214 و ص 889 الحديث 1218، سنن أبي داود 2: 184 الحديث 1905، سنن ابن ماجة 2: 1024 الحديث 3074، سنن البيهقيّ 4: 356.

(7) كثير من النسخ: بعمرة.

21

من منى لحجّهم (1). و لو شرع لهم الطواف قبل الخروج، لم يتّفقوا على تركه.

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الحسن- عن الحلبيّ، قال: سألته عن الرجل يأتي المسجد [الحرام و قد أزمع بالحجّ] (2) يطوف بالبيت؟ قال: «نعم، ما لم يحرم» (3).

و عن عبد الحميد بن سعيد (4)، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحجّ، ثمّ طاف بالبيت بعد إحرامه [و هو لا يرى أنّ ذلك لا ينبغي، أ ينقض طوافه بالبيت إحرامه؟] (5) فقال: «لا، و لكن يمضي على إحرامه» (6). و قد تقدّم البحث في ذلك.

مسألة: قد بيّنّا أنّه يجب أن يحرم بالحجّ (7)؛ لأنّ ذمّته قد برئت من العمرة و بقيت مشغولة بالحجّ، فيحرم به

. و لو سها فأحرم بالعمرة و هو يريد الحجّ، لم يكن عليه شيء، رواه الشيخ- في

____________

(1) صحيح البخاريّ 2: 172، صحيح مسلم 2: 870 الحديث 1211، سنن أبي داود 2: 153 الحديث 1781، سنن النسائيّ 5: 165، سنن البيهقيّ 5: 105.

(2) أثبتناها من المصدر.

(3) التهذيب 5: 169 الحديث 563، الوسائل 9: 496 الباب 83 من أبواب الطواف الحديث 4.

(4) عبد الحميد بن سعيد، عدّه الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الكاظم (عليه السلام) بقوله: عبد الحميد بن سعيد روى عنه صفوان بن يحيى، و أخرى من أصحاب الرضا (عليه السلام) في موضعين، قال الأردبيليّ:

و الظاهر اتّحاده مع عبد الحميد بن سعد بقرينة الراوي و المرويّ عنه، و قال المامقانيّ: إنّ ظاهر الشيخ التعدّد ... إلى أن قال: و ظاهر كلام الشيخ كونه إماميّا و رواية صفوان عنه تكشف عن وثاقته. و قال السيّد الخوئيّ: فإن كان رواية صفوان عن شخص دليلا على وثاقته فكلاهما ثقة و إلّا- كما هو الصحيح- لم يعمل معهما معاملة الثقة اتّحد أم تعدّدا. رجال الطوسيّ: 355، 379، 383، جامع الرواة 1: 440، تنقيح المقال 2: 136، معجم رجال الحديث 9: 287.

(5) أثبتناها من المصدر.

(6) التهذيب 5: 169 الحديث 564، الوسائل 9: 497 الباب 83 من أبواب الطواف الحديث 6.

(7) يراجع: ص 14.

22

الصحيح- عن عليّ بن جعفر، قال: سألت أخي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن رجل دخل قبل التروية بيوم، فأراد الإحرام بالحجّ، فأخطأ، فقال: العمرة، قال:

«ليس عليه شيء، فليعمد (1) الإحرام بالحجّ» (2).

مسألة: و لو نسي الإحرام يوم التروية بالحجّ حتّى حصل بعرفات، فليحرم من هناك

، فإن لم يذكر حتّى يرجع إلى بلده، فقد تمّ حجّه و لا شيء عليه، قاله الشيخ (3)؛ لأنّه ناس فيكون معذورا؛ لقوله (عليه السلام): «رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان» (4).

و يدلّ عليه: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل نسي الإحرام بالحجّ، فذكره و هو بعرفات ما حاله؟ قال: «يقول: اللهمّ على كتابك و سنّة نبيّك فقد تمّ إحرامه، فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحجّ حتّى رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلّها، فقد تمّ حجّه» (5).

____________

(1) خاوق: فليعد، كما في التهذيب و نسخة من الوسائل.

(2) التهذيب 5: 169 الحديث 562، الوسائل 9: 72 الباب 53 من أبواب الإحرام الحديث 1.

(3) النهاية: 248، المبسوط 1: 365.

(4) سنن ابن ماجة 1: 659 الحديث 2045، سنن البيهقيّ 6: 84 و ج 7: 357، كنز العمّال 4: 233 الحديث 10307، مجمع الزوائد 6: 250، الجامع الصغير للسيوطيّ 2: 24، و من طريق الخاصّة، ينظر: عوالي اللآلئ 1: 232 الحديث 131، الوسائل 4: 1284 الباب 37 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 2 و ج 5:

345 الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2.

(5) التهذيب 5: 175 الحديث 586، الوسائل 8: 239 الباب 14 من أبواب المواقيت الحديث 8.

23

الفصل الثاني في الوقوف بعرفات و مباحثه ثلاثة (1)

[البحث] الأوّل يستحبّ لمن أراد الخروج إلى منى أن لا يخرج من مكّة حتّى يصلّي الظهرين يوم التروية بها

، ثمّ يخرج إلى منى، إلّا الإمام خاصّة، فإنّه يستحبّ له أن يصلّي الظهر و العصر بمنى يوم التروية، و يقيم بها إلى طلوع الشمس.

و أطبق الجمهور كافّة على استحباب الخروج للإمام و غيره من مكّة قبل الظهر، و أن يصلّوا بمنى الظهرين يوم التروية.

لنا: أنّه يستحبّ الإحرام عقيب الظهر يوم التروية على ما بيّنّا (2) بمكّة، و لا يتمّ ذلك إلّا باستحباب صلاة الظهرين بمكّة.

و ما رواه الجمهور عن ابن الزبير أنّه صلّى بمكّة.

و عن عائشة أنّها تخلّفت ليلة التروية حتّى ذهب ثلثا الليل (3).

و من طريق الخاصّة: ما تقدّم من حديث معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- الصحيح- أنّه يصلّي الظهر بمكّة (4).

____________

(1) ج: و فيه مباحث.

(2) يراجع: ص 18.

(3) المغني و الشرح الكبير 3: 432، المجموع 8: 92، عمدة القارئ 9: 297.

(4) يراجع: ص 16.

24

و ما رواه- في الصحيح- عن عليّ بن يقطين، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يريد أن يتقدّم فيه الذي ليس له وقت أقلّ (1) منه، قال: «إذا زالت الشمس» و عن الذي يريد أن يتخلّف بمكّة عشيّة التروية إلى أيّة ساعة يسعه أن يتخلّف؟ قال: «ذلك واسع (2) له حتّى يصبح بمنى» (3).

و في حديث رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته هل يخرج النّاس إلى منى غدوة؟ قال: «نعم» (4). و هو محمول عندي على جواز ذلك؛ إذ لا ينافي استحباب التأخير إلى الزوال جواز التقديم (5) غدوة.

أمّا الشيخ- (رحمه اللّه)- فحمله على صاحب الأعذار، فإنّه يجوز له أن يتقدّم الناس (6).

إذا ثبت هذا: فإنّه يستحبّ للإمام أن يتقدّم على هذا الوقت، و أن يصلّي الظهر يوم التروية بمنى؛ لما رواه الشيخ- في الصحيح- عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «لا ينبغي للإمام أن يصلّي الظهر يوم التروية إلّا بمنى و يبيت بها إلى طلوع الشمس» (7).

و في الصحيح عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا ينبغي

____________

(1) في المصادر: أوّل، مكان: أقلّ.

(2) في التهذيب و الوسائل: موسّع، و في الاستبصار: أوسع.

(3) التهذيب 5: 175 الحديث 587، الاستبصار 2: 252 الحديث 887، الوسائل 10: 3 الباب 2 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(4) الكافي 4: 460 الحديث 3، التهذيب 5: 176 الحديث 588، الاستبصار 2: 253 الحديث 888، الوسائل 10: 4 الباب 3 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2.

(5) أكثر النسخ: التقدّم.

(6) التهذيب 5: 176، الاستبصار 2: 253.

(7) التهذيب 5: 176 الحديث 591، الاستبصار 2: 253 الحديث 891، الوسائل 10: 5 الباب 4 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

25

للإمام أن يصلّي الظهر إلّا بمنى يوم التروية، و يبيت بها و يصبح بها حتّى تطلع الشمس و يخرج» (1).

و في الصحيح عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «على الإمام أن يصلّي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف، و يصلّي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام» (2).

و في الصحيح عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الظهر بمنى يوم التروية؟ قال: «نعم، و الغداة بمنى يوم عرفة» (3).

إذا عرفت هذا: فهذا التوظيف للإمام و غيره على سبيل الندب، و قد يأتي في كلام الشيخ- (رحمه اللّه)- أنّه لا يجوز الخروج إلى منى قبل الزوال يوم التروية مع الاختيار، و لأنّ الإمام لا يجوز أن يصلّي الظهر و العصر يوم التروية إلّا بمنى، و مراده شدّة الاستحباب.

مسألة: و يجوز للشيخ الكبير و المريض و المرأة و من يخاف الزحام، المبادرة إلى الخروج قبل الظهر

بيوم أو يومين أو ثلاثة؛ للضرورة.

و يدلّ عليه: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكون شيخا كبيرا أو مريضا يخاف ضغاط الناس و زحامهم، يحرم بالحجّ و يخرج إلى منى قبل يوم التروية؟ قال: «نعم» قلت:

____________

(1) التهذيب 5: 177 الحديث 592، الاستبصار 2: 254 الحديث 892، الوسائل 10: 5 الباب 4 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2.

(2) التهذيب 5: 177 الحديث 593، الاستبصار 2: 254 الحديث 893، الوسائل 10: 5 الباب 4 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 3.

(3) التهذيب 5: 177 الحديث 594، الوسائل 10: 6 الباب 4 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 4.

26

فيخرج الرجل الصحيح يلتمس مكانا أو يتروّح بذلك؟ قال: «لا» قلت: يتعجّل بيوم؟ قال: «نعم»، قلت: يتعجّل بيومين؟ قال: «نعم»، قلت: ثلاثة؟ قال: «نعم»، قلت: أكثر من ذلك؟ قال: «لا» (1).

و عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن بعض أصحابه، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): يتعجّل الرجل قبل التروية بيوم أو يومين من أجل الزحام و ضغاط الناس؟ قال: «لا بأس» (2).

مسألة: و يستحبّ له عند التوجّه إلى منى الدعاء

بما رواه الشيخ- في الحسن- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا توجّهت إلى منى فقل:

اللهمّ إيّاك أرجو و إيّاك أدعو، فبلّغني أملي و أصلح لي عملي» (3).

و يستحبّ له إذا نزل منى أن يدعو بما رواه- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا انتهيت إلى منى فقل: اللهمّ هذه منى، و هي ممّا مننت به علينا من المناسك، فأسألك أن تمنّ عليّ بما مننت به على أنبيائك، فإنّما أنا عبدك و في قبضتك، ثمّ تصلّي بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر، و الإمام يصلّي بها الظهر لا يسعه إلّا ذلك، و موسّع لك (4) أن تصلّي بغيرها إن لم تقدر، ثمّ تدركهم بعرفات» قال: «و حدّ منى من العقبة إلى وادي محسّر» (5).

____________

(1) التهذيب 5: 176 الحديث 589، الاستبصار 2: 253 الحديث 889، الوسائل 10: 4 الباب 3 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(2) التهذيب 5: 176 الحديث 590، الاستبصار 2: 253 الحديث 890، الوسائل 10: 5 الباب 3 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 3.

(3) التهذيب 5: 177 الحديث 595، الوسائل 10: 7 الباب 6 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(4) ج: عليك.

(5) التهذيب 5: 177 الحديث 596، الوسائل 10: 6 الباب 4 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 5 و ص 7 الباب 6 الحديث 2.

27

فروع:

الأوّل: لو صادف يوم التروية يوم جمعة

، فمن أقام بمكّة حتّى تزول الشمس ممّن تجب عليه الجمعة، لم يجز له الخروج حتّى يصلّي الجمعة؛ لأنّها فرض، و الخروج في هذا الوقت ندب، أمّا قبل الزوال فإنّه يجوز له الخروج، و هو أحد قولي الشافعيّ، و في الآخر: لا يجوز (1).

لنا: أنّ الجمعة الآن غير واجبة، و قد مضى البحث في ذلك (2).

الثاني: قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: يستحبّ للإمام أن يخطب أربعة أيّام من ذي الحجّة

: يوم السابع منه، و يوم عرفة، و يوم النحر بمنى، و يوم النفر الأوّل يعلم الناس ما يجب عليهم فعله من مناسكهم (3). روى جابر أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى الظهر بمكّة يوم السابع و خطب (4).

الثالث: الخطبة بعرفة يوم عرفة قبل الأذان

، و به قال الشافعيّ (5).

و قال أبو حنيفة: بعده (6).

لنا: حديث جابر، فإنّه قال: فخطب الناس ثمّ أذّن بلال و أقام (7). و هذا نصّ في الباب.

الرابع: المبيت ليلة عرفة بمنى للاستراحة

، و ليس بنسك و لا يجب بتركه شيء.

____________

(1) المجموع 8: 84، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 353، مغني المحتاج 1: 495- 496.

(2) يراجع: الجزء الخامس ص 458.

(3) المبسوط 1: 365.

(4) روي قريب منه عن ابن عمر، و بمضمونه عن جابر في سنن البيهقيّ 5: 111.

(5) الأمّ 2: 212، حلية العلماء 3: 337، المهذّب للشيرازيّ 1: 225، المجموع 8: 91، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 353- 354، مغني المحتاج 1: 496.

(6) المبسوط للسرخسيّ 4: 53، تحفة الفقهاء 1: 404، بدائع الصنائع 2: 151، الهداية للمرغينانيّ 1:

143، شرح فتح القدير 2: 369- 370، مجمع الأنهر 1: 274، 275، عمدة القارئ 9: 303.

(7) سنن أبي داود 2: 185 الحديث 1905، سنن الدارميّ 2: 48، سنن البيهقيّ 5: 114.

28

مسألة: و يستحبّ المبيت بمنى ليلة عرفة إلى طلوع الفجر من يوم عرفة

، و يكره الخروج قبل الفجر إلّا لضرورة (1)، كالمريض و الخائف؛ لما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله: «ثمّ تصلّي بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر» (2).

إذا عرفت هذا: فالأفضل له أن يصبر حتّى تطلع الشمس، فلو خرج قبل طلوعها بعد طلوع الفجر، جاز ذلك، لكن ينبغي له أن لا يجوز وادي محسّر إلّا بعد طلوع الشمس. رواه الشيخ- في الصحيح- عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا تجوز وادي محسّر حتّى تطلع الشمس» (3).

أمّا الإمام فلا يخرج من منى إلّا بعد طلوع الشمس. رواه الشيخ عن أبي إسحاق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ من السنّة أن لا يخرج الإمام من منى إلى عرفة حتّى تطلع الشمس» (4).

مسألة: و يجوز للمعذور- كالمريض و الخائف من الزحام و الماشي- الخروج قبل أن يطلع الفجر

و يصلّي الفجر في الطريق؛ للضرورة. رواه الشيخ عن عبد الحميد الطائيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّا مشاة فكيف نصنع؟ قال: «أمّا أصحاب الرحال فكانوا يصلّون الغداة بمنى، و أمّا أنتم فامضوا حيث تصلّون في الطريق» (5).

____________

(1) ع: للضرورة.

(2) التهذيب 5: 177 الحديث 596، الوسائل 10: 6 الباب 4 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 5.

(3) التهذيب 5: 178 الحديث 597، الوسائل 10: 8 الباب 7 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 4.

(4) التهذيب 5: 178 الحديث 598، الوسائل 10: 8 الباب 7 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2. و فيه: عن إسحاق بن عمّار.

(5) التهذيب 5: 179 الحديث 599، الوسائل 10: 8 الباب 7 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

29

مسألة: و يستحبّ له أن يدعو عند الخروج إلى عرفات

بما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا غدوت إلى عرفة فقل و أنت متوجّه إليها: اللهمّ إليك صمدت، و إيّاك اعتمدت و وجهك أردت، أسألك أن تبارك لي في رحلي (1)، و أن تقضي لي حاجتي، و أن تجعلني ممّن تباهي به اليوم من هو أفضل منّي، ثمّ تلبّي و أنت غاد إلى عرفات، فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك بنمرة- و هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرفة- فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صلّ الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، فإنّما تعجّل العصر و تجمع بينهما لتفرّغ نفسك للدعاء، فإنّه يوم دعاء و مسألة» قال: «و حدّ عرفة من بطن عرنة و ثويّة و نمرة إلى ذي المجاز، و خلف الجبل موقف» (2).

____________

(1) في المصادر: رحلتي.

(2) التهذيب 5: 179 الحديث 600، الوسائل 10: 9 الباب 8 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1 و الباب 9 الحديث 1 و ص 10 الباب 10 الحديث 1.

30

البحث الثاني في الكيفيّة

مسألة: يستحبّ الاغتسال للوقوف بعرفة

؛ لأنّها عبادة فشرّع لها الاغتسال، كالإحرام.

و يدلّ عليه: ما تقدّم في حديث معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

و كان ابن مسعود يفعله (2).

و رواه الجمهور عن عليّ (عليه السلام) (3)، و به قال الشافعيّ (4)، و إسحاق، و أبو ثور، و أحمد، و ابن المنذر (5)؛ لأنّها مجمع للناس فاستحبّ الاغتسال لها، كالعيد و الجمعة.

مسألة: و يجب فيه النيّة

، خلافا للجمهور.

____________

(1) يراجع: ص 29.

(2) المغني 3: 436، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 435.

(3) المغني 3: 436، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 435.

(4) الأمّ 2: 146، المهذّب للشيرازيّ 1: 225، المجموع 8: 110، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 243، مغني المحتاج 1: 496، المغني 3: 436، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 435.

(5) المغني 3: 436، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 435.

31

لنا: قوله تعالى: وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ (1). و الوقوف عبادة.

و لأنّه عمل، فيفتقر إلى النيّة؛ لقوله (عليه السلام): «الأعمال بالنيّات، و إنّما لكلّ امرئ ما نوى» (2).

«و لا عمل إلّا بنيّة» (3) إلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على وجوب النيّة في العبادات.

و لأنّ الواجب إيقاعها على جهة الطاعة، و هو إنّما يتحقّق بالنيّة. و يجب فيها نيّة الوجوب و التقرّب إلى اللّه تعالى.

مسألة: و يجب الكون بعرفة إلى غروب الشمس من يوم عرفة

، و هو وفاق.

روى الجمهور في حديث جابر أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وقف بعرفة حتّى غابت الشمس (4).

و في حديث عليّ (عليه السلام) و أسامة أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) دفع حين غربت الشمس (5).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن

____________

(1) البيّنة (98): 5.

(2) صحيح البخاريّ 1: 2 و 21، صحيح مسلم 3: 1515 الحديث 1907، سنن أبي داود 2: 262 الحديث 2201، سنن الترمذيّ 4: 179 الحديث 1647، سنن ابن ماجة 2: 1413 الحديث 4227، سنن النسائيّ 1: 58، مسند أحمد 1: 25، سنن الدارقطنيّ 1: 50 الحديث 1، سنن البيهقيّ 7: 341 و ج 4: 112، و من طريق الخاصّة، ينظر: التهذيب 1: 83 الحديث 218 و ج 4: 186 الحديث 519، الوسائل 1: 34 الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 7 و 10 و ج 7: 7 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 12.

(3) الكافي 2: 84 الحديث 1، التهذيب 4: 186 الحديث 520، الوسائل 1: 33 الباب 5 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 1 و ج 7: 7 الباب 2 من أبواب وجوب الصوم الحديث 13.

(4) صحيح مسلم 2: 886- 892 الحديث 1218، سنن أبي داود 2: 182- 186 الحديث 1905، سنن الدارميّ 2: 44- 49.

(5) سنن أبي داود 2: 190 الحديث 1922، سنن الترمذيّ 3: 232 الحديث 885، مسند أحمد 5: 202، كنز العمّال 5: 198 الحديث 12597.

32

أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأفاض بعد غروب الشمس» (1).

و عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): متى تفيض من عرفات؟ فقال: «إذا ذهبت الحمرة من هاهنا» و أشار بيده إلى المشرق و إلى مطلع الشمس (2).

مسألة: و كيف ما حصل بعرفة، أجزأه قائما و جالسا و راكبا و مجتازا

، لكنّ الوقوف قائما أفضل منه راكبا، اختاره الشيخ- (رحمه اللّه)- (3)، و الشافعيّ في أحد القولين، و قال في الآخر: الركوب أفضل (4)، و به قال أحمد (5).

لنا: أنّ القيام أشقّ، فيكون أفضل؛ لقوله (عليه السلام): «أفضل الأعمال أحمزها» (6). و لأنّه أخفّ على الراحلة.

احتجّ الشافعيّ: بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وقف راكبا، و لأنّه أمكن له و أعون على الدعاء (7).

و الجواب: يحتمل أنّه (عليه السلام) فعل ذلك ليبيّن به جواز الوقوف راكبا، فإنّه

____________

(1) التهذيب 5: 186 الحديث 619، الوسائل 10: 29 الباب 22 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(2) التهذيب 5: 186 الحديث 618، الوسائل 10: 29 الباب 22 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2.

(3) المبسوط 1: 367، الخلاف 1: 453 مسألة- 155.

(4) الأمّ 2: 212، حلية العلماء 3: 339، المهذّب للشيرازيّ 1: 226، المجموع 8: 94، 111، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 358، الميزان الكبرى 2: 50، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 159.

(5) المغني و الشرح الكبير 3: 436، الكافي لابن قدامة 1: 597، الإنصاف 4: 28، زاد المستقنع: 33.

(6) المبسوط للسرخسيّ 1: 25، بدائع الصنائع 1: 294، النهاية لابن الأثير 1: 440، مجمع البحرين 4:

16.

(7) المهذّب للشيرازيّ 1: 226، المجموع 8: 94، 111، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 358، الميزان الكبرى 2: 51.

33

(عليه السلام) لو وقف قائما، توهّم الوجوب خصوصا مع أنّهم كانوا إلى أفعاله أطوع من أقواله، و هذا كما يقول: إنّه (عليه السلام) طاف راكبا، و مع ذلك فلا خلاف في أنّ المشي في الطواف أفضل.

مسألة: و لو مرّ بها مجتازا و هو لا يعلم أنّها عرفة، فالوجه أنّه لا يجزئه

. و به قال أبو ثور (1).

و قال الفقهاء الأربعة: إنّه يجزئه (2).

لنا: أنّه لا يكون واقفا إلّا بإرادة و هي غير متحقّقة هنا. و لأنّا شرطنا النيّة و هي متوقّفة على الشعور.

احتجّوا (3): بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «من أدرك صلاتنا هذه- يعني صلاة الصبح يوم النحر- و أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تمّ حجّه و قضى تفثه» (4) و لم يفصّل بين الشاعر و غيره.

و جوابه: كما لا يدلّ على اشتراط الشعور، لا يدلّ على عدمه أيضا، فلا دلالة فيه و لا معارضة؛ لما بيّنّاه من الأدلّة.

و لأنّ قوله: «أتى عرفات» إنّما يتحقّق بالقصد و الإرادة المتوقّفة على العلم.

____________

(1) المغني 3: 444، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 441.

(2) المغني 3: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 441، المهذّب للشيرازيّ 1: 226، المجموع 8:

103، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 361، المبسوط للسرخسيّ 4: 55، تحفة الفقهاء 1: 406، بدائع الصنائع 2: 127، بلغة السالك 1: 277.

(3) المهذّب للشيرازيّ 1: 226، المغني 3: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 441.

(4) سنن أبي داود 2: 196 الحديث 1950، سنن الترمذيّ 3: 238 الحديث 891، سنن ابن ماجة 2: 1004 الحديث 3016، سنن النسائيّ 5: 263- 264، سنن الدارميّ 2: 59، مسند أحمد 4: 15، سنن الدارقطنيّ 2: 239 الحديث 17، سنن البيهقيّ 5: 116، كنز العمّال 5: 64 الحديث 12067، مجمع الزوائد 3:

254.

34

فروع:

الأوّل: لو كان نائما، صحّ وقوفه؛ لسبق النيّة منه

، و عندي فيه إشكال على تقدير استمرار النوم من قبل الدخول إلى بعد الفوات.

أمّا الجمهور فجزموا بالصحّة على هذا التقدير، و اختاره الشيخ على تردّد، قال:

لأنّ الواجب الكون (1).

و منع ابن إدريس ذلك، و قال: إنّه لا يجزئه؛ لعدم النيّة (2). و هو الأقوى عندي.

الثاني: المغمى عليه و المجنون إذا لم يفق حتّى خرج منها، لم يجزئه الوقوف

. و به قال الحسن البصريّ (3)، و الشافعيّ (4)، و أبو ثور، و إسحاق، و ابن المنذر (5).

و قال عطاء في المغمى عليه: يجزئه (6)، و به قال مالك (7)، و أصحاب الرأي (8).

و توقّف أحمد (9).

لنا: أنّه ركن من أركان الحجّ، فلا يصحّ من المغمى عليه، كغيره من الأركان.

احتجّوا: بأنّه لا يعتبر فيه نيّة و لا طهارة، و يصحّ من النائم، فصحّ من المغمى

____________

(1) المبسوط 1: 384.

(2) السرائر: 146.

(3) المغني 3: 444، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 442.

(4) حلية العلماء 3: 338- 339، المهذّب للشيرازيّ 1: 226، المجموع 8: 104 و 118، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 362، مغني المحتاج 1: 498، السراج الوهّاج: 162، المغني 3: 444، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 442.

(5) المغني 3: 444، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 442، المجموع 8: 118.

(6) المغني 3: 444، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 442.

(7) المدوّنة الكبرى 1: 413، بلغة السالك 1: 277، المغني 3: 444، المجموع 8: 118، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 442.

(8) المبسوط للسرخسيّ 4: 56، تحفة الفقهاء 1: 406، بدائع الصنائع 2: 127، الهداية للمرغينانيّ 1:

151، شرح فتح القدير 2: 401 و 402، مجمع الأنهر 1: 284، المغني 3: 444.

(9) المغني 3: 444، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 442، الكافي لابن قدامة 1: 598، الإنصاف 4: 29.

35

عليه، كالمبيت بمزدلفة (1).

و الجواب: المنع من عدم اعتبار النيّة، و قد بيّنّا وجوب اعتبارها فيما سلف (2).

و أمّا الطهارة، فينتقض اعتبارها بالسعي، و أمّا النائم فيمنع صحّة وقوفه، و قد بيّنّا ذلك فيما تقدّم (3).

و لو سلّمنا صحّة وقوفه على ما اختاره الشيخ- (رحمه اللّه)- إلّا أنّ الفرق بينه و بين المغمى عليه و المجنون ظاهر؛ إذ النائم بحكم المستيقظ، و لهذا صحّ صومه و إن استوعب النوم النهار، بخلاف الإغماء، فافترقا.

الثالث: السكران لا يصحّ وقوفه إن زال عقله

؛ لأنّه زائل العقل بغير نوم، فأشبه المجنون و المغمى عليه، و لو لم يزل عقله صحّ وقوفه. و كذا البحث في كلّ من غلب على عقله بمرض أو غيره.

الرابع: لا يشترط فيه الطهارة و لا الستر و لا استقبال القبلة

، و لا نعلم فيه خلافا بين العلماء؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاجّ غير الطواف بالبيت» (4) و كانت حائضا.

نعم، تستحبّ الطهارة بلا خلاف.

و قد روى الشيخ- في الصحيح- عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يقف بعرفات على غير وضوء؟

____________

(1) المغني 3: 444، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 442، بدائع الصنائع 2: 127، مجمع الأنهر 1: 284.

(2) يراجع: ص 30.

(3) يراجع: ص 34.

(4) صحيح البخاريّ 2: 195، صحيح مسلم 2: 873 الحديث 1211، سنن أبي داود 2: 153 الحديث 1782، سنن ابن ماجة 2: 988 الحديث 2963، الموطّأ 1: 411 الحديث 224، سنن الدارميّ 2: 44، مسند أحمد 6: 273، سنن البيهقيّ 5: 95. في بعض المصادر بتفاوت.

36

فقال: «لا يصلح إلّا و هو على وضوء» (1).

و هو يدلّ على الاستحباب لا الوجوب؛ لما رواه معاوية بن عمّار- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا بأس أن يقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلّا الطواف؛ فإنّ فيه صلاة، و الوضوء أفضل» (2).

مسألة: و يستحبّ أن يضرب خباءه بنمرة، و هي بطن عرنة

- بفتح النون و الراء، و كسر الميم في نمرة، و ضمّ العين، و فتح الراء و النون في عرنة- لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ضرب له قبّة من شعر بنمرة.

و قد روى الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فاضرب خباءك بنمرة و هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرفة» (3).

مسألة: و يستحبّ للإمام أن يخطب بعرفة قبل الأذان

على ما تقدّم (4)، فإذا أذّن المؤذّن و أقام، صلّى بالناس الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين جمع بينهما على هذه الصفة على ما بيّنّاه في كتاب الصلاة (5).

و باستحباب الأذان في الأولى قال الشافعيّ (6)، و أبو ثور (7)، و أصحاب

____________

(1) التهذيب 5: 479 الحديث 1700، الوسائل 10: 28 الباب 20 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(2) التهذيب 5: 154 الحديث 509، الاستبصار 2: 241 الحديث 841، الوسائل 1: 262 الباب 5 من أبواب الوضوء الحديث 1.

(3) التهذيب 5: 179 الحديث 600، الوسائل 10: 9 الباب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(4) يراجع: ص 27.

(5) يراجع: الجزء الرابع ص 419.

(6) الأمّ 2: 212، حلية العلماء 3: 337، المهذّب للشيرازيّ 1: 225، المجموع 8: 92، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 354، مغني المحتاج 1: 496، السراج الوهّاج: 162.

(7) المغني و الشرح الكبير 3: 433، المجموع 8: 92، بداية المجتهد 1: 347.

37

الرأي (1)، و مالك (2)، و أحمد في إحدى الروايتين. و في الأخرى: خيّر بين الأذان لها و عدمه (3).

لنا: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خطب إلى أن أذّن المؤذّن، فنزل و صلّى بالناس في حديث جابر (4).

و لأنّها جماعة فاستحبّ فيها الأذان، أمّا الأذان للعصر فغير مستحبّ هنا.

و قال مالك: هو مستحبّ (5).

لنا: أنّه يستحبّ الجمع و المبادرة إلى الدعاء.

و ما رواه الجمهور في حديث جابر: ثمّ أذّن بلال، ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثمّ أقام فصلّى العصر (6).

و عن ابن عمر أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بعرفة بأذان واحد و إقامتين (7)، و هو نصّ في الباب.

و يؤيّده: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صلّ الظهر و العصر بأذان

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 4: 14- 15، تحفة الفقهاء 1: 404، بدائع الصنائع 2: 152، الهداية للمرغينانيّ 1:

143، شرح فتح القدير 2: 370، مجمع الأنهر 1: 275.

(2) المدوّنة الكبرى 1: 411 و 412، بداية المجتهد 1: 347، بلغة السالك 1: 278.

(3) المغني و الشرح الكبير 3: 433، الكافي لابن قدامة 1: 129، الإنصاف 1: 422.

(4) صحيح مسلم 2: 890 الحديث 1218، سنن أبي داود 2: 185 الحديث 1905، سنن ابن ماجة 2:

1025 الحديث 3074، سنن الدارميّ 2: 48، سنن البيهقيّ 5: 114.

(5) المدوّنة الكبرى 1: 412، بداية المجتهد 1: 347، بلغة السالك 1: 278.

(6) صحيح مسلم 2: 890 الحديث 1218، سنن أبي داود 2: 185 الحديث 1905، سنن ابن ماجة 2:

1025 الحديث 3074، سنن الدارميّ 2: 48، سنن البيهقيّ 5: 114.

(7) حديث ابن عمر أورده ابن قدامة بلفظ: جمع بين المغرب و العشاء بجمع كلّ واحدة منهما بإقامة. و أبي داود بلفظ: جمع بين المغرب و العشاء بالمزدلفة جميعا. راجع: المغني 1: 465، سنن أبي داود 2: 191 الحديث 1926.

38

واحد و إقامتين، و إنّما تعجّل العصر و تجمع بينهما لتفرّغ نفسك للدعاء، فإنّه يوم دعاء و مسألة» (1).

و عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و صلّ الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين» (2).

احتجّ مالك: بالقياس على سائر الصلوات (3).

و الجواب: الفرق بمعارضته فضيلة الدعاء هنا.

فروع:

الأوّل: إذا صلّى مع الإمام، جمع معه، كما يجمع الإمام إجماعا

. أمّا المنفرد، فإنّه ينبغي له أن يجمع أيضا بين الصلاتين. ذهب إليه علماؤنا، و به قال الشافعيّ (4)، و عطاء (5)، و مالك (6)، و أحمد (7)، و إسحاق، و أبو ثور (8)،

____________

(1) التهذيب 5: 179 الحديث 600، الوسائل 10: 9 الباب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(2) التهذيب 5: 182 الحديث 610، الوسائل 10: 10 الباب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 4.

(3) المدوّنة الكبرى 1: 412، بداية المجتهد 1: 347.

(4) حلية العلماء 3: 337، المهذّب للشيرازيّ 1: 226، المجموع 8: 92، فتح العزيز بهامش المجموع 7:

360، مغني المحتاج 1: 496، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 159.

(5) المغني 3: 433، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 434- 435.

(6) المدوّنة الكبرى 1: 173، إرشاد السالك: 57، بداية المجتهد 1: 347، مقدّمات ابن رشد 1: 137، بلغة السالك 1: 278.

(7) المغني 3: 433، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 434، الكافي لابن قدامة 1: 596، الإنصاف 4: 28، زاد المستقنع: 33.

(8) المغني 3: 433.

39

و أبو يوسف، و محمّد (1).

و قال النخعيّ، و الثوريّ (2)، و أبو حنيفة: لا يجوز له أن يجمع إلّا مع الإمام (3).

لنا: ما رواه الجمهور عن ابن عمر أنّه كان إذا فاته الجمع بين الظهر و العصر مع الإمام بعرفة، جمع بينهما منفردا (4).

و من طريق الخاصّة: قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و صلّ الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين» (5).

و هو كما يتناول المنفرد، يتناول المأموم، فلا أولويّة خصوصا مع تعليله (عليه السلام) بأنّ المراد بالجمع التفريغ للدعاء، و هو عامّ في الجميع.

و لأنّا بيّنّا في كتاب الصلاة جواز الجمع مطلقا للمنفرد و المأموم، حضرا و سفرا (6).

احتجّ أبو حنيفة: بأنّ لكلّ صلاة وقتا محدودا، و إنّما ترك ذلك في الجمع مع الإمام، فإذا لم يكن الإمام، رجعنا إلى الأصل (7).

و الجواب عن الأوّل: أنّ الوقت مشترك على ما بيّنّاه (8). سلّمنا، لكنّ العلّة

____________

(1) المبسوط للسرخسيّ 4: 15، بدائع الصنائع 2: 153، الهداية للمرغينانيّ 1: 144، شرح فتح القدير 2:

371، مجمع الأنهر 1: 276، عمدة القارئ 9: 304.

(2) المغني 3: 433، عمدة القارئ 9: 304.

(3) المبسوط للسرخسيّ 4: 14- 15، تحفة الفقهاء 1: 404، بدائع الصنائع 2: 152، الهداية للمرغينانيّ 1:

143، شرح فتح القدير 2: 371، مجمع الأنهر 1: 276، عمدة القارئ 9: 304.

(4) صحيح البخاريّ 2: 199، سنن البيهقيّ 5: 114، مصنّف ابن أبي شيبة 4: 346.

(5) التهذيب 5: 179 الحديث 600 و ص 182 الحديث 610، الوسائل 10: 9 الباب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1 و ص 10 الحديث 4.

(6) يراجع: الجزء السادس ص 397- 404.

(7) بدائع الصنائع 2: 152، شرح فتح القدير 2: 371.

(8) يراجع: الجزء الرابع ص 54، 70 و 78.

40

المفروضة مع الإمام ثابتة في المنفرد و متساوية في الحكم، على أنّ قوله: إنّما جاز الجمع في الجماعة، باطل؛ لأنّه مسلّم أنّ الإمام يجمع و إن كان منفردا.

الثاني: يجوز الجمع لكلّ من بعرفة من مكّيّ و غيره

، و قد أجمع كلّ من يحفظ عنه العلم على أنّ الإمام يجمع بين الظهر و العصر بعرفة، و كذلك من صلّى مع الإمام.

و قال أحمد: لا يجوز الجمع إلّا لمن بينه و بين وطنه ستّة عشر فرسخا؛ إلحاقا له بالقصر.

و هو باطل؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جمع، فجمع معه من حضر من المكّيّين و غيرهم، و لم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال لهم (1): «أتمّوا فإنّا سفر» (2) و لو حرم الجمع لبيّنه لهم؛ لأنّه (عليه السلام) لا يقرّ أحدا على الخطأ، و كان عثمان يتمّ الصلاة؛ لأنّه اتّخذ أهلا و جمع بين الصلاتين تماما.

و جمع عمر بن عبد العزيز و هو والي مكّة بين الصلاتين. و كان ابن الزبير بمكّة مقيما و جمع بين الصلاتين.

و لم يبلغنا عن أحد من القدماء إنكار الجمع بعرفة للمقيم و المسافر و بالمزدلفة أيضا، بل اتّفق عليه كلّ من لا يرى الجمع أيضا (3).

الثالث: إذا كان الإمام مقيما، أتمّ، و قصّر من خلفه من المسافرين، و أتمّ المقيمون

. ذهب إليه علماؤنا أجمع.

____________

(1) لا توجد كلمة: «لهم» في كثير من النسخ.

(2) سنن البيهقيّ 3: 135- 136.

(3) المغني و الشرح الكبير 3: 434- 435.

41

و قال الشافعيّ: يتمّ المسافرون أيضا (1).

لنا: أنّ القصر عزيمة، فلا يجوز لهم خلافه. و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«يا أهل مكّة لا تقصّروا في أقلّ من أربعة برد» (2). رواه الجمهور، و التخصيص يدلّ على القصر في حقّ غيرهم.

الرابع: لو كان الإمام مسافرا قصّر، و قصّر من خلفه من المسافرين، و أتمّ المقيمون خلفه

. ذهب إليه علماؤنا أجمع.

و كذا أهل مكّة يتمّون؛ لنقصان المسافة عن ما يجب فيه القصر. و به قال عطاء، و مجاهد، و الزهريّ، و الثوريّ (3)، و الشافعيّ (4)، و أحمد (5)، و أصحاب الرأي (6)، و ابن المنذر (7).

و قال مالك (8)، و الأوزاعيّ: لهم القصر (9).

____________

(1) المهذّب للشيرازيّ 1: 103، المجموع 4: 356، فتح العزيز بهامش المجموع 4: 461 و ج 7: 354- 355، مغني المحتاج 1: 269 و 496، السراج الوهّاج: 81، الميزان الكبرى 1: 181، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 1: 74.

(2) سنن الدارقطنيّ 1: 387 الحديث 1، سنن البيهقيّ 3: 137، المعجم الكبير للطبرانيّ 11: 79 الحديث 11162، مجمع الزوائد 2: 157، عمدة القارئ 7: 119.

(3) المغني و الشرح الكبير 3: 435، عمدة القارئ 7: 119.

(4) الأمّ 1: 181، المجموع 8: 91، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 354، 355، مغني المحتاج 1: 496، السراج الوهّاج: 162.

(5) المغني و الشرح الكبير 3: 435، الكافي لابن قدامة 1: 261، الإنصاف 2: 320.

(6) المبسوط للسرخسيّ 1: 243، تحفة الفقهاء 1: 405، بدائع الصنائع 1: 101، الهداية للمرغينانيّ 1:

81، شرح فتح القدير 2: 13- 14، مجمع الأنهر 1: 163، عمدة القارئ 7: 119.

(7) المغني و الشرح الكبير 3: 435.

(8) الموطّأ 1: 148، سنن الترمذيّ 3: 229، بداية المجتهد 1: 347- 348، بلغة السالك 1: 278، المجموع 8: 91، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 354- 355، المغني و الشرح الكبير 3: 435، عمدة القارئ 7: 118.

(9) المغني و الشرح الكبير 3: 435، سنن الترمذيّ 3: 229، عمدة القارئ 7: 118.

42

لنا: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نهى أهل مكّة عن القصر (1). و لأنّهم في غير سفر بعيد، فلم يجز لهم القصر، كغير عرفة و مزدلفة.

احتجّوا: بأنّ لهم الجمع، فكان لهم القصر، كغيرهم (2).

و الجواب: الفرق، و هو السفر في حقّ الغير ثابت، دونهم.

الخامس: يستحبّ تعجيل الصلاة حين تزول الشمس، و أن يقصّر الخطبة

، ثمّ يروح إلى الموقف؛ لأنّ تطويل ذلك يمنع من الرواح إلى الموقف في أوّل وقته، و السنّة؛ التعجيل.

روى ابن عمر قال: غدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من منى حين صلّى الصبح صبيحة يوم عرفة حتّى أتى عرفة فنزل بنمرة حتّى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مهجّرا، فجمع بين الظهر و العصر، ثمّ خطب الناس، ثمّ راح فوقف على الموقف من عرفة (3). و لا خلاف في هذا بين علماء الإسلام.

مسألة: فإذا فرغ من الصلاتين، جاء إلى الموقف فوقف

، و يستحبّ له الاغتسال للموقف على ما قلناه (4). و رواه الشيخ- في الحسن- عن الحلبيّ، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الغسل يوم عرفة إذا زالت الشمس، و يجمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين» (5).

و يقطع التلبية عند زوال الشمس من يوم عرفة؛ لما تقدّم.

____________

(1) سنن الدارقطنيّ 1: 387 الحديث 1، سنن البيهقيّ 3: 137، المعجم الكبير للطبرانيّ 11: 79 الحديث 11162، مجمع الزوائد 2: 157، عمدة القارئ 7: 119.

(2) المغني و الشرح الكبير 3: 435.

(3) سنن أبي داود 2: 188 الحديث 1913، المغني و الشرح الكبير 3: 434.

(4) يراجع: ص 30.

(5) التهذيب 5: 181 الحديث 607، الوسائل 10: 10 الباب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2.

43

و رواه الشيخ- في الصحيح- عن عبد اللّه بن سنان (1)، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن تلبية المتمتّع متى يقطعها؟ قال: «إذا رأيت بيوت مكّة، و تقطع تلبية الحجّ عند زوال الشمس يوم عرفة» (2).

و يقطع تلبية العمرة المبتولة حين تقع أخفاف الإبل في الحرم.

و عن ابن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية و اغتسل و عليك بالتكبير و التحميد و التهليل و التمجيد و التسبيح و الثناء على اللّه، و صلّ الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين» (3). و قد بيّنّا ذلك فيما تقدّم (4).

مسألة: فإذا جاء إلى الموقف بسكينة و وقار حمد اللّه و أثنى عليه و كبّر اللّه

و هلّله و دعا و اجتهد، فإنّه يوم شريف معظّم كثير البركة، يستجاب فيه الدعاء خصوصا في المشاعر العظام التي أمر الشارع بالدعاء و الابتهال إلى اللّه تعالى فيها.

روى الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «و إنّما تعجّل الصلاة و تجمع بينهما لتفرّغ نفسك للدعاء، فإنّه يوم دعاء و مسألة، ثمّ تأتي الموقف و عليك السكينة و الوقار، فاحمد اللّه و هلّله و مجّده و أثن عليه و كبّره مائة مرّة، و احمد اللّه مائة مرّة، و سبّحه مائة مرّة، و اقرأ قل هو اللّه أحد مائة مرّة، و تخيّر لنفسك من الدعاء ما أحببت، و اجتهد، فإنّه يوم دعاء (5)، و تعوّذ

____________

(1) في التهذيب: عبد اللّه بن مسكان.

(2) التهذيب 5: 182 الحديث 609، الوسائل 9: 58 الباب 43 من أبواب الإحرام الحديث 6.

(3) التهذيب 5: 182 الحديث 610، الوسائل 10: 10 الباب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 4.

(4) يراجع: الجزء العاشر ص 238.

(5) في المصادر بزيادة: و مسألة.

44

باللّه من الشيطان (1) فإنّ الشيطان لن يذهلك في موطن قطّ أحبّ إليه من أن يذهلك في ذلك الموطن، و إيّاك أن تشتغل بالنظر إلى الناس، و أقبل قبل نفسك، و ليكن فيما تقول: اللّهمّ ربّ المشاعر كلّها فكّ رقبتي من النار، و أوسع عليّ من رزقك الحلال، و ادرأ عنّي شرّ فسقة الجنّ و الإنس، و تقول: اللهمّ لا تمكر بي و لا تخدعني و لا تستدرجني، و تقول: اللهمّ إنّي أسألك بحولك وجودك و كرمك و منّك و فضلك يا أسمع السامعين، و يا أبصر الناظرين، و يا أسرع الحاسبين، و يا أرحم الراحمين أن تصلّي على محمّد و آل محمّد، و أن تفعل بي كذا و كذا، و ليكن فيما تقول و أنت رافع رأسك إلى السماء: اللهمّ حاجتي إليك التي إن أعطيتنيها لم يضرّني ما منعتني، و إن (2) منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار، و ليكن فيما تقول: اللهمّ إنّي عبدك و ملك يدك، ناصيتي بيدك، و أجلي بعلمك، أسألك أن توفّقني لما يرضيك عنّي، و أن تسلّم منّي مناسكي التي أريتها خليلك إبراهيم (عليه السلام) (3)، و دللت عليها نبيّك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) (4)، و ليكن فيما تقول:

اللهمّ اجعلني ممّن رضيت عنه (5)، و أطلت عمره، و أحييته بعد الموت حياة طيّبة، و يستحبّ أن تطلب عشيّة عرفة بالعتق و الصدقة» (6).

و عن عبد اللّه بن سنان، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام): ألا أعلّمك دعاء يوم عرفة

____________

(1) في التهذيب بزيادة: الرجيم.

(2) في المصادر: و التي إن.

(3) ج: (صلوات اللّه عليه)، كما في التهذيب، و في بعض النسخ: صلواتك عليه.

(4) كثير من النسخ: صلواتك عليه، مكان: (صلّى اللّه عليه و آله).

(5) في المصادر: عمله.

(6) التهذيب 5: 182 الحديث 611، الوسائل 10: 15 الباب 14 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

45

و هو دعاء من كان قبلي من الأنبياء (عليهم السلام)، قال: تقول: لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي و يميت و هو حيّ لا يموت، بيده الخير و هو على كلّ شيء قدير، اللهمّ لك الحمد كالذي تقول، و خير ممّا نقول (1)، و فوق ما يقول القائلون، اللهمّ لك صلاتي و نسكي و محياي و مماتي، و لك براءتي، و بك حولي، و منك قوّتي، اللهمّ إنّي أعوذ بك من الفقر، و من وساوس الصدور، و من سيّئات (2) الأمر، و من عذاب القبر، اللهمّ إنّي أسألك خير الرياح، و أعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرياح، و أسألك خير الليل و خير النهار، اللهمّ اجعل [في قلبي نورا] (3) و في سمعي و بصري نورا، و لحمي و دمي و عظامي و عروقي و مقعدي و مقامي و مدخلي و مخرجي نورا، و أعظم لي نورا يا ربّ يوم ألقاك إنّك على كلّ شيء قدير» (4).

مسألة: و يستحبّ له أن يكثر من الدعاء لإخوانه المؤمنين

، و يؤثرهم على نفسه، روى الشيخ- (رحمه اللّه)- عن إبراهيم بن هاشم، قال: رأيت عبد اللّه بن جندب بالموقف فلم أر موقفا كان أحسن من موقفه، ما زال مادّا يديه إلى السماء و دموعه تسيل على خدّيه حتّى تبلغ الأرض، فلمّا صرف الناس قلت: يا أبا محمّد ما رأيت موقفا قطّ أحسن من موقفك، قال: و اللّه ما دعوت فيه إلّا لإخواني، و ذلك أنّ أبا الحسن موسى (عليه السلام) أخبرني: أنّه «من دعا لأخيه بظهر الغيب، نودي من العرش: و لك مائة ألف ضعف مثله» فكرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة

____________

(1) في التهذيب: «و خيرا ممّا نقول».

(2) في التهذيب و الوسائل: «شتات» مكان: «سيّئات».

(3) في النسخ: «اللهمّ اجعل لي نورا» و ما أثبتناه من المصدر.

(4) التهذيب 5: 183 الحديث 612، الوسائل 10: 16 الباب 14 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2 و ص 17 الحديث 3.

46

لواحد (1) لا أدري يستجاب أم لا (2).

و عن ابن أبي عمير، قال: كان عيسى بن أعين (3) إذا حجّ فصار إلى الموقف، أقبل على الدعاء لإخوانه حتّى يفيض الناس، قال: فقيل له: تنفق مالك و تتعب بدنك حتّى إذا صرت إلى الموضع الذي تبثّ فيه الحوائج إلى اللّه تعالى أقبلت على الدعاء لإخوانك و تركت (4) نفسك، فقال: إنّي على ثقة من دعوة الملك لي و في شكّ من الدعاء لنفسي (5).

و عن إبراهيم بن أبي البلاد: أنّ عبد اللّه بن جندب قال: كنت في الموقفين (6) فلمّا أفضت، لقيت (7) إبراهيم بن شعيب (8) فسلّمت عليه، و كان مصابا بإحدى عينيه، فإذا عينه الصحيحة حمراء كأنّها علقة دم، فقلت له: قد أصبت بإحدى عينيك

____________

(1) في المصادر: لواحدة.

(2) التهذيب 5: 184 الحديث 615، الوسائل 10: 20 الباب 17 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(3) عيسى بن أعين الجريريّ الأسديّ مولى كوفيّ ثقة، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قاله النجاشيّ، و عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام)، و قال في الفهرست: له كتاب، و ذكره المصنّف في القسم الأوّل من الخلاصة و قال: ثقة.

رجال النجاشيّ: 296، رجال الطوسيّ: 258، الفهرست: 117، رجال العلّامة: 123.

(4) كثير من النسخ: و تترك.

(5) التهذيب 5: 185 الحديث 616، الوسائل 10: 20 الباب 17 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2.

(6) ع: في الموقف، كما في المصادر.

(7) في التهذيب: أتيت، مكان: لقيت.

(8) إبراهيم بن شعيب بن ميثم الأسديّ الكوفيّ، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام)، قال المامقانيّ: ظاهر الشيخ كونه إماميّا و لكن حاله مجهول، و قال السيّد الخوئيّ: روى عنه عبد اللّه بن القاسم الحضرميّ في كامل الزيارات.

رجال الطوسيّ: 145، تنقيح المقال 1: 20، معجم رجال الحديث 1: 99.

47

و أنا و اللّه مشفق على الأخرى، فلو قصرت من البكاء قليلا، قال: و اللّه (1) يا أبا محمّد، ما دعوت اليوم لنفسي دعوة، فقلت: فلمن دعوت؟ قال: لإخواني، إنّي سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «من دعا لأخيه بظهر الغيب وكّل اللّه عزّ و جلّ به ملكا يقول: و لك مثلاه» فأردت أن أكون أدعو لإخواني و يكون الملك يدعو لي؛ لأنّي في شكّ من دعائي لنفسي، و لست في شكّ من دعاء الملك لي (2).

مسألة: و يستحبّ فيه الدعاء بالذي دعا به زين العابدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام)

(3) في الموقف و هو طويل، ذكره الشيخ- (رحمه اللّه)- في المصباح (4).

و هذه الأدعية مستحبّة و ليست واجبة إنّما (5) الواجب الوقوف، و لا نعلم في ذلك خلافا.

روى الشيخ عن [جعفر بن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة] (6) الأزديّ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس فلا يدعو حتّى أفاض الناس، فقال: «يجزئه وقوفه» ثمّ قال: «أ ليس قد صلّى بعرفات الظهر و العصر و قنت و دعا؟» قلت: بلى، قال: «فعرفات كلّها موقف، و ما

____________

(1) في المصادر: لا و اللّه.

(2) التهذيب 5: 185 الحديث 617، الوسائل 10: 20 الباب 17 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 3.

(3) ج: (صلوات اللّه عليهما).

(4) ينظر: مصباح المتهجّد: 630- 640.

(5) ع: و إنّما.

(6) في النسخ: عليّ بن عبد اللّه بن حداجة، و ما أثبتناه- و لعلّ هو الصحيح- من المصادر؛ لأنّا لم نعثر على وجود شخص بعنوان: عليّ بن عبد اللّه بن حداجة في كتب الرجال، قال السيّد الخوئيّ: جعفر بن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة الأزديّ روى عن أبيه و روى عنه جعفر بن عيسى و يونس بن عبد الرحمن.

معجم رجال الحديث 4: 75.

48

قرب من الجبل فهو أفضل» (1).

و عن أبي يحيى زكريّا الموصليّ (2)، قال: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي أبيه أو نعي بعض ولده قبل أن يذكر اللّه بشيء أو يدعو، فاشتغل بالجزع و البكاء عن الدعاء، ثمّ أفاض الناس، فقال: «لا أرى عليه شيئا و قد أساء فليستغفر اللّه، أما لو صبر و احتسب لأفاض من الموقف بحسنات أهل الموقف جميعا من غير أن ينقص من حسناتهم شيء» (3).

____________

(1) التهذيب 5: 184 الحديث 613، الوسائل 10: 19 الباب 16 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2.

(2) زكريّا، أبو يحيى كوكب الدم الموصليّ، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام) مرّتين:

مرّة بالعنوان المذكور، و أخرى بعنوان زكريّا أبي يحيى الموصليّ، و من أصحاب الكاظم (عليه السلام) بعنوان زكريّا كوكب الدم، و من أصحاب الرضا (عليه السلام) بعنوان أبي يحيى الموصليّ، و قال الكشّيّ: أبو يحيى الموصليّ كوكب الدم كان شيخا من الأخيار، و ذكره المصنّف في الخلاصة في القسمين منه، قال في القسم الأوّل بعد نقل توثيق الكشّيّ و تضعيف ابن الغضائريّ له: يحتمل أنّهما متغايران: لأنّ الكشّيّ لم يذكره باسمه ... فالأقرب التوقّف فيه، و قال في القسم الثاني: ضعّفه ابن الغضائريّ، و روى الكشّيّ ما يقتضي مدح أبي يحيى كوكب الدم فإن يكن هذا، نعيّن التوقّف فيه؛ لمعارضة قول ابن الغضائريّ لمدحه و إن يكن غيره، كان قوله مقبولا. و قال المامقانيّ و السيّد الخوئيّ: ما ذكره المصنّف من احتمال تعدّد ما ذكره الكشّيّ مع ما ذكره ابن الغضائريّ في غير محلّه، و أمّا ما ذكره من تضعيف ابن الغضائريّ و توثيق الكشّيّ فقال المامقانيّ:

لا وجه له؛ لابتلاء ابن الغضائريّ بكثرة جرح البرآء و تضعيف الثقات فالحقّ أنّ شهادة الكشّيّ بلا معارض، فحديث الرجل في الصحاح، و إن أبيت فلا أقلّ من كون حديثه في الحسان. و قال السيّد الخوئيّ: إنّ المعارضة إنّما تتمّ إذا كان سند الكتاب إلى ابن الغضائريّ ثابتا و لكنّه لم يثبت فلا مانع من الأخذ بما ذكره الكشّيّ.

رجال الكشّيّ: 606، رجال الطوسيّ: 200، 201، 350، 396، رجال العلّامة: 76، 224، تنقيح المقال 1: 448، 449، معجم رجال الحديث 7: 271، 272، 273.

(3) التهذيب 5: 184 الحديث 614، الوسائل 10: 19 الباب 16 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 3.

49

البحث الثالث في الأحكام

مسألة: الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ، يبطل بالإخلال به عمدا الحجّ

. و هو قول علماء الإسلام.

روى الجمهور عن عبد الرحمن بن يعمر الديليّ (1)، قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعرفة، فجاءه نفر من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللّه كيف الحجّ؟

قال: «الحجّ عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة الجمع فقد تمّ حجّه» (2).

و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وقف بعرفة و قال: «خذوا عنّي مناسككم» (3).

____________

(1) في النسخ: عبد الرحمن بن نعم الديلميّ، و في المغني: عبد الرحمن بن نعم الديليّ، و في الإصابة:

عبد الرحمن بن يعمر الدؤليّ، و ما أثبتناه من أسد الغابة و تهذيب التهذيب و المصادر الحديثيّة، ذكره ابن الأثير و ابن حجر في الإصابة و قالا: سكن الكوفة، روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و روى عنه بكير بن عطاء الليثيّ، يقال: مات بخراسان.

أسد الغابة 3: 328، الإصابة 2: 425، تهذيب التهذيب 6: 301.

(2) سنن أبي داود 2: 196 الحديث 1949، سنن ابن ماجة 2: 1003 الحديث 3015، سنن الترمذيّ 3:

237 الحديث 889، سنن النسائيّ 5: 256، سنن الدارميّ 2: 59، سنن الدارقطنيّ 2: 240 الحديث 19، سنن البيهقيّ 5: 116، المغني 3: 437.

(3) مسند أحمد 3: 318 و 367، سنن البيهقيّ 5: 125، عوالي اللآلئ 1: 215 الحديث 73.

50

و روي: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر رجلا ينادي: الحجّ عرفة (1).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الحسن- عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) [في الموقف] (2): «ارتفعوا عن بطن عرنة» و قال: «أصحاب الأراك لا حجّ لهم» (3).

و عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا وقفت بعرفات فادن من الهضاب (4)- و الهضاب: هي الجبال- فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: إنّ أصحاب الأراك لا حجّ لهم، يعني الذين يقفون عند الأراك» (5). و إذا حكم (عليه السلام) بنفي الحجّ مع وقوفهم بحدّ (6) من عرفة. فنفيه مع عدم الوقوف أولى.

و لا يعارض ذلك: ما رواه ابن فضّال عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «الوقوف بالمشعر فريضة، و الوقوف بعرفة سنّة» (7).

لأنّ المراد هنا بالسنّة: ما ثبت بالنقل عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سنّه هو (عليه السلام)، و بالفرض: ما ثبت بالقرآن، و لا ريب أنّ الوقوف بعرفة لم يثبت بالقرآن، بل بالسنّة.

____________

(1) سنن أبي داود 2: 196 الحديث 1949 بتفاوت، سنن الترمذيّ 3: 237 الحديث 889، سنن النسائيّ 5:

256.

(2) أثبتناها من المصادر.

(3) التهذيب 5: 287 الحديث 976، الوسائل 10: 25 الباب 19 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 10.

(4) في التهذيب: الهضبات.

(5) التهذيب 5: 287 الحديث 975، الاستبصار 2: 302 الحديث 1078، الوسائل 10: 25 الباب 19 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 11.

(6) ق و خا: الحدّ.

(7) التهذيب 5: 287 الحديث 977، الاستبصار 2: 302 الحديث 1080، الوسائل 10: 26 الباب 19 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 14.

51

أمّا الوقوف بالمشعر فيثبت بالكتاب العزيز، قال اللّه تعالى: فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ (1).

مسألة: و لو ترك الوقوف بعرفة ناسيا أو لعذر، تداركه

، فإن لم يتمكّن و لحق الوقوف بالمشعر الحرام في وقته، فقد أدرك الحجّ، و إلّا فقد فاته الحجّ.

رواه الشيخ- في الصحيح- عن الحلبيّ، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: «إن كان في مهل حتّى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثمّ يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتمّ حجّه حتّى يأتي عرفات، و إن قدم و قد فاته (2) عرفات، فليقف بالمشعر الحرام، فإنّ اللّه تعالى أعذر لعبده و قد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحجّ فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحجّ من قابل» (3).

و عن إدريس بن عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أدرك الناس بجمع و خشي إن مضى إلى عرفات أن يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها، قال: «فإن ظنّ أن يدرك الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات، و إن خشي أن لا يدرك جمعا، فليقف ثمّ ليفض مع الناس و قد تمّ حجّه» (4).

و في الصحيح عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كان

____________

(1) البقرة (2): 198.

(2) في المصادر: «فاتته».

(3) التهذيب 5: 289 الحديث 981، الاستبصار 2: 301 الحديث 1076، الوسائل 10: 23 الباب 19 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(4) التهذيب 5: 289 الحديث 982، الاستبصار 2: 301 الحديث 1077، الوسائل 10: 56 الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 3.

52

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في سفر، و إذا (1) شيخ كبير، فقال: يا رسول اللّه ما تقول في رجل أدرك الإمام بجمع؟ فقال: «إن ظنّ أنّه يأتي عرفات فيقف قليلا، ثمّ يدرك جمعا قبل طلوع الشمس، فليأتها، و إن ظنّ أنّه لا يأتيها حتّى يفيض الناس من جمع فلا يأتها (2) و قد تمّ حجّه» (3).

و عن محمّد بن سنان، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الذي إذا أدركه الناس (4) فقد أدرك الحجّ، فقال: «إذا أتى جمعا و الناس بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الحجّ و لا عمرة له، و إن أدرك جمعا بعد طلوع الشمس، فهي عمرة مفردة و لا حجّ له، فإن شاء أن يقيم بمكّة، أقام، و إن شاء أن يرجع إلى أهله، [رجع] (5) و عليه الحجّ من قابل» (6).

مسألة: و أوّل وقت الوقوف بعرفة زوال الشمس من يوم عرفة

. ذهب إليه علماؤنا أجمع، و به قال الشافعيّ (7)، و مالك (8).

و قال أحمد: أوّله طلوع الفجر من يوم عرفة (9).

لنا: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وقف بعد الزوال، و قال: «خذوا عنّي

____________

(1) في المصادر: فإذا.

(2) في النسخ: «فلا يأتيها» و ما أثبتناه من المصادر.

(3) التهذيب 5: 290 الحديث 983، الاستبصار 2: 303 الحديث 1081، الوسائل 10: 56 الباب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 4.

(4) في المصادر: الإنسان.

(5) أثبتناه من المصادر.

(6) التهذيب 5: 290 الحديث 984 و ص 294 الحديث 997، الاستبصار 2: 303 الحديث 1082 و ص 306 الحديث 1094، الوسائل 10: 57 الباب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 و 4.

(7) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 68، حلية العلماء 3: 337، المهذّب للشيرازيّ 1: 226، المجموع 8: 94، فتح العزيز بهامش المجموع 7: 349، مغني المحتاج 1: 496، السراج الوهّاج: 162.

(8) بداية المجتهد 1: 347، إرشاد السالك: 57، بلغة السالك 1: 277.

(9) المغني 3: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 441، الإنصاف 4: 29.

53

مناسككم» (1). و وقف الصحابة كذلك و أهل الأمصار (2) من لدن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى زماننا هذا وقفوا بعد الزوال، و لو كان قبل ذلك جائزا لما اتّفقوا على تركه.

و قال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على أنّ أوّل الوقوف (3) بعرفة زوال الشمس من يوم عرفة (4).

و روى الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ثمّ تأتي الموقف» يعني بعد الصلاتين (5). و الأمر للوجوب.

احتجّ أحمد: بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «من صلّى معنا هذه الصلاة- يعني صلاة الصبح يوم النحر- و أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تمّ حجّه و قضى تفثه» (6) و لم يفصّل قبل الزوال و بعده (7).

و لأنّه أحد زماني الوقوف، فتعلّق الإدراك بجميعه، كالليل (8).

و الجواب عن الأوّل: أنّه محمول على ما بعد الزوال.

و عن الثاني: أنّ تشبيهه بالليل لا يثبت هذا الحكم؛ لأنّ الزمانين قد يختلفان.

مسألة: و آخر وقت الوقوف بعرفة الاختياريّ غروب الشمس

، و لا نعلم خلافا

____________

(1) مسند أحمد 3: 318 و 367، سنن البيهقيّ 5: 125، عوالي اللآلئ 1: 215 الحديث 73.

(2) ج و ق: الأعصار.

(3) خا و ق: الوقت، مكان: الوقوف.

(4) المغني 3: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 441.

(5) التهذيب 5: 182 الحديث 611، الوسائل 10: 15 الباب 14 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(6) سنن أبي داود 2: 196 الحديث 1950، سنن الترمذيّ 3: 238 الحديث 891، سنن ابن ماجة 2: 1004 الحديث 3016، سنن الدارميّ 2: 59، مسند أحمد 4: 15، سنن الدارقطنيّ 2: 239 الحديث 17، سنن البيهقيّ 5: 116، كنز العمّال 5: 64 الحديث 12067، مجمع الزوائد 3: 254.

(7) ق و خا: أو بعده.

(8) المغني 3: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 3: 441.

54

في ذلك.

روى الجمهور عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و أسامة بن زيد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) دفع حين غربت الشمس (1).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «فأفاض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد غروب الشمس» (2).

و عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): متى نفيض (3) من عرفات؟ قال: «إذا ذهبت الحمرة من هاهنا» و أشار بيده إلى المشرق و إلى مطلع الشمس (4).

مسألة: و لو لم يتمكّن من الوقوف بعرفة نهارا و أمكنه أن يقف بها ليلا و لو كان قليلا إلى أن يطلع الفجر أو قبله، وجب عليه

، و أجزأه إذا أدرك المشعر قبل طلوع الشمس يوم النحر و لا نعلم في ذلك خلافا.

روى الجمهور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «و أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تمّ حجّه و قضى تفثه» (5).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن الحلبيّ، عن أبي

____________

(1) سنن أبي داود 2: 190 الحديث 1922، سنن الترمذيّ 3: 232 الحديث 885.

(2) التهذيب 5: 186 الحديث 619، الوسائل 10: 29 الباب 22 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 1.

(3) كثير من النسخ: يفيض، و في المصادر: تفيض.

(4) التهذيب 5: 186 الحديث 618، الوسائل 10: 29 الباب 22 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة الحديث 2.

(5) سنن أبي داود 2: 196 الحديث 1950، سنن الترمذيّ 3: 238 الحديث 891، سنن ابن ماجة 2: 1004 الحديث 3016، سنن الدارميّ 2: 59، مسند أحمد 4: 15، سنن الدارقطنيّ 2: 239 الحديث 17، سنن البيهقيّ 5: 116، كنز العمّال 5: 64 الحديث 12067، مجمع الزوائد 3: 254.