السبع الشداد

- السيد محمد باقر الميرداماد المزيد...
112 /
1

-

2

[المدخل]

هو اللّٰه تعالى بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و الاستيفاق من اللّٰه العزيز العليم و الاعتصام بحبل اللّٰه العلىّ العظيم الحمد للّه الملك المهيمن الحقّ المبين رافع سماء العقل و ماهد مهاد اليقين و الصّلاة على المصطفين من عباده المكرمين و المنتجبين من اصفيائه المقرمين محمّد قرم الانبياء و صفو المرسلين و سيّد الخليفة فى الاوّلين و الاخرين و عترته الطّاهرين انوار اللّٰه تعالى فى العالمين و منار الهداية فى سبيله المستبين و عيبته العلم و خزنة الوحي و حملة الدّين و صفوة اللّٰه و خيرته من الخلق اجمعين و بعد فأحوج المربوبين و افقر المفتاقين إلى ربّه الرّحمن الحميد الغنيّ محمّد بن محمّد يدعى باقر الداماد الحسينى ختم اللّٰه له فى نشأتيه بالحسنى يقول يا آل الرّوع و حزب البصيرة و صحابة القلب و پيغمبر صلى الرّويّة من ارباب العقل و الدّراية بمحفلى و اصحاب السّمع و الرّواية بمحتفلى ها انا آتيكم بطلبتكم المرغوب فيها بالإلحاح و مبتغاتكم الملحوف عليها بالاقتراح من افراد رسالة جامعة تجمع سبعا شدادا من مقالات فحصيّة بحقيقيّة السبع عواص من عضالات وهميّة

3

تشكيكيّة في اساسات اصوليّة و مقامات فقهيّة انّما فيها سوق النّظر و سبقه إلى حريم المناص على جوادّ التحقيق و من مرصاد السّداد و صبغ القول و صوغه فى قويم الافتحاص من مصبغة الحق و على صباغة الصّواب فما انا بميسّر لها من تلقاء نفسى و لكن ان هى الّا صبغة اللّٰه و من احسن من اللّٰه صبغة و التّكلان فى الاصابة على عصمة من اللّٰه و من امتن من اللّٰه عصمة

المقالة الاولى و فيها فصول ثلاثة

فصل لقد اتفقت كلمة الاقوام على ادراج الفقه فى جنس العلم

و تحديده بأنّه العلم بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة المستدلّ على اعيانها بأدلّة تفصيليّة و هناك شكّ معضل مشهور و هو انه انّما سنّة الفقه و ديدنه اخذ الاحكام الشرعيّة الفرعيّة عن ادلّتها التّفصيليّة الظّنيّة فكيف يكون الفقه من جنس العلم الّذى هو اليقين على الاصطلاح الشّائع الفاشي فى جميع العلوم عامّة و المعبّر عنه بالعقل المضاعف على لسان الفلسفة و الحكمة خاصّة و كيف تكون الاحكام الفرعيّة المأخوذة عن ادلّتها الظّنيّة معقولة عقلا مضاعفا و معلومة علما يقينا قلت و هذا الشّكّ ليس

4

يخصّ علم الفقه بل انّه معقود الورود على سائر العلوم عموما حتّى علوم لعلوم الفلسفة الاولى الّتى هى الحكمة ما فوق الطّبيعة و لكن انّما انعقاده على تلك العلوم بحسب قياسها إلى طائفة من مسائلها فقط و بالنّسبة من مسائلها إلى طائفة من اقيستها و دلائلها فحسب و امّا على علم الفقه فمن حيث قياسه إلى جميع مسائله عموما و بحسب النّسبة إلى قاطبة دلائلها جميعا و ذلك من سبيلين احدهما ان فنّى الجدل و الخطابة و كذلك فن سوفسطيقا يشارك كلّ منها كلّا من العلوم الجزئيّة و العلم الكلّي اعنى الفلسفة الاولى فالجدلى و الخطيب و السّوفسطيقي يتكلّم كلّ منهم فيما يتكلّم فيه صاحب علم جزئى و فيما يتكلّم فيه الفيلسوف الاوّل و الفيلسوف الاوّل من حيث هو فيلسوف اوّل لا يتكلّم فى مسائل العلوم الجزئيّة و الفيلسوف الاوّل من حيث هو فيلسوف اوّل لا يبتغى الامر الحقّ و ان استعمل القياسات الجدليّة و البيانات الخطابيّة و لا يروم الّا افادة صريح اليقين او انفاع النّفس فى ذلك بتعويدها بالقبول و التّسليم و اعدادها و تهييئها لاذعان الحق و الانقياد للبرهان و الجدلىّ بما هو جدلىّ لا يبتغى الا الغلبة و الالزام و لا يقصد الّا افادة شبيه اليقين او الظّنّ السّاذج و الخطيب بما هو خطيب لا ينبغى

5

الّا المفاوضة و الغلبة فيها و لا ينحو الّا نحو افادة الاقناع و ايقاع التّصديق الاقناعىّ و السّوفسطيقيّ بما هو سوفسطيقىّ لا يبتغى الّا التّضليل و التّكبيت بالسّفسطة او بالمشاغبة و الا التّرائى بالحكمة و اراءة انه مبرهن او انّه جدلى و ليس هو فى نفسه احدا منهما بل امّا هو سوفسطائي و امّا مشاغبيّ و لا يقصد الّا مناقضة الحقّ و افادة الجهل المضاعف او الايصال إلى الحق لا من سبيله و ايقاع شبه اليقين من سبيل فاسد و الجدل التفاته الاوّل إلى الكليّات و الخطابة التفاته الاوّل إلى الجزئيّات و ان كانت هى ايضا تتعاطى الكلام فى الكليّات من الالهيّات و الطّبيعيات و الخلقيات و الخطابة انفع و اقوى فى افادة الانقياد للبرهان من الجدل و السّوفسطيقيّة للتوفّي عن شرور الغلط و التّحرز عن دواهي الفساد و ان شريكنا السّالف فى رياسة الفلسفة الاسلامية الشّيخ الرّئيس ابا علىّ الحسين بن عبد اللّٰه بن سينا قد بيّن ذلك كلّه فى ثانى اولى الهيّات كتاب الشّفاء و فى فنون المنطق منه و اختتم كلامه فى اوّل اولى الفنّ الثّامن من الجملة الاولى و هو فنّ الخطابة من الشّفاء بقوله و كما انّ المخاطبة البرهانيّة لا يبعد ان تراد بها الغلبة فى نفسها فكذلك

6

المخاطبة الخطابيّة و كذلك المخاطبة الجدليّة لا يستنكر ان يعدل باستعمالها عن جهتها إلى جهة التّصديق و قد نطق الكتاب الّذى لا ياتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه الّذى هو تنزيل العزيز الحكيم بمثله فقال ادع إلى سبيل ربّك اى الدّيانة الحقيقيّة بالحكمة اى بالبرهان و ذلك لمن يحتمله و الموعظة الحسنة إلى الخطابة و ذلك لمن يقصر عنه وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اى بالمشهورات المحمودة فاخّر الجدل عن الصّناعتين لأنّ تينك مصروفتان إلى الفائدة و المجادلة مصروفة إلى المقاومة و الغرض الاوّل هو الفائدة و الغرض الثّانى هو مجاهدة من ينتصب للمعاندة فالخطابة ملكة وافرة النّفع انتهى قوله بألفاظه و من المستبين انّ اليقين لا يفيده الّا البرهان و ما دون ذلك فامّا ظنّ و هو اكثره و امّا راى اعتقادىّ ليس يقينا و لا ظنّا فامّا عقد قوىّ صادق يشبه اليقين الّذى هو العقل المضاعف و ليس هو إيّاه فى الحقيقة و امّا جهل مضاعف فاذن العلوم الفلسفيّة ايضا بالقياس إلى ما من مسائلها تبيّن به قياسات جدليّة او بيانات خطابيّة او اقيسة سوفسطيقيّة لا يتصحّح لها الدّخول فى جنس العلم الّذى ليس هو الّا الاعتقاد اليقينيّ و العقل المضاعف و هم

7

يدخلون كلّ علم مدوّن بجميع المدوّنات فيه من اجزائه و المبيّنات فيه من مسائله فى صقع اليقين و حريم العقل المضاعف و ياخذون جنس العلم فى حده و ايضا من المقترات فى مقارّها انّه لا يقوى شيء من البراهين على اعطاء العقل المضاعف على الحقيقة الّا ما يكون برهان لم و امّا برهان الانّ فهجيراه فى منته افادة ما دون اليقين و قصاراه فى هجيره ان يعطى ما يقال له مشبه العقل المضاعف اللّٰهمّ الّا اذا ما كان فى صحابة برهان لمّ و فى مصافقته و من المستبين انّ العلوم الجزئيّة ليس من المفترض على ذمّتها و لا فى وسع منّتها ان تتناوش البراهين اللميّة بل من سنة العلم الأعلى الكلّي و فى طوق منته ان لا يتعاطى الّا البرهان اللمّى و لذلك كانت مبادى العلوم الجزئيّة و اثبات انّيتها و بيان لميّتها بالبراهين الحقيقيّة فى ذمّة العلم الاعلى و من جملته و كثير من المبادي المسلّمة فى العلم الأعلى مبنيّة الانّ فى العلوم الطّبيعيّة و الرّياضيّة تتولّى البراهين الانيّة على إنيّات يراد بيان لميّتها فى العلم الالهى فياخذ العلم الالهى منها تلك الانيّات على ان إنيّتها من مباديه المسلّمة و لميّتها من مسائله المطلوبة فيه فاذن قد استبان انّ العلوم الجزئيّة بالقياس إلى جملة مسائلها و سائر ما فى قوّتها اعطاؤه خارج عن حد جنس

8

العلم و حريم صقع اليقين على الاطلاق كما العلم الا على ايضا كذلك بحسب قياساته الجدليّة و بياناته الخطابيّة فقط فهذا احد السّبيلين و ثانيهما انّ المعلّمين و الرّؤساء من الفلاسفة اليونانيّة و الحكماء الاسلاميّة ذكروا فى بعض فنون العلم الّذى هو مكيال العلوم و ميزان الانظار انّ الاكثرى أن تكون المسألة في العلم جدليّة في أحد طرفيها المتقابلين فقط فتكون غير برهانية إما في النفي و إما في الإثبات و قد تكون مسألة العلم جدلية غير برهانيّة فى كلا طرفيها جميعا امّا لتقاوم الحجج من الطّرفين و امّا لأنّه لم يكن تيسّر لأحد من فريقى الطّرفين سبيل إلى الاتيان بقياس برهانى اصلا و تمثّلوا فى المثال لذلك بالعلم الّذى هو اعلى العلوم و بمسألة هى من امّهات المطالب فيه قال معلّم مشائية اليونانيّين ارسطوطاليس فى كتاب طونيقا من كتابه التّعليم الاوّل انّه قد تؤخذ قضيّة واحدة بعينها يمكن ان يؤتى على كلا طرفيها بقياس جدلىّ من مقدّمات ذائعة مثال ذلك هل العالم قديم ام ليس بقديم و قال شريكنا السّالف رئيس المشائيّة من فلاسفة الاسلاميّين فى ثامن اولى الفنّ السّادس و هو فنّ طونيقا من الجملة الولي من كتاب الشّفاء حيث حاول ان يبيّن المقدّمة الجدليّة و المطلب الجدلىّ و امّا المطلب الجدلىّ فليس يصلح ايضا ان يكون كلّ شيء فليس كلّ مطلب جدليّا فانّ الامر الّذى لا يشكّ فيه

9

فمن يحاول نقضه فهو اهل ان يضحك منه و هذه هى المقيسات المشهورة المطلقة فامثالها لا تكون مطالب جدليّة بالقياس إلى المغالطين فى الجدل و امّا المشهورة الغير المطلقة و هى الّتى فيها خلاف ما او موضع شكّ او لا اتّفاق على قبولها فللجدلىّ ان يطلب عنها و ان يقيس على طرفى النّقيض فيها ثمّ من بعد ذلك قال قولا بهذه الالفاظ و ما بعد هذا فى التّعليم الاوّل فانّه يفهم على وجهين ابعدهما كانّه يقول و امّا الّذى هو الاولى بان يكون مسألة جدليّة اى ان يكون مقدّمة تؤخذ على سبيل المسألة فهو ما يكون طلب التّسليم فيه لمعنى ينتفع به فى اثبات مطلوب من باب ما يؤثر او يجتنب او مطلوب اعتقادىّ من باب ما يرى حقّا و تقصد فيه المعرفة فيكون امّا يبلغ بتسليمه تعين الغرض فى ذلك او بان يجعل مقدّمة تعين فى إنتاج ما يؤخذ مقدّمة بذاته او يكون معينا على ذلك بان يكون قانونا منطقيّا ينفع منفعة المنطق و يكون امّا من المشهورات لا المطلقة جدّا فانّ ذلك لا يسأل عنه بل المشبهة و المقابلة او الّتى عند قوم ما او لا يكون من المشهورة بل ممّا لا اعتقاد مشهور للفلاسفة فيه فضلا عن الجمهور او ما يجرى فيه بين الجمهور و الفلاسفة اختلاف كالاختلاف

10

بين الجمهور و الفلاسفة فى حال اللّذّة فانّهم يرون انّ اللّذّة خير و الفلاسفة لا يرون ذلك او يكون فيه للفلاسفة فيما بينهم اختلاف او يكون للجمهور فيه اختلاف و بالجملة ما يكون لأحد الفريقين فيما بينهم فيه اختلاف و الوجه الثّانى و هو اظهرهما فكانّه يكون حكم القول فى المقدّمة الجدليّة و اخذها من حيث هى جدليّة لذاتها لا بحسب سائل و مجيب بأعيانهما اتبعه بالمطلوب الجدلىّ فكانّه قال و امّا المطلوب الجدلىّ فهو حكم عملىّ او حكم اعتقادىّ امّا شيء انّما يقاس عليه لنفسه او يقاس عليه ليعين فى معرفة شيء اخر و هو لا محالة ممّا لا يكون بيّن الشهرة بل يكون من حقّه ان يتشكك فيه لانه لا راى للجمهور فيه مثل انّ الاشكال القياسيّة ثلاثة او لا راى للفلاسفة فيه مثل انّه هل الكواكب زوج او فرد فربما يقيس الجدلىّ على ضرب منهما بالمشهورات انّ الاولى بها ان يكون زوجا او فردا او للفلاسفة راى مخالف لما عليه العامّة او فيه اختلاف بين الفريقين من كلّ فرقة و بالجملة ما يقع فيه شكّ و هو موضع شكّ امّا لتقاوم الحجج فيه و تكافؤها و امّا لفقدان الحجج فى الطّرفين جميعا او بعدها عن الامر المشهور مثل حال العالم أ هو ازلىّ ام ليس و الاخرى

11

ان يكون ما تبعد حجته ليس بمطلب جدلىّ و هو ما لا يكون عليه قياس من المشهورات و يكون القياس عليه من الاوّليات بعيدا مثل انّه هل زاوية نصف الدّائرة قائمة و اعلم انّ كثيرا من آراء ليس للجمهور فيها رأى و لا للمشهورات إليها سبيل لكن للبرهان إليها سبيل و بإزاء ذلك كثير من الآراء لا سبيل للنّاس من الاوايل إليها و قد يتكلّف إلى المشهورات انتهى قوله بعبارته بألفاظها و قال فى تاسع اولى طونيقا الشّفاء ايضا بهذه العبارة انّ المقدّمات و المسائل الجدليّة ثلاثة اصناف احدها منطقيّة تراد لغيرها من الامور النّظريّة و العمليّة و الثّانى خلقيّة و هى فيما إلينا ان نعمله و هو فى التعلّق بالمؤثر و المهروب عنه امّا تعلّقا أوليّا مثل قولنا هل افعال الفقه سعادة او ليست و امّا تعلّقا ثانيا و هو ان يكون نفس المسألة ليس رأيا هو تعليم عمل او كسب خلق لكنّه نافع ذلك و يطلب لأجل ذلك كقولهم هل يمكن ازالة الخلق و كقولهم هل العدالة تقبل الاشد و الاضعف و الثالث طبيعيّة و لست اعنى بالطّبيعى الجزء الطّبيعىّ الخاصّ فقط بل اعنى به جميع ما ينظر فى الامور الموجودة فى الطّباع التى ليست منسوبة إلى ان تكون نافعة لنا بوجه من الوجوه و ربما كان فيها

12

ما ينفع فى افعالنا كمعرفتنا انّ النّفس باقية و انّها يجب ان تفارق البدن مقدّسة طاهرة فانّ هذا ينفع فى افعالنا بوجه من الوجوه فى العلم الخلقى و لكن لا بذاته و أولا من حيث ينظر فيه الطّبيعي و على انه لأجله بل ثانيا و لنسرد أمثلة الاصناف الثّلاثة فى موضع واحد و نقول امّا مثال المسألة المنطقيّة فقولنا هل المضادات يؤخذ بعضها فى حدّ بعض و امّا مثال مسألة الخلقيّة فقولنا هل اللذّة مؤثّرة ام لا و امّا مثال المسألة الطبيعيّة فقولنا هل العالم ازلىّ او محدث و هل النّفس تفسد او تبقى انتهى ما قاله بألفاظه و لذلك تراه و تسمعه فى الهيّات الشّفاء و فى كتاب النّجاة و فى كتاب المبدإ و المعاد و فى رسالته المعمولة فى قدم العالم و فى غيرها من كتبه و رسائله يحكم على الحجج المقامة على قدم العالم و يقول انّها قياسات جدليّة و بيانات الزاميّة من اوضاع متسلّمة من الخصوم و ذائعات مسلّمة عندهم او شبه مغالطيّة و شكوك مشاغبيّة فاسدة فى موادّها من المقدّمات او فى صورها القياسيّة كما احتجاجات أولئك الاقوام من الجماهير على الحدوث ايضا كذلك و امّا الشّيخ المعلّم لمشائية الفلاسفيّة الاسلاميّين ابو نصر محمّد بن محمّد بن طرخان الفارابي فانّه شديد التوغّل فى ذلك الحريم حثيث الحثّ على ذلك السّبيل جدّا حتّى انّه

13

فى كتاب الجمع بين الرّأيين اصرّ على ان ارسطاطاليس المعلّم لم يخالف استاده امام الحكمة افلاطن الالهىّ فى حدوث العالم بل انّهما متّفقان على موافقه اصحاب الملل و ارباب الشّرائع فى الحكم بحدوث العالم و اقوالهما اصرح فى التّنصيص على ذلك من نصوص اقاويلهم و انّما ارسطوطاليس ينفى عن العالم البدء الزّمانىّ و الحدوث الكيانىّ و هو امر برهانيّ لا يستنكره ذو قسط صالح من العقل و نصيب وافر من الحكمة لا الحدوث عن ارادة اللّٰه تعالى دفعة لا بزمان و حركة من بعد صريح العدم و ليعلم انّهم انّما حكموا بأنّ مسألة قدم العالم او حدثه مطلب جدلىّ الطّرفين لأنّ دلايل القدم كلّها مبتنية على امكان الوجود السّرمدىّ للعالم و امكان خلق اخر قبل أيّ خلق فرض اوّل الخلق إلى ما لا نهاية فى جهة البداية و هذه مقدّمة لا برهان عليها بل انّما هى من الاوضاع المتسلّمة من الجماهير و الذّائعات المشهورة عندهم و امّا جانب الحدوث و الدّخول فى الوجود من بعد العدم الصّريح فلم يكن لأحد من النّاس اليه سبيل من طريق القياس البرهانىّ لا فى جاهليّة الفلسفة و لا فى اسلام الحكمة إلى زمننا هذا الّذى نحن فيه و عصرنا هذا الّذى نحن من اهله و انّما ذلك شيء قد خصّنى اللّٰه سبحانه من بين الحكماء و العلماء بالفوز به و التيسّر له و جعله قسطى من فضله العظيم و سهمى من رحمته الواسعة

14

فبرهنت بتعليم من اللّٰه و تاييد منه على امتناع ما تسلّموا إمكانه من الجماهير و اقمت على الحدوث قياسا برهانيّا من مقدّمات عقليّة يقينيّة فتمّ هناك نصاب قوام العلم و نظام اسلام الحكمة و تحقيق الامر هنالك و حقّ القول فيه على ذمم كتبنا الحكميّة البرهانيّة و صحفنا العقليّة القدسانيّة فالان نعود إلى حيث فارقناه و نقول لقد انصرح اذا حقّ الانصراح انّ هذا الشّكّ غير متخصّص الانعقاد بالفقه بل تعمّ داهيته العلوم المدوّنة جميعا و الاصوليّون عامّة و خاصّة فى سبيل حلّه على مسلك لم يسلكه احد منهم إلى الان حقّ سلوكه قالوا انّما الظّنّ هناك فى الطّريق و ظنيّة الطّريق لا تنافى علميّة الحكم ثمّ اختلف مذاهب الاقاويل فى طريق تقريره ففى المحصول و النّهاية و التّلويح و بعض شروح المنهاج و اكثر الكتب الاصوليّة انّ الحكم المظنون للمجتهد بما ادّاه إلى ظنّه من الادلّة الظّنّيّة واجب العمل بمقتضاه بالنّسبة إلى ذلك المجتهد و مقلّديه قطعا بالأدلّة القطعيّة فمتى ما تحقّق ظنّه بحكم ما حصلت له مقدّمة قطعيّة معلومة بالوجدان و هى هذا الحكم مظنون المجتهد فيتّخذها صغرى و عنده كبرى قطعيّة الثّبوت بالاجماع القطعىّ و بالدّليل العقلىّ و هى و كلّ ما هو مظنون المجتهد فانّه يجب

15

على المجتهد و مقلّديه العمل به فتبيّن له حكم قطعىّ و هو فهذا الحكم يجب على المجتهد و مقلّديه العمد به فاذن يصير الحكم معلوما بالقطع و يئول الظّنّ إلى ان يكون مأخوذا فى محمول الصّغرى و الدّليل الظّنّى إلى ان يكون وسيلة إلى الحكم المقطوع بثبوته و واقعا فى طريق العلم القطعىّ به و لا خلاف فى ذلك و لا فساد اصلا و هذا التّقرير فاسد التّصور باطل التّقرّر من وجوه الاوّل انّ هذا الحكم المقطوع بثبوته حكم اخر وراء الاحكام الشّرعيّة الفرعيّة الّتى الفقه علم بها و العلم به و ان كان قطعيّا الّا انّه ليس من علم الفقه فى شيء اصلا ففرقان بيّن ما بين استحباب التسليم مثلا فى الصّلاة و بين وجوب العمل بمقتضاه و هو عدم الاتيان به الّا على سبيل الاستحباب و كذلك بين وجوب قراءة السّورة مثلا فى الصّلاة و بين وجوب العمل بمقتضاه و كذلك بين اباحة افتراش الذّهب و الحرير و بين وجوب العمل بمقتضاها و هذا الحكم اعنى وجوب العمل بمقتضى ظنّ المجتهد من المسائل الاصوليّة او من ضروريّات الفروع العمليّة المعلومة من الدّين بالطّرق القطعيّة كوجوب الصّلاة و الزّكاة مثلا و هى خارجة عن حريم حدّ علم الفقه اتّفاقا الثّانى انّ هذا الحكم القطعي حكم واحد متعلّق بجميع الاحكام الشّرعيّة الفرعيّة الحاصل ظنّها للمجتهدين

16

عن طرقها الظنيّة فاذا كان علم الفقه هو بالحقيقة العلم بهذا الحكم كان لا محالة علم الفقه مسألة واحدة لا غير الثّالث انّ هذا الحكم في جميع الاحكام المختلفة و المسائل المتكثرة ماخوذ عن هذا الدّليل الواحد الاجمالى القطعىّ المقدّمتين فعلى هذا التّقرير يفسد قولهم فى حدّ الفقه المستدلّ على اعيانها بأدلّة تفصيليّة الرّابع انّ المجتهد و المقلّد هما سيّان فى العلم بهذا الحكم القطعىّ عن هذا الدّليل الاجمالىّ و ليس الفقه على هذا التّقرير الّا هذا العلم المصطاد بهذا الدّليل الاجمالىّ القطعىّ دون تلك الظّنون المصطادة بالأدلّة التّفصيليّة الظّنيّة فيدخل لا محالة علم المقلّد فيما هو الفقه ح و يحبط عملهم فى ايراد المستدل على اعيانها بأدلّة تفصيليّة لإخراج علم المقلد الخامس انّه ح تنحصر الاحكام الفقهيّة جميعا فى الوجوب و الاربعة الباقية لا يكون من الفقه بل خارجة عنه واقعة فى الطّريق و ممّا عليه الاتّفاق انّ الاحكام الخمسة سواسية الاقدام فى الانتساب إلى الفقه على سنّة واحدة و فى الشرح العضدىّ و شرح الشّرح و فى التّلويح ايضا طريق اخر يظنّ انّه تدقيق انيق و هو انّ الحكم المظنون المستنبط عن ادلّته الظّنّيّة بعينه ينقلب حكما معلوما بالقطع بملاحظة مثل ذلك القياس القطعىّ و هو انّه حكم مظنون للمجتهد و كلّ حكم مظنون للمجتهد فهو حكم

17

شرعىّ ثابت فى نفس الامر لا بمعنى ثبوت وجوب العمل به بل بمعنى ثبوته فى نفسه حكما شرعيّا امّا عند اصحاب القول بالتّصويب فظاهر و امّا على المذهب الحق و هو انّ المصيب فى كلّ مسألة مختلف فيها ليس الّا واحدا فلانّه لمّا كان ظنّه مناطا للتكليف بمظنونه قطعيّا فكان مظنونه حكما ثابتا من اللّٰه تعالى فى حقّه و مقلّديه بالنّظر إلى الدّليل بتّة و ان لم يكن هو الحكم البتّى الثّابت فى تلك المسألة بحسب نفس الامر فاذن قد افضى به ظنّه إلى العلم بكون نفس ذلك الحكم المظنون بعينه حكما قطعى الثّبوت فى حقّه مقطوعا فهذا ما يعنى بوقوع الظّنّ فى طريقه و هذا الطّريق ايضا سبيله إلى الفساد و البطلان من وجوه

الأوّل انّ العلم و الظّنّ متقابلان ممتنعا التّعلّق بشيء بعينه فى زمان بعينه

اذ من المستبين امتناع اجتماع المتقابلين فى شيء واحد من دون اختلاف حيثيّة تقييديّة تكثر الذّات و اختلاف الحيثيّة التّعليليّة صفر الكفّ من رأس مال الاجداء هناك رأسا فالحكم المظنون حيثما يصير بعينه مقطوعا أ يبقى مظنونيّته فيكون حكم واحد بعينه مظنونا معلوما بالقطع معا و ذلك باطل محال و حيثية الاستناد إلى الدّليل حيثية تعليليّة غير مصادمة لا حالته و بطلانه ام ينسلخ عن شأن المظنونيّة و ينقلب معلوما فكيف يصير نفس الحكم المظنون المستنبط عن ادلّة ظنيّة لا عن دليل قاطع حكما قطعيّا و هو بعينه

18

على شأن الاستناد إلى دليله الظّنّى على انّه لو تصحّح له ذلك كان هو ح من قطعيّات الاحكام الخارجة عن حريم علم الفقه بالاتّفاق و ان صبر إلى ارتكاب التّحييث التقييدىّ فجعل الحكم المظنون بما هو مظنون محكوما عليه بالمعلوميّة بالقطع فحينئذ يختلف الموضوع و يكون هذا القطعىّ حكما اخر وراء ذلك الحكم الّذى قد ادّى اليه الدّليل الظّنّى و الفقه علم بذاك لا بذا و يرجع المآل إلى كون الثّبوت القطعىّ متعلّقا بوجوب اعتقاد الحكم المظنون و العمل بمقتضاه و يعود الامر إلى الطّريق الاوّل

الثّاني أنّ المعلوم ما يمتنع احتمال نقيضه مع تذكر موجب العلم

و نفس هذا الحكم المظنون بعينه غير ممتنع النّقيض اوّلا و اخيرا مع تذكر الدّليل الّذى هو موجبه فكيف يصح الحكم بانقلابه بعينه معلوما

الثّالث انّ بالرّجوع إلى الوجدان يقطع ببقاء ذلك الظّنّ

بعينه و عدم حصول جزم مزيل فانكاره سفسطة

الرّابع انّ مظنونيّة نفس ذلك الحكم مأخوذة فى مقدّمات القياس

الّذى يوضع انّه موجب المعلوميّة له بعينه فلو لم تبق تلك المظنونيّة على شأنها لم ينفذ حكم هذا القياس الموجب فاذن يلزم المظنونيّة و المعلوميّة معا لذلك بعينه قال فى التّلويح و غاية ما أمكن فى هذا المقام ما ذكره بعض المحقّقين فى شرح المنهاج يعنى به الشّارح الفاضل العبرىّ

19

انّ الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به قطعا للدّليل القاطع و كلّ حكم يجب العمل به قطعا معلوم قطعا فالحكم المظنون للمجتهد معلوم قطعا فالفقه علم قطعى و الظن وسيلة اليه فلذلك قالوا و الظّنّ فى طريقه ثم قال صاحب التّلويح و حلّه انّا لا نمنع ان كلّ حكم يجب العمل به قطعا علم قطعا انّه حكم اللّٰه تعالى لم لا يجوز ان يجب العمل قطعا بما يظنّ انّه حكم اللّٰه تعالى فقوله و الّا لم يجب العمل به عين النّزاع و ان بنى ذلك على ان كلّ ما هو مظنون المجتهد فهو حكم اللّٰه تعالى قطعا كما هو راى البعض يكون ذكر وجوب العمل ضائعا لا معنى له اصلا انتهى قوله قلت و ايضا يهدم اساسه و يبيّن فساده ما أوردناه من الوجوه الاربعة و فى الحواشى الشّريفيّة على الشّرح العضدىّ فلا مخلص الّا بأنّ الاحكام اعمّ ممّا هو حكم اللّٰه تعالى فى نفس الامر او فى الظّاهر و مظنونه حكم اللّٰه ظاهرا طابق الواقع أولا و هو الّذى نيط بظنّه و أوصله وجوب اتّباعه إلى العلم بثبوته و من هاهنا ينحلّ الاشكال بأنّا نقطع ببقاء ظنه و عدم جزم مزيل له و إنكاره بهت فيستحيل تعلّق العلم به لتنافيهما و ذلك لأنّ الظّنّ الباقى متعلّق بالحكم قياسا إلى نفس الامر و العلم متعلّق به مقيسا إلى الظّاهر و يتّضح معنى ما قيل من انّ الحكم مقطوع به و الظّنّ فى طريقه انتهى قلت و لقد كان هذا ما ادق

20

قد استوقع لهم هناك من الانظار لكنّه ايضا فى مضيق خصاصة الغلط و كلمة الفساد من وجوه لا مخرج عنها إلى فصية و خلاص و لا سبيل إلى منتدح و مناص الاوّل انّ كون وجوب اتّباعه موصلا إلى العلم القطعىّ بثبوته هو اوّل ما فى حريم النّزاع كما دريت آنفا فمن السّائغ ان يكون كونه مظنون الثّبوت فى اعتقاد المجتهد هو مناط وجوب الاتّباع بناء على ما هو المفروض من تلقاء اعتبار الشّارع فاذن لا فرق فى ذلك بين حكم اللّٰه تعالى ظاهرا و حكم اللّٰه تعالى فى نفس الامر فلا يلزم كون الحكم مقطوع الثبوت اصلا لا ظاهر و لا بحسب نفس الامر الثّانى انّ الحكم الظّاهرىّ و لو ثبت قطعيّته فانّما قطعيّته من حيث كونه ممّا تعلّق به ظنّ المجتهد مع عزل النّظر عن خصوصيّة الحكم مطلقا فالوجوب المظنون مثلا انّما يقطع بكونه حكم اللّٰه تعالى ظاهرا من حيث كونه مظنونا عن ادلّته لا من حيث انّه وجوب بخصوصه حتّى لو كان بدله الندب مظنونا او التحريم او الكراهة او الاباحة كان ذلك القطع حاصلا بعينه اذ ملاك القطعيّة مجرّد لحاظ تلك الحيثيّة فقط و خصوصيّات الاحكام الخمسة طفاة الاعتبار فى ذلك رأسا فلذلك هو بما هو قطعىّ لا يتبدّل و لا يتغيّر بتبدّل تلك الخصوصيّات و تغيّرها بل يكون بعينه

21

ثابت الانحفاظ فى جميع تلك التبدّلات من غير تغيّر اصلا انّما المتبدّل و المتغيّر الخصوصيّات المظنونة و الظّنون المتعلّقة بها لا غير فاذن لو كان الفقه هو العلم بذلك الحكم القطعىّ الّذى نسبته إلى سائر خصوصيّات الاحكام واحدة لا العلم بتلك الاحكام المظنونة بحسب خصوصيّاتها لزم ان يكون علم الفقه بالحقيقة مسألة واحدة و الحكم الفقهي على الحقيقة حكما واحدا و الاحكام الخمسة بخصوصيّاتها خارجة عمّا هو علم الفقه حقيقة الثّالث و لو تنزّلنا عن ذلك فمن المنصرح انّ قطعيّة الحكم الظّاهرىّ انّما هى عن الدّليل الاجمالىّ الّذى هو بالقياس إلى جميع الاحكام على نسبة واحدة و انّما الفقه هو العلم بالأحكام المستنبطة من الادلّة التّفصيلية المختلفة النّسبة إلى خصوصيّات الاحكام بما هى مستنبطة من تلك الادلّة التّفصيليّة و ان هى من تلك الحيثيّة الا ظنيّة غير قطعيّة الرّابع انّ علم الفقه معتبر فى حدّ حقيقته ان يكون علما بالأحكام المظنونة عن الادلّة التّفصيليّة الظّنيّة حتّى انّهم عن اخرهم يصرّحون حكما ما من الاحكام الشرعيّة لو كان معلوم الثّبوت عن اجماع قطعىّ او سنّته متواترة قطعيّة مثلا لكان خارجا عن حريم علم الفقه اذ هو

22

مختصّ بالمسائل المختلف فيها و لذلك كان العلم بالإجماعيّات من شرايط الاجتهاد و مباديه و الفقه ليس الّا نتيجة الاجتهاد و وليدته فاذن الحكم الظّاهرىّ بما هو معلوم الثّبوت عن الدّليل الاجمالىّ القطعىّ لا يصحّ ان يدرج فى علم الفقه فضلا عن ان يحصر الفقه فيه ثمّ انّ هذه الطّرق و المسالك بجملتها مع فسادها و بطلانها فيها خداج انّها انّما قصاراها ان يتجشم مصاولة صولة الشك و مدافعة وثبة اعضاله عن علم الفقه بخصوصه فقط لا عن سائر العلوم ايضا و قد دريت انّه متوثّب على العلوم المدوّنة وثبة واحدة فاذن هى على الحقيقة كاذبة فى دعوى المصاولة غير صادقة فى مدفعة الصّائل

فصل و اذ قد تلونا عليك ابطال تلك الطّرق و المسالك و أنت مبتغى سبيل الحق فاستمعن و اعلمن انّ الحكم الشّرعىّ

المستنتج عن دليله الظّنىّ كالوجوب مثلا له اعتباران اعتباره فى حدّ نفسه من حيث هو هو بما هو وجوب مثلا و اعتباره من حيث هو مترتّب على هذا الدّليل متأدّية اليه هذه المقدّمات و هو بالاعتبار الاوّل مظنون غير مستنكف عن احتمال تسويغ نقيضه مع تذكّر موجبه و هو دليله الظّنىّ احتمالا مرجوحا و بالاعتبار الثّانى معلوم علما يقينيّا معقول عقلا مضاعفا ضرورة انّ استلزام صورة القياس بموادّه النّتيجة فى أيّ ضرب كان من

23

ضروب أيّ قياس كان قطعىّ يقينىّ بتّة و انّما المظنون فى أيّ ضرب كان من ضروب أيّ قياس كان قطعىّ ام يقينيّ بتّة و انّما المظنون فى الاقيسة الظّنيّة المقدّمات حقيّة النّتيجة فى نفس الامر بحسب نفسها لا حقّيتها بما هى مترتّبة على صورة القياس متأدّية إليها مقدّماته و المسألة المطلوبة فى علم الفقه هى استحباب التّسليم فى الصّلاة او وجوبه مثلا من حيث تتأدّى إليه الادلّة الشّرعيّة التّفصيليّة و يترتّب هو عليها لا ذلك الاستحباب او الوجوب مثلا من حيث نفسه فحيث يفضى الدّليل الشّرعىّ بالمجتهد إلى ظنّه استحباب التّسليم من حيث نفسه مظنونا و من حيث هو مترتّب على هذا الدّليل الظّنّى بخصوصه مقطوعا به و انّما الفقه علم بالأحكام من هذه الحيثيّة الاخيرة لا غير فاذن هو من جنس العلم اليقيني و العقل المضاعف و انّما الظّنّ فى طريقه و المقدّمات الظّنيّة من موادّ اقيسته فهذا مرقاة سبيل الحقّ و معراجه فى معنى قولهم ظنّيّة الطّريق لا تنافى علميّة الحكم و تحصيل اختلاف الحيثيّة التّقييديّة على الوجه المحقّق و القول المحصّل و ما فى الشّرح العضدي لا فى موضع واحد منه و كذلك فى شرح الشّرح انّ الدّليل و يعنى به الدّليل القطعىّ ما يرتبط به ثبوت مدلوله ارتباطا عقليّا و الأمارة و يعنى بها الدّليل الظّنّى ما

24

يحصل به ظنّ و لا يرتبط به ارتباطا عقليّا فالدّلائل اى الاقيسة البرهانيّة تستلزم النّتيجة استلزاما ظنّيّا او اعتقاديّا و لا تستلزم ذلك وجوبا و لا دايما بل فى وقت ما لأنّه ليس بين الظّنّ و الاعتقاد و بين امر ربط عقلىّ بحيث يمنع تخلّفه عنه لزوالهما مع بقاء موجبهما كما يكون عند قيام المعارض و ظهور خلاف الظّنّ بحسّ او دليل تمسّكا بقضيّة الغيم الرّطب و المطر و الطّوف باللّيل و السّارقيّة و كون بغلة القاضي على باب الحمّام و كونه فيه فما عنه الظّنّ و الاعتقاد ليس موجبا إيّاهما قول كاذب و ظن باطل و وهم فاسد من غير سبيل واحدا فليس الظّنّ معلولا حادثا فكيف يحدث من دون علّة موجبة و قد تاسّس فى العلوم البرهانيّة ان لا معلول الّا بعلّة موجبة فكيف لا يكون بين الظّنّ و بين امر ما اصلا ربط عقلىّ بحيث يمتنع تخلّفه عنه و ايضا ليس قد اطبق كلّ من فى سواد مملكة العقل و على ساهرة اقليم الحكمة من العلماء و الحكماء فى علم المنطق الّذى هو مكيال العلوم و ميزان الانظار على اعتبار قيد الاستلزام لذاته فى تحديد القياس و جعله مع ذلك شاملا لقياسات الصّناعات الخمس اى البرهانيّات و الجدليّات و الخطابيات و الشّعريّات و السّوفسطيقيّات جميعا على نمط واحد فكيف يكون الاستلزام لذاته

25

مختصّا بالبرهانيّات و كيف لا يكون بين الظّنّ و الاعتقاد و بين ما عنه و هو ملزومهما الغير البرهانىّ علاقة عقليّة لزوميّة و بالجملة انّما استلزام النّتيجة فى مطلق القياس بالذّات بحسب المقدّمات من حيث صورة القياس و افتراق البرهانىّ منه عن الجدليّات و الخطابيّات بحسب خصوصيّات موادّ الاقيسة و عن السّوفسطيقيّات بحسب فسادها من حيث المادّة او من حيث الصّورة فالنّتيجة تكون معلومة التّرتيب على مقدّمات القياس مطلقا بحسب الصّورة القياسيّة و معلومة الحقيّة فى البرهانيّات و مظنونتها فيما عداها بحسب خصوصيّات العقود اليقينيّة و المقدّمات الظّنيّة الّتى تجعل مواد الاقيسة و امّا اخذهم فى الحدّ قيد التّسليم فلادخال قياس الخلف و القياس الكاذب المقدّمتين جميعا لكلّ انسان حجر و كلّ حجر حيوان فانّهما و ان لم تكونا مسلّمتين لكنّهما بحيث اذا سلّمتا لزم عنهما لذاتهما قول اخر هو فكل انسان حيوان او إحداهما فقط ككلّ فرس حيوان و لا شيء من الحيوان بجوهر فانّهما بحيث اذا سلّمتا لزم عنهما لذاتهما قول اخر هو فلا شيء من الفرس بجوهر و للإشارة إلى انّ القياس بما هو قياس ليس يجب فيه ان تكون مقدّماته مسلّمة او صادقة البتّة بل

26

انّما يجب فيه من حيث هو قياس بالعلاقة اللّزوميّة بينها و بين النّتيجة و تسليم المقدّمات و صدقها لا يعتبر الّا فى تحقّق اللّازم اعنى حقيّة النّتيجة لا لتقييد الاستلزام به حتّى تكون العلاقة اللّزوميّة فى مطلق القياس من حيث هو قياس انّما هو على تقدير التّسليم فقط و امّا بدونه فلا الّا فى البرهانىّ منه لا غير كما توهّمه شارح الشّرح فمن المستبين انّ التّسليم لا خلاق له من المدخليّة فى حقيّة الاستلزام و علاقة اللّزوم بما هى علاقة اللّزوم غير مستدعية تحقّق الملزوم و اللّازم اصلا بل ربما يحكم العقل بعلاقة اللّزوم بين أمرين مستحيلى التّحقّق مطلقا ثمّ أ ليس ظنّ انتفاء الظّنّ و زواله مع بقاء سببه الّذى هو عنه توهّما تخييلتا من غير تصوّر تحصيلىّ و كيف يسوّغ ان يزول الشّيء مع بقاء موجبه الّذى هو عنه و التمسّك بقضيّة الغيم الرّطب و المطر مغالطة سفسطيّة او مشاغبيّة من باب اخذ ما ليس بعلّة علّة فليس سبب ظنّ المطر و الملزوم بالذّات للنّتيجة الظّنيّة الغير الممتنع نقيضها هناك وجود الغيم الرّطب فى نفسه بل انّما السّبب الملزوم بالذّات عقدان حسّى و ظنّى هما هذا غيم رطب و كلّ غيم رطب فانّه يلزمه مطر فعن هذين العقدين يلزم بالذّات عقد اخر ظنّى هو فهذا يلزمه مطر ثمّ عند زوال

27

الظّنّ و ظهور خلاف النّتيجة لا يبقى ما عنه الظّنّ بل يتبيّن انّ الكبرى الّتى كانت مظنونة الصّدق هى فى نفس الامر كاذبة أ فلا يعقل انّه لا استدلال اصلا الّا على هيئة احد ضروب سياقات الاقيسة او من سبيل الاستقراء و التّمثيل الخارجين عن حدّ القياس بقيد الاستلزام و لا ملزوميّة فى القياس الّا لعقدين بالقياس إلى عقد و انّه اذا كان وجود الغيم الرّطب فى نفسه هو السّبب الملزوم لم يكن حصول المطر مظنونا بل كان مقطوعا به بتّة اذ وجود الغيم الرّطب فى نفسه من البيّنات المعلوم بالحس نعم قد اصطلح فريق من الاصوليّين على تسمية المفرد الّذى له صلوح ان يتوصّل بصحيح النّظر فيه إلى عقد مطلوب خبريّ ايضا دليلا كما العالم يقال له انّه دليل وجود الصّانع على معنى انّه يمكن بالنّظر فى احواله تاليف قياس ملزوم للعقد المطلوب لا بمعنى انّ السّبب الملزوم للمطلوب هو وجود ذلك المفرد فى نفسه فاذن لا مساغ له بحسب الحقيقة بوجه من الوجوه اصلا و من حيث تحقّقت و تعرّفت حقيقة الامر بتبزّغ لك حتّ الشّكّ و حق القول فى سائر العلوم ايضا فمن المنصرح المقتر في مقرّه انّ المسألة بما هى مسألة فى أيّ علم كان هى عقد مطلوب محموله من العوارض الذّاتيّة لموضوع العلم لا من حيث نفسه بل من حيث يتادّى

28

اليه عقود أيّ مقدّمات برهان او دليل يناسب موضوع العلم و تلك العقود من المبادي لذلك العلم امّا على الاطلاق او بحسب بعض من مسائل و بالجملة المسألة مطلقا هى العقد المطلوب فى العلم من حيث هو نتيجة البرهان او الدّليل المناسب لموضوع العلم و لذلك ساغ اشتراك علمين فى مسألة بعينها على ان يكون الاختلاف بنحو البرهان و يرجع الامر إلى التّمايز بحسب الموضوعين اذ يجعل نحو البرهان حيثيّة تقييديّة لذات الموضوع المشترك بين العلمين و تؤخذ ذات الموضوع فى كلّ علم بخصوصه محيثة بحيثيّة يناسبها نحو البرهان المستعمل فى ذلك العلم كما الامر فى علم الهيئة و باب السّماء و العالم من العلم الطّبيعىّ و مسألة استدارة السّماء المشتركة بينهما و كان اذا استعمل فى علم مّا برهان غير مناسب لموضوع العلم عادت المسألة المقام عليها ذلك البرهان من حيث يقام عليها ذلك البرهان خارجة عن حريم ذلك العلم و من من المتبصّرين بالعلم فى برهان كتاب الشّفاء لشريكنا السّالف و فى كتابنا تشريق الحقّ و فى حواشينا المعلّقات على منطق الشّرح العضدىّ و حاشيته الشّريفيّة فى الاصول غير مستريب فى ذلك كلّه فاذن قد انصرح حقّ الانصراح انّ كلّ مسألة من مسائل العلوم المدوّنة سواء كان قياسها برهانيّا او جدليّا

29

او خطابيّا و سواء كان العقد تعقبيّا او اقتضابيّا فانّها معلومة علما يقينيّا من حيث هى مسألة اى من حيث تأدية برهانها او دليلها فى التّعقب او فى الاقتضاب و ان كانت مظنونة الحقيّة او معتقدتها اعتقادا غير يقينىّ من تلقاء العقود و المقدّمات المستعملة فى القياس المستدلّ به عليها فان كانت العقود الّتي هى مقدّمات حجّتها القياسيّة بأسرها برهانيّة حقيقيّة من السّبيل اللّمّيّ الحقيقىّ كانت هى تعقبيّة معلومة الحقيّة علما يقينيّا معقولتها عقلا مضاعفا من الحيثيّتين جميعا و ذلك امر لا يتصحّح لمسألة اصلا الّا فى العلم الّذى هو اعلى العلوم و سيّدها و رئيسها و مخدومها و الّا فمن احدى الحيثيّتين البتّة و ان كانت هى اقتضابيّة او غير يقينيّة من الحيثيّة الاخرى و كما فى الحجج الجدليّة و الخطابيّة و كذلك فى البراهين الانيّة و قصاراها ان يقتنص من تلقائها علم بحقيّة المسألة فى حدّ نفسها بحسب نفس الامر شبه اليقين هو فوق مراتب الظّنون و دون مرتبة العقل المضاعف و ذلك اذا كان من سبيل تحقّق معلول طباعه ان لا يتصحّح الّا بتلك العلّة و لكن لا على وجه يرجع إلى ان يصير سبيلا لميّا هذا و قد بقى فى المقام مفحص و هو انّا قد أوضحنا لك انّ

30

الاستلزام فى اقيسة الصّناعات الخمس كلّها بتىّ و لذلك اختار ابناء الحقيقة التّمثيل بالحروف دون المواد ليجمعوا بين ايراد المثال تسهيلا لفهم المعنى على المتعلّمين و بين تعرية الصّور عن المواد تنبيها على انّ العبرة فى ذلك بالصّورة القياسيّة لا بخصوصيّات الفنون و الصّناعات و لا بخصوصيّات موادّ الاقيسة الصّادقة و الكاذبة و ربما يقال لا يصحّ ذلك الّا اذا ما ريم باللّازم ما يتناول النّتيجة بالحقيقة و ما يكون فى حكمها اذ القياس الشعرىّ لا يكون عنه عقد اخر هو النّتيجة حقيقة لكن يحصل عنه امر اخر هو فى حكم النّتيجة و قايم مقامها و هو تاثير فى النّفس بالبسط و القبض موجب للاقدام على فعل او الاحجام عنه كما اذا ما كان هناك عقد و تصديق بل اقوى منه و لذلك ترى الحكماء الكرام مقنين بامر القياسات الشّعريّة و مخيّلات العقود جدّا لأنّ اكثر النّاس للتّخيّل اطوع منهم للتّصديق فنحن نقول قد ادريناك انّ استلزام عقدى القياس لعقد النّتيجة انّما هو بحسب نفس الصّورة القياسيّة لا بحسب خصوصيّات موادّ الاقيسة و لذلك زيد فى حدّ مطلق القياس قيد التّسليم و ح فلا حاجة فى ادخال القياس الشّعرى إلى تعميم النّتيجة بحيث تعمّ حقيقتها

31

و حكمها فمثلا مقدّمتا الاستكثار من اكل اللّحم يجعل البطن مقبرة للحيوان و كلّ ما يجعل البطن مقبرة للحيوان يستحبّ التجنّب عنه بحيث اذا سلّمتا كان عنهما لذاتهما فالاستكثار من اكل اللّحم يستحب التجنب عنه و سواء عليهما فى ذلك أ كانتا صادقتين ام كاذبتين و أ كانتا متعلّقين للتّصديق بالفعل ام بالقوّة و بالفرض و التّقدير فهذه الحيثيّة ان هى الّا العلاقة العقليّة اللّزوميّة ثمّ انّ مخيّلات العقود بما هى عقود مخيّلة و ان لم تكن مصدّقا بها بحسب أنفسها الّا انّ هناك تصديقا ما لازما للعقل المخيّل بحسب عقد اذعانىّ خارج يقع الاذعان له من جهة ذلك العقد التّخييلى و هو انّ ما عن حالة الحكاية او المحاكاة بهذا التّخييل امر جميل فى نفسه البتّة كما فى قولنا العلم عين خرارة ينبع عنها ماء عذب هو ماء الحيوة الابديّة او انّه فى حد نفسه امر قبيح البتّة كما فى قولنا الجهل قيعة سبخة ذات سراب مهلك بنتها سمّ حياة النّفوس الانسانيّة و حشيشها مغناطيس موتان الارواح النّفسانيّة فالعقود المخيّلة انّما تجعل موادّ الاقيسة الشعريّة من حيث تلك العقود الخارجة و التّصديقات اللّازمة فهذا حقّ القول الفصل فيه من سبيلين و امّا ما يتجشم بعض مدقّقة

32

المقلّدين انّ القياس الشّعرى انّما يدخل فى حدّ القياس و يكون ملزوما للنّتيجة حال التّصديق بالمقدّمات المأخوذة فيه لا حال التخيّل الساذج و كيف يصدق على القياس الشّعرى من دون التّصديق به و بالمقدّمات المأخوذة فيه انّه قولان عنهما قول اخر و لا يعنى بالقول هناك الا العقد المعقول و لا عقد بدون التّصديق و الّا لانتقض التّعريف ببعض المعرّفات فمن سوء الخدمة مدى الدّهر و مدّ العمر لكتاب الشّفاء و قصور الجبلّة عن درجة التبقّر فى العلم و التمهّر فى الحكمة و الاجتهاد الحقّ فى العقليات المحضة ذلك فضل اللّٰه يؤتيه من يشاء و اللّٰه ذو الفضل العظيم و يا ليتني كنت اشعر ما روغانه فى امر القياسات السّوفسطيقيّة الّتى يتعمّدها القياسون للتبكيت او للامتحان او للتبصير فى التوقى و التحرّز بالقياس إلى أولئك القائسين المتعمّدين ثمّ ليكن من معلومك المحقّق لديك انّ سنة العقل و وظيفة الامر فى باب العقود و التّصديقات محاولة الحكاية الاذعانيّة عن حقيّة الشّيء المحكىّ عنه بحسب حاقّ الواقع و متن نفس الامر لا مجرّد النّيل التعقّلى للحقيقة و صرف التمثل الذّهنى للكنه و نفس التطبّع بالصّورة المعقولة المنطبعة كما الشّاكلة فى باب الحدود و التصوّرات و سواسيّة فى هذا الحكم ابواب

33

الصّناعات الخمس و عقود الهليّات البسيطة و الهليات المركّبة و العقود الخارجيّة و العقود الذّهنيّة و العقود الحقيقيّة جميعا و فى البراهين الانيّة انّما الحد الاوسط علّة للتصديق فحسب و لحصول نسبة حاشيتى العقد فى الذّهن فقط و لكن مع ذلك فانّ القصد ينحو نحو اثبات حقّيتها و تحقّقها فى نفسها بحسب حاق الواقع و متن نفس الامر ايضا البتّة لا نحو مجرّد حصول التّصديق و خصوص التّحقق الذّهنى للنّسبة العقديّة فقط ففرقان ما بيّن بين ما الحدّ الاوسط هناك علّة له و بين ما قصد البرهان متوجه اليه و ان كان قاصرا فى حقّه عن افادة العقل المضاعف و ليس يلزم من تخصّص ذلك تخصص ذا اصلا فاذن سقط و هم بعض الاوهام من المقلّدين انّ المراد بالاستلزام و اللّزوم فى تعريف القياس ليس الاستلزام و اللّزوم فى الخارج بل فى الذّهن لأنّ الدّليل لا يكون لإثبات امر فى الخارج بل فى الذّهن اى جعله معلوما

فصل كانّك الان من حيث ما تعرّفت فاطن لما هو حقّ القول فى انّ عقدا ما من الحدسيّات

و من الفطريّات هل يصحّ ان يجعل مسألة فى العلوم الاقتناصية او لا اللّٰهمّ الّا من سبيل بيانات تلخيصيّة و تبيانات تنبيهيّة اذا كان فى العقد

34

خفاء ما بالنّسبة إلى المدارك الخامدة الجمهورية و الاذهان القاصرة المشهوريّة و انّ من لا يرى بذلك بأسا مطلقا بل ربما يراه واجبا فى علم ما بعينه و فى مادّة ما بخصوصها يلزمه ان يستند إلى اصل تحققته و يزن الامر بميزان تسلّمته و هو انّ لعقد انّما يكون مسألة علميّة لا بحسب حاله فى حدّ نفسه بل باعتبار ما يتادّى اليه مباد بخصوصها و تستلزمه مقدّمات بعينها من حيث ما تناسب موضوع علم ما من العلوم المتعاطاة بخصوصه فاذن من السّائغ ان يكون عقد مّا فطرتى الحكم بحسب نفسه حقيّة و تحقّقا بالفعل و مع ذلك فيتادّى اليه ايضا و تستلزمه مقدّمات معيّنة بخصوصها من حيث تناسب شيئا من موضوعات العلوم النّظرية المدوّنة بعينه او ان يكون شيء ما فطرى الانيّة خفى الماهيّة و فطرى الانّ خفى اللّم فتكون من تلك الجهات عقود فطريّة الاحكام مسائل مطلوبة فى علوم اقتناصيّة و لكن لا يجوز ان پيغمبر صلى تلك هى الفطريّات الاوايل الّتى هى المبادي الاولى لبراهين العلم و خصوصا اوّل الاوائل و من يمنع من ذلك كلّ المنع يجب ان يكون نظره فى انّه ح لم يكن شيء من تلك المسائل بما هى مسألة مطلوبة اى من حيث تادية المقدّمات إليها و استلزام الاقيسة إيّاها فطريّة بل لا بد هناك

35

من حركات فكريّة لتحصيل مقدّمات مخصوصة بعينها تكون لذاتها مستلزمة إيّاها و كذلك القول فى التّبيانات التّنبيهيّه فاذن لم يتصحّح ان يكون عقد فطرىّ بما هو فطرىّ مسألة من المسائل المطلوبة فى العلوم النظريّة الاقتناصية بل انّما ذلك من حيث هو ليس بفطرىّ

المقالة الثّانية و فيها فصلان

فصل انّ من المشهور المحقّق المقرّر عند الفقهاء و الاصوليّين تقسيم الحكم الشّرعى بالقسمة المستوفاة إلى الاحكام الخمسة المشهورة

و ينعقد عليه شكّ فانّه ان اعتبر الحكم اعمّ من الصّريح و الضّمني على ما هو الحقّ و اختاره المحصّلون لم يكن الاحكام الشّرعيّة الّا ثلاثة اذ كما الحكم الصّريحىّ التّعليقىّ الوضعيّ ح يرجع إلى الاحكام التّكليفيّة ضمنا فسببية الدّلوك للصّلاة فى قوّة وجوبها عنده و شرطيّة التّطهّر للصّلاة فى قوّة وجوبه فيها او حرمتها من دونه و مانعيّة النّجاسة فى قوّة حرمة الصّلاة معها او وجوب ازالتها حالة التلبس بها و كون الاجماع حجّة فى قوّة وجوب العمل بمقتضاه فكذلك بعض الاحكام التّكليفيّة الصّريحيّة يرجع بعضها إلى بعض اخر منها فوجوب الفعل فى قوّة حرمة تركه و حرمته فى قوّة

36

وجوب تركه و استحبابه فى قوّة كراهة تركه و كراهته فى قوّة استحباب تركه فالاحكام اذا الاباحة و الوجوب او الحرمة و النّدب او الكراهة و ان كان المعتبر هو الحكم الصّريح لا غير كانت الاحكام ثمانية عند من لا يعتبر من الخطابات الوضعيّة الا السّببيّة و الشّرطيّة و المانعيّة و اكثر حسب تكثّر الاحكام الوضعيّة عند من يزيد فى خطاب الوضع العزيمة و الرخصة و الصّحة و البطلان او التّقدير و الحجّة ايضا و هذا الشّك ممّا لم يقع إليّ فيما بلغنى انّ احدا من العلماء تعرض لحلّه إلى زمننا هذا و نحن نقول استعانة باللّٰه وحده انّ الحقّ ما اختاره المحصّلون انّ المعنى بالحكم فى مقام التّقسيم انّما هو الاعمّ من الصّريح و الضمنىّ و ان كان لا يعنى به فى مقام التّحديد الّا الصّريحي و لذلك زيد فى التّعريف او الوضع و الشّكّ مفتك بالفرق بين الحكم الوضعيّ التعليقى كالسّببيّة بالقياس إلى حكم ما تكليفىّ كالوجوب و بين الحكم الاقتضائى التّكليفى كالوجوب بالنّسبة إلى حكم اخر تكليفىّ ايضا كالحرمة فاعلمن انه فرقان ما بيّن غير طفيف بين ما للشيء في قوّته و منحل و راجع اليه و هو مضمّن فيه غير خارج عنه و عن حاشيتى عقد الحكم به و بين ما هو خارج عن الشيء لازم له لا مضمن فيه و في حاشيتي عقد الحكم به و لا الشيء منحل و لا راجع اليه بل انّما ملزوم له و مستلزم إيّاه لا غير و اذن فاحكم انّ

37

سببية الدّلوك لوجوب الصّلاة الّتى هى من الاحكام التعليقيّة فى قوّة وجوب الصّلاة عند الدّلوك الّذى هو من الاحكام التّكليفيّة و راجعة هى اليه اذ متعلّق الحكمين فى الصّورتين فعل واحد بعينه من افعال المكلّفين و هو الصّلاة و حاشيتا العقد فى احد الحكمين كقولنا الصّلاة واجبة عند الدّلوك غير خارجتين عن حاشيتى العقد فى الحكم الاخر كقولنا الدّلوك سبب لوجوب الصّلاة بل انّما المتغيّر و المتبدّل مفاد العقد و نفس الحكم و التّرتيب و خصوص الموضوع و المحمول لا غير و امّا الامر فى وجوب فعل الصّلاة بالنّسبة إلى حرمة تركها و هما حكمان من الاحكام التّكليفيّة فعلى خلاف تلك الشّاكلة اذ ليس الحكمان متعلّقهما واحدا بعينه بل متعلّق الوجوب فعل الصّلاة و متعلّق الحرمة تركها و هما موضوعان مختلفان و لا حاشيتا العقد فى احد الحكمين كقولنا فعل الصّلاة واجب مضمّنتان فى حاشيتى العقد فى الحكم الاخر كقولنا ترك الصّلاة حرام حتى يكون انّما المختلف نفس الحكم و مفاد العقد و خصوص التّرتيب و الوضع و الحمل لا غير بل حاشيتا احد العقدين مباينتان لحاشيتي العقد الاخر مطلقا و متعلّق احد الحكمين و الخطابين من افعال المكلّفين مباين لمتعلق الحكم الاخر و الخطاب الاخر

38

رأسا نعم احد ذينك الحكمين المتباينين بحسب نفس الحكم التّكليفى و بحسب متعلّق الحكم جميعا مستلزم لذلك الحكم الاخر و كذلك احد ذينك العقدين المتباينين بحسب مفاد الحكم العقدى و بحسب حاشيتى العقد و الوضع و الحمل مطلقا مستلزم لذلك العقد الاخر بناء على انّ الامر بالشّيء يستلزم النّهى عن ضدّه العام و هو تركه بتّة فقد بان لك انّ هذا التّشكيك مغالطة من باب اخذ ما مع الشّيء مكان ما فى الشّيء و من جملة الشّيء و منه الشّيء و من باب اخذ لازم الشّيء مكان الدّاخل فيه و من باب اخذ ما يلزم من الشّيء مكان ما ينحلّ و يرجع اليه الشّيء و نظير هذا فى العلوم العقليّة و الفنون الفلسفيّة ما قد كان وقع للمقلّدين بل المتفلسفين الزّاعمين انّ الادراك التّصديقىّ انّما متعلّقه بالذّات نفس نسبة حاشيتى العقد الغير الملحوظة على الحقيقة و لا المستقلة بالمعقوليّة حاسبين ان تعبير ائمّة الفلسفة و رؤساء الصّناعة عن حقيقة التّصديق بادراك انّ النّسبة واقعة او ليست بواقعة ذلك سبيله فاذن انّهم احلّوا ما يلزم الشّيء فى لحاظ العقل و هو امر خارج عنه غير مضمّن فيه محلّ ما ينحلّ و يرجع الشيء اليه عند لحاظ العقل إيّاه بالتّحليل و التّفصيل فغشيهم ان يحسبوا انّ

39

هناك عقدا مجملا اذا ما فصله العقل باللّحاظ التّحليلى كان المرجع إلى عقد موضوعه المحكوم عليه تلك النّسبة العقدية الرّابطة بين الحاشيتين و محموله المحكوم به واقعة و حكمه التّصديقىّ ايجاب الوقوع او سلبه مثلا البياض عرض او ليس بعرض مرجعه إلى البياض عرض مطابق للواقع او ليس البياض عرض مطابق للواقع فنحن باذن اللّٰه سبحانه قد دمّرنا عليهم حسبانهم و أوضحنا فى كتابنا الافق المبين انّ التّصديق انّما متعلّقه بالذّات الحاشيتان الملحوظتان على التّخالط و النّسبة الخلطيّة الرّابطة ملحوظة على التّباعة من حيث هى آلة الخلط و اداة الرّبط و داخلة بالعرض فيما هو متعلّق التّصديق بالذّات اعنى الموضوع بما هو متلبس بالمحمول و النّسبة العقديّة عندهم تعبير عن الحاشيتين المتخالطتين بالملابسة و قولهم ادراك انّ النّسبة واقعة او ليست بواقعة تنبيه على ان سبيل الحكم الاذعانى فى الادراكات التّصديقيّة و العقود المصدّق بها فى فنون العلوم و ابواب الصّناعات بل فى التّصديق و الاعتقاد مطلقا حقية مفاد العقد بحسب حاق الواقع و متن نفس الامر لا بحسب خصوص ادراك العقل و اذعانه و مرجع البياض عرض و اللاشيء مفهوم فى نفس الامر ثمّ يمكن ان يختار فى حلّ الشّك ان الحكم

40

فى مقام التّقسيم ايضا لا يعنى به الا الصّريحى ليتوافق مقاما التّعريف و التّقسيم و الاقسام المستوفاة فى قسمة واحدة تكون متباينة متقابلة لا يتحقّق اثنان منها فى مادّة واحدة اصلا فالاحكام الخمسة فى تقسيمنا الحكم إليها على هذه الشّاكلة و امّا انقسام الحكم إلى الاحكام الوضعيّة بحسب قسمة اخرى فغير ضائر فى ذلك اذ لا تقابل بين اقسام القسمتين بل قد يجتمع فى فعل واحد حكمان تكليفىّ و وضعىّ كما مثلا فى الصّلاة الوجوب و المسبّبيّة عن الدّلوك و فى الطّهارة الوجوب و الشّرطيّة للصّلاة و فى شرب الخمر التّحريم و المانعيّة عن الصّلاة و ايضا كلّ واحدة من القسمين تجرى فى اقسام القسمة الاخرى فالمسبّبيّة تكون مسبّبيّة وجوبيّة و مسبّبية استحبابيّة كما فى الفريضة و النافلة بالقياس إلى الوقت و الشّرطيّة يكون شرطيّة وجوبيّة و شرطية استحبابيّة كما فى الطّهارة بالنّسبة إلى الصّلاة الواجبة و بالنّسبة إلى الطّواف المندوب و المانعيّة تكون مانعيّة تحريميّة و مانعيّة كراهيّة كما فى المكان المغصوب و فى الحمّام مثلا بالقياس إلى الصّلاة و كذلك كلّ من الوجوب و النّدب يكون مسببيّا و شرطيّا فمن المستبين ان انقسام الحيوان إلى الحيوان الابيض و الحيوان الغير الابيض غير ضائر فى تقسيمنا إيّاه إلى الحيوان

41

الضّاحك و الحيوان الغير الضّاحك و انقسام الحركة بالذّات إلى المستقيمة و المستديرة غير ضائر فى تقسيمنا إيّاها إلى الّتى بالإرادة و الّتى بالطّبع و الّتى بالقسر لعدم التّقابل بين اقسام القسمتين و لجريان كلّ من القسمتين فى اقسام القسمة الاخرى فاذن قد استنبت تصحيح تقسيم الحكم إلى الاحكام الخمسة من سبيلين فامّا ما تمسّك به الكعبىّ لنفي المباح و يلزم منه حصر الاحكام فى الحرمة و الوجوب من انّ كلّ فعل فإمّا انّه حرام و امّا انّ ترك الحرام لا يتمّ الّا به و ما لا يتمّ الواجب الّا به فهو واجب فيكون واجبا و فى الشرح العضدي انّ اللّازم ان يكون الواجب احد الافعال لا بعينه فما يعمل فهو واجب قطعا غاية ما فى الباب انّه واجب مخيّر لا معيّن و هو لم يدّع الا الاصل الوجوب و الجواب الحقّ الّذى لا مخلص الّا به منع كون ما لا يتمّ الواجب الّا به من ضروراته العاديّة و العقليّة واجبا فلعلّ من المستبين لك الان ان سبيل الجواب الحقّ عنه الفرق بين لازم الواجب المتأخّر عنه تاخّرا بالذّات و بين ما لا يتمّ الواجب الّا به و هو ما يتوقف الواجب عليه و يتاخّر عنه تاخّرا بالطّبع امّا عقلا او شرعا او عادة و لقد بسطنا القول فيه حقّ البسط فى كتابنا عيون المسائل الفقهيّة و بعد ذلك اذا دققت التّامّل ففرقت ايضا بين لازم المأمور

42

به و بين ما مع المأمور به معيّة ساذجة على سبيل المصاحبة الاتّفاقيّة من دون علاقة عقليّة لزوميّة انكشف لك ان الامر بالشّيء انّما يستلزم النّهى عن ضدّه العام فقط لا النّهى عن شيء من اضداده الخاصّة اصلا

فصل انى لمستصحّ و مستصوب ما قاله الشّارح العضدىّ فى شرحه ان الحكم اذا نسب إلى الحاكم سمّى ايجابا

و اذا نسب إلى ما فيه الحكم و هو الفعل سمّى وجوبا و هما متّحدان بالذّات مختلفان بالاعتبار فلذلك تراهم يجعلون اقسام الحكم الوجوب و الحرمة مرّة و الايجاب و التّحريم اخرى و تارة الوجوب و التّحريم لكن لا من حيث ما قد زعمه تقليدا لصاحب المحصول انّ القول ليس لمتعلّقه منه صفة لتعلّقه بالمعدوم فقد استبان فى علم الحكمة الرّبوبيّة انّ المعدوم بالعدم الزّمانىّ موجود بالقياس اليه سبحانه فى وقته و انه لا مضىّ و لا استقبال بالقياس اليه سبحانه اصلا بل الزّمانيّات كلّها حاضرة عنده فيشاهدها بأسرها معا كلّا فى وقته على انّ الوجود العلمىّ كاف فى تصحّح الموصوفيّة و لا من حيث ما قد ظنّه و هو من بعض الظّنّ انّه ليس لذات الفعل من الحكم صفة حقيقيّة ذاتيّة بناء على نفى قاعدة التّحسين و التّقبيح العقليّين و حسبان ان لا جهة مرجحة لحكم الشّرع فى ذات الفعل و لا حسن و لا قبح بالمعنى

43

الّذى هو حريم النّزاع لذوات الافعال بخصوصيّاتها بل الافعال سواسيّة فى حدّ أنفسها و انّما الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة و مبدئيّة استيجاب استحقاق الثّواب و استحقاق العقاب بمحض جعل الشّارع و وضعه و امره و نهيه كما قد زعمته الفئة العاميّة المنسلخة عن الجبلّة العقليّة و الغريزة العقلانيّة أ ليس ذلك قولا بالتّرجيح لا بمرجّح و ذلك مستلزم للتّرجيح بلا مرجّح فى مرتبة ما من المراتب بتّة على ما قد تمّ نصاب بيانه فى كتب العلوم النّظريّة و التّرجيح بلا مرجّح ممّا على بطلانه اطباق كلّ من يدّعى الدّخول فى دائرة العقل و كورة الفطرة الانسانيّة بل من حيث انّ الحكم السّمعىّ الشّرعىّ الكاشف عن الجهة العقليّة المرجّحة المحسّنة او المقبّحة فى نفس ذات الفعل بالقياس إلى الفعل وجوب و بالقياس إلى اللّٰه الحاكم الشارع جلّ سلطانه ايجاب او بالنّسبة إلى الفعل حرمة و بالنّسبة اليه سبحانه تحريم بناء على ما قد اسّسنا اساسه فى كتبنا الحكمية و صحفنا البرهانيّة انّ مقولتي ان يفعل و هى التّحريك و ان ينفعل و هى التّحرك اعتباران مختلفان فى مقولة الحركة و هما و الحركة متّحدة بالذّات مختلفة بالاعتبار فتبدل الحال الحاصل للموضوع المنفعل عن سبب ما فاعل لا على سبيل القرار و

44

و الثّبات بل على سبيل التصرّم و التجدّد له اعتبار بحسب نفس ذاته و اعتبار بحسب نسبته إلى السّبب الفاعل المباشر بأنّه عنه بالمباشرة و اعتبار بحسب نسبته إلى الموضوع المنفعل بأنّه له بالقبول و هو بالاعتبار الاوّل نفس الحركة و بالاعتبار الثّانى التّحريك و هو ان يفعل و بالاعتبار الثّالث التّحرك و هو ان ينفعل و الاثر الحاصل الخارج عن مقولة الحركة كما فى افاعيل العقول المفارقة المتبرئة عن عالمى الزّمان و المكان و اعلى من ذلك كلّه فعل الفعّال الحقّ الّذى عن الماهيّة و المائيّة متقدّس و عن الزّمان و الدّهر متعال فالوجود الحاصل بما انّه وقوع الذّات المتقرّرة و حصولها فى عالم التّقرّر وجود و بما انّه عن الصّانع الموجد الحقّ تعالى شانه بالإفاضة و الصنع ايجاد و بما انّه للذّات المتقرّرة بقبول الفيض و الفيضان موجوديّة و الوجوب بما انّه تاكّد و وثاقة لحصول الذّات المتحقّقة وجوب و بما انّه عن الجاعل الموجب بالاقتضاء و التّوكيد ايجاب و بما انّه للذّات الفائضة بقبول التّاكّد و التّوثّق واجبة و ان شريكنا السّالف شيخ فلسفة الاسلام قد جرى على احصاف هذا الاصل و احكام هذا الاسّ و استمر عليه فى مواضع من الشّفاء و قلده فيه

45

خاتم المحصّلين و المحقّقين فى اساس الاقتباس قال فى ثالث اولى برهان الشّفاء التّعليم و التّعلم الذّهنىّ قد يكون بين إنسانين و قد يكون بين انسان واحد مع نفسه من جهتين فيكون من جهة ما يحدس بالحدّ الاوسط فى القياس مثلا معلّما و من جهة ما يستفيد النّتيجة من القياس متعلّما و التّعليم و التعلّم بالذّات واحد و بالاعتبار اثنان فانّ شيئا واحدا و هو انسياق مّا إلى اكتساب مجهول بمعلوم يسمّى بالقياس إلى الّذى يحصل فيه تعلّما و بالقياس إلى الّذى يحصل عنه و هو العلّة الفاعلة تعليما مثل التّحريك و التّحرك و قال فى سادس سادسة قاطيغورياس الشّفاء و امّا مقولة ان يفعل و ان ينفعل فتوهّم فى تصوّرها هيئة توجد فى الشّيء لا يكون الشّيء قبلها و لا بعدها البتّة فى الحدّ الّذى يكون معها من الكيف او الكمّ او الاين او الوضع بل لا يزال يفارق على اتّصاله بها الشّيء اشياء و يتوجّه إلى شيء ما دامت موجودة كالتّسوّد ما دام الشّيء يتسوّد و التّبيّض ما دام الشّيء يتبيّض و الحركة من مكان إلى مكان فالشّيء الّذى فيه هذه الهيئة على اتّصالها فهو منفعل و ينفعل و حال هى ان ينفعل و الشّيء الّذى منه هذه الهيئة على اتّصالها فهو من حيث هو منسوب إليها فاعل و يفعل

46

و حال هى ان يفعل و امّا فى اوّل ثانية طبيعيّات الشّفاء فقد قال ثمّ من المشهور انّ الحركة و التّحريك و التحرّك ذات واحدة فاذا اخذت باعتبار نفسها فحسب كانت حركة و ان اخذت بالقياس إلى ما فيه سمّيت تحرّكا و ان اخذت بالقياس إلى ما عنه سمّيت تحريكا و يجب ان تحقّق هذا الموضع و نتأمّله تامّلا ادقّ من المشهور فنقول انّ الامر بخلاف هذه الصّورة و ذلك لأنّ التّحرك حال للمتحرّك و كون الحركة منسوبة إلى المتحرّك بأنّها فيه حال للحركة لا للمتحرّك فانّ نسبة الحركة إلى المادّة فى المعنى غير نسبة المادّة إلى الحركة و ان تلازما فى الوجود و كذلك التّحريك حال للمحرّك لا للحركة و نسبة الحركة إلى المحرّك حال للحركة لا للمحرّك و اذا كان كذلك كان التحرّك نسبة المادّة إلى الحركة لا الحركة منسوبة إلى المادّة و لم يكن التّحرّك هو الحركة بالموضوع و كذلك لم يكن التّحريك هو الحركة فى الموضوع و لا تناقش فى ان يكون كون الحركة منسوبة إلى المادّة معنى معقولا و كذلك إلى المحرّك و لكن هذان المعنيان لا يدلّ عليهما بهذين الاسمين فهذا قوله هناك و يجب علينا ايضا ان نتعقّبه و ننقده و نحقّق صراح الامر و قراح الحقّ فيه و نتأمّله تامّلا ادقّ ممّا قد تامّله الشّيخ فانّ تامّله

47

ذا كانّه بالاقتضاب اشبه منه بالتعقّب فنقول باذن اللّٰه سبحانه ان كون الحركة فى المتحرّك يلحظ تارة بما هو حال الحركة فيعبّر عنه بنسبة الحركة إلى المتحرّك بأنّها فيه و لا يقال له بهذا الاعتبار تحرّك بل وجود للحركة فى الموضوع و تارة بما هو حال للمتحرّك فيعبّر عنه بنسبة المتحرّك إلى الحركة بأنّه فيه الحركة و بهذا الاعتبار يسمّى تحرّكا كالوجود الرّابط فى عقود الهليّات المركّبة كقولنا الفلك متحرّك يؤخذ تارة بحيث يكون حالا للمحمول فينسب الوجود إلى المحمول ثمّ ينسب المجموع إلى الموضوع بالنّسبة الحكميّة فيكون المعنى المفاد وجود المتحرّك للفلك و تارة بحيث يكون حالا للموضوع فينسب الوجود إلى الموضوع ثمّ يربط المحمول بالمجموع بالنّسبة الحكمية فيكون المعنى المفاد وجود الفلك متحرّكا فنسبة الحركة إلى المادّة بأنّها فى المادّة و نسبة المادّة إلى الحركة بأنّها فيها الحركة و ان كانتا اعتبارين مختلفين بالمعنى لكنّهما اعتباران مختلفان متعلّقان بهيئة واحدة غير قارّة هى بعينها ذات تلك الحركة الواحدة بالعدد و لا هناك هيئة غير قارّة غيرها و كذلك كون الحركة عن الفاعل المحرّك يلحظ تارة بما هو حال للحركة فيعبّر عنه بنسبة الحركة

48

إلى المحرّك بأنّها عنه و لا يقال له بهذا الاعتبار تحريك بل صدور للحركة عن العلّة المحرّكة و تارة بما هو حال للمحرّك فيعبّر عنه بنسبة المحرّك إلى الحركة بأنّه عنه الحركة و بهذا الاعتبار يسمّى تحريكا كما وجود مّا رابطىّ كصانعيّة البارى تعالى للعالم يؤخذ تارة بحيث تكون حالا للعالم اى كون العالم صانعة البارئ تعالى و تارة بحيث يكون حالا للباري تعالى اى كون البارى تعالى صانعا للعالم فنسبة الحركة إلى المحرّك إلى الحركة اعتباران مختلفان بالمعنى لا محالة الّا انّهما اعتباران مختلفان لذات هيئة غير قارة هى بعينها تلك الحركة الواحدة و لا هناك هيئة غير قارّة الّا هى و بالجملة انّ كون العلّة المحرّكة فى حدّ ذاتها بحيث نفسها تستتبع الحركة و تفيدها و يصدر عنها حصولها البتّة صفة قارّة لذات المحرّك و ليست هى المعناة المسمّاة تحريكا و لا هى من الهيئة الفعليّة الغير القارّة المعبّر عنها بمقولة ان يفعل فى شيء اصلا و كذلك كون المادّة المتحرّكة فى حدّ نفسها بحيث ذاتها تقبّل الحركة و تتلبّس بها و تكون موضوعها و معروضها صفة قارّة لذات المتحرّك و ليست هى المعناة المسمّاة تحرّكا و لا هى من الهيئة الانفعاليّة الغير القارّة المعبّر عنها بمقولة ان ينفعل فى شيء اصلا و اذ المقولتان هيئتان غير قارتين قيل لهما

49

بلسان الفلسفة ان يفعل و ان ينفعل و لم يقل لهما فعل و انفعال بل انّ الهيئة الفعليّة الغير القارة المسمّاة تحريكا لهي كون الفاعل المحرّك هو ذا عن ذاته الحركة فى ذات المحرّك ما دام المتحرّك متحرّكا و الهيئة الانفعاليّة الغير القارة المسمّاة تحرّكا لهي كون الموضوع المتحرّك هو ذا فى ذاته الحركة ما دام هو متحرّكا و من المنصرح المستبين انّ المحرّك الفاعل للحركة ليس تكون فيه بما هو محرّك هيئة غير قارة حاصلة فى ذاته على التّدريج و الّا كان هو بذلك الاعتبار متحرّكا لا محرّكا و كذلك المتحرّك الموضوع للحركة ليس تكون فيه بما هو متحرّك هيئة اخرى غير قارّة حاصلة فى ذاته على التّدريج وراء الهيئة الغير القارّة الّتى هى نفس هذه الحركة و الّا لزم ان يكون بما هو متحرك بهذه الحركة متحرّكا بحركة اخرى غيرها هذا خلف ثمّ الكلام فى تلك الحركة ايضا كالكلام فى هذه فيتمادى الامر إلى ان يذهب إلى لا نهاية فاذن قد استتبّ انّه لا هناك الّا هيئة واحدة غير قارّة هى الحركة و التّحريك و التحرّك اى ان يفعل و ان ينفعل باعتبارات مختلفة ثلاثة و على هذا السّبيل سياقة القول فى الفعل و القبول اللذين هما خارجان عن مقولتي ان يفعل و ان ينفعل كالابداعات و الاضافات

50

الابداعيّة و قبول ذوات المبدعات الفيضان و الفيوضات الالهيّة الحاصلة فى متن الواقع و قرار الدّهر دفعة دهريّة لا بزمان و آن و لا بحركة و مادّة و مدّة و كالايجادات و التّاثيرات و الانفعالات و التّاثرات الدفعيّة بالقياس إلى كائنات الصّور و الاعراض الحادثة فى حدود زمانيّة دفعة إنيّة فكون الفاعل الموجد الموجب التّامّ فى حدّ نفسه بحيث نفس ذاته تستتبع ذات المعلول و تفعلها و تفيدها الوجود و الوجوب صفة هى شأن ذات الفاعل بحسب نفسها و ليست هى معنى الفعل المسمّى ايجادا و لا معنى الفعل المسمّى ايجابا و كذلك كون المعلول الواجب بالعلّة الموجدة الموجب و يصدر عنه و يستفيد منه الوجوب و الوجود صفة لجوهر ذات المعلول بحسب نفس جوهر الذّات و ليست هى معنى القبول المسمّى تجوهرا و موجوديّة و لا معنى القبول المسمّى تاكّدا و واجبية بل الفعل الّذى هو التّجهيز و التّوثيق و الايجاد و الايجاب هو كون الفاعل عنه جوهر ذات المعلول و وثاقته و وجوده و وجوبه بالفعل و ذلك اعتبار مّا و حال مّا لذات الفاعل لا بحسب نفسه بل بحسب نسبته إلى ذات المعلول و وجوده و وجوبه بأنّها عنه و القبول الّذى هو التّجوهر و التوثّق و الموجوديّة و الواجبيّة هو كون المعلول متجوهر الذّات