أوزان المقادير

- العلامة المجلسي المزيد...
153 /
130

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي ارتفع عن مطارح الأفهام فلا توزن صفات عظمته بميزان العقول و ميكال الأوهام و جلّت نعماؤه العظام و عظمت آلاؤه الجسام فعجزت عن إحصاء قطرة من بحار جوده بأصوع البيان و إمداد الأعداد ذوو النهي و الأحلام و صلى الله على نبينا محمد الذي بيض وجوه الدراهم باسمه السامي في الجميع الأقطار و وزن مثاقيل الإيمان بمحبته إله شموس الأسرار (فصلوات الله عليهم) ما انتقشت دنانير قلوب المؤمنين بحبهم و ولائهم.

أما بعد: فيقول الفقير إلى رحمة ربه الغافر ابن محمد تقي محمد باقر إني لما ألقيت كثيرا من مهمات مسائل الشرعية مبنيةً على معرفة الأقدار و لم أجد أحدا من علمائنا ره حققها على وجه يرتفع وجوهها الأستار حتى أنهم بنوا معرفة الصاع

131

و الكرّ و المدّ و الرطل و الوسق و الدراهم و الدينار على الشعير، مع أنه قلَّما تحد أقراح واحد في المقدار فضلا عن شعيرات متباعدة الأصقاع و الأقطار أخذت في الفحص عن مبانيها، فقلبت أوراق كتبهم ظهر البطن فلم أجد فيها ما لسمن أو يغني من جوع، حتى هداني قائد التوفيق إلى منهل التحقيق و التدقيق، أعني كتاب روضة المتقين من تصانيف الفاضل الكامل العالم العامل ملاذ الطالبين و محيي آثار أئمة الراشدين، الذي جمع صنوف الفضل و المعالي ففاق بذلك الأفاضل و الأعالي، الذي قلبه الملكوتي مشكاة أنوار العرفان السبحاني، و صدره القدوسي مخزن أسرار السبع المثاني، منكروه معترفون في صمائم القلوب بفضله و الإنصاف، ينادي شهادة على سجاياه الملكية بلسان أهله، لا ينتحي على أحد و له الثروة في العلم بين أهل زماننا، و ما ارتفت في رياض الفضل دوحة إلا و قد استفاض من سحاب فيضه حظَّه الأوفى كما لا يخفى على أحد من أهل أصفاهاننا، مجدّد مذهب أئمتنا الاثني عشر في هذه المائة الحادية عشر، و إن قالت الحسدة فيه إِنْ هٰذٰا إِلّٰا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (1) وَ الضُّحىٰ- وَ اللَّيْلِ إِذٰا سَجىٰ (2) قد حدث في دهرنا كل البدع و لولاه لفشى، للأيتام كالوالد الشفيق، و للأرامل كالبعل العشيق، أعني

____________

(1) (المدثر 24)

(2) (الضحى 1 و 2)

132

التقي النقي الرضي الزكي المدقّق الفهّٰامة، الوالد العلّٰامة أدام الله على رءوسنا و رءوس سائر أهل العلم ظلاله، و زيّن به كراسي العلم، ليروى حرامه و حلاله، فوجدت فيه ما أواقي إلى ذلك سبيلا، و أوضح لي إلى الحق دليلا، و كان مع ذلك متقنعا بالخفاء، و محتجبا تحت الخباء، فأردت أن أوضحه للطالبين، و أبيَّنه للناظرين، فشرعت بولي التوفيق، و هو حسبي و نعم الوكيل،

فلنمهد أولا مقدمات:

الأولى: أن الدنانير لم تغير عما كانت عليه في عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)

و ذلك لأن الأصل عدم التغيّر ما لم يثبت خلافه، و أيضا لو كان لنقل إلينا عموم البلوى و لم ينقل، مع أنه اتفق علماء الخاصة و العامة على عدمه.

قال الرافعي في شرح الوجيز: المثاقيل لم تختلف في جاهلية و لا إسلام، و كذا غيره من علمائهم.

و قد سمعت من الوالد العلامة أنه قال: رأيت كثيرا من الدنانير العتيقة كالرضوية و غيرها بهذا الوزن.

و أما الدراهم، فقد اختلف اختلافا كثيرا، و المعتبر ما كان في عصر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، و قد ذكر الخاصة و العامة أنها كانت ستة دوانيق.

قال العلّٰامة في التحرير: و الدراهم في صدر الإسلام كانت صنفين: بغلية، و هي السود، و كل درهم ثمانية دوانيق، و طبريَّة، كل درهم أربعة دوانيق، فجُمعا في الإسلام، و جُعلا درهمين متساويين، و وزن

133

كل درهم ستة دوانيق (1).

و نحوه قال في التذكرة (2) و المنتهى (3).

و قال المحقق في المعتبر: و المعتبر كون الدرهم ستة دوانيق بحيث يكون كل عشرة منها سبعة مثاقيل، و هو الوزن المعدل، فإنه يقال إن السود كانت ثمانية دوانيق، و الطبريَّة أربعة دوانيق، فجُمعا و جُعلا درهمين، و ذلك موافق لسنة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انتهى، (4).

و قال الرافعى في الشرح المذكور: (5) و أما الدراهم فإنها كانت مختلفة الأوزان، و استقر في الإسلام على أن وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق، كل عشرة منها سبعة مثاقيل من ذهب، و في المغرب تكون العشرة وزن سبعة مثاقيل.

الثانية: الدينار و المثقال الشرعي متحدان

و هذا مما لا شك فيه، و هما ثلاثة أرباع، المثقال الصيرفي مثقال و ثلث من الشرعي، و المثقال الشرعي درهم و ثلاثة أرباع درهم، و الدرهم نصف المثقال الشرعي و خمسه و نصف المثقال الصيرفي و ربع عشره، فيكون مقدار عشرة دراهم سبعة مثاقيل، فيكون عشرون مثقالا أول نصب الذهب في وزان ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع درهم، و مائتا درهم أول نصب الفضة في وزان مائة و أربعين مثقالا، و هذا النسب مما لا شك فيها، و اتفقت عليها الخاصة و العامة و قد ظهر مما أسلفناه في المقدمة

____________

(1) (تحرير الأحكام ج 2 ص 62)

(2) (ج 5 ص 121)

(3) (ج 8 ص 164)

(4) (المعتبر ج 2 ص 529)

(5) (شرح الوجيز و الرافعي من علماء السنة)

134

الأولى.

قال العلّٰامة في التحرير: (1) وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، و كل درهم نصف مثقال و خمسه، و هو الدرهم الذي قدّر به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) المقادير الشرعية في نصاب الزكاة و القطع و مقدار الديات و الجزية و غير ذلك.

و نحوه قال في التذكرة (2) و المنتهى (3).

و اعلم أنهم اتفقوا على أن كل دانق وزنه ثمان حبات من أوساط الشعير كما صرح به علماء الفريقين، و كذا ذكره صاحب كتاب الحاوي في الحساب.

فالدرهم ثمان و أربعون شعيرة، و الدينار ثمانون و ستّون شعيرة و أربعة أسباع شعيرة، لكنّه ورد في خبر سليمان بن حفص المروزي أنه وزن ست حبّات، و الحبّة وزن حبّتين من شعير من أوساط الحبّ لا من صغاره و لا من كباره (4).

و سنفصّله عن قريب إنشاء الله.

الثالثة: الصاع أربعة أمداد

و هذا متفق عليه بين الخاصّة و العامّة، و يدل عليه أخبار صحاح كصحيحة الحلبي و صحيحة عبد الله بن سنان (5) و صحيحة زرارة، لكنّهم اختلفوا في المدّ، فذهب أكثر علمائنا إلى أنه رطلان و ربع بالبغدادي، يكون الصّاع تسعة أرطال بالعراقي و رطل و نصف بالمدني، يكون الصّٰاع ستة أرطال بالمدني، حتى ادعى الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة المحقَّة على

____________

(1) (ج 1 ص 62)

(2) (ج 5 ص 121)

(3) (ج 8 ص 164)

(4) (التهذيب ج 1 ص 136 ح 65)

(5) (التهذيب ج 4 ص 81)

135

كون الصاع تسعة أرطال، و المدّ رطلين و رُبعاً (1).

و قال ابن أبي نصر من علمائنا: إن المدّ رطل و رُبع (2).

و قال الشافعى: رطل و ثُلث و يكون الصاع خمسة أرطال و ثلثا.

و قال أبو حنيفة: رطلان يكون الصاع ثمانية أرطال.

و قد زيف العلّٰامة في المنتهى (3) حجيتهما فلا نطول الكلام بالتعرض لهما.

فأما حجة الجمهور فهي ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يتوضَّأ بمدّ و يغتسل بصاع و المدّ رطل و نصف و الصاع تسعة أرطال

يعني أرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقى (4).

و الظاهر أن قوله أرطال المدينة إلخ كلام الشيخ لأنه نقله في الاستبصار بدون هذه التتمة (5).

و ظاهر كلام العلامة في المنتهى أنه ظنه جزء الخبر (6).

و يدل عليه أخبار الفطرة لأن بعضها بلفظ الصاع و بعضها بالتسعة الأرطال و بعضها بالجمع.

و يدل عليه صريحا ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن جعفر بن محمد بن إبراهيم الهمذاني، و كان معنا حاجّا، قال:

كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) على يدي أبي: جعلت فداك إن أصحابنا اختلفوا في الصاع، بعضهم يقول: الفطرة بصاع المدني، و بعضهم يقول: بصاع العراقي، فكتب إلي: الصاع ستة أرطال بالمدني و تسعة أرطال بالعراقي

____________

(1) (الخلاف ج 2 ص 156)

(2) (الذكرى ج 2 ص 241)

(3) (ج 8 ص 465)

(4) (التهذيب ج 1 ص 70)

(5) (الاستبصار ج 1 ص 121)

(6) (هذا في ج 8 ص 192 و لكنه صرح في ج 1 ص 310 و في ج 2 ص 211 بأنه كلام الشيخ (رحمه الله))

136

قال: و أخبرني أنه يكون بالوزن ألفا و مائة و سبعين وزنة

(1). و ما رواه الشيخ عن علي بن حاتم قال: حدثني أبو الحسن محمد بن عمرو عن أبي عبد الله، الحسين بن الحسن الحسيني، عن إبراهيم بن محمد الهمذاني، قال:

اختلفت الروايات في الفطرة، فكتبت إلى أبي الحسن، صاحب العسكر (عليه السلام) أسأله عن ذلك، فكتب: أن الفطرة صاع من قوت بلدك

و ساق الحديث إلى أن قال (عليه السلام):

تدفعه وزنا ستة أرطال برطل المدنية و الرطل مائة و خمسة و تسعون درهما تكون الفطرة ألفا و مائة و سبعين درهما

(2). و ما رواه الكلينى عن بعض أصحابنا، عن محمد بن عيسى، عن علي بن بلال، قال:

كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الفطرة، و كم تدفع؟ قال فكتب: ستَّ أرطال من تمر بالمدني و ذلك تسعة أرطال بالبغدادى

(3). و احتج ابن أبي نصر بما رواه الشيخ في الموثق، بإسناده عن سماعة، قال:

سألته عن الذي يجزي من الماء للغسل، فقال: اغتسل رسول الله (صلى الله عليه و آله) بصاع و توضأ بمدّ و كان الصاع على عهده خمسة أنداد و كان المدّ قدر رطل و ثلث أواق

(4). و أجاب العلّٰامة (رحمه الله) بأن سماعة فطحي، مع ذلك لم يسنده إلى إمام، و مع ذلك حكم بأن الصاع خمسة أمداد فيكون مقاربا لما قلناه من أن الصاع أربعة أمداد انتهى (5).

أقول:

لا يخفى، السهو في قوله أن سماعة

____________

(1) (الكافي ج 4 ص 172)

(2) (التهذيب ج 4 ص 79)

(3) (الكافي ج 4 ص 172)

(4) (التهذيب ج 1 ص 136)

(5) (منتهى المطلب ج 8 ص 193)

137

فطحي بل هو واقفي لكن الكفر ملة واحدة.

ثم اعلم إن الأُوقيَّة على ما يظهر من كلام أكثر اللغويين أربعون درهما، و يظهر من بعضهم أنها تطلق على سبعة مثاقيل أيضا و على وزن آخر قريب منها.

قال الجوهرى: و الأُوقيَّة في الحديث أربعون درهما و كذلك كان فيما مضى، فأما اليوم فما يتعارفها الناس و يقدر عليه الأطبّاء فالأوقية وزن عشرة دراهم و خمسة أسباع درهم.

و قال الجزري الأُوقيَّة بضم الهمزة و تشديد الياء اسم لأربعين درهما.

و قال الفيروزآبادي: الأُوقيَّة بالضم سبعة مثاقيل كالوُقية بالضم و فتح المثناة التحتيَّة مشدّدة و أربعون درهما و الجمع أُواقي و أُواق و وقايا.

و قال المطرزي: الأُوقيَّة بالتشديد أربعون درهما. ثم قال: و عند الأطباء: الأوقيَّة وزن عشرة مثاقيل و خمسة أسباع درهم.

و في كتاب العين: الوُقية وزن من أوزان الدهن [الذهب] و هي سبعة مثاقيل (1).

أقول:

فظهر أن الأوقية في القديم كانت تطلق على أربعين درهما، و الظاهر أن المراد، الدرهم المعمول زمان الرسول عليه و آله الصلاة و إن احتمل غيره و سنتكلم في هذا الخبر بعد تحقيق معنى الرطل.

الرابعة: الرطل يطلق بالاشتراك على ثلاثة أوزان، المكّي و المدني و العراقي

و العراقي نصف المكّي و ثلثا المدني، فالمدني ثلاثة أرباع المكي، و المشهور

____________

(1) (العين ج 5 ص 241)

138

أن الرطل العراقي أحد و تسعون مثقالا و كذا ذكره شيخنا البهائي (1) و الشهيد رحمهما الله في الذكرى، (2) و العلامة في بحث الغسل و الفطرة، لكنه ذكر في بحث نصاب الغلات من المنتهى (3) و التحرير (4) أن الرطل العراقي مائة دراهم و ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع درهم، و هو تسعون مثقالا.

و كذا ذكر أحمد بن علي من العامة في كتاب الحاوي نسب الأول إلى العامة.

و الظاهر أن هذا سهو منه ره و كأنه كان عند وصوله إلى هذا الموضع ناظرا في كتبهم و تبعهم فيه ذاهلا عن مخالفة نفسه في المواضع و مخالفة الأخبار و أقوال سائر الأصحاب.

فعلى الأول، الرطل العراقي مائة و ثلثون درهما و على الثاني مائة درهم و ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع درهم. و الرطل المدني على الأول مائة و خمسة و تسعون درهما. و المكي مائتان و ستون درهما، و على الثاني المدني اثنان و تسعون درهما و ستة أسباع درهم و المكي مائتان و سبعة و خمسون درهما و سبع درهم.

كل ذلك لما بيناه في المقدمة الثانية من النسبة بين المثقال و الدرهم.

ثم اعلم أن المدّ المشهور على الأول مائتا درهم و اثنان و تسعون درهما و نصف درهم، و على الثاني مائتان و تسعة و ثمانون درهما و سُبعا درهم.

و ما إليه ابن أبي نصر في المُدّ إن كان مراده الرطل العراقي كما هو

____________

(1) (رسالة الكر ص 375)

(2) (كذا في البيان ص 293)

(3) (ج 8 ص 194)

(4) (ج 1 ص 63)

139

الظاهر فعلى الأول مائة و اثنان و ستون درهما و نصف درهم، و على الثاني مائة و ستون درهما و خمسة أسباع درهم و لا يخفى أن خبر سماعة لا يدل على ما ذهب إليه بوجه كما ستعرفه.

الخامسة في الكلام على خبر سماعة:

اعلم أنه يشكل العمل بخبر سماعة لعدم معلومية كون الرطل المأخوذ فيه أيّ رطل و الأوقيّة أيّ أوقيّة، و إن كان الظاهر أن يكون الرطل فيه العراقي و الأوقيّة أربعون درهما، إذ لو حمل الرطل على المدني و المكي و الأوقيّة على الأربعين لزاد على المشهور بكثير.

نعم لو حمل الرطل على المدني و الأوقية على سبعة مثاقيل يكون الصاع أعني خمسة الأمداد ألفا و مائة و خمسة و عشرين درهما فيقرب من الصاع المشهور كما ستعرفه.

لكن قد عرفت أن حمل الأوقيّة على ذلك بعيد، فلو حمل الرطل على العراقي و الأوقيّة على الأربعين يصير المُدّ مائتين و خمسين درهما على الأول و مائتي درهم و ثمانية و أربعين درهما و أربعة أسباع درهم على الثاني.

السادسة [في الكلام على خبر سليمان بن حفص المروزي:]

اعلم أنه روى سليمان بن حفص المروزي

عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أن الصّٰاع خمسة أمداد، و المُدّ وزن مائتين و ثمانين درهما، و الدرهم وزن ستة دوانيق، و الدانق ستّ حبات، و الحبّة وزن حبّتين من شعير من أوسط الحبّ لا من صغاره و لا من كباره

(1). و هذا يخالف المشهور من جهات لأن فيه أن الصاع خمسة أمداد و قد عرفت

____________

(1) (روى نحوه في التهذيب ج 1 ص 136 ح 65)

140

اتفاقهم على أنه أربعة أمداد.

و أيضا فيه أن المدّ وزن مائتين و ثمانين درهما و قد عرفت تحديده على جميع الأقوال.

و أيضا فيه أن الدانق وزن اثنتي عشرة حبة مع أن المشهور أنه ثمان حبات، فبالحبات يصير المُدّ على المشهور أربعة عشر ألفا و أربعين حبة، و على هذا يصير عشرين ألفا مائة و ستين حبة.

و الرطل العراقى إذا كان أحدا و تسعين مثقالا فهو ستة آلاف و مائتان و أربعون شعيرة، و الرطل المدني و المكي بحساب ذلك.

السابعة: الصاع على المشهور ألف و مائة و سبعون درهما

كما دلت عليه روايتا الهمذاني، (2) فإن المراد بالوزنة في الأول الدرهم كما صرّح به خبره الثاني و هما يدلان على المشهور في تحديد الرطل بأحد و تسعين مثقالا و هو ثمانمائة و تسعة عشر مثقالا فهو ستّ و خمسون درهما.

و على خبر سماعة على ما اخترنا فيه ألف و مائتان و خمسة و سبعون مثقالا شرعيا، و بالحبات ستون ألف حبة.

و أما على خبر المروزي (3) فلو جعلناه أربعة أمداد على وفق المشهور يصير ألفا و مائة و عشرين درهما و سبعمائة و أربعة و ثمانين مثاقيل شرعية.

و أما إذا عملنا بظاهره و جعلناه خمسة أمداد كما فعله الصدوق (رحمه الله) في الفقيه في مقدار الماء للوضوء و الغسل و إن خالفه و وافق المشهور في الزكاة يصير ألفا و أربعمائة درهما بدراهمه.

و بالدرهم، المشهور ألفين

____________

(2) (الكافي ج 4 ص 172 و التهذيب ج 4 ص 79 و الاستبصار ج 2 ص 44 ح 5 و ص 49 ح 2)

(3) (التهذيب ج 1 ص 136 ح 65)

141

و مائة درهم، و بالحبّات مائة ألف و ثمانمائة حبة و هو قريب من ضعف الصاع المشهور. و لهذا حمله الوالد العلّٰامة على الصّٰاع الذي اغتسل به رسول الله ((صلى الله عليه و آله)) مع زوجته لما رواه الصدوق

عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: اغتسل رسول الله هو و زوجته من خمسة أمداد و من إناء واحد. فقال زرارة: كيف صنع؟ فقال: بدأ هو و ضرب يده في الماء قبلها فأنقى فرجه (صلى الله عليه و آله و سلم) ثم خرجت هي فأنقت فرجها، ثم أفاض هو و أفاضت هي على نفسها حتى فرغا. و كان الذي اغتسل به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ثلاثة أنداد و الذي اغتسلت مدّين و إنما أجزأ عنهما لأنهما اشتركا فيه جميعا و من انفرد بالغسل وحده فلا بدّ له من صاع

(1). و روى الكليني في الصحيح، عن محمد بن مسلم،

عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن وقت غسل الجنابة كم يجزئ من الماء؟ فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يغتسل بخمسة أنداد بينه و بين صاحبته و يغتسلان جميعا من إناء واحد

(2). و روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمّار قال:

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يغتسل بصاع و إذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع و مدّ

(3). و قد ظهر من الخبر الأول و الثالث أن النقصان من الصاعين لأجل الاشتراك، بل نقول: الثلاثة الأمداد التي اغتسل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بها لا تقصر عن الصاع المشهور بكثير لأنها تبلغ ستين ألفا و أربعمائة

____________

(1) (الفقيه ج 1 ص 35 ح 72)

(2) (الكافي ج 3 ص 22 ح 5)

(3) (التهذيب ج 1 ص 137 ح 74)

142

و ثمانين حبة.

و يمكن أن يقال أن هذا الخبر مؤيد لخبر سماعة و مؤيد به لأنه لا يحصل فرق كثير بين هذه الثلاثة الأمداد و بين الصاع الذي وقع فيه إلا بأربعمائة و ثمانين حبة إلى عشرة دراهم، أعني سبعة مثاقيل شرعية، و مثل هذا التفاوت لا يعتد به في أمثال هذه المقامات التي بنيت على التخمين و التقريب، بل قلَّما لا تتفاوت المكاييل و الموازين بمثل هذه الأقدار. و الله يعلم و حججه الأخبار.

ثم أقول:

أيها الطالب للتحقيق سقاك الله من رحيق التدقيق، إن أيقنت ما مهَّدناه و أتقنت ما حقَّقناه فاستمع لما يتلى عليك و احتفظ ما يهدى إليك في فصول:

الفصل الأول فيما يبتنى على المشهور من الصاع و المدّ و الدرهم و غير ذلك من التحديد.

فنقول: أما الدرهم في زماننا فهو يوازي ثلاثة و ستين دينارا من الفلوس، لأن الدرهم العباسي القديم كان عشرة دوانيق من الصيرفي يوازي مائتي دينار من الفلوس فالمثقال الصيرفي يوازي مائة و عشرين دينارا من الفلوس أعني ستة دوانيق.

و لما ذكرنا في المقدمة الأولى أن الدرهم نصف و ربع عشر من الصيرفي فيكون موازيا بالثلاثة و ستين دينارا من الفلوس و ذلك ما أوردناه.

و أما الصاع

فهو نصف المنّ الشاهي العباسي و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال من الصيرفي، و ذلك لأن المنّ الشاهي ألف و مائتا

143

مثقال بالصيرفي و الصاع ثمانمائة و تسعة عشر مثقالا بالشرعي فهو ستمائة و أربعة عشر و ربع من الصيرفي و إن أردت استعلام ذلك مع وضوحه فاضرب الثمانمائة و تسعة- عشرة في عدد دوانيق الصيرفي في أي ستة يحصل ما قلناه.

و المدُّ

الذي هو ربع الصاع مائة و ثلاثة و خمسون مثقالا و نصف مثقال و نصف ثمنه بالصيرفي فيزيد على ثمن المن الشاهي الذي يقال له بالفارسية پنجاه درم بثلاثة مثاقيل و نصفه و نصف ثمنه و ذلك بعد ما أسلفناه غير خفي على ذي حجى.

و الرطل العراقي

ثمانية و ستون مثقالا و ربع مثقال بالصيرفي إذا كان أحدا و تسعين مثقالا بالشرعى بنحو ما مر من التقريب فينقص عن نصف ثمن المن الشاهي الذي يقال له بالفارسية بيست و پنج درم بستة مثاقيل و ثلاثة أرباع مثقال.

و أما الكرّ

أعني ألفا و مأتي رطل بالعراقي فهو مائة ألف و تسعة آلاف و مائتا مثقال شرعي فيكون أحدا و ثمانين ألفا و تسعمائة مثقال صيرفي و بالمن الشاهي الجديد ثمانية و ستين منّاً و ربع منّ.

و إذا حملنا الرطل في الكر على المدني فعلى المشهور مائة منّ و منّان و ثلاثة أثمان منّ بالمنّ الشاهي.

و على ما ذهب إليه العلّٰامة: الكرّ بالرطل العراقي أحد و ثمانون ألف مثقال صيرفي و بالمنّ الشاهي سبعة و ستون منّاً و نصف منّ.

ثم اعلم إنا قدّرنا أن الطرف الذي يكون شبرا في شبر في شبر يسع

144

ألفين و ثلاثمائة و ثلاثة و أربعين مثقالا صيرفيا، فعلى المذهب المشهور أعني ثلاثة أشبار و نصفا في مثله يكون الكرّ مائة ألف و أربعمائة و ستة و خمسين مثقالا و ثمن مثقال، و بالمنّ الشاهي الجديد ثلاثة و ثمانين منّاً و نصف منّ و ستة و خمسين مثقالا و ثمن مثقال.

و على مذهب القميين أعنى ثلاثة أشبار في مثلها في مثلها (1) يكون الكرّ ثلاثة و ستين ألفا و مائتين و أحدا و ستين مثقالا، و بالمنّ الشاهي اثنين و خمسين منّاً و نصف منّ و أحدا و مائتين و ستين مثقالا.

و على الظاهر خبر إسماعيل بن جابر (2) أعني ذراعا و شبر في ذراع و شبر في ذراعين يكون بالوزن سبعين منّا و رُبع منّ و ثمانية و أربعين مثقالا صيرفيا. و هذا قريب مما قدرناه من أرطال العراقي.

و اذا حمل خبر سليمان بن جابر على الحوض المُدوَّر كما حمله الوالد العلّٰامة في الشرح تبلغ خمسة و خمسين منّاً و مأتين و ثلاثة و سبعين مثقالا و ثلاثة أسباع مثقال.

و أما نصب الذهب

فظاهرة لما ذكرنا من عدم تغيّر الدينار و اتّحاده مع المثقال الشرعي.

و أما نصب الفضة

فالنصاب الأولى أعني مائتي درهم مائة و أربعون مثقالا شرعيا كما مرّ فيكون مائة و خمسة مثاقيل صيرفية.

و على ما ذكرنا من أن الدرهم يوازى ثلاثة و ستين دنانير من الفلوس يكون النصاب الأول اثني عشر ألفا

____________

(1) (الفقيه ج 1 ص 6)

(2) (التهذيب ج 1 ص 41 ح 53)

145

و ستمائة دنانير منها أي ثلاثة و ستين عبّاسية بالضرب القديم المضروب عشرة دوانيق لا الضروب الجديد المضروب تسعة دوانيق و نصفا.

و أما بالضرب الجديد فستة و ستون عبّاسية و ثلاثة دوانيق من تسعة دوانيق و نصف.

و ما يخرج من النصاب الأول خمسة دراهم أي ما يوازي ثلاثمائة و خمسة عشر دينارا من الفلوس.

و النصاب الثاني أربعون دراهم و هو أحد و عشرون مثقالا صيرفيا يوازي ألفين و خمسمائة و عشرين دينارا من الفلوس على حساب ما تقدم.

و أما نصاب الغلات الأربع

فهو خمسة أوسق كل وسق ستون صاعا فيكون المجموع ثلاثمائة أصوع فكل وسق ستة و ثلاثون ألفا و ثمانمائة و خمسة و خمسون مثقالا صيرفيا، مجموع الخمسة الأوساق مائة و أربعة و ثمانون ألفا و مائتان و خمسة و سبعون مثقالا صيرفيّا و هو مائة و ثلاثة و خمسون منّاً و نصف منّ و نصف ثُمنه.

و أما الدية بحساب الدراهم

أي عشرة آلاف درهم فثلاثة و ستون توماناً بالضرب الجديد و بالضرب الجديد ستة و ستون تومانا و خمسة عشر عباسيات و ثلاثة أرباع عباسية أي ثلاث شاهيات و ثلاثة أثمان دانق من تسعة دوانيق و نصف.

و أما مهر السُنَّة

أعني خمسمائة درهم فثلاثة توامين و خمسة عشر محمديات بالقديم و بالجديد ثلاثة توامين

146

و ثلاثين محمديات و ثلاث شاهيات أي ثلاثة أرباع عباسية و ثلاثة أثمان دانق من تسعة دوانيق و نصف.

الفصل الثاني في بعض ما لم يبين على المشهور

ممّا قدمنا ذكره و فيه مقاصد:

المقصد الأول ما يبتنى على تحديد الرطل بتسعين مثقالا

فنقول: المدّ المشهور على هذا مائة و أحد و خمسون مثقالا و سبعة أثمانه فيزيد عن ثمن المنّ الشاهي بمثقال و سبعة أثمانه.

و الصاع يزيد على نصف المنّ الشاهي بسبعة مثاقيل و نصف بالصيرفي.

و نصاب الغلات ينقص عما ذكرنا في الفصل السابق ثمانين و خمسة و عشرين مثقالا صيرفيا.

و الكرّ بالرطل العراقي أحد و ثمانون ألف مثقال صيرفي، و بالمنّ الشاهي سبعة و ستون منّاً و نصف منّ، و بالرطل المدني مائة منّ و منّ واحد و رُبع منّ، و على ما ذكرنا فقس البواقي.

المقصد الثاني في التحديد على خبر سماعة

فنقول: إن قلنا أن الرطل أحد و تسعون يبلغ المدّ مائة و أحدا و ثلاثين مثقالا و رُبع مثقال صيرفي.

و الصاع ستمائة و ستة و خمسين مثقالا صيرفيّا و ربعه، و الخمسة الأوساق مائة و ستة و تسعون ألفا و ثمانمائة و خمسة و سبعون مثقالا يساوي مائة و أربعة و ستين منّا شاهيا و نصف منّ.

و إن قلنا: إن الرطل تسعون ينقص المد عمّا قلناه بأربعة دوانيق و نصف من الصيرفي، و الصاع بثلاثة مثاقيل صيرفيّة، و الأوساق

147

بثلاثة أرباع المنّ الشاهي.

و إذا حملنا الرطل فيه على المدني يصير المد ثلاثمائة و خمسة عشر درهما، و الصاع أعني خمسة أمداد ألفا و خمسمائة و خمسة و سبعين درهما بالدراهم المشهورة، و بالمثقال الشرعي ألفا و مائة و اثنين مثقالا و نصف مثقال، و بالمثقال الصيرفي ثمانمائة و سبعة و عشرين مثقالا و رُبع مثقال و على هذا فقس.

المقصد الثالث في التحديد على خبر سليمان بن حفص المروزي (1)

فأقول و بالله التوفيق: المدّ بالدراهم المشهورة أربعمائة و عشرون درهما و مائتان و أربعة و تسعون مثقالا شرعيّا و مائتان و عشرون مثقالا و نصف مثقال صيرفي.

و الصاع إن أخذناه أربعة أمداد، يبلغ ثمانمائة و اثنين و ثمانين مثقالا، و إن أخذناه خمسة، كما هو ظاهر الخبر، فهو ألف و أربعمائة و سبعون مثقالا شرعيا، و ألف و مائة و اثنان مثقالا و نصف مثقال صيرفي، فينقص عن المنّ الجديد الشاهي بسبعة و تسعين مثقالا و نصف مثقال صيرفي، و على خبره يحصل الاختلاف في الرطل أيضا بسبب اختلاف مقدار الصاع إذ ورد في الأخبار أن الصاع تسعة أرطال بالعراقي و ستة بالمدني فبزيادة الصاع يزيد الرطل أيضا فيكون الرطل العراقي مائة و اثنين و عشرين مثقالا و نصف مثقال صيرفي.

و مجموع الكرّ إذا حسبنا بالرطل العراقي مائة ألف و سبعة و خمسين ألف مثقال صيرفي و بالمنّ الشاهي

____________

(1) (التهذيب ج 1 ص 136 ح 65)

148

مائة و خمسين منّا و خمسة أسداس منّ و يكون الرطل المدني مائة مثقال و ثلاثة و ثمانين مثقالا و ثلاثة أرباع مثقال صيرفي.

و إذا حسبنا الكرّ بالمدني يكون بالمنّ الشاهي مأتين و ستة و عشرين منّا و رُبع منّ و على هذا فقس.

المقصد الرابع [في الجمع بين الأخبار]

اعلم أنه لما كان تحديد الدرهم في خبر الهمذاني مسكوتا عنه (1) و كان في خبر المروزي (2) مذكورا و لم يرد تحديد الدرهم في خبر آخر لا يبعد أن يقال: الأظهر في الجمع بين الأخبار أن يؤخذ الدرهم الذي ورد في خبر الهمذاني بما حدد في خبر المروزي و حينئذ يختلف الكر بحسب اختلاف الأرطال فيصير الرطل العراقي على هذا إذا حسبت الحبّٰات بالدرهم المشهور موافقا للرطل المدني أعني مائة و خمسة و تسعين درهما بالدراهم المشهورة، و الرطل المدني مائتين و اثنين و تسعين درهما و نصف درهم و مائتين و أربعة مثاقيل و ثلاثة أرباع مثقال شرعي و مائة ثلاثة و خمسين مثقالا و نصف مثقال و نصف ثمنه بالصيرفي.

و المدّ أربعمائة و ثمانية و ثلاثين درهما و ثلاثة أرباع درهم و ثلاثمائة و سبعة مثاقيل و ثمن مثقال شرعي و مائتين و ثلاثين مثقالا و رُبع مثقال صيرفي و ثلاثة أرباع ثمنه.

و الصاع ألفا و سبعمائة و خمسة و خمسين درهما، و ألفا و مائتين و ثمانية و عشرين مثقالا و نصف مثقال شرعي، و تسعمائة و أحدا و عشرين مثقالا و ثلاثة أثمان مثقال

____________

(1) (الكافي ج 4 ص 172 و التهذيب ج 4 ص 79 و الاستبصار ج 2 ص 44 ح 5 و ص 49 ح 2)

(2) (التهذيب ج 1 ص 136 ح 65)

149

الصيرفي و هو ثلاثة أرباع المنّ الشاهي و أحدا و عشرين مثقالا و ثلاثة أثمان مثقال.

فالكرّ على هذا بالرطل العراقي مائة منّ و منّان و ثلاثة أثمان و بالمنّ الشاهي الجديد و بالرطل المدني مائة و ثلاثة و خمسون منّاً و نصف منّ و نصف ثُمنه.

المقصد الخامس في بيان المقادير

على خبر سماعة مع بناء الدرهم على خبر المروزي.

فالصاع ألف و ثمانمائة و خمسة و سبعون درهما، و بالمثقال الشرعي ألف و مائتان و اثنان و تسعون مثقالا و نصف مثقال، و بالمثقال الصيرفي تسعمائة و تسعة و ستون مثقالا و ثلاثة أثمان مثقال.

و إذا حملنا الرطل على المدني يصير الصاع ألفا و مأتين و أربعين مثقالا و سبعة أثمان مثقال صيرفي فيزيد على المنّ الشاهي أربعين مثقالا و سبعة أثمان مثقال.

ثم اعلم إني سمعت من الوالد العلّٰامة أن شيخنا العلامة التُستري (قدس الله سرَّه) كان لكثرة احتياطه يحسب في المقادير مكان المثاقيل الشرعية المثاقيل الصيرفيّة فيزيد على كل المقادير التي ذكرناها ربعه.

و أنت يا طالب اليقين و الحق المبين بعد ما أحطت خبرا بما سقناه إليك و أحضرها نظري القاصر لديك، لا يخفى عليك الاحتياط في الدين في جميع الأحكام المتعلقة بذلك إذ الاحتياط في بعضها الأخذ بالأقل كما في النصاب و الدرهم في اللقطة و في بعضها العمل بالأكثر كالفطرة و الكرّ و أضرابهما.

ثم إني لما قضيت الوطر

150

عمّا هو المقصود في هذه الرسالة أردت أن أختمها بما يناسبها من حل خبرٍ قد صدر عن أهل بيت الرسالة و الجلالة واعيت فيه أفكار الفضلاء المدققين فرجعوا عنه بالعجز معترفين ليكون ختام الكلام بمسك أذفر يقرح مشام الناظرين.

أما الخبر، فهو ما رواه ثقة الإسلام في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة بن الخطاب، عن الحسن بن راشد، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن حبيب الخثعمي، قال:

كتب أبو جعفر المنصور إلى محمد بن خالد، و كان عامله على المدينة أن يسأل أهل المدينة عن الخمسة في الزكاة من المائتين كيف صارت وزن سبعة و لم يكن هذا على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و أمره أن يسأل فيمن يسأل عبد الله بن الحسن و جعفر بن محمد (عليهما السلام).

قال: فسأل أهل المدينة، فقالوا: أدركنا من كان قبلنا على هذا، فبعث إلى عبد الله بن الحسن و جعفر بن محمد (عليهما السلام) فسأل عبد الله بن الحسن، فقال كما قال المستفتون من أهل المدينة فقال: ما تقول يا با عبد الله، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جعل في كل أربعين أوقية أوقية فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة و قد كانت وزن ستة كانت الدراهم خمسة دوانيق، قال حبيب: فحسبناه فوجدناه كما قال، فأقبل عليه عبد الله بن الحسن، فقال: من أين أخذت هذا؟ قال: قرأت في كتاب أمك فاطمة (عليها السلام).

قال: ثم انصرف فبعث إليه محمد بن خالد، ابعث إلي كتاب فاطمة (عليها السلام)، فأرسل إليه أبو عبد الله (عليه السلام)

151

إني إنما أخبرتك أني قرأته و لم أخبرك أنه عندي، قال حبيب: فجعل محمد بن خالد يقول لى: رأيت مثل هذا قط

. انتهى (1).

أقول:

حاصل السؤال أنه كان في عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) النصاب الأول من الفضة مائتي درهم، و قد قرر فيه خمسة دراهم، و كان الفقهاء في هذا الزمان يفتون أن النصاب الأول مائتان و ثمانون درهما، و يلزم منه سبعة دراهم، فلِمَ حصل هذا الاختلاف، فلم يقدر الفقهاء الضالّون عن طريق الحق، الناكبون عن صراط أهل البيت (عليهم السلام) على جوابه.

و حاصل جوابه (عليه السلام): الدرهم كان في زمانه (صلى الله عليه و آله) ستة دوانيق فصار النصاب الأول مائتين و أربعين درهما، لأنك إذا أخذت من كل درهم دانقا، حصل مائتا دانق، فإذا جعلت كل خمسة دوانيق درهما، زاد على المائتين أربعون.

و أيضا صار ما يلزم إخراجه منه ستة دراهم، لأن الخمسة كانت ثلاثين دانقا فإذا جعلت كل خمسة درهما يصير ستة ثم تغيَّر بعد ذلك و صار وزن الدرهم أربعة دوانيق و سبعي دانق، أي خمسة أسباع الدرهم الذي كان في عهده (صلى الله عليه و آله)، فصار النصاب الأول مائتين و ثمانين درهما، و ما يلزم إخراجه منه سبعة دراهم، و هذا الدرهم كان شائعاً في عهد المنصور عليه اللعنة.

ثم إنه (عليه السلام) نبَّههم على ذلك بالأوقية، لأنها كانت مضبوطة لم تتغير عن زمن النبي (صلى الله عليه و آله) إلى ذلك الزمان، و كان معلوما أنها كانت

____________

(1) (الكافي ج 3 ص 507 ح 2)

152

أربعين درهما في عهده (صلى الله عليه و آله و سلم) و كان ذلك الزمان على وزن ستة و خمسين درهما، فلمّا حسبوا ذلك علموا أن ذلك نشأ من تغير الدرهم، و أيقنوا كيف صارت الخمسة على وزن سبعة.

فقول السائل، كيف صارت وزن سبعة، ليس مراده أنه كيف صارت الخمسة سبعة، مع بقاء النصاب بحاله كما فهمه بعض المعاصرين، بل و النصاب أيضا بحساب ذلك.

و قوله (عليه السلام): فإذا حسبت ذلك، أي مقدار الأوقية في زمن النبي (صلى الله عليه و آله)، و الآن، علمت أن كل خمسة في زمانه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان على وزن سبعة.

و قوله (عليه السلام): و قد كانت ستة، يعني كانت الخمسة قبل ذلك الزمان، و قيل هذا التغيّر الأخير ستة، لأنه كانت الدراهم خمسة دوانيق.

و قوله: رأيت مثل هذا قط، أي هل رأيت مثل جعفر بن محمد (صلوات الله عليهما) في العلم و الفضل قط، أو رأيت مثل تلك الواقعة في الغرابة قط، أو رأيت مثل هذا التوجيه لكلامه، لعدم إرساله الكتاب و الأخير أبعد، و الأول أظهر.

و يحتمل أن يكون الدراهم التي كانت في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) كانت قد بقيت إلى ذلك الزمان، و كان سؤالهم أنه لم يلزم في المائتين من دراهم زمن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) سبعة من دراهم هذا الزمان، لِمَ لا يكتفي خمسة، و قد قرر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في كل مائتين خمسة، فنبَّههم (عليه السلام) على النسبة، و أنها جزء من أربعين جزء من النصاب، و السبعة من هذا الدراهم يساوي ربع عشر المائتين

153

من دراهم زمن الرسول (صلى الله عليه و آله)، فعلموا أنه يلزم من تلك الدراهم سبعة من هذه الدراهم. و الله أعلم.

و ليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في هذه الرسالة.

و الحمد لله أولا و آخرا و الصلاة على سيد المرسلين و أشرف المقدّسين، محمد خاتم الرسالة و آله الطاهرين معادن الحكمة و الشرف و النبالة.