تكميل مشارق الشموس في شرح الدروس

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
509 /
339

[كتاب الصوم]

[تعريف الصوم لغة و اصطلاحا]

و هو لغة مطلق الإمساك أو الإمساك عن الطعام و شرعا أو في عرف أهله توطين النفس لله تعالى على ترك الثمانية أى التقرير معها و حملها على ترك الثمانية حملا ناشيا عن قصد القربة إليه تعالى و الخوف؟؟؟ و الغرض رده إلى أمر وجودي و فعل من القلب مقدور قابل لتعلق التكليف به و إليه يرجع الكف الذي ذكره في اللمعة أيضا كما اشتهر بين الأشاعرة و النية إنما يتعلق في الصوم بإحداث هذا الحمل و إيجاد؟؟؟ ذلك التوطين و القهر على الامتناع بتجديد الخوف من عقاب الله تعالى كما صرح به الشيخ (رحمه الله) في المبسوط و نقله المصنف في البيان فلا يرد ما أورد عليه من أن التوطين المذكور عبارة عن النية و هي خلاف الصوم و قيل أيضا لو جعل الجاد؟؟؟ في قوله من طلوع الفجر متعلقا بتوطين النفس فسد من وجه آخر و هو لزوم وجوب استحضار النية في جميع أجزاء اليوم و بطلان صوم الذاهل عن التوطين المذكور و النائم و هو معلوم البطلان و هذا أيضا غير ظاهر لأن المعتبر هو العزم الحكمي؟؟؟ بحيث لو التفت كان عازما على الترك امتثالا لأمر الله تعالى و لو لم يكن بهذه الحيثيّة بل صار بحيث لو التفت

340

فعل أو ترك لا لأمره تعالى فهو غير صائم نعم بقي الكلام في المسألة العقليّة أي لزوم تعلق التكليف بالأمر الوجودي و هو كلام آخر قد طال التشاجر فيه بينهم ثم إن المصنف (رحمه الله) ذكر في البيان أن الصوم لغة الإمساك و شرعا أما الإمساك عن المفطرات مع النية فيكون تخصيصا للمعنى اللغوي و النية شرط أو توطين النفس على الإمساك عنها فيكون نقلا عن المعنى اللغوي و النية جزء و جعله النية شرطا على التقدير الأول لعله لأجل عدم ارتكاب النقل و حكمه بجزئية النية على التقدير الثاني لا يخلو عن شيء إذ على ما حققه في ضمن الفائدة و نقله عن الشيخ في المبسوط من بيان متعلق النية في الصوم كما ذكرنا يلزم خروج النية عن التوطين و إضمارها في التعريف و اعتبار جزئيتها مع عدم اشتراطها بشرائط الصوم غير لازم و في المسالك حكم باستلزام التوطين للنية و هو أولى من حكم المصنف ره بجزئيتها و التقي الحلبي (رحمه الله) جعل متعلق النية إحداث كراهة الأمور المذكورة أي المفطرات التي عددها لكون الصوم لطفا في الجواب العقلي إن كان واجبا و لطفا في الندب العقلي إن كان ندبا و غرضه أيضا رد الصوم إلى الأمر الوجودي و قوله لكون الصوم لطفا إلى آخره بيان لوجه الوجوب و الندب الذي يعتبرون التعرض له في النية و لعل المراد بالواجب العقلي و الندب العقلي تحصيل القرب الخاص بجنابة تعالى و تأدية الشكر و المصلحة المخصوصة التي تحصل من تلك العبادة للمكلف و يشيرون إلى ذلك في بحث اللطف حيث يقولون إن كان اللطف من فعل المكلف يجب على الله تعالى أن يشعره و يوجبه عليه و نعم ما ذكره المصنف ره في البيان من أن العامي لا يلزمه معرفة هذا الأمر الوجودي على ما ذكروه لعسرها بل هي من فرض العلماء ثم اعلم أن أمر التعريف هين جدا إذا بعد البحث عن واجبات الصوم و شرائطه يحصل التميز التام له و ينكشف غاية الانكشاف البتة و الغرض من التعاريف ليس إلا ذلك لكن يشكل الأمر في أن المكلف هل يجب عليه أن يعرف جميع مفطرات الصوم و يقصد تركها حتى يصح منه الصوم أو يكفيه معرفة البعض و عدم الإتيان بالباقي فعلى الأول يلزم فساد صوم الجاهل ببعض المفسدات كالارتماس أو تعمد القيء مثلا و إن لم يأت به في صومه و ظاهر أنهم لا يقولون به كيف لا و يلزم على هذا فساد صوم أكثر العوام الذين لا يعرفون جميع المسائل المتعلقة بالصوم و كذا فساد صوم الأكابر الذين سألوا الأئمة (عليهم السلام) عن هذه المسائل إلى حين السؤال و سماع الجواب و فساده ظاهر و على الثاني يلزم الحكم بصحة صوم من لم يعرف من الصوم إلا ترك الكذب على الله تعالى مثلا فصام و لم يتفق إتيانه بباقي المفطرات و التزام ذلك أيضا مشكل جدا و يرد هذا الإشكال في نظائر الصوم أيضا من العبادات المشتملة على التروك العديدة الملتئمة منها كالإحرام و الظاهر أن المعتبر و المصحح في أمثاله هو قصد العبادة المخصوصة المتلقاة من الشارع بجملة شرائطها الشرعية بعد معرفة معظم التروك المعتبرة فيها مع عدم الإتيان بباقي المفسدات و لو على سبيل الاتفاق و أما العظمة و شدة الاهتمام و الاعتبار فإنما يعلم بالقرائن الشرعية و الأمارات الدينية فالمعظم في الصوم مثلا ترك الطعام و الشراب حتى كأنه صار حقيقة في ذلك عند العامة من المسلمين و أما ترك الجماع و إن كان عظيما بالنسبة إلى باق التروك من حيث الذكر معهما في الكتاب الكريم و لكفر مستحله كمستحلها إلا أن يدعي شبهة ممكنة لكنه ليس في مرتبتهما من الشهرة كما يشهد به تتبع أحوال المسلمين و عرفهم و يدل عليه أيضا رواية زرارة و أبي بصير قالا جميعا سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله و هو محرم و هو لا يرى إلا أن ذلك حلال قال ليس عليه شيء و تلك الدلالة لو لم يحمل الشيء المنفي في قوله (عليه السلام) على الكفارة دون القضاء و قس عليه نظائره من العبادات ثم المراد بالثمانية هي و ما في حكمها كما سيأتي مفصلا فلا يقدح في التعريف خروج بعض المفطرات طاهرا و كان الأولى أن يقيد الطلوع و الغروب اللذين ذكرهما فيما بعد لتحديد البداية و النهاية بيوم يصح وقوع الصوم فيه شرعا حتى يتم التعريف

[في ما يجب الإمساك عنه]

[الأول و الثاني الأكل و الشرب المعتاد]

الأكل و الشرب المعتاد كأكل الخبز و اللحم و الفواكه و غيرها من المأكولات العادية و شرب الماء و الأشربة المتداولة و غيره كأكل الحصى و البرد و التراب و أمثالها و شرب مياه الأنوار؟؟؟ و عصارة الأشجار و نظائرها و عد ماء الورد منها كما فعله الشيخ (رحمه الله) في المبسوط مستبعد أما دليل ترك المعتاد منها فإجماع المسلمين و الآية الكريمة و الروايات الكثيرة للخاصة و العامة أما دليل غيره فالعمومات الواردة في الكتاب و السنة و عدم ظهور عرف و استعمال الأكل و الشرب في العادي حتى يتجه التخصيص مع أن العادة قد يختلف باختلاف الأشخاص و البلدان و تجدد الدهور و الأزمان و تبعية مثل هذا الحكم الشرعي الدائمي العام المتسق النظام لها و اختلافه باختلافها مستبعد جدا و الشهرة التي تكاد تقرب من الاتفاق تعاضد العمومات قال العلامة (رحمه الله) في المنتهى أما ما ليس بمعتاد فذهب علماؤنا إلى أنه يفطر و ان حكمه حكم المعتاد سواء تغذى به أو لم يتغذ به و نقل عن بعض العامة القول بعدم الإفطار في غير المعتاد و عن أبي حنيفة القول بعدم الكفارة في غير ما يتغذى به أو يتداوى به ثم ذكر في الفرع السابع من الفروع التي ذكرها أن حكم الازدراد حكم الأكل فلو ابتلع المعتاد أو غيره أبطل صومه على ما سلف في الأكل هذا على المذهب المشهور و اختار السيد المرتضى أن ابتلاع الحصاة و ما أشبهها ليس بمفسد انتهى و الظاهر منه على ما ترى أن السيد يفرق بين الأكل و الازدراد و لعل وجه تخصيصه حينئذ جواز الابتلاع بالحصاة و ما أشبهها الأمر بالاجتناب الوارد في الأخبار الكثيرة عن الطعام و الشراب كصحيحة محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال الطعام و الشراب و النساء و الارتماس في الماء و صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود فقال بياض النهار من سواد الليل قال و كان بلال يؤذن للنبي (صلى الله عليه و آله)

341

و ابن أم مكتوم و كان أعمى يؤذن بليل و يؤذن بلال حين يطلع الفجر فقال النبي (صلى الله عليه و آله) إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام و الشراب فقد أصبحتم و صحيحة أبي بصير ليث المرادي كما صرح به في الفقيه قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت متى يحرم الطعام على الصائم و تحل صلاة صلاة الفجر فقال لي إذا اعترض الفجر و كان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام و تحل الصلاة صلاة الفجر و غيرها من الأخبار و على هذا فهذا القول من السيد لا ينافي الوفاق الذي يظهر من قوله أولا أما ما ليس بمعتاد فذهب علماؤنا إلى أنه يفطر لأن خلاف السيد في ازدراد غير المعتاد و قد صرح فيه بالشهرة كما عرف و الحاصل أن بناء كلامه في هذا الكتاب على التفرقة بين الأكل و الازدراد و ما في المختلف فقد استعمل الأكل شاملا للازدراد و لهذا نسب فيه إلى السيد و ابن الجنيد القول بأن الأشبه ان أكل غير المعتاد و شربه ينقص الصوم و لا يبطله و المقصود هو الازدراد الذي ذكره في المنتهى كما يظهر من كلام السيد (رحمه الله) على ما نقله محمد بن إدريس في السرائر و على هذا فليس بناء كلام العلامة على ما أفاده بعض المحققين طاب ثراه من أنه ظن في المنتهى رجوع السيد و ابن الجنيد عن هذا القول أو ما اعتبرهما لظنه حصول الإجماع بعدهما أو أول قولهما بمجرد الاحتمال لا الفتوى لأنه نقل عن السيد أنه قال الأشبه ثم أفاد هذا المحقق (رحمه الله) أن الظاهر أن لا خلاف في أن ابتلاع ما يخلف تحت الأسنان من الملح و السكر و نحوهما مبطل و هذا دليل على السيد و ابن الجنيد لأن الواقع في الأدلة هو النهي عن الأكل و قد سلبا كونه أعم من العرفي و غيره و فيه أيضا نظر لأن مستندهما في بطلان الصوم بابتلاع أمثال ما ذكره الأخبار الواردة في الاجتناب عن الطعام و الشراب كما عرفت لا شمول الأكل الوارد في حيز النهي له فلا دليل فيه عليهما مع أن تسليم التعميم في التناول لا يستلزم تسليم التعميم في المتناول و اعلم أن الظاهر من اللغة شمول الأكل للازدراد فحكمه حكمه كيف لا و من المعلوم أن لا مدخل لخصوصية المتناول في الغرض المستفاد من الشرع في الصوم فخلاف السيد مما لا وجه له مع حكمه بخلافه و دعواه الإجماع عليه حيث قال في المسائل الناصرية لا خلاف فيما يصل إلى جوف الصائم من جهة فمه إذا اعتمده أنه يفطره مثل الحصاة و الخرزة و ما لا يؤكل و لا يشرب و إنما خالف في ذلك الحسن بن صالح و قال إنه لا يفطره و روى نحوه عن أبي طلحة و الإجماع متقدم و متأخر عن هذا الخلاف فسقط حكه انتهى ثم الخبر الذي رواه مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) أن عليا (عليه السلام) سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم قال ليس عليه قضاء إنه ليس بطعام و إن كان فيه دلالة على عدم فساد الصوم بابتلاع غير المعتاد لكنه لا يصلح للتعويل لضعف سنده و دلالته إذ يمكن أن يكون غرضه (عليه السلام) أنه لا مجال هنا لاحتمال العمد و ذلك لأنه ليس بطعام فلا يعارض ما قدمناه و أما صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصائم يكتحل فقال لا بأس به ليس بطعام و لا شراب و رواية ابن أبي يعفور قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكحل للصائم فقال لا بأس به إنه ليس بطعام يؤكل فضعف دلالتها على هذا المطلب غير خفي

[الثالث الجماع]

و الجماع قبلا أو دبرا لآدمي أما قبلا سواء أنزل أم لا فللإجماع و دلالة الآية و الأخبار و أما دبرا مع الإنزال فللإجماع أيضا و الأخبار الدالة على إفساد الإنزال للصوم و بدونه أما في دبر المرأة فلدخوله في المباشرة المنهية و ترك الاجتناب المضر و سوق الأدلة يدل على الإفساد أيضا مع عدم القائل بالتحريم و عدم الإفساد و ادعى الشيخ (رحمه الله) في الخلاف عليه الإجماع و لا يفرقون بين الفاعل و القابل و الخبر الذي رواه أحمد بن محمد بن علي بن الحكم عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا أتى الرجل المرأة في الدبر و هي صائمة لم ينقض صومها و ليس عليها غسل فغير معول عليه كما ذكره الشيخ لقطع إسناده مع إمكان تأويله بعدم غيبوبة الحشفة و كذا الكلام فيما رواه أحمد بن محمد عن بعض الكوفيين يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة قال لا ينقض صومها و ليس عليها غسل و لا يبعد اتحاد الخبرين لأن علي بن الحكم كوفي و أما في دبر الذكر فالمشهور بينهم إفساده للصوم و ادعى الشيخ (رحمه الله) عليه أيضا الإجماع و قال العلامة (رحمه الله) أن إفساده للصوم و إيجابه للقضاء و الكفارة أحكام تابعة لإيجابه للغسل لأن الغسل معلول الجنابة و هي علة للأحكام المذكورة فإذا حصل المعلول دل على وجود العلة فيلزم وجود المعلول الآخر و الكلام بعد ثبوت إيجابه للغسل في علية الجنابة مطلقا للأحكام المذكورة و لكن لا ينبغي الجرأة على خلاف ما اشتهر بينهم خصوصا مع دعوى الإجماع ثم المراد بالجماع مواراة الحشفة أو قدرهما من المقطوع كما سبق في كتاب الطهارة و غيره على الأقرب حكم وطي البهيمة حكم وطي الذكر في أنه أن أوجب الغسل أوجب الأحكام المذكورة على ما ذكروه فلا يقدح فيه أن إيجاب وطي الذكر للغسل أظهر من إيجاب وطي البهيمة له و لكن الشيخ (رحمه الله) في الخلاف حكم في وطي الذكر بوجوب القضاء و الكفارة مدعيا للإجماع عليه كما عرفت ثم قال إذا أتى بهيمة فأمنى كان عليه القضاء و الكفارة فإن أولج و لم ينزل فليس لأصحابنا فيه نص لكن مقتضى المذهب أن عليه القضاء لأنه لا خلاف فيه فأما الكفارة فلا تلزمه لأن الأصل براءة الذمة و ليس في وجوبها دلالة و هذا الكلام كما ترى لا يخلو عن تدافع أورده ابن إدريس و يمكن أن يقال أن غرضه (رحمه الله) أن لا نص فيه باعتبار الكفارة و إن كان منصوصا من حيث الوطء؟؟؟ بل يمكن أن يكون الإجماع منهم على إيجاب الوطي مطلقا للقضاء و لا يكون لهم نص في خصوص المسألة فلا تناقص و حيث لا يقول بإيجابه للغسل

342

كما صرح به في آخر هذه المسألة فيتم قوله و ليس في وجوبها دلالة و قول المصنف (رحمه الله) على الأقرب متعلق بالتعميمين كما عرفت الخلاف فيهما

[الرابع الاستمناء]

و الاستمناء هي طلب الإمناء بغير الجماع و يفسد مع حصوله أما بدونه فغير مفسد و إن حرم و الدليل عليه الإجماع و الأخبار الدالة على إفساد الإنزال للصوم كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع و وجوب الكفارة يدل على الإفساد خصوصا بقرينة قوله (عليه السلام) مثل ما على الذي يجامع و رواية أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأة فأدفق فقال كفارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة و رواية سماعة قال سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل قال عليه إطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين و يؤيد ما ذكرناه أيضا رواية محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سأل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان فقال إني أخاف عليه فليتنزه عن ذلك إلا أن يثق ألا يسبقه منيه و رواية حفص بن سوقة عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء رمضان فيسبقه الماء فينزل فقال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في رمضان و هذا الخبر بظاهره غير معمول به و يحتمل زيادة لفظ القضاء سهوا أو سقوطها من قوله يجامع في رمضان أو يحمل على فعل ذلك بعد الزوال أو على المماثلة في ثبوت أصل الكفارة لا في خصالها و الشيخ (رحمه الله) في التهذيب أوله بما بعد الزوال و بصدور الفعل على جهة الاستخفاف و التهاون و سيأتي تفاصيل ما في حكم الاستمناء فيما بعد إن شاء الله تعالى

[الخامس إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق]

و إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق أعم من أن يكون بمحرم كالتراب أو بمحلل كالدقيق و إن كان الحكم في المحرم أغلظ بل و لا يختص تحريمه على رأيهم بالصوم و الحق المتأخرون بالغبار الدخان و بخار القدر و نحوه و التقييد بالغليظ أو الكثير وقع في أكثر عباراتهم كعبارة المفيد (رحمه الله) و الشيخ (رحمه الله) في جمله كتبه و ابن إدريس في السرائر و العلامة في كتبه و المحقق في المعتبر و يظهر من كلامهم خصوصا من كلام العلامة في المختلف حيث يذكر احتجاج الطرفين أن محل البحث و الخلاف هو الغبار الغليظ فترك القيد في اللمعة و الشرائع كأنه من باب الاختصار للاشتهار و ليس الأمر كما أفاده الشهيد الثاني (رحمه الله) من أن القيد لا وجه له كما سيظهر و الحوالة في الغلظة إلى العرف كما هو دأبهم في الأمور التي لا تحديد لها في الشرع و المراد بالحلق مخرج الخاء المعجمة و تحريمه و إفساده للصوم قول معظم الأصحاب و ادعى محمد بن إدريس عليه الإجماع و قال المفيد في موضع من المقنعة و يجتنب الصائم الرائحة الغليظة و الغبرة تصل إلى الحلق فإن ذلك نقص في الصيام و حكم في موضع آخر منها بوجوب القضاء على من تعمد الكون في مكان فيه غبرة كثيرة أو رائحة غليظة فدخل حلقه شيء من ذلك و قال العلامة في المنتهى على قول السيد المرتضى ينبغي عدم الإفساد بذلك و المراد بقول السيد ما نقله و نقلنا أن ابتلاع الحصاة و ما أشبهها ليس بمفسد و يظهر من كلام بعض المتأخرين كالمحقق في المعتبر التوقف في ذلك و مستندهم في هذا الحكم أن ازدراد كل شيء يفسد الصوم و الغبار من هذا الباب لأنه نوع من المتناولات و إن كان غير معتاد فيحرم و يفسد الصوم و أنه أوصل إلى جوفه ما ينافي الصوم فكان مفسدا له قالوا و يؤيده ما رواه سليمان بن جعفر المروزي قال سمعته يقول إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين فإن ذلك له فطر مثل الأكل و الشرب و النكاح و ظاهر كلام المبسوط و المسالك ورود أخبار أخر في هذا الباب و لكن ما رأيناها في كتبهم المتداولة و أنت خبير بأن عدم دخول ذلك في الازدراد و الأكل و خروج الغبار عن المتناول خصوصا مع عدم الغلظة واضح جدا و المنع من مطلق إيصال شيء ينافي الصوم إلى الجوف لا دليل عليه كيف و لو كان الأمر كذلك للزم التحفظ عن استنشاق الهواء غالبا لعدم خلوه في الأغلب عن مخالطة الذرات كما يظهر لمن نظر في الكوى التي تشرق منها الشمس و أيضا لا فرق بين الأجزاء المائية و غيرها في إفساد الصوم فيلزم التجنب عن استنشاق الأبخرة كما قالوا و يلزم منه المنع عن دخول الحمام لعدم خلوه في الأغلب عن البخار الغليظ و خصوصا على رأي من لا يقول باعتبار الغلظة مع تجويزهم ذلك و إقدام قاطبة المسلمين عليه عصرا بعد عصر من غير توقف و تأمل في غلظة بخاره و عدمها و ورود النص بجوازه مطلقا من غير استفصال كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يدخل الحمام و هو صائم فقال لا بأس ما لم يخش ضعفا و رواية أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل الحمام و هو صائم فقال ليس به بأس و أيضا لو كان التحرز عن إيصال الغبار المحرم إلى الجوف واجبا مطلقا لكان أمره بين المسلمين و شيوع التجنب عنه في حركاتهم و أعمالهم أظهر من أن يخفى و لكان حديث ذلك في الروايات و الأخبار بحيث لا يبقى عليه غبار و أما استنباط هذا الأصل الكلي في الصوم عن الأخبار الواردة في المنع عن الاحتقان و جلوس المرأة في الماء و الاكتحال و السعوط و الاستياك بالسواك الرطب و نظائرها فغير سديد لضعف هذا الاستنباط و تعارض هذه الأخبار لمثلها من الأخبار الواردة في الجواز و ظهور الفرق بين إيصال جسم محسوس إلى الجوف كالكحل و الدواء و بين إيصال ما سلب عنه اسمه بالبث و الاضمحلال في الهواء كيف لا و مناط أمثال تلك الأحكام الفرعية الإطلاقات العرفية لا التدقيقات العقلية نعم لو خالطت الهواء أجزاء صغار تدركها الطرف و اللمس متميزة موسومة باسمها

343

فلا شبهة في المنع عن ابتلاعها و إيصالها إلى الجوف عمدا و لو بتبعية استنشاق الهواء و أيضا لو ظهر من الغبار أو الدخان في الرطوبات التي في فضاء الفم أثر المحسوس يطلق عليه اسم شيء فلا يجوز ابتلاعها و يجب التحفظ و التحرز عن إيصالها إلى الحلق و يحتمل أن يكون مرادهم بالغبار الغليظ ذلك أي ما اشتمل على الأجزاء الصغار المحسوسة بحيث يؤثر بمجرد الوصول و العبور و حينئذ فكون الأمر على ما هو المشهور في غاية الظهور و أما التمسك بخبر سليمان بن جعفر فضعفه ظاهر لجهالة حال الراوي و إضمار المروي عنه و اشتماله على إفساد المضمضة و الاستنشاق و شم الرائحة الغليظة مطلقا للصوم و وجوب الكفارة فيها مطلقا و تعيين الصوم في الكفارة مع تعارضه لموثقة عمرو بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) قال سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه قال جائز لا بأس به قال و سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقة قال لا بأس هذا ما تعلق بهذه المسألة بحسب ما استدلوا به عليها و لكن الشهرة العظيمة بين الأصحاب خصوصا مع عدم ظهور مصرح بالخلاف و دعوى ابن إدريس للإجماع لا يرخص في الخلاف و ينبغي مراعاة الاحتياط في مثل هذه العبادة المهمة التي من معظم التكاليف الشرعية ثم إن الشهيد الثاني (رحمه الله) حكم بأن وجوب القضاء و الكفارة في تعمد الإخلال بالكف عن إيصال الغبار قطعي مع عدم اعتباره للغلظة و بعد ما عرفت حقيقة الحال تعرف أنه (رحمه الله) أعلم بما قال و حكم أبو الصلاح بأن من وقف في غبرة مختارا فعليه القضاء و لا وجه أصلا لإيجاب الوقوف مطلقا للقضاء و كأنه قصد مع إيصال الغبار إلى حلقه و تسامح في العبارة للشهرة

[السادس البقاء على الجنابة]

و البقاء على الجنابة عمدا مع علمه بها ليلا حتى يطلع الفجر و سيجيء ما هو في حكم هذا البقاء و حرمته في صوم شهر رمضان و إيجابه القضاء قول معظم الأصحاب و ادعى ابن إدريس عليه الإجماع و هو الظاهر من كلام السيد المرتضى أيضا في الانتصار و أما في غيره من الصيام فسيأتي القول فيه و التجويز له في الصوم مطلقا ظاهر كلام الصدوق في المقنع حيث قال في أثناء فتاويه في باب ما يفطر الصائم و ما لا يفطره و سأل حماد بن عثمان أبا عبد الله (عليه السلام) عمن أجنب في شهر رمضان من أول الليل و أخر الغسل حتى يطلع الفجر فقال له قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجامع نسائه من أول الليل و يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر و لا أقول كما يقول الأقشاب يقضي يوما مكانه انتهى و الأقشاب جمع قشب بالكسر و هو من لا خير فيه و الظاهر أن فاعل يقضي من أجنب و الغرض الاستدلال بفعله (صلى الله عليه و آله) على جواز البقاء على الجنابة و عدم إيجابه للقضاء و رد قول الجماعة بعدم الجواز و الإيجاب للقضاء و يحتمل على بعد أن يكون الفاعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و يكون قول هؤلاء أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يجنب و يؤخر الغسل و يقضي يوما آخر مكانه فأنكر (عليه السلام) تلك الشتمة منهم و ردها و لكن هذا القول بعيد من العامة أيضا ثم إن ما أفاده الصدوق ره في المقنع لا يظهر من كلامه في الفقيه حيث ذكر فيه الأخبار الدالة على وجوب القضاء على ناسي الغسل و على النائم بعد الاستيقاظ من نوم الجنابة و على أن الذي يقضي شهر رمضان إذا طلع عليه الفجر جنبا لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره و القول بالتحريم و عدم وجوب القضاء مما لا قائل به هنا حجة القول المشهور أولا على ما أفاده العلامة في المختلف أن الإنزال نهارا موجب للقضاء و الكفارة فكذا استصحاب الإنزال بل هذا آكد لأن في الأول قد انعقد الصوم في الابتداء و هنا لم ينعقد و ضعف هذا الاحتجاج واضح للفرق البين بين الإنزال و استصحاب الجنابة و ظهور عدم استلزام إفساده و كون إفساد الإنزال بل المباشرة باعتبار إحداث الجنابة غير ظاهر و على تقدير ثبوته فلا يدل تنافي إحداثها للصوم و نقضه إياه على تنافي استمرارها له ألا ترى أنهم لا يقولون بوجوب الغسل فورا على المحتلم في نهار شهر رمضان و ثانيا الأخبار الكثيرة المستفيضة الدالة عليه و فيها الصحيح و قوي السند و الاحتجاج بها قوي خصوصا مع شهرة هذا القول بين الأصحاب و موافقته للاحتياط و أما قول الصدوق فدليله الأصل و الآية الكريمة لدلالتها على جواز المباشرة إلى طلوع الفجر و إذا جازت المباشرة إلى الطلوع لزم تسويغ أن يصبح الرجل جنبا و اللزوم ظاهر و أما استفادة الجواز منها فلظهور و قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ و قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ في الليل كله كيف و الجواز في البعض كان قبل هذا التخفيف أيضا و لأن قوله حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ بيان لغاية الثلاثة و يدل على هذا القول أيضا الأخبار من العامة و الخاصة و الجواب أن المخرج عن حكم الأصل الأخبار الكثيرة و تجويز المباشرة في تمام الليل أصالة في الآية الكريمة لا يستلزم عدم تحريمها في الجزء الأخير منه بالغرض باعتبار الإخلال بالطهارة التي هي شرط الصوم كما لا يستلزم عدم تحريم الثلاثة في الجزء الأخير من باب المقدمة مع إمكان القدح في ظهور إطلاق قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ و قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ في تمام الليل و يكفي للتخفيف جواز المباشرة بعد العشاء في الجملة خصوصا إذا جاز في أكثر أجزاء الليل إلا قدر لحظة للغسل و كذا يمكن القدح في تعلق حتى بالمعطوف عليه إذا لا يلزم التشريك بين المعطوف و المعطوف عليه في جميع الأحكام و مع تسليم الظهور نقول يجوز صرف الآية عن الظاهر للخبر و أما الأخبار فتأول بالتقية و نحوها للجمع و الخبر العامي يؤيد احتمال التقية

[السابع الحقنة بالمائع]

و الحقنة بالمائع اختلفوا في حكم الحقنة فمنهم من قال لا يجوز للصائم أن يحتقن و أطلق و منهم من قال إنها تفسد الصوم و أطلق و ذهب العلامة في المختلف إلى إفساد مطلقها للصوم و إيجابها

344

القضاء من غير كفارة و نقل السيد عن بعضهم وجوب القضاء و الكفارة فيها من غير تفصيل و سيأتي و قال السيد أيضا في المسائل الناصرية على ما نقله العلامة فأما الحقنة فلا خلاف في أنها تفطر و قال ابن الجنيد يستحب له الامتناع من الحقنة لأنها تصل إلى الجوف و فصل جمع من الأصحاب فقالوا تكره بالجامدات و تحرم بالمائعات و بعضهم لم يوجب بها القضاء كالشيخ في بعض كتبه و العلامة في المنتهى و بعضهم أوجب بها القضاء كالشيخ في المبسوط و المصنف هنا إذا تقرر هذا فنقول قد ظهر أن القول بحرمة الاحتقان بالمائع هو المشهور بينهم غاية الاشتهار و يدل عليه صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه سأله عن الرجل يحتقن يكون به علة في شهر رمضان فقال الصائم لا يجوز له أن يحتقن و تعارضها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الرجل و المرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء و هما صائمان قال لا بأس و يمكن الجمع بينهما بحمل الأولى على المائع كما هو الظاهر من الاحتقان و الثانية على الجامد فيصير دليل القول بالتفصيل و يدل على ذلك ما رواه في التهذيب في الموثق علي بن الحسن عن أبيه و في الكافي عن محمد بن الحسن عن أبيه قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) ما تقول في التلطف يستدخله الإنسان و هو صائم فكتب لا بالجامد و التلطف عبارة عن إدخال شيء في الفرج و يمكن حمل الصحيحة الثانية على الضرورة أيضا فيصير دليل القول بالتحريم مطلقا و لو لا تلك الشهرة لقلنا بجواز حمل لا يجوز في الأولى على الكراهة حتى ينطبق على قول ابن الجنيد و أما القضاء و الكفارة فلا دليل على وجوبهما و الأصل براءة الذمة عنهما و أمر الاحتياط واضح خصوصا بالقضاء في الحقنة بالمائع لشهرته في الجملة و استدل العلامة في المختلف على وجوب القضاء في الحقنة مطلقا بالصحيحة الأولى لأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية و قد علق فيها حكم عدم جواز الاحتقان بالصوم فيكون بين الصوم و الاحتقان الذي هو نقيض المعلول منافاة و ثبوت أحد المتنافيين يقتضي عدم الآخر و ذلك يوجب عدم الصوم عند ثبوت الاحتقان فوجب القضاء و الخلط فيه واضح لأن معلول الصوم عدم جواز الاحتقان لا عدم الاحتقان فنقيض المعلول جواز الاحتقان و هو لا يجامع الصوم فان من كان صائما لا يجوز له الاحتقان شرعا و ليس نقيض المعلول نفس الاحتقان كما ذكره فلو فعل الصائم ذلك المحرم لا يلزم خروجه عن الصوم و ذلك ظاهر و يمكن أن يقال من قبله (رحمه الله) أن لا ريب في أن المفهوم من تحريم شيء لأجل الصوم منافاة ذلك الشيء للصوم و منافرته له و اشتراط الصوم بعدمه فوجوده يضر بالصوم و يهدمه البتة و الظاهر المتبادر من ذلك إفساده للصوم فنقول به و نعول عليه إلى أن يدل دليل شرعي على عدم إفساده له فنعدل حينئذ عن الظاهر و نقول بأن تحريمه لإيجابه نقصا في الصوم و حطا له عن الكمال المطلوب و إن لم يبلغ حد الفساد الذي يوجب القضاء و لكن ادعاء هذا الظهور في حيز المنع و هو (رحمه الله) أيضا لا يقول بذلك كما يظهر مما ذكره في حكم الارتماس لا يقال إذا ثبت أن ذلك الفعل يوجب نقصا في الصوم فإذا فعلناه في الصوم نعلم أن ذلك الصوم ليس هو الصوم الكامل المطلوب للشارع فلا بد من الحكم بوجوب القضاء إلى أن يظهر سقوطه شرعا و افتقار الحكم بوجوب القضاء إلى أمر جديد لا يضر بذلك لثبوت إجماعهم على وجوب القضاء على كل مكلف بالصوم تارك له لأنا نقول قد عرفت أن بمجرد ثبوت ان ذلك الفعل يوجب نقصا في الصوم لا يظهر اعتبار تركه في مهية الصوم و جزئيته لها حتى يلزم من انتفائه انتفاؤها و اعتباره في كمال الصوم و كذا التردد في اعتباره فيه أو في المهية لا يكفي في الحكم بوجوب القضاء على فاعل ذلك الفعل إذ لا إجماع على وجوب القضاء على من لم يأت بالصوم على جهة الكمال أو على المتردد في الإتيان به بل الإجماع على وجوب القضاء على التارك له يقينا و هو ظاهر و استدل في المختلف أيضا على وجوب القضاء بأنه قد أوصل إلى جوفه المفطر فأشبه ما لو ابتلعه لاشتراكهما في الاغتذاء و ضعف هذا القياس واضح مع أن الحقنة لا يصل إلى المعدة و موضع الاغتذاء كما أفاده في المنتهى

[الثامن الارتماس على الأقوى]

و الارتماس على الأقوى قال المصنف في الشرح هو ملاقاة الرأس لمائع غامر و لو بقي البدن و مراده ملاقاة الرأس بتمامه للمائع بحيث يغمره المائع و يعلوه فخرج صب الماء على الرأس كما سيأتي جوازه و الوقوف تحت الميزاب و المجري في حكم الصب إلا أن يكون الماء كثيرا جدا فيشبه الوقوف تحت مجراه بالغمر و يشكل الحكم فيه و الاحتياط يقتضي التجنب عنه و طرد الحكم في مطلق المائع لا يخلو عن إشكال لورود الماء في الأخبار و الفتاوي و عدم صدق اسمه على بعض المائعات مع نقص نفوذه عنه كاللبن و لم أقف على نصر من الأصحاب على هذا التعميم نعم ذكره في المنتهى عدم الفرق بين الارتماس بالجاري و الراكد و الطاهر و النجس لعموم النهي و هو كذلك و يحتمل شمول الحكم للمضاف و ما يجري مجرى الماء في الميعان و النفوذ لا يبعد أن يكون غرض المصنف مما قاله في الشرح تفسير الارتماس و إن اختص الحكم ببعض أفراده و قال الشهيد الثاني في المسالك المراد بالارتماس غمس الرأس في الماء دفعة واحدة عرفية و إن بقي البدن و مراده بالدفعة مقابل التعاقب بحيث لا يحصل الأجزاء جميعا في الماء لا مقابل التدريج و إن حصل الجمع فيه في الآن الأخير إذ لا وجه لإخراج ذلك عن حكم الارتماس بل الحكم فيه آكد باعتبار طول المكث و زيادة النفوذ و على هذا فالتقييد بالعرفية لا وجه له إلا أن يكون غرضه إدخال التعاقب السريع الذي يصدق عليه الدفعة عرفا و لا يخلو عن تكلف و قال صاحب المدارك و لا يبعد تعلق التحريم بغمس النافذ كلها دفعة و إن كانت منابت الشعر خارجة من الماء و لا يخلو عن إشكال لأن صدق

345

الارتماس عرفا على هذا الغمس غير معلوم و لا سبيل إلى تحقيق علة الحكم حتى يمكن القول بوجودها في الفرض ثم الظاهر أن مراد المصنف من الارتماس هنا غمس جمع الجسد لتعرضه لحكم غمس الرأس فيما بعد بقوله و لو غمس رأسه في الماء دفعة أو على التعاقب ففي إلحاقه بالارتماس نظر لا يقال لا وجه لنظره (رحمه الله) لورود رمس الرأس في أكثر الأخبار لأن رمس الرأس في العرف كناية عن رمس جميع الجسد و حينئذ فرمس الرأس وحده في محل النظر كالرمس على سبيل التعاقب لصدق رمس الرأس لغة و ظهوره في تمام الجسد و الدفعة عرفا و لهم في الارتماس أقوال أحدها التحريم و إيجاب القضاء و الكفارة و هو قول المفيد و السيد في الانتصار و الشيخ في بعض كتبه قال في المبسوط يجب القضاء و الكفارة في الارتماس في الماء على أظهر الروايات و المصنف نسبه إلى الشهرة و ضعف المأخذ كما سيأتي و قال في المختلف رواه ابن بابويه في كتابه و يحتمل أن يكون نظره إلى ما في المقنع حيث قال في باب ما يفطر الصائم و ما لا يفطره اجتنب في صومك خمسة أشياء يفطرك و عد منها الارتماس في الماء و قال في الباب الذي يليه من جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه متعمدا فعليه عتق رقبة إلى آخر ما ذكره و لكن ليس ذلك بعنوان الرواية صريحا و ما قيل من أن نظره إلى ما رواه في الفقيه من بعض الأخبار الدالة على المنع من الانغماس في الماء للصائم فبعيد جدا و ثانيها التحريم و إيجاب القضاء خاصة نقله في المختلف عن أبي الصلاح و ثالثها التحريم من دون قضاء أو كفارة و إليه ذهب الشيخ في الاستبصار و المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و المختلف و بعض المتأخرين و قال في الاستبصار لست أعرف حديثا في إيجاب القضاء و الكفارة أو إيجاب أحدهما على من ارتمس في الماء و قال ابن إدريس هذا يناقض ما ذكره في المبسوط كما نقلنا و يحتمل أن يكون نظره (رحمه الله) في المبسوط إلى الأخبار الدالة على التحريم باعتبار أن التحريم يدل على الإفساد كما عرفت في الاحتقان و الإفساد عمدا يوجب القضاء و الكفارة و في رواية محمد بن مسلم زيادة دلالة على وجوبهما كما سيأتي و منظورة في الاستبصار عدم ذكر القضاء أو الكفارة صريحا في الأخبار و ميله فيه إلى عدم وجوبهما باعتبار ضعف دلالة التحريم على الإفساد و كذا دلالة الإفساد على وجوب الكفارة و لكنه بعيد من دأب الشيخ (رحمه الله) جدا و رابعها الكراهة و نسبه في المنتهى إلى السيد و هو الظاهر أيضا من كلام الشيخ في التهذيب و خامسها أنه سائغ مطلقا نقله في المنتهى عن ابن أبي عقيل و الجمهور و القول بالتحريم قوي للأخبار الدالة عليه منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) و قد تقدمت و هذا الرواية مذكورة في الفقيه و زيادات التهذيب بتبديل ثلاث خصال بأربع خصال و كان الثلاث لعد الطعام و الشراب خصلة واحدة أو لعطف الارتماس على ثلاث خصال و وجه دلالة هذه الرواية على التحريم أن مفهوم الكلام أن عدم الاجتناب عن الأربع يضر الصائم و أقله إيجاب الإثم إن لم يوجب القضاء و الكفارة أيضا و حمل الضرر على ما يشمل فوت الكمال ليوافق القول بالكراهة الارتماس فمع بعده على اللفظ يخل بالحصر أيضا لأن المكروهات كثيرة و لا يمكن إدخال بعضها في الأربع كإنشاد الشعر مثلا بخلاف المحرمات إذ ليس فيها ما لا يمكن إرجاعها إلى الأربع إلا الكذب على الله و الرسول و هو محرم بالأصالة و ليس أصل تحريمه لأجل الصوم و إن تأكد فيه ثم إن عطف الارتماس على ما يوجب القضاء و الكفارة لا يدل على إيجابه لهما إذ المفهوم من الكلام ليس الاشتراك الأربع في أصل الضرر و أما التساوي فيه فلا يفهم أصلا و استحقاق العقاب الذي نقول به في الارتماس أعظم ضررا فلا تدل الرواية على أزيد منه و لا يمكن الاحتجاج بها على وجوب القضاء أو الكفارة كما ذكره المصنف (رحمه الله) في الشرح و قال أبو الصلاح إنما يتضرر في الصوم ببطلانه فيجب القضاء و ضعفه ظاهر و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الصائم يستنقع في الماء و لا يرتمس رأسه و منها صحيحة حريز عنه (عليه السلام) قال لا يرتمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء و منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الصائم يستنقع في الماء

و يصب على رأسه و يتبرد بالثوب و ينضج المروحة و ينضج البوريا و لا يرمس رأسه في الماء و منها رواية إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا أ عليه قضاء ذلك اليوم قال ليس عليه قضاء و لا يعودن و منها رواية حنان بن سدير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يستنقع في الماء قال لا بأس و لكن لا ينغمس فيه و المرأة لا تستنقع في الماء لأنها تحمل الماء بفرجها و منها رواية الحسن الصيقل قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يرتمس في الماء قال لا و لا المحرم قال و سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول قال لا و النهي و ما في معناه في هذه الروايات يدل ظاهرا على التحريم خصوصا في صحيحة حريز و رواية الحسن لأن النهي فيهما في المحرم على التحريم فكذا في الصائم و لا تعارض هذه الروايات موثقة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يكره للصائم أن يرتمس في الماء إذ الكراهة في الأخبار لا تحمل على المعنى الاصطلاحي و بالمعنى اللغوي لا تنافي الحرمة و حيث لم يوجد دليل تام على وجوب القضاء أو الكفارة فالأصل يقضي بعدم وجوبهما و يؤيده رواية إسحاق بن عمار أيضا و لكن الاحتياط فيهما خروجا عن خلاف من أوجبهما جيد ثم اعلم أن على القول بإفساد الارتماس للصوم فلا ريب في جوازه في النافلة كجواز الإتيان بباقي المفطرات فيها و أما على القول بالتحريم و عدم الإفساد فيحتمل شمول الحكم للصوم المندوب أيضا الإطلاق النصوص و كلام الأصحاب و جواز

346

فعل ما يفسد الصوم فيه لا يقتضي جواز فعل ما ينافر الصوم و لا يفسده كالتكفير في الصلاة المندوبة و حكم بعض المحققين طاب ثراه ببعد تحريمه في المندوب و بتخصيص عموم الأخبار بالواجب و كأنه (رحمه الله) نظر إلى أنه إذا جاز في المندوب تناول المفطر بالاتفاق فجاز فعل ما هو مظنة له بطريق أولى و قد عرفت ما فيه و يحتمل أن يكون نظره إلى قصور الأخبار عن إفادة العموم باعتبار ظهور اختصاص النهي بالواجب و قال في المسالك و تظهر فائدة التحريم فيما لو ارتمس في غسل مشروع فإنه يقع فاسدا للنهي عن بعض أجزائه المقتضي للفساد في العبادة و كأنه (رحمه الله) أراد بالفائدة حكم فساد عبادة يترتب على هذا التحريم حيث حكم بعدم ترتب فساد الصوم عليه و ليس الغرض ما يتوهم من ظاهر العبارة من أن ثمرة الحكم بالتحريم و البحث عنه ذلك لظهور أن ثمرته التجنب عن هذا الفعل حتى لا يستحق به العقاب و لا حاجة له إلى فائدة أخرى و قال صاحب المدارك الحكم بفساد الغسل جيد إن وقع الغسل في حال الأخذ في الارتماس من الماء فيجب الحكم بصحته لأن ذلك واجب محض لم يتعلق به نهي أصلا و أنت خبير ببعد الاحتمال الثالث في الغسل بعنوان الارتماس و لهذا لم يلتفت إليه في المسالك لأن الوارد في الأخبار إجزاء الارتماس عن الغسل و لا يطلق الارتماس على رفع الرأس من الماء و إخراجه عنه ثم أفاد في المسالك أن المرتمس الناسي يرتفع حدثه لعدم توجه النهي إليه و أما الجاهل فبحكم العامد و الظاهر أن الناسي أعم من ناسي حكم حرمة الارتماس في الصوم و من ناسي أصل الصوم و إن كان الأول أظهر في مقابل الجاهل و في إلحاق الجاهل بالعامد في هذا الحكم تأمل كما ذكره صاحب المدارك لعدم توجه النهي إليه و إن أثم بتقصيره في تحصيل العلم و قال بعض المحققين طاب ثراه اعلم أن الأخبار صريحة في تعلق الحكم بغمس الرأس فقط في الماء فلا يبعد التعميم في الانغماس و الظاهر صحة الغسل مع الانغماس مطلقا إلا أن يعلم كون وصول الماء إلى الرأس بالارتماس المحرم و هو بعيد فتأمل فيه فإنه دقيق و مراده (رحمه الله) بالتعميم في الانغماس الحكم بحرمة الانغماس سواء كان بالرأس مع الجسد أو بالرأس فقط و قوله و الظاهر صحة الغسل إلخ ناظر إلى ما ذكره في المسالك من فائدة التحريم و المراد بالإطلاق في قوله مع الانغماس مطلقا التعميم في الغسل بالارتماس و الترتيب و في حال المغتسل باعتبار العلم و النسيان و الجهل و حكمه بصحة الغسل مع العمد إما باعتبار أن الماء يصل إلى الرأس في حال الأخذ في رفعه من الماء و لا نهي فيه كما نقلنا عن المدارك و قد عرفت ما فيه و على هذا فالاحتمال الذي استثناه و حكم ببعده هو أن يكون الرأس تحت الماء بحيث يماس سطحه سطح ظاهر الماء بنقطة فيكون الماء حينئذ فوق بعض أجزاء الرأس بحيث لا يحكم عليه عرفا بالحجم و الثخن لغاية وقته فلا يمكن الحكم بصحة الغسل باعتبار حركة الرأس في هذا الماء الرقيق حال الإخراج إذ لا يقال عرفا لكمال رقته أن الرأس تحرك فيه حال الخروج حتى يمكن أن يقال إن تلك الحركة غير منهية شرعا و بعد هذا الاحتمال واضح و أما باعتبار أن الماء يتموج عند الارتماس و يصل أجزاؤه إلى الرأس متعاقبة و لا يدخل وصول تلك الأجزاء في الارتماس المنهي عنه بل ليس ذلك إلا بحكم صب الماء على الرأس و فساد هذا الاعتبار أيضا واضح و الاحتمال البعيد المستثنى على هذا هو أن يعلم بدخول الرأس في الماء من دون حدوث تموج و تصادم فيه يصير موجبا لوصول الأجزاء المتباعدة إليه على التعاقب و بعده في غاية الظهور و وقت ترك الثمانية أو توطين النفس عليه من طلوع الفجر الثاني المستطير في الأفق الذي لا يزال يزيد حتى يضيء جميع السماء و الأول يخرج مستدقا مستطيلا كذنب السرحان ثم يمحى أثره و كونه مبدأ وقت الإمساك في الصوم مما أطبق عليه الخاصة و العامة إلا الأعمش فإنه قال يجب الإمساك من طلوع الفجر الذي يملأ البيوت و الطرق و هو منفرد بهذا القول الذي يخالف الآية الكريمة و الأخبار الكثيرة و إجماع الأمة إلى غروب الشمس الانتهاء به متفق عليه و إنما اختلفوا فيما يتحقق به الغروب و قد مر من المصنف (رحمه الله) في الصلاة و سيجيء أيضا في ذكر وقت الإفطار أن الغروب يعلم بذهاب الحمرة المشرقية على الأقوى لا باستتار القرص و ذهاب

الحمرة المشرقية عبارة عن ذهاب الحمرة من طرف المشرق إلى أن تبلغ أعلى الرأس دائرة نصف النهار و استتار القرص هو غيبوبية عن العين مع انتفاء الحائل بينهما و قال ابن أبي عقيل علامة سقوط القرص أن يسود أفق السماء من المشرق و ذلك إقبال الليل و كأنه عبر بهذا عن ذهاب الحمرة تبعا للفظ رواية محمد بن على قال صحبت الرضا (عليه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد و يقرب منها ما رووه عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال إذا أقبل الظلام من هنا و أشار إلى المشرق و أدبر النهار من هاهنا و أشار إلى المغرب فقد أفطر الصائم و قال الشيخ في المبسوط وقت الإفطار سقوط القرص و علامته زوال الحمرة من ناحية المشرق و هو الذي يجب عنده صلاة المغرب و متى اشتبه الحال للحوائل يجب أن يستظهر إلى أن يتيقن دخول الليل و متى كان بحيث يرى الآفاق و غابت الشمس عن الأبصار و رأى ضوؤها على بعض الجبال من بعيد أو بناء عال مثل منارة إسكندرية في أصحابنا من قال يجوز له الإفطار و الأحوط عندي أن لا يفطر حتى يغيب عن الأبصار في كلما يشاهده فإنه يتيقن معه تمام الصوم انتهى و هذا هو الوجه عند العلامة في المختلف و المنتهى و لا ريب في أنه أحوط و أوفق لمراعاة الليل الواقع في الآية الكريمة و يؤيده أصل بقاء النهار و التحريم و أن من كان في أعلى الجبل أو فوق المنارة في هذا الوقت يحرم

347

عليه الإفطار و مخالفته في مثل هذا الحكم للواقفين على الأرض مستبعد جدا و يدل عليه أيضا ما رواه يزيد بن معاوية العجلي قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إذا غابت الحمرة من هذا الجانب يعني ناحية المشرق فقد غابت الشمس في شرق الأرض و غربها و ما رواه ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة و تتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص و القمة بالكسر أعلى الرأس و الأعلى من كل شيء كما ذكر في القاموس قال المصنف (رحمه الله) بعد نقل هذا الخبر عن الكافي و هذا صريح في أن زوال الحمرة علامة سقوط القرص و مراسيل ابن أبي عمير في قوة المسانيد و أمر إرساله سهل كما أفاده (رحمه الله) لكن في طريقه سهل بن زياد و علاج ضعفه صعب و ما رواه علي بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق و تدري كيف ذاك قلت لا قال لأن المشرق مطل على المغرب هكذا و رفع يمينه فوق يساره فإذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا و المطل بالمهلة المشرف يقال مطل عليه أي أشرف و لعل المراد أن المرئي من جو جهة المشرق إلى دائرة نصف النهار له إشراف على أفق المغرب فكلما كانت الشمس فوق الأفق توجد الحمرة و أثر ضوء الشمس في هذا الجانب فإذا غابت تحت الأفق ذهبت الحمرة من هاهنا و يظهر من هذه الأخبار تفسير الأخبار الواردة في اعتبار سقوط القرص و غيبته فالعامل بها جامع بينهما و هو أولى من العمل بظاهر الأخبار الكثيرة الواردة في الغيبة و إن كان بعضها أقوى سندا ففي صحيحة عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها و في صحيحة أخرى له عن أبي عبد الله (عليه السلام) و وقت المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم و الوجوب السقوط و في حسنة زرارة بإبراهيم بن هاشم قال قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص و قال محمد بن بابويه (رحمه الله) في المقنع يحل لك الإفطار إذا بدت لك ثلاثة أنجم و هي تطلع مع غروب الشمس و هو قول أبيه أيضا في الرسالة و المستند رواية أبان عن زرارة قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن وقت إفطار الصائم قال حين تبدو ثلاثة أنجم و يمكن حملها على حالة اشتباه العلامة الدالة على أول الوقت فلا بد حينئذ من الاحتياط و الأخذ بالعلامة الدالة على الوقت يقينا و قال الشيخ في الزيادات ما تضمنه هذا الخبر من ظهور ثلاثة أنجم لا يعتبر به و المراعى ما قدمناه من سقوط القرص و علامته ذهاب الحمرة من ناحية المشرق و هذا كان يعتبره أصحاب أبي الخطاب و غرضه (رحمه الله) من هذا الكلام القدح في صحة هذا الخبر لمخالفته للأخبار الحقة و موافقته لرأي أصحاب أبي الخطاب و كونه في حكم الصحيح بحسب الاصطلاح لا يضره إذ ليس بناء علمه بالأخبار على مجرد ذلك كما يظهر من كلامه في مواضع كثيرة يحكم فيها بطرح الأخبار و بأنها من الآحاد التي لا توجب علما و لا عماد و ما أورده بعض الفضلاء بقوله أقول بعيد جدا أن يفتي الباقر (عليه السلام) لمثل زرارة بفتوى أصحاب أبي الخطاب فإنما نشأ عن الغفلة عن مراد الشيخ من المكلف بالبلوغ و العقل و الظرف متعلق بالتوطن أو التمييز على القول بشرعية صومه كما هو رأي المصنف و سيأتي و كذا على القول بصحته و إن لم يكن شرعيا كما زعمه بعض الأصحاب بناء على أن الصحة من خطاب الوضع و هو لا يتوقف على التكليف بخلاف الشرعية و أما على رأي من منعهما فلا و المرجع في التمييز إلى العرف و يحصل بأن يفرق بين ما هو شرط في العبادة و غير شرط و غير شرط و ما هو واجب و غير واجب إذا نبه عليه المسلم وصف لكل من المكلف و المميز فالمراد به أعم من الحقيقي أي البالغ العاقل المقر بالشهادتين و لو بالإشارة مع الخرس غير المنكر لشيء مما علم ثبوته من الدين ضرورة و لا يشترط عمل الأركان و لا التبري من سائر الأديان و قال بعضهم باشتراط التبري و الحكمي من ولده الصغير أبا كان المسلم أو أما و مسبيه الذي

انفرد عن أبويه إن قلنا بتبعيته للسابي في الإسلام أيضا لا في خصوص الطهارة و القول الأول للشيخ و أتباعه و المصنف (رحمه الله) في هذا الكتاب كما سيأتي في الكفارات من أن إسلام المسبي بانفراد المسلم به و قواه أيضا في بعض فوائده و الثاني لمحمد بن إدريس و العلامة في القواعد و بعض المتأخرين و قد توقف العلامة فيه في أكثر كتبه و يظهر من كلام المحقق في الشرائع أيضا التوقف حيث جعل التبعية له في الإسلام قولا و ليس هذا موضع البحث عن هذه المسألة و ذكر حجج الفريقين و لو سبي مع الأبوين فبحكمهما البتة و لو سبي مع أحدهما فبحكمه كما صرح به الشيخ و لو ماتا على الكفر بعد سبيهما معه فرأي الشيخ عدم الحكم بإسلامه و إسلام ولد الزنا بالمباشرة بعد البلوغ و بتبعية السابي أيضا على القول بالتبعية و في تحققه بالولادة من المسلم وجهان من انتفائه عنه شرعا و تولده منه حقيقة فلا يقصر عن السابي و سيأتي في الكفارات الخالي عن السفر الجائز في بعض أقسام الصوم كما سيأتي تفصيله و المرض الذي يضر معه الصوم و دم الحيض و النفاس و لو في جزء من النهار اتفاقا و حدثهما على الأقرب على تفصيل سيأتي و في حكمهما الاستحاضة مع عدم الإتيان بغسلي النهار و الجنابة عند طلوع الفجر في غير النومة الأولى مع العزم على الغسل كما سيأتي أو عن حكمها كالمتيمم إذا لم يتمكن من الغسل و الاحتياج إلى هذا القيد بعد عد البقاء على الجنابة في جملة الثمانية لإخراج صوم الناسي لهما أو النائم عليها على وجه الفساد على وجه متعلق بالخلو عن السفر و ما بعده كما عرفت و الإغماء و السكر و طول النوم على وجه يأتي بيانه في الدرس الآتي و اكتفى باعتبار الطول إجمالا عن ذكر الوجه كما ذكره في السفر و ما بعده قبل و عند هذا تم تحديده للصوم الشرعي و شرع في

348

ذكر شرائطه و أحكامه فبدأ بالنية و قال على سبيل التفريع على كونه عبادة شرعية بل محض توطين النفس لله تعالى على ترك الثمانية

[من شرائط الصوم النية أو الندب أو القربة]

فيشترط نية الوجوب أي قصد الصوم بعنوان الوجوب إن كان واجبا فاكتفى بذكر الوصف عن ذكر الموصوف الذي هو الأصل لظهوره أو الندب كما عرفت إن كان مندوبا و لا ريب في لزوم التعرض لأحدهما مع صلاحية الزمان لوقوع الصوم فيه و الشخص لصدوره عنه على الوجهين ليتميز العبادة و يتشخص تشخصا لا يحصل إلا بالقصد أما لو تعين أحدهما لأحدهما بأصل الشرع أو بسبب عارض كشهر رمضان و ما يتعلق به النذر بخصوصه أو يوم غير أيام الشهر لمن ليس عليه صوم و من عليه صوم و قلنا بعدم جواز النفل لمن اشتغلت ذمته بالفرض فالتعرض أولى خروجا عن خلاف من أوجبه كالمصنف في هذا الكتاب كما ذكره مرارا و سيجيء زيادة بحث في ذلك و لفظ الاشتراط يشعر بما سبق منه في نية الصلاة من أنها تشبه الشرط من وجه و تفصيله في الذكرى و شبه نية الصوم بالشرط أقوى من شبه نية الصلاة لجواز تقديمها على الفجر الذي هو أول وقت الصيام و القربة وفاقا بأن يقصد فعله لله تعالى امتثالا لأمره أو طلبا للتوجه إلى جنابه به أو للرفعة عنده بواسطته تشبيها بالقرب المكاني و الأخير أقرب باللفظ و لكن المعتبر أحدها و إيثار هذه اللفظة لورودها كثيرا في الكتاب و السنة و قد مر من المصنف في بحث الوضوء تفسيرها بموافقة إرادة الله تعالى و اعتبر ابن زهرة في النية قصد الطاعة لله لأن بذلك الفعل عبادة و القربة و فسرها بطلب المنزلة الرفيعة عنده بنيل ثوابه لأنه الغرض المطلوب بطاعته و ضعفه ظاهر ليلا ظرف زمان للنية متعين في الواجب المعين كصوم رمضان و النذر المعين للعالم العامد و يتضيق وقتها حين يطلع الفجر و لا يجوز تأخيرها عن طلوعه و إن يحصل العلم به فلو أخرها عن ذلك عامدا يفسد ذلك اليوم و يجب عليه قضاؤه دون الكفارة للأصل و ما قيل من أن فوات الشرط أو الركن أشد من فوات متعلق الإمساك فضعيف و الدليل عليه أن الصوم عبادة واجبة في كل النهار و الإمساك العدمي الذي هو حقيقة الصوم لا تصير عبادة إلا بالنية و لهذا ورد في نية الصوم من الآثار ما ليس في غيرها كما ستقف عليه فلو وقعت في النهار لزم خلو جزء منه البتة عن العبادة المأمور بها و حيث لا يمكن اعتبارها مقارنة للجزء الأول منه كما في سائر العبادات لتعذر ذلك في العبادة المستغرقة للوقت أو تعسره أجاز الشارع إيقاعها قبله في الليلة أو في أول أن يتحقق طلوعه كما سيجيء من تجويز المصنف (رحمه الله) مقارنتها لطلوع الفجر و تعين ذلك اليوم شرعا للصوم غير مفيد للإتيان به مع الإخلال بشرطه عمدا في بعض أجزائه و اغتفار ذلك للناسي و الجاهل و من تجدد عزمه على صوم غير معين لدليل شرعي يدل على الاغتفار لا يدل على اغتفاره للعامد العالم بوجوبه على التعيين بالطريق الأولى بل ظهور عذرهم يفيد كمال أولويتهم هذا ما يدل عليه بحسب الاعتبار و أما بحسب الآثار فالخبر المشهور عنه (صلى الله عليه و آله) لا صيام لمن لا يبت الصيام من الليل و قوله (صلى الله عليه و آله) من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له خرج عنه من خرج بالدليل كصاحب الأعذار و بقي الباقي و قوله (عليه السلام) في الخبر الأول لا يبت و في رواية لم يبت من البيت بمعنى القطع و العزم إما بفتح المضارعة و ضم الموحدة مضارع بت أو بضم المضارعة و كسر الموحدة مضارع لبت و المعنى لا صيام لمن لم ينوه و يجزمه فيقطعه من الوقت الذي لا صوم فيه و هو الليل ثم إنه لا فرق بين أجزاء الليل في ذلك لعدم دليل شرعي يدل على التخصيص فيصح إيقاعها في أي جزء كان منه و قال بعض الشافعية إنما تصح النية في النصف الثاني من الليل دون الأول لاختصاصه بأذان الصبح و الدفع من مزدلفة و فساده أظهر من أن يخفى أو نهارا للناسي إلى زوال الشمس يعني إن الناسي لها ليلا في الواجب المعين يوقعها عند التذكر فورا و يجزيه ذلك إلى الزوال إذا لم يكن أحدث ما ينقض الصيام و أما بعد الزوال فلا و كذا لو أخرهما عن التذكر عامدا أما صحة الصوم لو أوقعها عند التذكر إلى الزوال فظاهرهم أنه موضع وفاق عند الأصحاب قال في المختلف و يظهر من كلام ابن أبي عقيل أن الناسي كالعامد في رمضان و إنه لو أخل بالنية من الليل لم يصح صومه و حكم بعض الأصحاب بندور قوله تصحيحا للوفاق أقول و ليس كلامه ظاهرا في حكم

الناسي لأنه على ما نقله في المختلف هكذا و يجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول (عليهم السلام) أن يقدم النية في اعتقاد صومه ذلك من الليل و من كان صومه تطوعا أو قضاء رمضان فأخطأ أن ينوي من الليل فنواه بالنهار قبل الزوال أجزأه و إن نوى بعد الزوال لم يجزه و لا دلالة في هذا الكلام على حكم الناسي في رمضان إلا في مفهوم قوله فأخطأ أن ينوي من الليل إن حملنا الخطأ على النسيان و هو غير ظاهر بل الظاهر أنه عبر عن عدم إيقاع النية في الليل بالخطإ و يرجع إلى بيان حكم العامد كما لا يخفى و استدل على المشهور في المختلف بقوله (صلى الله عليه و آله) رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و إيجاب القضاء يستلزم عدم رفع حكم النسيان و قال خالي طاب ثراه و فيه نظر لأن المراد في الخبر رفع المؤاخذة و العقاب فلا يدل على عدم القضاء و أنت خبير بأن التخصيص مما لا دليل عليه ظاهرا و وجوب القضاء مع النسيان في بعض العبادات بالدليل إلا يدل على عدم العموم و لكن لا يبعد دعوى تبادر فهم الخاص من اللفظ مع أنهم قد بحثوا عن ذلك و استقر رأي المحققين على أن المراد بالخبر هو الخاص أي رفع المؤاخذة لا رفع جميع الأحكام و اختار محمد بن إدريس الحمل على العموم و قد صدر عن أكثرهم الاستدلال به في مقام العموم و استدل عليه أيضا بفحوى الأخبار الدالة على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما

349

قبل الزوال و كذا من الجاهل إذا علم و يمكن منع الأولوية و بدونها لا يفيد القياس و لكن لا يبعد القول بأنه يفهم من جملة الأخبار أن وقت النية يمتد إلى الزوال مع العذر و احتج في المختلف لمن قال بعدم الصحة بأنه لم يأت بالشرط فلا يخرج عن عهدة التكليف بالمشروط و فيه أن من المعلوم أن لا تكليف عليه عاجلا إلا بالإمساك عند التذكر و المفروض أنه قد خرج عن عهدته و إيجاب القضاء يحتاج إلى دليل شرعي و هو منفي و شمول الإجماع الواقع على وجوبه على كل تارك للصوم لذلك مع كمال شهرة القول بسقوطه عنه مستبعد لا يقال لا دليل على أن هذا الإمساك صوم شرعا مع خلو بعض النهار عن شرطه فيكون تاركا للصوم فيجب عليه القضاء بحكم الإجماع و وجه شهرة الحكم بسقوطه أن وقت النية للناسي عند التذكر إلى الزوال عندهم و حيث لا دليل عليه شرعا كما عرفت فلا وجه لهذا الحكم و لا تخلو هذه الشهرة بدخوله تحت الإجماع لأنا نقول إنا لا نعلم أنه ليس صوما شرعا لوقوع الصوم الواجب و المستحب كذلك شرعا فلا يمكننا الحكم بوجوب القضاء عليه بمجرد الإخلال الناشي عن العذر بهذا الشرط المعلوم اشتراطه للخالي عن العذر لا مطلقا خصوصا مع شهرة القول باغتفار ذلك للناسي و أما عدم الصحة لو أوقعها بعد الزوال فالظاهر أنه إجماعي و خلاف ابن الجنيد في الفرض الغير المعين حيث قال و يستحب للصائم فرضا و غير فرض أن يبيت الصيام من الليل لما يريد به و جائز أن يبتدأ بالنية و قد بقي بعض النهار و يحتسب به من واجب إذا لم يكن أحدث ما ينقض الصيام و لو جعله تطوعا كان أحوط و يظهر ما ذكرنا من قوله و يحتسب و قوله و لو جعله تطوعا كان أحوط و إن أمكن بتكلف توجيهه على العموم أيضا كما لا يخفى و يدل عليه أيضا الأخبار الدالة على تحديد وقت النية بالزوال كما سيأتي و للمناقشة فيه مجال و أما عدم الصحة لو أخرها عن التذكر عامدا فدليله ما سبق في تأخير العالم العامد عن الفجر و كذا الجاهل بوجوب ذلك اليوم هذا حكم المعذور بالجهل في الواجب المعين كيوم الشك إذا لم يثبت الهلال في الليل و يثبت في النهار فإنه ينوي عند الثبوت فورا و يصح صومه إذا لم يكن أحدث ما ينقض الصيام إن كان ذلك إلى الزوال و إن كان بعده فيجب عليه الإمساك و لكن لا يصح صومه و لا يسقط عنه القضاء كما ذكرنا في الناسي و يدل عليه بخصوصه ما روي أن ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فشهد برؤيته الهلال فأمر النبي (صلى الله عليه و آله) مناديا ينادي من لم يأكل فليصم و من أكل فليمسك و هذا الخبر و إن ضعف سندا و متنا لكن يؤيد ما مهدناه في الناسي و أما التحديد بالزوال فوجهه ما ذكرناه و أطلق ابن الجنيد فقال و إن أصبح يوم الشك غير معتقد لصيام فعلم أنه من رمضان فصام معتقدا لذلك أجزأ عنه و قال في المختلف بناؤه على أصله من جواز تجديد النية بعد الزوال و كون أصله ذلك في الواجب المعين لا يظهر صريحا من كلامه كما عرفت و لا ظهور لهذا الإطلاق أيضا في عدم التحديد لأن لفظ أصبح و تفريع فعلم عليه لا يخلو عن دلالة على قبل الزوال أو من تجدد له العزم على صوم غير معين زمانه كالقضاء المشهور بين الأصحاب أن وقت النية في الواجب الغير المعين كالقضاء و النذور المطلقة يمتد إلى الزوال من غير عذر و الدليل عليه ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان و إن لم يكن نوى ذلك من الليل قال نعم ليصمه و ليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا و ما رواه الشيخ عنه أيضا في الصحيح قال و سئلته عن الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار أ يصوم ذلك اليوم و يقضيه من رمضان و إن لم يكن نوى ذلك من الليل قال نعم يصومه و يعتد به إذا لم يحدث شيئا و عن هشام بن سالم في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل يصبح و لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم فقال إن هو نوى الصوم قبل أن تزول

الشمس حسب له يومه و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى و ما رواه الكليني عن الحلبي في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تتمة خبر قلت فإن رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار أ يصوم قال نعم و ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان يريد أن يقضيها متى ينوي الصيام قال هو بالخيار إلى زوال الشمس فإذا زالت فإن كان قد نوى الصوم فليصم و إن كان نوى الإفطار فليفطر سئل فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصيام بعد ما زالت الشمس قال لا و ما رواه ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار قال يصوم إن شاء و هو بالخيار إلى نصف النهار و اعلم أن المخالف في هذه المسألة ابن الجنيد حيث يقول بجواز تجديد النية بعد الزوال أيضا على ما يقتضيه إطلاق كلامه كما نقلنا فكان أصل جواز إحداث النية في النهار مما ليس فيه خلاف إلا في ظاهر كلام المفيد حيث قال فيجب لمكلف الصيام أن يعتقده قبل دخول وقته تقربا إلى الله تعالى بذلك و يحتمل أن يكون كلامه في الواجب المعين و ظاهر كلام ابن أبي عقيل أيضا أن حمل الخطأ فيه على النسيان كما عرفت فالعمدة في المذهب المشهور بيان أن حد الأحداث؟؟؟

الزوال و ما رواه عبد الرحمن لا يدل إلا على جواز التجديد قبل الزوال و أما على المنع بعده فلا و الظاهر أن المراد بالصوم في صحيحة هشام الصوم المستحب فيخرج عما نحن فيه و على تقدير العموم ايضا لا منع فيها عن التجديد بعد الزوال لكن يمكن أن يقال أن قوله (عليه السلام) و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت

350

الذي نوى لا يخلو عن دلالة على المطلوب لأن القضاء لا بد أن يكون يوما كاملا و الفرق في ذلك بين الواجب و الندب مستبعد و لكن يلزم على هذا أن لا يجوز التجديد قبل الزوال أيضا لما روي عن ابن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من أصبح و هو يريد الصيام ثم بدا له أن يفطر فله أن يفطر ما بينه و بين نصف النهار ثم يقضي ذلك اليوم فإن بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها و حمل بعد ما ارتفع النهار على ما بعد الزوال بعيد و حكم حسنة الحلبي حكم صحيحتي عبد الرحمن بل أضعف إذ لا تصريح فيها بوجوب الصوم و خبر عمار يدل على المطلوب لكنه ضعيف السند و قس عليه خبر ابن بكير و يدل على ما اختاره ابن الجنيد صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح و لم يطعم و لم يشرب و لم ينو صوما و كان عليه يوم من شهر رمضان أ له أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامة النهار قال نعم له أن يصوم و يعتد به من شهر رمضان و ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان فيصبح فلا يأكل إلى العصر أ يجوز له أن يجعله قضاء من شهر رمضان قال نعم و أجاب العلامة (رحمه الله) في المختلف عن الخبر الأول باحتمال أن يكون قد نوى قبل الزوال و يصدق عليه أنه قد ذهب عامة النهار على سبيل المجاز و عن الثاني أولا بالإرسال و ثانيا باحتمال أن يكون قد نوى صوما مطلقا مع نسيان القضاء فجاز له صرفه إلى القضاء و ما ذكره (رحمه الله) و إن كان بعيدا لكن لا يخلو عن قوة لتعارض الخبرين للأخبار السالفة و الشهرة العظيمة على ما عرفت فلا يمكن التعويل على العمل بظاهرهما في الخروج عن عهدة التكليف اليقيني بالقضاء و قد أشار ابن الجنيد أيضا في آخر كلامه إلى الأخذ بالاحتياط كما نقلنا أو النفل و الأقرب امتداد النفل بامتداد النهار لا الفرض المشهور أن وقت النية في النفل أيضا إلى الزوال لما يدل عليه الأخبار من أنه لا يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس و لأن النية ينبغي أن يكون من أول النهار أو قبله و إذا نوى قبل الزوال جاز ذلك تخفيفا و اعتبارا للنية مع معظم النهار بمنزلتها مع جميعه فإذا ذهب معظمه فات وقت النية و ذلك مثل من أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع و فوت معظم الركعة فإنه لا يحتسب له الركعة بخلاف من أدركه قبل الرفع و أنت خبير بأن ما في الأخبار لا عموم له بحيث يشمل المندوب أيضا إلا خبر ابن بكير و هو غير نقي السند و ضعف ما ذكروه ثانيا ظاهر بقي أن الأصول يقتضي الحكم بعدم صحته إلى أن يثبت شرعا ما يوجب الحكم بها فالكلام فيه و سنشير إليه و قال السيد المرتضى (رحمه الله) و جماعة يمتد وقتها في النفل إلى الغروب و قال الشيخ (رحمه الله) في المبسوط و متى فاتت الى بعد الزوال فقد فات وقتها إلا في النوافل خاصة فإنه روي في بعض الروايات جواز تجديدها بعد الزوال و تحقيقها أنه يجوز تجديدها إلى أن يبقى من النهار بمقدار ما يبقى زمان بعدها يمكن أن يكون صائما فأما إذا كان انتهاء النية مع انتهاء النهار فلا صوم بعده إلى حال أقول و هذا التحقيق حقيق بالقبول ثم إنه لا ريب في أن ما سبق من الأخبار يدل على ما ذكروه خصوصا صحيحة هشام بن سالم و يدل عليه أيضا ما رواه أبو بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة قال هو بالخيار ما بينه و بين العصر و إن مكث حتى العصر ثم بدا له ان يصوم و لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم إن شاء الله تعالى و حمله على تجديد النية بعد العزم على الإفطار في أثناء يوم الصوم على ما فعله في المختلف بقرينة قوله الصائم المتطوع فبعيد جدا بل الظاهر أن قوله (عليه السلام) و إن مكث حتى العصر كلام مستأنف لبيان حكم آخر و ما روي صحيحا عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل على أهله فيقول عندكم شيء و إلا

صمت فإن كان عندهم شيء أتوا به و إلا صام و ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال علي (عليه السلام) إذا لم يعرض الرجل على نفسه صياما ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا و لم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام و ان شاء أفطر فالأقرب كما ذكره المصنف (رحمه الله) امتداد النفل بامتداد النهار و الظاهر تخصيص الثواب بزمان النية إذا كانت بعد الزوال كما يفهم من خبر هشام و لكن المصنف في البيان رجح عدم تخصيص الثواب بزمان النية بل يترتب ثواب الصوم على انعقاده و قال و لا استبعاد في تأثير النية فيما مضى بوضع الشرع و هو كذلك إن ثبت الوضع و تدل عليه رواية هشام فيما قبل الزوال بخلاف ما بعده و أما خبر ابن سنان فيدل على الاحتساب من حين النية مطلقا كما عرفت خلافا لابن الجنيد في الفرض مطلقا أو فيما لم يتعين زمانه منه على احتمالي كلامه حيث يقول بجواز الابتداء فيه بها و قد بقي بعض النهار كما عرفت و في التهذيب روايتان بجواز نية القضاء بعد الزوال هما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) و مرسلة أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قد سبق ذكرهما في دليل مختار ابن الجنيد مع ما ذكره العلامة في تأويلها و يشترط فيما عدا شهر رمضان تعيين سبب الصوم و إن كان نذرا معينا و شبهه على الأقوى إشارة إلى اشتراط انضياف أمر آخر إلى ما اعتبره سابقا في النية من أصل الفعل و الوجه و القربة فيما عدا شهر رمضان مطلقا و إلى عدم اشتراطه فيه و ذلك الأمر هو تعيين سبب الصوم من قضاء أو نذر أو كفارة أو حاجة أو استسقاء و نحوها فهذا الكلام يشتمل على أحكام الأول أنه لا يعتبر في نية صوم شهر رمضان تعيين السبب كأن ينوي أنه صائم شهر رمضان وجوبا قربة إلى الله تعالى بل يكفي أن ينوي أنه صائم وجوبا قربة إلى الله تعالى و يؤذن كلام المنتهى و المختلف بوفاق الأصحاب على ذلك و احتج عليه بأن الغرض من نية التعيين كما عرفت في اعتبار الوجه هو تمييز أحد وجهي الفعل عن الآخر

351

فإذا لم يكن للفعل إلا وجه واحد بحسب أصل الشرع كالصوم في شهر رمضان حيث لا يقع فيه غيره شرعا استغني عن نية التعيين مثل رد الودائع و تسليم الأمانات و هذا يدل على عدم اعتبار نية الوجوب أيضا في شهر رمضان كما ذكرنا سابقا و كذا يدل على أنه لو عين سببا لا يقع إلا على وجه الوجوب فلا يحتاج إلى نية و لعل المصنف (رحمه الله) لا يقول باعتبار الوجه في النية من جهة التميز بل لما يقوله المتكلمون من وجوب إيقاع الفعل لوجهه و لكن إثبات ذلك مشكل جدا و أيضا هذا الاحتجاج كما يدل على عدم اعتبار تعيين السبب في صوم شهر رمضان يدل على عدم اعتباره في النذر المعين و شبهه أيضا و الفرق كما يفهم من المختلف أن التعيين في الأول بأصل الشرع لأن هذا الزمان لا يصلح شرعا إلا لهذا الصوم بخلاف الثاني لأن التعين فيه لعارض من قبل الناذر و كان الزمان في نفسه بحسب أصل الشرع صالحا لغيره فيفتقر إلى التعيين بحسب النية كالنذر المطلق فغير نافع أصلا لأن التميز الواقعي إن كان يغني عن التعيين بحسب النية لعدم الحاجة إلى المميز يغني فيهما و إلا فلا و لا دليل بحسب الشرع يدل على اعتبار التعيين بأصل الشرع و عدم اعتباره بسبب العارض و هو ظاهر و القياس على النذر المطلق قياس مع الفارق لعدم تعيين الزمان فيه له أصلا و احتج المحقق (رحمه الله) في المعتبر ثانيا على الحكم المذكور بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فإذا حصل مع نية التقرب فقد حصل الامتثال فكان ما زاد منفيا و اعترض عليه بأن امتثال الأمر فرع تعقل المأمور أن الأمر أمره بذلك الفعل فإذا لم يعتقد أن الصوم غدا مما أمر الشارع بالإتيان به فيه لم يكن ممتثلا للتكليف بالصوم غدا و إن اعتقد ذلك فقد لزم تعيين السبب إذ لا نعني بقولنا لزمه أن ينوي أنه صائم غدا صوم شهر رمضان إلا لزوم التعرض في النية لأنه الصوم الذي أمر به الشارع في هذا الزمان الخاص بل نقول إن لم يعتقد المأمور أنه من أيام الشهر الذي أمر الشارع بصيامه لم يكن ممتثلا لهذا التكليف و إن اعتقد ذلك فقد ثبت ما قلناه و الجواب أن المكلف إذا فهم التكليف و استشعر الخصوصيات و لكن كان وقت الإتيان بالفعل ذاهلا عن هذه الخصوصيات على سبيل التفصيل و علم إجمالا أن هذا الفعل مطابق لمطلوب الشارع و أن إتيانه به وسيلة للتقرب إليه فلا ريب في أنه بعد إتيانه به على هذا الوجه ممتثل لأمره مطيع لحكمه خارج عن عهدة تكليفه مع عدم تعيين السبب في النية كيف لا و هو حينئذ غير متذكر لشيء من الخصوصيات و إن كان بحيث يمكنه التذكر إذا التفت إليها و تصدى لإحضارها بل و يمكن أن يكون ممتثلا و إن لم يتيسر له التذكر للخصوصية مع رجوعه إلى وجدانه و التفاته إلى الخصوصيات أيضا مثل أن لا يكون في ذكره إلا طلب الشارع لصوم لم يقيد بغير هذا اليوم فلو صام ذلك اليوم بقصد القربة كان ممتثلا و إن كان الإطلاق أو التقيد باليوم على سبيل الانفراد أو في ضمن الشهر أو الأسبوع يكون له مشكوكا فإن أردتم بالتعيين هذا الالتفات الإجمالي إلى الأمر المشتمل على السبب فلا تنازع معكم و يلزمكم الخروج عن محل النزاع و إن أردتم شيئا أزيد منه فلا يثبت بما ذكرتم و أفاد خالي طاب ثراه أن إتمام هذا الاحتجاج يتوقف على إثبات أن النية خارجة عن حقيقة الصوم شرطا لها و أن الصوم حقيقة شرعية في مهية الإمساك المعين مطلقا من غير اعتبار استجماع شرائط الصحة في معناه الحقيقي حتى إذا انتفى بعض شرائط الصحة صدق الصوم حقيقة إذ حينئذ نقول من أراد إثبات أمر زائد على القدر المسلم يحتاج إلى دليل لأن إثبات الشرط يقتضي تقييد المطلق و هو متقدر بقدر الضرورة و اقتضاء الدليل و أما على التقديرين الآخرين كان تحصيل العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي الإتيان بالفرد الذي ثبت كونه فردا للمأمور به فردا يحصل به الامتثال و هو إنما يحصل بالإتيان بالفرد الذي وقع الاتفاق على إجزائه أو دل الدليل عليه و حيث كان إثبات الأمرين المذكورين لا يخلو عن عسر كانت البراءة اليقينية من التكليف الثابت يقتضي اعتبار قصد التعيين لكن عند انتفائه لا يلزم الحكم بوجوب القضاء لأن القضاء بتكليف جديد منوط بفوات الفعل أداء و لم يثبت في موضع البحث انتهى كلامه و أقول خلاصة احتجاج المحقق (رحمه الله) ليس إلا أن الشارع أمرنا بصوم شهر رمضان بقوله عز

من قائل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و لا نفهم من الصوم بعد تتبع عرف أهل الشرع و قاطبة المسلمين أزيد من هذا الإمساك المخصوص فإذا حصل مقرونا بنية التقرب المعلوم اعتبارها في العبادة فقد حصل الامتثال و من ادعى لزوم شيء زائد على ذلك فعليه البيان لأن الأصل براءة الذمة حتى يثبت اشتغالها فالإيراد عليه بأن عليك إثبات عدم اعتبار كذا و كذا كما يرجع إليه كلامه ليس إلا كإلزام المنكر بإقامة البينة على براءة ذمته من حق المدعي و ذلك من الغرائب و إن أراد ره تحصيل العلم بالبراءة تحصيل العلم بالإتيان بفرد كان مستجعما لجميع الشرائط التي اعتبرها الشارع في الواقع فعلى التقدير الأول أيضا لا يحصل هذا العلم إلا مع العلم بحصر الشرائط بالنص أو الإجماع الحكم الثاني أنه يعتبر في النذر المعين و شبهه من العهد و اليمين المعنيين تعيين السبب و هذا قول الشيخ (رحمه الله) في المبسوط و الجمل و الخلاف و استقربه العلامة في المختلف و رأي السيد و ابن إدريس في ذلك عدم الافتقار إلى التعيين و قواه في المنتهى حجة القول الثاني ما ذكرناه أولا في عدم الافتقار إلى التعيين في صوم شهر رمضان بانضمام عدم الفرق بين التعيين بأصل الشرع أو بالعارض كما ذكرنا و حجة القول الأول أولا ما ذكرناه في مقام بيان الفرق و قد عرفت ضعفه و ثانيا أن الأصل وجوب التعيين إذ الأفعال إنما يقع على الوجوه المقصودة ترك ذلك في شهر رمضان لأنه

352

زمان لا يقع فيه غيره فيبقى الباقي على أصالته و فيه إن كون الأصل وجوب التعيين غير ظاهر بل إنما يحكم به لأجل حصول التميز و حيث لا يفتقر إليه باعتباره عدم إمكان وقع الفعل شرعا إلا على وجه واحد فلا يحكم به سواء كان ذلك بأصل الشرع أو بالعارض و لو كان الأصل ذلك مطلقا فالترك في شهر رمضان لا وجه له لظهور فساد التعليل الذي ذكره حينئذ كما لا يخفى فالأقرب بحسب الدليل عدم لزوم التعيين و لكنه الأحوط كما أفاد الشهيد الثاني في المسالك و هل يلحق بالنذر المعين المنذور المطلق إذا نذر تعيينه الظاهر نعم لامتناع وقوع غير ذلك المعين في هذا الزمان و لو بالعارض فلا يفتقر إلى التعيين و قيل لا لأن غيره من الأزمنة صالح لوقوع هذا الصوم فيه و إنما أفاد النذر فوريته خاصة فكان كالواجب المطلق و لا يخفى ضعفه لأن عدم قابلية هذا الزمان لوقوع الغير فيه شرعا كاف في التميز و إن كان الفعل يكون قابلا للوقوع في غيره إذ الغرض تمييز الفعل عن غيره فحيث لا يكون الزمان قابلا لغيره فذلك بمنزلة تمييزه بخلاف العكس لو فرض إمكانه و مثل المنذور المطلق إذا نذر تعيينه القضاء المضيق بتضييق شهر رمضان و كذا الواجب الواحد الذي يكون في ذمة المكلف و قلنا بامتناع المندوب عمن في ذمته واجب و كذلك النذر المطلق لو تضيق بظن الموت و قال المصنف (رحمه الله) في البيان هو أولى بالاشتراط لأن الظن قد يخطئ و لا يخفى ما فيه لأن التعيين الحاصل من مطلق الظن يكفي في المقصود و هو التميز الحكم الثالث أنه تعتبر فيما عدا ما ذكر تعيين السبب و هو كذلك إذ لا بد من تمييز العبادة المأتي بها عن غيرها و لا يحصل ذلك مع إمكان صدور التعدد إلا بقصد السبب أو ما جرى مجراه كقصد الندب أو الوجوب إذا كان في ذمة المكلف واجب واحد و قلنا بجواز المندوب عمن في ذمته واجب و قال المصنف (رحمه الله) في البيان يكفي القربة في الندب إذا تعين كأيام البيض و رجح في بعض تحقيقاته كفايتها في مطلق المندوب لتعينه شرعا في جميع الأيام إلا ما استثني و استحسنه الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة و الظاهر كفايتها في أصل انعقاد الصوم ندبا كما يشعر به تعليله و هذا لا سبب له يعين في النية و أما الندب الخاص و تحصيل ثوابه فيفتقر إلى نية التعيين و على هذا فلا يرجع هذا التحقيق إلى شيء إلا أن يكون الغرض أن المندوب ينعقد بمحض نية القربة من دون تعيين السبب بخلاف الفرض و في المبسوط فسر نية القربة بأن ينوي صوم شهر رمضان و لا ريب أنه أفضل نية القربة في اصطلاحهم يقابل نية التعيين قال الشيخ (رحمه الله) في المبسوط في الصوم المتعين بزمان لا يمكن أن يقع فيه غيره و الشرع على ما هو عليه و هو صوم شهر رمضان و ما هذه حاله لا يحتاج في انعقاده إلى نية التعيين و يكفي فيه نية القربة و معنى نية القربة أن ينوي أنه صائم متقربا إلى الله تعالى و نية التعيين أن ينوي أنه صائم شهر رمضان فإن جمع بينهما كان أفضل و إن اقتصر على نية القربة أجزأه و لا يطابق هذا كما ترى لما نقله المصنف (رحمه الله) و يحتمل أن يكون إلى ما نقله محمد بن إدريس قال في السرائر قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه و معنى نية القربة أن ينوي أنه صائم شهر رمضان ثم أورد عليه أنه يؤدي إلى أن لا فرق بين نية التعيين و نية القربة و أشار العلامة (رحمه الله) في المختلف في جواب إيراده إلى غلطه في النقل و على أي تقدير فلا ريب في أن ضم التعيين أفضل و نعم ما قاله في المسالك و لا ريب أن إضافة الوجوب إلى القربة أحوط و ضم التعيين إليهما أفضل و التعرض للأداء مع ذلك أكمل ثم إن هذا الكلام من الشيخ يؤذن بجواز الاقتصار على ما ذكره في نية التعيين من دون ضم القربة و صرح بذلك في بيان حكم المتعين بالنذر حيث قال فهذا يحتاج إلى نية التعيين و نية القربة معا و متى أتى بنية القربة لم يجزه عن نية التعيين و إن أتى بنية التعيين أجزأه عن نية القربة لأن نية التعيين لا ينفك من القربة و يرد عليه ما أورده في المعتبر بقوله و فيه ضعف لأنهما أمران متغايران يجوز قصد أحدهما مع الغفول عن الآخر و قال في المختلف لتوجيه كلامه الأول ليس المراد

الاقتصار على ما ذكره في التعيين خاصة بل لا بد من التقرب كما في نية القربة و لا يطابق هذا التوجيه لما قاله ثانيا كما نقلنا و كذا الأفضل أن ينوي الأداء لا ريب في أنه أفضل و أما الوجوب فلا دليل عليه إلا في عبادة لا يحصل التمييز لها إلا بالتعرض له و لا تجب تجديدها بعد الأكل و النوم لحصول الشرط و هو تثبيت؟؟؟ النية و عدم صلاحية ما ذكر للمانعية أو الجنابة على الأقوى سواء عرضت ليلا أو نهارا بالاحتلام قال في البيان بعد الجزم بعدم بطلان النية بالنوم و التناول ليلا بعدها و في الجماع و ما يوجب الغسل تردد من أنه مؤثر في صيرورة المكلف غير قابل للصوم فيزيل حكم النية و من حصول شرط الصحة و زوال المانع بالغسل و ما قواه في هذا الكتاب أقوى لظهور ضعف الوجه الأول من وجهي التردد و قوله بالاحتلام متعلق بالعروض نهارا للاحتراز عن العمد لفساد الصوم به و كان ذكره على سبيل المثال لغير العمد و يتعدد النية بتعدد الأيام في غير شهر رمضان إجماعا و إن كان شهرا معينا أو أياما متتابعة معينة بالنذر و شبهه كما قال في المنتهى لو نذر شهرا معينا أو أياما معينة متتابعة لم يكتف فيها بالنية الواحدة أما عندنا فلعدم النص و أما عندهم فللفرق بين صوم لا يقع فيه غيره و بين صوم يجوز أن يقع فيه سواه و مراده (رحمه الله) بعدم النص عدمه و عدم ما يجري مجراه مما يعمل به كالإجماع و الغرض إخراج القياس أو المراد عدم نص الأصحاب فيه بجواز الاكتفاء و عدم اتفاقهم على ذلك فلا يرد ما أورده في المدارك أنه مشترك بين صوم شهر رمضان و غيره لأن عمدة اعتماد من لا يكتفي بالنية الواحدة في شهر رمضان على الإجماع الذي ادعاه السيد و الشيخ كما سيأتي و قوله يجوز أن يقع فيه سواه أي بأصل الشرع و إن امتنع بالعارض و حاصل هذا الكلام أن الأصل تعدد النية في صيام أيام متعددة لأن صوم كل يوم عبادة و كل عبادة يفتقر إلى نية خرج عن ذلك شهر رمضان أما عندنا

353

فلدليل ليس في غيره و هو ما ادعياه من الإجماع و أما عندهم فلقياس لا يجري في غيره و هو ما ذكره سابقا من أنه نوى في زمان يصلح جنسه لنية الصوم لا يتخلل بينه و بين فعله زمان لا يصلح جنسه لصوم سواه فجاز ذلك كما لو نوى اليوم الأول من ليلته فيبقى الباقي على أصالته و فيه قولان أجودهما التعدد قال في البيان و في شهر رمضان خلاف فذهب الأكثر إلى الاكتفاء بنية واحدة من أوله و نقل فيه المرتضى و الشيخ الإجماع و الأقرب وجوب تعددها و قال في اللمعة المشهور بين القدماء الاكتفاء بنية واحدة للشهر و ادعى المرتضى فيه الإجماع و قال الشهيد الثاني (رحمه الله) في شرحه و وافقهم من المتأخرين المحقق في المعتبر و العلامة في المختلف استنادا إلى أنه عبادة واحدة و كذلك قال في المسالك أيضا و ما نسبه إلى المحقق في المعتبر فباعتبار أنه قال فيه بأولوية تجديد النية لكل يوم في ليلته و هذا يدل على اختياره الاجتزاء بالواحدة و أما ما نسبه إلى العلامة في المختلف فغير صحيح لأنه (رحمه الله) قال فيه ذهب الشيخان و المرتضى و سلار و أبو الصلاح إلى أن شهر رمضان تكفي فيه نية واحدة من أوله و الأقرب المنع ثم جرى على ذلك إلى آخر نقل الأدلة و الأبحاث و كأنه طاب ثراه اعتمد على حفظه في هذا النقل و لم يتيسر له الرجوع إلى الكتاب ثم إن المفهوم من عباداتهم و أدلتهم انحصار قولهم في الاثنين الأول جواز الاكتفاء بالنية الواحدة في الشهر مطلقا و الثاني عدم جواز الاكتفاء بها فيه مطلقا فما وقع في بعض القيود من الاجتزاء بالنية الواحدة لناسي النية الخاصة لليوم دون الذاكر إحداث قول ثالث كما صرح به في المسالك و مستند القول الأول أولا قياسات مأخوذة من العامة لا يعمل بها عندنا منها ما ذكرناه و منها أن صوم الشهر عبادة واحدة حرمته حرمة واحدة و يخرج منه بمعنى واحد هو الفطر فصار كصلاة واحدة و منها أن حرمته حرمة واحدة فتؤثر فيه النية الواحدة كما أثرت في اليوم الواحد لما وقعت في ابتدائه و ضعف هذه القياسات و إمكان بيان الفرق ظاهر جدا و ثانيا و هو العمدة الإجماع الذي ادعاه المرتضى و الشيخ و قال السيد في مسائل الرسية على ما نقله في المختلف يعني النية الواحدة في ابتداء شهر رمضان عن تجديدها في كل ليلة و هو المذهب الصحيح الذي عليه إجماع الإمامية و لا خلاف بينهم و لا رووا خلافه و أجاب عنه في المختلف بمنع الإجماع و قال في المنتهى و لم يثبت عندنا ذلك و قال في المعتبر لا نعلم ما ادعياه من الإجماع و كان حاصل المنع و عدم التسليم في أمثال تلك المواضع يرجع إما إلى ظهور الخلاف بحيث لا يفيد نقل الواحد و الاثنين الظن بالإجماع فلا بد حينئذ من تأويل في كلام الناقل خصوصا إذا علم من دأبه التسامح في ذلك كثيرا و أما إلى أن التتبع يفيد أن بناء نقل هذا الإجماع على عدم التصريح بالخلاف باعتبار عدم تعرضهم للحكم و ذلك لا يفيد الظن بالوفاق لأن من عدم التعرض للرد بسبب عدم التعرض للحكم لا يحصل الظن بالتسليم و إنما يتيسر ذلك لمثل العلامة و المحقق من المتتبعين لأقوال القدماء العارفين بتفاصيل فتاويهم و اختلافاتهم العالمين بدأب الناقلين و طريقتهم و استنادهم في النقل و ثالثا إشعار قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ بأنه عبادة واحدة فيكفي فيه نية واحدة و ضعف إشعار قوله عز و جل بذلك واضح و مستند القول الثاني ما عرفت من أن صوم كل يوم عبادة منفردة لا يفسد بفساد ما قبله و لا بما بعده فيفتقر إلى نية متصلة به حقيقة أو حكما كغيره من العبادات و يؤيده ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل و قال خالي طاب ثراه و استدل على هذا القول بأن مقتضى الدليل وجوب المقارنة خرجنا عنه في القدر المتقين للنص و الإجماع و بقي غيره على مقتضى الأصل قال و فيه تأمل لأن إثبات وجوب المقارنة بحسب الدليل لا يخلو عن إشكال نعم لقائل أن يقول تحصيل العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي وجوب تجديد النية بناء على ما ذكرنا سابقا من عدم ثبوت كون النية شرطا خارجا و عدم ثبوت كون الصوم حقيقة شرعية في نفس الإمساك من غير اعتبار استجماعه للشرائط المؤثرة في الصحة انتهى أقول ارتباط ما ذكره من الدليل بالمطلوب غير واضح لأن بناء قول الخصم

على أن صوم الشهر عبادة واحدة كما مر التصريح بذلك في كلامهم مرارا و لا ريب أن المقارنة أو ما في حكمها إنما يعتبر للجزء الأول من العبادة فيكفي بناء على رايه وقوع النية في الليل الأول من الشهر فإنما يثبت المطلوب أعني وجوب تعدد النية بإثبات أن صوم كل يوم عبادة منفردة كما ذكرنا في الدليل و ليس ذلك في كلامه (رحمه الله) أصلا لا في الدليل و لا في مقام الرد بل بناء كلامه على البحث عن وجوب المقارنة و عدمه و قوله إثبات وجوب المقارنة بحسب الدليل لا يخلو عن إشكال لا يخلو عن نظر لأن إثبات وجوب المقارنة بحسب الدليل على وجه يدعونه و إن كان لا يخلو عن إشكال لكن لا ريب في النية السابقة بالأيام و الليالي مع الذهول وقت الأداء بالكلية عنها في حكم العدم و لا فائدة لها أصلا في جعل هذا الفعل عبادة بل يحكم العقل بأن صدور هذا الفعل على سبيل الاتفاق أو لغرض آخر كان منظورا للفاعل وقت الفعل و باعثا على فاعليته و لا يعد ذلك امتثالا لأمر الأمر و انقيادا لحكمه كما لو لم يكن سبق تلك النية أيضا يشهد بذلك التأمل مع سلامة الوجدان نعم يمكن القول بكفاية الالتفات الإجمالي إليها فلو كان غرض القائل بوجوب التجديد الالتفات التفصيلي لكان لهذا البحث وجه سديد و ما ذكره من أن تحصيل العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي وجوب تجديد النية فمحل تأمل أما أولا فلما ذكرناه سابقا من العلم بالبراءة إنما يعتبر مما علم التكليف به

354

لا مما يحتمله العقل و المكلف به المعلوم فيما نحن فيه ليس أزيد من الإمساك المخصوص فليس عليه إثبات عدم شيء آخر بل على مدعي الزيادة الإثبات و أما ثانيا فلعدم فائدة هذا التحقيق فيما نحن فيه إذ لا كلام في اعتبار النية في الصوم المكلف به سواء كانت بعنوان الجزئية أو الشرطية إنما الكلام في أن صوم الشهر هل هو عبادة واحدة بتكليف واحد فيعتبر فيه نية واحدة أو عبادات متعددة و تعلق بكل يوم تكليف مستقل فيفتقر إلى نيات عديدة فإنما المفيد البحث عن الوحدة و التعدد لا عن جزئية النية للصيام و عن الحقيقة الشرعية للصوم لا يقال لا ريب في أن الصوم الشرعي مطلوب منا في كل يوم و إذا كانت النية جزءا و شرطا له فلا بد منها في كل يوم لأنا نقول إذا كان صوم الشهر عبادة واحدة كما يقول به المكتفي بالنية الواحدة فالنية الواحدة المتعلقة به الواقعة في أوله تؤثر فيه كله و يمكن أخذها و اعتبارها في كل يوم منه كما صرح به السيد (رحمه الله) في كلامه الذي نقله هذا الفاضل حيث قال فكذا القول في النية الواحدة إذا فرضنا أنها لجميع شهر رمضان فإنها مؤثرة شرعا في صيام جميع أيامه و لو قيل نعلم أن الصوم الشرعي مطلوب منا بالاستقلال في كل يوم من غير ارتباطه بما قبله فيرجع ذلك إلى دعوى العلم بأن صوم كل يوم عبادة منفردة و الظاهر حينئذ أنها يحتاج إلى نية جديدة و لا افتقار إلى تجشم ما ذكره من الزيادات فإن قلت هل يمكن أن يقال لما أشكل علينا إثبات الوحدة و احتمل التعدد فلا بد في العلم بالبراءة من التكليف الثابت من تعدد النية قلت لا يمكن القول بذلك إذ يلزم على هذا بناء على احتمال الوحدة من النية الواحدة أيضا و لا قائل بوجوب الجمع بينهما نعم قد ذكر الشهيد الثاني (رحمه الله) أن الاحتياط في ذلك كما سيأتي و قد اعترف هذا الفاضل أيضا بما ذكرنا في آخر البحث حيث قال نعم لا يبعد القول بأن كل واحد عبادة مستقلة و المجموع أيضا عبادة مستقلة أخرى فلو قيل بذلك لم يبعد أن يقال المجموع أيضا يحتاج إلى نية على حدة كما أن الإجزاء يحتاج إليها لكن لا أعرف أحدا صرح بهذا انتهى و بالجملة لا ينفع هذا القول القائلين بوجوب التعدد كما لا يخفى ثم إن القول بأولوية التعدد كما اختاره المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و المصنف في اللمعة مما لا ريب فيه إذ الظاهر أن القائلين بكفاية نية واحدة للشهر لا يقولون بتعينها بل يجوزون إيقاعها لكل ليلة كما تشعر به عباراتهم و يظهر من المنتهى اتفاقهم على أولوية ذلك حيث قال فيه إن قلنا بالاكتفاء بالنية الواحدة فإن الأولى تجديدها بلا خلاف و حمل ذلك على الجمع بين نية المجموع و النية لكل يوم بعيد جدا و على هذا فالاحتياط في التعدد فيكون أولى فما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) في مقام الرد على القول بأولوية التعدد غير جيد قال في الروضة بعد شرح قول المصنف و الأول أي إيقاعها لكل ليلة أولى و في أولوية تعددها عند المجتزي بالواحدة نظر لأن جعله عبادة واحدة يقتضي عدم جواز تفريق النية على إجزائها خصوصا عند المصنف فإنه قطع بعدم جواز تفريقها على أعضاء الوضوء و إن نوى الاستباحة المطلقة فضلا عن نيتها لذلك العضو نعم من فرق بين العبادات و جعل بعضها مما يقبل الاتحاد و التعدد كمجوز تفريقها في الوضوء يأتي عنده الجواز من غير أولوية لأنها يناسب الاحتياط و هو منفي و إنما الاحتياط هنا الجمع بين نية المجموع و النية لكل يوم انتهى و وجه عدم الجودة أن الاحتياط في التعدد لاتفاقهم على جوازه كما عرفت فيكون أولى كما اعترف به و قطع المصنف بعدم جواز تفريق النية على أعضاء الوضوء لا يقتضي عدم تجويزه التفريق في مطلق العبادة كما يظهر من الرجوع إلى الذكرى فكيف في خصوص هذه العبادة التي إمكان اعتبار جهة الوحدة و التعدد فيها في غاية الظهور ثم قال في البيان و على القول بالاكتفاء بالنية الواحدة للجميع هل يكفي لما بقي منه أو لأيام معدودة محصورة منه يحتمل ذلك لأن ذلك أحق من الجميع و الوجه المنع لأنا نجعل رمضان عبادة واحدة أو ثلاثين عبادة فلا يجوز أن يجعل قسما آخر انتهى أقول ما ذكره من الاحتمال كلام العلامة في المنتهى و ما استوجهه من المنع لا يخلو من شيء إذ على تقدير كونه عبادة واحدة كما هو المفروض فلا ريب في أنه ليس على حد الصلاة و

نحوها مما يفوت بعضها بفوات البعض بل يجب الإتيان بالباقي و يجب له النية فيكون نيته نية واحدة كنية الكل و نعم ما قاله (رحمه الله) في المنتهى لكن هذه كلها قياسات لا يعتمد عليها و لو تقدمت عليه في شعبان لم تجز على الأقوى رد لما ذكره الشيخ (رحمه الله) في الخلاف بقوله أجاز أصحابنا في نية القربة في شهر رمضان خاصة أن تتقدم على الشهر بيوم أو أيام و في المبسوط و النهاية و الجمل قال بجواز اجتزاء الناسي و مثله كمن أغمي عليه أو نام بالنية المتقدمة على الشهر و قال المصنف (رحمه الله) في البيان و لو ذكر عند دخول الشهر لم يجز العزم السابق قولا واحدا قال العلامة (رحمه الله) في المنتهى و يمكن أن يحتج للشيخ بأن المقارنة غير شرط و لهذا جاز تقديمها من أول الليل و إن تعقبها الأكل و الشرب و الجماع و إذا جاز ذلك جاز أن تتقدم بيوم أو يومين أو ثلاثة لتقارب الزمان هنا كما هو ثم و لو تم هذا لدار على جواز الاكتفاء بالنية المتقدمة في غير الشهر و للعامد أيضا مع ظهور ضعفه كما أفاده (رحمه الله) للفرق لقوله (صلى الله عليه و آله) لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل و لأن الأصل عندهم المقارنة كما عرفت و خروج التقديم بالليل للنص و الإجماع و العسر فبقي الزائد على المنع و كلامه في الخلاف يؤذن بالوفاق و لكنه في محل المنع بنحو ما عرفت في المسألة السابقة و يشترط الجزم مع علم اليوم و في يوم الشك المترددة

355

قول قوي أما اشتراط الجزم مع علم اليوم فلأن النية للفصل بين وجوه الفعل و لا يحصل ذلك إلا بالجزم بالسبب و الوجه و القربة و كفاية الإطلاق و انصرافه إلى الواقع في بعض الأفعال و عدم اعتبار الوجه في الأكثر لا ينافي لزوم مع التعرض و إخلال التردد مع التذكر نعم يشكل إمكان تحقق التردد في النية مع علمه بتعين السبب أو الوجه في الواقع شرعا مثلا من يعلم تعين صوم غد لشهر رمضان بعنوان الوجوب شرعا كيف يمكنه التردد في نية صومه بين صوم شهر رمضان و النذر أو بين الوجوب و الندب لأن النية ليست مجرد التصور و الإخطار بالبال بل هي عبارة عن الاعتقاد و القصد و مع جزمه بامتناع تحقق أحد الطرفين لا يجوز وقوعه حتى يمكن أن يتحقق له التردد في القصد و النية و ذلك كلام آخر و لكن من قال بتأدي رمضان بنية غيره فرضا أو نفلا مع علمه ينبغي أن يقول بالصحة مع التردد و إن أمكن الفرق حينئذ أيضا و لكن المصنف لا يقول به كما سيأتي و أما صوم يوم الشك و المراد به هنا يوم الثلثين من شعبان مطلوب؟؟؟ فإما أن ينوي به الوجوب من شهر رمضان أو من غيره أو الندب من شعبان و سيأتي حكمها و إما أن يردد في نيته بأنه إن كان من شهر رمضان فهو صائم فرضا و إن كان من شعبان فهو صائم نفلا و للشيخ فيه قولان أحدهما الإجزاء ذكره في المبسوط و الخلاف و هو مذهب الحسن نسبه إليه في المختلف و لكن الكلام الذي نقله عنه ليس بصريح فيه و اختاره أيضا ابن حمزة و العلامة في المختلف و المصنف في الكتاب و في البيان و الثاني العدم ذكره في باقي كتبه و اختاره ابن إدريس و المحقق و التحقيق أن الناوي إن كان عارفا بالأحكام الشرعية و أراد بأنه إن كان من شهر رمضان فهو صائم فرضا إنه إن ظهر من شهر رمضان و ثبت ذلك فيظهر له وجوب صومه و يحتسب من الشهر و أما قبل الثبوت فهو بعنوان الندب و كذا إن لم يثبت فهذا اعتقاد لا يمكنه سلبه عن نفسه و تكليفه بقصد غير ذلك تكليف بما لا يطاق و إن أراد أنه إن كان من شهر رمضان في الواقع و إن لم يظهر و يثبت فهو واجب فذلك مما لا يمكنه اعتقاده و قصده و إن لم يكن من أهل المعرفة و الفقه و جهله بالحكم الشرعي صار سببا لحيرته و تردده و لما علم أن صوم شهر رمضان واجب و صوم شعبان ندب فيزعم و يقصد أنه إن كان من شهر رمضان في الواقع فهو صائم فرضا و إن كان آخر شعبان فهو صائم نفلا فالظاهر أن إتيانه بالصوم مع قصد القرب تكفيه و لا يوجب هذا الجهل بالوجه فساد صومه إذ لا دليل على اعتباره في أمثال تلك المواضع و الاحتياط في القضاء إن ظهر أنه من رمضان بعد الزوال أو قبله و لم يجدد النية و لكن يلزمه فيه أيضا التردد في النية البتة و لو لم يفرع الوجوب و الندب في الترديد على التقديرين بل نوى ليلة الشك أن يصوم غدا بنية أنه واجب أو ندب فحكمه حكم السابق بل أولى بالفساد و قرب المصنف (رحمه الله) في البيان فيه البطلان و يجب استمرارها حكما فلو نوى الإفطار في الأثناء أو ارتد ثم عاد فالمشهور الإجزاء و إن أثم المراد باستمرار حكمها في المشهور عدم إحداث إرادة مخالفة للإرادة الأولى و لو في بعض مميزات المنوي و ظاهر كلامهم الاتفاق على وجوب استمرار حكمها فيأثم بتركه و إنما الخلاف في اشتراط الصوم به و بطلانه بتركه و وجه وجوبه على القول بعدم اشتراط الصوم به تحريم العزم على الحرام و لكن الظاهر من كلامهم أنهم يدعون أزيد من ذلك و لعل وجهه أنه لو أحدث إرادة مخالفة للإرادة الأولى يلزم رفعها بالكلية لتضادها إياها فلا يكون الصوم في هذا الزمان الخاص ناشئا عن غرض امتثال الأمر الخاص واقعا على الوجه المطلوب شرعا و لا ريب في أنه مأمور بذلك في تمام اليوم فيلزم مخالفة الأمر و الإثم و ليس غروب النية و الذهول عنها بالنوم و غيره بهذه المثابة فإنه ما لم يحدث إرادة مخالفة للإرادة الأولى فهو بحيث لو التفت و تذكر يعلم أن فعله لقصد الامتثال و يقال في العرف أن هذا الفعل يصدر عنه بالإرادة الناشئة عن غرض الامتثال و قصد القربة و في اشتراط الصوم بذلك خلاف فالمشهور كما ذكره المصنف عدمه فلو نوى الإفطار في

الأثناء أو ارتد ثم عاد إلى النية الأولى صح صومه عندهم و أجزأ مع فوات حكم العزم على الإمساك الذي هو أحد أجزاء النية في الأول ظاهرا إن لم يكن مسلما عند السيد (رحمه الله) كما سيأتي ادعاؤه عدم فوات حكم النية بذلك و فوات حكم القربة التي هي الجزء الآخر في الثاني و قس عليهما غيرهما من منافيات النية كعزم الخروج عن الصوم و ذهب إلى هذا القول الشيخ في المبسوط و الخلاف قال في المبسوط إذا جدد نية الإفطار في خلال النهار و إن كان قد عقد الصوم في أوله فإنه لا يصير مفطرا حتى يتناول ما يفطر و كذلك إن كره الامتناع عن الأشياء المخصوصة لأنه لا دليل على ذلك و قال في الخلاف إذا نوى في أثناء النهار أنه قد ترك الصوم أو عزم على أن يفعل ما ينافي الصوم لم يبطل صومه و كذلك للصلاة إن نوى أن يخرج منها أو شك هل يخرج أم لا لا تبطل صلاته و إنما يبطل الصوم و الصلاة بفعل ما ينافيهما ثم ذكر بعض مذاهب العامة ثم قال دليلنا إن نواقض الصوم و الصلاة قد نص لنا عليها و لم يذكروا في جملتها هذه النية فمن جعلها من جملة ذلك كان عليه الدلالة و كان هذا القول منه (رحمه الله) على سبيل الاحتمال في مقام البحث و إلا فالأقوى عنده البطلان كما قال في كتاب الصلاة من الخلاف إذا دخل في صلوته ثم نوى أنه خارج منها أو نوى أنه سيخرج منها قبل إتمامها أو شك هل يخرج منها أو يتمها فإن صلوته لا تبطل ثم نقل الخلاف عن الشافعي ثم قال دليلنا أن صلوته قد انعقدت صحيحة بلا خلاف و إبطالها يحتاج إلى دليل و ليس في الشرع ما يدل عليه و أيضا فقد روى نواقض الصلاة و قواطعها و لم ينقل في جملة

356

ذلك شيء مما حكيناه و يقوى في نفسي أنها تبطل لأن من شرط الصلاة استدامة حكم النية و هذا ما استدامها و أيضا قوله (عليه السلام) إنما الأعمال بالنيات و قول الرضا (عليه السلام) لا عمل إلا بالنية يدل عليه و هذا عمل بغير نية و لأنه يبعد أن يكون الصلاة صحيحة إذا نوى الدخول فيها ثم نوى فيما بعد في حال القيام و الركوع و السجود إلى آخر التسليم أنه يفعل هذه الأفعال لا للصلاة فيكون صلوته صحيحة فهدا المذهب أولى و أقوى و أحوط انتهى و رجع أيضا إلى هذا القول أي صحة الصوم و إجزائه مع تجدد العزم على الإتيان بالمفطر في أثناء النهار السيد الأجل المرتضى بعد ما كان فتواه أولا البطلان و عدم الإجزاء و ادعى أخيرا أن الإجزاء هو الصحيح الذي يقتضيه الأصول و هو مذهب جميع الفقهاء و اختار هذا القول أيضا المحقق و العلامة (رحمه الله) في المنتهى و مقابل المشهور قولان أحدهما الإجزاء و وجوب القضاء و الكفارة معا ذهب إليه أبو الصلاح كما نقله في المختلف و الثاني عدمه و وجوب القضاء خاصة اختاره العلامة في المختلف و نقل فيه كلام السيد بطوله و أطال الكلام في الرد عليه و المصنف أيضا في الكتاب و في البيان استوجهه أما دليل الشيخ فما نقلناه عن الخلاف مع ما ذكره في الرد عليه و خلاصة ما يستفاد من كلام السيد أن الأكل و الشرب ينافيان الصوم دون عزم الأكل و الشرب و العزم المذكور و إن كان ينافي نية الصوم و لكن لا ينافي حكمها و حكم النية غير النية نفسها لأن النية إذا وقعت في ابتداء الصوم استمر حكمها في باقي اليوم و إن لم يكن مقارنة لجميع أجزائه بل إذا وقعت في أول الشهر يؤثر في جميع أيامه ألا ترى أن منافاة كل من الغروب و النوم و الإغماء للنية إن وقع في وقتها و قارنها أشد من منافاة العزم على الإفطار لها مع أنه لم يجب أن ينقطع استمرار حكم النية لتجدد شيء منها فكذلك لا يلزم أن ينقطع لتجدد العزم على الإفطار بالطريق الأولى و النية إنما يعتبر في الابتداء و قد حصلت و لا اعتبار بها في سائر أجزاء اليوم و إلا لوجب تجديدها في كل آن و لا يقول به أحد و إنما الاعتبار بحكمها و هذا العزم لا ينافيه و لعلك يمكنك أن تعلم ما فيه مما ذكرناه في بيان وجوب حكم النية إذ قد عرفت أنه لو أحدث؟؟؟ مخالفا للعزم الأول يسند العقل و العرف صدور الفعل إلى الإرادة الناشئة عنه دون الناشئة عن العزم الأول فيلزم بطلان حكمه و لا تعني ببطلان حكمه إلا ذلك كما علمت و هذا بخلاف تجدد الغروب و أمثاله لأن إسناد صدور الفعل معها عرفا و عادة إلى الإرادة الناشئة عن العزم الأول أ ليس إذا سافر زيد إلى بلدة بعيدة عن بلده و شرع في السفر بقصد الوصول إلى تلك البلدة ثم ذهل وقت النزول و الارتحال في جميع منازل الطريق عن هذا القصد و ذلك الوصول و سأل سائل فقال ما الباعث لزيد على هذه الحركة و هذا السفر فيقولون الإرادة الناشئة عن قصد الوصول إلى هذه البلدة بخلاف ما لو انفسخ عزمه في أثناء الطريق و لكن عرض له خوف عن جائر لو لم يتحرك أو سمع بجائر في سمت حركته فتحرك حتى وصل إلى تلك البلدة فإنه لو سئل حينئذ عن باعث حركته لقيل الإرادة الناشئة عن قصد التخلص عن أذى هذا الجائر أو إنقاذ ذلك الجائر و يمكن أن يقال على هذا إن من تجدد له الارتداد و قصد الرياء أو الخروج عن الصوم مثلا في أثناء النهار فلا ريب في أنه يخرج في هذا الزمان لأجل ذلك عن حكم النية الأولى البتة و أما من تجدد له العزم على تناول المفطر و لكن لم يتناول شيئا فالحكم بخروجه حينئذ عن حكم النية الأولى لا يخلو عن إشكال إذ لا حجر في إسناد تركه حينئذ أيضا إلى التوطين الأول لا عقلا و لا عرفا نعم لو كان له مع تجدد هذا العزم باعث على الترك كحضور شخص يحتشمه و نحو ذلك بحيث لو لم يكن ذلك لتناول البتة لكان كفه حينئذ مستندا عقلا و عرفا إلى هذا الباعث و يرجع إلى أحد الفروض السابقة و لو عرض له العزم على تناوله بعد حين فعدم خروجه بذلك عن حكم النية أظهر و لقد اعترف العلامة بمثل ما قلناه في كتاب الصلاة من المختلف و هذه عبارته فنقول إن نوى قطع الصلاة أو أنه خارج

منها أو نوى بفعل يفعله غير الصلاة من أفعال الصلاة بطلت صلوته لأنه قطع حكم النية قبل إتمام فعله فأبطل الفعل و أما إذا نوى أنه سيخرج من الصلاة أو سيفعل ما ينافيها من حدث أو كلام فإن صلوته لا تبطل بمجرد النية فإن المنافي للصلاة إنما هو الكلام لا العزم عليه و ما استدل به الشيخ مذكور في كلام السيد أيضا من أنهم (عليهم السلام) ذكروا لنا شرائط الصوم و آدابه و فرائضه و سننه و نواقضه و قواطعه و لم يتعرضوا لشيء مما حكيناه أصلا فإنما يجري في عزم تناول المفطر دون سائر ما ذكره معه لكثرة ورود الحكم بحبط العمل و بطلانه بالشرك و الرياء و عدم الخلوص لله تعالى في الآيات الكريمة و الروايات الشريفة و إذا عرفت هذا فاعلم أنه يمكن حمل كلام السيد طاب ثراه على ما ذكرنا لو لا ما تجدد في طي كلامه من عبارات مختلفة توجب توقف الناظر في إسناد صدور كلامه إلى هذا القصد و عليك الرجوع إلى المختلف لتعرف ما قلناه و قال العلامة في الرد عليه طاب ثراه ما حاصله أن ما ذكره من عدم المنافاة بين عزمه على الأكل و الشرب و بين الصوم ممنوع لأن الصوم عبارة عن توطين النفس على الكف عن المفطرات أو إحداث كراهة لها و العزم المذكور لا يجامع شيئا منهما و فيه أن مع عدم المنافاة غير مناسب لأن الصوم إذا انعقد صحيحا فالأصل بقاء صحته إلى أن يثبت عروض المنافي و بعد الحمل على المنع اللغوي نقول قد عرفت أنه لا بد من إرجاع التوطين المذكور إن اعتبرناه طول النهار إلى حكم النية و أثرها و نحو ذلك لئلا يلزم فساده

357

بالنوم و الغروب و أمثالهما و السيد (رحمه الله) يقول ببقاء حكم النية و أثرها مع العزم المذكور و القدح فيه يرجع إلى البحث الثاني ثم قال قوله هذا العزم و إن نافي النية لكنه لا ينافي حكمها ليس بجيد لأن النية إنما يبقى حكمها لو لم توجد نية أخرى تخالفها و ههنا قد وجد ما ينافي النية الحقيقية فمنافاته لتوهم النية أعني استمرارها أولى و لو لم تكن المنافاة ثابتة لكن إذا أصبح في اليوم الثاني بنية الإفطار و عزم الأكل و رفض الصوم لزم أن يكون صومه صحيحا منعقدا للنية السابقة من أول الشهر فإنها عنده مؤثرة في جميع الشهر على ما اختاره و ليس كذلك قطعا ثم قياسه صورة النزاع على غروب النية ليس بجيد لأنا سوغنا له هناك اعتبار النية للاستصحاب فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان إلى أن يظهر المنافي و لا منافاة بين غروب النية في ثاني الحال و بين النية في ابتداء الزمان لتغاير الزمانين و من شرط المنافاة اتحاد الأزمنة بخلاف حكم النية و هو الاستمرار عليها في ثاني الحال و عزم الأكل في ثاني الحال لاتحاد الزمان هنا فكانت المنافاة هنا حاصلة بخلاف المقيس عليه لانتفاء شرط المنافاة هناك و ثبوته هنا أقول و أنت خبير بما فيه لأن ما ينافي النية الحقيقة لو فرض وقوعه في زمانها إن كان لكان منافيا البتة لتوهمها أعني استمرارها و حكمها لو وقع في ثاني الحال كما اعترف به فيلزم منافاة الغروب و أمثاله لاستمرار النية و حكمها لظهور منافاتها للنية الحقيقة لو فرضنا وقوعها في وقت النية و مقارنتها إياها كما أشار إليه السيد (رحمه الله) بقوله إن وقع في وقتها و قارنها و إلا فلا يتم بيان منافاة تجدد النية المخالفة لحكم النية الأولى بما ذكره و فرض الغروب في ثاني الحال و ادعاء عدم منافاته للنية باعتبار اختلاف الزمان و فرض النية المخالفة في زمان النية الأولى حتى يظهر منافاتها لها و يلزم منافاتها لاستمرارها إن وقع في ثاني الحال على ما يظهر من كلامه (رحمه الله) في مقام بيان الفرق فخلط و تحكم لا وجه له أصلا و لو قيل لا نسلم إن كان ما ينافي النية ينافي حكمها نعم النية المنافية لها بخصوصها تنافي حكمها فلا بد من بيان ذلك كما فعلنا و لا حاجة إلى تلك الكلمات الغير المتلائمة أصلا و قوله (رحمه الله) و لم تكن المنافاة ثابتة إلى آخره فيمكن دفعه أيضا إن كان بناء كلام السيد (رحمه الله) على التوجيه الذي ذكرنا لأن من أصبح في اليوم الثاني بنية الإفطار و عزم الأكل و رفض الصوم لا ريب في أنه عازم على الخروج عن الصوم و منافاة هذا العزم للنية السابقة و حكمها مما يقول به السيد (رحمه الله) أيضا بناء على هذا التوجيه و أفاد خالي طاب ثراه و قبله الفاضل المحقق الأردبيلي أنه يمكن أن يستدل على المذهب المشهور بما تقدم من قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال الطعام و الشراب و النساء و الارتماس في الماء أقول إدخال العزم في الصنع و إدخال العازم عليها في المجتنب عنها لا يخلو عن إشكال كما لا يخفى ثم اعلم أن الظاهر من كلام القائلين بالقول المشهور و أنهم يعتبرون العود إلى النية الأولى في الصحة فلو أخل باستمرار حكم الأولى و بقي على ذلك مستمرا يلزم فساد صومه و الفرق بحسب الدليل لا يخلو عن إشكال و اعتبار قلة الزمان في الصحة لا وجه له مع أن عدم العود لا يستلزم الكثرة مطلقا نعم على قول من يقول بجواز تأخير النية عمدا إلى الزوال يظهر الفرق لو عاد إلى النية الأولى قبل الزوال و أما دليل مذهب العلامة و المصنف (رحمه الله) فحاصله يرجع إلى أن الصوم قد فسد في جزء من النهار لانتفاء شرطه و هو النية حقيقة أو حكما و الصوم لا يبعض فيلزم فساده و يجب القضاء و قد عرفت الكلام في الاشتراط و انتفاء الشرط مفصلا و أما سقوط الكفارة فللأصل السالم عن المعارض و أما دليل مذهب أبي الصلاح فما ذكرنا في بيان وجوب القضاء مع ادعاء أن فوات الشرط أو الركن أعظم من فوات متعلق الإمساك و اعلم أن الحكم بوجوب الكفارة مما لا وجه له و أما وجوب القضاء فمحل إشكال عظيم و الاحتياط واضح خصوصا مع نوع قوة في دليل وجوبه كما عرفت و كذا لو كره الامتناع عن المفطرات يأثم و لا يبطل حاصل كراهة الامتناع عن المفطرات يرجع إلى قصد الخروج

عن الصوم و قد ظهر حكمه في المسألة السابقة أما الشهوة لها مع بقاء إرادة الامتناع و الاستمرار عليها حكما فلا إثم بل تحمل مشقة الصبر عليها موجب لمزيد الثواب و لو تردد في الإفطار أو في كراهة الامتناع فوجهان مرتبان على الجزم و أولى بالصحة لو قلنا بأن الجزم على تناول المفطر أو كراهة الامتناع عن المفطرات يوجب فساد الصوم باعتبار زوال شرطه و هو النية الحقيقية أو الحكمية فالتردد فيهما أيضا كذلك لأن التردد ينافي الجزم الذي هو حقيقة النية فينافي حكمها أيضا كما عرفت و لو قلنا بأن الجزم عليهما لا يوجب فساد الصوم لعدم تسليم الاشتراط أو المنافاة لبقاء حكم النية كما أفاده السيد (رحمه الله) فحكم التردد أيضا ذلك مع أنه أولى بعدم المنافاة فيكون أولى بالصحة و الوجه الفساد في الجميع أي نية الإفطار و الارتداد و كراهة الامتناع عن المفطرات و التردد في الإفطار أو في الكراهة في أثناء النهار و قد عرفت وجه ما استوجهه مفصلا و لو نوى إفطار غد ثم جدد قبل الزوال فوجهان مرتبان و أولى بالإبطال وجه اعتبار التجديد قبل الزوال ما عرفت من أن وقت النية في الفرض إلى الزوال للمعذور فكيف لغيره و وجه أولوية الإبطال أنه يلزم خلوه في جزء من النهار عن الصوم و عن حكم الصائم لعدم انعقاد الصوم قبله و الصوم لا يتبعض فيلزم

358

البطلان بخلاف ما لو تجدد له عزم الإفطار في الأثناء إذ يمكن القول حينئذ ببقاء الصوم الذي انعقد صحيحا قبله كما عرفت و حكم العلامة في المنتهى بالبطلان من غير نقل خلاف و لكن المحقق (رحمه الله) رجح الجواز و كان ذلك يبتني على القول بجواز تأخير النية إلى الزوال اختيارا و أنها تؤثر في الجزء السابق مع العمد كما تؤثر مع النسيان و أما ابتناؤه على القول جواز الاكتفاء بنية واحدة للشهر كما ذكره في المسالك على سبيل الاحتمال فغير جيد لأن الظاهر أن المجتزى بها لا يقول بالاجتزاء بها مع نية الإفطار و رفض الصوم كما ظهر مما نقلناه من المختلف و لو قال به فلا وجه لاعتبار التجديد قبل الزوال و لو نوى الندب فظهر الوجوب كما لو نوى صوم آخر شعبان ندبا ثم ظهر أنه من شهر رمضان جدد نية الوجوب ليصرفه عن الندب الذي نواه أولا و يميزه عنه و إن لم نقل باشتراط التعرض للوجه مع التعين لأن المطلق ينصرف إلى المتعين بخلاف ما لو عين غيره كما سيأتي أن الأقرب عدم تأدي رمضان بنية غيره فرضا أو نفلا مع علمه و أجزأ و إن كان بعد الزوال لإجزاء صوم هذا اليوم لو ظهر الوجوب بعد مضيئه كذلك كما سيأتي فلو ظهر في الأثناء و جدد النية فبالطريق الأولى و كذا لو نوى الوجوب عن سبب كقضاء رمضان مثلا فظهر استحقاق صوم اليوم بغيره كشهر رمضان أو النذر المعين جدد التعيين بعزم السبب الذي ظهر ثانيا لما ذكرناه في تجديد نية الوجه و هنا يجب التعيين في رمضان و إن لم يشترط التعيين فيه إن لم يعين غيره أولا كما سبق و احتمل في البيان عدم وجوب التعيين هنا أيضا استصحابا لما كان في أصل صوم رمضان من عدم اشتراط التعيين

[فروع]

فروع لو عدل من فرض إلى فرض لم يجز مع تعيين الزمان للأول هذه المسألة يتفرع على مسألة وجوب استمرار حكم النية فلا يجوز العدول بالنية من فرض تعين الزمان له كصوم شهر رمضان أو النذر المعين بهذا اليوم إلى فرض آخر كالنذر المطلق أو قضاء رمضان لأن الزمان باعتبار تعينه للأول لا يقع فيه الثاني إجماعا كما سيأتي و النية الثانية ينافي استمرار حكم الأولى فلا يجوز و هل يجزي الصوم حينئذ عن الفرض الأول أو يبطل و يجب عليه القضاء يتفرع على مسألة تجدد النية الخروج على قول المصنف من عدم تأدي رمضان بنية غيره مع علمه و أما على القول بالتأدي فيجزي عنه البتة و لو صلح الزمان لهما كالقضاء و النذر المطلق فالأقرب المنع أيضا الحكم بالمنع على رأي المصنف (رحمه الله) لا يخلو عن إشكال إن كان العدول قبل الزوال بل الظاهر انعقاد الثاني إذ قد مر منه أن وقت النية في الصوم الذي لم يتعين زمانه ممتد إلى الزوال و سيجيء أنه لا يجب إتمام اليوم المنذور مط بالشروع و كذلك القضاء حيث يسند تحريم إفطاره قبل الزوال إلى ظاهر الحسن و الحلبي فلا مانع على هذا ظاهرا من العدول و انعقاد الثاني و القول بأن جواز تجديد النية قبل الزوال لمن لم ينو صوما آخر قبله إذ لو نوى يلزم احتساب جزء من النهار له فلا يحتسب ثانيا من صوم آخر لا يخلو عن بعد نعم لو كان العدول بعد الزوال فلا ينعقد الثاني على رأيه (رحمه الله) لمضي وقت النية و أما التحريم في المنذور مطلقا فلا على رأيه (رحمه الله) و لو كان بعد الزوال في قضاء رمضان لم يجز قطعا لإلحاقه حينئذ بالمعين باعتبار وجوب القضاء و الكفارة في إبطاله بعد الزوال و لو عدل من فرض غير معين إلى النفل فوجهان مرتبان و أولى بالمنع على تقدير جواز العدول من الفرض إلى الفرض جاز العدول منه إلى النفل أيضا لجريان الوجه الذي ذكرنا للجواز فيه أيضا كما لا يخفى و إلا فلا لاشتراك ما يتخيل من الوجه في المنع بينهما بل النفل أولى بعدم الجواز لكمال بعده عما نواه أولا فلا ينصرف إليه ما انعقد فيه الأول صحيحا بخلاف الفرض لاشتراكهما في الوجوب و إنما يتغير عزم السبب خاصة و سيجيء ما يستفاد منه كلام على هذه الأولوية عن قريب و يجوز العدول من نفل إلى نفل لصوم الحاجة و الاستسقاء ما دام محل النية و هو الزوال على قول و تمام النهار على الأقرب عند المصنف كما سبق باقيا و الفرق بينه و بين العدول من الفرض إلى الفرض كما فعله المصنف (رحمه الله) تكلف على رأيه كما لا يخفى و يتأدى رمضان بنية النفل مع عدم علمه فلو صام آخر شعبان ندبا ثم انكشف أنه من رمضان يقع عنه و لا يجب عليه قضاؤه للإجماع كما ادعاه في المسالك و يظهر من كلامهم و استدل عليه في المنتهى بأنه صوم شرعي غير منهي عنه فكان مجزيا عن الواجب لأن رمضان لا يقع فيه غيره و نية الوجوب ساقطة للعذر كناسي النية إلى قبل الزوال أقول بل تعين السبب و الوجه الغير المطابقين للعبادة المطلوبة لا يلتفت إليه و ينصرفان إلى ما هو الواقع منهما لعذر الجهل و هذا ظاهر أوجه قياسي على وتيرة العامة باعتبار أن أكثر أبحاثه في هذا الكتاب معهم و المعتمد ما عرفت من الوفاق و ما أشار إليه (رحمه الله) من الروايات الكثيرة الدالة على المطلوب كما روي في الصحيح عن سعيد الأعرج قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني صمت اليوم الذي يشك فيه و كان من شهر رمضان أ فأقضيه قال لا هو يوم وفقت له و في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن معاوية بن وهب قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان فيكون كذلك فقال هو شيء وفق له و في الموثق سماعة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صام يوما و لا يدري أ من رمضان هو أو من غيره فجاء قوم شهدوا أنه كان من رمضان فقال بعض الناس عندنا لا يعتد به فقال بلى فقلت إنهم قالوا صمت و أنت لا تدري أ من رمضان هذا أم من غيره فقال بلى فاعتد به فإنما هو شيء وفقك الله له إنما يصام يوم الشك من شعبان

359

و لا يصومه من شهر رمضان لأنه قد نهي أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله تعالى عز و جل و بما قد وسع على عباده و لو لا ذلك لهلك الناس و كان المراد بقوله (عليه السلام) لأنه قد نهي أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك أنه قد نهي أن ينفرد الإنسان من بين سائر الناس بالجزم على الصيام الواجب صيام شهر رمضان في يوم الشك مع أن الناس كلهم في شك منه و لا يصومونه بنية رمضان بل يعدونه بحكم الأصل و الاستصحاب من أيام شعبان أو الكلام قد خرج على سبيل القلب أي أنه قد نهي الإنسان أن يجعل يوم الشك منفردا بالعزم على الصيام الواجب فيه من بين سائر أيام شعبان لأنه شرعا من شهر شعبان إلى أن يثبت دخوله في شهر رمضان كما عرفت و يحتمل على بعد إن يكون المراد أنه قد نهي أن ينفرد الإنسان بخصوص الصيام الواجب في يوم الشك من دون سائر الأحكام الشرعية المتعلقة بأول شهر رمضان كانقضاء العدد و حلول آجال الديون و الإجارات و نحوها من الأمور المنوطة بدخول الشهر لظهور أنه لا يحكم بها شرعا في يوم الشك ما لم يحصل له اليقين بدخول الشهر و قوله (عليه السلام) لو لا ذلك لهلك الناس أي و لو لا تفضله و توسيعه تعالى في تلك المادة و مثلها على عبيده بجعلهم في سعة مما لا يعلمون حتى يثبت لهم التكليف الذي لا ريب فيه ثم قبوله منهم بمحض فضله و منه ما أتوا به تبرعا بعد ثبوت تكليفه و ظهور اشتغال ذمتهم بعبادته شرعا لهلكوا يقينا أ ليس لو كلفهم بتحصيل اليقين في يوم الشك مع خروجه عن حيز قدرتهم للزم هلاكهم بل و لو أمرهم ببذل الجهد و الطاقة في تحصيل اليقين به و أمثاله من الأشياء التي ترتبط بها الأحكام الشرعية للزم العسر و الضيق العظيم و عدم استطاعة كثير من الناس بسلوك طريق الشرع القويم كما يشهد به من يشاهد حاله و يطابق قوله فعاله و في الموثق عن سماعة أيضا قال سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري أ هو من شعبان أو من رمضان فصامه فكان من شهر رمضان قال هو يوم وفق له و لا قضاء عليه و ليس في التهذيب لفظة فكان و كأنها سقطت سهوا لأن الشيخ أخذ الحديث عن الكافي و توجد فيه و عن بشير النبال عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن صوم يوم الشك فقال صمه فإن يك من شعبان كان تطوعا و إن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له و عن الزهري عن علي بن الحسين (عليه السلام) في حديث طويل في ذكر وجوه الصوم و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان و نهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس فقلت له جعلت فداك فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع قال ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه و إن كان من شعبان لم يضره فقلت له و كيف يجزي صوم تطوع عن فريضة فقال لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا و هو لا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بعد ذلك لأجزأ عنه لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه و الضمير في قوله (عليه السلام) بصيامه راجع إلى اليوم الذي يشك فيه الناس و قوله في اليوم الذي يشك فيه الناس كالبيان و يحتمل رجوعه إلى الرجل و المراد بقوله (عليه السلام) نهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه ما ذكرناه في الحديث السابق و لكنه (عليه السلام) لما قال أولا أمرنا به أن نصوم منضما إلى صيام شعبان و بنيته سأل الراوي و قال فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع و أجابه (عليه السلام) بما أجاب و يحتمل أيضا أن يكون بناء سؤاله على الغفلة عن فهم المراد من قوله (عليه السلام) نهينا عنه أن ينفرد الرجل بحمله على النهي عن صيامه منفردا غير منضم إلى شيء من صيام شعبان فأجابه (عليه السلام) ببيان المراد و يحتمل أيضا أن يكون ما فهمه الراوي صحيحا و يكون المراد أنه ينبغي أن يكون صوم يوم الشك منضما إلى صيام شيء من شعبان و لا يكون منفردا ثم أفاد في جواب السؤال أن مع اضطراره إلى ذلك لعدم اتفاق

صيامه لشيء من شعبان يصومه منفردا بنية شعبان و حديث سماعة أيضا يحتمل نحو ذلك المعنى و أما ما يدل على وجوب القضاء كما روي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان فقال (عليه السلام) عليه قضاؤه و إن كان كذلك فلا يعارض ما قدمناه من الأخبار الكثيرة لأن هذا خبر واحد مجمل و يستفاد التفصيل من الأخبار المتقدمة فيجب حمله على ما يوافق التفصيل الذي يستفاد منها لئلا تتناقض الأخبار و ذلك إما بتقدير في الكلام أي يصوم بنية رمضان اليوم الذي يشك فيه كونه من رمضان أو يجعل قوله من رمضان متعلقا بقوله يصوم لا بقوله يشك و قال في المنتهى و يدل على هذا الحمل قوله (عليه السلام) و إن كان كذلك لأن التشبيه إنما هو للنية و لا يخفى ما فيه لأن هذا الكلام منه (عليه السلام) ليس لبيان الفرد الخفي من وجوب القضاء إذ ظاهر أن وجوب القضاء ليس إلا في هذه الصورة بخصوصها بل لا بد من تقدير في سؤال الراوي أي قول فيظهر أنه من رمضان و نحوه حتى يصح حكمه (عليه السلام) بوجوب القضاء عليه ثم يصير معنى الكلام على هذا الحمل الذي رجحه العلامة أنه يجب عليه القضاء و إن كان الفرض مطابقة قصده للواقع و اليوم لما نواه فإنه لما لم يكن عالما بهذا أولا فلا يصح منه هذا القصد و لا يحتسب له هذا الصوم و لو حمل على الصوم المطلق يصير المعنى أنه يجب عليه القضاء

360

و إن كان اليوم كما ظهر من شهر رمضان و كان يوم صوم كما فعله أو كان كما احتمل و حيث يشك فيه كونه من رمضان لأنه لما لم يكن عالما بذلك أولا لا يحتسب له ذلك و بالجملة لا فرق بين المعنيين يعتد به حتى يمكن أن يستدل بهذا القول على أحد الحملين و قد ظهر بما ذكرنا حال قول الراوي فيكون كذلك في حسنة معاوية بن و هب السابقة و ما أفاده الفاضل المحقق الأردبيلي من أن التشبيه إنما هو للنية فلا بد من أن يكون قوله من شهر رمضان صله ليصوم و يدل حينئذ على إجزاء صوم يوم الشك إذا كان بينة رمضان لا يخلو من ضعف ثم اعلم إن الظاهر أنهم لا يفرقون بين يوم الشك و غيره من الأيام لو صام فيه بينة النفل مع الجهل فإذا ثبت فيه الحكم بما ذكرناه ثبت المطلق كما ذكره المصنف (رحمه الله) و يدل عليه قوله (عليه السلام) في رواية الزهري لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا إلى آخره و الأقرب سريانه في غيره من الواجبات المعينة أي الأقرب سريان الحكم بالتأدي لو فعل ندبا مع عدم العلم في غير صوم شهر رمضان من الواجبات المعينة من الصيام أو مطلقا كما لو نذر الصدقة بدرهم مخصوص و تصدق به ندبا بغير علم ثم انكشف له أنه الدرهم المنذور بالصدقة و وجه الأقرب ظهور اشتراك علة الحكم و لقوله (عليه السلام) في خبر الزهري لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه مزيد دلالة على ذلك و ترجيح المصنف في هذه المسألة للقول بسريان الحكم في غيره من الواجبات المعينة و في مسألة اشتراط تعيين سبب الصوم للقول بالفرق لا يخلو عن شيء كما لا يخفى و يتأدى رمضان و كل معين بنية الفرض غيره بطريق الأولى لأنه أقرب إلى صوم رمضان من النفل لمشاركته له في الوجوب بخلاف النفل و إنما يخالفه في السبب خاصة و يعذر للجهل كما يعذر في التخالف بالوجه له و أنت خبير بأن دعوى الأقربية لا يخلو عن إشكال بل يمكن دعوى الأبعدية لأن نية الندب ليست إلا قصد الإتيان بالفعل لطلب يجوز معه الترك قربة إلى الله تعالى و من المعلوم أن جواز الترك لا مدخل له في الإتيان بالفعل فلا يرجع إلا إلى قصد الإتيان بالفعل للطلب مع خطور تجويز الترك بالبال و نية صوم رمضان حيث لا تفتقر إلى تعيين السبب كما عرفت ليست إلا ما ذكر مع إخطار تأكد للطلب بالبال فبينهما كمال القرب و يؤيد ما ذكرناه ما أفاده العلامة (رحمه الله) في النهاية في بيان احتمال صحة وضوء من نوى الوجوب قبل دخول الوقت بقوله و لأنه آكد فيدخل تحته حكما إذ المميز جواز الترك و هو غير مراد انتهى و يجري ما ذكره (رحمه الله) في صحة كل ندب فعل بنية الوجوب كما قاله بعضهم و هذا بخلاف ما لو نوى القضاء أو النذر بصوم يوم الشك فإنها يخالف نية رمضان غاية الاختلاف كما ترى و هذا ما و عدناك مجيئه في بحث العدول من الفرض إلى النفل فتذكر و بالجملة جعل هذه النكات العقلية مناط للحكم الشرعي في غاية الإشكال و يمكن أن يقال إن الحكم بفساد هذه العبادة التي أمرنا الشارع بها و أتينا بها على النهج الصحيح الشرعي مستبعد جدا و حيث لا يقع في رمضان غيره للوفاق الذي يظهر من كلامهم على ذلك فلا بد من أن يحتسب من رمضان و يؤيده ما ورد في الأخبار من احتساب النفل منه و كذا قوله (عليه السلام) في خبر الزهري لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه و قد ظهر من هذا أن بناء الوجه الذي أفاده العلامة (رحمه الله) في المنتهى و نقلناه في المسألة السابقة ليس على القياس بل حاصله ما قلناه و قال صاحب المدارك يحتمل إجزاؤه عما نواه لأنه كان مأمورا بإيقاعه على ذلك الوجه و الامتثال يقتضي الإجزاء و أفاد خالي طاب ثراه أن ذلك الاحتمال غير بعيد أقول و قد ظهر ضعفه مما ذكرنا من أنه يظهر من كلامهم الوفاق على عدم وقوع غير رمضان فيه من دون تخصيصه بصورة العلم كما تعرفه من تتبع كلماتهم و حيث عد صاحب المدارك هذا احتمالا فالأولى لمن صام يوم الشك عن واجب كان عليه ثم انكشف أنه من رمضان أن ينوي ما يصومه بعد مضي الشهر عما في ذمته من الواجب الذي كان عليه أو قضاء يوم من الشهر إن اكتفى بصوم يوم واحد و الأحوط له أن يصوم يومين أحدهما للواجب الذي كان عليه و الآخر لقضاء

رمضان حتى تحصل له البراءة اليقينية و لا يضره زيادة الصوم إن شاء الله و في تأدي رمضان بينة غيره فرضا أو نفلا مع علمه قولان أقربهما المنع و بطلان الصوم فلا يقع عن رمضان و لا عن غيره و هذا قول ابن إدريس و ظاهر كلام ابن بابويه و استجوده العلامة في المختلف أولا و حكم أخيرا بعدم خلو القول الآخر عن قوة و القول بعدم المنع للمرتضى على ما نفل عنه و ظاهر كلام الشيخ في المبسوط و الخلاف و حكم المحقق في المعتبر بأولويته حجة ما استقر به المصنف أن الأفعال تقع على الوجه المنوي دون غيره فلا يقع عن رمضان لأنه غير منوي و لا عن غيره لعدم صلاحيته الزمان له كما عرفت و عذر الجاهل بالشهر و الناسي واضح باعتبار ارتفاع حكم الخطاب عنهما للجهل و النسيان بخلاف العامد فلهذا يحكم فيهما بإلغاء الزيادة من تعيين السبب و الوجه الغير المطابقين للواقع دون العامد و يؤيده أيضا مفهوم قوله (عليه السلام) في رواية الزهري المتقدمة لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا و هو لا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بعد ذلك لأجزأ عنه و احتج المحقق (رحمه الله) على ما اختاره في المعتبر و قبله الشيخ بأن النية المشروطة حاصلة و هي نية القربة و ما زاد لغو لا عبرة به فكان الصوم حاصلا بشرطه فيجزي عنه و الجواب كما ذكره العلامة في المختلف عدم تسليم إلغاء الزيادة فإن جزئيات الكلي متضادة و إرادة أحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر أقول و هذا بخلاف ما لو لم ينو السبب

361

و اكتفى بنية القربة فإن المطلق ينصرف إلى المتعين بخلاف المعين الآخر المنافي له فما قواه أخيرا في المختلف من أن نية التعيين إنما يفتقر إليها للتمييز بين الفرض و غيره و هذا الزمان لا يصلح لأن يقع فيه الصوم إلا على وجه الفرض فلا يفتقر فيه إلى نية التعيين و يكفي فيه الإتيان بالمطلق و هو موجود في نية النفل و قضاء رمضان و غير ذلك من الوجوه التي يقع عليها الصوم و تلك الوجوه لا تأثير لها في هذا الصوم إذ لا يقع هذا الفعل عليها فيكون لاغية محل نظر و تأمل لا يخفى لما عرفت من أن المطلق بإطلاقه يمكن انصرافه إلى المتعين بخلاف المعين المشتمل على المنافي فوجوده في ضمنه غير نافع و عدم صلاحية الزمان شرعا لوقوع فعل لا يقتضي تبديل تعينه الحاصل بالنية بل الظاهر اقتضاؤه لفساده و هو مطلوب الخصم و قال خالي طاب ثراه احتج العلامة في المختلف على ما رجحه من عدم الإجزاء بالتنافي بين نية صوم رمضان و نية غيره و بأنه منهي عن نية غيره و النهي مفسد و بأن مطابقة النية للمنوي واجبة و فيه نظر أما الأول فلأن التنافي مسلم لكن لم لا يجوز أن يكفي في صحة صيام رمضان نية الامتثال مع التقرب و لا يعتبر فيها نية خصوصية كونه صوم رمضان لا بد لنفي ذلك من دليل و أما الثاني فلأن النهي متعلق بخصوصية كونه غير صوم رمضان و هي أمر خارجة عن حقيقة العبادة فلا يستلزم النهي عنها بطلان الصوم و أما الثالث فلأن وجوب مطابقة النية بجميع أجزائها و خصوصياتها للمنوي غير مسلم و إن أراد المطابقة في الجملة فهي حاصلة في موضع البحث انتهى أقول ما نقله لا يوافق كلام العلامة في المختلف كما يظهر لمن يراجعه ثم ما ذكره من الأنظار فغير ظاهر الورود أما الأول فلما عرفت من أن الإطلاق يكفي في صوم رمضان و لكن تعيين الغير مخل حيث سلم التنافي و يظهر أيضا من تتبع الشرع و العرف أ لا ترى أن من صلى أربع ركعات بنية العصر و إن كان في الوقت المختص بالظهر لا يقال له شرعا و لا عرفا أنه صلى الظهر مع كمال المطابقة بينهما في جميع الخصوصيات و الأفعال كيف و قد قال (عليه السلام) إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى و بالجملة جواز كفاية نية الإمساك مع التقرب في صحة صوم رمضان لا يقتضي جواز نية صوم آخر فيه و هذا هو موضع البحث و أما الثاني فلأن العبادة تابعه للنية لحصول تعينها بها ففساد النية يوجب فسادها و لو لم تؤثر الخصوصية الزائدة في النية في العبادة فلا وجه للنهي عنها كما لا يخفى و أما الثالث فلأن مطابقة النية للمنوي في جميع الخصوصيات و إن كان غير مسلم و لكن عدم المخالفة بما يوجب تغير حقيقة المنوي مما لا بد منه كما يظهر من دليل اعتبارهم للنية في جميع العبادات و كمال تشددهم في أمرها و خصوصياتها مع عدم ورودها في النصوص كذلك و هذا القدر يكفي فيما نحن فيه و بالجملة القول بصحة هذا الصوم في غاية الإشكال و الاحتياط اللازم في مثل هذا العبادات المهمة يقتضي الإتيان بالقضاء و الواجب الذي كان عليه إن كان ما نواه واجبا و ينسحبان أي القول بالبطلان و القول بتأدي الواجب في الزمان على التعيين في المعين غيره كاليوم المنذور صومه بخصوصه لو نوى فيه غيره من واجب أو نفل و القول بالمنع فيه أظهر على ما هو الأقوى عند المصنف من اشتراط تعيين سبب الصوم فيه و عدم كفاية الإطلاق لعروض تعينه كما سبق و لا يجزي عما نواه في الموضعين إجماعا لعدم صلاحيته الزمان لوقوع الغير فيه بأصل الشرع أو بالعارض و يتأدى قضاء رمضان بنية أدائه في الجاهل بالشهور لحبس أو أسر إذا تحرى أو اختار شهرا للصيام و اتفق ذلك بعد شهر رمضان و وجهه أن الثابت في ذمته حينئذ القضاء و قصده عن الأداء الذي نواه حقيقة براءة الذمة عن الصيام الذي تعلق بها وجوبه باعتبار شهر رمضان فيجزيه ما فعله عن القضاء و كان اللائق بهذه المسألة أن يذكر بعد مسألة وجوب التحري على الجاهل و لكن المصنف (رحمه الله) قدمها لمناسبتها لسياق المسائل السابقة و لو ظهر سبق صومه على رمضان لم يجزئ لأنه أتى به قبل وقته فلا يجزيه و لو كان ظهور ذلك قبل الشهر فيصومه عند حضوره لأنه مكلف بصيامه شرعا و لا مسقط له و لو كان بعد انقضاء الشهر فعليه قضاؤه لعدم إتيانه به في وقته و

حكم المعين كذلك لو توخاه عند الجهل ثم ظهر تأخره أو سبقه بتقريب ما سبق و يجب على هذا أي الجاهل بالشهور في كل سنة شهر بحسب ظنه و لو فقد الظن تخير لأنه مكلف بصيام شهر رمضان في عرض السنة فإن أمكنه تحصيل الظن به يجتهد و يبني عليه لتعذر اليقين و إلا فيأتي بالمكلف به بقدر الاستطاعة لاستحالة تكليف ما لا يطاق ثم إن استمر الاشتباه أو ظهر موافقته للشهر أجزأه لأنه أدى فرضه شرعا مع عدم ظهور المخالفة فيجب الحكم بالإجزاء و إن ظهر التقدم أو التأخر فقد سبق حكمها و الأحكام المذكورة في هذه المسائل مما اتفقت الفرقة عليه بل أكثرها قول عامة أهل العلم إلا الحسن بن صالح بن حي علي ما ذكره في المنتهى و الأصل فيها ما رواه الشيخ في التهذيب عن سعد بن عبد الله عن الحسن بن علي عن عبد الله بن المغيرة جد الحسن الذي يروي عنه عن عبيس بن هشام عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له رجل أسرته الروم و لم يصم شهر رمضان و لم يدر أي شهر هو قال يصوم شهرا يتوخاه و يحتسب به فإن كان الذي صامه قبل رمضان لم يجزه و إن كان بعد شهر رمضان أجزأه و ليس في سند هذه الرواية

362

شيء إلا الكلام الذي في مذهب أبان و قال صاحب المدارك بعد نقل الرواية و في طريق هذه الرواية عيسى بن هشام و هو مجهول لكن الصدوق فيمن لا يحضره الفقيه رواها بطريق صحيح عن أبان بن عثمان عن عبد بن الرحمن بن أبي العلاء و الظاهر أنه تحريف و أن الصواب عبد الرحمن بن أبي عبد الله فيكون الرواية صحيحة انتهى و أقول التحريف في نسخته في لفظ عيسى بن هشام و الصواب عبيس بن هاشم كما نقلناه عن النسخ الصحيحة و يدل عليه أيضا رواية عبد الله بن المغيرة عنه فإنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و الإقرار له بالفقه و تستبعد روايته عن عيسى بن هشام المجهول و قالوا فيه له كتاب يرويه محمد بن الحسين عنه و يجعله هلاليا إن أمكن له العلم بالأهلة و إلا عدديا ثلاثين يوما لأن الأصل عدم النقص فلو ظهر نقص الهلال من رمضان إن جعله هلاليا و ظهر تأخره عن الشهر قضى يوما إن كان ما اختاره غير شوال و ذي الحجة و إن كان أحدهما قضى يومين و يتحرى أيضا ناذر الدهر لو تحير في الشهور لحبس أو أسر فيحدث نية التعيين لرمضان و حكمه في جميع الصور كما سلف بتقريب ما سبق و لو قيده بالسفر و سافر لم يتحر في إفطاره أي إفطار شهر رمضان و لا إفطار العيدين لتيقن الوجوب بالنذر و الشك في المسقط من الشهر و العيد و لا ينقض اليقين بالشك أبدا و يمكن إجراء هذا الكلام في صيام شهر رمضان للحاضر الناذر للدهر مع تحيره و الحال أنه قد حكم فيه بوجوب إحداث نية التعيين لرمضان بالتحري و بناء الفرق على أنهم يقولون بوجوب الفطر في يوم العيد مع العلم بكونه عيدا و لا علم في الصورة المفروضة و يقولون بوجوب الإتيان بصيام شهر في عرض السنة على المكلف فيجب الإتيان به على المتحير الناذر المفروض و لكن لو تحرى شهرا بنية رمضان فلا يبعد القول بلحوق وجوب الفطر في اليوم الأول من الشهر الثاني كما يظهر من المسالك حيث قال و يلحقه حكم شهر رمضان من وجوب المتابعة و الكفارة في أقسام يوم منه تجب به و لحوق أحكام العيد بعده من الصلاة و الفطرة و قال في المدارك و للمناقشة في ذلك مجال لأصالة البراءة من جميع ذلك و اختصاص النص بالصوم و باعتبار قلة الحاجة إلى تلك المسألة لا اهتمام في البحث عن خصوصياتها و يجزي التحري بالمعنى الأعم في كل صوم متعين مع عروض الالتباس و عدم إمكان تحصيل العلم بالمعين و حكمه في جميع الصور كما سلف و لا تجب في النية المقارنة لطلوع الفجر كما تجب في العبادات الغير المنطبقة على الزمان لتعسرها في الزمانية كما عرفت مفصلا مع وجود النص الدال على خلافها في الصوم و إن كان جائزا إن أمكنت المقارنة و الكلام في إمكانها و إن أراد مجرد الفرض على ما يظهر من المنتهى فلا يشتمل على فائدة كما لا يخفى و لو لزم التأخر بجزء من النهار فالأحوط عدم الجواز كما عرفت وجهه و ظاهر كلام المفيد و الحسن منعه و قد نقلنا كلامهما سابقا فتذكر و كونه ظاهر كلامهما لا صريحه باعتبار احتمال أن يكون مرادهما بوجوب التقدم عدم جواز إحداثها في أثناء النهار و لم يتعرضا للمقارنة لبعدها و لا يخفى بعده

[الدرس السبعون من لا يجب عليهم الصيام]

درس لا يجب الصوم كسائر العبادات على الصبي و إن أطاق للإجماع و قوله (صلى الله عليه و آله) رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم و عن المجنون حتى يفيق و عن النائم حتى يستيقظ و في رواية عن أحمد بن حنبل غير معتمدة عندهم أنه يلزمه الصوم لقوله (صلى الله عليه و آله) إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان و الرواية مرسلة و يمكن حمل الوجوب فيها على التشدد في التمرين و كذا ما ورد في رواية إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال الصبي إذا أطاق أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان و قد وردت هذه الرواية في الكافي و التهذيب بإسناد مختلفة و تغيير في بعض الألفاظ و قال المحقق (رحمه الله) في المعتبر بعد نقل رواية أحمد بن حنبل و في رواية لنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الصبي إذا أطاق الصوم ثلاثة أيام وجب عليه صوم شهر رمضان و قد انفرد بها السكوني و لا عمل على ما ينفرد به نعم يمرن عليه لسبع و يشدد عليه لتسع التمرين تفعيل من المرانة و هي الصلابة و العادة يقال مرن بالفتح على الشيء يمرن مرونا و مرانة إذا تعوده و استمر عليه و يقال مرنت يده على العمل إذا صلبت و المراد هنا حمل الولي للصبي على الصوم ليعتاده و يصلب عليه فلا يجد فيه مشقة بعد البلوغ ثم إن الشيخ (رحمه الله) قال في النهاية يسقط فرض الصوم عمن ليس بكامل العقل من الصبيان و المجانين و غيرهما و يستحب أن يأخذ الصبيان بالصيام إذا أطاقوه أو بلغوا تسع سنين و إن لم يكن ذلك واجبا عليهم و التردد في قوله إذا أطاقوه أو بلغوا تسع سنين إشارة إلى إمكان جعل كل منهما مبدأ التمرين أو إلى تحديد الأولى بالثاني بحسب الغالب و في بعض النسخ الواو بدل أو و قال (رحمه الله) في المبسوط و يستحب أخذه بذلك إذا أطاقه و حد ذلك بتسع سنين فصاعدا و ذلك بحسب حاله في الطاقة و نقل عنه في المختلف سبع سنين بدل تسع و قال المفيد (رحمه الله) في المقنعة و يؤخذ الصبي بالصيام إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم بذلك جاءت الآثار و كأنه أراد (رحمه الله) بالأخذ التشدد في الأمر بالصوم سواء بلغ الوجوب المصطلح أم لا و أراد بالآثار الأخبار المتقدمة عن السكوني و قال ابن الجنيد يستحب أن يعود الصبيان و إن لم يطيقوا الصيام و يؤخذوا إذا أطاقوا صيام ثلاثة أيام تباعا و الظاهر أنه أراد بالتعويد الأمر بالصيام في بعض الأيام أو بعض النهار و بالأخذ الأمر بصيام الشهر كله كما قال ابنا بابويه يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر

363

ما يطيقه فإذا أطاق إلى الظهر أو بعده صام إلى ذلك الوقت فإذا غلب عليه الجوع و العطش أفطر و إذا صام ثلاثة أيام ولاء أخذ بصوم الشهر كله و قال المحقق (رحمه الله) في المعتبر و يؤخذ الصبي بالصوم إذا بلغ ست سنين و أطاق الصوم استحبابا و قال في الشرائع يمرن الصبي و الصبية على الصوم قبل البلوغ و يشدد عليهما لسبع مع الطاقة و قال في المسالك و المدارك يفهم من قوله و يشدد عليهما لسبع عليما أنهما يؤمران به قبل السبع من غير تشديد مع الطاقة أقول مفهوم كلامه إشارة إلى ما ذكره في المعتبر من الأخذ بالصوم إذا بلغ ست سنين كما نقلنا و قال العلامة (رحمه الله) في المختلف و الأقرب ما ذكره في المبسوط أي أنه يؤمر بالصيام إذا بلغ سبع سنين لنا أنه تمرين على العبادة و كان مستحبا للسبع مع الطاقة لأنه ادعى إلى فعل الطاعة مع البلوغ و يفيد النفس ملكة القبول للطاعات و أداء الواجبات و منعا لها عن الأخلاق الذميمة و يؤيده ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل فإذا غلبهم العطش و الغرث أفطروا حتى يتعودوا الصيام و يطيقوه فمروا صبيانكم إذا كانوا أبناء سبع سنين ما أطاقوا من صيام فإذا غلبهم العطش أفطروا أقول الغرث بالغين المعجمة و الثاء المثلثة الجوع و في أكثر نسخ الحديث بدل قوله إذا كانوا أبناء سبع سنين إذا كانوا بني تسع سنين و على هذا فتأييده لما اختاره في المختلف ضعيف جدا و قال صاحب المدارك المعتمد ما اختاره الشيخ في النهاية أي الأخذ بالصوم عند بلوغ التسع و استدل على ذلك بخبر الحلبي كما هو في أكثر النسخ و بما رواه في الفقيه مرسلا أنه قال الصادق (عليه السلام) الصبي يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيق فإن أطاق إلى الظهر أو بعده صام إلى ذلك الوقت فإن غلب عليه الجوع و العطش أفطر ثم قال و لا ينافي ذلك ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في كم يؤخذ الصبي بالصيام فقال ما بينه و بين خمس عشرة سنة أو أربع عشرة سنة فإن هو صام قبل ذلك فدعه و لقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته لأن أخذ الصبي بالصوم بين الأربع عشرة و الخمس عشرة لا ينافي استحباب أخذه قبل ذلك و ذكر الشارح أن مقتضى هذه الرواية عدم تحديد مبدأ وقت التمرين و هو غير جيد إذ لو كان كذلك لم يبق لقوله فإن هو صام قبل ذلك فدعه معنى و كذا قوله و لقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته انتهى أقول ما ذكره الشارح جيد و لا يرد عليه ما أورده لأن المراد بأخذ الصبي ما بينه و بين خمس عشرة و أربع عشرة أما الأخذ الوجوبي بناء على ما هو الغالب من ظهور أمارة البلوغ في عرض هذه المدة فيكون قوله (عليه السلام) فإن هو صام قبل ذلك فدعه إشارة إلى التمرين و لا تحديد له كما ذكره الشارح (رحمه الله) و أما الأخذ بعنوان تأكد الاستحباب فقوله فإن هو صام قبل ذلك فدعه للاستحباب المطلق و من البين أن النزاع في مبدأ وقت هذا الأخذ و لا تحديد له في هذا الخبر و لو قيل إن عدم التعرض للمبدإ لا يدل على عدم التحديد فمع كمال وهنه كلام آخر و لا ربط له بقوله إذ لو كان كذلك لم يبق لقوله إلى آخره و ذلك ظاهر جدا ثم أقول و في رواية سماعة قال سألته عن الصبي متى يصوم قال إذا قوي على الصيام و قال في المسالك هذه الرواية أيضا تدل على عدم التحديد و هو أيضا جيد و الذي يظهر من جملة هذه الأخبار و الأقوال أن مناط الأخذ الطاقة و العرض التمرين و التعويد و مختلف ذلك بحسب اختلاف الأشخاص و الأمزجة في القوة و الضعف و كذا بحسب مراتب الاستحباب في التأكد و عدمه و قد يستحب عند بلوغ السبع أو التسع أخذه بصوم بعض النهار لو أطاقه خاصة و أمثال هذه الاختلافات في الأمور المسنونة كثيرة جدا فلا تنافي بينها أصلا و الصبية في حكم الصبي على ما يظهر من أقوالهم و الظاهر من كلامهم استحباب التمرين و لا بعد في القول بوجوبه على الولي في الجملة و يكون صوما

شرعيا بمعنى استحقاق الثواب و دخوله في اسم الصائم اختلفوا في أن عبادة الصبي هل هي شرعية يستحق عليها الثواب و تدخل تحت الاسم شرعا أم لا بل هي لمجرد التمرين و محض الاعتياد من دون توجيه خطاب إليه و طلب منه فذهب الشيخ و جماعة منهم المصنف إلى الأول قال في صوم المبسوط و الصبي إذا نوى صح ذلك منه و كان صوما شرعيا و قال المحقق في الشرائع نية الصبي المميز صحيحة و صومه شرعي و قال في المعتبر و يصح من الصبي المميز لقوله (عليهم السلام) مروهم بالصلاة لسبع و لا يجب لقوله (عليه السلام) رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ و قال فيه ثانيا في بيان أنه لو بلغ بعد الفجر لا يجب عليه الصوم و يستحب له الإمساك لنا أن الصبي ليس من أهل الخطاب فلا يتناوله الإمساك وجوبا و أما الاستحباب فلأنه تمرين على الصوم و ليس بتكليف يتوقف على توجه الخطاب و إذا لم يصح خطابه في بعض النهار لم يصح في باقيه لأن صومه بعض اليوم لا يصح و كذا البحث في المجنون و الكافر و هذا القول منه يشعر بعدم الشرعية و لكن يمكن توجيهه على وجه تتطابق عليه كلماته كما لا يخفى و ذهب العلامة و جماعة منهم الشهيد الثاني إلى الثاني قال في المختلف بعد نقل قول الشيخ و عندي في ذلك إشكال و الأقرب أنه على سبيل التمرين و أما أنه تكليف مندوب إليه فالأقرب المنع و قال في المسالك أما صحة نيته و صومه فلا إشكال فيها لأنها من باب خطاب الوضع و هو غير متوقف على التكليف و أما كون صومه شرعيا ففيه نظر لاختصاص خطاب الشرع بالمكلفين و الا صح أنه تمريني لا شرعي حجة قول الشيخ أن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء بمعنى أن الظاهر من حال الأمر كونه مريدا لذلك الشيء و أن ما ورد في تضاعيف الأخبار من دفع البلاء و تخفيف العذاب بعبادة الصبي و قرائته يؤذن بترتب الأجر و الثواب عليها و أن إتيان شخص كامل العقل كبعض الصبيان بفعل حسن يعرف حسنه و يفعله لوجه الله تعالى من دون أن يستحق عليه الأجر و الثواب غير معقول و يمكن القدح في الأول بمنع كونه من باب الأمر بالأمر بالشيء بل هو من قبيل الأمر بتعليم الحيوان و تربيته و حفظه ثم بمنع تلك المقدمة و في الثاني بأنه لأجر من أدبه و رباه أو بمحض التفضل لعظمة اسمه و بركة التوجه نحو جنابه و في الثالث بالنقض باستحقاق العقاب و بأن شرط الاستحقاق التكليف و توجه الخطاب و بانتفاء الشرط ينتفي المشروط حجة قول العلامة (رحمه الله) إن التكليف مشروط شرعا بالبلوغ كما يظهر من خبر رفع القلم و غيره و مع انتفاء الشرط ينتفي المشروط و تخصيصه بالتكليف بالواجب و المحرم لا وجه له بالنظر إلى ظاهر الخبر فما قاله في المدارك من أن الشرع إنما اقتضى توقف التكليف بالواجب و المحرم على البلوغ بحديث رفع القلم و نحوه غير جيد ثم إن إشكال المسألة قوي و فائدتها نادرة لأن الثواب أمر مخزون في علم الله و يظهر في الآخرة إن شاء الله تعالى بمزيد فضله و شمول إحسانه و لا ريب في ظهور بركة امتثالهم للأوامر و اجتنابهم عن النواهي في العاجل و لا اهتمام للفقيه بالبحث عن ذلك و الاختلاف فيه نعم ربما تظهر فائدة الخلاف في إتيانه بالعبادة نيابة عن أبيه بعد موته فعلى القول بالشرعية لا يلزم عليه الإتيان بما فعله حالة الصغر ثانيا عند البلوغ و الظاهر على القولين عدم جواز إجارته للعبادة لتوقفها على النية التي لا تعرف إلا من قبل الفاعل و لا يمكن التعويل شرعا على قول الصبي و كذا في جواز صلوته بعد البلوغ بالوضوء الذي فعله و في مجيء الخلاف في وجوب إتمام صومه لو نواه أول النهار و بلغ بعد الزوال كما سيأتي قيل و تظهر الفائدة في استحقاق ما لو نذر أو وقف أو أوصى للصائمين مثلا و لا يخلو عن إشكال لما عرفت آنفا من توقف العبادة على النية و عدم إمكان التعويل فيها على قول الصبي إلا أن يأخذ نصيبه بعد البلوغ و اعلم أن معنى الصحة في العبادة ليس إلا مطابقة الأمر أو سقوط القضاء فيترتب الحكم بصحة عبادة الصبي على شرعيتها و لكن الشهيد في المسالك و الروضة حكم بالصحة دون الشرعية كما عرفت و كأنه (رحمه الله) جعلها بمعنى مطابقة الأمر الذي توجه نحو الولي أو المكلفين أو بمعنى ترتب الأثر كما في المعاملة و الأثر هنا خروج

الولي عن العهدة مثلا و الظاهر أن وصفها بالصحة الكذائية مجرد اصطلاح لا يترتب عليه فائدة شرعية مع أن عبارته في الروضة تشعر بأنها مسألة خلافية و قال صاحب المدارك بعد نقل كلام المسالك و هو غير جيد لأن الصحة و البطلان اللذين هما موافقة الأمر و مخالفته لا يحتاج إلى توقيف من الشارع بل يعرف بمجرد العقل ككونه مؤديا للصلاة و تاركا لها فلا يكون من حكم الشرع في شيء بل هو عقلي مجرد كما صرح به ابن الحاجب و غيره انتهى و أنت خبير بأن بناء كلامه في الحكم بأن الصحة من خطاب الوضع على ما هو المشهور و محل البحث عن هذه المسألة علم الأصول و عدم كونها من باب خطاب الوضع بل عقلية صرفة لا يضر بما هو غرضه ههنا بل يؤكده مع أن الأمر في الصحة بمعنى سقوط القضاء على ما ذكره أي من باب خطاب الوضع و ليس بمجرد العقل فلا وجه للإعراض عن البحث عن تصحيح الصحة و بيان فائدتها و التعرض لهذا الإيراد الذي لا وقع له أصلا

364

و لو أطاق بعض النهار خاصة بعد بلوغ حد التمرين فعل كما مر في حسنة الحلبي و غيرها و قيل إنما يؤمر إذا أطاق ثلاثة أيام تباعا الظاهر أن القائل المفيد (رحمه الله) و قد مر شرح قوله مفصلا و لو بلغ في أثناء النهار أمسك مستحبا إن كان لم يتناول ليكون صوما مندوبا و قد مر أن وقت نية النفل يمتد بامتداد النهار فيكفيه النية عند البلوغ إن لم يكن نوى من أول النهار و أما عدم الوجوب فلأن الصوم عبادة لا تقبل التجزئة و هو في أول النهار لم يكن مكلفا به فلا يقع التكليف به في باقيه و في الخلاف يجب قال في الخلاف الصبي إذا بلغ و الكافر إذا أسلم و المريض إذا برأ و قد أفطروا أول النهار أمسكوا بقية النهار تأديبا و لا يجب ذلك بحال فإن كان الصبي نوى الصوم من أوله وجب عليه الإمساك و إن كان المريض نوى ذلك لم يصح لأن صوم المريض لا يصح عندنا و كلامه كما ترى أخص مما نقله المصنف و لعل دليله ما قاله في المختلف من أنه بالغ مكلف يصح منه الصوم و قد انعقد صومه شرعا في أول النهار فيجب عليه إتمامه و هذا بخلاف المريض إذ لا يصح منه الصوم في أول النهار وقت مرضه و لا يمكن الحكم شرعا بانعقاد صومه و أجاب عنه في المختلف بمنع شرعية صوم الصبي و انعقاده أقول و على القول بشرعية عبادة الصبي كما هو رأي الشيخ و المصنف يمكن القدح فيه بأن البلوغ لا يقتضي التكليف بالصوم في أثناء النهار لما عرفت من عدم قبوله للتجزية و لا مدخل لانعقاده ندبا في وجوبه و هو ظاهر ثم إن ظاهر كلامه في المبسوط أن الصبي كالكافر إذا زال عذره بعد الفجر و قبل الزوال و لم يتناول شيئا يجدد نية الصوم وجوبا و قال المحقق في المعتبر و هو قوي لأن الصوم ممكن في حقهما و وقت النية باق لا يقال لم يكن الصبي مخاطبا

365

لأنا نقول لكنه صار الآن مخاطبا و لو قيل لا يجب صوم بعض اليوم قلنا متى إذا تمكن من نية يسري حكمها إلى أول النهار أو إذا لم يتمكن و هاهنا هو متمكن من نية يسري حكمها إلى أوله و كذا البحث في المغمى عليه انتهى و حكم صاحب المدارك بعد نقل هذا الكلام بظهور قوته و الظاهر أنه لا يخلو عن شيء لأن الأصل براءة الذمة و عدم تبعيض الصوم معلوم من الشرع و الحكم بسريان النية و وجوب الصوم عند زوال بعض الأعذار قبل الزوال كالسفر و المرض و النسيان بدليل يفيد ذلك فيها بخصوصها كالإجماع و الأخبار لا يقتضي عموم الحكم و كليته مع ظهور اختلاف حال الأعذار بحسب الشرع ألا ترى أن حكم الحيض و النفاس بخلاف هذا و صحيحة العيص كما سيأتي و بما تؤيد خلافه في الكافر و الصبي غير صالح للتكليف شرعا بخلاف المسافر و المريض و حكم في المسالك على وفق المحقق في الشرائع بأظهرية عدم وجوب الصوم على الصبي لو كمل بعد طلوع الفجر و تأديبا إن تناول عطف على قوله مستحبا و هذا أيضا مستحب مشروط بالنية حتى يستحق عليه الثواب و لكنه ليس بصوم و أما استحبابه فلحرمة الزمان و ليأمن تهمة من يراه و ليتشبه بالصائمين و ربما أمكن استفادته من الأخبار الواردة في إمساك بقية اليوم في نظائره من أولى الأعذار عند زوال عذرهم و المعتمد وفاقهم كما قيل على استحباب الإمساك في سبعة مواطن هذا أحدها كما سيأتي و لو شك في البلوغ فلا وجوب للأصل و الاستصحاب و لو ظن أنه يمني بالجماع لم يجب التعرض له لعدم ظهور أمارة البلوغ الذي هو مناط الوجوب بعد و لو وجد على ثوبه المختص منيا فالأقرب البلوغ مع إمكانه لحصول الظن المتاخم للعمل بأنه منه بسبب الاختصاص و يكفي في الحكم بأمثال هذه الأمور شرعا مثل هذا الظن و البلوغ بخروج المني مذهب علماء الإسلام كافة كما قاله في التذكرة و اعتبار مكان كونه منه عادة بحسب سنه و حاله لئلا يعارض التعذر العادي لهذا الظن فيخرجه عن حد القوة و الغلبة قال في المدارك و لو وجد على ثوبه المختص به منيا حكم ببلوغه إذا علم انتفائه عن غيره و اكتفى الشهيد في الدروس في تحقق بلوغه بإمكان كونه منه و أقول ليس معنى كلام المصنف ما فهمه كما ترى و لو كان مشتركا فلا لعدم حصول الظن بأنه منه باعتبار الاشتراك و لو اشترك بين صبيين فأحدهما بالغ فالأولى تعبدهما لحصول الظن القوي ببلوغ أحدهما و لا يمكن الحكم به على واحد بخصوصه فالاحتياط في تعبدهما و لا يجب على المجنون و لو كان جنونه في بعض النهار أداء و قضاء على المشهور لأنه ليس محلا للتكليف و لا متوجها نحوه الخطاب لزوال عقله فلا يجب عليه الأداء و لا القضاء و حديث رفع القلم و لأن القضاء بأمر جديد و لم يثبت في حقه و حكم بعض اليوم كالكل لأن الصوم لا يبعض و ظاهر كلام الشيخ في الخلاف أن المجنون إذا أفاق في أثناء النهار نوى و صح صومه و لا قضاء عليه و لو نوى ليلا و أصبح مجنونا حتى ذهب اليوم صح صومه و قال في المبسوط إن أصبح صائما ثم جن في بقية يومه أو أغمي فالحكم فيه سواء في أن صومه صحيح و حكم في المدارك بأن قول الشيخ بصحة صوم المجنون مع سبق النية لا يخلو عن قرب و الظاهر بعده كما ترى و يسقط بعروضه و إن كان بسبب المكلف لخروجه به عن حد التكليف كما عرفت و هذا مع عدم علمه بالسببية أو عدم عود عقله و أما مع العلم و الإفاقة فسقوط القضاء لا يخلو عن إشكال لما سيأتي من أنه لو أغمي عليه بفعله قضى كالسكران و الفرق بين الإغماء و الجنون في هذا الحكم غير ظاهر و لو قيل إن الإغماء مرض و لهذا يلحق الأنبياء فيصح تكليف المغمى عليه بالقضاء بخلاف الجنون فإنه يزيل العقل و التكليف بالمرة قلنا لا ريب في إزالة الإغماء كالجنون للفهم الذي هو مناط التكليف فلو صح تكليف المغمى عليه باعتبار أن الإزالة نفعله أو باعتبار أن التكليف بالقضاء حقيقة عند الإفاقة و الفهم صح أيضا تكليف المجنون به و دليل وجوب القضاء كما قال في المنتهى من أن الإخلال بسببه فلا يكون معذورا به الاختصاص له بالمغمى عليه و نظير حديث رفع القلم الدال على سقوط القضاء عن المجنون وارد في المغمى عليه أيضا كما سيأتي قال الشيخ في المبسوط و إن كان جنى جناية زال

معها عقله على وجه لا يعود بأن يصير مجنونا مطبقا فإنه لا يلزم قضاء ما يفوته في تلك الأحوال و ظاهره اعتبار عدم عود العقل في سقوط القضاء كما قلنا و قال الشهيد الثاني في شرح الإرشاد في بحث سقوط القضاء عن المجنون و يجب تقييده بكون سبب الجنون ليس من فعله و إلا وجب عليه القضاء كالسكران و لا تمرين في حقه قال العلامة في المنتهى و لا يؤمر بالصوم كما يؤمر الصبي به بلا خلاف لأنه غير مميّز بخلاف الصبي فإنه مميّز و قال الشهيد الثاني (رحمه الله) بعد نقل هذا التعليل في الروضة و يشكل ذلك في بعض المجانين لوجود التميز فيهم أقول الحكم باستحباب التمرين يفتقر إلى الدليل و مشاركته للصبي في العلة لا يقاوم دعوى الوفاق الذي يظهر من كلام المنتهى على عدمه و لا على المغمى عليه المشهور عدم صحة صوم المغمى عليه و لو في بعض اليوم و عدم وجوب القضاء عليه كما عرفت في المجنون و ربما نسب إلى المفيد (رحمه الله) في المقنعة القول بصحة صوم المغمى عليه مع سبق النية و لا يظهر من كلامه أزيد من أنه بحكم الصائم في سقوط القضاء لو نوى و أما لو لم تسبق منه النية فعليه القضاء و هذا كلامه إذا أغمي على المكلف للصيام قبل استهلال الشهر و مضى عليه أيام ثم أفاق كان عليه قضاء ما فاته من الأيام فإن استهل الشهر عليه و هو يعقل فنوى صيامه و عزم عليه ثم أغمي عليه و قد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه لأنه في حكم الصائم بالنية و العزيمة على أداء

366

فرض الصيام انتهى و حكمه بسقوط القضاء عنه مع النية في محله و إنما الكلام معه في الحكم بالقضاء مع عدمها و لعل نظره (رحمه الله) إلى الجمع بين الأخبار الدال بعضها على سقوط القضاء و بعضها على عدم سقوطه و كلام الشيخ في المبسوط و الخلاف ظاهر في الحكم بالصحة مع سبق النية و نقله في المختلف عن السيد المرتضى و سلار و ابن البراج و احتج في المنتهى على عدم الصحة بأنه بزوال عقله يسقط التكليف عنه وجوبا و ندبا فلا يصح منه الصوم مع سقوطه و قال في المدارك يتوجه عليه المنع من الملازمة فإن النائم غير مكلف قطعا مع أن صومه لا يفسد بذلك إجماعا أقول و يظهر من تتمة كلامه في المنتهى هذا لا يراد مع جوابه حيث قال احتج أبو حنيفة بأن النية قد صحت و زال الشعور بعد ذلك لا يمنع من صحة الصوم كالنوم و الجواب الفرق فإن النوم جبلة و عادة و لا يزيل العقل و لهذا متى نبه تنبه و الإغماء عارض يزيل العقل فأشبه الجنون فكان حكمه حكمه انتهى و بسط في المسالك القول في بيان الفرق بين النائم و المغمى عليه ثم قال في جواب ما قيل من عدم شرعيّته صوم النّائم لأنه غافل و يستحيل تكليف الغافل فصومه غير مكلف به فلا يكون شرعيا و لا صحيحا حقيقة قلنا تكليف النائم و الغافل و غيرهما ممن يفقد شروط التكليف قد ينظر فيه من حيث الابتداء به بمعنى توجه الخطاب إلى المكلف بالفعل و أمره بإيقاعه على الوجه المأمور به بعد الخطاب و قد ينظر فيه من حيث الاستدامة بمعنى أنه لو شرع في الفعل قبل النوم و الغفلة و غيرهما ثم عرض له ذلك في الأثناء و القسم الأول لا إشكال في امتناع التكليف به عند المانع من تكليف ما لا يطاق من غير فرق بين أنواع الغفلة و هذا هو المعنى الذي أطلق الأكثر من الأصوليين و غيرهم امتناعه كما يرشد إلى ذلك دليلهم عليه و إن أطلقوا الكلام فيه لأنهم احتجوا عليه بأن الإتيان بالفعل المعين لغرض امتثال الأمر يقتضي العلم به المستلزم للعلم بتوجه الأمر نحوه فإن هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة في كثير من الموارد إجماعا إذ لا يتوقف صحتها على توجه الذهن إليها فضلا عن إيقاعها على الوجه المطلوب كما سنبيّنه و أمّا الثاني فالعارض قد يكون مخرجا عن أهليّة الخطاب و التهيّؤ له أصلا كالجنون و الإغماء على أصحّ القولين و هذا يمنع استدامة التكليف كما يمنع ابتدائه و قد لا يخرج عن ذلك كالنّوم و السّهو و النسيان مع بقاء العقل و هذه المعاني و إن منعت من ابتداء التكليف بالفعل لكن لا يمنع من استدامته إذا وقع على وجهه و قال صاحب المدارك بعد نقل هذا القول هذا كلامه و هو غير جيّد فإن كلام الأصوليين مطلق في امتناع تكليف الغافل و كذا الدليل الذي عولت عليه الإماميّة في امتناع ذلك من كونه قبيحا عقلا لجريانه مجرى تكليف البهائم و الجمادات صريح في سقوط التكاليف كلها عنه و كذا حديث رفع القلم و بالجملة فالمستفاد من الأدلّة العقلية و النقلية عدم تكليف الغافل بوجه و أنه لا فرق بين المجنون و المغمى عليه و النّائم في ذلك لاشتراك الجميع في تحقق الغفلة المقتضية لقبح التكليف معها سواء في ذلك الابتداء و الاستدامة على أن اللازم من كون النائم مكلّفا بالاستدامة كونه آثما بالإخلال بها و هو باطل ضرورة و كيف كان فلا ضرورة إلى ما ارتكبه الشارح من التكليف في هذا المقام بعد ثبوت عدم منافاة النوم للصوم بالنّص و الإجماع انتهى أقول بناء إيراده ليس إلا على الغفلة عن الفرق بين ابتداء التكليف و استدامته على الوجه الذي قرره (رحمه الله) و أوضحه غاية الوضوح لأن الأدلة العقلية و النقلية إنّما تدل على امتناع الابتداء لا لاستدامة و الاستمرار بالمعنى الّذي ذكره إذ لا يرجع حاصله إلا إلى بقاء طلب الفعل الذي أمر المكلّف به بعد تفهيمه إيّاه و شروعه في حال التذكر بالقصد و العزم المعتبر فيه ببقاء صدوره عنه بهذا العزم و لو حكما أي من دون تجدد عزم له ينافيه أو زوال العقل بالكلّية بحيث يستلزم زوال حكم هذا العزم و لا إباء للعقل و لا الشرع عن ذلك أصلا و كيف يمكن القول بإتيان المكلف بالفعل المكلف به و قبول المكلف ذلك منه و مجازاته له عليه بالأجر و الثواب مع عدم مطلوبية الفعل رأسا و سقوط التكليف عنه و رفعه بالكلّية بل مع امتناع بقائه كما ادعاه و لو كان الأمر

على ما ذكره للزم فساد أكثر عبادات المكلّفين و عدم شرعيتها لظهور ندور صدور عمل عن مكلف يقارن التذكر من البداية إلى النهاية و ما ذكره في العلاوة فمع أن ظاهر عبارته توهم الخلط بين استدامة التكليف و التكليف بالاستدامة يرد عليه أن الإثم إنّما يكون بسبب الإخلال العمدي و لا يتصور ذلك من النائم و السّاهي و قوله و كيف كان فلا ضرورة إلى ما ارتكبه الشارح غير مستقيم لأن عدم منافاة النّوم للصوم بالنّص و الإجماع لا يفيد في حل دليل الخصم على عدم شرعيّة صوم النائم و عدم إمكان وصفه بالصّحة و لا يبطل تأويله للنّص و الإجماع بأن المراد أنه في حكم الصحيح و ذلك ظاهر جدّا و إن تذكرت ما حققناه لك سابقا في مسألة استمرار حكم النيّة ينفعك في هذا المقام ثم اعلم أنّ القول بصحة صوم المغمى عليه مع سبق النية و القول بفاسده مع عدم وجوب القضاء متقاربان و إنّما تظهر الفائدة فيما لو زال الإغماء في أثناء النهار فيجب عليه الإمساك على القول الأول و يستحب على الثاني فالعمدة في هذه المسألة البحث عن وجوب القضاء و عدمه مع عدم سبق النّية أو المداواة بالمفطر و لا يقضي لسبق النّية و إفطاره و مداواته بالمفطر لما عرفت من سقوط التّكليف عنه أداء و قضاء كالمجنون فلا يلزم من إفطاره مع سبق النّية وجوب القضاء و تدل أيضا على سقوط القضاء صحيحة أيوب بن

367

نوح قال كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسئله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته أم لا فكتب لا يقضي الصوم و لا يقضي الصلاة و صحيحة علي بن مهزيار قال سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته من الصّلاة أم لا فكتب لا يقضي الصوم و لا يقضي الصلاة و رواية علي بن محمّد القاساني قال كتبت إليه و أنا بالمدينة أسئله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته فكتب (عليه السلام) لا يقضي الصّوم و حسنة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال كلما غلب اللّٰه عليه فليس على صاحبه شيء لا يقال المغمى عليه مريض فيجب عليه القضاء للآية الكريمة و أيضا الأخبار واردة في وجوب قضاء الصّلاة عليه و لا قائل بالفرق مع أن ما ذكرتم من الأخبار تشتمل على سقوط قضاء الصّلاة فيضعف العمل بها لأنا نجيب عن الأول بمنع كونه مريضا مطلقا و على تقدير التسليم نقول بتخصيص حكم الآية بالأخبار و عن الثاني بحمل الأخبار الدالة على قضاء الصّلاة على الاستحباب للجمع كما قاله الشيخ (رحمه الله) في التهذيب و استشهد على ذلك بأخبار تدل عليه و أمر الاحتياط واضح خلافا للمبسوط حيث قال فيه إذا دخل عليه شهر رمضان و هو مغمى عليه أو مجنون أو نائم و بقي كذلك يوما أو أياما كثيرة أفاق في بعضها أو لم يفق لم يلزمه قضاء شيء ممّا مر به إلا ما أفطر فيه أو طرح في حلقه على وجه المداواة له فإنه يلزم حينئذ القضاء لأن ذلك لمصلحته و منفعته و أنت خبير بأن كون المداواة للمصلحة لا يقتضي الحكم بلزوم القضاء بعد ما عرفت أدلة سقوط عنه و ما نقله المصنف (رحمه الله) أوفق لكلام المبسوط ممّا نقله صاحب المدارك من القول بسقوطه عن المغمى عليه مطلقا و كلامه ثانيا في بيان حكم المغمى عليه و إن كان يشعر بما نقله لكنه مخصوص بعزمه على الصوم قبل الإغماء و إن كان قبل دخول الشهر كما صرّح به و بعدم الإفطار بقرينة هذا الكلام و قال المفيد يقضي ما لم ينو قبل الإغماء فيجزي قد عرفت شرح كلامه مفصلا و لا يصحّ من السّكران لفساد عقله و من شروط الصحّة كمال العقل و إن وجب عليه فيترتب العقاب على هذا الإفساد و يجب الإمساك عليه و لو أفاق في أثناء النّهار و يلزمه القضاء مطلقا و هذا بناء على ما هو الغالب في السكران من فعله للسبب عالما أمّا لو وجر المسكر في حلقه بالإكراه أو تناول شيئا و لم يعلم به فأداه التناول إلى السكر فليس عليه شيء كما سيأتي لما عرفت في المغمى عليه و النّائم بحكم الصائم اليقظان في وصف صومه بالصّحة شرعا مع سبق النية و إن استمر نومه إلى الليل و الظاهر وفاق العامة و الخاصة على عدم إبطال النوم للصوم و عدم منعه عنه و روي عن النّبيّ صلى الله و آله الصّائم في عبادة و إن كان نائما على فراشه ما لم يغتب مسلما و عن الصّادق (عليه السلام) نوم الصائم عبادة و صمته تسبيح و عمله متقبل و دعاؤه مستجاب و عن الكاظم (عليه السلام) قبلوا فإن الله تبارك و تعالى يطعم الصائم و يسقيه في منامه إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة و نقل عن إدريس أن النائم غير مكلف بالصوم و ليس صومه شرعيا و لكن الظاهر أنه يقول باستحقاق الثواب و عدم وجوب القضاء للاتفاق و قد مرّ الكلام في ذلك مفصلا أو انتباهه قبل الزوال و تجديدها لما مر سابقا في بحث وقت النّيّة فأما لو لم تسبق منه النّيّة و لم ينتبه قبل الزّوال أو لم يجددها فعليه القضاء لفوات وقت النية و فوات الصوم بفواتها و لو نام أياما قضى ما لم ينو له فلو لم ينو أصلا قضى الجميع و لو نوى فغير اليوم الأول و في المبسوط يصح كلّها مع سبق النّيّة بناء على إجزاء النية للأيام قال (رحمه الله) فيه و من بقي نائما قبل دخول الشهر أو بعده أياما و قد سبقت منه نية القربة فلا قضاء عليه و قد مر أن الأجود عند المصنف تعدّد النّيّة بتعدّد الأيّام فلا يصحّ الا اليوم الأول و الكافر يجب عليه الصوم لاتفاقهم على أنه مكلف بالفروع و معاقب على تركها و لا يصحّ منه لاشتراطه بنية القربة و لا تتمشى منه و إن كان كفره بغير جحد الإلهية لأن المعتبر من القربة في العبادة المحضة كالصلاة و الصوم ترتب أثرها من الثواب

لا محض طلبها بالاتفاق و إنما الخلاف في عتقه و صدقته و وقفه باعتبار أن الغرض منها نفع الغير فجانب المالية فيها أغلب من جانب العبادة و يمكن الاكتفاء فيها بمحض طلب القربة باعتبار النّصوص الدالة على اعتبار القربة فيها إلا ما أدرك فجره مسلما لارتفاع المانع في تمام وقت العبادة حينئذ و في المبسوط لو أسلم قبل الزوال أمسك وجوبا و كان صوما صحيحا و قد مر وجهه سابقا مع ما فيه و رواية العيص بن القاسم في الصحيح تدفعه قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيام هل عليهم أن يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه قال ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر لا يقال لعل قوله أو يومهم الذي أسلموا فيه عطف على قوله ما مضى فالسؤال عن قضاء اليوم الذي أسلموا فيه باعتبار كفرهم في جزء منه لعدم تعرضه لذكر شيء آخر من منافيات الصوم و الجواب عدم وجوب القضاء عليهم بهذا الاعتبار و لا ينافي ذلك وجوب صومه عليهم إذا كان إسلامهم قبل الزوال كما هو رأي الشيخ لأنا نقول كما له بعد هذا المعنى عن قوله (عليه السلام) في الجواب ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه غير خفي و مع ذلك فلا يرتبط الاستثناء بسابقه و لو ارتد المسلم في الأثناء فالوجه فساد الصوم و إن عاد خلافا للمبسوط و المعتبر قال في المبسوط أما المرتد عن الإسلام إذا رجع فإنه يلزم قضاء الصوم و جميع ما فاته من العبادات في حال ارتداده لأنه كان بحكم الإسلام لالتزامه له أولا فلأجل ذلك وجب عليه القضاء فأما إن ارتد ثم عاد إلى الإسلام قبل أن يفعل ما يفطره فلا يبطل صومه بالارتداد لأنه لا دليل عليه و قال في المعتبر

368

لو عقد الصوم مسلما ثم ارتد ثم عاد لم يفسد صومه و قد مر البحث عن تلك المسألة سابقا و المصنف (رحمه الله) نسب القول بالإجزاء في السابق إلى الشهرة و جعل الوجه الفساد كما حكم هنا و لا وجه لإعادته و لا يجب الصوم إلا ما يستثني على المسافر حيث يجب عليه القصر أمّا لو تخير في القصر ففي الأماكن الأربعة لا يجوز له الصوم لاختصاص الأخبار بجواز إتمام الصلاة فيها للمسافر فالأدلة المتضمّنة لوجوب الإفطار عليه سالمة عن المعارض و في قاصد أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع ليومه فبين القائلين بتخييره في قصر الصلاة في صومه خلاف قال الشيخ في النهاية و المبسوط لم يجز له الإفطار و هو مخيّر في التّقصير في الصلاة و كان نظره إلى اختصاص الأخبار بقصر الصّلاة و قال المفيد يتخير فيهما و يحتمل أن يكون مستنده الأخبار الواردة في قصر الصّلاة مع الأخبار الدّالة على التلازم بين القصر و الإفطار كقول الصّادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب هما واحد إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت و لو أراد الرجوع من يومه فقال في المختلف قصر في الصّلاة و الصوم إجماعا و نقل في المنتهى عن الشيخ قولا بالتخيير و لا يصحّ منه صوم رمضان للآية و الأخبار و الإجماع منا و أكثر العامّة على الصحة و اختلفوا في الأفضليّة و مستندهم رواية عائشة أن النّبي (صلى الله عليه و آله) قال لحمزة الأسلمي و قد سأله عن الصوم في السفر إن شئت صم و إن شئت فأفطر و رواية أنس قال سافرنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فصام بعضنا و أفطر بعضنا فلم يعب الصائم على المفطر و لا المفطر على الصّائم و تحملا على صوم الندب على تقدير صحتهما و إن نذره لفساد النذر بفساد متعلّقه و لو صام رمضان ندبا أو كان عليه صوم شهر مقيد بالسفر فصامه عنه فظاهر الشيخ الجواز و منعه الفاضلان قال في المبسوط إذا كان مسافرا سفرا يوجب التقصير فإن صام بنية رمضان لم يجزه و إن صام بنيته التطوّع كان جائزا و إن كان عليه صوم نذر معين و وافق ذلك شهر رمضان فصام عن النذر و هو حاضر وقع عن رمضان و لا يلزمه القضاء لمكان النذر و إن كان مسافرا وقع عن النذر و كان عليه القضاء لرمضان ثم حكم بمثل ذلك على من أوقع صوم واجب آخر كان عليه غير النذر في رمضان ثم قال و على الرواية التي رويت أنه لا يصام في السفر واجب لا يصح هذا الصوم بحال أقول بناء ما ذكره من أنه إذا صام عن النذر و هو حاضر وقع عن رمضان على ما مر من تأدى رمضان بنية غير فرضا أو نفلا و قال العلامة في المختلف بعد نقل كلام الشيخ و الأقرب أن صومه نفلا أو عن نذر مقيد بالسفر باطل لنا قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ و إيجاب العدة يستلزم إيجاب الإفطار و قوله (عليه السلام) ليس من البر الصيام في السفر أقول فرض النذر مقيدا بالسفر لاعتقاده أنه لو لم يقيد يختص بالحضر لا يقال يتوجه على احتجاجه بالآية إن إيجاب العدة يستلزم عدم صحته صوم رمضان في السفر لا إيجاب الإفطار و على احتجاجه بالرواية و قد احتج بها المحقق (رحمه الله) أيضا في المعتبر أن بناء كلام الشيخ على جواز التعبد بالصوم الواجب لا بالأصالة و الصوم المندوب في حال السفر و على هذا فيختص الرواية بصوم رمضان فلا تدل على خلاف مطلوب الشيخ لأنا نجيب عن الأول بأن الله تعالى أمر من شهد الشهر من المكلفين بصومه من غير اعتبار قيد أو خصوصية في هذا الصوم ثم أوجب العدة على المعذور بالمرض أو السفر فعلم منه ظاهرا أنه لا يجوز للمريض و المسافر الصوم مطلقا في هذا الشهر خصوصا بقرينة ملاحظة حال المريض و حكمه و قد اعترف الشيخ (رحمه الله) أيضا بذلك في التهذيب حيث قال و متى خرج على ما ذكرناه من وجوه السفر وجب عليه الإفطار يدل على ذلك قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ فالواجب بظاهر اللفظ الصيام لمن شهد و فرض بصريحة القضاء على من يكون مريضا أو مسافرا فلو لا أن الإفطار واجب لما وجب عليه عدة من أيام أخر ثم استدل بأخبار تدل على ذلك كرواية عبيد بن زرارة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز و جل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قال

ما أبينها من شهد فليصمه و من سافر فلا يصمه و رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إن الله تصدق على مرضى أمتي و مسافريها بالتقصير و الإفطار أ يسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه و رواية يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر ثم قال إن رجلا أتى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال يا رسول الله أصوم شهر رمضان في السفر فقال لا فقال يا رسول الله إنه علي يسير فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إن الله تصدق على مرضى أمتي و مسافريها بالإفطار في شهر رمضان أ تعجب أحدكم أن لو تصدق بصدقة أن ترد عليه و نجيب عن الثاني بأن المفروض أصل جواز التعبد بالصوم الغير الواجب بالأصالة مجملا في حال السفر لا إيقاعه في خصوص شهر رمضان فيبقى تحت عموم المنع المستفاد من هذا الخبر حتى يظهر خلافه و لا يلزم من مجرد تطرق التخصيص إلى الخبر تخصيصه بمحض صوم رمضان و الحاصل أن العبادة وظيفة متلقاة من الشارع فيتوقف على النقل و قد ورد هذا المنع المستفيض الذي يخصص العمومات الواردة في التعبد بالصيام بغير حال السفر و ليس بعد ذلك في الآثار ما يدل على جواز التعبد بالصوم الغير الواجب بالأصالة مطلقا في السفر حتى في شهر رمضان بل الظاهر من اتفاقهم على عدم وقوع صوم آخر مطلقا في هذه الشهر في الحضر كما مر سابقا و من الروايتين الواردتين في جواز الصوم المندوب

369

في السفر خلاف ذلك أعني رواية إسماعيل بن سهل عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم ثم دخل عليه شهر رمضان و هو في السفر فأفطر فقيل له أ تصوم شعبان و تفطر شهر رمضان فقال نعم شعبان إلى إن شئت صمته و إن شئت لا و شهر رمضان عزم من الله عز و جل على الإفطار و رواية حسن بن بسام الجمال عن رجل قال كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة و المدينة في شعبان و هو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر فقلت له جعلت فداك أمس كان من شعبان و أنت صائم و اليوم من رمضان و أنت مفطر فقال أن ذلك تطوع و لنا أن نفعل ما شئنا و هذا فرض فليس لنا أن نفعل الا ما أمرنا ثم قال في المختلف في الاحتجاج عن قبل الشيخ بأنه زمان لا يجب صومه عن رمضان فأجزأ عن غيره كغيره من الأزمنة التي لا يتعين الصوم فيها و الجواب الفرق بأن هذا الزمان لا ينفك عن وجوب الصوم عن رمضان و وجوب الإفطار بخلاف غيره من الأزمنة و لأنه يجب إفطاره في السفر فأشبه العيد في عدم صحة صومه انتهى أقول أما ما ذكره من عدم انفكاك هذا الزمان عن وجوب الصوم و وجوب الإفطار فقد عرفت وجهه من دلالة الآية و غيرهما و أما ما ذكره بقوله و لأنه يجب إفطاره إلى آخره فضعفه ظاهر و لكنه ذكره جريا على دأبه و دأب الشيخ و بعض القدماء من ذكر بعض الاستدلالات القياسية على و طيرة العامة في كتبهم لأن أكثر أبحاثهم معهم و لا يصح في السفر غيره أي غير صوم رمضان أيضا من الواجبات لما رواه الجمهور عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال ليس من البر الصيام في السفر و للأخبار المستفيضة من طريق الخاصة كصحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم فقال ليس من البر الصوم في السفر و لا يخصص الجواب بقرينة خصوص السؤال من غير ضرورة و صحيحة عمار بن مروان على ما في الفقيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول من سافر قصّر و أفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله عز و جل أو رسول لمن يعصي الله عز و جل أو طلب عدو أو شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين و رواه الكافي بسند ضعيف عن محمد بن مروان و كذا في بعض نسخ التهذيب عنه و في أكثرها عمار بن مروان و بالجملة فالسند لا يخلو عن اضطراب و لا يبعد دعوى ظهوره في صوم رمضان باعتبار جعله الأصل الصوم و الصيد يحمل على الصيد لهوا أو بطرا للجمع و كان السفر في معصية الله إشارة إلى كون السفر نفسه معصية كسفر الفار من الزحف و الهارب من غريمه مع قدرته على وفاء الحق و الخارج بعد الزوال يوم الجمعة أو عرفة من غير فعل ما يجب عليه فيهما و السالك لطريق مخوف يغلب معه ظن العطب على النفس أو على ماله المجحف و العبد للإباق و الزوجة للنشوز و لا يبعد شموله لسفر الآبق و الناشز و إن لم يقصد ذلك بالسفر و قال الشهيد الثاني (رحمه الله) هذا الحديث و إن كان صدره يدل على مطلق المعصية لكن عجزه يخص ذلك ما كانت غايته المعصية كغيره و أقول يشكل فهم التخصيص من مجرد عطف الأسفار التي غايتها المعصية على ذلك بكلمة أو و الظاهر أن لفظ رسول مصدر مجرور و المراد الرسالة المتضمنة للمعصية كأخذ عهد لجائر أو أمر شخص بقتل نفس محترمة أو أخذ مال محترم و نحو هذا و الشحناء العداوة و المراد بطلبها السعي في إلقائها و إفشائها بين المسلمين بل المحترمين و صحيحة علي بن مهزيار قال كتب بندار مولى إدريس يا بن رسول الله نذرت أن أصوم كل يوم سبت فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة فكتب (عليه السلام) و قرأته لا تتركه إلا من علة و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلا أن تكون نويت ذلك و إن كنت أفطرت من غير علة فتصدق بعدد كل يوم لسبعة مساكين نسأل الله التوفيق لما يحب و يرضى و حكم المحقق (رحمه الله) في المعتبر بضعف هذا الرواية و أنت خبير بأن جهالة الكاتب لا تضر بصحتها لأن مقتضى الرواية أخبار

علي بن مهزيار بقراءة المكتوب فكان وجه ضعفها الإضمار و اشتمالها على ما لم يقل به أحد من وجوب الصوم في المرض إذا نوى ذلك و إطعام سبعة مساكين في كفارة النذر و لكن قوله فكتب (عليه السلام) يؤيد أن المكاتب هو الإمام و التعويل على مجرد قول الكاتب في إسناد خط الجواب و التعبير بهذه العبارة بعيد عن الثقة و يمكن الاعتذار عن الثاني بأن الاستثناء عن السفر لظهور عذر المريض و لكن يرد حينئذ أنه يحتمل أن يكون ذلك عبارة عن الصوم و يكون المعنى إلا أن تكون نويت الصوم من الليل و خرجت اليوم إلى السفر فيتم حينئذ صوم ذلك اليوم و عن الثالث بما قاله الشيخ في التهذيب من أن الكفارة إنما يلزم بحسب أحوال المفطرين فمن تمكن من عتق رقبة يجب عليه ذلك و من لم يتمكن من ذلك و تمكن من إطعام سبعة مساكين أخرجه و إن لم يتمكن من ذلك يقضي ذلك اليوم و ليس عليه شيء و الحق أن هذه التكليفات لا تخرج الرواية عن الضعف الذي حكم به المحقق (رحمه الله) و موثقة زرارة قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إن أمي كانت جعلت عليها نذرا إن الله رد عليها بعض ولدها من شيء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت فخرجت معنا مسافرة إلى مكة فأشكل علينا لمكان النذر أ تصوم أو تفطر فقال لا تصوم وضع الله عنها حقه و تصوم هي ما جعلت على نفسها فقلت فما ترى إذا هي رجعت إلى المنزل أ تقضيه قال لا قلت فتترك ذلك قال لا إني أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره قوله (عليه السلام) وضع الله عنها حقه أي صيام شهر رمضان الواجب بالأصالة فكيف تصوم يوما جعلت هي على نفسها بالنذر مع أن ما أوجبه الله تعالى أضيق و بعدم السقوط أليق و هذا لا يخلو عن دلالة على منافاة السفر للصوم و عدم جواز إيقاعه فيه و لو كان منذورا مقيدا و في هذا الخبر تصريح بسقوط القضاء إذا اتفق المنذور صومه في السفر و لكن السفر الذي في الخبر

370

يحتمل الوجوب و موثقة عمار الساباطي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقول لله عليّ أن أصوم شهرا أو أكثر من ذلك أو أقل فعرض له أمر لا بد له من أن يسافر أ يصوم و هو مسافر قال إذا سافر فليفطر لأنه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره و الصوم في السفر معصية و عموم هذا الخبر و الحكم فيه بالحرمة واضح و يمكن حمل الفريضة على الواجب بالأصالة و غيره على واجب آخر ليخرج المندوب و موثقة زرارة عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لم يكن رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصوم في السفر في شهر رمضان و لا غيره و كان يوم بدر في شهر رمضان و لا غيره و كان يوم بدر في شهر رمضان و كان الفتح في شهر رمضان و عموم هذا الخبر واضح و لكن دلالته على الحرمة غير واضحة و رواية كرام عبد الكريم بن عمر و الخثعمي و قد وثقه بعضهم قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم فقال صم و لا تصم في السفر و لا العيدين و لا أيام التشريق و لا اليوم الذي يشك فيه من رمضان و هذا الخبر يدل على حرمة صوم الشك و لا يمكن تأويله بحرمة صومه بنية أنه من رمضان و رواية سماعة قال سألته عن الصيام في السفر فقال الصيام في السفر قد صام كل أناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسماهم العصاة فلا صيام في السفر إلا الثلاثة أيام التي قال الله عز و جل في الحج رواية محمد بن حكيم قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه و رواية أبان بن تغلب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) خيار أمتي الذين إذا سافروا أفطروا و قصروا و إذا أحسنوا استبشروا و إذا أساءوا استغفروا و شرار أمتي الذين ولدوا في النعم و غذوا به يأكلون طيب الطعام و يلبسون لين الثياب و إذا تكملوا لم يصدقوا و لا يبعد دعوى ظهوره في صوم رمضان كما عرفت في صحيحة عمار بن مروان و رواية قاسم بن أبي القاسم الصيقل قال كتب إليه يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه أو كيف يصنع يا سيدي فكتب إليه قد وضع الله عنك الصيام في هذه الأيام كلها و تصوم يوما بدل يوم إن شاء الله و المراد من الجمعة الأسبوع و هذا الخبر ينافي خبر زرارة باعتبار الحكم بالقضاء و يمكن حمله على الاستحباب أو حمل السفر على الجائز و لكن سقوط القضاء باعتبار اتفاقه في السفر الواجب كما يفهم من خبر زرارة و عدم سقوطه باعتبار اتفاقه في اليوم الذي حرم صومه أو كان مريضا فيه على ما يفهم من هذا الخبر مستبعدا جدا و الأخبار الواردة في هذا الباب غير ما ذكرناه كثيرة و استثنى الأصحاب من ذلك مواضع كما قال المصنف إلا ثلاثة الهدي من جملة العشرة التي يجب على من لم يجده لإطلاق الآية و رواية سماعة المتقدمة و صحيحة رفاعة بن موسى قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع لا يجد الهدي قال فليصم قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة قلت فإنه قدم يوم التروية قال يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق قلت لم يقم عليه جماله قال يصوم يوم الحصبة و بعد بيومين قال قلت و ما الحصبة قال يوم نفره قلت يصوم و هو مسافر قال نعم أ فليس هو يوم عرفة مسافرا إنا أهل بيت نقول ذلك لقول الله عز و جل فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ تقول في ذي الحجة و هذا الخبر يدل على أن المسافة أربعة فراسخ و حسنة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن متمتع لم يجد هديا قال يصوم ثلاثة أيام في الحج يوما قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة قال قلت فإن فاته ذلك قال فليصم ليلة الحصبة و يصوم ذلك اليوم و يومين بعده قلت فإن لم يقم عليه جماله أ يصومها في الطريق قال إن شاء صامها في الطريق و إن شاء إذا رجع إلى أهله قوله (عليه السلام) فليصم ليلة الحصبة أي فلينو

الصوم تلك الليلة و قوله و إن شاء إذا رجع إلى أهله أي إذا علم أن رجوعه في ذي الحجة فإنه إن لم يصم هذه الثلاثة الأيام في ذي الحجة حتى أهل هلال المحرم فعليه دم شاة و ليس له صوم و يدل أيضا على جواز صوم هذه الثلاثة في السفر أخبار أخر و ينافيها ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) قال الصوم الثلاثة الأيام إن صامها فأخرها يوم عرفة و إن لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصوم في أهله و لا يصومها في السفر و يمكن حمله على استحباب التأخير إذا علم وصوله إلى أهله في ذي الحجة و قال الشيخ (رحمه الله) أراد (عليه السلام) لا يصومها في السفر معتقدا أنه لا يسعه غير ذلك بل يعتقد أنه مخير في صومها في السفر و صومها إذا رجع إلى أهله و اختار ابن أبي عقيل عدم جواز صومها في السفر و ثمانية عشرة بدنة للمفيض من عرفات قبل الغروب عالما عامدا مع عجزه عنها لصحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن رجل أفاض من عرفات من قبل أن يغيب الشمس قال عليه بدنة ينحرها يوما لنحر فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله و النذر المقيد بالسفر قال في المنتهى من نذر صوم يوم معين و شرط في نذره صوم سفرا أو حضرا فإنه يجب عليه صومه و إن كان مسافر اختاره الشيخان و أتباعهما لعموم قوله تعالى يُوفُونَ بِالنَّذْرِ و قوله تعالى وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا و لأن الأصل صحة النذر و إذا صح لزم و يؤيده ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليهم السلام) قال سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى قال يصومه أبدا في السفر و الحضر قال الشيخ الوجه فيه إذا شرط على نفسه أن يصوم في السفر و الحضر لما رواه علي بن مهزيار قال كتب بندار مولى إدريس إلى آخر ما تقدم ذكره ثم قال في المنتهى و لا نعلم مخالفا لهما من علمائنا فوجب المصير إليه أقول الحكم بصحة النذر مع ورود أخبار كثيرة بالمنع عن متعلقة

371

كما عرفت غير سديد و لا يمكن الحكم بشمول النذر الوارد في الآية له لأن المراد النذر الشائع الذي هو طاعة و الكلام في جواز هذا النذر فلم يبق إلا الرواية و رواية إبراهيم مع ضعف سندها يحتاج متنها إلى التأويل و قد عرفت حال رواية علي بن مهزيار و المحقق في المعتبر نسب القول إلى الشهرة لمكان ضعف الرواية و الظاهر أن من يذهب إلى تحريم الصوم سفرا ندبا يلزمه القول بعد انعقاد نذره سواء كان منفردا أو منضما إلى الحضر و بالجملة فالإجماع غير معلوم و لكن الحكم بخلاف هذه الشهرة أيضا مشكل فالاحتياط في عدم التعريض لإيقاع هذا النذر و ظاهر عبارة المصنف و عبارة بعضهم جواز نذر صوم يوم معين في السفر منفردا و صرح به الشهيد الثاني في الروضة و جوز المرتضى صحة صوم المعين إذا وافق السفر و إن لم يقيد النذر بالسفر لعموم أوامر إيفاء النذر و العهود و لا يعمل بما ينافيها من الآحاد و به روايتان أما الدالة على الجواز فرواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة و أما الدالة على المنع فكثيرة كما عرفت و تدل عليه أيضا موثقة عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصوم يوما قد وقته على نفسه أو يصوم أشهر الحرم فيمر به الشهر و الشهران لا يقضيه قال فقال لا يصوم في السفر و لا يقضي شيئا من صوم التطوع إلا الثلاثة الأيام التي كان يصومها في كل شهر و لا يجعلها بمنزلة الواجب إلا أني أحب لك أن تدوم على العمل الصالح قال و صاحب الحرم الذي كان يصومها يجزيه ان يصوم مكان كل شهر من أشهر الحرم ثلاثة أيام و الظاهر أن سؤال الراوي عن حال من يصوم يوما من كل شهر قد وقت صومه على نفسه هل يلزمه الإتيان به و المحافظة على فعله في كل حال حتى في السفر و عن حال من كان من عادته أن يصوم أشهر الحرم فيمر به الشهر و الشهران منها لا يتفق له الصوم فيه فهل عليه قضاء ذلك الصيام و القضاء في قوله لا يقضيه بمعنى الفعل فأجاب (عليه السلام) عن الأول بأنه لا يصوم في حال السفر و عن الثاني بعدم قضاء صوم التطوع إلا الثلاثة الأيام فإنها تقضي و لكن لا بعنوان أن اللزوم و لا يجعلها الإنسان بمنزلة الواجب بأن يهتم بها كما يهتم بشأن الواجب حتى لا يرخص نفسه للإفطار فيها أصلا بل يفعلها أداء و قضاء بعنوان استحباب المداومة على العمل الصالح و فعل الخير ثم ذكر (عليه السلام) أن صاحب العادة بصوم أشهر الحرم يجزيه في إدراك نحو الفضيلة المعتادة أن يصوم بدل كل شهر فاته فيها ثلاثة أيام بحكم من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها و هذا أيضا نوع استثناء عن قوله و لا يقضي شيئا من صوم التطوع و رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في الرجل يجعل على نفسه أياما معدودة مسماة في كل شهر فتمر به الشهور أنه لا يصوم في السفر و لا يقضيها إذا شهد و أنت خبير بأن حمل التوقيت و الجعل في الخبرين على اشتراط غير مقرون بما يلزم الوفاء به شرعا كالنذر و شبهه غير مستبعد خصوصا في الخبر الأول و ابنا بابويه جزاء الصيد قاله علي في رسالته و ابنه في مقنعة و قال في المختلف احتج على هذا القول بالأصل و بأنه يدل على اجزاء وجب في الحرم فجاز صومه في السفر كالثلاثة في بدل الهدي و الجواب عن الأول بأن الأصل يعدل عنه لدليل أقوى و القياس ممنوع و منقوض بالسبعة و المفيد ما عدا رمضان في فحوى كلامه هذا القول منه (رحمه الله) في غير مقنعه و مخالف لما قاله فيها و احتج عليه بالأصل و الجواب المنع من بقاء حكمه مع قيام المنافي الدال على خلافه و قد عرفته مفصلا و الكل متروك قول السيد و ابني بابويه و المفيد (رحمه الله) و قد عرفت وجه الترك و الأقرب كراهة الندب سفرا اختلفوا في صيام التطوع في السفر سوى ما يستثني فقال ابن بابويه في الفقيه فأما صوم التطوع في السفر فقد قال الصادق (عليه السلام) ليس من البرّ الصوم في السفر و ظاهره القول بعدم الجواز و قريب منه قوله في المقنع و كذا قول سلار و قال المفيد بأولوية الاجتناب عنه للاحتياط و قال الشيخ في النهاية يكره صيام النوافل في السفر على كل حال و قد ورد رواية في جواز ذلك فمن عمل بها لم يكن مأثوما

إلا أن الأحوط ما قدمنا و قال في المبسوط يكره صوم التطوع في السفر و روى جواز ذلك و كأنه (رحمه الله) أراد بالكراهة المنع و لزوم التجنب و بالجواز الرخصة ثم جعل الاحتياط كما قاله المفيد و قال ابن حمزة صيام النفل في السفر ضربان مستحب و جائز فالأول صيام ثلاثة أيام عند قبر النبي (صلى الله عليه و آله) لصلاة الحاجة و الثاني ما سوى ذلك و روي كراهة صوم نافلة في السفر و الأولى أثبت و الظاهر أن مراده بالمستحب المأمور به المرغب فيه و بالجائز ما فهم من الشرع الرخصة في الإتيان به و أراد بالكراهة المنع و الحظر أقول و أما الأخبار الدالة على المنع عن الصيام في السفر فقد عرفتها و يزيدها بيانا ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصيام بمكة و المدينة و نحن سفّر قال فريضة فقلت لا و لكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة فقال تقول اليوم و غدا فقلت نعم فقال لا تصم قال الجوهري سفرت خرجت إلى السفر فأنا مسافر و قوم سفّر مثل صاحب و صحب و كأنه (عليه السلام) أراد بقوله تقول اليوم و غدا أن يعلم أن له العزم على إقامة ثلاثة أيام حتى يأمره بالصوم في المدينة أم لا و يحتمل ايضا أن يكون شدة الكراهة في صورة عدم قصد الإقامة رأسا و قال الشيخ في التهذيب بعد نقل هذه الرواية و لو خلينا و ظاهر هذه الأخبار لقلنا إن صوم التطوع في السفر محظور كما أن صوم الفريضة محظور غير أنه ورد فيه من الرخص ما نقلنا عن الحظر إلى الكراهة و ذكر في ذلك خبرين مرسلين في غاية ضعف السند أعني خبر إسماعيل بن سهل عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) و خبر حسن بن بسام الحمال عن رجل عنه (عليه السلام) و قد ذكرناهما سابقا ثم إن في هذا المقام إشكالين

372

الأول أنه كيف يصح إطلاق المكروه على هذا الصيام لأن العبادة إن كانت صحيحة يحصل بها التقرب و يستحق عليها الأجر البتة فلا بد من أن يتصف وجودها بالرجحان و لا يتصور رجحان عدمها حتى يتصف بالكراهة و إن كانت غير صحيحة شرعا فلا يجوز أن ينوي بها التقرب لو نوى بها يتصف بالحظر و التشريع لا محالة و العمل بغير نية ليس بعمل يتصف بحكم من الأحكام الشرعية و الثاني أنه كيف يمكن العمل بهذين الخبرين الضعيفين في تجويز صيام النافلة في السفر مع تعارضهما للأخبار الصحيحة و إشارة إلى دفع الإشكال الأول بقوله إن المراد كونه أنقص ثوابا من الصوم في الحضر كنظائره من مكروه العبادة و حينئذ فلا ينافي أصل الاستحباب و قد ذكر هذا التحقيق في تمهيد القواعد و قبله المحقق الشيخ علي (رحمه الله) أيضا و إلى دفع الإشكال الثاني بقوله الأخبار الصحيحة دالة على المنع من الصوم سفرا من غير تقييد بالواجب لكن ورد أخبار مرسلة بجواز المندوب للمسافر و عمل بها أكثر الأصحاب حاملين للأخبار الأُول على الكراهة للمندوب جمعا بينها و بين ما دل على الجواز و قد عرفت ما فيها إلا أن دلائل السنن يتسامح فيها و يمكن الاحتجاج للجواز بحديث من بلغه شيء من أعمال الخير و حينئذ فالقول بالكراهة لا بأس به و قد أوردوا على ما أفاده لدفع الإشكال الأول إيرادين الأول إن نقص الثواب و قلته يوجد في كثير من العبادات بالنسبة إلى الأخرى كالصلاة في البيت بالنسبة إلى المسجد و في مسجد المحلة بالنسبة الى المسجد الأعظم و لا يطلقون الكراهة عليها أصلا و الثاني أنه لو كان بمعنى نقص الصواب بدون رجحان للعدم فلا وجه لترك النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) تلك العبادات و نهيهم الناس عنها كما نقل عنهم (عليهم السلام) لأن قلة الثواب لا يقتضي الترك و نهى الناس عنها خصوصا فيما لا بدل له إذ فيه تفويت ثواب بلا عوض أقول و الحق أن العبادة الصحيحة الشرعية لا بد لها من جهة حسن لأجلها يستحق فاعلها الأجر و الثواب و لا يعقل صحة العبادة و شرعيتها مع خلوها عن مطلق الأجر و من البيّن أنه لا يمكن استحقاق الأجر و الثواب على تركها أيضا من تلك الجهة نعم ربما يقارن العبادة صفة و خصوصية يكون عدمها راجحا على وجودها رجحانا يوجب ترتب الثواب على تركها من دون ترتب عقاب على الإتيان بها إذ مع ترتب العقاب لا يوصف العبارة المشخصة المخصوصة بتلك الخصوصية بالصحة و الشرعية إلا على فرض الإحباط إن جوزناه و على هذا فيوصف تلك الخصوصية بالكراهة الاصطلاحية و يمكن وصف هذه العبارة أيضا بالكراهة بهذه الاعتبار خصوصا إذا كان الثواب المترتب على ترك تلك الخصوصية أزيد من الثواب المترتب على نفس تلك العبادة و لا يستبعد العقل عن ذلك مثلا الصوم المندوب في السفر باعتبار اشتماله على محاسن الصيام و ترك مشتهيات النفس و ملاذها لوجه الله تعالى موجب للأجر و الثواب و لكن السفر باعتبار الحركات الشاقة المتعبة التي يتفق فيه غالبا مع قلة النوم و تغير أكثر العادات يوجب كمال ضعف البدن و القوى و وهنها و كلالها و الصوم أيضا موجب لذلك الضعف و الكلال و لا ريب في أن انتظام أمور السفر من القيام بالحركات اللازمة و حمل الأشياء الثقيلة و المحافظة على العبادات الواجبة المهمة و دفع المحاربين و القطاع و التحرز عن أذى الوحوش و السباع يستدعي مزيد قوة للبدن و انبساط للنفس فيحتمل أن يكون الصوم في السفر موجبا لفوات كثير من تلك المنافع الدينية و الدنيوية و على هذا فمن صام فيه باعتبار الحسن المعلوم للصوم و عدم القطع و الظن بترتب المفاسد المحتملة يستحق عليه الأجر و الثواب و من ترك فيه الصوم للاحتياط في حفظ النفس و العرض و المال عن تطرق خلل في الحال أو المال فربما استحق أجرا أوفر و ثوابا أزيد إذ من البيّن أن حسن مراعاة الاحتياط في أمثال تلك الأمور العظيمة أزيد بكثير في نظر العقل و الشرع من حسن القيام بالصيام و لو صار فوت منفعة مهمة من تلك المنافع بسبب الصوم متيقنا أو مظنونا بالظن الغالب لصار الصوم محظورا محرما و لكن مجرد الاحتمال لا يوجب ذلك كما أن مجرد احتمال المفسدة لا يوجب سقوط الواجب الشرعي و بالجملة فمثل هذا الصوم ثواب تركه على وجه مخصوص بنية مخصوصة أزيد من ثواب فعله على وجه خاص بقصد خاص فيمكن وصفه بالكراهة و يظهر الباعث على تركهم (عليهم السلام) له و نهيهم الناس عنه و يبعد حمل كلام

المسالك على ما ذكرنا لأنه قال المراد كونه أنقص ثوابا من الصوم في الحضر و لو كان مراده ما ذكرناه لقال المراد كونه أنقص ثوابا من ترك الصوم على وجه و للمتكلف أن يحمل كلامه على إرادة أنه أنقص ثوابا من الصوم في الحضر باعتبار اشتماله على خصوصية ناقصة هي احتمال ترتب المفسدة لا باعتبار اشتمال الصوم في الحضر على مزية زائدة كالمزية التي للصلاة في المسجد بالنسبة إلى الصلاة في البيت فينطبق على ما ذكرناه و يندفع عنه الإيرادان و لكنه بعيد عن العبارة غاية البعد و يمكن أن يقال إن العبادات تختلف في الأحكام الشرعية بحسب المصالح المختلفة المقتضية لها مثلا المصلحة التي في صوم شهر رمضان يقتضي أن يكون هذا الصوم واجبا حتما لا يرخص أحد في تركه إلا على أحد الوجوه المقررة بحسب الشرع و أما صوم أول يوم من رجب فلا يصح أن يكون بعنوان الوجوب و اللزوم بحسب أصل الشرع بل بعنوان تأكد الاستحباب و كمال الرغبة و لو صامه أحد بقصد الوجوب الشرعي لكان تشريعا حراما و صوم سائر الأيام التي لم يرد في صومها تأكيد من الشارع ينبغي أن يكون الاستحباب من دون تأكد و اهتمام فربما كان اقتضاء المصلحة في بعض أفراد الصوم كالصوم في السفر أن يكون بعنوان الندرة و الشذوذ لبعض آحاد الناس باعتبار أن رغبة أكثرهم فيه و اهتمامهم به و خصوصا في أكثر الأيام يوجب تطرق المفاسد في كثير من الأسفار فذلك

373

هو الباعث على تركهم (عليهم السلام) له و نهيهم الناس عنه مع تجويزهم إياه حتى لا يخرج هذا الصوم عن حده اللائق به في مراتب الاستحباب إلى حد آخر من الرغبة و الاهتمام بحيث لا يليق به بحسب رعاية المصالح فمثل هذا الصوم المستحب لغير المرغب فيه الذي ورد فيه النهي من الشارع بحسب المصلحة و يترتب الثواب على تركه في كثير من الوجوه يسمى بالمكروه و يؤيد ما ذكرناه ما رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه عن عبد الله بن المغيرة عن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أوصى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى علي (عليه السلام) وحده و أوصى علي (عليه السلام) إلى الحسن و الحسين (عليهما السلام) جميعا و كان الحسن (عليه السلام) أمامه فدخل رجل يوم عرفة على الحسن (عليه السلام) و هو يتغدى و الحسين (عليه السلام) صائم ثم جاء بعد ما قبض الحسن (عليه السلام) فدخل على الحسين (عليه السلام) يوم عرفة و هو يتغدى و علي بن الحسين (عليهما السلام) صائم فقال الرجل إني دخلت على الحسن (عليه السلام) و يتغدى و أنت صائم ثم دخلت عليك و أنت مفطر و علي بن الحسين (عليه السلام) صائم فقال إن الحسن (عليه السلام) كان إماما فأفطر لئلا يتخذ صومه سنة و يتأسى به الناس فلما انقبض كنت أنا الإمام فأردت أن لا يتخذ صومي سنة فيتأسى الناس بي ثم اعلم أن المحقق الأردبيلي طاب ثراه أفاد أن الكراهة في العبادات بالمعنى المشهور الأصول الذي هو أحد الأقسام الخمسة و لا بعد في قول الشارع لو فعلت هذه العبادة في وقت كذا أو مكان كذا على هذا الوجه فلا ثواب و لا عقاب و لو لم تفعل لكان أحب إلي ثم قال فإن قيل إن نوى الصوم فصار تشريعا حراما لأنه ليس بمشروع كما هو المفروض و إن ينو فلا يكون صوما مكروها قيل له يمكن اختيار الأخير و إن المراد بالصوم المكروه ليس كونه صوما شرعيا و مكروها بل بالشبهة كالحرام فإن الحرام ليس بصوم مشروع و حرام أو المراد بقصد الصوم و العبادة في الجملة لا مع تحقق جميع شرائطها أو يكون النهي عن مجرد التشبيه بالصائمين و العابدين و إن لم يكن مع النية و الشرائط المعتبرة في الصحة أقول هذه الاحتمالات الثلاثة مع كمال تقاربها في غاية الضعف إذ من المعلوم أن محل البحث حكم الصوم المصطلح الشرعي في السفر و أمر الشارع و نهيه أيضا رجع إليه و لا ريب في اعتبار النية المشتملة على قصد القربة و سائر الشرائط فيه و كذا الكلام في الصوم الحرام و إطلاق الصوم عليه و اشتماله على النية لا يقتضي الصحة و الشرعية و كراهة أصل الإمساك في السفر مع أنها مما لا يقول به أحد ظاهرا خارجة عن محل البحث ثم قال طاب ثراه و يمكن اختيار الأول أيضا و عدم تسليم التشريع لجواز أن يكون جعل بعض الأشياء مما يتقرب به إلى الله مكروها بالمعنى الذي قلناه بنص من الشارع و لا محذور و لا يلزمه اعتقاد أنه صوم ورد الشرع به بل يكفي للفعل مع النية احتمال كونه مما يتقرب به و تجويز الشارع له و احتمال إرادته من نهيه الترخص فقط و قلة الثواب مثلا و على تقدير لزوم الاعتقاد و الجزم في نية هذه العبادة مثلا للكراهة فنقول يلزم كون الاعتقاد حراما و تشريعا و أما الفعل على هذا الوجه الذي لم يظهر شرعيته لم يثبت كونه حراما و إنما البحث فيه لا في النية و الاعتقاد كما أشير إليه في الذكرى في تقديم الاستنشاق على المضمضة بقصد الاستحباب من جواز كون القصد و الجزم حراما دون الاستنشاق و أقول القول بجواز التعبد بالصوم في السفر و قصد التقرب إلى الله به بإذن الشارع و تجويزه مع خلوه عن الأجر و الثواب رأسا بل مع اشتماله على نقص يحسن تركه على ما يظهر من أول كلام هذه المحقق لا يوافق مذهبهم إذ الظاهر أنهم يقولون بعدم جواز خلو العبادة المستقرب بها المأذون فيها شرعا عن الأجر إذ مع حصول القرب بها يحصل الأجر البتة و مع عدم حصوله لا يعقل تجويز الشارع للتقرب بها و ما يظهر ثانيا من كلامه من أن حكم الشارع بالكراهة على الصوم في السفر يرجع إلى كراهة الصيام فيه باحتمال تجويز الشارع فعدم استقامته واضح أنه خروج عن محل البحث أيضا لأن البحث ليس في حكم الصوم الناشي عن شبهة صحة أو احتمال تجويز من الشارع بل في أصل حكم الصوم المصطلح الشرعي في السفر و ما ذكره

أخيرا من الحكم بحرمة نية الصوم و كراهة أصله فغير صحيح إذ لا يعتبر حال الفعل شرعا بدون تخصصه و تميزه بالنية و الفعل المتميز بالنية المحرمة لا بد أن يتصف بالحرمة و كلام المصنف (رحمه الله) في الذكرى شيء أخر حاصله أن اعتقاد شرعية تقدم الاستنشاق على المضمضة لا عن شبهة محرم و ذلك مما لا ريب فيه و من المعلوم أن ذلك الاعتقاد ليس نية الفعل و لا ربط له بتميز الاستنشاق تخصصه ثم حكم بأن الظاهر أن الاستنشاق المتقدم ليس بمحرم إذ ليس فيه إلا ترك استحباب الترتيب و ليس ذلك من الحكم بحرمة النية و جواز أصل الفعل في شيء كما لا يخفى على المتأمل فتأمل ثم إن ما ذكره في المسالك لدفع الإشكال الثاني فلا يخلو عن شيء لأن دليل السنة و الاستحباب إنما يجوز التسامح فيه مع عدم دليل دال على خلافه و أما مع وجود الحديث الدال على الحرمة مثلا كما فيما نحن فيه فالعمل بالخبر الضعيف الدال على الاستحباب و حمل النهي الوارد في الخبر الصحيح على الكراهة لا يخلو عن إشكال و الاحتجاج على الجواز بخبر من بلغه شيء ففي غاية الإشكال إذ لا يبعد دعوى ظهور لبلوغ المعتبر بحسب الشرع الحاصل بتبليغ العدل إذ قد ورد في الكتاب الكريم الأمر بالتثبت في خبر الفاسق و على تقدير تسليم العموم فلا ريب في تبادر أن المراد البلوغ الذي لا يعارضه خبر آخر دال على الإثم و نفي الخبر خصوصا إذا كان المعارض أصح و أقوى منه و على التقديرين لا ينفع الاحتجاج به فيما نحن فيه إلا ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة الظاهر وفاقهم على هذا الاستثناء و يدل أيضا عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت يوم الأربعاء و تصلي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي الباقر؟؟

374

و هي أسطوانة التوبة التي كان ربط إليها نفسه حتى نزل عذره من السماء و تقعد عندها يوم الأربعاء ثم تأتي ليلة الخميس التي يليها مما يلي مقام النبي (صلى الله عليه و آله) ليلتك و يومك و تصوم يوم الخميس ثم تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبي (صلى الله عليه و آله) و مصلاه ليلة الجمعة فتصلي عندها ليلتك و يومك و تصوم يوم الجمعة و إن استطعت أن لا تتكلم بشيء في هذه الأيام إلا ما لا بد لك منه و لا تخرج من المسجد إلا لحاجة و لا تنام في ليل و لا نهار فافعل فإن ذلك مما يعد فيه الفضل ثم احمد الله في يوم الجمعة و أثن عليه و صل على النبي (صلى الله عليه و آله) و سل حاجتك و ليكن فيما تقول اللهم ما كانت لي إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها و التماسها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فإني أتوجه إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه و آله) نبي الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها و كبيرها فإنك حري أن تقضي حاجتك إن شاء الله تعالى و ظاهر الخبر و إن كان صوم خصوص الأربعاء و الخميس و الجمعة على النهج المذكور و لكن الأصحاب أطلقوا و يحتمل أن يكون مرادهم الأيام المعروفة المخصوصة كما تشعر به عبارة بعضهم و الحق المفيد المشاهد أي مشاهد الأئمة (عليهم السلام) بالمدينة المشرفة حيث قال في مقنعته في عداد المستثنيات و صوم ثلاثة أيام للحاجة أربعا و خميس و جمعة متواليات عند قبر النبي (صلى الله عليه و آله) و في مشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام) و لعل وجه الإلحاق اشتراكها في شهود المعصوم و الملائكة و مزيد البركة و الاهتمام بطلب الحاجات لما هو المرجو فيها من استجابة الدعوات و ابنا بابويه و ابن إدريس الاعتكاف في المساجد الأربعة أي و ألحق الثلاثة بصوم ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة صوم ثلاثة أيام للاعتكاف في المساجد الأربعة الحرمين و جامع الكوفة و البصرة و لم نقف على مأخذ تام له كالسابق و إنما يفطر إذا خرج قبل الزوال على الأقرب تبيت؟؟ النية أو لا فلا عبرة بالتبييت مطلقا بل الاعتبار برعاية انتصاف النهار فيفطر إن خرج قبله و يتم إن خرج بعده و المراد بالخروج في كلامهم تجاوز الحدين أو أحدهما على الخلاف و قد تقدم في الصلاة و هذا أحد الأقوال في المسألة و إليه ذهب المفيد و ابن الجنيد و محمد بن بابويه في المقنع و هو المعتمد عند العلامة في المختلف و لكن مال في آخر كلامه إلى التخيير بين الفطر و الإتمام لو خرج بعد الزوال لرواية رفاعة بن موسى في الصحيح و اختاره الشهيد الثاني في المسالك و الروضة و نسبوه إلى أبي الصلاح أيضا و قال في المدارك إلا أن أبا الصلاح أوجب الإمساك مع الخروج بعد الزوال و القضاء و الذي يظهر من المختلف أن أبا الصلاح يقول بذلك في عازم السفر من الليل حيث قال فيه و قال أبو الصلاح إذا عزم على السفر قبل طلوع الفجر و أصبح حاضرا فإن خرج قبل الزوال أفطر و إن تأخر إلى أن تزول الشمس أمسك بقية يومه و قضاءه و القول الثاني اتحاد شرائط قصر الصلاة و الصوم من غير زيادة في الصوم فمن سافر في جزء من أجزاء النهار أفطر و إن خرج قبل الغروب و لم يبيت النية من الليل و هذا قول علي بن بابويه و الحسن بن أبي عقيل و السيد المرتضى و رجحه ابن إدريس ثانيا بعد اختياره أولا لقول المفيد و القول الثالث اشتراط تبييت النية في الإفطار و هو قول المحقق في المعتبر و الشرائع و يشترط الشيخ مع ذلك الخروج قبل الزوال قال في النهاية و إذا خرج الرجل إلى السفر بعد طلوع الفجر أي وقت كان من النهار و كان قد بيت نيته من الليل للسفر وجب عليه الإفطار و إن لم يكن قد بيت نيته من الليل ثم خرج بعد طلوع الفجر كان عليه إتمام ذلك اليوم و ليس عليه قضاؤه و إن خرج قبل طلوع الفجر وجب عليه الإفطار على كل حال و كان عليه القضاء و متى بيت نيته للسفر من الليل و لم يتفق له الخروج الا بعد الزوال كان عليه أن يمسك بقية النهار و عليه القضاء و حاصل ما ذكره أن مع عدم التبييت لا يجوز له الإفطار و ليس عليه القضاء و مع التبييت إن خرج قبل الزوال وجب عليه الإفطار و القضاء و إن خرج بعد الزوال فعليه الإمساك و

القضاء و ظاهره الوجوب و صرح في التهذيب باستحباب الإمساك و جوز له الإفطار أيضا و قوله في المبسوط قريب مما قاله في النهاية و به قال ابن البراج أيضا و قال ابن حمزة في الوسيلة المسافر لا يخلو من أربعة أوجه إما أن يخرج قبل الصبح من منزله أو بعد الصبح قبل الزوال ناويا للسفر من الليل أو غير ناو أو خرج بعد الزوال فالأول يفطر عند خفاء الأذان أو تواري الجدران و الثاني يفطر و يقضي و الثالث لا يفطر و لا يقضي و الرابع يصوم و يقضي و حكمه على الرابع أي الخارج بعد الزوال بالقضاء مطلقا سواء كان ناويا من الليل أو لم يكن لا وجه له مع أنه قد حكم على الثالث أي الخارج قبل الزوال غير ناو بسقوط القضاء فكيف يحكم على من خرج كذلك بعد الزوال بالقضاء و تخصيص الرابع بالناوي بعيد عن العبارة جدا و يحتمل وقوع سهو في الكتابة به بأن يكون ما كتبه في الرابع حكم الثالث و بالعكس و على هذا فالمخالفة بين قوله و قول النهاية في أمرين الحكم بالقضاء على الخارج قبل الزوال من دون تبييت النية و الحكم بعدم القضاء على الناوي الخارج بعد الزوال و قال صاحب المدارك و المعتمد ما اختاره المفيد و قال في آخر كلامه لو قيل بالتخيير مطلقا إذا أصبح في بلده كما هو ظاهر صحيحة رفاعة بن موسى لم يكن بعيدا و بذلك يحصل الجمع بين الأخبار و أفاد خالي طاب ثراه بعد حكمه بإشكال المسألة أن الظاهر تحقق التخيير مطلقا و رجحان الإفطار إذا خرج قبل الزوال أو خرج مع نية السفر من الليل و قد ذكر قبله المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ذلك في مقام الجمع بين الأخبار على سبيل الاحتمال لعدم العلم بذهاب أحد من الأصحاب إليه فأما حجة ما اختاره المصنف و المفيد فصحيحة الحلبي في الفقيه و حسنة بإبراهيم بن هاشم في التهذيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته و هو يريد السفر

375

و هو صائم قال إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم و إن خرج بعد الزوال فليتم صومه و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به من شهر رمضان فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر و هو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم و إذا دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه و إن شاء صام و هي تدل بمنطوقها و مفهومها على تمام مختار المصنف و المفيد و قوله (عليه السلام) فلا صيام عليه و إن شاء صام أي يجوز له الإفطار قبل الدخول و إسقاط الصوم و يجوز له الإمساك فيجب عليه الصوم بعد الدخول و سيجيء بعد هذا أنه تخيير في صوم رمضان تابع لسببه و قال الشيخ في التهذيب بعد نقل هذين الخبرين فهذان الخبران و ما يجري مجريهما فالوجه فيهما أنه إذا خرج قبل الزوال وجب عليه الإفطار إذا كان قد نوى من الليل السفر و إذا خرج بعد الزوال فإنه يستحب له أن يتم صومه ذلك فإن أفطر فليس عليه شيء و إذا لم يكن قد نوى السفر من الليل فلا يجوز له الإفطار على وجه و بعد هذا التأويل واضح و الباعث له عليه اعتبار التبييت و الأخبار الدالة عليه غير صحيحة كما سيأتي ذكرها و لكن دأب الشيخ عدم طرح الخبر ما أمكن الجمع و أشار بقوله و ما يجري مجريهما إلى ما رواه الكليني عن عبيد بن زرارة في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر قال إن خرج قبل الزوال فليفطر و إن خرج بعد الزوال فليصم و قال يعرف ذلك بقول علي (عليه السلام) أصوم و أفطر حتى إذا زالت الشمس عزم علي (عليه السلام) يعني الصوم و لعل المراد بالصوم في قول علي (عليه السلام) أصوم و أفطر الواجب الغير المعين و المندوب و قد روي عنه (عليه السلام) أيضا أنه قال الصائم تطوعا بالخيار ما بينه و بين نصف النهار فإذا انتصفت النهار فقد وجب الصوم المراد بالعزم أعم من الوجوب و الاستحباب المؤكد و معرفة هذه المسألة من هذا القول باعتبار أنه يفهم منه أن وقت استقرار الصوم و تأكده بعد الزوال فالسفر فيه لا يضر به و لا يوجب الإفطار بخلاف قبل الزوال و يحتمل أيضا على بعد أن يكون المراد بالصوم صوم الشهر و الإفطار باعتبار تجدد السفر فيكون مفاده حكم هذه المسألة بعينه و الأظهر حمله على العموم ليشمل جميع ما ذكرناه و ما رواه أيضا عن عبيد بن زرارة في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتم الصيام و إذا خرج قبل الزوال أفطر و استدل العلامة في المختلف على الجزء الأول من مذهب المفيد أي على وجوب الإفطار مع الخروج قبل الزوال بأنه مسافر فدخل تحت قوله تعالى أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ* و بأن أكثر النهار مضى و هو مسافر فكان له حكم جميعه على ما عهد في عرف الشرع من اعتبار الأكثر باعتبار الجميع في المبيت بمنى و بأن هذا الزمان محل النية في الصوم للساهي و الجاهل فوجب أن يكون محل النية في الإفطار لمن تجدد له عزم السفر المنافي للصوم و استدل على إتمام الصوم لو خرج بعد الزوال بقوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ و بأنه شرع في الصوم و عقده عقدا مشروعا فوجب أن يكون صحيحا و بأنه مأمور قبل الفجر بالصوم فوجب أن يكون مجزيا لما ثبت أن الأمر للاجزاء و بأنه قد مضى أكثر النهار صائما فوجب اعتباره في جميع النهار كما مر و بأنه سفر لا يوجب قصر صلاة ذلك النهار فوجب أن لا يوجب قصر صومه أما المقدمة الأولى فقد بيناها في كتاب الصلاة و أما الثانية فللأخبار الدالة على أن السفر الموجب لقصر الصوم هو الموجب لقصر الصلاة و أقول أما الآتيان فإحداهما تدل على وجوب الإفطار في السفر مطلقا و سيأتي الاستدلال بها للقول الثاني و الآخر على وجوب إتمام الصيام بعد الفجر مطلقا فالاستدلال بالآية الأولى على وجوب الإفطار لو سافر قبل الزوال و بالثانية على وجوب الإتمام لو سافر بعد الزوال غير مستحسن و اعتبار حكم الأكثر في الجميع كليته غير معهودة من الشرع لظهور التخلف في أكثر الموارد ألا ترى أن الصائم في أكثر النهار لو أفطر وقت العصر لا يكون له حكم الصائم و الصائم في أكثر أيام

الشهر لو أفطر في البعض ليس له حكم صائم الشهر إلى غير ذلك مما لا يحصى و ثبوت الحكم في بعض الموارد الجزئية بالنص الوارد فيه بخصوصه لا يقيد فيما لا نص فيه و لو تشبث بالنص و الأخبار فلا حاجة إلى ضم ذلك و كون الزمان الذي قبل الزوال محلا لنية الصوم للساهي و الجاهل بنص من الشارع لا يوجب أن يكون محلا لنية الإفطار لمن تجدد له عزم المنافي مع أن الإفطار بل فساد الصوم بعروض المنافي ليس مثل الصوم في الحاجة إلى نية تخصصت بوقت خاص و الشروع في الصوم و انعقاده شرعا و كذا تعلق الأمر به قبل الفجر لا اختصاص له بالخارج بعد الزوال و منافاة السفر للصوم تستفاد من الآية بعنوان العموم و الأخبار تفيد التفصيل بدون الضم و ما ذكره من أنه سفر لا يوجب قصر صلاة ذلك اليوم فوجب أن لا يوجب قصر صومه ينتقض بسفر المسافر الذي يدخل بلده وقت العصر فإن هذا السفر أيضا لا يوجب قصر صلاة هذا اليوم على رأيه مع أنه يوجب قصر صومه البتة و القول بأنه موجب لقصر الصلاة لو فعلها في الوقت تكلف و اعلم أن ذكر أمثال هذه الوجوه الضعيفة من دأبهم بعد ثبوت الحكم بالدليل المعتمد عليه كالنصوص التي ذكرها فيما نحن فيه و أما حجة القول الثاني أعني قول علي بن بابويه فعموم قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ حيث أوجب الإفطار على المسافر و هو يصدق على الخارج قبل الغروب بيسير فيجب عليه الإفطار كما أن المريض يفطر متى عرض له ذلك و أن السفر مناف للصوم و الصوم عبادة لا تقبل التجزي و قد حصل المنافي في جزم منه فأبطله و ما رواه عبد الأعلى مولى آل سام في الرجل يريد السفر في شهر رمضان قال

376

يفطر و إن خرج قبل مغيب الشمس بقليل و الجواب أما عن الأولى فبان الحكم في الآية الشريفة على سبيل الإجمال و النصوص الصحيحة تفيد التفصيل كما عرفت و ذكر البيضاوي في تفسير قوله تعالى أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أو راكب سفر و فيه إيماء بأن من سافر أثناء اليوم لم يفطر و ضعفه ظاهر إذ يحتمل أن يكون وجه العدول من قوله مسافرين إلى قوله على سفر إفادة أصل تشبيه السفر بالمركوب من دون إيماء إلى حكم أو الإشعار بأن مطلق الشروع في الحركة لا يوجب الإفطار بل لا بد من استيلاء على السفر بقطع قدر خاص و وصول حد مخصوص أو إفادة أن المسافر إذا عزم على الإقامة في أثناء السفر و ضعف استيلاؤه على السفر و ركوبه عليه الرخصة له في الإفطار و مع وجود هذه الاحتمالات لا يمكن القدح في كون ظاهر الآية الإطلاق بمجرد ادعاء هذا الإيماء و قد تشبث بذلك صاحب المدارك في ذيل جواب الاستدلال بعموم الآية مع أنه ينافي مذهبه أيضا و حمله على الإيماء على اعتبار السفر في أكثر اليوم ضعف في ضعف و أما عن الثانية فبان منافاة السفر للصوم مطلقا إنما يعلم من عموم الآية الشريفة و الأخبار الواردة في هذا الباب و قد سبق ذكرها و هذا العموم لا يعارض الأخبار الصحيحة الدالة على التفصيل و لا يوجب طرحها و أما عن الثالثة فبأن الرواية في غاية الضعف و لا تصلح لمعارضة غيرها من الأخبار و الشيخ حملها في التهذيب بعدم تسليم السند على من بيت نية السفر و حمل قوله يفطر على جواز الإفطار و إن كان الإمساك أولى له كما هو رأيه و أما حجة القول الثالث فقال المحقق في المعتبر لنا قوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ و هو على إطلاقه و لا يلزم ذلك علينا لأن مع نيته من الليل يكون صوما مشروطا في نيته و لأنه إذا عزم من الليل لم ينو الصوم فلا يكون صوما تاما و لو قيل يلزم على ذلك لو لم يخرج أن يقضيه التزمنا ذلك فإنه صام من غير نية إلا أن يكون جدد نيته قبل الزوال و يؤيد ذلك من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) روايات منها رواية رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله في الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح قال يتم صوم يومه ذلك و رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في الرجل يسافر في شهر رمضان أ يفطر في منزله قال إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله و إن لم يحدث نفسه من الليلة ثم بدا له في السفر من يومه أتم صومه و عن أبي بصير قال إذا خرجت بعد طلوع الفجر و لم تنو السفر من الليل فأتم الصوم و اعتد به من شهر رمضان و أقول إطلاق الآية الشريفة لا تقاوم ظاهر الآية و النصوص الدالة على خلافه كما عرفت و ما ذكره من أنه إذا عزم من الليل لم ينو الصوم فغير صحيح إذ لا ريب في وجوب الصوم عليه شرعا و عدم جواز الإفطار له ما لم يتحقق السفر فلا بد له من نية شرعية و تلك النية ليست إلا العزم على الإمساك حتى يتحقق المجوز للإفطار شرعا و مثل هذا الشرط لا يضر بالنية و لا العبادة بل لا يخلو نية عن هذا الاشتراط حقيقة و إن لم يخطر بالبال تفصيلا ليس كل صائم يصوم بشرط أن لا يعرض له مرض ينافي الصوم و يوجب الإفطار و لا يتفاوت الحال بظن الحدوث و عدمه و الأخبار التي ذكرها لعدم صحة سندها لا تعارض الصحية أما خبر رفاعة بن موسى فمن الموثق و يحتمل أن يكون المراد بإتمام الصوم عدم الخروج إلى السفر في أثناء اليوم استحبابا أو يكون المراد التشبه بالصائمين ندبا لانعقاد صومه في بلده في أول اليوم شرعا و خبر علي بن يقطين أيضا من الموثق و يحتمل ما ذكرناه في الخبر السابق مع زيادة هي أن الغالب أن الخارج قبل الزوال يحدث نفسه في الليل بالسفر فكأنه (عليه السلام) عبر عن الخارج قبل الزوال أو بعده بما عبر بناء على الغالب و الخبر الثالث مع إرساله موقوف على أبي بصير غير مسند إلى أحد من الأئمة (عليهم السلام) و يحتمل التأويل على نحو ما ذكرناه في الخبرين السابقين ثم إن مذهب الشيخ (رحمه الله) قريب من مذهب المحقق و استدل عليه بالأخبار المنقولة في المعتبر و بخبر أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا أردت السفر في شهر

رمضان فنويت الخروج من الليل فإن خرجت قبل الفجر أو بعده فأنت مفطر و عليك قضاء ذلك اليوم و هذا الخبر ضعيف السند و الدلالة أيضا لأن التقييد بقوله فنويت الخروج من الليل لا يدل على اشتراط نية الخروج من الليل و بخبر سليمان بن جعفر الجعفري قال سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينوي السفر في شهر رمضان فيخرج من أهله بعد ما يصبح قال إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم إلا أن يدلج دلجة و هذا الخبر مع ضعف سنده لا دلالة له على مذهب الشيخ و إنما يدل على اعتبار الخروج قبل الفجر في جواز الإفطار و هو غير المذهب و يدل عليه أيضا بعض أخبار أخر و لكنها ضعيفة الاسناد كخبر سماعة قال سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر قال إذا طلع الفجر و لم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم و إن خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر و لا صيام عليه الحديث و أيضا خبر سماعة قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) من أراد السفر في رمضان فطلع الفجر و هو في أهله فعليه صيام ذلك اليوم و إذا سافر لا ينبغي أن يفطر ذلك اليوم وحده و ليس يفترق التقصير و الإفطار فمن قصر فليفطر و صحيحة رفاعة بن موسى تدل على تخيير من أصبح في بلده بين الصوم و الإفطار حيث قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد السفر في رمضان قال إذا أصبح في بلده ثم خرج فإن شاء صام و إن شاء أفطر و قال العلامة في آخر كلامه في المختلف و اعلم أنه ليس بعيدا من الصواب تخيير المسافر بين الفطر و الإتمام إذا خرج بعد الزوال لرواية رفاعة و إنما قيدنا ذلك بالخروج بعد الزوال جميعا بين الأخبار و أنت خبير بعد حمل هذا الخبر على ما بعد الزوال و لكنه خبر واحد صحيح السند غير مشهور القائل يعارض ظاهره لظاهر الأخبار الصحيحة المعمولة فلا بد من تأويله و قال بعض المحققين طاب ثراه في تأويله أن المراد بإن شاء صام أنه إن شاء أبطل السفر و رجع عن نيته و صام و إن شاء التزم و أفطر

377

أقول لفظ ثم خرج يأبى عن هذا الحمل كل الإباء و يفطر المسافر للنزهة لإباحة سفره بحكم الأصل فيجب عليه الإفطار و القضاء كما مر خلافا للحسن حيث أوجب عليه الصوم و القضاء و كذا على من خرج في شيء من أبواب المعاصي و نحوه قال ابن الجنيد أما وجوب الصوم على العاصي بسفره فظاهر و أما وجوبه على المسافر للنزهة فلأن السفر مناف للصوم فلا يجوز له فعل كالإفطار خرج عنه ما ورد فيه الرخصة و بقي الباقي و لما رواه أبو بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخروج إذا دخل رمضان فقال لا إلا فيما أخبرك به خروج إلى مكة أو غزو في سبيل الله أو مال تخاف هلاكه أو أخ تريد وداعه و قال إنه ليس أخا من الأب و الأم و لما ورد بمضمونه كما سيأتي ذكره و أما وجوب القضاء عليهما فلأن صوم الإنسان في السفر ليس بصوم و إنما أمر بالإمساك عن الإفطار لئلا يكون مفطرا في شهر رمضان في غير الوجه الذي أباح الله عز و جل له الإفطار فيه كما أن المفطر في يوم من شهر رمضان عامدا قد أفسد صومه و عليه أن يتم صومه ذلك إلى الليل و لعموم قوله تعالى وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ و الجواب أما عن دليل وجوب الصوم على المسافر للنزهة فهو أن السفر مسقط للصوم و لا نسلم عدم جواز فعل المنافي إذا كان مسقطا و هذا بخلاف الإفطار لأنه مفسد غير مسقط و ضعف سند الرواية يمنع عن الاحتجاج بها مع معارضتها للأصل و عموم الأخبار كما سبق ذكر بعضها و سيأتي البعض و أيضا لا تدل بظاهرها إلا على عدم جواز الخروج إلى السفر بعد دخول الشهر إلا فيما استثناه مع أن ظاهر كلام الحسن أعم من ذلك لشموله لمن دخل عليه الشهر في السفر و الحكم بمجرد ذلك أيضا على وجوب الصوم على من خرج كذلك لا يخلو عن إشكال إذ لا يبعد أن يكون الحكم بوجوب الصوم في السفر الحرام مخصوصا بما إذا كانت الحرمة من غير جهة منافاة السفر للصوم و كذا الكلام في ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة عمار بن مروان المتقدمة أو في معصية الله عز و جل و الأولى حمل النهي عن الخروج الوارد في تلك الرواية على الكراهة كما يستفاد من حسنة الحلبي بإبراهيم بن هاشم في الكافي و صحيحته في الفقيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر فسكت فسألته غير مرة فقال يقيم أفضل إلا أن يكون حاجة لا بد من الخروج فيها أو يتخوف على ماله و أما عن دليل وجوب القضاء على من خرج في شيء من أبواب المعاصي فبأنا لا نسلم أن السفر مطلقا مناف للصوم بل السفر الذي يجب فيه التقصير ينافي باعتبار إسقاطه له و السفر الذي لا يوجب القصر حيث لا يسقطه فلا دليل على منافاته له و المسافر بهذا السفر لكونه مأمورا بالصوم إذا امتثل فالظاهر أنه يخرج عن العهدة و لا يمكن الحكم عليه بوجوب القضاء لأنه بأمر جديد و فساد صوم المفطر عامدا في يوم شهر رمضان واضح جدا فيجب عليه القضاء و أما الآية الكريمة فلا تدل على مطلوبه إذ الظاهر منها أنه تعالى أمر الشاهد بالصوم و المريض و المسافر بالإفطار و صيام العدة و حيث لا يسوغ لهذا المسافر الإفطار كما ظهر من السنة فلا يشمله حكم وجوب صيام العدة أيضا كما لا يخفى و لا يحرم السفر على من شهد الشهر حاضرا أي و لا يحرم السفر على من أدرك هلال الشهر حال كونه حاضرا غير مسافر للأصل و الآية إذ الظاهر و الله تعالى يعلم أن المعنى أن من حضر منكم و لم يكن مسافرا في الشهر كله أو بعضه مع القدرة على الصوم فيجب عليه صيام ما حضر فيه و من كان فيه مريضا غير قادر أو على سفر فلا يصوم و يجب عليه صوم عدة أيام المرض أو السفر من أيام أخر فنصب الشهر على الظرف و حذف الجار و إفادتها لجواز السفر فيه في غاية الظهور حيث جعل سبحانه المريض و المسافر فيه مطلقا مقابلا للمقيم القادر و بين ما اشتركا فيه من الحكم و من عليهما بتخفيف حكم وجوب الصوم من غير نكير و أكد رأفته بإظهار إرادة التيسير و لقوله تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ لأن المنع

من السفر يتضمن الحرج و الضرر و ينافي إرادة اليسر و عدم إرادة العسر و لما استفدته من الأخبار السالفة و لصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيام فقال لا بأس به بأن يسافر و يفطر و لا يصوم و قال محمد بن بابويه بعد ذكر هذه الرواية في الفقيه و قد روى ذلك أبان بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) و لصحيحة حماد بن عثمان قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل من أصحابي قد جاءني خبره من الاعراض و ذلك في شهر رمضان أتلقاه و أفطر قال نعم قلت أتلقاه و أفطر أو أقيم و أصوم قال تلقه و أفطر و الاعراض بالمهملتين و الضاد المعجمة قرى بين الحجاز و اليمن قاله الجوهري و في بعض النسخ أعوص بالعين و الصاد المهملتين و هو قرية قرب المدينة و واد بديار بأهله قاله في القاموس و لصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يشيع أخاه مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة قال إن كان في شهر رمضان فليفطر قيل أيهما أفضل يصوم أو يشيعه قال يشيعه إن الله عز و جل قد وضعه عنه و قد روي هذا الخبر بأدنى تغيير في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) و رواه في المختلف عن أبان بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) و كأنه نشأ عن سقوط بعض الكلمات عن نسخة الفقيه التي كانت عنده (رحمه الله) و العبارة في النسخ الصحيحة بعد ذكر خبر محمد بن مسلم هكذا و قد روى ذلك أبان بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) و سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يشيع إلى آخره و روي في الكافي أيضا بأدنى تغيير عن أبان بن عثمان عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و لما رواه سعيد بن يسار قال سألت أبا عبد الله عن الرجل يشيع أخاه في شهر رمضان فيبلغ مسيرة يوم أو مع رجل من إخوانه أ يفطر أو يصوم قال يفطر و كأنه أراد بقوله أو مع رجل من إخوانه أنه يسافر بقصد رفاقة رجل من إخوانه خلافا للحلبي

378

أبي الصلاح التقي فإنه قال إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا و احتج بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و برواية أبي بصير المتقدمة و بما رواه الحسين بن المختار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا تخرج في رمضان إلا للحج أو العمرة أو مال تخاف عليه الفوت أو لزرع يحين حصاده و بأن السفر مناف للصوم فلا يجوز له فعله كالإفطار و قد تقدم الكلام في الآية الشريفة و كأنه جعل الشهر مفعولا به و المعنى فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه كقولك شهدت الجمعة أي صلوتها و يكون قوله تعالى وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ مخصصا له و لا بد أن يحمل على من كان مريضا أو مسافرا حين شهد هلال الشهر حتى يصير دليلا له و يحتاج حينئذ إخراج من شهد الهلال صحيحا مقيما ثم عرض له المرض في أثناء الشهر أو سمح له السفر ضرورة عن حكم وجوب الصوم إلى دليل من الخارج و لا ريب في بعده و كمال رجحان التفسير الأول و على تقدير التساوي أيضا لا يمكنه الاستدلال بل لا بد من الظهور و انتفاؤه ظاهر و العلامة (رحمه الله) في المختلف حمل قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ على من حضر جميع الشهر في بلده و لا يخفى ما فيه و قد عرفت حال الاحتجاج بخبر أبي بصير و قوله (عليه السلام) أو أخ تريد وداعه كما نقلنا عن الكافي ينافي ظاهر قول أبي الصلاح حيث قال لم يحل له السفر مختارا و لكن في الفقيه و التهذيب بدل ذلك أو أخ تخاف هلاكه و العلامة (رحمه الله) في المختلف وصف هذا الخبر في هذه المسألة بالمسألة بالصحة و قال في مقابل استدلال الحسن به و الجواب بعد صحة السند و كان نظره (رحمه الله) إلى ما وقع في بعض نسخ الفقيه هكذا روى أبو حمزة عن أبي بصير و الظاهر أنه من سهو الكتاب و الصحيح كما رأيته في النسخة القدمية الصحيحة موافقا للكافي و التهذيب روى علي بن أبي حمزة عن بصير و على هو قائد أبي بصير يحيى بن القاسم و رواية قاسم بن محمد الجوهري كما وقع في الكتابين و خبر حسين بن المختار يشارك هذا الخبر في ضعف السند و باقي الكلام و قد عرفت الجواب عن الاستدلال بمنافاة السفر للصوم و لو تم هذا الدليل لدل على ما هو أعم بما ذهب إليه أبو الصلاح نعم يكره إلى ثلث و عشرين دليل أصل الكراهة الأخبار الدالة على المنع مع قصورها عن إفادة التحريم كما عرفت و صحيحة الحلبي المتقدمة و رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له جعل فداك يدخل علي شهر رمضان فأصوم بعضه فيحضرني نية زيارة قبر أبي عبد الله (عليه السلام) فأزوره و أفطر ذاهبا و جائيا أو أقيم حتى أفطر و أزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين فقال أقم حتى تفطر قلت له جعلت فداك فهو أفضل قال نعم أما تقرأ كتاب الله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ و أما حد الكراهة فيستفاد مما رواه علي بن أسباط عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط قال الله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه و ليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه فإذا مضت ليلة ثلث و عشرين فليخرج حيث شاء و زوال الكراهة في الرواية بمضي ليلة ثلث و عشرين و في عبارة المصنف (رحمه الله) بدخولها و قال أكثر الأصحاب يكره السفر إلى أن يمضى من الشهر ثلث و عشرون يوما و أنت خبير بأن القول بالكراهة مطلق باعتبار هذه الأخبار الضعيفة مع ما مر في صحيحة حماد بن عثمان من الأمر بتلقي القادم المؤمن و الإفطار و في صحيحة محمد بن مسلم من أفضلية المشايعة لا يخلو عن إشكال و سيجيء في كلام المصنف (رحمه الله) استثناء التشييع و التلقي عن هذا الحكم و لو قدم قبل الزوال و لم يتناول أمسك واجبا بنية صوم رمضان و لا قضاء و لا أعرف فيه مخالفا من الأصحاب و يخدش بذلك ما مر من الحسن و التقي أن السفر مناف للصوم كالإفطار و يدل عليه ما سبق عن المحقق أنه يتمكن من أداء الواجب على وجه تؤثر النية في ابتدائه فوجب و ما رواه أحمد بن محمد قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل

قدم من سفر في شهر رمضان و لم يطعم شيئا قبل الزوال قال يصوم و ما رواه أبو بصير قال سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فقال إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به و ما رواه يونس قال قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان و قد أكل قبل دخوله قال يكف عن الأكل بقية يومه و عليه القضاء و قال في المسافر يدل أهله و هو جنب قبل الزوال و لم يكن أكل فعليه أن يتم صومه و لا قضاء عليه يعني إذا كانت جنابته من احتلام و الظاهر أن يعنى كلام يونس و حملها على جنابة لم تخل بصحة الصوم و لا يعارض هذه الأخبار بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به من شهر رمضان فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر و هو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم و إن دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه و إن شاء صام لأن المراد بقوله (عليه السلام) فلا صيام عليه و إن شاء صام كما عرفت سابقا أنه لا يتعين عليه صوم ذلك اليوم بل يتخير بين الأكل و الإمساك قبل الدخول فأما لو أمسك و دخل فيتعين عليه الصيام كما يظهر من أخبار أخر و إلا يقدم قبل الزوال و التناول بل بعد أحدهما أمسك بالنية استحبابا تأديبا لما مر فيمن بلغ في أثناء النهار و لما سبق آنفا في رواية يونس و لقول علي بن الحسين (عليه السلام) في رواية الزهري و كذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه و ليس بفرض و لما رواه سماعة قال سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل قال لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا و لا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل و حمله على النهي التنزيهي عن التناول قبل الدخول بعيد ثم الظاهر من قول المصنف تأديبا أنه لا يقول بأنه صوم مستحب و إن دخل بعد الزوال و لم يتناول و لعله لعدم

379

وقوع صوم آخر في رمضان و هذا بخلاف من بلغ في أثناء النهار كما مر من ظاهر كلامه حسب ما شرحناه فإنه باعتبار عدم تكليفه في أول النهار يمكنه إيقاع الصوم المندوب فيه و يحتمل أن يكون استثناء المصنف (رحمه الله) من خصوص عدم التناول و يكون المعنى و إن تناول أمسك تأديبا و كأنه أوفق باصطلاحهم في التأديب فيكون حكم الدخول بعد الزوال مسكوتا عنه هاهنا لما سيأتي بعد حيث يقول و يستحب الإمساك للمسافر و المريض بزوال عذرهما و قد تناولا أو كان بعد الزوال و قال الشيخ في النهاية و المسافر إذا قدم أهله و كان قد أفطر فعليه أن يمسك بقية النهار تأديبا و كان عليه القضاء و إن لم يكن قد فعل شيئا ينقص الصوم وجب عليه الإمساك و لم يكن عليه القضاء و ظاهره وجوب الصوم مع عدم تحقق الإفطار في الخارج و إن كان القدوم بعد الزوال و جرى على هذا الإطلاق في تتمة كلامه و يشكل ذلك بفوات وقت النية و بما يستفاد من الأخبار من اعتبار الزوال و في رواية سماعة و قد ذكرنا صدرها سابقا و إن قدم بعد زوال الشمس أفطر و لا يأكل ظاهرا و الأولى اعتبار القيد في كلامه ليوافق فتواه في المبسوط و التهذيب و الاحتياط في الإمساك و القضاء و لو علم القدوم قبل الزوال تخير في الإفطار و الإمساك للأصل و لصحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار فقال إذا طلع الفجر و هو خارج لم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر و لحسنة رفاعة بن موسى بإبراهيم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار قال إذا طلع الفجر و هو خارج لم يدخل فهو بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر و للصحيحة السابقة عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا سافر الرجل إلى آخر الخبر و لما ورد في تتمة رواية سماعة المتقدمة و إن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء و هو أي الإمساك أفضل لما فيه من المسارعة إلى الخير و عدم تضييع صوم يوم من شهر رمضان مع ما فيه من مزيد الأجر و الثواب لرواية رفاعة تعليل لقوله تخير في الإفطار و الإمساك و قد مر ذكر الرواية و هو تخيير في صوم رمضان تابع لسببه من الإفطار المجوز في حال السفر فيفوت الصوم و الإمساك المجوز حتى يدخل قبل الزوال و قبل فوات وقت النية فيتعين عليه الصيام كما يتخير المسافر بين نية المقام و عدمه فيتبعه الصوم ذكر نظيرا واضحا له ليزيل عن الوهم بعده و القدوم يحصل برؤية الجدران أو سماع الأذان رأي المصنف (رحمه الله) في هذا الكتاب كما مر منه في الصلاة و في سائر كتبه إلا اللمعة أن القصر إنما يكون ذهابا و عودا عند خفاء الأمارتين فالقدوم و زوال الترخص في العود إنما يحصل بإدراك أحدهما و المدرك لأحدهما بحكم المقيم سواء كان خارجا إلى السفر أو راجع منه و إليه ذهب العلامة و الشهيد الثاني و أكثر المتأخرين و قال الشيخ علي بن بابويه إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه و به رواية مرسلة عن الصادق (عليه السلام) أنه قال إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه و لا حجة في المرسلة و يمكن حملها على الخروج و العود المعهودين من الشرع و اعتبر أكثر المتقدمين في الترخص على ما قاله الشهيد إن أحد الأمر من خفاء الجدران و عدم سماع الأذان و الظاهر أنهم يعتبرون في القدوم إدراكهما معا و جعل جماعة منهم المرتضى (رحمه الله) نهاية القصر دخول المنزل و لكن السيد يعتبر في الذهاب خفاء الأمارتين معا و ظاهر كلام الحسن و المفيد و سلار و أبي الصلاح و صريح ابن إدريس اعتبار الأذان خاصة و ظاهر الصدوق في المقنع اعتبار الحيطان و يظهر من كلام الشيخ أولا في المبسوط أن المعتبر الحيطان قال حصل حائل فالأذان و لكن صرح بعد ذلك في موضعين باعتبار أحدهما كما قاله في النهاية و الخلاف و احتج في المختلف على اعتبار الأمرين معا في الذهاب بقوله تعالى إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ فعلق نفي البأس بالضرب في الأرض و لا يتحقق في المنازل فلا بد

من اعتبار الخروج عن البلد و إنما يتحقق ذلك بغيبوبة الأذان و الجدران و احتج أيضا بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يريد السفر متى يقصر قال إذا توارى من البيوت و ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عنه (عليه السلام) قال سألت عن التقصير قال إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر و إذا قدمت من سفر فمثل ذلك أقول ضعف احتجاجه بالآية الشريفة واضح لأن مراده بالمنازل إن كان دور البلد فعدم تحقق الضرب ما دام المسافر فيما بينهما في محل المنع لأن الضرب في اللغة السير قال الجوهري ضرب في الأرض ضربا و مضربا بالفتح أي سار في ابتغاء الرزق و فسر البيضاوي ضربتم بسافرتم و الظاهر صدق اسم السائر و المسافر لغة على من خرج من منزله بقصد السفر و إن كان بين جدران البلد و عمارتها و عدم صدق الاسم شرعا أول البحث و إن كان منازل المسافرين فلا يتفرع عليه قوله فلا بد من اعتبار الخروج عن البلد و لا يمكنه التشبث بالوفاق مع ما عرفت من ذهاب علي بن بابويه إلى أن المناط الخروج عن المنزل ثم ادعاء أن الخروج عن البلد لا يتحقق إلا بغيبوبتهما معا ففي مرتبة أصل الدعوى لأن أكثر المتقدمين كما عرفت على تحققه بغيبوبة أحدهما نعم يمكن أن يقال أن اشتراط الخوف في الآية يشعر بأن القصر إنما يكون في موضع تحقق الخوف في الأغلب فلا بد من اعتبار الخروج عن البلد و لا يقول أحد بأن المناط مجرد الخروج عن البلد فلا بد من اعتبار الغيبوبة و أما اعتبار غيبوبتهما معا فلا دلالة في الآية الكريمة

380

عليه و أما احتجاجه بالخبرين ففيه أولا إن الظاهر من خبر محمد بن مسلم اعتبار مواراة الشخص عن البيوت لا مواراة البيوت عن الشخص كما يقولونه و يمكن ادعاء ظهور أن هذا من باب القلب كما فهمه الأصحاب لأن اللائق في هذا المقام نصب علامة للمسافر يمكنه العلم بها بسهولة في بادي النظر حتى يعمل بها و ظاهر أنها مواراة البيوت عنه لا مواراته عنها و ثانيا إن كل خبر لا يدل إلا على اعتبار أمارة واحدة فكيف يمكن الاحتجاج بهما على اعتبار الأمارتين معا لا يقال في اعتبار الأمارتين عمل بمدلولهما معا كما أفاده الشهيد الثاني حيث قال في شرح الإرشاد و الجمع بين الخبرين يحصل بالعمل بمدلولهما معا و المتقدمون جمعوا بينهما بالتخيير و ليس بواضح و لعله أراد بالتخيير الاكتفاء بكل واحد منهما كما هو زعم المتقدمين و فيه تكلف لأنا نقول المستفاد من خبر محمد بن مسلم جواز القصر بل وجوبه عند المواراة و خبر عبد الله بن سنان يدل على وجوب التمام عند السماع و وجوب القصر عند عدمه فإذا تخلف المواراة عند عدم السماع و حكمنا عليه بوجوب التمام كما يلزم من القول باعتبارهما معا فما عملنا بظاهر خبر عبد الله و إذا تخلف عدم السماع عن المواراة و حكمنا عليه بوجوب التمام فما عملنا بظاهر شيء من الخبرين البتة فقد ظهر أن على رأي المتأخرين لا بد من ارتكاب تكلف حمل الأمر بالقصر و ما في معناه عند تحقق العلامة على أنه لا بد في القصر من تحققها و على طريقة القدماء لا بد من ارتكاب تكلف حمل الأمر بالتمام عند سماع الأذان على هذا المعنى و لا يبعد ادعاء أن التكلف على طريقتهم أقل منه على طريقة المتأخرين و العجب أن الشهيد الثاني مع أنه قد أسقط عن رواية عبد الله بن سنان حديث الأمر بالتمام عند السماع حكم بعدم وضوح ما فعله المتقدمون كما ترى و هو أعرف بما قال و الذي أظنه أن بناء تحديده (عليه السلام) للقصر تارة بعدم سماع الأذان و تارة بخفاء الجدران على ما هو الغالب من عدم انفكاكهما في أكثر المواضع و المعتبر خفاؤهما معا و الغرض من ذكر كل منهما منفردا تسهيل الأمر على المكلف بالتعويل على ما تيسر له منهما مع الاعتماد على ما هو الغالب و على هذا فلو فرضنا موضعا على سبيل الندرة يوجد فيه أحدهما دون الآخر فيجب عليه فيه التمام في الذهاب و يعضده الاستصحاب أيضا و أما في العود فالظاهر أيضا الحكم فيه بالتمام لخبر عبد الله بن سنان بضميمة ما قلناه في وجه ذكر إحدى الأمارتين و لأن اعتبار تحقق الأمارتين في الخروج إنما هو لكون ما دون ذلك في حكم البلد فلا يقصر فيه و احتج العلامة في المختلف على هذا المطلب بأن حد ابتداء السفر أحدهما فيكون هو نهايته إذ الأقرب لا يعد قاصده مسافرا كما في الابتداء و كان خلاصته ما ذكرناه و أراد بحد ابتداء السفر الحد الذي لا يكون الشخص عنده مسافرا شرعا و بالتجاوز عنه يصير مسافرا و ضمير أحدهما للمشاهدة و السماع و كون أحدهما حد ابتداء السفر لأجل أن ابتداء السفر على رأيه كما عرفت انتفائهما معا و قوله إذا الأقرب لا يعد قاصده مسافرا لا يخلو عن تكلف و الأظهر أن يقال لأن من كان في هذا الحد لا يعد مسافرا و المحقق (رحمه الله) اعتبر في الإياب الأذان وحده عملا بظاهر النص إذ لا نص في جانب العود على اعتبار المواراة و احتج من جعل المناط فيه دخول المنزل بما رواه العيص بن القاسم في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته و ما رواه إسحاق بن عمار في الموثق عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أ يتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله قال بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله و يؤيده الأصل و الاستصحاب أيضا و الجواب أنه لا بد للجمع من حمل البيت و الأهل على ما دون الخفاء فإنه بحكم المنزل و الداخل فيه بحكم المقيم و فرض دخول بيوت الكوفة في الخبر الثاني لا يأبى عن ذلك فإنها كانت واسعة الخطة فلعله دخل منها ما لا يسمع فيه أذان محلته و ربما يشعر بذلك موثقة عبد الله بن بكير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون بالبصرة و هو من أهل الكوفة له بها دار و منزل فيمر بالكوفة و إنما هو مجتاز لا يريد المقام إلا بقدر ما يتجهز

يوما أو يومين قال يقيم في جانب المصر و يقصر قلت فإن دخل أهله قال عليه التمام و يحتمل أيضا أن يكون الكوفة نهاية السفر في الذهاب فسأل الراوي عن حكم وجوب التمام أو القصر في منتهى الذهاب و أجاب (عليه السلام) بعدم وجوب التمام من دون قصد الإقامة حتى يرجع و يدخل بلده و أهله و يمكن أيضا أن يكون السؤال عن الصلاة التي وجبت في الطريق قبل الحد و يكون المراد بقوله أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله أنه يقصر الصلاة التي يجب في الطريق حتى يدخل أهله و تجب عليه الصلاة بعد الدخول و كمال التكلف في الكل واضح و الباعث على ارتكابه صحة خبر عبد الله بن سنان و صراحته مع ما يلزم من العمل بظاهر هذين الخبرين القول بوجوب التمام و انقطاع القصر بدخول الحد في البلدة التي من نية المسافر الإقامة فيها في أثناء السفر أو يكون له بها ملك مع الاستيطان و القول بوجوب القصر و عدمه انقطاعه بدخول البلدة التي يتوطن فيها على الدوام حتى يدخل منزله و أهله مع اشتراك نية الإقامة و الملك و هو مستبعد جدا و المسألة باعتبار تعارض الأخبار كما ترى لا يخلو عن إشكال و يزيد فيمن يدخل بلده مجتازا و لا يدخل منزله كما مر في رواية ابن بكير و ينبغي الأخذ بالاحتياط حيث ثم المتبادر من الأذان الأذان المتوسط الشائع في البلاد لا المفرط في العلو أو المنخفض و كذا المتبادر من الجدران الجدران الشائعة لا المنائر و القباب و القلاع الرفيعة و يعتبر الحاسة المعتدلة و الأرض المستوية عادة و يقدر المختلفة جدا بالمستوية و لا بد من اعتبار نفس الصوت لا تميز الفصول و صورة الجدار لا الشبح ليتقارب الأمارتان و يعتبر آخر الجدران و الأذان من البلد ما لم تتسع الخطة فتعتبر المحلة إذ من المعلوم أن المراد من البيوت الواردة في

381

النص البيوت التي ينسب في العرف خروجه إليها و تلك هي التي ذكرناها و ما قيل من أن اعتبار المحلة ما لا وجه له لا وجه له و قس عليها الحال في الأذان و لا يحرم الجماع في نهار شهر رمضان على المسافر الذي يسوغ له الإفطار لأن المنع عنه باعتبار وجوب الصوم و قد زال ذلك بالسفر و لصحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أ يواقعها قال لا بأس به و صحيحة عمر بن يزيد قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان أ له أن يصيب من النساء قال نعم و حسنة علي بن الحكم عن عبد الملك بن عتبة الهاشمي قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) يعني موسى (عليه السلام) عن الرجل يجامع أهله في السفر و هو في شهر رمضان فقال لا بأس به و ليس في أكثر نسخ التهذيب في سند هذه الرواية عبد الملك و نسبتها في المختلف أيضا إلى علي بن الحكم و وصفها بالصحة و لكن الظاهر أن سقوطه من سهو الكتاب حيث يوجد في الكافي و بعض نسخ التهذيب أيضا و مع وجوده فوصفها بالصحة كما في المدارك مشكل لأن الثقة عبد الملك بن عتبة الصيرفي النخعي الكوفي صاحب الكتاب و أما ابن عتبة الهاشمي اللهبي المكي فتوثيقه غير مذكور في كتب الرجال و لكن ذكروا أن الهاشمي كان يروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و أن النخعي كان يروي عن أبي عبد الله و أبي الحسن (عليهما السلام) و المذكور هنا الهاشمي مع أنه يروي عن أبي الحسن (عليه السلام) و بالجملة سند هذه الرواية لا يخلو عن اشتباه و حسنة سهل قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و هو مسافر قال لا بأس و موثقة أبي العباس عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يسافر و معه جارية في شهر رمضان هل يقع عليها قال نعم و موثقة داود بن الحصين قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في رمضان و معه جارية أ يقع عليها قال نعم خلافا للنهاية حيث قال و لا ينبغي له أن يتملأ من الطعام و لا أن يروي من الشراب و لا يجوز له أن يقرب الجماع بالنهار إلا عند الحاجة الشديدة إلى ذلك و مستنده صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا سافر الرجل في رمضان فلا يقرب النساء بالنهار في رمضان فإن ذلك محرم عليه و صحيحة ابن سنان قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له أ له أن يصيب منها بالنهار فقال سبحان الله أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان إن له في الليل سبحا طويلا قلت أ ليس له أن يأكل و يشرب و يقصر فقال إن الله عز و جل رخص للمسافر في الإفطار و التقصير رحمة و تخفيفا لموضع التعب و النصب و وعث السفر و لم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان و أوجب عليه قضاء الصيام و لم يوجب عليه تمام الصلاة إذا آب من سفره ثم قال و السنة لا تقاس و إني إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت و ما أشرب كل الري و السبح الفراغ قال قتادة في قوله تعالى إِنَّ لَكَ فِي النَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلًا فراغا طويلا و وعثاء السفر مشقته و كان ذكر جملة و أوجب عليه قضاء الصيام لبيان عدم صحة القياس و ما آكل إلا القوت أي الضروري و في الفقيه كل القوت و هو أظهر و رواية عبد الله بن سنان قال سألته عن الرجل يأتي جاريته في شهر رمضان بالنهار في السفر فقال أما يعرف هذا حق شهر رمضان أن له في الليل سبحا طويلا و الشيخ في التهذيب جمع بين هذه الأخبار و الأخبار السالفة الدالة على الجواز بحمل أخبار الإباحة على من غلبته الشهوة و لم يتمكن من الصبر عليها و يخاف على نفسه الدخول في محظور ثم قال مع أنه ليس في شيء من هذه الأخبار سوى خبر محمد بن مسلم أن للمسافر أن يطأ ليلا أو نهارا و إنما وردت متعرية من اقتران ذكر الزمان بها و يمكن أن يكون المراد بها الليل دون النهار و أنت خبير ببعد التأويلين جدا لعدم التعرض للضرورة في شيء

منها و عدم اختصاص جواز الوطي في الليل بالسفر و الجمع بحمل أخبار المنع على الكراهة الشديدة على ما هو المشهور أولى كما يشعر به بعض ألفاظ خبري ابن سنان و قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم فإن ذلك محرم عليه لا ينافي هذا فإن المحرم كثيرا ما يطلق في الأخبار بمعنى ما ينبغي و يليق تركه من دون إرادة استحقاق العقاب على فعله فلا ينافي الكراهة بالاصطلاح الجديد المشهور و المراد بالبأس المنفي في أخبار الجواز استحقاق العقاب و قال الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني بعد نقل هذه الأخبار المتنافية ظاهرا الفضل عندي أن يوقر الرجل شهر رمضان و يمسك عن النساء في السفر بالنهار إلا أن يكون تغلبه الشهوة و يخاف على نفسه فقد رخص له أن يأتي الحلال كما رخص للمسافر الذي لا يجد الماء إذا غلبه الشبق أن يأتي الحلال قال و يوجر في ذلك كما أنه إذا أتى بالحرام أثم و قال أبو جعفر محمد بن بابويه في الفقيه و النهي عن الجماع للمقصر في السفر إنما هو نهي كراهة لا نهي تحريم و حرمه الحلبي على كل مفطر إلا مع الضرورة و كذا التملي من الطعام و الشراب قال في المختلف و قال أبو الصلاح لا يجوز لمن سقط عنه فرض الصوم ببعض الأعذار أن يتملأ من الطعام و الشراب بل يقتصر على ما يمسك الرمق و لا يجوز له الجماع مختارا ما لم يخف فسادا في الدين و لعل دليله على عدم جواز التملي ما مر من قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان و إني إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت و ما أشرب كل الري و ما روي في من يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه أنه يشرب ما يمسك الرمق خاصة و عدم إفادة خبر ابن سنان للتحريم واضح و سيجيء البحث عمن يفطر الخوف التلف هل يبقى صومه و يقصر على ما يمسك به الرمق لحفظ النفس أو يفيد و يجب عليه القضاء و دليله على عموم تحريم الجماع على كل مفطر عموم العلة التي يستفاد للحرمة من خبري ابن سنان أعني لزوم مراعاة حرمة شهر

382

رمضان؟؟؟ و إن له في الليل سبحا طويلا و قد عرفت عدم ثبوت أصل الحرمة بهما فضلا عن عمومها و الوجه الكراهة في الجمع كما عرفت و لا يجب الصوم على المريض المتضرر به للآية و الإجماع و الأخبار و وجوب حفظ النفس و النهي عن إلقائها في التهلكة و لو لم يتضرر به يجب عليه بإجماع الفرقة ظاهر أو عليه أكثر العلماء أيضا كما قال في المنتهى قال و حكي عن قوم لا اعتداد بهم إباحة الفطر لكل مريض سواء زاد في المرض أو لم يزد و احتجوا بعموم قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً* و الجواب أنه مخصوص في المسافر و المريض معا بحصول المشقة الكثيرة به كما يشعر به قوله تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و لكن الشارع اعتبر في السفر مظنة كثرة المشقة لتعذر ضبطها في نفسها فرخص في السفر الطويل الذي بين حده و جعله مناطا للحكم بالقصر و المرض بعكس السفر حيث لا يمكن ضبط أصل المرض الذي يحصل معه المشقة الكثيرة بسبب الصوم لما ترى من اختلاف الأمراض في ذلك جدا و يمكن ضبط كثرة المشقة إذ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ فكثير ما يحصل له الظن بالضرر القوي بسبب الصوم بالوجدان أو التجربة أو أخبار من يفيد قوله الظن فجعل ذلك مناطا للرخصة و يدل عليه أيضا من الأخبار و ما روي في الفقيه عن حريز في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر و قال (عليه السلام) كلما أضر به الصوم فالإفطار له واجب و رواه في الكافي في الحسن بإبراهيم بدون قوله و قال (عليه السلام) إلى آخره و يحتمل على بعد أن يكون هذا خبرا مرسلا في الفقيه لا من تمام خبر حريز و ما روي في الفقيه أيضا عن بكير بن محمد الأزدي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سأله أبي و أنا أسمع عن حد المرض الذي يترك الإنسان فيه الصوم قال إذا لم يستطع أن يتسحر و رواه في الكافي عن بكر بن أبي بكر الحضرمي و ذكره و من رجال الصادق (عليه السلام) و رواه في التهذيب عن أبي بكر و كأنه الحضرمي الممدوح و بالجملة فسنده لا يخلو عن اضطراب و قوله (عليه السلام) إذا لم يستطع أن يتسحر يحتمل أن يكون معناه إذا لم يستطع أن يشرب الدواء أو يأكل الغداء في السحر بحيث لا يضره الصوم و ما رواه عمر بن أذينة في الحسن بإبراهيم قال كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسئله ما حد المرض الذي يفطر فيه صاحبه و المرض الذي يدع صاحبه الصلاة قال بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ و قال ذلك إليه هو أعلم بنفسه و قوله يدع صاحب الصلاة أي من قيام كما وقع في بعض نسخ الكافي و المراد يقال في الموضعين أنه كتب في الجواب و ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح و في سنده محمد بن عيسى عن يونس قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما حد المريض إذا نقه في الصيام قال ذلك إليه هو أعلم بنفسه إذا قوي فليصم يقال نقه من مرضه بالكسر نقها بالفتح و نقه بالفتح نقوها و هو ناقة و الجمع نقه بضم النون و تشديد القاف و ما رواه زرارة في الموثق قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ما حد المرض الذي يفطر فيه الصائم و يدع الصلاة من قيام فقال بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ و هو أعلم بما يطيقه و قوله تعالى بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ أي حجة بنية على أعمالها لأنه شاهد بها أو عين مبصرة بها أو التاء للمبالغة كقولك رجل راوية و طاغية و علامة قال الأخفش جعله في نفسه بصيرة كما يقال فلان جود و كرم و ذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة و عصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم و قيل إن المراد شهادة جوارحه فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه فالمراد بالإنسان هنا الجوارح و قيل الْإِنْسٰانُ مبتدأ و عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ جملة وقعت خبرا للمبتدإ و لا يخفى بعده و ما رواه سماعة في الموثق و في سنده محمد بن عيسى عن يونس قال سألته ما حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار كما يجب عليه في السفر من كان مريضا أو على سفر قال هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر و إن وجد قوة فليصمه كان المرض ما كان و قوله مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أي

يحكم ذلك من الكتاب الكريم و ما رواه سليمان بن عمرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اشتكت أم سلمة رحمة الله عليها عينها في شهر رمضان فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن تفطر و قال عشاء الليل لعينك ردى ثم إن التضرر به إما بحسب وجدانه زيادة المرض بالصبر على الجوع أو العطش أو عدم شرب الدواء أو بحسب التجربة في مرض سابق عليه مثله أو بحسب ظنه الحاصل بقول عارف يخبر بزيادة المرض بسبب الصوم أو بطؤ برئه أو شدة الألم به بحيث لا يحتمل عادة و لو كان العارف المخبر فاسقا أو كافرا لأن المجوز للإفطار الظن الحاصل من قوله لوجوب التحرز عن الضرر المظنون و لو اشتبه الحال فلا يسقط الصوم لشمول التكليف و عدم الظن بالمسقط و لو كان صحيحا و يخشى المرض بالصيام قال في المنتهى فيه تردد ينشأ من وجوب الصوم بالعموم و سلامته من معارضة المرض و من كون المرض إنما أبيح له الإفطار لأجل الضرر و هو حاصل هنا لأن الخوف من تجدد المرض في معنى الخوف من زيادته و تطاوله و أقول لا يبعد القول برجحان الوجه الثاني و يؤيده عموم قوله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ- يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ- لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و قوله (عليه السلام) في صحيحة حريز المتقدمة كلما أضر به الصوم فالإفطار له واجب و ما وقع من إفطار الحامل و المرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما و لو صام المريض المتضرر به لم يجزه للنهي المفسد للعبادة و وجوب صيام العدة عليه بحكم الآية و خالف فيه بعض الجمهور و لو كان جاهلا بالحكم بسقوط الصوم عن المريض لأنه أتى بخلاف ما هو فرضه فلا يجزيه و هذا بخلاف المسافر كما سبق في باب الصلاة من قوله لو أتم المسافر جاهلا فلا إعادة في الصلاة و الصوم لورود الأخبار الكثيرة في المسافر كصحيحة عبد الله بن أبي شعبة قال قلت

383

لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صام في السفر فقال إن كان بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذلك فعليه القضاء و إن لم يكن بلغه فلا شيء عليه و غيرها من الصحيحة و الحسنة و هل يلحق بجاهل الحكم ناسية قيل نعم لاشتراكهما في العذر و قيل لا و لعله الصحيح قصرا لما خالف الأصل على مورد النص و لشمول قوله (عليه السلام) إن كان بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذلك فعليه القضاء ظاهرا له و لا يمكن إلحاق المريض بالمسافر لبطلان القياس على إشكال في عدم الإجزاء لرواية عقبة من إجزاء صيام المريض فتحمل على الجاهل أو على من لا يضره روى عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل صام رمضان و هو مريض قال يتم صومه و لا يعيد يجزيه قال الشيخ في التهذيب يحتمل أن يكون إنما أجزأ صومه عنه لأنه صام و تكلف في حال لم يضر الصوم به و لم يكن قد بلغ إلى حد وجب عليه الإفطار و ذكر المصنف (رحمه الله) على سبيل الاحتمال حمله على الجاهل و لا يخفى بعده لقوله (عليه السلام) يتم صومه لأن الجاهل لو علم في الأثناء يجب عليه الفطر و القضاء البتة فلا بد من ارتكاب تكلف في تصحيح هذا القول و على كل من التأويلين يزول الإشكال و يحصل الجمع بين الأدلة كما أفاده المصنف (رحمه الله) و لكن على ما احتمله (رحمه الله) يلزم الحكم بالإجزاء عن الجاهل كما في المسافر و برؤه كقدوم المسافر فإن برئ قبل الزوال و التناول أمسك واجبا بنية صوم رمضان و لا قضاء عليه و إن برئ بعد أحدهما أمسك تأديبا و عليه القضاء و قد مر ما يستفاد منه هذا الأحكام و قال في المدارك و هذا قول علمائنا أجمع و قال و يدل على وجوب الصوم إذا حصل البرء قبل الزوال و التناول فحوى ما دل على ثبوته في المسافر فإن المريض أعذر منه أقول و ضعفه واضح إذ لا أولوية للأعذر بوجوب الصوم عليه بالنسبة إلى المعذور بل من الظاهر أن الأمر بالعكس و كأنه أراد أن الأعذر أولى بقبول الصوم منه لو نواه و أتى به ثم يستدل من ذلك على الوجوب و ضعف ذلك أيضا غير خفي على المتأمل ثم قد ورد في رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في عد وجوه صوم التأديب و كذلك من أفطر لعلة من أول النهار ثم قوي بقية يومه أمر بالإمساك عن الطعام بقية يومه تأديبا و ليس بفرض و قد وقع في كلام المفيد في المقنعة وجوب هذا الإمساك حيث قال و إذا أفطر المريض أياما من شهر رمضان أو يوما ثم صح من بقية يوم قد كان أكل فيه أو شرب فإنه يجب عليه الإمساك و يجب عليه مع ذلك القضاء لليوم الذي أمسك فيه و الظاهر كما أفاده الشيخ في التهذيب أن مراده بالوجوب الترغيب و التأديب و تأكد الاستحباب و يشعر بذلك قوله بعد هذا و كذلك إذا طهرت الحائض في بقية يوم قد كانت أكلت فيه أو شربت أمسكت تأديبا و عليها القضاء و لا يجب الصوم على الحائض و النفساء و لو في جزء من النهار كان رأت الدم في آخر النهار أو طهرت منه في أوله و كما لا يجب عليهما لا يصح منهما و يجب عليهما القضاء كل ذلك للإجماع و النصوص المستفيضة فرووا عن عائشة قالت كنا نحيض على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فنؤمر بقضاء الصوم و لا نؤمر بقضاء الصلاة و عن أبي سعيد قال قال النبي (صلى الله عليه و آله) أ ليس إحديكن إذا حاضت لم تصل و لم تصم فذلك من نقصان دينها و من طريق الخاصة صحيحة عيص بن القاسم قال سألت أبا عبد الله عن امرأة تطمث في شهر رمضان قبل أن يغيب الشمس قال تفطر حين تطمث و حسنة الحلبي بإبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن امرأة أصبحت صائمة فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت أ تفطر قال نعم و إن كان وقت المغرب فلتفطر و سألته عن امرأة رأت الطهر في أول النهار من شهر رمضان فتغتسل فلم تطعم كيف تصنع في ذلك اليوم قال تفطر ذلك اليوم فإنما فطرها من الدم و فسر البيضاوي العشاء بآخر النهار و قال الجوهري و زعم قوم أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر و المراد بوقت المغرب ما قرب منه و موثقة منصور بن

حار؟ على بن الحسين (عليه السلام) و وصفها في المنتهى بالصحة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أي ساعة رأت المرأة الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت و إذا رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم و الليلة و القضاء بمعنى الفعل و رواية أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة أصبحت صائمة في رمضان فلما ارتفع النهار حاضت قال تفطر قال و سألته عن امرأة ذات الطهر أول النهار قال تصلي و تتم يومها و يقضي و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة تلد بعد العصر أ تتم ذلك اليوم أم تفطر قال تفطر و تقضي ذلك اليوم و غيرها من الأخبار الكثيرة جدا و لا تعارض هذه الأخبار بما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن عرض للمرأة الطمث في شهر رمضان قبل الزوال فهي في سعة أن تأكل و تشرب و إن عرض لها بعد زوال الشمس فلتغتسل و لتعتد بصوم ذلك اليوم ما لم تأكل و تشرب لأنه خبر واحد في سنده علي بن الحسن بن فضال و هو فطحي المذهب و علي بن أسباط و هو أيضا كذلك و إنما الخلاف في أنه هل رجع عن هذا الرأي الفاسد أو مات عليه و أبو بصير و هو لاشتراكه غير معلوم التوثيق و يشتمل متنه ظاهرا على الأمر باغتسال الحائض أول حيضها و ذلك غير معهود من الشرع و حمله على الغسل بعد انقضاء أيام الحيض و انقطاع الدم أو على تطهير الأعضاء و الثياب مستبعد و كأنه قد سقط شيء من البين و قال الشيخ (رحمه الله) في كتابي الأخبار هذا الخبر وهم من الراوي لأنه إذا كان رؤية الدم هو المفطر فلا يجوز لها أن تعتد بصوم ذلك اليوم و إنما يستحب لها أن تمسك بقية النهار تأديبا إذا رأت الدم بعد الزوال كما تدل عليه موثقة محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال قال تفطر و إذا كان بعد العصر أو بعد الزوال فلتمض على صومها و لتقض ذلك اليوم ثم إنه قد نقل العلامة في المنتهى قولا و كأنه من بعض العامة بوجوب الصوم على الحائض و النفساء و لكن يجب عليهما الإفطار

384

و لهذا يجب عليهما القضاء و فساده كما أفاده (رحمه الله) واضح للتنافي الظاهر بين وجوب الصوم و الفطر و وجوب القضاء بأمر جديد نعم لهما أهلية التكليف و شملهما الخطاب العام بالصيام ظاهر أو خرجنا عنه باعتبار المانع الذي ظهر مانعيته عن الشرع قال أراد القائل بالوجوب مجرد هذا فلا نزاع إلا بحسب اللفظ و لو زال في الأثناء استحب الإمساك لما مر من أن الظاهر وفاقهم على ذلك و في رواية أبي بصير المتقدمة قال و سألته عن امرأة رأت الطهر أول النهار قال تصلي و تتم يومها و تقضي و موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المرأة تطلع الفجر و هي حائض في شهر رمضان فإذا أصبحت طهرت و قد أكلت ثم صلت الظهر و العصر كيف تصنع في ذلك اليوم الذي طهرت فيه قال تصوم و لا تعتد به و في رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في عد وجوه صوم التأديب و كذلك الحائض و إذا طهرت أمسكت بقية يومها و قال أبو حنيفة بوجوب هذا الإمساك مع القضاء و كذا قال بوجوب الإمساك و القضاء لسائر أولى الأعذار إذا زال عذرهم في أثناء النهار لأن زوال العذر لو طرأ قبل طلوع الفجر لوجب الصوم فإذا طرأ بعد الفجر وجب الإمساك كما لو قامت البينة في أثناء النهار بعد الإفطار بأن اليوم من شهر رمضان و الجواب بالفرق كما أفاده العلامة في المنتهى لأن الإفطار أبيح ظاهرا و باطنا لصاحب العذر في أول النهار فإذا أفطر أو حصل الفطر له بالعذر كالحيض و النفاس أو فات عنه وقت نية الصوم باستمرار العذر إلى الزوال كان له أن يستديم الإفطار إلى آخر النهار كما لو استمر العذر إليه و هذا بخلاف قيام البنية فإنه لم يكن له الفطر باطنا و إنما أبيح له ظاهرا لأجل الجهل فلما انكشف له الحال حرم عليه الإفطار و لو طهرت ليلا فتركت الغسل قضت و لا كفارة على الأقرب قال العلامة في المنتهى لم أجد لأصحابنا نصا صريحا في حكم الحيض في ذلك يعني أنها إذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال و يبطل الصوم لو أخلت به حتى يطلع الفجر و الأقرب ذلك لأن حدث الحيض يمنع الصوم فكان أقوى من الجنابة و ابن أبي عقيل قال الحائض و النفساء إذا طهرتا من دمهما ليلا فتركتا الغسل حتى يطلع الفجر عامدتين وجب عليهما القضاء خاصة انتهى و الظاهر أن الأقرب عنده وجوب القضاء و الكفارة معا كما ذكره في المختلف و يظهر أيضا من دليله حيث حكم بأن حدث الحيض أقوى من الجنابة إذ رأيه أن ترك غسل الجنابة عما يوجب القضاء و الكفارة معا فكذا ترك غسل الحيض بطريق الأولى و ابن أبي عقيل يقول في ترك غسل الجنابة بالقضاء خاصة و كذا هنا و في النهاية تردد في ذلك و قال بعد عد المحرمات على الحائض و هذا التحريم باق ما دامت ترى الدم فإن انقطع ارتفع تحريم الصوم و إن لم تغتسل بخلاف الاستمتاع على رأي و ما يفتقر إلى الطهارة لاستمرار التحريم إلى الاغتسال و يحتمل استمرار تحريم الصوم إلى الاغتسال لأن الحيض حدث ينافي الصوم و إنما يرتفع بالغسل انتهى و قال في المدارك و جزم العلامة في النهاية بعدم وجوب القضاء و كأنه لسقوط قوله و يحتمل إلى آخره من نسخته و تردد المحقق أيضا في المعتبر و قال و فيه أي بطلان الصوم بترك الغسل تردد و روى علي بن الحسن عن علي بن أسباط عن عمه يعقوب الأحمر عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن طهرت بليل من حيضها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم لكن علي بن الحسن فطحي و ابن أسباط واقفي انتهى و المذكور في كتب الرجال كما ذكرنا سابقا أن ابن أسباط كان فطحيا و إعراضه عن ذكر اشتراك أبي بصير يحتمل أن يكون للاختصار كما يحتمل أن يكون لأجل وجدانه القرنية على أنه الثقة و المصنف (رحمه الله) في الذكرى اقتصر على نقل الأقوال و الخبر و الشهيد الثاني حكم بإلحاق الحائض و النفساء إذا انقطع دمهما بالجنب ثم إن ما ذكره في المنتهى من أن حدث الحيض يمنع الصوم فكان أقوى من الجنابة فضعيف جدا إذ العلة في وجوب التحفظ عن حدث الجنابة في خصوص وقت طلوع الفجر من يوم الصيام دون سائر أوقات النهار غير معلومة من الشرع فكيف يمكن قياس حدث آخر عليه مع أن المعلوم منع أصل الحيض عن الصيام في أي جزء

كان من النهار بخلاف نزول المني و أما الحالة الوهمية التي تبقى في البدن بعد زواله و انقطاع الدم في النهار في القوة و الضعف بالنسبة إلى الحالة التي تحصل بنزول المني غير معلوم و اختلاف تلك الحالة مع أصل الحيض في الأحكام الشرعية المترتبة عليهما واضح كما ترى من أن أصل الحيض يمنع عن الطلاق و عن وجوب قضاء الصلاة و عن الصلاة بالتيمم بخلاف تلك الحالة و يمكن أن يقال أيضا أن حدث الحيض أقوى من الاستحاضة و هي تخل بالصيام مع ترك الغسل على ما سيأتي فهو بطريق الأولى و الظاهر أنه أقوى مما ذكره في المنتهى و إن ضعف في نفسه و أما الخبر فقد عرفت حال طريقه و كيف كان فالاحتياط في القضاء البتة و الحكم بوجوب الكفارة في غاية البعد و على القول بوجوب القضاء فالحكم بسقوطه بالنوم مع العزم على الغسل كما في حدث الجنابة لا يخلو عن نظر إلا أن يكون المسلم الوجوب على التارك العامد و يصح الصوم من المستحاضة إذا اغتسلت غسلي النهار لا ريب في أن المستحاضة إذا أتت بما عليها من الغسل بحسب حال دمها صح صومها و عبارة الشيخ في المبسوط تشعر باعتبار تجديد القطن و الخرقة و تجديد الوضوء أيضا و كأنه (رحمه الله) تكلف في العبارة لبيان تمام ما عليها أن تفعله و أما التخصيص بغسل النهار فلما ذكره في المنتهى من أنها لو أخلت بالغسل الذي للعشائين فالأقرب صحة صومها إذ ذلك إنما يقع بعد انقضاء صوم ذلك اليوم و أقول لا ريب في أن اشتراط صحة الصوم السابق بالغسل اللاحق مستبعد و لكنها لو تركت غسل العشاءين ففي صحة صومها اللاحق إذا اغتسلت قبل الفجر إشكال لأن المعلوم من الشرع أن رفع حكم الحدث عنها إنما يكون بالإتيان بهذه الأغسال فمع الإخلال بشيء منها كما فرضنا يشكل الحكم بصحة الصوم باعتبار تداخل الغسلين في الفجر على ما يظهر من عبارة

385

المصنف و صرح به الشهيد الثاني في الروضة نعم حينئذ لو أتت بالأغسال في الليلة الآتية يصح صومها في اليوم الثاني إذا اغتسلت للظهرين لا يقال فيجيء هذا الإشكال في صحة صلاة الفجر أيضا لو أخلت بغسل العشاءين و اغتسلت لها لأنا نقول المستفاد من الأخبار الواردة في باب الصلاة أنها تغتسل عند صلاة كذا و تصليها فنحكم بصحة كل صلاة اغتسلت لها و ليس في الصوم نص صريح لنتبع لفظه و إنما المعلوم صحة صومها مع الإتيان بالأغسال فمع الإخلال بواحد منها في اليوم أو الليلة السابقة عليه يشكل أمر صحة الصوم و الحق أن غاية ما يستفاد من النص كما يظهر مما سيأتي أن المستحاضة لو تركت الأغسال يجب عليها قضاء الصوم فالمفتقر إلى الدليل الحكم بعدم الصحة و وجوب القضاء مع الإخلال ببعض الأغسال و أما الصحة فتقتضيها امتثال الأمر بالصيام الوارد في الشرع ظاهرا فلو تركت غسلا من غسلي النهار فكالحائض أي قضت و لا كفارة و اعلم أن المشتهر بينهم فساد صوم المستحاضة بدون الإتيان بما عليها من الأغسال أما مطلقا أو مع التقييد بالنهارية كما عرفت و دليلهم عليه ظاهرا صحيحة علي بن مهزيار قال كتبت إليه امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت و صامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلوتين هل يجوز صومها و صلاتها أم لا فكتب (عليه السلام) تقضي صومها و لا تقضي صلوتها لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأمر فاطمة (عليها السلام) و المؤمنات من نسائه بذلك و يشكل الاحتجاج بها لجهالة المكتوب إليه و اشتمالها على سقوط قضاء الصلاة عن المستحاضة و أيضا علي (عليه السلام) أمر فاطمة (عليها السلام) بذلك مع أن ذلك لم يقع منها و لم تر حمرة قط و يمكن الاعتذار عن الأول بأن استفسار علي بن مهزيار في أمثال تلك المسائل عن غير المعصوم و نقله في طي رواياته عن الأئمة (عليهم السلام) مستبعد و أيضا لو كان المرجع غير الإمام لما قال فكتب (عليه السلام) كما هو المضبوط في نسخ الحديث و عن الثالث بأن المراد من أمرها (عليه السلام) أن تأمر النساء بذلك كما وقع ذلك صريحا في أخبار أخر و اعتذر الشيخ (رحمه الله) في التهذيب عن الثاني بأنه إنما لم يأمرها بقضاء الصلاة إذا لم تعلم أن عليها لكل صلاتين غسلا و لا تعلم ما يلزم المستحاضة فأما مع العلم بذلك و الترك له على العمد يلزمها القضاء و أنت خبير بأنه يلزم على ما ذكره الشيخ أن يكون الجاهل معذورا في الطهارة للصلاة دون الصيام و هو في الصلاة خلاف ما اشتهر بينهم و تدل عليه الأخبار و في الصوم خلاف ما ذكره في التهذيب سابقا من أن الجاهل معذور كما ورد في رواية زرارة و أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قالا جميعا سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله و هو محرم و هو لا يرى إلا أن ذلك حلال قال ليس عليه شيء إلا أن نقول بأن الجهل بالطهارة أعظم أو نقول بأن المراد من الشيء المنفي في الخبر الكفارة دون القضاء كما ذكرنا سابقا و يمكن الاعتذار عن الثاني أيضا بأن المقصود أنها تقضي صوم الشهر كله بخلاف الصلاة إذ لا تقضي صلاة أيام حيضها من جملة الشهر و لا يخفى بعده و يمكن أن يقال أيضا إن السائل سأل عن حكم المستحاضة و الإمام (عليه السلام) عدل عن جوابه و ذكر حكم الحائض لأجل التقية لأن الاستحاضة من باب الحدث الأصغر عندهم فلا يوجب الغسل و على هذا لا يصير الخبر دليلا لمطلوب القوم مع وضوح بعد هذا الاحتمال؟

و كيف كان فالاحتجاج بمثل هذا الخبر في غاية الإشكال مع أن الظاهر منه ترك جميع الأغسال و قوله من الغسل لكل صلاتين من باب الاختصار في بيان ما هو المقرر المعلوم فلا يمكن الاحتجاج به على وجوب القضاء بترك البعض و إن قيد بالنهارية كما فعله العلامة و المصنف رحمهما الله بل يمكن القول بأن الاعتبار بخصوص غسل الفجر على قياس حدث الجنابة و لكن الاحتياط يقتضي العمل بما اشتهر بينهم و يصح الصوم أيضا من الجنب إذا لم يتمكن من الغسل للامتثال المقتضي للإجزاء و الحكم بوجوب القضاء يحتاج إلى دليل لم يوجد و التنافي بين صحة الصوم و الجنابة حتى في حال الاضطرار لا يظهر من الشرع مع أن التيمم على ما هو الأقرب عند المصنف (رحمه الله) رافع لحكمها و الأقرب وجوب التيمم عليه و على ذات الدم و هذا هو الأقوى عند الشهيد الثاني في المسالك و لعل وجهه أن حدث الجنابة و ما في حكمها مانع من الصوم فيستصحب إلى أن يثبت المزيل و هو الغسل أو ما يقوم مقامه في الإباحة و يشكل بأن مدخلية التيمم في إباحة الصوم لا بد من أن يثبت من الشرع ففي إثبات وجوبه بها شرعا شبه دور و لو قيل قد ظهر من الشرع مدخلية التيمم في إباحة بعض ما يحرم على الجنب كالصلاة و الطواف و قراءة العزائم فيرجع إلى قياس لا نعمل به و ربما استدل عليه أيضا بعموم قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا و قوله عز و جل وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ و بعموم ألفاظ الأخبار الواردة في التيمم كقول النبي (صلى الله عليه و آله) جعلت لي الأرض مسجدا طهورا و قوله (صلى الله عليه و آله) لأبي ذر يكفيك الصعيد عشر سنين و قول الصادق في صحيحة جميل فإن الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا و في صحيحة داود بن سرحان في الرجل تصيبه الجنابة و به جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد فقال لا يغتسل و تيمم و نظائرها كثيره و في صحيحة زرارة في رجل تيمم قال يجزيه ذلك إلى أن يجد الماء و في صحيحة حماد بن عثمان قال سألت أبا عبد الله عن الرجل لا يجد الماء أ يتيمم لكل صلاة فقال لا هو بمنزلة الماء و عدم ظهور دلالة هذه الأدلة على المطلوب كما ترى يمنع عن الخروج عن حكم أصل البراءة بمجردها و لا ريب في أن التيمم إنما يجب بوجوب أمر مشروط به في الشرع و اشتراط الصوم به غير ظاهر منه و ربما تبادر الذهن

386

إلى أن التيمم لو كان شرطا في صحة الصوم كالغسل لكان ذكره في الأخبار صريحا و لكن الاحتياط في العمل به مع وجود تلك الأدلة و تصريح بعض الأصحاب بوجوبه و استفادة التسوية بين الطهارتين من كلام بعضهم حيث قال الشيخ في المبسوط و إذا تيمم جاز أن يفعل جميع ما يحتاج في فعله إلى الطهارة و قال المحقق في المعتبر إذا صح تيممه استباح كل ما يستبيحه المتطهر مما الطهارة شرط فيه و قال العلامة في المختلف بعد نقل صحيحة جميل أنه (عليه السلام) سوى بين الجعلين و إنما يتساويان إذا تشاركا في جميع الأحكام المطلوبة منها ثم على القول بوجوب التيمم يحتمل اعتبار ضيق الوقت فيه رجاء للتمكن من الغسل كما يعتبر في التيمم للصلاة و لم أجد منهم نصا عليه و هل يجب عليه القضاء لو تركه عمدا أو نسيانا أو جهلا الظاهر كما قاله في المسالك الوجوب لعدم إتيانه بالصوم على الوجه الشرعي خصوصا في صورة العمد و أما الكفارة فوجوبها يحتاج إلى دليل لم يوجد و إن قلنا بها في ترك الغسل لعدم مساواة البدل للمبدل منه بكل وجه و هل يحرم النوم عليه مع عدم ظن الانتباه قبل الفجر لتجديد التيمم قيل نعم لانتفاء فائدة التيمم لو جاز نقضه قبل الفجر و لأن النوم ناقض للتيمم كنقض الجنابة للغسل فكما لا يجوز تعمد البقاء على الجنابة إلى أن يطلع الفجر فكذا لا يجوز نقض التيمم و العود إلى حكم الجنابة قبله و الدليل الثاني لا يزيد على الأول إلا بتفصيل و قيل لا يجب لأن انتقاض التيمم بالنوم لا يحصل إلا بعد تحققه و بعد يسقط التكليف لاستحالة تكليف الغافل و قال صاحب المدارك و لا يخلو من قوة و أقول ضعفه ظاهر لأن التكليف بالمنع إنما يتوجه إلى العامد المتوجه إلى النوم الناقض له يقينا و لا يندرج ذلك تحت تكليف الغافل المستحيل و لو تمكن من الغسل ليلا و تعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر فسد الصوم إن كان من شهر رمضان كما مر مفصلا و كذا قضاؤه لما رواه ابن سنان في الصحيح قال كتب أبي إلى أبي عبد الله (عليه السلام) و كان يقضي شهر رمضان و قال إني قد أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر فأجابه لا تصم هذا اليوم و صم غدا و قال المحقق الأردبيلي طاب ثراه و لعل معنى أصبحت بالغسل انه أردت أن أصبح غير جنب و أقول الظاهر أن المعنى أصبحت متلبسا بوجوب الغسل أو بأعداد أسبابه و قوله و أصابتني جنابة بيان لذلك و ما رواه أيضا ابن سنان في الصحيح قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقضي رمضان فيجنب من أول الليل و لا يغتسل حتى آخر الليل و هو يرى أن الفجر قد طلع قال لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره و ما رواه سماعة بن مهران قال سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام و قد علم بها و لم يستيقظ حتى يدركه الفجر فقال عليه أن يتم صومه و يقضي يوما آخر فقلت إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضي رمضان قال فليأكل يومه ذلك و ليقض فإنه لا يشبه رمضان شيء من الشهور و قال خالي طاب ثراه و لعل الغرض أنه لا يلزم عليه الإمساك كما في شهر رمضان فإنه لا يشبه رمضان شيء من الشهور و اشتبه على بعض المتأخرين فقال بعد نقل هذا الخبر و لعل في هذا دلالة على أن له صوم النافلة إذا أصبح جنبا بل نذر المعين أيضا من غير احتياج إلى القضاء و أقول ما ذكره هذا البعض مأخوذ من كلام المحقق الأردبيلي حيث قال و يدل على اختصاص الحكم المذكور أي عدم انعقاد الصوم صحيحا لو أصبح جنبا على تقدير ثبوته بصوم شهر رمضان قوله في رواية سماعة و رمضان لا يشبه شيء من الشهور و ما أفاده طاب ثراه في حل الخبر لا ظهور له بالنسبة إلى ما فيهما؟ حتى يمكنه الحكم باشتباه الأمر عليهما إذ لا استبعاد في فهم العموم من قوله لا يشبه رمضان نعم بعد قيام هذا الاحتمال لا يمكن الاستدلال و أما إن كان الصوم واجبا مطلقا أو معينا من غير شهر رمضان فاشتراطه بالطهارة محل تردد لاختصاص الأخبار الواردة في هذا الباب بصوم رمضان أداء أو قضاء و لا يمكن القياس و الأصل عدم الاشتراط و استفادة منافاة حدث الجنابة للصوم من هذه الأخبار لا يخلو عن إشكال خصوصا مع اعتقاده في بعض الصور كالنومة الأولى مع العزم على الغسل

و لكن تعميم الأصحاب و إدراجه في المفطرات مطلقا ينادي بإجماعهم عليه و اشتهاره بينهم و ظاهر أنه لا يشتهر حكم بينهم إلا لمأخذ قوي فذلك موجب للتردد كما قال المحقق في المعتبر و لقائل أن يخص هذا الحكم برمضان دون غيره من الصيام و قال العلامة في المنتهى هل يخص هذا الحكم برمضان فيه تردد ينشأ من تنصيص الأحاديث على رمضان من غير تعميم و لا قياس يدل عليه و من تعميم الأصحاب و إدراجه في المفطرات و قال صاحب المدارك لا يخفى ضعف الوجه الثاني من وجهي التردد فإن تعميم الأصحاب لا يعارض أصالة البراءة أقول و هذا الكلام عندي ضعيف كما ظهر وجهه ثم إن هذا الكلام من العلامة (رحمه الله) ينافي ما استدل به في المختلف على وجوب القضاء و الكفارة على متعمد لبقائه على الجنابة في شهر رمضان من أن الإنزال نهارا موجب للقضاء و الكفارة و كذا استصحاب الإنزال بل هذا آكد لأن الأول قد انعقد الصوم في الابتداء و هنا لم ينعقد و وجه التنافي واضح جدا و أما إن كان الصوم مندوبا فسيأتي حكمه و كذا يفسد الصوم لو نام الجنب ليلا بعد علمه بالجنابة غير ناو للغسل فأصبح جنبا سواء كان عازما على ترك الغسل أم ذاهلا عنه أصلا بخلاف ما لو كان ناويا للغسل فيتضمن هذا الكلام حكم ثلث صور الأولى لو نام عازما على ترك الغسل و فساد الصوم في هذه الصورة واضح لعدم الفرق بينه و بين العامد إذ لا أثر للنوم الكذائي الثانية لو نام ذاهلا عن الغسل و تركه الحكم فساد الصوم أيضا لأن الطهارة شرط لصحته و هو بنومه قد فرط في تحصيل الشرط و لما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهم السلام) قال سألته عن

387

رجل تصيبه الجنابة في رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل قال يتم صومه و يقضي ذلك اليوم إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر فإن انتظر ماء يسخن أو يستقي؟

فطلع الفجر فلا يقضي يومه و قوله (عليه السلام) إلا أن يستيقظ استثناء عن وجوب القضاء فإن الاستيقاظ يسقطه في صورتين إحديهما أن يغتسل قبل الفجر و ترك ذكرها لظهور حكمها و الثانية أن ينتظر ماء يسخن و لعل المراد به أن يعوقه عن الغسل عائق و عدم حكمه عليه حينئذ بالتيمم يشعر بعدم اعتباره إلا أن يحتمل على أنه كان من ظنه بقاء الليل فاتفق طلوع الفجر و ظهر خلاف ظنه و ما رواه ابن أبي يعفور في الصحيح قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يجنب في رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح قال يصوم يومه و يقضي يوما آخر و إن لم يستيقظ حتى يصبح أتم يومه و جاز له و الظاهر أن المراد بقوله يجنب في رمضان ثم يستيقظ أنه يجنب بالاحتلام فيستيقظ من النومة التي احتلم فيها و يحصل له العلم بالجنابة ثم ينام فينطبق على ما فرضناه من استمرار النومة الأولى بعد العلم بالجنابة إلى الصبح و ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا قال يتم ذلك اليوم و عليه قضاؤه و قوله متعمدا قيد للنوم كما هو ظاهر اللفظ لا للإصباح جنبا فيشتمل بإطلاقه ما فرضناه و ما رواه الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في رجل احتلم أول الليل و أصاب من أهله ثم نام معتمدا في شهر رمضان حتى أصبح قال يتم صومه ذلك ثم يقضيه إذا أفطر شهر رمضان و يستغفر ربه و الكلام فيه كالكلام في السابق و الأمر بالاستغفار لا ينافي ما قلناه و لا يفيد اختصاصه بالصورة الأولى إذ يحتمل أن يكون ذلك باعتبار النوم بدون العزم على الغسل كما يحتمل أن يكون باعتبار النوم مع العزم على ترك الغسل و ما رواه سماعة بن مهران و قد تقدم ذكره و هذه الأخبار تدل بإطلاقها على فساد الصوم في جميع الصور التي فرضناه يخرج عنها الصورة الثالثة لما سيأتي و يبقى الباقي الثالثة لو نام ناويا للاستيقاظ و الغسل قبل طلوع الفجر فلا يجب عليه القضاء لأن العزم على الغسل يخفف حكمه و قال الشهيد الثاني في المسالك و لا بد مع ذلك من احتمال الانتباه و إلا كان كمتعمد البقاء و شرط بعض الأصحاب مع ذلك اعتباره الانتباه و لا بأس به و أقول اعتبار الإمكان مما لا ريب فيه و أما اعتبار الانتباه فيحتمل أن يكتفي عنه باعتبار عدم ظن استمرار النوم و إن كان اعتبار الاعتياد أحوط و يدل على حكم هذه الصورة وجوب الجمع بين الروايات السالفة الدالة على وجوب القضاء و الأخبار الكثيرة الواردة في سقوطه كخبر معاوية بن عمار في الصحيح قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يجنب من أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان قال ليس عليه شيء قلت فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح قال فليقض ذلك اليوم عقوبة و ما رواه عيص بن القاسم في الصحيح أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل قال لا بأس و حمله على نفي البأس عن مجرد النوم كذلك بشرط الاستيقاظ و الغسل قبل الفجر لا يخلو عن بعد و ما رواه البزنطي في الصحيح عن أبي سعيد القماط و كأنه خالد بن سعيد الثقة لرواية البزنطي عنه و الجزم بأنه صالح بن سعيد كما فعله خالي طاب ثراه حيث قال إنه غير موثق في كتب الرجال و لا ممدوح لا وجه له قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عمن أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتى أصبح قال لا شيء عليه و ذلك أن جنابته كانت في وقت حلال و كأنه (عليه السلام) أشار بقوله و ذلك أن جنابته كانت في وقت حلال إلى الفرق بين البقاء على الجنابة إلى النهار و بين إيقاعها في النهار و يظهر منه ضعف ما نقلناه سابقا عن المختلف من أن الإنزال نهارا موجب للقضاء و الكفارة و كذا استصحاب الإنزال بل هذا آكد و ما رواه إسماعيل بن عيسى قال سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام حتى يصبح أي شيء عليه قال لا يضر هذا و لا يفطر و لا يبالي فإن أبي (عليه السلام) قال قالت عائشة إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أصبح جنبا من جماع من غير احتلام

قال لا يفطر و لا يبالي الحديث و ما نقله (عليه السلام) عن عائشة و إن كان يشعر بعدم منافاة البقاء على الجنابة مطلقا للصوم و لكن يمكن حمل النقل على التقية و حمل أول الكلام على الواقع باعتبار النوم و العزم على الغسل ثم إن الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الأخيرة على النائم الناوي و الأخبار السابقة على غيره كما فعلناه كأنه أقرب كثيرا من الوجوه التي ذكروها للجمع بينها فليراجعها من أراد الاطلاع عليها ثم إن كلام المحقق في المعتبر في حكم الصورة الثالثة التي فرضناها لا يخلو عن تدافع فقال أولا في ذيل مسألة من أجنب و تعمد البقاء على الجنابة و لو أجنب فنام ناويا للغسل حتى أصبح فسد صوم ذلك اليوم و عليه القضاء و عليه أكثر علمائنا و أسنده برواية ابن أبي يعفور و رواية محمد بن مسلم و قال بعد ذلك بفاصلة في أول مسألة من أجنب و نام ناويا للغسل حتى طلع الفجر فلا شيء عليه لأن نومه سائغ و لا قصد له في بقائه و الكفارة مرتبة على التفريط و إلا؟ و ليس أحدهما مفروضا أما لو انتبه ثم نام ناويا للغسل فطلع الفجر فعليه القضاء لأنه فرط في الاغتسال مع القدرة و لا كذا المرة الأولى لأن في المنع منها تضيقا على المكلف و يدل على ما قلناه روايات ثم ذكر رواية ابن أبي يعفور و رواية معاوية بن عمار أو عاود النوم بعد انتباهة فصاعدا سواء كان من عزمه أن يغتسل قبل الفجر أم لا و يدل عليه ما مر في صحيحة معاوية بن عمار قلت فإنه استيقظ

388

ثم نام حتى أصبح قال فليقض ذلك اليوم عقوبة و اعلم إن رأي الشيخ و أتباعه و المصنف (رحمه الله) أن في النومة الثانية بعد العلم بالجنابة بشرط العزم على الغسل و استمرارها إلى الفجر يجب القضاء خاصة و في الثالثة و ما بعدها القضاء و الكفارة و إن نوى الغسل و استدل الشيخ على حكم الثانية بالأخبار السالفة الدالة على وجوب القضاء على النائم و جعل خبر معاوية بن عمار دليلا على تخصيصها بالثانية و أنت خبير بكمال بعد هذا التخصيص و أن التخصيص الذي ذكرناه أبعد عن التكلف و استدل على حكم الثالثة بما سيجيء مع ما فيه ثم الظاهر أن ما ذكروه حكم كل ليلة فلا يدخل نوم النهار و الليلة الماضية إن استمرت جنابته في العدد و الأصح كما قاله في المسالك أن تجديد الجنابة بعد الانتباه في الليلة لا يهدم العدد و لو أصبح جنبا و لم يعلم بالجنابة في الليل انعقد المعين خاصة سواء كان من رمضان أو غيره إذ لا يجوز ترك صومه و صوم يوم آخر بدله لتعينه فلا بد من الإتيان به و وجوب القضاء عليه مع الإتيان و الامتثال و عدم التقصير يحتاج إلى أمر جديد و ليس في الأخبار ما يدل على وجوبه في هذه الصورة و كون الصوم مشروطا بالطهارة كيف كان حتى لا يكون ما فعله مأمورا به غير ظاهر بل خلافه ظاهر في النائم الناوي الغسل و أما الغير المعين فيدل على عدم انعقاد قضاء رمضان ما مر من صحيحتي ابن سنان و رواية سماعة بن مهران و أنت خبير بأن شمولها لهذه الصورة غير ظاهر و زاد في المدارك احتمال انعقاده قضاء لو علم بها ليلا و نام و استمر النوم إلى الفجر كما ينعقد صوم رمضان في الفرض المذكور و لا يخفى بعده و أمر الاحتياط واضح و مال في المسالك إلى احتمال إلحاقه بالمعين لو تضيق برمضان و الاحتياط في الإتيان به و بيوم آخر بعد انقضاء رمضان و أما غير قضاء رمضان من الواجبات الموسعة فلأنه في حكمه باعتبار عدم تعينه و إمكان تركه و إيقاعه في يوم آخر و قد عرفت ما فيه من احتمال اختصاص الحكم باشتراط الطهارة بصوم رمضان أداء و قضاء مع أن ثبوته فيه أيضا غير ظاهر في هذه الصورة كما علمت و في الكفارة لو وقع الفرض المذكور في خلال ما يجب تتابعه منها و ما وجب تتابعه من غير الكفارة وجهان الأول صحة الصوم لأنه في حكم المعين باعتبار وقوعه في خلال أيام يجب تتابعها شرعا و الثاني و عده في المسالك أجود عدم صحة صوم ذلك اليوم لانتفاء شرط صحته و هو الطهارة و لكن التتابع لا يختل بذلك لعدم تقصيره و ناقش على ذلك في المدارك بأن عدم التقصير إنما يقتضي انتفاء الإثم لا تحقق الامتثال مع عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه أقول و أنت خبير بأن سائر ما حكموا بعدم قطعه المتتابع من الأعذار كالمرض و غيره ليس بأزيد من ذلك مع استلزامه للضيق و الحرج لبعض الأشخاص و لو كان نفلا ففي رواية ابن بكير صحته روى ابن بكير في الموثق قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح أ يصوم ذلك اليوم تطوعا قال أ ليس هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار قال و سألته عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان يتم يومه كما هو فقال لا بأس و أيضا روى حبيب الخثعمي في الصحيح قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخبرني عن التطوع و عن هذه الثلاثة الأيام إذا أجنبت من أول الليل فأعلم أني أجنبت فأنام متعمدا حيث ينفجر الفجر أصوم أو لا أصوم قال صم و روى ابن بكير أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار قال يصوم إن شاء و هو بالخيار إلى نصف النهار و وجه القول بعدم الصحة و به قال الشيخ و كثير أنه غير معين فلم يصح كقضاء رمضان و أن الجنب غير قابل للصوم في تلك الحال و الصوم لا يبعض و يجاب عن الأول بأنه قياس غير معمول به و عن الثاني بمنع كلية المتقدمتين و السند ظاهر و كلام المصنف (رحمه الله) يشعر بالتوقف و ان مال إلى الصحة و كأنه لذهوله عن صحيحة الخثعمي و في رواية كليب إطلاق الصحة بالنسبة إلى الواجب المعين و الموسع و الندب إذ اغتسل و تحمل على المعين أو

الندب للنهي عن قضاء الجنب في رواية ابن سنان و غيرها و قد تقدم ذكرها مفصلا و لم أقف على رواية كليب في شيء من كتب الأحاديث المتداولة و لو احتلم نهارا لم يفسد مطلقا ندبا كان أو واجبا معينا أم موسعا للأصل و نسبه في التذكرة إلى علمائنا أجمع و قال في المنتهى لو احتلم نهارا في رمضان نائما أو من غير قصد لم يفطر يومه و لم يفسد صومه و يجوز له تأخير الغسل و لا نعلم فيه خلافا و يدل عليه أيضا موثقة ابن بكير المتقدمة و صحيحة عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال ثلاثة لا يفطرن الصائم القيء و الاحتلام و الحجامة و قد احتجم النبي صلى الله عليه آله و هو صائم و كان لا يرى بأسا بالكحل للصائم و ما وقع في الفقيه و الظاهر أنه من تتمة صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) و من احتلم بالنهار في شهر رمضان فليتم صومه و لا قضاء عليه و ما رواه إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه قال سألته عن احتلام الصائم قال فقال إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فليس له أن ينام حتى يغتسل الحديث يحمل على الكراهة و لو نسي الغسل فالوجه وجوب قضاء الصوم كالصلاة أما قضاء الصلاة فعليه الإجماع كما ذكره العلامة و غيره و تدل عليه الأخبار و أما قضاء الصوم فعليه الأكثر و خالف ابن إدريس و المحقق في الشرائع و النافع و ظاهر كلام المصنف (رحمه الله) عدم الفرق بين اليوم و الأيام و الشهر و كلام بعضهم ربما يشعر بالفرق و قال الشيخ (رحمه الله) في النهاية و متى أجنب في أول الشهر و نسي أن يغتسل و صام الشهر كله و صلى وجب عليه الاغتسال و قضاء الصوم و الصلاة و قريب منه ما قاله في المبسوط و في كلام أكثرهم وقع لفظ الشهر و الأيام و كأنهم لتبعية لفظ النص