منتهى المطلب في تحقيق المذهب - ج15

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
5

إهداء

إلى أعتاب الأئمّة الهداة المعصومين، من آل محمّد المصطفى (صلوات اللّه عليهم أجمعين)؛ لا سيّما وليّ نعمتنا و من نستظلّ بجواره و عناياته الإمام الرءوف عليّ بن موسى الرضا عليه أفضل التحيّة و الثناء، و حفيده الإمام المهديّ المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه) الشريف، الذي اقترن إتمام العمل بهذا الكتاب بعيد مولده المبارك في الخامس عشر من شعبان المعظّم، راجين قبولهم، و مزيد ألطافهم.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كلمة القسم

الحمد للّه الذي بمشيّته حقّق الآمال، و بمنّه وفّق العباد إلى صالح الأعمال، و خير الصلاة و أزكى السلام على سيّد ولد آدم محمّد و آله الغرّ الكرام، الذين اصطفاهم اللّه قدوة للأنام، لا سيّما بقيّة اللّه المنتظر خاتم الأوصياء العظام.

و بعد ..

هذا هو الجزء الأخير- الخامس عشر حسب تجزئتنا- من كتاب «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» الذي منّ اللّه تبارك و تعالى علينا- تحت رعاية مولانا الإمام الرءوف عليّ بن موسى الرضا عليه أفضل التحيّة و الثناء- بالفراغ من تحقيق هذا السّفر الثمين، و نشره بهذه الحلّة الجديدة متضمّنا تعاليق مفيدة، و به يكون الأمل قد تحقّق، و تمّ هذا المشروع بعد بذل جهود متواصلة لعدّة سنين متوالية.

نحمده جلّ و علا على دوام التوفيق و توفير أسبابه، و نشكره على سبوغ نعمه و آلائه.

هل استوفى العلّامة أبواب الفقه كلّها في «المنتهى»؟

ما وصل إلينا من كتاب «منتهى المطلب» لا يتضمّن من الأبواب الفقهيّة غير العبادات و نبذة من التجارة، كاستحبابها و آدابها و المحرّمات منها. و ربّما خطر في البال أنّ المؤلّف قد أكمل الكتاب ليستوعب أبواب الفقه كافّة، و أنّ أجزاء أخرى من

8

الكتاب قد فقدت أو أنّها ترقد في زوايا مجهولة في بعض المكتبات الشخصيّة.

و ما يبعث على هذا الظنّ أنّ العلّامة الحلّيّ قد عدّ كتابه هذا كبيرا فريدا في بابه، فلا بدّ أنّه قد استوفى البحث الفقهيّ فيه و أتمّه؛ لما له من تفرّد و شأن. قال عنه في خلاصة الأقوال: «لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، و رجّحنا ما نعتقده بعد إبطال حجج من خالفنا فيه» (1).

و أرجع إليه في مؤلّفات أخرى فقال في أوّل كتاب الصلاة من تحرير الأحكام:

«و أحيلك بالبراهين و ذكر الخلاف على كتابنا الكبير الموسوم بمنتهى المطلب» (2).

و قال أيضا في آخر الديات: «فهذا آخر ما أفدناه في هذا الكتاب ... و من أراد الإطالة فعليه بكتابنا الموسوم بتذكرة الفقهاء ... و من أراد الغاية و قصد النهاية، فعليه بكتابنا الموسوم بمنتهى المطلب» (3).

و كذا ذكره في إرشاد الأذهان بقوله: «فهذا خلاصة ما أفدناه في هذا الكتاب، و من أراد التطويل بذكر الفروع و الأدلّة و ذكر الخلاف، فعليه بكتابنا المسمّى بمنتهى المطلب؛ فإنّه بلغ الغاية، و تجاوز النهاية، و من أراد التوسّط، فعليه بما أفدناه في التحرير أو تذكرة الفقهاء أو قواعد الأحكام أو غير ذلك من كتبنا» (4).

و نبّه عليه في مقدّمة مختلف الشيعة فقال: «إنّي لمّا وقفت على كتب أصحابنا المتقدّمين ... وجدت بينهم خلافا في مسائل كثيرة متعدّدة ... فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من اختلافهم في الأحكام ... دون ما

____________

(1) خلاصة الأقوال: 45/ الرقم 52.

(2) تحرير الأحكام: 26 (الطبعة الحجريّة)، و لم ترد لفظة «الكبير» في الطبعة الجديدة 1: 174.

(3) تحرير الأحكام 5: 145- 146 (الطبعة الجديدة).

(4) إرشاد الأذهان 2: 246.

9

اتّفقوا عليه؛ إذ جعلنا ذلك موكولا إلى كتابنا الكبير المسمّى بمنتهى المطلب» (1).

و قد نصّ المؤلّف في إجازته لمهنّا بن سنان على أنّ ما خرج من الكتاب في العبادات سبع مجلّدات (2)، في حين وردت مباحث العبادات و شيء من المعاملات- في المخطوطات المتوفّرة- في ستّ مجلّدات، قائلا في آخر المجلّد السادس:

«يتلوه في الجزء السابع: المقصد الثاني في عقد البيع و شروطه». لكنّ هذا الجزء الذي أشار إليه لم يعثر عليه، كما صرّح بذلك مؤلّف الذريعة (3).

و إذا كان العلّامة قد استوفى العبادات في الجزء السادس، كما مرّ بنا، فكيف يستقيم هذا و تصريحه بأنّ العبادات في سبعة أجزاء؟

و هذا يستوقفنا على تساؤلات:

هل استوفى العلّامة أبواب العبادات في ستّة أجزاء، ثمّ استنسخ الكتاب مرّة أخرى فجزّأه سبعة أجزاء، فكانت الإشارة مرّة إلى نسخة سابقة و مرّة إلى نسخة لا حقة؟

و هل أتمّ تدوين أبواب الفقه كلّها كما هو متبادر الظنّ، و كما تقوّيه إرجاعاته في عدد من كتبه الفقهيّة إلى المنتهى بوصفه كتابه الكبير الذي يرجع إليه «من أراد الغاية، و قصد النهاية»، «و من أراد التطويل بذكر الفروع و الأدلّة و ذكر الخلاف»، خاصّة و أنّه قد أرجع إلى المنتهى- في بعض هذه الموارد- بعد فراغه من الديات في آخر أبواب الفقه، ممّا يفهم منه أنّ كتاب المنتهى شامل لأبواب الفقه كلّها؟

و هل يمكن أن يقال: إنّ العلّامة قد أتمّه، ثمّ ضاع- لسبب من الأسباب- القسم الخاصّ بالمعاملات، فلم يشر إلى ما ضاع في خلاصة الأقوال و لا في إجازة مهنّا.

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 7.

(2) خلاصة الأقوال: 45/ الرقم 52، بحار الأنوار 104: 147.

(3) الذريعة 23: 12.

10

و مهما يكن، فالذي يبدو أنّ العلّامة الحلّيّ لم يكمل المنتهى إلى آخر أبواب الديات فتتمّ به دورة فقهيّة كاملة. و ثمّة قرائن تعضد ما نذهب إليه:

1- عاش العلّامة بين سنتي 648 هو 726 ه، و بدأ بتأليف المنتهى سنة 680 ه (1)، و فرغ من تسويد الجزء السادس في العبادات و مقدّمة في المعاملات سنة 688 ه، و نصّ في سنة 693 هعلى أنّ الكتاب سبع مجلّدات (2)، و في سنة 719 هكتب إجازة لمهنّا بن سنان قال فيها عن المنتهى: «خرج منه العبادات سبع مجلّدات» (3). و هذا يعني أنّه لم يضف إلى الكتاب شيئا خلال 31 سنة- بين إتمام الجزء السادس سنة 688 هو إجازته لمهنّا سنة 719 هأي أنّ محتوى الكتاب فيما يبدو كان لا يزيد على العبادات إلى ما قبل وفاة المؤلّف بسبع سنوات، و هي سنوات كان العلّامة فيها دائب التأليف لكتب أخرى و دائب التدريس، ممّا يستبعد معه أن يكون قد أنجز كامل المنتهى خلال هذه المدّة.

2- إنّ مخطوطات الكتاب المتوفّرة التي وصلت إلينا- و اعتمدنا على 17 نسخة منها- هي في الأجزاء المختصّة بالعبادات و نبذة من المعاملات، دون أن نعثر على جزء مخطوط في المعاملات التي وعد العلّامة في آخر الجزء السادس بأن يدوّنها فيما يتلوه.

3- إنّنا لم نجد من الفقهاء من نقل عن المنتهى مسألة في غير العبادات و آداب التجارة و أحكامها و المحرّمات منها.

و لعلّ هذا ما يقوّي أنّ كتاب «منتهى المطلب» لم يكن منه غير ما وصل إلينا، و اللّه العالم.

____________

(1) منتهى المطلب 1: 10.

(2) خلاصة الأقوال: 45/ الرقم 52.

(3) البحار 104: 147.

11

ختاما نشكر الإخوة الأفاضل المشاركين في تحقيق هذا الجزء

- لا سيّما من رافقوا المشروع من بدئه إلى ختمه طيلة سنين عديدة- و هم:

الشيخ عليّ الاعتماديّ

الشيخ نوروز عليّ الحاجآباديّ

الشيخ عبّاس المعلّميّ (الجلالي نيا)

الشيخ محمّد عليّ الملكيّ

الشيخ عليّ النمازيّ

الأخ السيّد طالب الموسويّ

الأخ عادل البدريّ

الأخ عليّ أصغر المولويّ

و نشكر أيضا لحجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد حسن الخزاعيّ مراجعته لبعض أجزاء الكتاب و إبداء ملاحظاته المشكورة.

كما نتقدّم بوافر الشكر و الامتنان إلى سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ عليّ أكبر الإلهيّ الخراسانيّ مدير مجمع البحوث الإسلاميّة و مدير القسم؛ لإشرافه على التحقيق.

نسأل اللّه تبارك و تعالى أن يتقبّل جهودهم و يوفّيهم أجورهم، و يمنّ عليهم بمزيد التوفيق لخدمة معارف أهل البيت (عليهم السلام)، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

قسم الفقه

في مجمع البحوث الإسلاميّة

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

[تتمة القاعدة الأولى]

[تتمة الكتاب السادس في الجهاد و سيرة الإمام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر]

المقصد السادس في أحكام أهل الذمّة

و فيه مباحث:

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[البحث] الأوّل في وجوب الجزية و من تؤخذ منه

مسألة: الجزية هي الوظيفة المأخوذة من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام، في كلّ عام،

و هي فعلة من جزى يجزي، إذا قضى.

قال اللّه تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً لٰا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً* (1).

و تقول العرب: جزيت ديني: إذا قضيته (2).

إذا عرفت هذا: فالجزية واجبة بالنصّ و الإجماع.

قال اللّه تعالى: قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (3).

و روى الجمهور عن المغيرة بن شعبة أنّه قال لجند كسرى يوم نهاوند: أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن نقاتلكم حتّى تعبدوا اللّه وحده أو تؤدّوا الجزية

(4)

.

____________

(1) البقرة (2): 48.

(2) لسان العرب 14: 145.

(3) التوبة (9): 29.

(4) صحيح البخاريّ 4: 118، المغني 10: 557، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 575.

16

و عن سليمان بن بريدة

(1)

، عن أبيه، قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا بعث أميرا على سريّة أو جيش أوصاه بتقوى اللّه في خاصّة نفسه و بمن معه من المسلمين خيرا، و قال له: «إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم و كفّ عنهم، فإن أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم و كفّ عنهم، فإن أبوا، فاستعن باللّه و قاتلهم

(2)

.

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا أراد أن يبعث أميرا على سريّة أمره بتقوى اللّه عزّ و جلّ في خاصّة نفسه ثمّ في أصحابه» ثمّ في أصحابه» إلى أن قال: «و إذا لقيت عدوّا من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوك إليها فاقبل منهم و كفّ عنهم: ادعوهم إلى الإسلام

(3)

، و ادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام، فإن فعلوا فاقبل منهم و كفّ عنهم، و إن أبوا أن يهاجروا و اختاروا ديارهم و أبوا أن يدخلوا في دار الهجرة، كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على

____________

(1) سليمان بن بريدة الحصيب الأسلميّ المروزيّ، روى عن أبيه و عمران بن حصين و عائشة و يحيى بن يعمر، و روى عنه علقمة بن مرثد و محمّد بن جحادة و أخوه عبد اللّه بن بريدة، قيل: ولد هو و أخوه عبد اللّه في بطن واحد و مات هو و أخوه في يوم واحد. التاريخ الكبير للبخاريّ 4: 4، تهذيب التهذيب 4: 174، الجرح و التعديل 4: 102.

(2) صحيح مسلم 3: 1357 الحديث 1731، سنن أبي داود 3: 37 الحديث 2612، سنن ابن ماجة 2:

953- 954 الحديث 2858، سنن الدارميّ 2: 215، مسند أحمد 5: 352 و 358، سنن البيهقيّ 9:

15، 41، 49، 69 و 97.

(3) في التهذيب بزيادة: «و كفّ عنهم» و في الكافي 5: 29 الحديث 8 بزيادة: «فإن دخلوا فيه فاقبلوه منهم و كفّوا عنهم» و كذا في الوسائل.

17

أعراب المؤمنين، و لا يجري لهم في فيء القسمة شيئا

(1)

إلّا أن يجاهدوا في سبيل اللّه، فإن أبوا هاتين فادعهم إلى إعطاء الجزية و هم صاغرون فإن أعطوا الجزية فاقبل منهم و كفّ عنهم، و إن أبوا فاستعن عليهم باللّه و جاهدهم في اللّه حقّ جهاده»

(2)

.

و لا خلاف بين المسلمين في أخذ الجزية على الإجمال.

مسألة: تعقد (3) الجزية لكلّ كتابيّ عاقل بالغ ذكر.

و نعني بالكتابيّ: من له كتاب حقيقة، و هم اليهود و النصارى، و من له شبهة كتاب، و هم المجوس، فتؤخذ الجزية من هؤلاء الأصناف الثلاثة بلا خلاف بين علماء الإسلام في ذلك، في قديم الوقت و حديثه، فإنّ الصحابة أجمعوا على ذلك و عمل به الفقهاء القدماء، و من بعدهم إلى زماننا (4) هذا من أهل الحجاز و العراق و الشام و مصر و غيرهم من أهل الأصقاع في جميع الأزمان؛ عملا بالآيات الدالّة على أخذ الجزية، و بالأحاديث المتقدّمة، و فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك و أخذ الجزية من مجوس هجر.

و بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) معاذا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كلّ حالم دينارا أو عدله معافريّ

(5). (6) و هو إجماع.

____________

(1) في التهذيب: «في الفيء من القسمة شيئا» و في الكافي و الوسائل: «في الفيء و لا في القسمة شيئا» مكان: «في فيء القسمة شيئا».

(2) التهذيب 6: 138 الحديث 232، الوسائل 11: 43 الباب 15 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 3.

(3) أكثر النسخ: و تعقد.

(4) روع: زمننا، مكان: زماننا.

(5) المعافريّ: هي برود اليمن منسوبة إلى معافر، و هي قبيلة باليمن، النهاية لابن الأثير 3: 262.

(6) سنن أبي داود 3: 167 الحديث 3038، سنن الترمذيّ 3: 20 الحديث 623، سنن النسائيّ 5: 25-

18

مسألة: و تؤخذ الجزية من أهل الكتابين: التوراة و الإنجيل،

فأهل التوراة: هم اليهود، و أهل الإنجيل: هم النصارى، و قد كانت النصرانيّة في الجاهليّة في ربيعة (1)، و غسّان (2) و بعض قضاعة (3)، و اليهوديّة في حمير (4) و بني كنانة (5)، و بني الحارث

____________

- 26، سنن الدارقطنيّ 2: 102 الحديث 29 و 31، سنن البيهقيّ 4: 98 و ج 9: 193، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 21 الحديث 6841، المصنّف لابن أبي شيبة 3: 19 الحديث 2 و 4 و ج 7: 581 الحديث 5، المعجم الكبير للطبرانيّ 20: 128 الحديث 260.

(1) ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان جدّ جاهليّ قديم، كان مسكن أبنائه بين اليمامة و البحرين و العراق، و هو الذي يقال له: «ربيعة الفرس» من نسله بنو أسد و عنزة و وائل و جديلة، و تفرّعت عنهم بطون و أفخاذ ما زال منها العدد الأوفر إلى اليوم. الأعلام للزركليّ 3: 17.

(2) غسّان: شعب عظيم، و اختلف في نسبته فقيل: هو اسم ماء نزل عليه بنو مازن بن الأزد بن الغوث و هم الأنصار. و قيل: هو أبو قبيلة باليمن و هو مازن بن الأزد بن الغوث.

الصحاح 6: 2174، لسان العرب 13: 313، معجم قبائل العرب 3: 884.

(3) قضاعة: جدّ جاهليّ قديم، بنوه قبائل و بطون كثيرة، اختلف الرواة في نسبه فقيل: إنّه ابن مالك بن عمرو بن مرّة، من حمير من قحطان، و قيل: هو عمرو بن معدّ بن عدنان، نزل بنوه أو بعضهم بشاطئ البحر الأحمر، قيل: كانت مساكنهم بين جدّة و ذات عرق بقرب مكّة ثمّ تفرّقوا في البلاد، و نقل أنّ قبر قضاعة اكتشف في اليمن أيّام عمر و ذي الأذعار الحميريّ. الأعلام للزركليّ 5: 199.

(4) حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، جدّ جاهليّ قديم كان ملك اليمن و إليه نسبة الحميريين، و كان لبني حمير في الجاهلية صنم اسمه نسر منصوب بنجران.

الصحاح 2: 638، لسان العرب 4: 215، الأعلام للزركليّ 2: 284.

(5) كنانة: قبيلة من مضر، و هو كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، جدّ جاهليّ من سلسلة النسب النبويّ، كنيته أبو النضر، تنقسم إلى عدّة بطون منهم قريش. و بنو كنانة، بطن من تغلب بن وائل من العدنانيّة.

الصحاح 6: 2189، لسان العرب 13: 362، الأعلام للزركليّ 5: 234.

19

ابن كعب (1)، و كندة (2)، و المجوسيّة في تميم (3)، و عبادة الأوثان، و الزندقة كانت في قريش (4)، و بني حنيفة (5).

إذا عرفت هذا: فإنّ اليهود بأجمعهم و النصارى كلّهم تؤخذ منهم الجزية على الشرائط الآتية، سواء كانوا من المبدّلين أو من غير المبدّلين؛ لعموم الآية (6)،

____________

(1) الحارث بن كعب بن عمرو بن علة من مذحج، من كهلان، جدّ جاهليّ من نسله بنو الديّان (رؤساء نجران) و شريح بن هانئ (من أصحاب عليّ (عليه السلام)) و مطرف بن طريف و آخرون، كلّهم حارثيّون و كهلانيّون من قحطان، و بنوه أوّل من سكن نجران.

معجم البلدان 5: 269، الأعلام للزركليّ 2: 157.

(2) كندة بن عفير بن عديّ بن الحارث، من كهلان، جدّ جاهليّ يمانيّ، قيل: اسمه ثور و كندة لقبه كان لبنيه ملك بالحجاز و اليمن، و كان في الجاهليّة لهم صنم، و لمّا ظهر الإسلام وفد على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وفد كندة من حضرموت فأسلموا، و ارتدّ بعضهم في أيّام أبي بكر و اعتصموا بحصن النجير.

و بنو كندة من نسله.

الأعلام للزركليّ 5: 234.

(3) تميم: قال خير الدين الزركليّ في الأعلام: تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، جدّ جاهليّ، بنوه بطون كثيرة جدّا كانت منازلهم بأرض نجد و البصرة و اليمامة و امتدّت إلى العذيب من أرض الكوفة ثمّ تفرّقوا في الحواضر و البوادي.

الأعلام للزركليّ 2: 87.

(4) قريش: قبيلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكلّ من كان من ولد النضر فهو قرشيّ دون ولد كنانة و من فوقه، قيل: سمّوا بقريش مشتقّ من الدابّة التي في البحر تخافها جميع الدوابّ، و قيل: سمّيت بذلك لتقرّشها، أي تجمّعها إلى مكّة من حواليها بعد تفرّقها في البلاد حين غلب عليها قصيّ بن كلاب، و قيل: سمّيت بقريش بن مخلد بن خالد بن فهر.

الصحاح 3: 1016، لسان العرب 6: 335.

(5) بنو حنيفة: حيّ، و هم قوم مسيلمة الكذّاب، و قيل: بنو حنيفة حيّ من ربيعة، و حنيفة: أبو حيّ من العرب، و هو حنيفة بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.

الصحاح 4: 1347، لسان العرب 9: 58.

(6) التوبة (9): 29.

20

و سواء كانوا عربا أو عجما في قول علمائنا أجمع، و به قال مالك (1)، و الأوزاعيّ (2)، و الشافعيّ (3)، و أحمد (4)، و أبو ثور، و ابن المنذر (5).

و قال أبو يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب (6).

لنا: عموم الآية (7). و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل و أخذ أكيدر دومة (8)، و هو رجل من غسّان أو كندة من العرب، فصالحوا على أخذ الجزية، و أخذ الجزية من نصارى نجران، و هم عرب، و أمر معاذا أن يأخذ الجزية من أهل اليمن، و هم كانوا عربا. قال ابن المنذر: و لم يبلغنا أنّ قوما من العجم كانوا سكّانا باليمن لمّا أنفذ معاذا. و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان

____________

(1) المدوّنة الكبرى 2: 46، إرشاد السالك: 62، بداية المجتهد 1: 405 و 421، مقدّمات ابن رشد:

285، الكافي في فقه أهل المدينة: 217.

(2) المغني 10: 561، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 578.

(3) الأمّ 4: 174، الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 277، الحاوي الكبير 14: 284، حلية العلماء 7: 695، المهذّب للشيرازيّ 2: 320، المجموع 19: 387.

(4) المغني 10: 561، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 578، الكافي لابن قدامة 4: 257، الفروع في فقه أحمد 3: 465، الإنصاف 4: 217.

(5) المغني 10: 561، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 578.

(6) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 277، الحاوي الكبير 14: 284، حلية العلماء 7: 696، المغني 10:

561، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 578.

(7) التوبة (9): 29.

(8) أكيدر دومة: هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجنّ بن أغبر بن الحارث ... صاحب دومة الجندل، كتب إليه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أرسل إليه سريّة مع خالد بن الوليد، و اختلف في إسلامه، نقل ابن الأثير عن أبي نعيم أنّه أسلم و أهدى إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حلّة حرير ثمّ قال: أمّا سريّة خالد فصحيح، و إنّما أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يسلم، و هذا لا اختلاف بين أهل السير فيه، و من قال: إنّه أسلم، فقد أخطأ، و كان أكيدر نصرانيّا و قتل مشركا.

أسد الغابة 1: 113، الإصابة 1: 125.

21

يبعث الأمير و يوصيه بأن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا، دعاهم إلى إعطاء الجزية، فإن أبوا، قاتلهم من غير أن يخصّ عجما بذلك دون عرب، و أكثر ما غزا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) العرب. و للإجماع على ذلك، فإنّ اليهود و النصارى من العرب سكنوا في زمن الصحابة و التابعين في بلاد الإسلام، و لا يجوز إقرارهم فيها بغير جزية (1).

مسألة: و تؤخذ الجزية ممّن دخل في دينهم من الكفّار إن كانوا قد دخلوا فيه قبل النسخ و التبديل،

و من نسله و ذراريّه، و يقرّون بالجزية و لو ولدوا بعد النسخ.

و إن دخلوا في دينهم بعد النسخ، لم يقبل منهم إلّا الإسلام، و لا تؤخذ منهم الجزية، ذهب إليه علماؤنا، و به قال الشافعيّ (2).

و قال المزنيّ: يقرّ على دينه، و تقبل منهم الجزية مطلقا (3).

لنا:

قوله (عليه السلام): «من بدّل دينه فاقتلوه»

(4). و هو عامّ.

و لأنّه انتقل إلى مذهب باطل، فلا يقبل منه، كالمسلم إذا ارتدّ.

و لأنّه ابتغى دينا غير الإسلام، فلا يقبل منه؛ لقوله تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (5).

____________

(1) الحاوي الكبير 14: 286، المغني 10: 561، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 578.

(2) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 279، المهذّب للشيرازيّ 2: 321، حلية العلماء 7: 697، المجموع 19:

387، روضة الطالبين: 1829، العزيز شرح الوجيز 11: 507، مغني المحتاج 4: 244، السراج الوهّاج: 529.

(3) المهذّب للشيرازيّ 2: 321، حلية العلماء 7: 697، المجموع 19: 388، روضة الطالبين: 1829.

(4) صحيح البخاريّ 9: 138، سنن أبي داود 4: 126 الحديث 4351، سنن ابن ماجة 2: 848 الحديث 2535، سنن الترمذيّ 4: 59 الحديث 1458، مسند أحمد 1: 217، 282، 323 و ج 5:

231، المستدرك للحاكم 3: 538، سنن البيهقيّ 8: 195 و ج 9: 71، سنن الدارقطنيّ 3: 108 الحديث 9.

(5) آل عمران (3): 85.

22

احتجّ المزنيّ: بقوله تعالى: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (1). (2)

و الجواب: المراد بذلك: المشاركة في الاسم و الكفر، دون الإقرار على اعتقاده.

إذا عرفت هذا: فلا فرق بين أن يكون المنتقل إلى دينهم ابن كتابيّين أو ابن وثنيّين أو ابن كتابيّ و وثنيّ في التفصيل الذي فصّلناه.

فلو ولد بين أبوين أحدهما تقبل منه الجزية و الآخر لا تقبل منه، ففي قبول الجزية منه تردّد.

إذا ثبت هذا: فإنّ ذبائح أهل الكتاب و مناكحتهم- على تفصيل يأتي- لا يجوز عندنا، و سيأتي الخلاف في بيانه.

مسألة: و المجوس تؤخذ منهم الجزية،

كما قلناه في اليهود و النصارى، بلا خلاف بين علماء الإسلام في ذلك (3).

روى الجمهور عن عبد الرحمن بن عوف، قال: أشهد سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»

(4)

.

و روى الشافعيّ بإسناده أنّ فروة بن نوفل الأشجعيّ

(5)

، قال: علام تؤخذ

____________

(1) المائدة (5): 51.

(2) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 280.

(3) يراجع: ص 17.

(4) الموطّأ 1: 278 الحديث 42، سنن البيهقيّ 9: 189، الأموال لأبي عبيد 40 الحديث 78، المصنّف لعبد الرزّاق 6: 69 الحديث 10025 و ج 10: 325 الحديث 19253، و المغني 10: 559، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 577.

(5) فروة بن نوفل الأشجعيّ روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مرسلا و عن أبيه و عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و جبلة بن حارثة و عائشة، و روى عنه هلال بن يساف و أبو إسحاق السبيعيّ و شريك بن طارق، قال ابن عبد البرّ: حديثه مضطرب، و هو من الخوارج، خرج على المغيرة بن شعبة في صدر خلافة معاوية مع المستورد فبعث إليهم المغيرة خيلا فقتلوه سنة 45 ه. تهذيب التهذيب 8: 266، الجرح و التعديل 7: 82، الإصابة 3: 217، الاستيعاب بهامش الإصابة 3: 200.

23

الجزية من المجوس و ليسوا بأهل كتاب؟! فقام إليه المستورد

(1)

، فأخذ بلبّته

(2)

، فقال: عدوّ اللّه أ تطعن على أبي بكر و عمر و على أمير المؤمنين- يعني عليّا (عليه السلام)- و قد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر فخرج عليّ (عليه السلام) فجلسوا في ظلّ القصر، فقال: «أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه، و كتاب يدرسونه، و إنّ ملكهم سكر، فوقع على ابنته أو أخته، فاطّلع عليه بعض أهل مملكته، فلمّا صحا جاءوا يقيمون عليه الحدّ، فامتنع منهم و دعا أهل مملكته، و قال:

أ تعلمون دينا خيرا من دين أبيكم آدم؟! و قد ذكر أنّه ينكح

(3)

بنيه بناته، و أنا على دين آدم» قال: «فتابعه قوم و قاتلوا الذين يخالفونه حتّى قتلوهم، فأصبحوا و قد أسري بكتابهم و رفع من بين أظهرهم، و ذهب العلم الذي في صدورهم، فهم أهل كتاب، و قد أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أبو بكر- و أراه قال: و عمر- منهم الجزية»

(4)

.

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن المجوس أ كان لهم نبيّ؟ قال: «نعم، أ ما بلغك كتاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أهل مكّة: أسلموا

(5)

و إلّا نابذتكم

____________

(1) المستورد، قال ابن حجر: المستورد بن عصمة ... وقع له ذكر في حديث أخرجه عبد الرزّاق عن ابن عيينة عن أبي سعيد عن نصر بن عاصم أنّه قال لعليّ (عليه السلام): لقد علمت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ الجزية من مجوس هجر، و في المصنّف لعبد الرزّاق 10: 327 الحديث 19262 المستورد بن علقمة. الإصابة 3: 407.

(2) اللبّة: وسط الصدر و المنحر. لسان العرب 1: 733.

(3) في النسخ: «نكح» و ما أثبتناه من أكثر المصادر.

(4) الأمّ 4: 173، الحاوي الكبير 14: 292، سنن البيهقيّ 9: 188، كنز العمّال 4: 499 الحديث 11484.

(5) في التهذيب: «أن أسلموا».

24

بحرب، فكتبوا إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أن خذ منّا الجزية و دعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أنّي لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه- يريدون بذلك تكذيبه (عليه السلام)-: زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب ثمّ أخذ الجزية من مجوس هجر، فكتب إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه، و كتاب أحرقوه، أتاهم نبيّهم بكتابهم باثني عشر ألف جلد ثور»

(1)

.

إذا ثبت هذا: فإنّ الروايات متظاهرة على أنّهم قد كان لهم كتاب، فيكونون أهل كتاب. و به قال الشافعيّ (2).

و قال أبو حنيفة (3) و أحمد: لا كتاب لهم (4).

لنا: ما تقدّم في حديث عليّ (عليه السلام) (5).

احتجّوا:

بقوله (عليه السلام) «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»

(6). (7)

____________

(1) التهذيب 6: 158 الحديث 285، الوسائل 11: 96 الباب 49 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

(2) الأمّ 4: 174، الحاوي الكبير 14: 291، المهذّب للشيرازيّ 2: 320، حلية العلماء 7: 696، المجموع 19: 387، الميزان الكبرى 2: 188، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 2: 189، مغني المحتاج 4: 244.

(3) المبسوط للسرخسيّ 4: 210 و ج 10: 7، الهداية للمرغينانيّ 2: 160، شرح فتح القدير 5:

291، تبيين الحقائق 4: 15، مجمع الأنهر 1: 670، عمدة القارئ 15: 78.

(4) المغني 10: 558- 560، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 577، الفروع في فقه أحمد 3: 465، الإنصاف 4: 217.

(5) يراجع: ص 23.

(6) الموطّأ 1: 278 الحديث 42، سنن البيهقيّ 9: 189، المصنّف لعبد الرزّاق 6: 68 الحديث 10025، المصنّف لابن أبي شيبة 5: 584 الحديث 6، كنز العمّال 4: 502 الحديث 11490، المعجم الكبير للطبرانيّ 19: 437 الحديث 1059، مجمع الزوائد 6: 13، الحاوي الكبير 14: 285.

(7) الحاوي الكبير 14: 291، المهذّب للشيرازيّ 2: 320، المجموع 19: 387، المغني 10: 559، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 577.

25

و الجواب: يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب: من له كتاب باق، أو لأنّهم كانوا يعرفون كتابي اليهود و النصارى، دون المجوس.

إذا عرفت هذا: فإنّ ذبائحهم عندنا لا تحلّ، كذبائح اليهود و النصارى؛ لأنّ الإسلام عندنا شرط في الذبح.

و أمّا النكاح بنسائهم، ففيه قولان، كما في اليهود، فقال بعضهم: يحلّ نكاحهم، و به قال أبو ثور؛ لأنّهم أهل كتاب، فأشبهوا اليهود و النصارى (1).

و قال آخرون: لا يحلّ نكاحهم و ادّعوا الإجماع عليه 2.

قال إبراهيم الحربيّ: خرق أبو ثور الإجماع في ذلك (3) و سيأتي البحث فيه إن شاء اللّه تعالى.

مسألة: و لا يقبل من غير الأصناف الثلاثة من سائر فرق الكفّار إلّا الإسلام،

فلو بذلوا الجزية، لم تقبل منهم، كعبّاد الأوثان و الأصنام و الأحجار و النيران و الشمس و غير ذلك من غير اليهود و النصارى و المجوس من العرب و العجم، و به قال الشافعيّ (4).

و قال أبو حنيفة: تقبل من جميع الكفّار إلّا العرب (5).

____________

(1) 1 و 2 الحاوي الكبير 14: 293، المجموع 19: 391، المغني 10: 579، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 576- 577.

(3) الحاوي الكبير 14: 293.

(4) الأمّ 4: 240، الحاوي الكبير 14: 294، الميزان الكبرى 2: 188، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 2: 189، حلية العلماء 7: 695 و 697، المجموع 19: 390، مغني المحتاج 4: 244.

(5) تحفة الفقهاء 3: 307، بدائع الصنائع 7: 110، الهداية للمرغينانيّ 2: 160، شرح فتح القدير 5:

292، تبيين الحقائق 4: 157- 158، الفتاوى الهنديّة 2: 245، مجمع الأنهر 1: 671.

26

و قال أحمد: تقبل من جميع الكفّار إلّا عبدة الأوثان من العرب (1).

و قال مالك: إنّها تقبل من جميعهم إلّا مشركي قريش؛ لأنّهم ارتدّوا (2).

و قال الأوزاعيّ، و سعيد بن عبد العزيز: إنّها تقبل من جميعهم (3).

لنا: قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (4) و هو عامّ، خرج منه (5) اليهود و النصارى لمعنى (6)، و المجوس لمشابهتهم فيه، فيبقى الباقي على الأصل.

و ما رواه الجمهور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها»

(7) و هو عامّ، خصّ منه أهل الكتاب للآية (8)، و المجوس

____________

(1) المغني 10: 563، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 579، الكافي لابن قدامة 4: 258، الفروع في فقه أحمد 3: 465، الإنصاف 4: 217.

(2) المدوّنة الكبرى 2: 46، بداية المجتهد 1: 404، الكافي في فقه أهل المدينة: 217، بلغة السالك 1: 367.

(3) المغني 10: 564، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 579، المجموع 19: 389.

(4) التوبة (9): 5.

(5) أكثر النسخ: منهم، مكان: منه.

(6) ح: بمعنى.

(7) صحيح مسلم 1: 52 الحديث 21، سنن أبي داود 3: 44 الحديث 2640، سنن ابن ماجة 2: 1295 الحديث 3928، سنن الترمذيّ 5: 3 و 4 الحديث 2607، سنن النسائيّ 6: 6، سنن الدارميّ 2:

218، مسند أحمد 3: 300، المستدرك للحاكم 2: 522، سنن البيهقيّ 3: 92، سنن الدارقطنيّ 2: 89 الحديث 2، كنز العمّال 1: 87 الحديث 371، 372، 373 و 375، المعجم الكبير للطبرانيّ 2: 183 الحديث 1746، المصنّف لعبد الرزّاق 6: 67 الحديث 10021، المصنّف لابن أبي شيبة 6: 576 الحديث 5، مجمع الزوائد 1: 24.

(8) التوبة (9): 29.

27

لقوله (عليه السلام): «سنّوا بم سنّة أهل الكتاب»

(1). و لأنّهم أهل كتاب على ما قلناه (2)، فبقي الباقي على العموم.

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سأل رجل أبي عن حروب أمير المؤمنين (عليه السلام)- و كان السائل من محبّينا- فقال له أبو جعفر (عليه السلام): بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن

تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا

، و لن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشمس من مغربها، آمن الناس كلّهم في ذلك اليوم فيومئذ

لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمٰانِهٰا خَيْراً (3)

و سيف منها مكفوف، و سيف منها مغمود سلّه إلى غيرنا و حكمه إلينا، فأمّا السيوف الثلاثة الشاهرة:

فسيف على مشركي العرب

(4)

، قال اللّه تعالى:

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تٰابُوا (5)

يعني فإن آمنوا

فَإِخْوٰانُكُمْ فِي الدِّينِ (6)

فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام، فأموالهم و ذراريّهم سبي على ما سبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّه سبى و عفا و قبل الفداء.

____________

(1) الموطّأ 1: 278 الحديث 42، سنن البيهقيّ 9: 189، كنز العمّال 4: 502 الحديث 11490، المصنّف لعبد الرزّاق 6: 68 الحديث 10025، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 584 الحديث 6، المعجم الكبير للطبرانيّ 19: 437، مجمع الزوائد 6: 13، الحاوي الكبير 14: 285.

(2) يراجع: ص 24.

(3) الأنعام (6): 158.

(4) كثير من النسخ: قريش، بدل: العرب.

(5) التوبة (9): 5.

(6) التوبة (9): 11.

28

و السيف الثاني: على أهل الذمّة، قال اللّه تعالى:

وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً (1)

نزلت في أهل الذمّة، ثمّ نسخها قوله عزّ و جلّ:

قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ، وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (2)

، فمن كان منهم في دار الإسلام، فلم يقبل منه إلّا الجزية أو القتل، و ما لهم فيء، و ذراريّهم سبي، فإن قبلوا الجزية، حرم علينا سبيهم و أموالهم و حلّت لنا مناكحتهم، و من كان منهم في دار الحرب، حلّ لنا سبيهم و لم يحلّ لنا نكاحهم، و لا يقبل منهم إلّا الجزية أو القتل.

و السيف الثالث: سيف على مشركي العجم، يعني الترك و الخزر و الديلم، قال اللّه تعالى في أوّل السورة التي يذكر فيها:

الَّذِينَ كَفَرُوا

فقصّ قصّتهم [ثمّ]

(3)

قال:

فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ [وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا (4)

فأمّا قوله:

فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ

يعني بعد]

(5)

السبي منهم

وَ إِمّٰا فِدٰاءً

يعني المفاداة بينهم و بين أهل الإسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلّا القتل أو الدخول في الإسلام، و لا يحلّ لنا نكاحهم ما داموا في الحرب.

و أمّا السيف المكفوف: فسيف أهل البغي و التأويل، قال اللّه تعالى:

وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا

الآية إلى قوله:

حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ (6)

فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل، كما قاتلت على التنزيل، فسئل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من

____________

(1) البقرة (2): 83.

(2) التوبة (9): 29.

(3) أضفناها من الكافي.

(4) محمد (47): 4.

(5) ما بين المعقوفين أضفناه من الكافي 5: 12 الحديث 2 و من الوسائل.

(6) الحجرات (49): 9.

29

هو؟ فقال: خاصف النعل، يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قال عمّار بن ياسر:

قاتلت بهذه الراية مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثا و هذه الرابعة، و اللّه لو ضربونا حتّى يبلغوا بنا

(1)

السعفات من هجر لعلمنا أنّنا على الحقّ و أنّهم على الباطل، و كانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين (عليه السلام) ما كان من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في أهل مكّة يوم فتح مكّة، فإنّه لم يسب لهم ذرّيّة و قال: من أغلق بابه و ألقى سلاحه أو دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و كذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) [يوم البصرة فيهم]

(2)

: لا تسبوا لهم ذرّيّة و لا تتمّوا على جريح و لا تتّبعوا مدبرا، و من أغلق بابه و ألقى سلاحه فهو آمن.

و أمّا السيف المغمود: فالسيف الذي يقام به القصاص، قال اللّه تعالى:

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (3)

الآية فسلّه إلى أولياء المقتول و حكمه إلينا، فهذه السيوف التي بعث اللّه بها إلى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فمن جحدها أو جحد واحدا منها، أو شيئا من سيرها و أحكامها فقد كفر بما أنزل اللّه على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)»

(4)

.

و لأنّهم أهل كتاب فلا يساوون غيرهم من الكفّار.

احتجّ أبو حنيفة: بأنّهم يقرّون على دينهم بالاسترقاق، فأقرّوا بالجزية، كأهل الكتاب. و أمّا العرب فلا تقبل منهم؛ لأنّهم رهط النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فلا يقرّون على غير دينه (5).

____________

(1) ب: يبلغونا.

(2) أضفناها من المصدر.

(3) المائدة (5): 45.

(4) التهذيب 6: 136 الحديث 230، كذا نسب العلّامة إلى الشيخ و لكنّ الرواية موافقة للكافي 5: 10 الحديث 1، الوسائل 11: 16 الباب 5 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 2.

(5) الهداية للمرغينانيّ 2: 60، شرح فتح القدير 5: 292، تبيين الحقائق 4: 159، مجمع الأنهر 1:

671.

30

و احتجّ الأوزاعيّ: بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يبعث السريّة و يوصيهم بالدعاء إلى الإسلام أو الجزية، و هو عامّ في كلّ كافر (1).

و الجواب عن الأوّل: بالفرق فإنّ أهل الكتاب لهم حرمة بكتابهم، بخلاف غيرهم من الكفّار، و أمّا العرب فقد بيّنّا أنّهم إن كانوا يهودا أو نصارى أو مجوسا، قبلت منهم الجزية و إلّا فلا، فحينئذ لا فرق بين العرب و العجم (2)؛ لأنّ الجزية تؤخذ بالدين لا بالنسب.

و عن الثالث: باحتمال أن تكون الوصيّة في أهل الذمّة دون غيرهم.

مسألة: و من عدا اليهود و النصارى و المجوس لا يقرّون بالجزية و لا يقبل منهم إلّا الإسلام و إن كان لهم كتاب،

كصحف إبراهيم و صحف آدم و إدريس و زبور داود (عليهم السلام)، و هو أحد قولي الشافعيّ، و في الآخر: يقرّون بالجزية (3).

لنا: أنّها ليست كتبا منزلة على ما قيل (4)، و إنّما هي وحي يوحى،

كما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «أمرني جبرئيل (عليه السلام) أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فجرى مجرى السنن»

(5).

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1357 الحديث 1731، سنن أبي داود 3: 37 الحديث 2612، سنن ابن ماجة 2:

953 الحديث 2858، سنن الدارميّ 2: 216، أحكام القرآن لابن العربيّ 2: 291.

(2) يراجع: ص 25.

(3) الحاوي الكبير 14: 287- 288، المهذّب للشيرازيّ 2: 321، حلية العلماء 7: 697، المجموع 19: 388، مغني المحتاج 4: 244.

(4) المهذّب للشيرازيّ 2: 321، المجموع 19: 388.

(5) سنن أبي داود 2: 162 الحديث 1814، سنن ابن ماجة 2: 975 الحديث 2922، سنن الترمذيّ 3:

191 الحديث 829، الموطّأ 1: 334 الحديث 34، مسند أحمد 4: 56، سنن البيهقيّ 5: 42، كنز العمّال 5: 31 الحديث 11912، المصنّف لابن أبي شيبة 4: 464 الحديث 9، مسند الشافعيّ:

123، المعجم الكبير للطبرانيّ 7: 142 الحديث 6626، فيض القدير 1: 97 الحديث 81، فتح الباري 3: 319.

31

سلّمنا أنّها منزلة، لكنّها قد اشتملت على مواعظ لا غير، و ليس فيها أحكام مشروعة، فلم يكن لها حرمة الكتب المشروعة.

احتجّ المخالف: بقوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (1) و هم أهل كتاب.

و لأنّ المجوس يقرّون و لم يثبت لهم كتاب بل شبهة كتاب، فإقرار هؤلاء على ثبوت الكتاب لهم حقيقة أولى (2).

و الجواب عن الأوّل: أنّ اللام في الْكِتٰابَ هنا للعهد إجماعا، و المراد به حينئذ: التوراة أو (3) الإنجيل.

و عن الثاني: أنّهم ملحقون

بقوله (عليه السلام): «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب»

(4). قال أبو إسحاق من الشافعيّة: لو أسلم منهم اثنان و شهدا بأنّ لهم كتابا يتمسّكون به، ثبت لهم حرمة ذلك (5). و هو بناء على الأصل الفاسد.

مسألة: قال ابن الجنيد منّا: إنّ الصابئين تؤخذ منهم الجزية

و يقرّون عليها، كاليهود و النصارى (6). و هو أحد قولي الشافعيّ؛ بناء على أنّهم من أهل الكتاب، و إنّما يخالفونهم في فروع المسائل لا في أصولهم (7).

____________

(1) التوبة (9): 29.

(2) الحاوي الكبير 14: 287، المجموع 19: 388.

(3) خا، ق: و، مكان: أو.

(4) الموطّأ 1: 278 الحديث 42، سنن البيهقيّ 9: 189، كنز العمّال 4: 502 الحديث 11490، المصنّف لعبد الرزّاق 6: 68 الحديث 10025، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 584 الحديث 6، المعجم الكبير للطبرانيّ 19: 437 الحديث 1059، مجمع الزوائد 6: 13، الحاوي الكبير 14: 285.

(5) الحاوي الكبير 14: 290.

(6) نقله عنه في المختلف: 333.

(7) الحاوي الكبير 14: 294، المهذب للشيرازيّ 2: 321، حلية العلماء 7: 697، مغني المحتاج 4:

244.

32

قال أحمد بن حنبل: إنّهم جنس من النصارى، و قال أيضا: إنّهم يسبتون (1)، فهم من اليهود (2).

و قال مجاهد: هم من اليهود و النصارى (3).

و قال السّدّيّ: هم من أهل الكتاب.

و كذا السامرة (4)، و متى كانوا كذلك، قبلت منهم الجزية (5).

و قد قيل عنهم: إنّهم يقولون: إنّ الفلك حيّ ناطق، و إنّ الكواكب السبعة السيّارة آلهة (6). و متى كان الحال كذلك، لم يقرّوا على دينهم بالجزية.

و كذلك تؤخذ الجزية من جميع النصارى من اليعقوبيّة (7)

____________

(1) يقال: سبت اليهود و سبتت، إذا أقاموا عمل يوم السبت، النهاية لابن الأثير 2: 331.

(2) المغني 10: 558، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 580، زاد المستقنع: 36، الكافي لابن قدامة 4: 258، الإنصاف 4: 215.

(3) المغني 10: 559، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 580.

(4) السامرة: قبيلة من قبائل بني إسرائيل، قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم، إليهم نسب السامريّ الذي عبد العجل الذي سمع له خوار. قال الزجّاج: و هم إلى هذه الغاية بالشام يعرفون بالسامريّين. لسان العرب 4: 380.

(5) المغني 10: 559، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 580.

(6) الحاوي الكبير 14: 294، المغني 10: 559، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 580.

(7) اليعقوبيّة: من فرق النصارى أصحاب يعقوب قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلّا أنّهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما و دما فصار الإله هو المسيح و هو الظاهر بجسده بل هو هو، و عنهم أخبرنا القرآن الكريم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ* المائدة (5): 17 و 72 فمنهم من قال: إنّ المسيح هو اللّه تعالى، و منهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت.

الملل و النحل للشهرستانيّ (القسم الأوّل): 206، تفسير الطبريّ 16: 85- 86، تفسير التبيان 7:

113.

33

و النّسطوريّة (1) و الملكيّة (2) و الفرنج و الروم و الأرمن و غيرهم ممّن يدين بالإنجيل و ينتسب إلى عيسى (عليه السلام) و العمل بشريعته؛ عملا بالعمومات (3).

مسألة: بنو تغلب بن وائل (4) من العرب من ربيعة بن نزار

(5)، و انتقلوا في

____________

(1) النسطوريّة: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون و تصرّف في الأناجيل بحكم رأيه، قال: إنّ اللّه تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، و العلم، و الحياة، و هذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، و لا هي هو، و اتّحدت الكلمة بجسد عيسى (عليه السلام) لا على طريق الامتزاج، كما قالت الملكانيّة، و لا على طريق الظهورية، كما قالت اليعقوبيّة، و لكن كإشراق الشمس في كوّة على بلّورة.

و قال ابن خلدون: إنّهم ينسبون إلى نسطور يونس البطرك بالقسطنطنيّة.

الملل و النحل للشهرستانيّ (القسم الأوّل): 205، تاريخ ابن خلدون 2: 178، تفسير الطبريّ 16:

85- 86، تفسير القرطبيّ 4: 101 و ج 11: 108.

(2) الملكيّة، كذا في النسخ و بعض المصادر، و في أكثر المصادر: الملكانيّة، فرقة من النصارى أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم و استولى عليها، و معظم الروم ملكانيّة، قالوا: إنّ (الكلمة) اتّحدت بجسد المسيح و تدرّعت بناسوته، و يعنون بالكلمة: أقنوم العلم، و يعنون بروح القدس: أقنوم الحياة، و لا يسمّون العلم قبل تدرّعه ابنا، بل المسيح مع ما تدرّع به ابن.

الملل و النحل للشهرستانيّ (القسم الأوّل): 203، تفسير التبيان 3: 602، تفسير القرطبيّ 11: 108، مجمع البيان 3: 299.

(3) البقرة (2): 48، آل عمران (3): 85، التوبة (9): 5 و 29.

(4) بنو تغلب منسوبون إلى تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. و بنو تغلب: حيّ من مشركي العرب طالبهم عمر بالجزية فأبوا أن يعطوها باسم الجزية و صالحوا على اسم الصدقة مضاعفة، كانت منازل بني تغلب قبل الإسلام في الجزيرة الفراتيّة بجهات سنجار و نصيبين و تعرف ديارهم هذه بديار ربيعة.

الصحاح 1: 195، لسان العرب 1: 652، تنقيح المقال 1: 106، الأعلام للزركليّ 2: 85.

(5) ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان: جدّ جاهليّ قديم كان مسكن أبنائه بين اليمامة و البحرين و العراق، و هو الذي يقال له: ربيعة الفرس؛ لأنّه أعطي من ميراث أبيه الخيل، و من نسله بنو أسد و عنزة و وائل و جديلة و آخرون، و تفرّعت عنهم بطون و أفخاذ ما زال منها العدد الأوفر إلى اليوم.

الصحاح 3: 1213، لسان العرب 8: 112، الأعلام للزركليّ 3: 17.

34

الجاهليّة إلى النصرانيّة من العرب. و انتقل أيضا من العرب قبيلتان أخريان (1)، و هم تنوخ (2) و بهراء (3)، فصارت القبائل الثلاثة من أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية، كما تؤخذ من غيرهم، و به قال عليّ (عليه السلام) و عمر بن عبد العزيز (4).

و قال أبو حنيفة: لا تؤخذ منهم الجزية، بل تؤخذ منهم الصدقة مضاعفة، فيؤخذ من كلّ خمس من الإبل شاتان، و يؤخذ من كلّ عشرين دينارا دينار، و من كلّ مائتي درهم عشرة دراهم، و من كلّ ما يجب فيه نصف العشر العشر، و ما يجب فيه العشر الخمس (5) و به قال الشافعيّ (6)، و ابن أبي ليلى، و الحسن بن صالح بن حيّ، و أحمد بن حنبل (7).

لنا: أنّهم أهل كتاب، فيدخلون في عموم الأمر بأخذ الجزية من أهل

____________

(1) أكثر النسخ: أخرتان.

(2) تنوخ: قيل: هو تنوخ بن مالك بن فهم بن تيم اللّه- و معنى تيم اللّه: عبد اللّه- من قضاعة جدّ جاهليّ كانت لبنيه دولة قبل الإسلام في أرض الحيرة و الأنبار لم يطل عهدها. و قيل: علماء اللغة و الأنساب ينكرون وجود شخص اسمه (تنوخ) و يقولون إنّ لفظ تنوخ معناه الإقامة اسم أطلق على عدّة قبائل يمانيّة اجتمعت في البحرين و تحالفت على التناصر فسمّيت تنوخا لتنوّخها، أي إقامتها.

الصحاح 1: 434، لسان العرب 12: 75، تاريخ ابن خلدون 2: 248، الأعلام للزركليّ 2: 88.

(3) بهراء بن عمرو بن الحافي، من قضاعة جدّ جاهليّ كانت منازل بنيه في شماليّ منازل (بليّ) من ينبع إلى عقبة أيلة، و انتشر كثير منهم ما بين بلاد الحبشة و صعيد مصر، و النسبة إليهم بهراويّ على القياس و بهرانيّ على غير قياس. الأنساب للسمعانيّ 1: 420، الأعلام للزركليّ 2: 76، لسان العرب 4: 84.

(4) المغني و الشرح الكبير 10: 582.

(5) بدائع الصنائع 7: 113، الهداية للمرغينانيّ 2: 163، تبيين الحقائق 4: 168، مجمع الأنهر 1:

677.

(6) الأمّ 4: 174، الحاوي الكبير 14: 345، المهذّب للشيرازيّ 2: 321، المجموع 19: 388.

(7) المغني و الشرح الكبير 10: 582، الفروع في فقه أحمد 3: 465، الكافي لابن قدامة 4: 258، الإنصاف 4: 220.

35

الكتاب (1).

احتجّوا: بأنّ هذه القبائل دعاهم عمر بن الخطّاب إلى إعطاء الجزية، فأبوا و امتنعوا و قالوا: نحن عرب لا نؤدّي الجزية فخذ منّا الصدقة، كما تأخذ من المسلمين، فامتنع عمر من ذلك، فلحق بعضهم بالروم، فقال له النّعمان بن زرعة (2): (3) إنّ القوم لهم بأس و شدّة فلا تعن عدوّك بهم، و خذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر في طلبهم و ردّهم، و ضعّف عليهم الصدقة، و أخذ منهم من كلّ خمس من الإبل شاتين، و أخذ مكان العشر الخمس، و مكان نصف العشر العشر (4).

و الجواب: يحتمل أنّ عمر فعل ذلك؛ لأنّه عرف حصول الأذى للمسلمين، فصالحهم على هذا المقدار على أن لا يؤذوا المسلمين و أن لا ينصّروا أولادهم، مع أنّه كان يأخذ جزية، لا صدقة و زكاة. و أيضا: فإنّ فعل عمر ليس بحجّة. و أيضا:

هذا الفعل مخالف مذهب المستدلّين به؛ لأنّه يؤدّي إلى أن يأخذ من الواحد أقلّ من دينار بأن يكون صدقته أقلّ من ذلك. و أيضا يلزم أن يكون بعض أهل الكتاب مقيما في بلاد الإسلام على التأبيد بغير عوض؛ إذ من لا زرع له و لا ماشية منهم لا يؤخذ منه (5) شيء حينئذ.

و قد روى الجمهور عن عمر بن عبد العزيز أنّه لم يقبل من نصارى بني تغلب

____________

(1) التوبة (9): 29.

(2) كثير من النسخ: نعمان بن عروة.

(3) النعمان بن زرعة لم نجد له ترجمة إلّا ما روي أنّه من بني تغلب، و حين دعاهم عمر إلى إعطاء الجزية فأبوا و قالوا: نحن عرب لا نؤدّي الجزية، فقال له النعمان بن زرعة أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة، و اختلف في اسمه هل هو زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة.

التاريخ الكبير للبخاريّ 4: 212، المغني 10: 580، المجموع 19: 392.

(4) الحاوي الكبير 14: 345، المغني 10: 581، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 581- 582.

(5) أكثر النسخ: منهم، مكان: منه.

36

إلّا الجزية، و قال: لا و اللّه إلّا الجزية، و إلّا فقد آذنتكم بالحرب (1).

و روي عن عليّ (عليه السلام)، أنّه قال: «لئن تفرّغت لبني تغلب، ليكوننّ لي فيهم رأي، لأقتلنّ مقاتلتهم، و لأسبينّ ذراريّهم، فقد نقضوا العهد، و برئت منهم الذمّة حين نصّروا أولادهم»

(2). فروع:

الأوّل: إذا ثبت أنّ المأخوذ جزية، فلا تؤخذ من الصبيان و المجانين و النساء.

و به قال الشافعيّ (3).

و قال أبو حنيفة: إنّها صدقة تؤخذ مضاعفة من مال من يؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما (4). و به قال أحمد بن حنبل (5).

لنا: ما تقدّم أنّ المأخوذ جزية حقيقة، فلا تؤخذ إلّا ممّن تؤخذ منه الجزية.

و لأنّ عمر بن الخطّاب قال: هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى و أبوا الاسم. و قال

____________

(1) المغني و الشرح الكبير 10: 582.

(2) سنن البيهقيّ 9: 217، كنز العمّال 10: 510 الحديث 11507، أحكام القرآن للجصّاص 4: 287، الأموال لأبي عبيد: 506، المغني و الشرح الكبير 10: 582.

(3) الأمّ 4: 175، الحاوي الكبير 14: 307، المهذّب للشيرازيّ 2: 323، المجموع 19: 402- 403، الميزان الكبرى 2: 188، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 2: 190، مغني المحتاج 4:

245، السراج الوهّاج: 549.

(4) الهداية للمرغينانيّ 2: 163، شرح فتح القدير 5: 304، تبيين الحقائق 4: 168- 169، مجمع الأنهر 1: 677.

(5) المغني و الشرح الكبير 10: 582، الكافي لابن قدامة 4: 259، الفروع في فقه أحمد 3: 469، الإنصاف 4: 221.

37

النعمان بن زرعة: خذ منهم الجزية باسم الصدقة (1).

و لأنّهم أهل ذمّة، فكان الواجب عليهم جزية، لا صدقة، كغيرهم من أهل الذمّة.

و لأنّ المأخوذ منهم مال أخذ لحقن دمائهم و مساكنهم، فكان جزية. كما لو أخذ باسم الجزية.

و على هذا البحث يكون المأخوذ منهم مصروفا إلى من تصرف إليه الجزية على ما يأتي.

احتجّ أبو حنيفة: بأنّهم سألوا عمر أن يأخذ منهم، كما يأخذ من المسلمين، فأجابهم بعد الامتناع (2).

الثاني: لو بذل التغلبيّ أداء الجزية و تحطّ عنه الصدقة، قبل منه؛

لأنّ المأخوذ منه عندنا إنّما هو الجزية لا الصدقة.

أمّا من اعتقد أنّ المأخوذ منه صدقة، فقالوا: ليس لهم ذلك؛ لأنّ الصلح وقع على هذا، فلا يغيّر (3).

و هو خطأ؛ لقوله تعالى: حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ (4) و هذا قد أعطى.

أمّا الحربيّ من التغلبيّين، فإنّه إذا بذل الجزية، قبلت منه؛

لقوله (عليه السلام):

«ادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم و كفّ عنهم»

(5).

____________

(1) الحاوي الكبير 14: 346، العزيز شرح الوجيز 11: 529، المغني 10: 582، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 583.

(2) الهداية للمرغينانيّ 2: 163، شرح فتح القدير 5: 304، تبيين الحقائق 4: 169، مجمع الأنهر 1:

677.

(3) المغني و الشرح الكبير 10: 584.

(4) التوبة (9): 29.

(5) صحيح مسلم 3: 1357 الحديث 1731، سنن أبي داود 3: 37 الحديث 1612، سنن ابن ماجة 2:

653 الحديث 2858، سنن الدارميّ 2: 216، سنن البيهقيّ 9: 184، المصنّف لعبد الرزّاق 5: 218 الحديث 9428، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 581 الحديث 2.

38

و لأنّه كتابيّ باذل للجزية، فتقبل منه، كغيره.

الثالث: لو أراد الإمام نقض صلحهم و تجديد الجزية عليهم، جاز عندنا؛

لأنّ ذلك موكول إلى نظر الإمام. و منع منه بعض الجمهور؛ لأنّ عقد الذمّة على التأبيد (1).

و هو ممنوع مع أنّ عمر بن عبد العزيز نقض ما فعله عمر بن الخطّاب (2).

الرابع: قد بيّنّا أنّ الجزية تؤخذ من كلّ كتابيّ على الإطلاق

إذا التزم بشرائط الذمّة لا فرق بين بني تغلب و غيرهم عندنا (3). أمّا الذين فرّقوا فقال بعضهم: إنّ حكم من تنصّر من تنوخ، أو تهوّد من كنانة و حمير، أو تمجّس من تميم، حكم بني تغلب (4). و اختاره الشافعيّ؛ لأنّهم من العرب، فأشبهوا بني تغلب (5).

لنا: قوله تعالى: حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (6) و هو عامّ.

و بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) معاذا إلى اليمن فأخذ من كلّ حالم دينارا و هم عرب، و أخذ الجزية من نصارى (7) نجران و هم أولاد بني الحارث بن كعب، قال الزهريّ: أوّل من أعطى الجزية أهل نجران و كانوا نصارى، و أخذ الجزية من أكيدر دومة، و هو عربيّ (8).

____________

(1) المغني و الشرح الكبير 10: 584.

(2) المغني و الشرح الكبير 10: 584.

(3) يراجع: ص 34.

(4) المغني و الشرح الكبير 10: 582 و 584.

(5) الحاوي الكبير 14: 287، المهذّب للشيرازيّ 2: 321، المجموع 19: 393.

(6) التوبة (9): 29.

(7) في النسخ: نصرانيّ، مكان: نصارى.

(8) سنن أبي داود 3: 167 الحديث 3038، سنن الترمذيّ 3: 20 الحديث 623، سنن النسائيّ 5:

25- 26، مسند أحمد 5: 230، سنن البيهقيّ 4: 98، سنن الدارقطنيّ 2: 102 الحديث 29 و 31، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 21 الحديث 6841، المصنّف لابن أبي شيبة 3: 19 الحديث 2 و 4،-

39

مسألة: و لا تحلّ ذبائح بني تغلب و لا مناكحتهم،

كغيرهم من أهل الذمّة عندنا على ما قلناه (1)، أمّا من أباح أكل ذبائح أهل الذمّة، فقال الشافعيّ: لا يباح أكل ذبائح أهل الذمّة كافّة (2). و نقله الجمهور كافّة عن عليّ (عليه السلام) (3)، و به قال عطاء، و سعيد بن جبير، و النخعيّ (4).

و قال أبو حنيفة: تحلّ ذبائحهم (5)، و به قال الحسن البصريّ، و الشعبيّ، و الزهريّ، و الحكم، و حمّاد، و إسحاق. و عن أحمد روايتان (6).

لنا: ما رواه الجمهور عن عليّ (عليه السلام) من التحريم،

و قال (عليه السلام):

«إنّهم لم يتمسّكوا من دينهم، إلّا بشرب الخمر»

(7).

و من طريق الخاصّة: عن إسماعيل بن جابر قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا تأكل ذبائحهم و لا تأكل في آنيتهم»

(8) يعني أهل الكتاب.

____________

المعجم الكبير للطبرانيّ 20: 128 الحديث 260، الأموال لأبي عبيد: 33 الحديث 64- 65، المغني و الشرح الكبير 10: 585.

(1) يراجع: ص 25.

(2) الأمّ 2: 232، الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 284، الحاوي الكبير 15: 93، المغني 10: 587.

(3) الأمّ 2: 232، المغني 10: 587، الاستذكار 3: 251، عمدة القارئ 21: 119.

(4) المغني 10: 587، عمدة القارئ 21: 118.

(5) المبسوط للسرخسيّ 12: 5، تحفة الفقهاء 3: 71، بدائع الصنائع 5: 45، الهداية للمرغينانيّ 4:

62، شرح فتح القدير 8: 407، تبيين الحقائق 6: 449، الفتاوى الهنديّة 5: 285، عمدة القارئ 21:

118.

(6) المغني 10: 587، عمدة القارئ 21: 118، زاد المستقنع: 95، الفروع في فقه أحمد 3: 498، الإنصاف 10: 386.

(7) سنن البيهقيّ 9: 217، كنز العمّال 9: 269 الحديث 15651، المصنّف لعبد الرزّاق 6: 72 الحديث 10035.

(8) التهذيب 9: 63 الحديث 269، الاستبصار 4: 81 الحديث 302، الوسائل 16: 347 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 10.

40

و في الصحيح عن الحلبيّ، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذبائح نصارى العرب هل تؤكل؟ فقال: «كان عليّ (عليه السلام) ينهى عن أكل ذبائحهم و صيدهم» و قال: «لا يذبح لك يهوديّ و لا نصرانيّ أضحيّتك»

(1).

و عن محمّد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام): «و لا تأكل ذبيحة نصارى العرب»

(2). احتجّوا: بقوله تعالى: وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ (3). (4)

و الجواب: أنّه ليس بعامّ. و سيأتي البحث فيه إن شاء اللّه.

مسألة: و ما يذكره بعض أهل الذمّة- و هم أهل خيبر- من سقوط الجزية عنهم؛

لأنّ معهم كتابا من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بإسقاطها عنهم (5)، لا يلتفت إليهم في ذلك؛ عملا بالعموم، و لم ينقل ذلك أحد من المسلمين، فلا تعويل على قولهم.

قال أبو العبّاس بن سريج: ذكر أنّهم طولبوا بذلك، فأخرجوا كتابا ذكروا أنّه بخطّ عليّ (عليه السلام) كتبه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان فيه شهادة سعد بن معاذ و معاوية، و تاريخه بعد موت سعد و قبل إسلام معاوية، فاستدلّ بذلك على بطلانه (6).

____________

(1) التهذيب 9: 64 الحديث 271، الاستبصار 4: 81 الحديث 304، الوسائل 16: 349 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 19.

(2) التهذيب 9: 68 الحديث 288، الاستبصار 4: 85 الحديث 320، الوسائل 16: 351 الباب 27 من أبواب الذبائح الحديث 27.

(3) المائدة (5): 5.

(4) المغني 10: 587، المبسوط للسرخسيّ 12: 5، الهداية للمرغينانيّ 4: 62، شرح فتح القدير 8:

407، تبيين الحقائق 6: 449، مجمع الأنهر 2: 507.

(5) الحاوي الكبير 14: 310، المغني 10: 587، العزيز شرح الوجيز 11: 511.

(6) المغني 10: 619، العزيز شرح الوجيز 11: 511.

41

مسألة: قد بيّنّا أنّ الجزية إنّما تؤخذ من الأصناف الثلاثة: اليهود، و النصارى، و المجوس

إذا التزموا بشرائط الذمّة الآتية (1). فإذا غزا الإمام قوما فادّعوا أنّهم أهل كتاب، سألهم، فإن قالوا: دخلنا أو دخل آباؤنا قبل نزول القرآن- في دينهم- أخذ منهم الجزية، و شرط عليهم نبذ العهد، و المقاتلة لهم إن بان كذبهم، و لا يكلّفون البيّنة على ذلك، و يقرّون بأخذ الجزية، فإن بان كذبهم، انتقض العهد، و وجب قتالهم.

و يظهر كذبهم: بأن يعترفوا بأجمعهم أنّهم عبّاد وثن. و لو اعترف بعضهم بذلك و أنكر الآخرون، انتقض عهد المعترف خاصّة دون غيره. و لو شهدوا على الآخرين بذلك، لم تقبل شهادتهم؛ لأنّ الكافر مردود القول.

و لو أسلم منهم اثنان و عدّلوا ثمّ شهدوا (2) أنّهم ليسوا من أهل الذمّة، انتقض العهد و قوتلوا.

فرع:

لو دخل عابد وثن في دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن، و له ابنان صغير و كبير، فأقاما على عبادة الأوثان، ثمّ جاء الإسلام و نسخ كتابهم، فإنّ الصغير إذا بلغ و قال: إنّي على دين أبي و أبذل الجزية، أقرّ عليه و أخذ منه الجزية؛ لأنّه تبع أباه في الدين؛ لصغره. و أمّا الكبير، فإن أراد أن يقيم على دين أبيه و يبذل الجزية، لم يقبل منه؛ لأنّ له حكم نفسه، و لا يصحّ دخوله في الدين بعد نسخه.

و لو دخل أبوهما في دين أهل الكتاب ثمّ مات، ثمّ جاء الإسلام و بلغ الصبيّ و اختار دين أبيه ببذل الجزية، أقرّ عليه؛ لأنّه تبعه في الدين، فلا يسقط بموته. و أمّا الكبير فلا يقرّ بحال؛ لأنّ حكمه منفرد.

____________

(1) يراجع: ص 17.

(2) كذا في النسخ، و الصحيح: عدّلا ثمّ شهدا.

42

مسألة: و في سقوط الجزية عن الفقير منهم لعلمائنا قولان:

أشهرهما أنّها لا تسقط، اختاره الشيخ- (رحمه اللّه)- بل ينظر بها إلى وقت يساره، و يؤخذ منه حينئذ ما قرّر عليه في كلّ عام حال فقره (1). و به قال المزنيّ (2) و هو أحد قولي الشافعيّ (3).

و قال المفيد (4) و ابن الجنيد: لا جزية عليه (5). و هو القول الآخر للشافعيّ (6)، و به قال أحمد (7).

لنا: عموم قوله تعالى: حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ (8) يعني حتّى يلتزموا بالإعطاء، و هو عامّ.

و لأنّه كافر مكلّف، فلا يعقد له الذمّة بغير عوض، كالغنيّ.

____________

(1) المبسوط 2: 38.

(2) الأمّ (مختصر المزنيّ) 8: 277.

(3) الحاوي الكبير 14: 301، المهذّب للشيرازيّ 2: 324، حلية العلماء 7: 698، المجموع 19:

395، منهاج الطالبين: 118، مغني المحتاج 4: 246، الميزان الكبرى و رحمة الأمّة بهامشها 2:

189، السراج الوهّاج: 551.

(4) قال المصنّف في المختلف: 334: و الظاهر من كلام المفيد ...: الأوّل، يعني وجوب الجزية على الفقير. ينظر: المقنعة: 44.

(5) نقله عنه في المختلف: 334.

(6) الحاوي الكبير 14: 301، المهذّب للشيرازيّ 2: 324، حلية العلماء 7: 698، مغني المحتاج 4:

246، السراج الوهّاج: 551.

(7) المغني 10: 576، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 589، الكافي لابن قدامة 4: 260، الفروع في فقه أحمد 3: 468، الإنصاف 4: 224.

(8) التوبة (9): 29.

43

و لقوله (عليه السلام) لمعاذ: «خذ من كلّ حالم دينارا»

(1) و هو عامّ.

و لأنّ عليّا (عليه السلام) وظّف على الفقير دينارا (2).

احتجّ المخالف: بأنّ الجزية حقّ تجب بحؤول (3) الحول، فلا تجب على الفقير، كالزكاة و العقل (4). (5)

و الجواب: الفرق ثابت، فإنّ الزكاة و العقل إنّما وجبا على طريق المساواة، و الجزية وجبت لحقن الدم و المساكنة، و لا فرق بين الغنيّ و الفقير في ذلك.

إذا ثبت هذا: فإنّ الإمام يعقد لهم الذمّة على الجزية و تكون في ذمّته، فإذا أيسر، طولب بها.

و قال بعض الشافعيّة: لا يقرّ إلّا بإعطائها، فإن تمحّل (6) و حصّل الجزية في آخر الحول، و إلّا ردّه إلى دار الحرب (7). و ليس بمعتمد.

مسألة: و تسقط الجزية عن الصبيّ

- و هو قول عامّة أهل العلم، لا نعرف فيه خلافا-

لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لمعاذ: «خذ من كلّ حالم دينارا أو عدله

____________

(1) سنن أبي داود 3: 167 الحديث 3038، سنن الترمذيّ 3: 20 الحديث 623، سنن النسائيّ 5:

25، سنن البيهقيّ 4: 98، الأموال لأبي عبيد: 33 الحديث 64 و 65، سنن الدارقطنيّ 2: 102 الحديث 29 و 31، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 21 الحديث 6841، مسند أحمد 5: 230، المصنّف لابن أبي شيبة 3: 19 الحديث 2، المعجم الكبير للطبرانيّ 20: 128 الحديث 260- 265، المغني و الشرح الكبير 10: 585.

(2) لم نعثر عليه.

(3) خا: بحلول، مكان: بحؤول.

(4) العقل: الدية. النهاية لابن الأثير 3: 278.

(5) الحاوي الكبير 14: 301، المغني 10: 576، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 589.

(6) التمحّل من المحل: و هو السعي. لسان العرب 11: 618، و في المهذّب للشيرازيّ 2: 324 المعتمل، و هو بمعناه.

(7) الحاوي الكبير 14: 301، المهذّب للشيرازيّ 2: 324، حلية العلماء 7: 699.

44

معافريّ»

(1) و هو يدلّ بمفهومه على سقوط الجزية عن غير البالغ.

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن حفص بن غياث قال: كتب إليّ بعض إخواني أن أسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسائل من السير، فسألته و كتبت بها إليه، فكان فيما سألته: أخبرني عن النساء كيف سقطت الجزية عنهنّ و رفعت عنهنّ؟

فقال:

«لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن قتل النساء و الولدان في دار الحرب إلّا أن يقاتلن،

و إن قاتلت أيضا فأمسك عنها ما أمكنك و لم تخف خللا، فلمّا نهى عن قتلهنّ في دار الحرب، كان ذلك في دار الإسلام أولى، و لو امتنعت أن تؤدّي الجزية، لم يمكنك قتلها، فلمّا لم يمكن قتلها، رفعت الجزية عنها- و لو امتنع الرجال و أبوا أن يؤدّوا الجزية، كانوا ناقضين للعهد و حلّت دماؤهم و قتلهم؛ لأنّ قتل الرجال مباح في دار الشرك- و كذلك المقعد من أهل الذمّة و الشيخ الفاني و المرأة و الولدان في أرض (2) الحرب، من أجل ذلك رفعت عنهم الجزية» (3) و لأنّ الجزية إنّما تؤخذ لحقن الدماء المباحة، و الصبيّ محقون الدم، فلا جزية عليه.

فروع:

الأوّل: الصبيّ إذا بلغ بالإنبات أو الاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة- و كان من أهل الذمّة- طولب بالإسلام أو بذل الجزية،

فإن امتنع منهما، صار حربيّا، فإن

____________

(1) سنن أبي داود 3: 167 الحديث 3038، سنن الترمذيّ 3: 20 الحديث 623، سنن النسائيّ 5:

25، مسند أحمد 5: 230، سنن البيهقيّ 4: 98، سنن الدارقطنيّ 2: 102 الحديث 29 و 31، الأموال لأبي عبيد: 33 الحديث 64 و 65، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 21 الحديث 6841، المصنّف لابن أبي شيبة 3: 19 الحديث 2، المعجم الكبير للطبرانيّ 20: 128 الحديث 260- 265، المغني و الشرح الكبير 10: 585.

(2) في النسخ: «أهل» مكان: «أرض» و ما أثبتناه من المصادر.

(3) التهذيب 6: 156 الحديث 277، الوسائل 11: 47 الباب 18 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

45

اختار الجزية، عقد معه الإمام على حسب ما يقتضيه نظره، و لا اعتبار بجزية أبيه، فإذا حال الحول عليه من وقت العقد أخذ منه ما شرط عليه.

الثاني: لو كان هذا الصبيّ ابن عابد وثن و بلغ، طولب بالإسلام لا غير،

فإن امتنع، صار حربيّا؛ لما بيّنّا أنّ الجزية إنّما تؤخذ من أهل الكتاب (1).

الثالث: لو بلغ الصبيّ مبذّرا،

لم يزل الحجر عنه، و يكون ماله في يد وليّه. و لو أراد عقد الأمان بالجزية أو المصير إلى دار الحرب، كان له ذلك، و ليس لوليّه منعه عنه؛ لأنّ الحجر لا يتعلّق بحقن دمه و إباحته، بل بماله، كما لو أسلم أو ارتدّ. أمّا لو أراد أن يعقد أمانا ببذل جزية كثيرة، فالوجه عندي: أنّ لوليّه منعه عن ذلك؛ لأنّ حقن دمه يمكن بالأقلّ.

الرابع: لو صالح الإمام قوما على أن يؤدّوا الجزية عن أبنائهم غير ما يدفعون عن أنفسهم،

فإن كانوا يدفعون الزائد من أموالهم، جاز ذلك، و يكون ذلك زيادة في جزيتهم، و إن كان من أموال أولادهم، لم يجز؛ لأنّه تضييع لأموالهم فيما ليس بواجب عليهم.

الخامس: لو بلغ سفيها، لم تسقط عنه الجزية،

و لا يقرّ في دار الإسلام بغير عوض؛ لعموم الآية (2)، فإن اتّفق هو و وليّه على بذل الجزية و عقداها، جاز، و إن اختلفا، قدّم قوله؛ لما قلناه.

و إن لم يعقد أمانا، نبذناه إلى دار الحرب، و صار حربا (3).

السادس: الإمام إذا عقد الذمّة لرجل، دخل هو و أولاده الأصاغر و أمواله في أمان،

فإذا بلغ أولاده، لم يدخلوا في ذمّة أبيهم و جزيته إلّا بعقد مستأنف. و به قال

____________

(1) يراجع: ص 17 و 19.

(2) التوبة (9): 29.

(3) ح و خا: حربيّا.

46

الشافعيّ (1).

و قال أحمد: يدخلون فيه بغير عقد متجدّد (2).

لنا: أنّ الأب عقد الذمّة لنفسه، و إنّما دخل أولاده الصغار بمعنى الصغر، فإذا بلغوا، زال المقتضي للدخول.

احتجّوا: بأنّه عقد دخل فيه الصغير، فإذا بلغ، لزمه، كالإسلام (3).

و الجواب: الفرق بينهما، فإنّ الإسلام لعلوّه على غيره من الأديان ألزم به، بخلاف الكفر.

إذا ثبت هذا: فإنّه يعقد له الأمان من حين البلوغ، و لا اعتبار بجزية أبيه- على ما قلناه- (4) فإن كان أوّل حول أقاربه، استوفي ما ضرب عليه في آخر الحول معهم، و إن كان في أثناء الحول، عقد له الذمّة، فإذا جاء أصحابه و جاء الساعي فإن أعطى بقدر ما مضى من حوله، أخذ منه، و إن امتنع حتّى يحول عليه الحول، لم يلزم بالأخذ.

السابع: لو كان أحد أبويه وثنيّا،

فإن كان الأب، لحق به، و لم تقبل منه الجزية بعد البلوغ، بل يقهر على الإسلام، فإن امتنع، ردّ إلى مأمنه في دار الحرب و صار حربا؛ لأنّ دينه دين أبيه. و إن كانت الأمّ، لحق بالأب، و أقرّ (5) في دار الإسلام بأخذ الجزية.

____________

(1) المهذّب للشيرازيّ 2: 323، حلية العلماء 7: 704، المجموع 19: 402، منهاج الطالبين: 118، مغني المحتاج 4: 245، السراج الوهّاج: 550.

(2) المغني 10: 574، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 590، الكافي لابن قدامة 4: 261، الفروع في فقه أحمد 3: 468، الإنصاف 4: 225.

(3) المغني 10: 574، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 590.

(4) يراجع: ص 44.

(5) كثير من النسخ: و أقرّه، مكان: و أقرّ.

47

مسألة: و يسقط عن المجنون المطبق إجماعا؛

لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبيّ حتّى يبلغ، و عن المجنون حتّى يفيق ...»

(1).

و لما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «جرت السنّة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه و لا من المغلوب على عقله»

(2)

.

و لأنّه محقون الدم، فإنّه لا اعتقاد له، فلا مقتضي لوجوب الجزية في حقّه.

فرع:

لو كان جنونه غير مطبق، لم يخل من أحوال ثلاثة:

أحدها: أن يكون جنونه غير مضبوط، مثل أن يفيق ساعة من أيّام أو من يوم، فهذا يعتبر حاله بالأغلب؛ لأنّ ضبط أوقات إفاقته غير ممكن.

الثاني: أن يكون مضبوطا، مثل أن يجنّ يوما و يفيق يومين أو أقلّ من ذلك أو أكثر، إلّا أنّه مضبوط، ففيه احتمالان:

أحدهما: أن يعتبر بالأغلب، كالأوّل- و هذا اختيار أبي حنيفة- (3) لأنّ الاعتبار في الأصول بالأغلب.

الثاني: تلفّق أيّام إفاقته؛ لأنّه لو كان مفيقا في الكلّ، وجبت الجزية، فإذا وجدت الإفاقة في بعض الحول، وجب فيما يجب به لو انفرد، و على هذا الاحتمال

____________

(1) صحيح البخاريّ 7: 59 و ج 8: 204، سنن أبي داود 4: 141 الحديث 4403، سنن ابن ماجة 1:

658 الحديث 2041، سنن الترمذيّ 4: 32 الحديث 1423، سنن الدارميّ 2: 171، مسند أحمد 6:

101، سنن البيهقيّ 4: 325 و ج 6: 57 و ج 8: 264 و ج 10: 317، سنن الدارقطنيّ 3: 138 الحديث 173، كنز العمّال 4: 233 الحديث 10309، المعجم الكبير للطبرانيّ 11: 74 الحديث 11141، مجمع الزوائد 6: 251، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 1: 178 الحديث 142.

(2) التهذيب 6: 159 الحديث 286، الوسائل 11: 48 الباب 18 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 3.

(3) الحاوي الكبير 14: 308، المغني 10: 575، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 591.

48

يحتمل أن تلفّق أيّامه، فإن أكملن حولا، أخذت منه؛ لأنّ أخذها قبل ذلك أخذ لجزيته قبل كمال الحول، فلم يجز، كالصحيح. و الثاني: يؤخذ منه في آخر كلّ حول بقدر ما أفاق منه و كذا الاحتمالان لو كان يجنّ ثلث الحول و يفيق ثلثيه أو بالعكس.

أمّا لو استوت إفاقته و جنونه، مثل من يجنّ يوما و يفيق يوما، أو يجنّ نصف الحول و يفيق نصفه، فإنّ إفاقته تلفّق؛ لتعذّر اعتبار الأغلب هنا لعدمه، فيتعيّن الاعتبار الآخر.

الثالث: أن يجنّ نصف الحول، ثمّ يفيق إفاقة مستمرّة، أو يفيق نصفه ثمّ يجنّ جنونا مستمرّا، فعليه في الأوّل من الجزية بقدر ما أفاق من الحول إذا استمرّت الإفاقة بعد الحول. و في الثاني لا جزية عليه؛ لأنّه لم يتمّ الحول مفيقا.

مسألة: و لا تؤخذ الجزية من النساء،

و هو مذهب عامّة العلماء.

روى الجمهور عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال لمعاذ: «خذ من كلّ حالم دينارا»

(1) و هو تخصيص للذكور، فيبقى الباقي على أصالة براءة الذمّة.

و كتب عمر بن الخطّاب إلى أمراء الأجناد: أن اضربوا الجزية، و لا تضربوها على النساء و الصبيان، و لا تضربوها إلّا على من جرت عليه الموسى (2).

و من طريق الخاصّة: ما رواه الشيخ عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في تعليل سقوط الجزية عن النساء، فقال: «لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه

____________

(1) سنن أبي داود 3: 167 الحديث 3038، سنن الترمذيّ 3: 20 الحديث 623، سنن النسائيّ 5:

25، مسند أحمد 5: 230، سنن البيهقيّ 4: 98، سنن الدارقطنيّ 2: 102 الحديث 29 و 31، الأموال لأبي عبيد: 33 الحديث 64 و 65، المصنّف لعبد الرزّاق 4: 21 الحديث 6841، المصنّف لابن أبي شيبة 3: 19 الحديث 2، المعجم الكبير للطبرانيّ 20: 128 الحديث 260- 265، المغني و الشرح الكبير 10: 585.

(2) سنن البيهقي 9: 195، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 582 الحديث 10، الأموال لأبي عبيد: 45.

49

و آله نهى عن قتل النساء و الولدان»

(1)

.

و لأنّ الجزية تؤخذ لحقن الدماء، و النساء محقونون (2)، فلا جزية عليهنّ، و لا نعرف فيه خلافا.

فروع:

الأوّل: لو بذلت امرأة الجزية عرّفها الإمام أن لا جزية عليها،

فإن ذكرت أنّها تعلم ذلك و طلبت دفعه إلينا، جاز أخذه و تكون هبة لا جزية، و تلزم على شروط الهبة. و لو شرطت ذلك على نفسها، لم تلزمها، و جاز لها الرجوع فيه فيما لها أن ترجع في الهبة. و لا ينتقض ذلك بما لو التزم الرجل بأكثر ممّا قدّره الإمام عليه من الجزية؛ لأنّ المرأة لا تجب عليها الجزية، فما تدفعه ليس بجزية، فلا يلزمها بالالتزام. أمّا الرجل فالذي يدفعه إنّما هو جزية، و لا حدّ لها في الكثرة، فإذا التزم بأكثر ممّا قدّر عليه، لزمه.

الثاني: لو بعثت امرأة من دار الحرب، فطلبت أن يعقد لها الذمّة و تصير إلى دار الإسلام،

مكّنت من ذلك و عقد لها الذمّة بشرط التزام أحكام الإسلام، و لا يؤخذ منها شيء إلّا أن تتبرّع به بعد معرفتها أنّه لا شيء عليها. و إن أخذ منها شيء على غير ذلك، ردّ عليها؛ لأنّها بذلته معتقدة أنّه عليها و أنّه لا تحقن إلّا به، فأشبه من أدّى مالا إلى من يعتقد أنّه له، فتبيّن أنّه ليس له.

الثالث: لو كان في حصن رجال و نساء و صبيان، فامتنع الرجال من أداء الجزية و بذلوا أن يصالحوا على أنّ الجزية على النساء و الولدان،

لم يجز ذلك؛ لأنّ النساء و الصبيان مال و المال لا تؤخذ منه الجزية، و لا يجوز أخذ الجزية ممّن

____________

(1) التهذيب 6: 156 الحديث 277، الوسائل 11: 47 الباب 18 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

(2) كذا في النسخ.

50

لا تجب عليه و يترك من تجب عليه، فإن صالحهم على ذلك، بطل الصلح، و لا يلزم النساء شيء. و لو طلب النساء ذلك و دعوا (1) أن تؤخذ منهنّ الجزية، و يكون الرجال في أمان، لم يصحّ.

و لو قتل الرجال أو لم يكن في الحصن سوى النساء، فطلبوا عقد الذمّة بالجزية، فالوجه عندي: عدم جواز ذلك، و يتوصّل إلى فتح الحصن و يسبين؛ لأنّهنّ أموال للمسلمين.

و قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: يلزمه عقد الذمّة لهنّ على أن تجرى عليهنّ أحكام الإسلام و لا يأخذ منهنّ شيئا، فإن أخذ منهنّ شيئا، ردّه عليهنّ (2).

الرابع: لو دخلت الحربيّة دار الإسلام بأمان للتجارة،

لم يكن عليها أن تؤدّي شيئا إلّا أن تختار هي؛ لأنّ الاختيار في ذلك المكان مباح لها، و كذا الإقامة فيه على التأبيد بغير عوض، بخلاف الرجل. و لو طلبت دخول الحجاز على أن تؤدّي شيئا، جاز ذلك؛ لأنّه ليس لها دخول الحجاز على ما يأتي البحث فيه.

مسألة: و تؤخذ الجزية من الشيخ الفاني و الزّمن،

قاله الشيخ- (رحمه اللّه)- (3) و هو أحد قولي الشافعيّ.

و في الثاني: لا تؤخذ منهم الجزية، و هذا عنده تفريع على جواز قتلهم (4).

و الشيخ- (رحمه اللّه)- أوجب الجزية عليهم و إن جاز استثناؤهم؛ عملا بعموم

____________

(1) كذا في النسخ.

(2) المبسوط 2: 40.

(3) المبسوط 2: 42، الخلاف 2: 510 مسألة- 7.

(4) الحاوي الكبير 14: 310، المهذّب للشيرازيّ 2: 324، المجموع 19: 404، الميزان الكبرى 2:

188، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 2: 190، مغني المحتاج 4: 246، السراج الوهّاج: 550، المغني 10: 577، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 587.

51

الآية (1). (2)

و في رواية حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّها تسقط عن «المقعد [من أهل الذمّة]

(3)

و الشيخ الفاني و المرأة و الولدان»

(4). و قد سلفت (5).

قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: و كذلك إذا وقعوا في الأسر، جاز للإمام قتلهم (6).

أمّا الأعمى، فالوجه: مساواته لهما.

مسألة: و تؤخذ من أهل الصوامع و الرهبان،

و هو أحد قولي الشافعيّ. و في الآخر: لا جزية عليهم (7).

لنا: عموم الأمر بأخذ الجزية (8) و قد فرض عمر بن عبد العزيز على رهبان الديارات الجزية على كلّ راهب دينارين (9). و لأنّه كافر صحيح قادر على أداء الجزية، فوجب أخذها منه كالشمّاس (10).

احتجّوا: بأنّهم محقونون بدون الجزية، فلا تجب عليهم، كالنساء. و لأنّه

____________

(1) المبسوط 2: 42، الخلاف 2: 510 مسألة- 7.

(2) التوبة (9): 29.

(3) أضفناها من المصدر.

(4) الكافي 5: 28 الحديث 6، التهذيب 6: 156 الحديث 277، الوسائل 11: 47 الباب 18 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 1.

(5) يراجع: ص 48 رقم 2.

(6) المبسوط 2: 42، الخلاف 2: 501 مسألة- 5.

(7) الأمّ 4: 176، الحاوي الكبير 14: 310، المهذّب للشيرازيّ 2: 324، المجموع 19: 404، الميزان الكبرى 2: 188، رحمة الأمّة بهامش الميزان الكبرى 2: 190، منهاج الطالبين: 118، مغني المحتاج 4: 246، السراج الوهّاج: 550، المغني 10: 578، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 589.

(8) التوبة (9): 29.

(9) الأموال لأبي عبيد: 51 الحديث 109، المغني 10: 578.

(10) الشمّاس من رءوس النصارى: الذي يحلق وسط رأسه و يلزم البيعة. لسان العرب 6: 114.

52

لا كسب لهم، فأشبهوا الفقراء (1).

و الجواب عن الأوّل: بمنع المقدّمة الأولى.

و عن الثاني: بالمنع من ثبوت الحكم في الأصل.

مسألة: و اختلف علماؤنا في إيجاب الجزية على المملوك،

فالمشهور: عدم وجوبها عليه، ذهب إليه الشيخ- (رحمه اللّه)- (2) و هو قول الجمهور كافّة.

و قال آخرون: لا تسقط عنهم الجزية (3).

احتجّ الشيخ- (رحمه اللّه)-: بما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال:

«لا جزية على العبد»

(4). و لأنّ العبد مال، فلا تؤخذ منه الجزية، كغيره من الحيوان (5).

احتجّ الآخرون:

بما رواه الجمهور عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «لا تشتروا رقيق أهل الذمّة و لا ممّا في أيديهم؛ لأنّهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا و لا يقرّنّ أحدكم بالصّغار بعد إذ أنقذه اللّه منه»

(6) و معناه: أنّه نهى عن شراء رقيق أهل الذمّة؛ لأنّه إن لم يؤدّ عنهم، سقط بعض الجزية بغير سبب، و إن أدّى عنهم، لحقه الصّغار.

____________

(1) المهذّب للشيرازيّ 2: 324، المجموع 19: 404.

(2) المبسوط 2: 40.

(3) منهم: ابن الجنيد، نقله عنه في المختلف: 334، و ابن بابويه في المقنع: 160، و ظاهر الفقيه 2: 29 الحديث 106.

(4) أورده ابنا قدامة في المغني 10: 577، و الشرح الكبير بهامش المغني 10: 587، و الشيخ الطوسيّ في المبسوط 2: 40، و ابن إدريس في السرائر: 110.

(5) المبسوط 2: 40.

(6) سنن البيهقيّ 9: 140 و فيه: عن عمر، المغني 10: 577، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 588 و فيهما: و روي عن عليّ (عليه السلام) مثل حديث عمر.

53

و من طريق الخاصّة: ما رواه أبو الدرداء

(1)

، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، أنّه قال: سألته عن مملوك نصرانيّ لرجل مسلم عليه جزية؟ قال: «نعم» قلت:

فيؤدّي عنه مولاه المسلم الجزية؟ قال: «نعم، إنّما هو ماله يفتديه إذا أخذ يؤدّي عنه»

(2). قال ابن الجنيد: و في كتاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمعاذ و عمرو بن حزم:

أخذ الجزية من العبد (3).

و لأنّه مشرك، فلا يجوز أن يستوطن دار الإسلام بغير عوض، كالحرّ.

و لأنّ سيّده لو كان مشركا لم يمكّن من الإقامة إلّا بعقد الذمّة، فالعبد أولى.

و لأنّه من أهل الجهاد، فلا تسقط عنه الجزية؛ لأنّها عوض حقن الدم و هو مباح الدم.

____________

(1) ع: درداء، ر: الدرداء، خا و ق: أبو درداء، ب و آل: أبو الدرداء، كما في الفقيه 2: 29 الحديث 106 في نسخة، و في الوسائل 11: 97 الباب 49 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 6، و لكن في الفقيه 3: 94 الحديث 352 و في نسخة من الوسائل عن أبي الورد، و روى الصدوق في الفقيه 3: 345 الحديث 1654 رواية عن زياد بن المنذر عن أبي الدرداء عن أبي جعفر (عليه السلام)، و هذه الرواية رواها الشيخ في التهذيب 8: 22 الحديث 72، و في الاستبصار 3: 263 الحديث 941 عن أبي الورد، قال المحقّق الأردبيليّ: و لعلّه الصواب، بقرينة روايته عن أبي جعفر (عليه السلام) و كون الأخبار متّحدة، و قال المامقانيّ: أبدل في بعض النسخ أبو الورد بأبي الدرداء و هو غلط من النسّاخ بلا شبهة لأنّ أبا الدرداء عويمر أو عامر بن عامر بن زيد الخزرجيّ الأنصاريّ المدنيّ من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و الرواية هنا عن مولانا الباقر (عليه السلام) فكيف يمكن رواية أبي الدرداء عنه، و قال السيّد الخوئيّ: لو صحّ ما في الفقيه هو رجل مجهول و ليس هو عويمر الذي هو من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

جامع الرواة 2: 374، تنقيح المقال 3: 37 من فصل الكنى، معجم رجال الحديث 22: 164.

(2) الفقيه 2: 29 الحديث 106، الوسائل 11: 97 الباب 49 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 6.

(3) نقله عنه في المختلف: 334.

54

فروع:

الأوّل: لا فرق بين أن يكون العبد لمسلم أو ذمّيّ

إن قلنا بوجوب الجزية عليه، و يؤدّيها مولاه عنه.

و بعض الجمهور فرّق بينهما؛ لأنّ عبد المسلم إنّما تؤخذ الجزية من مولاه، فيؤدّي إلى أخذ الجزية من المسلم (1).

و هو ضعيف؛ لأنّه يؤدّيها عن حقن دم العبد. و قد علّل (2) الباقر (عليه السلام) ذلك و نصّ على أخذها من مولاه (3).

الثاني: لو كان نصفه حرّا و نصفه رقّا،

وجب أخذ الجزية عنه، فيؤدّي هو قدر نصيبه من الحرّيّة، و يؤدّي مولاه قدر الرقّيّة إن قلنا بوجوب الجزية على المملوك، و إلّا وجب عليه بقدر الحرّيّة لا غير؛ لأنّه حكم يتجزّأ يختلف بالحرّيّة و الرقّ، فيقسّم على قدرهما، كالإرث.

الثالث: لو أعتق، لم يخل حاله من أحد أمرين: إمّا أن يكون حربيّا، أو من أهل الكتاب،

فإن كان حربيّا، لم يقرّ بالجزية، بل يقهر على الإسلام أو يردّ إلى دار الحرب، قاله الشافعيّ (4).

و قال ابن الجنيد منّا: لا يمكّن من (5) اللحوق بدار الحرب، بل يسلم أو يحبس؛ لأنّ في لحوقه بدار الحرب معونة لهم على المسلمين و دلالة على عوراتهم (6).

____________

(1) المغني 10: 577، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 587.

(2) أكثر النسخ: تملّك، مكان: علّل.

(3) الفقيه 2: 29 الحديث 106، الوسائل 11: 97 الباب 49 من أبواب جهاد العدوّ الحديث 6.

(4) روضة الطالبين: 1828، العزيز شرح الوجيز 11: 501، المغني 10: 578، الشرح الكبير بهامش المغني 10: 589.

(5) كثير من النسخ: في.

(6) نقله عنه في المختلف: 335.