الشهاب الثاقب في وجوب صلاة الجمعة العيني

- الفيض الكاشاني المزيد...
102 /
7

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي جعل دليل وجوب صلاة الجمعة من أوضح الدلائل الفرعية و أقومها كما جعل صلاة الجمعة أفضل التكاليف الشرعية و أعظمها و نصب عليه جميع الدلائل المعتبرة في الشرع بأحسن عبارة و جعل هذه المسئلة كمسئلة الإمامة في الوضوح و الإنارة و الصلاة و السلام على أفضل من بلغ الشرائع و هذب و آله المعصومين أئمة الهدى (عليهم السلام).

و بعد فيقول خادم العلوم الدينية محمد بن مرتضى المدعو بمحسن أحسن اللّه حاله. هذه رسالة في رفع الشبهة التي وقعت لبعض متأخري أصحابنا في حتمية وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة ابتغيت بتأليفها وجه اللّه سبحانه لما رأيت أنه قد ابتلى بالبلية أهل الايمان في هذا الزمان و خذلهم بحسده و عداوته الشيطان حتى هدمت

8

أعظم قواعد الدين بالشبهة لا بالبرهان و حرمت أهم العبادات بالجهل و الخذلان و إخواننا السالفون (رحمهم اللّه) و إن كانوا قد أكثروا في هذا الشأن كتبا و دفاتر إلا أن الأمر كما قيل كم ترك الأول للآخر، و سميناها (بالشهاب الثاقب) و من اللّه التأييد.

اعلم أيدك اللّه بروح منه ان وجوب صلاة الجمعة في الجملة أظهر من الشمس في رابعة النهار و انه مما اتفق عليه علماء الإسلام في جميع الأعصار و سائر الأمصار و الأقطار كما صرح به جمع غفير من الأخيار و ان جميع علماء الإسلام طبقة بعد طبقة قاطعون بأن النبي (ص) استمر بفعلها على الوجوب العيني طول حياته المقدسة و أن النسخ لا يكون بعده (ص) و لم يذهب الى اشتراط وجوبها بشرط يوجب سقوطها في بعض الأزمان إلا رجل أو رجلان من متأخري فقهائنا الذين هم أصحاب الرأي و الاجتهاد دون القدماء الذين لا يتجاوزون مدلول ألفاظ الكتاب و السنة و أخبار أهل البيت (صلوات اللّه عليهم) فإنه لا خلاف بينهم في وجوبها الحتمي و عدم سقوطها أصلا إلا للتقية كما لا اختلاف في ألفاظ القرآن و الحديث في ذلك و انما وقع في الشبهة شرذمة من أصحاب الآراء من المتأخرين لما رأوا من ترك اجلة الأصحاب لها برهة من الزمان دون رهبة فزعموا ان لها شرطا آخر غير ما ثبت بالأخبار الصحيحة و انه قد يوجد و قد لا يوجد و الا لما تركها هؤلاء الأجلاء وقتا دون وقت كما قال الشيخ الشهيد (ره) بعد إثبات الوجوب العيني بالبرهان (الا ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار) انتهى.

9

فاتفقت آرائهم على ان ذلك الشرط انما هو حضور السلطان العادل أو من نصبه لذلك كأنهم عنوا بالسلطان العادل كما صرح به بعضهم الامام المعصوم (عليه السلام) فاشترطوا حضوره (ع) إذا تيسر كما في بلد إقامته (ع) في دولة الحق و أذنه (عليه السلام) لها إذا لم يتيسر الحضور كما في البلاد الأخرى في ذلك الوقت و ذلك لما رأوا أن الأئمة كانوا يفعلون في دولتهم محقين كانوا أم مبطلين و لما رأوا ان العامة يستدلون عليه ان الاجتماع مظنة النزاع و مثار الفتن و الحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف و لن يستمر الا مع السلطان فاستحسنوا هذا الاستدلال منهم كما استحسنوا العمل بالاجتهاد و القول بالرأي منهم. ثم زعموا ان ذلك كان شرطا لشرعية هذه الصلاة ثم اختلف هؤلاء فيما بينهم فمنهم من عمم هذا الشرط لزمان الظهور و الغيبة فحكم بسقوط الصلاة في الغيبة لعدم إمكان الشرط حينئذ و هو محمد بن إدريس صريحا و سلار بن عبد العزيز ظاهرا و هما اللذان كنينا عنهما لرجل و الرجلين و انما أتينا بالترديد لاحتمال كلام سلار التأويل بما يرجع الى الحق و ابن إدريس هذا هو الذي قال فيه العلامة و المحقق ما قالا و كدت اذكر نبذة منه لو وجدت له مجالا و منهم من خص الشرط بزمان الظهور و اسقط في زمان الغيبة لامتناعه ثم اختلف هؤلاء فمنهم من جعل الوجوب حينئذ حتما من دون رخصة في تركها فوافق رأيهم مذهب القدماء الأخباريين و سائر الأمة و منهم من زعم ان في تركها (ح) رخصة و ان وجوبها (ح) تخييري و انها أفضل الفردين الواجبين تخييرا فهي مستحبة عينا واجبة تخييرا لها في بعض الأوقات كما ذكرنا و الاشتباه وقع لهم من عبارات بعض من تقدم عليهم و لا سيما الشيخ الطوسي (ره) كما ستقف عليه إنشاء اللّه تعالى و كأنهم عنوا بالتخيير

10

كما صرح به بعضهم ان للناس الخيار في إنشائها و جمع العدد لها و تعيين امام لأجلها فإذا فعلوا ذلك و عزموا على فعلها تعين على كل من اجتمعت له الشرائط الأخر حضورها و لا يسع أحد التخلف عنا حينئذ الا ان لآحاد الناس التخيير في حضورها و عدمه و منهم من زعم ان الأذن العام قائم مقام الأذن الخاص في زمان الغيبة فاشترك فيها حضور الفقيه لأنه نائب الإمام (ع) على العموم و مأذون من قبله (ع) في إجراء الأحكام و اليه ذهب واحد أو اثنان من متأخريهم و كل من أصحاب هذه الآراء ادعى الإجماع على رأيه مع انه لا مستند لإجماعه من كتاب و لا سنة و لا خبر و ليس لرأيه من هذه الدلائل الثلاثة عين و لا اثر بل الباعث لهم على هذه الآراء ما ذكرناه كما يظهر من تضاعيف كلماتهم و فحاوي عباراتهم و ستسمع شطرا منها.

و اما ما استدلوا به عليها فكأنهم تعسفوا به بعد استقرار الرأي على ان كلام أكثرهم مضطرب غاية الاضطراب فإنك تراهم تارة يشترطون السلطان العادل أو من نسبه لها أو يستدلون على عدالته بما ينفي اعتبار الجائز و نصبه أصلا و رأسا. و تارة يقولون لو نصب الجائر عدلا استحب الاجتماع و انعقدت جمعه كأن في اذن السلطان الجائر مدخلا في انعقادها.

و مرة تسمعهم يقولون يسقط الوجوب في زمان الغيبة لفقد الشرط. و مرة يقولون الفقيه منصوب من قبل الامام (ع) و لهذا يمضي أحكامه و يجب مساعدته على اقامة الحدود. و تارة يطلقون هذا الشرط و يدعون عليه الإجماع ثم يقولون و في زمان الغيبة قولان أصحهما الجواز للروايات و الآخر المنع لفقد الشرط. و منهم من يقول

11

بعد هذا الاشتراط و دعوى الإجماع عليه فان قيل قد رويتم جوازها لأهل القرى و السواد قلنا ذلك مأذون فيه مرغب فيه فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلي. و تارة يفسرون السلطان العادل بالإمام المعصوم. و تارة يستدلون على عدالته بان الفاسق يسرع الى بواعث طبعه لا الى مواضع المصلحة كأنهم يريدون بالعادل ما يقابل الفاسق. و مرة يدل كلامهم على ان مرادهم بحضور السلطان العادل ما يكون على جهة السلطنة و الاستيلاء. و مرة يجعلون الحضور في مقابلة الغيبة فيعمم الحضور حال التقية ايضا الى غير ذلك من التناقض الظاهر و التهافت الباهر و قد يتقصى عن بعضها من قبلهم بتعسفات ستسمعها إنشاء اللّه تعالى و ربما اجتمع أكثرها في كلام أحدهم بل كتابه الواحد كما سنقف عليه و لعلك تعجب من دعواهم الإجماع في هذه المسئلة مع هذا الاختلاف الجلي و يزيدك تعجبا منع بعضهم بعضا في هذه الدعوى مع ادعائه لنفسه فهم ينهون عنها و لا ينأون عنها. و لعمري انها ليست بعجب منهم لعدم اختصاصها بهذه المسئلة بل هي دأب أصحاب الآراء في كثير من المسائل (لا يقال) و أنت ايضا ادعيت الإجماع على وجوبها و انه مما اختلف فيه (لأنا نقول) انه لا خلاف لأحد في أصل وجوبها بل الكل معترفون به و يدعون الإجماع عليه بل يعدونه من ضروريات الدين و انما اختلفوا في شروطها و كل يدعي الإجماع على ما يدعي من الشروط من دون برهان عليه و سنتلو عليك ما تعلم به أن مثل من يدعي منهم الإجماع في المسائل الخلافية الاجتهادية كمثل العنكبوت. ثم ان طائفة من المتفقهة المحدثين بعد زمان التقية ممن لا معرفة له بأحاديث أهل البيت عليهم

12

السلام و لا دراية له في التحصيل من الذين جمدوا على عبارات الفقهاء و لا يعرفون الحق الا بالرجال مع انهم لا يفهمون كلام الرجال ليعرفوا به الحق لقلة بصيرتهم و قصور معرفتهم و التزامهم المشهورات و تهالكهم عليها و ان لم يكن لها أصل و تقليدهم الأعمى للآباء و الأسلاف و خروجهم بذلك عن طريق الحق و الإنصاف كالذين (قالوا انا وجدنا آبائنا على ملة و انا على آثارهم مقتدون) اشتبه عليهم الأمر اشتباها عظيما و تحيروا في فيفاء التقليد و مهمة اتباع السلف حيرة لا محيص لهم عنها إلا بالإصغاء إلى أمثال هذه الكلمات التي نتلوها عليك و منهم من لم يشتبه عليه الأمر فيها إلا انه أوقد نار العصبية و استحمل أوزار الحمية لعدواته الحق و أهله بغيا و حسدا فأخذ يبالغ في الأفكار و لا يرفع رأسا إلى الاعتبار و هو الذي يسمع آيات اللّه ثم يصر مستكبرا كأن لم بسمعها كأن في أذنيه و قرأ و هؤلاء ذرهم في غمرتهم يعمهون ذرهم يخوضوا و يلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون فلا كلام لنا منهم. و أما الذين اشتبه عليهم الأمر فسنتلوا عليهم الآيات و النصوص حتى يتبين لهم ان الوجوب العيني هو الحق و انه غير مشروط بما يوجب سقوطها في بعض الأزمان إلا التقية من أهل البغي و العدوان و ان اشتراط السلطان ليس عليه سلطان. و ان اعتبار النائب و الفقيه ليس عليه برهان. و ان لا فرق بين أزمنة ظهور الامام (ع) و غيبته منذ شرعت الى الآن و لما رأينا أن اعتماد أكثر هؤلاء على كلام الفقهاء المجتهدين أكثر منه على كلام اللّه عز و جل و كلام رسول (صلى اللّه عليه و آله) و كلام الأئمة المعصومين (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) و كلام القدماء (رضوان اللّه عليهم) ثم ان وقوفهم على قول المجتهد الميت أكثر منه على قول الفقيه الحي و ان كان

13

شخصا واحدا مع ان فقهائهم المجتهدين قد وصوهم على ترك العمل بقولهم بعد موتهم الا انهم نسوا حظا مما ذكروا به فلا تزال تطلع على خائنة منهم الا قليلا منهم ناسب ان نورد في خلال البيان و الاستدلال على الوجوب العيني. و بعد ذلك البيان و التبيين من كلمات الفقهاء الماضين ما تقوي به الدلائل و الحجج عند هؤلاء تلطفا بهم الى الاستماع و وصلة بهم الى الانتفاع و لما شاهدنا ان اعتبارهم للإجماعات المخترعة التي هم فيها متشاكسون و الأمارات الظنية المبتدعة التي هم فيها متخالفون أكثر من اعتبارهم النصوص الصريحة و الاخبار الصحيحة ناسب ان نورد من ذينك الأمرين أيضا ما يشفي به عليهم و يروى به غليلهم و لتتظافر الأدلة الشرعية المعتبرة عندهم جميعا على المطلوب ليكون أوقع في نفوسهم و أطفأ لكؤوسهم و نبدأ أولا بكلام اللّه تعالى ثم نورد كلام رسول اللّٰه (ص) ثم كلام الأئمة المعصومين (ع). و الأدلة الشرعية منحصرة عندنا في هذه الثلاثة ثم ننقل كلام المشتهرين من القدماء و المتأخرين و نثبت به الإجماع المعتبر عند القائلين به على الوجوب العيني ثم نأتي بالوجوه العقلية المعتبرة عند أهل الرأي على ذلك و الأدلة الشرعية منحصرة عندهم في هذه الخمسة. ثم نجيب عن شبهة المخالفين مفصلا ثم نزيف الإجماعات المنقولة التي عليها مدار احتجاجاتهم في تحقيق و تشييد البيانات بكلام القوم ثم نختم الرسالة بالأخبار الواردة في الحث على صلاة الجمعة و امحاض النصيحة و ليكن ذلك كله في أبواب ثمانية عدد أبواب الجنة. و من اللّه التأييد في كل باب.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الباب الأول في الاستدلال بكلام اللّه تعالى

قال اللّه تعالى في محكم كتابه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ اتفق المفسرون على أن المراد بالذكر المأمور بالسعي إليه في الآية صلاة الجمعة أو خطبتها أو هما معا كما نقله غير واحد من العلماء. فكل من تناوله اسم الإيمان مأمور بالسعي و استماع خطبتها و فعلها و ترك كل ما يشغل عنها فمن ادعى خروج بعض المؤمنين من هذا الأمر في بعض الأوقات فعليه الدليل قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ* و في الآية مع الأمر الدال على الوجوب من ضروب التأكيد و أنواع الحث ما لا يخفى (قال) زين المحققين الشهيد الثاني (ره) في رسالته التي ألفها في تحقيق هذه المسئلة و إثبات الوجوب العيني و بسط القول فيه ما ملخصه- ان تعليق الأمر في الآية انما هو على النداء الثابت شرعيته لفريضة الوقت أربعا كانت أو اثنتين و حيث ينادي لها يجب السعي إلى ذكر اللّه و هو صلاة الجمعة ركعتين أو سماع

16

خطبتها و كأنه قال إذا نودي للصلاة عند الزوال بيوم الجمعة فصلوا الجمعة أو فاسعوا الى صلاة الجمعة و صلوها. قال و هذا واضح الدلالة لا اشكال فيه و لعله السر في قوله تعالى فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ و لم يقل فاسعوا إليها قال و انما علق على الآذان حثا على قبلها حتى ذهب بعضهم الى وجوبه لها لذلك و كذا القول في تعليق الأمر بالسعي فإنه أمر بمقدماتها على أبلغ وجه و إذا أوجب السعي إليها وجبت هي أيضا الطريق أولى و لا معنى لإيجاب السعي إليها مع عدم إيجابها كما هو ظاهر- انتهى كلامه. و قال اللّه سبحانه و تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ و قد فسر الذكر ههنا ايضا بصلاة الجمعة فسماها اللّه تعالى ذكرا في السورتين و أمر بها في إحديهما و نهى عن تركها و الإهمال بها أو الاشتغال عنها في الأخرى و ندب الى قرائتها فيها أما وجوبا أو استحبابا ليتذكر السامعون مواقع الأمر و النهي و موارد الفضل و الخسران حثا عليها و تأكيدا للذكر بها و مثل هذا لا يوجد في غيره من الفروض فإن الأوامر بها مطلقة مجملة غالبا خالية من هذا التأكيد و التصريح بالخصوص. و قال تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ خص الصلاة الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها من بين الصلوات بعد الأمر بالمحافظة على الجميع و الذي عليه المحققون انها صلاة الظهر في غير يوم الجمعة و فيها هي الجمعة. و قال جماعة من العلماء انها هي الجمعة لا غير كذا قال زين المحققين في بعض فوائده.

17

الباب الثاني في الاستدلال بالأحاديث المروية عن النبي (ص)

روى العامة و الخاصة جميعا في كتبهم الفقهية و غيرها أحاديث عن النبي (ص) بعضها صريح في الوجوب العيني المستمر و بعضها ظاهر في ذلك حيث لا اشعار فيها التخيير بينها و بين غيرها. و لا بتوقفها على شرط من اذن و غيره فمن ادعى شيئا من ذلك فعليه الدليل. قوله (ص) «كتبت عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة» و هذا صريح في الوجوب العيني المستمر. إذ لو كانت مشروطة بحضور الامام (ع) و اذنه لم يكن الى يوم القيامة بل أياما قلائل معدودة كما هو ظاهر: قوله (ص) «الجمعة واجبة على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض» قوله (ص) في خطبة طويلة حث فيها على صلاة الجمعة «ان اللّه تعالى قد فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي و له امام عادل استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع اللّه شمله و لا بارك له في أمره الا و لا صلاة له إلا و لا زكاة له إلا و لا حج له الا و لا صوم له الا و لا بر له.

18

حتى يتوب» فظاهر ان لفظ الإمام في مثل هذا الموضع انما يطلق على إمام الصلاة دون المعصوم (ع) و هذا مما لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأخبار مع ان قوله (ص) و له امام عادل ليس في بعض الروايات و رواه العامة كذا. «و له امام عادل أو فاجر» قوله (ص) «من ترك ثلاث جمع متعمدا من غير علة ختم اللّه على قلبه بخاتم النفاق» قوله (ص) «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع اللّه على قلبه» و قوله (ص) «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» و لو كان الوجوب تخييريا لما توعد على تركها بالنفاق أو الطبع على القلب و الختم عليه الذين هما علامة الكفر و العياذ باللّه فان ترك أحد الفردين التخييريين الى الآخر لا يوجب ذلك كما هو ظاهر.

19

الباب الثالث في الاستدلال بكلام الأئمة المعصومين (عليهم السلام)

روى المحمدون الثلاثة المكنون بأبي جعفر اعني ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني و رئيس المحدثين محمد بن علي بن بابويه القمي و شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (ره). عن ابي جعفر الباقر (ع) و أبي عبد اللّه الصادق (ع) أخبارا كثيرة معتبرة دالة على حتمية وجوب الجمعة بلا اشتراط حضور إمام أو اذن منه أو فقيه و لا يجوز تركها كما ادعاه القوم بعضها صريح في ذلك و بعضها ظاهر.

صحيحة زرارة عن الباقر (ع) قال- فرض اللّه على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّه في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة. الصغير. و الكبير.

و المجنون. و المسافر. و العبد. و المرأة و المريض و الأعمى.

و من كان على رأس فرسخين- و لا شبهة ان غير الجمعة من الفرائض وجوبه عيني فلو حمل وجوب الجمعة على التخيير على بعض الوجوه لزم تهافت الكلام. و اختلاف حكم الفرائض بغير مائز. كذا قال

20

زين المحققين. أقول و أيضا لو كان وجوبها تخييريا على بعض الوجوه لاستثني تلك الوجوه كما استثنى المجنون و المسافر و غيرهما. فان استثناء هؤلاء انما هو في الوجوب العيني لا مطلق الوجوب لوجوبها عليهم لو حضروا و انما لهم الخيرة في الحضور كما تقرر عندهم فالوجوب التخييري ثابت لهم فلا وجه لاستثنائهم دون شركائهم.

و اما تخصيص الوجوب بزمان حضور الامام (ع) فغير جائز أما أولا فلأنه خلاف الظاهر فيحتاج الى دليل و لا دليل يصلح لذلك فإنك تعلم ان الذين خصوا بأي متمسك يتمسكون. و اما ثانيا فلأنه ان أريد بزمان حضوره زمان ظهوره على وجه السلطنة و الاستيلاء كما نقل عن جماعة منهم التصريح به فيلزم خروج أكثر الجمعات و أكثر الناس عن الحكم لأن أيام ظهور المعصوم (ع) على وجه السلطنة و الاستيلاء قليلة جدا بالنسبة إلى غيرها و يلزم منه خروج أكثر أفراد العام و هو غير جائز عند المحققين و هل تستقيم عند الطبائع المستقيمة تجويز ان يكون المعصوم (ع) في مقام بيان الحكم الشرعي و افادته و يبالغ في وجوب شيء و يقول انه واجب في كل أسبوع الا على جماعة خاصة و مع ذلك لا يثبت هذا الحكم لأحد من عصره و لا لمعظم المسلمين بل انما ثبت لقليل مضوا في زمن النبي (ص) و زمن خلافة أمير المؤمنين (ع) و سوف يثبت لجماعة في آخر الزمان عند ظهور القائم (ع) ليس الا. و ان أريد بزمان الحضور ما هو أعم من السلطة و الاستيلاء فلا وجه للتخصص المذكور و لا فرق بين حضوره مع الخوف و بين غيبته في عدم تمكنه من الصلاة بنفسه و لا تعيين النائب الذي هو مناط الوجوب العيني عند من نفاه في زمن الغيبة صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم عن الصادق (ع) «قال ان اللّه

21

تعالى فرض في كل سبعة أيام خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصبي» و في هذا الخبر مع ما فيه من المبالغة و التأكيد و الإتيان بلفظ الفرض الدال على تأكد الوجوب كالخبر السابق التصريح بلفظ كل الذي هو أوضح الألفاظ في العموم في الموضعين مع الاستثناء الموجب لزيادة التأكيد في العموم و الشمول لسائر الأزمنة كالصلوات الأخر التي جمع بينها و بين الجمعة في الحكم. صحيحة زرارة قال قلت لأبي جعفر (ع) (على من تجب الجمعة. قال: على سبعة نفر من المسلمين أحدهم الإمام فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم) و هذا نص في عدم اشتراط الإذن الذي ادعوه و ان مرادهم بالإمام في مثل هذا الموضع امام الصلاة لا المعصوم فان سموا مثل هذا أذنا من الامام و اكتفوا به فهو ثابت الى يوم القيامة لكل من يصلح لان يخطب و يؤم و المنفي في قوله و لا جمعة لأقل من خمسة مطلق الوجوب.

و الثابت مع السبعة الوجوب العيني كما يرشد إليه إتيانه (ع) باللام المستعملة في الاستحباب و التخيير في الخمسة و بعلى المستعملة في الوجوب و الحتم في السبعة و بهذا يجمع بين الأخبار المختلفة في هذا المعنى ظاهرا. و في حسنة زرارة عن الباقر (ع) لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط الامام و أربعة و في موثقة أبي العباس عن الصادق (ع) (ادنى ما يجزي في الجمعة سبعة أو خمسة أدناه). صحيحة منصور بن حازم عن الصادق (ع) قال (يجمّع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد و ان كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم و الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها الا خمسة المرأة. و الملوك. و المسافر. و المريض. و الصبي) قوله عليه

22

السلام يجمّع القوم بتشديد الميم اي يصلون الجمعة. صحيحة عمر بن زيد عنه (ع) قال (إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة و ليلبسن البرد و العمامة و ليتوكأ على قوس أو عصى و ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة و يقنت في الركعة الأولى منهما قبل الركوع) صحيحة الفضل بن عبد الملك قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول (إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات فان كان لهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة نفر و انما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين) و هذا أيضا نص في عدم اشتراط حضور الإمام أو إذنه إلا مثل هذا الاذن العام الثابت الى يوم القيامة. صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال (سألته عن أناس في قرية هل يصلون جماعة قال نعم يصلون أربعا إذا لم يكن لهم من يخطب) و هذه مثل سابقتها في الدلالة. صحيحة زرارة قال قال أبو جعفر (ع) (الجمعة واجبة على من ان صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة و كان رسول اللّٰه (ص) انما كان يصلي العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّٰه (ص) رجعوا الى رحالهم قبل الليل و ذلك سنة الى يوم القيامة). صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم عن الباقر (ع) (قال من ترك ثلاث جمع متوالية طبع اللّٰه على قلبه) و في رواية أخرى عنه (ع) (فان ترك من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض و لا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق) صحيحة زرارة قال: (حثنا أبو عبد اللّٰه (ع) على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد أن نأتيه فقلت نغدوا عليك قال لا إنما عنيت عندكم). موثقة عبد الملك عن الباقر (ع) (قال مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّٰه عليه قال قلت كيف اصنع قال صلوا جماعة

23

يعني صلاة الجمعة).

حسنة محمد بن مسلم عن الصادق (ع) (قال تجب الجمعة على من كان منها على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شيء حسنته عنه (ع) أيضا قال (إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس ان تجمع هؤلاء و تجمع هؤلاء). و في رواية (بين القريتين) حسنة الحلبي قال (سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عمن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة قال يصلي ركعتين فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا و قال إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة فإن أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر أربع). و غير ذلك من الاخبار المستفيضة بل المتواترة معنى فإنها كثيرة جدا و بما ذكرناه من المعتبرة كفاية لمن تدبرها إنشاء اللّٰه. قال زين المحققين بعد نقل جملة من صحاح هذه الأخبار. فهذه الأخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة التي لا يشوبها شك و لا تحوم حولها شبهة من طرق أهل البيت (ع) في الأمر بصلاة الجمعة و الحث عليها و إيجابها على كل مسلم عدا ما استثنى و التوعد على تركها بالطبع على القلب الذي هو علامة الكفر و العياذ باللّه كما نبه عليه تعالى في كتابه العزيز و تركنا ذكر غيرها من الاخبار الموثقة و غيرها حسما لمادة النزاع و رفعا للشبهة العارضة في الطريق و ليس في هذه الأخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام و لا من نصبه و لا اعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة المعظمة فكيف يسع المسلم الذي يخاف اللّٰه تعالى إذا سمع مواقع أمر اللّٰه تعالى و رسوله (ص) و أئمته (ع) بهذه الفريضة و إيجابها على كل مسلم أن يقصر في أمرها و يهملها الى غيرها و يتعلل بخلاف بعض العلماء فيها و أمر

24

اللّٰه تعالى و رسوله (ص) و خاصته (ع) أحق و مراعاته اولى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم.

و لعمري لقد أصابهم الأمر الأول فليتربصوا الثاني ان لم يعف اللّٰه تعالى و يسامح نسئل اللّٰه العفو و الرحمة. قال و قد تحصل عن هذين الدليلين يعني الكتاب و السنة ان من كان مؤمنا فقد دخل تحت نداء اللّٰه تعالى و أمره في الآية الكريمة بهذه الفريضة العظيمة و نهيه عن الالتهاء عنها و من كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي (ص) و الأئمة (ع) و من كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى (وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يعني الالتهاء عنها فَأُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ و قولهم (ع) من تركها على ذلك الوجه طبع اللّٰه على قلبه لأن من موضوعة لمن يعقل ان لم يكن أعم فاختر لنفسك واحدة من هذه الثلاث و انتسب الى اسم من هذه الأسماء اعني الإيمان و الإسلام و العقل. و ادخل تحت مقتضاه أو اختر قسما رابعا ان شئت نعوذ باللّه من قبح الزلة و سنة الغفلة. ثم اعترض على نفسه بأن دلالة هذه الأخبار مطلقة فلا ينافي في تقييدها بشرط بدليل من خارج و أجاب بأن مقتضى القواعد الأصولية وجوب إجرائها على إطلاقها و العمل على مدلولها الى ان يتحقق الدليل المفيد و نستبين انه غير متحقق إنشاء اللّٰه تعالى و اعترض ثانيا بأنه يجوز استناد الوجوب في خبري حث زرارة و عتاب عبد الملك إلى إذن الإمامين كما نبه عليه العلامة في نهايته بقوله لما أذنا لزرارة و عبد الملك جاز لوجود المقتضى و هو اذن الامام (ع) و أجاب بأن المعتبر عند القائل بهذا الشرط كون إمام الجمعة الإمام أو من نصبه و ليس في الخبرين ان الإمام نصب أحد الرجلين إماما لصلاة الجمعة و إنما أمرهما بصلوتها أعم من فعلهما لها إمامين و مؤتمين و ليس في الخبرين

25

زيادة على غيرهما من الأوامر الواقعة بها من اللّٰه تعالى و رسوله (ص) و الأئمة (ع) لسائر المكلفين فان كان هذا كافيا في الاذن فلتكن تلك الأوامر كافية و يكون كل مكلف جامع لشرائط الإمامة مأذونا فيها منهم أو مكلف مطلقا مأذونا في فعلها و لو بالايتممام بغيره كما يقتضيه الإطلاق إذ لا فرق في الشرع بين الأمر الخاص و الهام من حيث العمل بمقتضاه. و أيضا فأمرهما (عليهما السلام) للرجلين ورد بطريق تشمل الرجلين و غيرهما من المكلفين أو من المؤمنين كقوله (صلوا جماعة) و قول زرارة (حثنا أبو عبد اللّٰه على صلاة الجمعة) و قوله (انما عنيت عندكم) من غير فرق بين المخاطبين و غيرهما إلا في قوله (ع) «مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّٰه تعالى» و ذلك أمر خارج عن موضع الدلالة أو على تقدير اختصاص المخاطبين فظاهر رواية زرارة أنهم كانوا بحضرته (ع) جماعة و لم يعين أحدا منهم للإمامة و لا خصه بالأمر و الحث. أقول على أن الاذن لو كان شرطا فيها لكان لعبد الملك ان يقول في جواب عتاب الامام له معتذرا انما لم أصلها لأنك لم تأذن لي فيها (فان قيل) ظاهر الخبرين يشعر بأن الرجلين كانا متهاونين بالجمعة مع انهما كانا من أجلاء الأصحاب و فقهاء أصحابهما و لم يقع منهما (عليهما السلام) إنكار بليغ بل حثاهما على فعلها فدل ذلك على ان الوجوب ليس عينيا و الا لأنكرا عليهما تركهما كمال الإنكار نعم استفيد من حثهما و قوله (عليه السلام) فريضة فرضها اللّٰه وجوبها في الجملة فيحمل على التخييري. (قلنا) قد مر ما يدفع هذا الاحتمال في ذيل الخبر الأول الذي رواه زرارة بعينه و أيضا لا خلاف في أن وجوب الجمعة في زمان حضور الامام (ع) عيني و انما الخلاف في غيبته إلا أن يراد بالحضور ما يكون مع الاستيلاء و السلطنة و هو خلاف ظاهر

26

الأكثر. و ثم نقول في تحقيق المقام ان ذلك الزمان كان زمان تقية و خوف و كانت الشيعة لا يتمكنون من اقامة الجمعة بالاستقلال لأن المتولي لإقامتها كان منصوبا من قبل ائمة القوم و كانوا لا يجوزون الاقتداء بهم فكان يلزمهم أحد أمور ثلاثة أما حضور جمعتهم و عدم الاعتداد على صلوتهم بأن يقرأوا لأنفسهم كما يفعلون في جماعاتهم فيزيدوا على الركعتين أخريين كما كان يفعله أمير المؤمنين (ع) أيام الخليفتين. و أما أن يجتمعوا سرا في موضع لم يطلع عليه أحد منهم و يصلون الجمعة ركعتين بخطبة و هذا ان تيسر. و أما أن يصلوا أربعا في منازلهم و كان لهم الخيرة في الأمور الثلاثة و ان كان الأولان أفضل و هذا هو السبب في تركهم الجمعة في بعض الأوقات دون بعض و هذا هو السبب الأصلي في وقوع مجتهدي أصحابنا في شبهة التخيير و الباعث الأقوى لهم على احداث هذا القول في هذه المسئلة. و أنت خبير بان التخيير فيها ليس الا كالتخيير للشيعة بين مسح الرجلين في الوضوء سرا و بين غسلهما فيه جهرا في بلاد المخالفين فإنهم قد و قد.

و هذا الحكم مختص بزمان التقية و بلادها ظاهرا كان الإمام أو غائبا دون زمان شوكة الحق و بلاده ظاهرا كان أو غائبا الا أن هؤلاء المجتهدين اشتبه عليهم معنى التخيير في أصل الحكم و التخيير العارض على الحكم و كذا اشتبه عليهم زمان التقية بزمان الغيبة و لهذا قالوا ما قالوا و زعموا ما زعموا و تسميته أحد فردي هذا التخيير استحبابا و ندبا و قد وقعت في كلام القدماء أيضا قال المفيد (ره) في المقنعة و يجب حضور الجمعة مع من وصفناه من الأئمة فرضا و يستحب مع من خالفهم تقية و ندبا و أراد بمن وصفه الإمام الصالح للجماعة كما ستطلع عليه و هذه احدى العبارات التي تصلح لأن

27

تكون منشأ لشبهتهم في التخيير. قال زين المحققين (ره) و الذي يظهر لي ان السر في تهاون الجماعة بصلاة الجمعة ما عهد من قاعدة مذهبهم انهم لا يقتدون بالمخالف و لا بالفاسق و الجمعة انما تقع في الأغلب من أئمة المخالفين و نوابهم و خصوصا في المدن المعتبرة و زرارة و عبد الملك كانا بالكوفة و هي أشهر مدن الإسلام ذلك الوقت و إمام الجمعة فيها مخالف منصوب من قبل أئمة الضلال فكانوا يتهاونون بها لهذا الوجه و لما كانت الجمعة من أعظم فرائض اللّٰه تعالى و أجلها. ما رضي الإمام (ع) لهم بتركها مطلقا فلذلك حثهم على فعلها حيث يتمكنون منها. و على هذا الوجه استمر حالها مع أصحابنا الى هذا الزمان فأهمل لذلك الوجوب العيني و أثبت التخييري لوجه زجر من اللّٰه تعالى ان يحذرهم فيه و آل الحال منه الى تركها رأسا في أكثر الأوقات و معظم الأصقاع مع إمكان إقامتها على وجهها و ما كان حق هذه الفريضة المعظمة أن يبلغ بها هذا المقدار من التهاون بمجرد هذا العذر الذي يمكن رفعه في كثير من بلاد الايمان سيما هذا الزمان و بهذا ظهر ان حث الإمام (ع) للرجلين و غير هما عليها دون ان ينكر ذلك عليهم شديدا ليس من جهة الوجوب التخييري بل للوجه الذي ذكرناه و قد تنبه قبلي لهذا الوجه الذي ذكرته الشيخ الامام عماد الدين الطبرسي (ره) في كتابه المسمى (بنهج العرفان إلى هداية الايمان). قال فيه بعد نقل الخلاف بين المسلمين في شروط وجوب الجمعة ان الإمامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور و مع ذلك يشنعون عليهم بتركها حيث انهم لم يجوزوا الايتمام بالفاسق و مرتكب الكبائر و المخالف في العقيدة الصحيحة انتهى المقصود من كلامه و فيه دليل على أن تركهم للجمعة لهذه العلة لا لأمر آخر فلو كانوا يشترطون في وجوبها بل في.

28

جوازها مطلقا اذن الامام (ع) المفقود حال الغيبة أصلا و أكثريا بالنسبة إلى الموضع الذي يحضر فيه النائب بل في زمن حضوره (ع) أيضا لعدم تمكنه (ع) غالبا من نصب الأئمة لها (ح) ايضا و لا مباشرتها بنفسه لما تصور العاقل ان الإمامية أكثر إيجابا لها من العامة لأن ذلك معلوم البطلان ضرورة و انما يكونون أكثر إيجابا لها من حيث انهم لا يشترطون فيها المصر كما يقوله الحنفي و لا جوفه و لا حضور أربعين كما يقوله الشافعي و يكتفون في إيجابها بإمام يقتدي به أربعة نفر مكلفين بها فيظهر بذلك كونهم أكثر إيجابا من الجمهور و انما منعهم من إقامتها غالبا ما ذكرناه من فسق الأئمة على أنا قد بينا أن الأئمة (ع) أنكروا على تركها زيادة على ما ذكر في الحديثين و صرحوا بوجوبها على كل أحد كما أشرنا إليه في الأخبار المتقدمة. و قوله (ع) لا يعذر الناس فيها و قول الباقر (ع) من ترك الجمعة ثلاث جمع طبع اللّه على قلبه فأي مبالغة و نكير أعظم من هذا. و أي مناسبة فيه للواجب التخييري لأن ترك فرد منه الى الفرد الآخر جائز إجماعا لا يجوز عليه ترتب الذم قطعا و أبلغ من ذلك قول النبي (ص) في خطبة طويلة. حث فيها على صلاة الجمعة منها «ان اللّه تعالى قد فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع اللّه شمله و لا بارك له في امره الا و لا صلاة له الا و لا زكاة له الا و لا حج له الا و لا صوم له الا و لا بر له حتى يتوب».

نقل هذا الخبر المخالف و المؤلف و اختلفوا في ألفاظ تركناها لا مدخل لها في هذا الباب و أمثال ذلك عن النبي (ص) و الأئمة (ع)

29

كثيرة دالة على إيجابها و الحث عليها و لو لم يكن في الباب إلا الآية الشريفة في سورة الجمعة لكان ذلك كافيا لأولى الأبصار شافيا عند ذوي الاعتبار انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الباب الرابع في الاستدلال بالإجماع على الوجوب العيني

و فيه ذكر أقوال العلماء من المتأخرين على الوجوب ان قدماء فقهائنا (قدس اللّه أسرارهم) كانوا لا يتمسكون إلا بكتاب اللّه سبحانه و سنة رسوله (ص) و كلام عترته المعصومين (صلوات اللّه عليهم) و لا يسلكون الا على منهاج أصحاب الأئمة و حواريهم و كانوا لا يستندون في الدين على ارائهم و لا يعتبرون الأصول الفقهية المنسوبة إلى العامة أصلا و لا يستعملون ما تشتمل عليه تلك الأصول من المصطلحات المحدثة بعد النبي (ص) كالإجماع و الاجتهاد و القياس و الاستحسان و غير ذلك و لا تموت أقوالهم بموتهم بل تبقى فتاويهم الى يوم القيامة. و أقوالهم تكاد تكون حجة من دون طلب دليل عليهم منهم بعدم تجاوزهم مضمون الأحاديث المعصومية. و لقرب زمانهم منهم (صلوات اللّه عليهم) و وقوفهم على أسرارهم (ع) و اطلاعهم على ما لم يطلع عليه المتأخرون من خصوصيات الأحكام و هؤلاء الذين وصفناهم اتفقت

32

كلمتهم جميعا على الوجوب العيني و الفرض الحتمي للجمعة منذ شرعت الى يوم القيامة من دون اشتراط اذن و لا تجويز ترك في وقت من الأوقات أصلا و انما حدث مثل ذلك ممن تأخر عنهم من أصحاب الاجتهاد و الرأي الذين اشتهرت تصانيفهم و تداولت بين الناس كتبهم و أوقعت في النفوس محلا مع اعترافهم ببطلان أقوالهم بموتهم و ستسمع أقوالهم. ثم ان جماعة ممن تأخر من هؤلاء المتأخرين سلكوا سبيل أولئك الأكابر المتقدمين فتوى و عملا مستندين الى الكتاب و السنة و آثار أهل البيت (ع). اما مطلق الوجوب الشامل للعيني و التخييري فلا ينكره أحد من الأئمة قاطبة سوى ابن إدريس وحده أو مع سلار كما أشرنا اليه و لنذكر جملة من كلماتهم و عباراتهم لنستدل بها على تصديق ما ذكرناه ثم نثبت الإجماع المعتبر عند القائلين به على الوجوب العيني و أكثر ما يحكي من الأقوال و لا سيما أقوال القائلين بالوجوب العيني في زمان الغيبة قد رأينا في كتبهم و مصنفاتهم و ما لم نظفر به في مصنفاتهم قد نقل إلينا من ثقات أصحابنا كالعلامة الحلي و زين المحققين و صاحب المدارك و غيرهم (قدس اللّه أسرارهم) فمن القدماء الأخباريين المعتمد على أقوالهم الغير المتغيرة اراؤهم الباقية فتاويهم بعد موتهم.

ثقة الإسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني (رحمه اللّه) صاحب كتاب الكافي الذي صنفه لبعض إخوانه الذي شكى اليه أن أمورا قد أشكلت عليه لا يعرف مطابقها لاختلاف الرواية فيها و لا يجد بحضرته من يذاكره و يفاوضه ممن يثق بعلمه و انه يحب أن يكون عنده كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم

33

و يرجع اليه المسترشد و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) و السنن القائمة التي عليها العمل و بها يؤدي فرض اللّه و سنة نبيه (ص). قال مخاطبا له.

و قد يسر اللّه و له الحمد تأليف ما سألت و أرجو أن يكون بحيث توخيت فمهما كان فيه من تقصير فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة إذا كانت واجبة لإخواننا و أهل ملتنا مع من رجونا أن نكون مشاركين لكل من اقتبس منه و عمل بما فيه في دهرنا هذا و في غابره الى انقضاء الدنيا إذ الرب عز و جل واحد و الرسول محمد خاتم النبيين (ص) واحد و الشريعة واحدة و حلال محمد حلال و حرامه حرام الى يوم القيامة. و هذا كلامه في أول الكتاب قال في كتاب الصلاة من باب وجوب الجمعة و على كم تجب و ذكر صحيحة محمد بن مسلم و أبي بصير عن الصادق (ع) ان اللّه فرض على الناس في سبعة أيام خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة الى آخرها. و صحيحة زرارة عن الباقر (ع) فرض اللّه على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّه في جماعة و هي الجمعة إلى آخرها. و قد سمعت الحديثين بتمامهما. و روى أخبارا أخرى في تعيين العدد و وجوب حضور من كان على رأس فرسخين و اشتراط الفصل بين الجمعتين بثلاثة أميال و اقتصر عليها و هذا صريح في أن مذهبه و ما كان يفتي به و يعمل عليه الوجوب العيني من دون شرط اذن و لا تجويز ترك الى بدل إذ لو كان يعتقد شيئا من ذلك أو كان قد وصل اليه حديث فيه لذكره عادة كما هو ظاهر. و منهم رئيس المحدثين صدوق الطائفة أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي طاب ثراه قال في كتاب من

34

لا يحضره الفقيه بعد ان اعترف في أوله بأنه قصد فيه الى إيراد ما يفتي به و يحكم بصحته و يعتقد فيه أنه حجة فيما بينه و بين ربه. باب وجوب الجمعة و فضلها و من وضعت عنه الصلاة و الخطبة. قال أبو جعفر الباقر (ع) لزرارة بن أعين إنما فرض اللّه عز و جل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّه في جماعة و هي الجمعة و ذكر الحديث بتمامه و هو صريح بأن مذهبه و ما يفتي به و يعمل عليه هو الوجوب العيني من دون شرط و تخيير.

و قال طاب ثراه في كتابه المقنع في باب صلاة الجمعة. و إن صليت الظهر مع الإمام بخطبة صليت ركعتين و ان صليت بغير خطبة صليتها أربعا. و قد فرض اللّه من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّه في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين و من صلاها وحده فليصلها أربعا كصلاة الظهر في سائر الأيام. قال زين المحققين (ره) دلالة هذه العبارة على المراد واضحة من وجوه منها قوله و ان صليت الظهر مع الإمام الى آخره فان المراد بالإمام حيث يطلق في مقام الاقتداء من يقتدي به في الصلاة أعم من كونه السلطان العادل و غيره و هذه العبارة خلاصة قول الصادق (ع) في موثقة سماعة حيث سأله عن الصلاة يوم الجمعة فقال اما مع الامام فركعتان و اما من صلى وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر و إذا لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات و ان صلوا جماعة.

هذا آخر الحديث و المصنف (ره) طريقته في هذا الكتاب ان يذكر متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد لا يغيرها غالبا. و ايضا فلا يمكن

35

حمله على السلطان من وجه آخر و هو لأنه ليس بشرط بإجماع المسلمين فان الشرط عند القائل به هو أو من نصبه و لا شك ان منصوبه غيره و منها قوله تسقط عن تسعة و عدهم و هو مدلول رواية زرارة السابقة الدالة على المطلوب فان مفهومها عدم سقوطها عن غيرهم فيتناول موضع النزاع. و منها قوله و من صلاها وحده فليصلها أربعا و هذا عديل قوله سابقا و ان صليت الظهر مع امام و مقتضاه ان من صلاها في جماعة مطلقا يصلها اثنتين كما تقدم و لا تعرض بجميع العبارات باشتراط السلطان العادل و لا في ما معناه مطلقا. أقول و لا تعرض لها أيضا بالتخيير فان المعلوم أن المراد بقوله و ان صليت بغير خطبة و عديله ان كنت ذا عذر أي غير جامع لشرائط الوجوب كأن تكون مسافرا أو مريضا أو على رأس فرسخين أو نحو ذلك أو لم يتيسر لك مع أصحابك الاجتماع لها لتقية و نحوها و ذلك لأنه قسم الناس قسمين المفروض عليهم و الموضوع عنهم فذكر حكم كل منهما و لعل أمثال هذه العبارات أحد مأخذ شبه المخبرين من المتأخرين. و قال (قدس سره) في كتاب الأمالي في وصف الإمامية و الجماعة يوم الجمعة فريضة واجبة و في سائر الأيام سنة فمن تركها رغبة عنها و عن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له و وضعت الجمعة عن تسعة الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و الأعمى و من كان على رأس فرسخين و تخصيصها بزمان الحضور مع أنه بصدد بيان المذهب للعمل به حال الغيبة في غاية البعد كما لا يخفى. و قال شيخنا المتقدم الملقب بمفيد أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان (رحمه اللّه) في كتاب الإشراق في عامة فرائض الإسلام باب عدد ما يجب به الاجتماع في صلاة الجمعة عدد ذلك ثماني عشرة خصلة الحرية و البلوغ و التذكر و سلامة العقل

36

و صحة الجسم و السلامة من العمى و حضور المصر و الشهادة للنداء و تخلية السرب و وجود أربعة نفر مما تقدم ذكره في هذه الصفات و وجود خامس يؤمهم له صفات يختص بها على الإيجاب. ظاهر الايمان و الطهارة في المولد من السفاح و السلامة من ثلاثة أدواء البرص و الجذام و المعرة بالحدود المشينة لمن أقيمت عليه في الإسلام. و المعرفة بفقه الصلاة. و الإفصاح بالخطبة و القرآن. و اقامة فرض الصلاة في وقتها من غير تقديم و لا تأخير عنه بحال الخطبة بما تصدق عليه من الكلام. فإذا اجتمعت هذه الثمانية عشرة خصلة وجب الاجتماع في الظهر يوم الجمعة على ما ذكرناه و كان فرضها على النصف من فرض الظهر للحاضر في سائر الأيام. قال زين المحققين (ره) و هو صريح في ان المعتبر في إمام الجمعة هو المعتبر في إمام الجماعة عنده بتسهيل في الشرائط عنده أيضا فإنه لم يعتبر فيه العدالة الظاهرة كما اعتبر المتأخرون بل اكتفى بظاهر الايمان الكافي في الحكم بالعدالة حيث لا يظهر لها مخالف كما ذهب إليه جماعة من علمائنا المتقدمين و دلت ايضا على أن اذن الامام ليس بشرط مطلقا خلاف ما ادعاه القوم المذكورون و أكد ذلك بقوله فإذا اجتمعت هذه الثمانية عشرة خصلة وجب الاجتماع في الظهر يوم الجمع إلخ إلخ و ظاهره ايضا كون الوجوب معينا مطلقا لأن ذلك هو ظاهر إطلاق الوجوب و لأنه هو المراد في بعض الأحوال و هو حضور الإمام أو من نصبه إجماعا. و المفيد (ره) لم يفرق في كلامه بين الأزمان مطلقا بل جعل الشرط متحدا فيها فاستعماله في الأمرين بغير قرينة و إثبات الفرق بين الأزمان مع إطلاق لفظة غير سديد ثم عقب ذلك بقوله في الكتاب المذكور باب عدد من يجمع في الجمعة و عددهم خمسة نفر عدد الامام و الشاهدين و المشهود

37

عليه و المتولي لإقامة الحدود فدل كلامه هنا على ان الامام ليس بشرط و ان المعتبر حضور قوم بعدد المذكورين لأعينهم. و قال المفيد طاب ثراه أيضا في كتاب المقنعة و اعلم ان الرواية جاءت عن الصادقين (ع) ان اللّه جل جلاله فرض على عباده من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة لم يفرض فيها الاجتماع إلا في صلاة الجمعة خاصة فقال جل من قائل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ و قال الصادق (ع) (من ترك الجمعة ثلاثا من غير علة طبع اللّه على قلبه) ففرضها وفقك اللّه الاجتماع على ما قدمناه الا انه بشريطة حظور إمام مأمون على صفات يتقدم الجماعة و يخطب بهم خطبتين يسقط بهما و بالاجتماع عن المجتمعين في الأربع ركعات ركعتان و إذا حضر الامام وجبت الجمعة على سائر المكلفين الا من عذره اللّه تعالى منهم و ان لم يحضر امام سقط فرض الاجتماع. و ان حضر امام يخل بشريطة من يتقدم فيصلح به الاجتماع فحكم حضوره حكم عدم الإمام و الشرائط التي تجب فيمن يجب معه الاجتماع أن يكون حرا بالغا طاهرا في ولادته مجنبا من الأمراض و البرص و الجذام خاصة في خلقته مسلما مؤمنا معتقدا للحق بأسره في ديانته صادقا في خطبته مصليا للفرض في ساعته فإذا كان كذلك و اجتمع معه أربعة نفر وجب الاجتماع و من صلى خلف امام بهذه الصفات وجب عليه الإنصات عند قرائته و القنوت في الأولى من الركعتين في فريضته و من صلى خلف إمام بخلاف ما وصفناه رتب الفرض على المشروح فيما قدمناه و يجب حضور مع من وصفناه الأئمة فرضا و يستحب مع من خالفهم تقية و ندبا و روى هشام بن سالم عن زرارة بن أعين قال حثنا.

38

أبو عبد اللّه (ع) على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد أن نأتيه فقلت نغدو عليك فقال لا إنما عنيت عندكم انتهى كلامه. و هذا الكلام ايضا صريح في الوجوب العيني من غير اشتراط إمام أو نائب سوى إمام الجماعة. و قد بالغ في الوجوب و كرر ذكره بحيث لا يحتمل الوجوب التخييري أصلا كما لا يخفى على المتأمل و ظاهر الشيخ ابي جعفر (ره) في التهذيب موافقته للمفيد لأنه نقل هذا الكلام و أورد بعده الأخبار الدالة عليه و لم يتعرض لبيان تأويل أو تخصيص كما هو دأبه فيما يخالف ظاهره لمذهبه و قال القاضي أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي (ره) في كتابه المسمى بتهذيب المسترشدين بعد ان ذكر جملة من أحكام الجمعة و ان العدد المعتبر فيها خمسة ما هذا لفظه (و إذا حضرت العدة التي تصح ان تنعقد بحضورها الجماعة يوم الجمعة و كان أمامهم مرضيا متمكنا من اقامة الصلاة في وقتها و إيراد الخطبة على وجهها و كانوا حاضرين آمنين ذكورا بالغين كاملي العقول أصحاء وجبت عليهم فريضة الجمعة جماعة و كان على الامام ان يخطب بهم خطبتين و يصلي بهم بعدها ركعتين الى آخره). قال زين المحققين (ره) و هذه أيضا من العبارات الصريحة في الاكتفاء للجمعة بإمام مرضي للجماعة و هي في عمومها لحالة حضور الامام و غيبته كعبارة الشيخ المفيد (ره) و دلالتها على الوجوب المتعين ايضا أظهر انتهى. و قال الشيخ عماد الدين الطبرسي في كتاب نهج العرفان إلى هداية الايمان بعد نقل الخلاف بين المسلمين في وجوب الجمعة ان الإمامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور و مع ذلك يشنعون عليهم بتركها حيث انهم لم يجوزوا الايتمام بالفاسق و مرتكب الكبائر و المخالف في العقيدة الصحيحة انتهى. و قد مضى وجه دلالتها على الوجوب العيني و عدم

39

اشتراط الاذن و النائب في الباب السابق فلا نعيدها و قال الشيخ أبو الصلاح التقي بن نجم الحلبي (ره) في كتابه المسمى بالكافي لا تنعقد الجمعة إلا بإمام الملة أو منصوب من قبله أو من تتكامل له صفات إمام الجماعة عند تعذر الأمرين. قال زين المحققين (ره) بعد نقل هذا الكلام و ليس في عبارات الأصحاب أجلى من هذه و لا أدل على المطلوب و لم ينقل في ذلك خلافا و مع ذلك فترتيبه الامام الصالح للجماعة على تعذر الامام و منصوبه ليس شرطا زائدا عنده على صلاة الجماعة. و اولى الناس بها إمام الملة أو من ينصبه فان تعذر الأمران لم تنعقد إلا بإمام عدل إلخ. فقد ظهر لك ان حكم الجماعة عنده في الصلوتين على حد سواء و مع ذلك فالوجوب عنده عيني مطلقا على ما صرح به في كتابه بعد ذلك فإنه قال و إذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة و انتقل فرض الظهر من أربع ركعات الى ركعتين بعد الخطبة و تعين فرض الحضور على كل رجل بالغ حر سليم مخلي السرب حاضر بينه و بينها فرسخان فما دونها و يسقط فرضها عمن عداه فان حضرها تعين عليه فرض الدخول فيها جمعة فقد عبر بتعين الحضور في الموضعين الدال على الوجوب المضيق من غير فرق بين حالة حضور الامام و عدمه. قال و من غريب ما اتفق هنا نقل الشهيد (ره) في البيان عن أبي الصلاح القول بعدم شرعيتها حال الغيبة كقول سلار و ابن إدريس مع تصريح ابي الصلاح بما ذكرناه و قطعه بالوجوب مطلقا و جعله عينيا. و الظاهر ان ذكره اتفق سهوا و الا فقد نقل هو في شرح الإرشاد عن ابي الصلاح القول بالاستحباب من جملة القائلين به و كذا نقل العلامة (ره) في المختلف مبتدئا به حاكيا عبارته التي حكيناها أولا و مع ذلك فنقل الشهيد (ره) في الشرح المذكور عن ابي

40

الصلاح القول بالاستحباب ليس بصحيح أيضا لما عرفته من تصريحه بالوجوب العيني انتهى كلامه. و اما الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) فهو أول من قال باشتراط الإمام أو نائبه مع الإمكان و تبعه عليه الآخرون و كان مذهبه الوجوب العيني مطلقا كسائر من تقدمه و وافقه على الأمرين تلميذه أبو الصلاح كما نقلنا عنه و عبارته التي حكيناها كأنها تفسير لكلام الشيخ الا ان الشيخ لما ذكر في كتبه التخيير العارض على الحكم في زمان التقية كما أشرنا إليه سابقا فهم جماعة من كلامه التخيير في الحكم فاختاروا القول بذلك بل أحدثوه من حيث لا يشعرون حكى زين المحققين في شرح درايته بعد ان قال فيمن تأخر عن الشيخ من الفقهاء ان أكثرهم كانوا مقلدة له عن السيد بن طاوس عن جده ورام بن أبي فراس ان الفاضل المحقق سديد الدين محمود الحمصي حدثه انه لم يبق للإمامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك انتهى و هو أول من اعتبر الأصول الفقهية من الإمامية و اختلفت فتواه في المسئلة الواحدة حسب تعدد الأزمنة و الكتب في الكتاب الواحد. و قال صاحب الفوائد المدنية ان جماعة من أصحابنا منهم العلامة اعترفوا بان القدماء كانوا اخباريين و انما حدث الأصولي بين الإمامية من زمان الشيخ الطوسي (ره) انتهى. و لنذكر عبارات الشيخ من كتبه المشهورة قال في النهاية بعد ان ذكر في أول الباب اشتراطها بالسلطان العادل أو من يأمره و لا بأس ان يجتمع المؤمنون في زمان التقية بحيث لا ضرر عليهم فيصلوا جماعة بخطبتين فان لم يتمكنوا من الخطبتين جاز لهم ان يصلوا جماعة أربع ركعات و قريب من هذا كلامه في المبسوط و يفهم منه ان اشتراطه في أول الباب حضور الإمام أو نائبه مختص بحالة إمكانه كما يرشد اليه آخر كلامه

41

حيث جوز الاجتماع لصلاة الجمعة لعامة المؤمنين إذا تمكنوا منها حال التقية و يظهر من كلامه ان مذهبه الوجوب العيني حيث قال فان لم يتمكنوا من الخطبتين جاز لهم ان يصلوا جماعة فان تعليق جواز الظهر على عدم تمكنهم من الخطبة يؤذن بعدم جواز فعلها لو تمكنوا منها و نفي البأس لا ينافيه لأنه أعم منه كما هو ظاهر و أيضا فإنه استدل على ذلك بالأخبار المتقدمة و لا يخفى انها دالة على الوجوب العيني و انما عبر بذلك بناء على الغالب من عدم تمكن المؤمنين من اقامة الجمعة بأنفسهم بإمام منهم كما أسلفناه فنفي البأس في كلامه هذا كنفي البأس في كلام من قال لا بأس بمسح الرجلين في الوضوء في بلاد المخالفين إذا كان المتوضي آمنا من أن يطلع عليه أحد منهم فان هذا القول لا ينافي الوجوب العيني للمسح كما هو ظاهر و ربما يقال ان غرضه الرد على سلار حيث منع من فعلها (ح) فاكتفى بنفي البأس و اعتمد فيه على ظهور عينية وجوب الجمعة حيث تمكن من فعلها من دون خوف فان هذا لا يشتبه على أحدكما هو ظاهر من الكتاب و السنة لأنها لم تشرع الا هكذا و اما الوجوب التخييري فهو شيء محدث و انما حدث بعد الشيخ و قال في الخلاف بعد ان اشترط اذن الامام أو من نصبه. فان قيل أ ليس قد رويتم فيما مضى من كتبكم انه يجوز لأهل القرى و السواد من المؤمنين إذا اجتمع العدد الذي تنعقد به ان يصلوا الجمعة قلنا ذلك مأذون فيه مرغب فيه فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلي بهم انتهى. و في هذه العبارة زيادة تصريح على العبارتين السابقتين بقيام الإذن العام للمكلفين مقام الإذن الخاص الموجب لوجوب الصلاة عينا و إنما جعل ذلك جاريا مجرى اذن الإمام نظرا إلى إذنهم (ع) في الأخبار السابقة للمؤمنين في إقامة هذه الصلاة فيكون

42

كنصب امام خاص و الى هذه العبارة أشار الشهيد (ره) في الذكرى فإنه قال بعد ان ادعى الإجماع على اشتراط ذلك هذا مع حضور الامام (عليه السلام) و اما مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان أصحهما رأيه قال معظم الأصحاب الجواز إذا أمكن الخطبتان و يعلل بأمرين أحدهما ان الاذن حاصل من الأئمة الماضين فهو كالإذن من أمام الوقت. و اليه أشار الشيخ في الخلاف. و الثاني ان الأذن انما يعتبر مع إمكانه اما مع عدمه فيسقط اعتباره و يبقي عموم القرائن خاليا عن المعارض. قال و التعليلان حسنان و الاعتماد على الثاني إذا عرفت هذا فقد قال الفاضلان يسقط وجوب الجمعة حال الغيبة و لم يسقط الاستحباب. و ظاهرهما انه لو أتي بها كانت مجزية عن الظهر و الاستحباب انما هو في الاجتماع أو بمعنى انه أفضل الفردين الواجبين على التخيير و ربما يقال بالوجوب المضيق حال الغيبة لأن قضية التعليلين ذلك فما الذي اقتضى سقوط الوجوب الا ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار و نقل الفاضل فيه الإجماع انتهى كلامه و فيه دلالة واضحة على ان الإجماع مختص بحالة الإمكان و أن عبارة الخلاف دالة على الوجوب العيني حيث قال و قضية التعليلين ذلك و لعله أشار بقوله و ربما يقال بالوجوب المضيق الى تلك العبارة و أمثالها من عبارات القدماء و ربما كان في كلامه اشعار بعدم ثبوت الإجماع عنده و من ثمة نسب الى الفاضل أي العلامة و الإجماع الذي ادعاه العلامة على انتفاء الوجوب العيني و قد عرفت حاله و اختصاصه مع التسليم بحالة الإمكان كما اعترف به الشهيد (ره) و ظني أن توهم هذا الإجماع انما نشأ من ظاهر كلام الشيخ (رحمه اللّه) حيث عبر عن الوجوب تارة بنفي البأس و تارة بالجواز فاستفادوا

43

منه الوجوب التخييري و زعموا ان الشرط الذي اشترط أولا مختص بالوجوب العيني و لما وجدوا ذلك الشرط في كثير من كتب الأصحاب و كان في بعضها مقرونا بدعوى الإجماع اعتقدت إجماعيا على هذا الوجه. قال زين المحققين (ره) و من العجب هنا نقل الشيخ فخر الدين (ره) في شرحه عن الشيخ في الخلاف القول بالمنع منها كقول سلار و اختصاره في نقل قوله بالجواز على النهاية مع تصريحه في الخلاف بالجواز مبالغا فيه مدعيا الاذن من الأئمة (ع) كنصبهم اماما خاصا لها الموجب للوجوب المتعين.

و كذلك صرح به في المبسوط الا ان تركه أسهل من نسبة الخلاف الى الخلاف. قال و عبارة الشيخ يحيى بن سعيد في الجامع مثل عبارة الشيخ أبي جعفر في كتبه بنفي البأس عن اجتماع المؤمنين حيث يمكنهم الخطبة. و أما السيد المرتضى (ره) فهو و ان نقل عنه المنع في أجوبة المسائل الميافارقيات الا ان زين المحققين طاب ثراه قال ان كلامه ليس بصريح فيه بل ظاهره ذلك كما اعترف به جميع من نقل ذلك عنه. قال و مثل هذا القول الشنيع المخالف لجمهور المسلمين و صريح الكتاب و السنة لا ينبغي إثباته و نسبته الى مثل هذا الفاضل بمجرد الظهور بل لا بد فيه من التحقيق و انما كان ظاهره ذلك من غير تحقيق لأن السائل لما سأله عن صلاة الجمعة هل تجوز خلف المؤالف و المخالف جميعا. أجاب بما هذا لفظه (لا جمعة الا مع امام عادل أو من نصبه الامام) فالحكم على ظاهر هذه العبارة واضح و هي مع ذلك تحتمل خلاف ظاهرها من وجهين (أحدهما) حمل النفي الموجب إلى الماهية على نفي الكمال كما هو واقع كثيرا في الكتاب و السنة. و يؤيد هذا الوجه انه قال في كتاب

44

الزمان لأنها إذا صليت على هذا الوجه انعقدت و جازت بإجماع. و إذا لم يكن فيها اذن السلطان لم يقطع على صحتها و اجزائها هذا لفظه و هو ظاهر في ان اذن الامام معتبر اعتبار كمال و احتياط لا تعين.

(و الثاني) حمل المنع من الصلاة بدون اذن الامام العادل مع إمكان إذنه لا مطلقا كما هي عادة الأصحاب فإنهم يطلقون اشتراط اذنه في الوجوب ثم يجوزون فعلها بزمان الغيبة بدونه مريدين بالاشتراط على تقدير إمكانه و يؤيد هذا الحمل لكلام المرتضى على الخصوص قوله في الكتاب المذكور سابقا.

و الأحوط ان لا تصلي الجمعة إلا بإذن السلطان إلخ. لأن إذنه انما يكون أحوط مع إمكانه لا مطلقا بلا الاحتياط مع تعذره في الصلاة بدونها امتثالا لعموم الأمر من الكتاب و السنة و غيرهما من الأدلة.

و مع قيام الاحتمال يسقط القول بنسبته الى المرتضى على التحقيق و ان كان ظاهره ذلك انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه. أقول و يحتمل ايضا ان يكون مراد السيد بقوله أو من نصبه أعم من منصوبه الخاص أو العام كما دل عليه قول الشيخ في الخلاف حيث قال فجري مجرى ان ينصب الامام من يصلي بهم. و اما سلار فقد نقل عنه ابن إدريس في سرائره انه قال في رسالته و لفقهاء الطائفة ايضا أن يصلوا بالناس في الأعياد و الاستسقاء فأما الجمعة فلا. قال هذا آخر كلام سلار في آخر رسالته و هو الصحيح ثم اتى ابن إدريس بشبهتين وهناوين بالحري ان يتعجب من وهنهما العناكب و سنهدم بنيانهما بحيث يصبح هباء منبثا تذرو، الرياح في السباسب. و اما منع سلار فيحتمل ان يكون بناؤه على التقية لا عدم الشرعية إذ العامة يرون في الأعياد و الاستسقاء و ما

45

لا يرون في الجمعة من جواز التفرد بها و كفاية وجوبها و غير ذلك.

و بالجملة ففي كلامه إجمال و إبهام من دون تعرض لدليل و لا شبهة مع انه خلاف ما عليه المسلمون كافة فلا اعتماد عليه و على تعيين مراده منه. و قال المحقق أبو القاسم جعفر بن سعيد في المعتبر مسئلة السلطان العادل أو نائبه شرط في وجوب الجمعة و هو قول علمائنا ثم نقل الخلاف منه عن فقهاء العامة. ثم قال و البحث في مقامين.

(أحدهما) في اشتراط الإمام أو نائبه و المصادمة مع الشافعي و معتمدنا قيل النبي (ص) فإنه كان يعين لإمامة الجمعة و كذا الخلفاء بعده فكما لا ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون اذن الامام فكذا إمام الجمعة و ليس هذا قياسا بل استدلال بالعمل المستمر في الأعصار فمخالفته خرق الإجماع. ثم أيده برواية محمد بن مسلم و ستسمعها ثم أخذ في أجوبة شبهة العامة.

ثم قال (المقام الثاني) اشتراط عدالة السلطان و هو انفراد الأصحاب خلافا للباقين و موضع النظر ان الاجتماع مظنة النزاع و مثار الفتن و الحكمة موجبة لحسم مادة الهرج و قطع نائرة الاختلاف و لن يستمر الا مع السلطان. ثم المعنى الذي باعتباره وقفت نيابة إمامة الجمعة على اذن الامام يوجب عدالته إذ الفاسق يسرع الى بواعث طبعه و مرامي أهويته لا الى مواقع المصلحة. فلا يتحقق حسم مادة الهرج على وجه الصواب ما لم يكن العادل و لأن الفاسق لا يكون اماما فلا تكون له أهلية الاستنابة. لا يقال لو لزم ما ذكرتم لما انعقدت الجمعة ندبا مع عدمه لانصحاب العلة في الموضعين و قد أخرتم ذلك إذا أمكنت الخطبة لأنا نجيب بان الندب لا تتوفر الدواعي على اعتماده فلا

46

يحصل الاجتماع المستلزم للفتن الا نادرا ثم أخذ في جواب شبه العامة. ثم قال بعد ذلك لو لم يكن إمام الأصل ظاهرا سقط الوجوب و لم يسقط الاستحباب و صليت الجمعة إذا أمكن الاجتماع و الخطبتان و به قال الشيخ و أنكره سلار ثم استدل عليه برواية الفضل بن عبد الملك قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات فان كان لهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة نفر و بالروايات السابقة و كلامه كما ترى صريح في جواز فعلها حال الغيبة بدون اذن الإمام عملا بإطلاق الروايات. و ان الإجماع الذي ادعاه مختص بالوجوب العيني بدليل أنه كنى عن حكمها حال الغيبة بالاستحباب. و مراده كونه أفضل الفردين كما قررناه سابقا و جعل ضابط شرط فعلها (ح) إمكان الاجتماع و الخطبتين. و قال بعد ذلك في موضع آخر من الكتاب لو كان السلطان جائرا ثم نصب عدلا استحب الاجتماع و انعقدت جمعة و أطبق الجمهور على الوجوب. لنا أنا بينا ان الامام العادل أو من نصبه شرط الوجوب و التقدير عدم ذلك الشرط اما الاستحباب فلما بيناه من الاذن مع عدمه انتهى.

و قال العلامة في التذكرة الجمعة واجبة بالنص و الإجماع ثم قال في مسئلة أخرى و وجوبها على الأعيان ثم قال يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه عند علمائنا اجمع و استدل عليه بمثل المعتبر من غير تفسير ثم قال بعد ذلك أجمع علماؤنا كافة على اشتراط عدالة السلطان و هو الامام المعصوم أو من يأمره بذلك و استدل بنحو ما ذكره في المعتبر ثم قال بعد ذلك و هل لفقهاء المؤمنين حال الغيبة و التمكن من الاجتماع و الخطبتين صلاة الجمعة أطبق علماؤنا على عدم الوجوب

47

لانتفاء الشرط و هو ظهور اذن من الامام. و اختلفوا في استحباب إقامة الجمعة فالمشهور ذلك و استدل عليه بالأخبار المذكورة كعبارة المعتبر و هذا أيضا كما ترى صريح في ان الإجماع المدعى مختص بالوجوب العيني ثم قال لو كان السلطان جائرا ثم نصب عدلا استحب الاجتماع و انعقدت جمعة على الأقوى. و لا تجب لفوات الشرط و هو الإمام أو من نصبه. و أطبق الجمهور على الوجوب و قريب من هذا عبارته في النهاية. و اما الشهيد فقد سمعت كلامه. و أما من تأخر عن هؤلاء المتأخرين من زمان زين المحققين (ره) الى الآن فكلهم اوجلهم على الوجوب العيني من غير اشتراط شرط من اذن أو غيره. و قد رأينا جماعة منهم و صحبناهم من أهل النجف و بحرين و فارس و أصفهان و أسترآباد و طبرستان و تبريز و خراسان و غير ذلك و كان أكثرهم اخباريين أصحاب الحديث من أهل الفطنة و الفهم و التقوى و الدين و قد صلينا مع طائفة هذه الصلاة و كانوا مواظبين عليها و سمعنا بآخرين منهم كانوا من قبلنا و لنذكر كلام بعض هؤلاء على ما وصل إلينا.

اما زين المحققين فقد سمعت كلامه و هو ان كان قائلا بالتخييري أولا بل نقل الإجماع على عدم العينية اقتفاء لأثر المشاهير و جريا على موافقة الجماهير لكنه لما فتش عن حقيقة الحال و تتبع الأقوال و ظهر له صريح الحق عدل عنه الى اختيار القول بالوجوب العيني و نسبته الى أكثر العلماء و توغل فيه و ألف رسالة مبسوطة في ذلك منها نقلنا ما نقلنا عنه و سننقل في آخر هذه الرسالة منها أيضا نصائح في هذا الباب إنشاء اللّه. و قال حافده السيد المحقق السيد محمد (ره) في كتابه المدارك.

48

بعد نقل جملة من الأخبار التي ذكرناها فهذه الأخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة على وجوب الجمعة على كل مسلم عدا ما استثنى تقتضي الوجوب العيني إذ لا اشعار فيها بالتخيير بينها و بين فرد آخر خصوصا قوله من ترك ثلاث جمع متواليات طبع اللّه على قلبه فإنه لو جاز تركها الى بدل لم يحسن هذا الإطلاق و ليس فيها دلالة على اعتبار حضور الامام (ع) أو نائبه بوجه بل الظاهر من قوله (ع) فان كان لهم من يخطب جمعوا. و قوله فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم خلافه كما سيجيء تحقيقه ان شاء اللّه. قال جدي (قدس سره) في رسالته الشريفة التي وضعها في هذه المسئلة بعد ان أورد نحو ما أوردناه من الأخبار و نعم ما قال و كيف يسع المسلم الذي يخاف اللّه إذا سمع مواقع أمر اللّه و رسوله (ص) بهذه الفريضة و إيجابها على كل مسلم ان يقصر في أمرها و يهملها الى غيرها و يتعلل بخلاف بعض العلماء فيها و أمر اللّه تعالى و رسوله (ص) و خاصته (ع) أحق و مراعاته اولى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم و لعمري لقد أصابهم الأمر الأول فليرتقبوا الثاني ان لم يعف اللّه و يسامح نسأل اللّه الرحمة بمنه و كرمه الى هنا كلام صاحب المدارك. و قال الفاضل المحقق الشيخ حسن ولد زين المحققين في رسالته الموسومة بالاثني عشرية شرط وجوب الجمعة الآن حضور خمسة من المؤمنين فما زاد و يتأكد في السبعة و أن يكون فيهم من يصلح للإمامة و يتمكن من الخطبة. و قال ولده الشيخ محمد في شرح هذه الرسالة مشيرا الى الاخبار. الاخبار كما ترى مطلقة في وجوب الجمعة عينا و الحمل على التخييري موقوف على قيام ما يصلح للدلالة على وجود الآخر و الا فالدلالة على الفرد المذكور

49

وحده لا يعتريه شغب الارتياب و لا يخفى مفادها على ذوي الألباب.

و ما ينقل من الإجماع على انتفاء العيني في زمن الغيبة فقد سمعت الكلام في نظيره انتهى.

و قال السيد أمير فيض اللّه النجفي مسكنا على مشرفه السلام في تعليقاته على الرسالة المذكورة و بالجملة ظاهر الآية و الأخبار السابقة وجوبها بوجود خمسة من المؤمنين أو سبعة أحدهم الإمام و ليس فيها دلالة على شرطية وجود الإمام أو نائبه الخاص أو الفقيه أو الإجماع الذي تمسكوا فيه على ذلك لم يثبت بحيث يخصص الآية و الاخبار و التمسك بها أولى كما اختاره المصنف (ره) إذا تحقق باقي الشروط انتهى كلامه.

و قال الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي أطال اللّه بقاه في شرحه للرسالة المذكورة. أما في زمن الغيبة كهذا الزمان الذي عبر عنه المصنف بالآن فللعلماء بانعقادها و عدمه أقوال ثلاثة الى ان قال و ثالثها الوجوب العيني من غير تعرض للمجتهد و هو ظاهر كلام أكثر المتقدمين كما نقل عنهم. و ما ظفرنا فيه شاهد على هذا النقل كعبارة المفيد (ره) في المقنعة فإنها صريحة في عدم اشتراط الإمام أو نائبه في الوجوب العيني.

و قد نقل عنه ذلك في كتاب الإشراق حيث ذكر عدد ما يجب به الاجتماع في صلاة الجمعة الى ان قال و وجود أربعة نفر مما تقدم ذكره من هذه الصفات و وجود خامس لهم يؤمهم. له صفات يختص بها ثم ذكر صفات الإمامة و عبارة أبي الصلاح المنقولة إلينا عن ثقاة أصحابنا حيث قال لا تنعقد الى آخر عبارة أبي الصلاح كما نقلناها. ثم قال

50

و قد نقل غير ذلك من كلامهم كما هو مسطور في كتب الأصحاب مما يطول البحث بذكره. قال و قد اختار هذا المذهب أيضا جماعة من المتأخرين ممن وقفت على كلامهم كالشهيد الثاني في رسالته المفردة لهذه الصلاة و ولده في هذه الرسالة و السيد محمد في المدارك و بعض تعليقاته على الحديث و الشيخ الجليل الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ بهاء الدين و الشيخ الفاضل ولد المصنف (ره) حيث قال في شرح هذه الرسالة و ذكر عبارته كما نقلناها عنه. ثم قال و كذا اختار السيد الجليل مير فيض اللّه ساكن النجف الأشرف و ذكر عبارته كما نقلناها عنه ثم قال و قد سمعنا ذلك من كثير من الفضلاء ممن لم يحظرني معرفة حالهم ثم استدل بالروايات الواردة في هذا الباب ثم قال و ما ادعوه من الإجماع غير تام فإنه لو تم فإنما هو بنقل الواحد و على تقدير تسليم حجيته لا يزيد عن الخبر بل ربما يكون بمنزلة الخبر المرسل فإذا عارض الاخبار رجعنا الى الترجيح و رجحان الاخبار هنا غير خفي لصراحتها ثم قال و للّه در الشهيد الثاني حيث قال في بعض كتبه كيف يسع المسلم الى آخر ما نقلناه عن زين المحققين، ثم قال و نظيره ما ذكره بعض المحققين من أهل العلم و ذكر أواخر كلام الشيخ حسين بن عبد الصمد (ره) الذي سنحكيه عنه. هذا ما أورده ابن طريح سلمه اللّه في شرح الرسالة. و كان السيدان الجليلان أمير محمد زمان ولد أمير محمد جعفر و أمير معز الدين محمد (ره) مواظبين على هذه الصلاة بمشهد الرضا (صلوات اللّه عليه) برهة من الزمان و قد صنف أحدهما في الوجوب العيني في زمن الغيبة رسالة رأيتها و لم تحظرني الآن. و كان السيد الجليل المتبحر أمير محمد باقر الداماد ايضا يواضب على فعلها حيث يتيسر له كما هو غير خاف على من سمع به.

51

و قد صلينا معه غير مرة و كان استاذنا المتبحر السيد ماجد بن السيد هاشم الصادقي البحراني طاب ثراه ايضا من المواظبين عليها بشيراز و قد صلينا معه زمانا طويلا و كنا في ذلك الزمان نستفيد من بركات صحبته بكرة و أصيلا.

و كان يقول مقتضى الدليل الوجود الحتمي و لم يثبت الإجماع على خلافه. و قال الشيخ الجليل الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي والد شيخنا البهائي (قدس سرهما) في رسالته الموسومة. بالعقد الطهماسبي تتمة مهمة و مما يتحتم فعله في زماننا صلاة الجمعة اما لدفع تشنيع أهل السنة إذ يعتقدون انا نخالف اللّه و الرسول (ص) و إجماع العلماء في تركها و ظاهر الحال معهم و اما بطريق الوجوب الحتم و الاعراض عن الخلاف لضعفه و لقيام الأدلة القاطعة الباهرة على وجوبها من القرآن و أحاديث النبي (ص) و الأئمة المعصومين (ع) الصحيحة التي لا تحتمل التأويل بوجه و كلها خالية من اشتراط الامام و المجتهد بحيث انه لم يحظرني في مسألة من مسائل الفقه عليها أدلة بقدر أدلة صلاة الجمعة من كثرتها و صحتها و المبالغة فيها و لم نقف لمن اشتراط المجتهد على دليل ناهض و كيف مع معارضته القرآن و الأحاديث الصحيحة و لا قال باشتراطه أحد من العلماء المتقدمين و لا المتأخرين ما عدا الشهيد في اللمعة فقط و في باقي كتبه وافق العلماء و لم يشترطه نعم تبعه عليه المحقق الشيخ علي عفى اللّه عنه ثم قال و ملخص الأقوال ثلاثة.

(الأول) الوجوب الحتمي من غير تعرض للمجتهد و هو ظاهر كلام كل العلماء المتقدمين و جماعة من المتأخرين.

52

(و الثاني) الوجوب التخييري بينهما و بين الظهر و هو مذهب المتأخرين ما عدا سلار و ابن إدريس و ادعوا عليه الإجماع و لم يشترطوا مجتهدا.

و (الثالث) المنع منها حال الغيبة مطلقا سواء حضر المجتهد أولا و هو مذهب سلار و ابن إدريس. و اتفق الكل على ضعف دليله و بطلانه فالذي يصلي الجمعة يكون قد برأت ذمته وادي الفرض بمقتضى كلام اللّه و رسوله و الأئمة الهادين و جميع العلماء. و خلاف سلار و ابن إدريس و الشيخ علي لا يقدح في الإجماع لما قد تقرر من قواعدنا ان خلاف الثلاثة و الأربعة و العشرة و العشرين لا يقدح في الإجماع إذا كانوا معلومي النسب و هذا من قواعدنا الأصولية الإجماعية و الذي يصلي الظهر تصح صلوته على مذهب هذين الرجلين و المتأخرين لأنهم ذهبوا الى التخيير و لا تصح بمقتضى كلام اللّه و رسوله و الأئمة المعصومين و العلماء المتقدمين فأي الفريقين أحق بالأمر ان كنتم تعلمون. نعم لو أراد واحد تمام الاحتياط للخروج من خلاف هذين الرجلين صلى الظهر بعدها و ليهيئ تاركها الجواب للّه تعالى لو سأله يوم القيامة. لم تركت صلاة الجمعة و قد أمرت بها في كتابي العزيز على أبلغ وجه و أمر رسولي الصادق على أكد وجه و أمر بها الأئمة الهادون (ع) و أكدوا فيها غاية التأكيد. و وقع إجماع المسلمين على وجوبها في الجملة فهل يليق من العاقل الرشيد ان يجيب بقوله تركتهما لأجل خلاف سلار و ابن إدريس. ما هذا الا عمى أو تعامى أو تعصب مضر بالدين أجارنا اللّه و إياكم منه و جميع المسلمين. و قال فقيه العصر فاضل الزمان محمد باقر السبزواري

53

المقيم بأصفهان أدام اللّه تأييده في رسالة ألفها في تحقيق هذه المسئلة بعد نقل البراهين على الوجوب العيني في الغيبة بلا شرط مسقط و بما ذكرنا ظهر ان الذي يقتضيه التحقيق و الأدلة القاهرة الواضحة. ان صلاة الجمعة في زمان الغيبة واجبة عينا و انه لا يعتبر فيه الفقيه بل يكفي فيه العدل الجامع لشرائط الإمامة. و الأخبار الدالة على فضيلة الصلاة مطلقا كثيرة و كذا في خصوص صلاة الجمعة و كذا في فضيلة يوم الجمعة و المبالغة التامة في رعاية حقها و أداء الطاعات فيها و لها حقوق و وظائف كثيرة أعظمها و أفضلها صلاة الجمعة بل ادعى بعض المحققين أنها أفضل الطاعات مطلقا بعد أصل الإيمان و العقل يجد ان ما اعتبر فيها من اجتماع المؤمنين و الخطبة المشتملة على حمد اللّه تعالى و الثناء عليه و الشهادة بالتوحيد و الرسالة و الصلاة على النبي و آله الطاهرين و الوعظ و التذكير و الأمر بالتقوى و التحذير عن دار الغرور و الاغترار بها و الركون في الإخلاد إليها و الرغبة فيها و مد العين الى نعيمها و زهرتها و الدعاء على الكفار و أعداء الدين. و الدعاء لإمام الزمان و لعامة المؤمنين و المؤمنات الى غير ذلك من الفوائد و المنافع التي احتوتها صلاة الجمعة في مثل هذا العيد الكبير و اليوم الجليل مما يوافق الحكمة.

و قانون العقل الصريح فلا يليق إهمالها و تعطيلها و هجرها استنادا الى العلل العليلة و للأهواء الردية. و مع ذلك فقد أهمل الناس مثل هذه الفريضة المؤكدة و تركوها و هجروها في بلاد المؤمنين مع انتفاء التقية من قبل المخالفين. و قال في موضع آخر من هذه الرسالة و ما كان حظ هذه الفريضة المعظمة من فرائض الدين ان يبلغ التهاون بها

54

الى هذا الحد مع أن شرائط الوجوب متحققة في أكثر بلاد الايمان خصوصا في هذه الأعصار و الأزمان. و العجب كل العجب من طائفة من المسلمين كيف يقدمون على إنكار هذه الفريضة المعظمة و يشنعون على من فعلها أو قصد الإتيان بها. و يبالغون في ذلك أشد المبالغة من غير ان يكونوا على بينة أو يتمسكوا في ذلك بحجة فيا عجبا كيف جرأتهم على اللّه و رسوله و إقدامهم على الحق و أهله و سيجمع اللّه سبحانه بين الفريقين في موقف واحد هناك يرفع حجاب كل مكتوم و يعرف الظالم من المظلوم و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون و الى اللّه المشتكى في كل حال و عليه التوكل في المبدأ و المآل انتهى كلامه سلمه اللّه تعالى. و قال عارف الزمان و زاهد أهل المعرفة و الصلاح محمد أمين التبريزي السياح أدام اللّه ميامن بركاته في رسالة ألفها في تحقيق هذه المسئلة بعد ذكر البراهين على الوجوب العيني في زمان الغيبة و المبالغة التامة في ذلك و بسط الكلام فيه. و ذكر جملة من الأخبار الواردة في ذلك قال: و هذه الأخبار المدونة في الكتب المعول عليها من زمان أهل البيت (ع) الى الآن متداولة بين علمائنا (رضوان اللّه عليهم) و هم (قدس اللّه أسرارهم) قد صرفوا أعمارهم في ضبطها و نقلها و نشرها في استقصاء البحث في طلب مخصصها و معارضها فلم يجدوا لها مخصصا بزمان الحضور و لا ما يصلح للمعارضة المستلزمة لسقوطها. و الا لنقلوها و نشروها كما نقلوا هذه الأخبار فذلك قرينة قاطعة و حجة ناهضة عادة بانتفاء ما يصلح للتخصيص و التعارض قال و هذه الأخبار ليست من الأخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا بل هي محفوفة بوجوه من القرائن (منها) انها مضبوطة في كتب معروفة مشهود بها من مؤلفيها الأجلاء الأركان في فقه أهل البيت

55

(ع) بأن أحاديثها صحيحة يعني علم و رودها من المعصوم متواترة بالنسبة إليهم. مأخوذة من الأصول المجمع على صحتها المعروضة على الأئمة (عليهم السلام). (و منها) انها متلقاة بقبول الأصحاب فإنهم مقتبسون من هذه الشكوة. (و منها) انها بلغت من الكثرة إلى حد تواترت معنى و دلت قطعا على وجوب صلاة الجمعة على الأعيان. (و منها) انها وافقت الكتاب و السنة المتواترة أعني فعل النبي (ص) فان جميع علماء الإسلام طبقة بعد طبقة قاطعون بأنه (ص) استمر بفعل صلاة الجمعة عينا في طول حياته المقدسة هذا كلامه بأدنى تلخيص.

و قال الفقيه العارف محمد تقي بن مجلسي أطال اللّه بقائه في رسالة مبسوطة ألفها في تحقيق هذه المسئلة و إثبات الوجوب العيني من دون اشتراط اذن و بلغ الكلام فيها غايته. و تجاوز الحديث نهايته بعد أن نقل فيها آيات منيرة. و أورد أخبارا كثيرة. و ذكر وجود دلالتها فصار مجموع الأخبار مأتي حديث فالذي يدل على الوجوب بصريحه من الصحاح و الحسان و الموثقات و غيرها أربعون حديثا. و الذي يدل بظاهره على الوجوب خمسون حديثا. و الذي يدل على المشروعية في الجملة أعم من أن يكون عينيا أو تخييريا تسعون حديثا. و الذي يدل بعمومه على وجوب الجمعة و فضلها عشرون حديثا ثم الذي يدل بصريحه على وجوب الجمعة إلى يوم القيامة حديثان. و الذي يدل على عدم اشتراط الأذن بظاهرة ستة عشر حديثا بل أكثرها كذلك كما مرت الإشارة إليه في تضاعيف الفصول. و أكثرها أيضا يدل على الوجوب العيني كما أشير إليه فظهر من هذه الأخبار المتواترة الواضحة الدلالة

56

التي لا يشوبها شك. و لا تحوم حولها شبهة من طرق سيد الأنبياء و المرسلين و الأئمة الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين). ان صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم عدا ما استثنى و ليس في هذه الأخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام و لا من نصبه و لا لاعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة المعظمة فكيف يليق بالمؤمن الذي يخاف اللّه تبارك و تعالى إذا سمع مواقع أمر اللّه و رسوله و أئمته (صلوات اللّه عليهم) و إيجابها على كل مسلم و على كل مؤمن و على كل عاقل ان يقصر في أمرها و يتعلل بخلاف سلار و ابن إدريس فيها مع اتفاق كافة العلماء على وجوبها و أمر اللّه تعالى و رسوله و أئمته (صلوات اللّه عليهم) أحق و مراعاته اولى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم انتهى كلامه سلمه اللّه تعالى. و استصوب قوله في هذه الرسالة و ما ذهب إليه في هذه المسئلة السيدان الجليلان السيد حسن القائني و أمير محمد زمان المشهدي (رحمهما اللّه) و استحسناه و قوياه كتبا ذلك بخطهما في آخر رسالته على ما رأيناه. أقول هذا ذكر من معي و ذكر من قبلي فيما قالوه في أمر هذه الفريضة المعظمة.

و قد ظهر من حكايات الأقوال حقيقة الحال و تبين ان أكثر الفقهاء على الوجوب العيني دون اشتراط اذن بل انكشف ان أكثر من عشرين فقيها ذا مصنف ممن وصل إلينا كلامهم من أهل التحقيق مصرحون به قاطعون ناصون عليه جازمون. قطعا منزها عن الأشبه و الأصح و جزما مقدسا عن الأقرب و الأصلح و من دون تتعتع في الكلام و لا اضطراب في المقال و كل منهم يصلح لأن يكون مصداقا لقول الصادق (ع) في مقبولة بن حنظلة (انظروا الى من كان منكم قد