شرح الكافي - ج3

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
394 /
1

-

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(كتاب التوحيد)

يبين فيه وجود الصانع و وحدته و صفاته الذاتية و الفعلية و سائر ما يصح له و يمتنع عليه

(باب حدوث العالم) (1)

____________

المراد بالعالم ما سوى اللّه تعالى و هو مع تكثّره منحصر في الجوهر و العرض، و بحدوثه أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم، و قد اختلف الناس فيه فذهب المسلمون و اليهود و النصارى و المجوس إلى أنّ الأجسام حادثة بذواتها و صفاتها (2)

____________

(1) قوله حدوث العالم و عطف اثبات المحدث عليه و جعله عنوانا لباب اثبات الواجب يدل على أن حدوث العالم ملزوم عرفا لاثباته تعالى. (ش)

(2) عرفوا مذهب اليهود و النصارى و المجوس باتفاقهم على اثبات صانع للعالم و المجبول في الفطرة أن كل مصنوع يجب أن يكون حادثا و كل قديم مستغن عن الصانع و لذلك يذهب اذهان العامة من اثبات وجود اللّه تعالى الى أن العالم حادث و المعنيان متلازمان في ذهنهم حتى أنهم يعدون القول بمخلوقية العالم مناقضا للقول بقدمه زمانا و لذلك نسبوا الى المليين الاتفاق على الحدوث مع أنهم لم يتفقوا الاعلى اثبات اللّه تعالى فالحدوث من لوازم المخلوقية عرفا لا عقلا؛ و أما الفلاسفة و جماعة من محققى أهل الكلام كالعلامة الحلى و ساير شراح التجريد و المواقف و أمثاله فلم يروا مناقضة بين مخلوقية العالم و كونه قديما زمانا حيث قالوا ان علة احتياج الممكن الى الواجب انما هى امكانه لا حدوثه و على هذا فلا يلزم من القول باثبات الصانع القول بحدوث العالم زمانا و لا يعلم اتفاق المليين عليه لانهم لم يتعرضوا للبحث عن الحدوث و لم يجعلوه أصلا من أصول دينهم و انما الدين هو الاعتراف بوجود اللّه تعالى و رسوله و الحدوث من لوازم الاقرار باللّه تعالى عرفا لا أصل من أصول الدين برأسه؛ نعم زعم بعض المتكلمين ان مخلوقية العالم يوجب كونه تعالى فاعلا مختارا و أن كونه تعالى علة تامة يستلزم كونه فاعلا مضطرا فالتزموا بأنه تعالى علة غير تامة و لا يلزم من وجوده وجود المعلول و هذا أيضا غير وجيه اذ المعلول المقارن لوجود العلة دائما يتصور على قسمين الاول المعلول الصادر بالاضطرار كالنور بالنسبة الى الشمس لو فرض وجود الشمس دائما كان نورها دائما مع انه مخلوق الشمس و الشمس فاعل مضطر؛ الثانى كالعالم بالنسبة الى اللّه تعالى ان فرض تعلق ارادته تعالى بكونه خالقا و مفيضا دائما فان مخلوقه حينئذ دائم نوعا مع كونه تعالى فاعلا مختارا و بالجملة فالقول بالفاعل المختار لا ينافى القول بتعلق ارادته بدوام خلقه فالحق أن القول بحدوث العالم ان ثبت كونه من الدين فانما هو لملازمة عرفية بينه و بين اثبات الصانع و صفاته لا كونه أصلا برأسه تعبدا و يؤيد ذلك كله عدم وجود حديث فى هذا الباب دال على حدوث العالم زمانا مع كونه عنوانه (ش)

3

..........

____________

و ذهب أرسطو و أتباعه إلى أنّها قديمة بذواتها و صفاتها (1) و ذهب أكثر الفلاسفة

____________

(1) هكذا نقل كثير من الناقلين مذهب ارسطو و هو مشتبه المراد و القدر المتيقن أن أرسطو كان قائلا بتركب الجسم من الهيولى و الصورة و الهيولى غير مستقلة بنفسها فى الوجود بل هى مقومة بالصورة و الصورة أيضا غير مقومة بنفسها بل هى مقومة بفاعل مفارق يقيمها و يقيم الهيولى بها فالاجسام التى نراها و نعلم وجودها جميعها معلولة للموجود المجرد الروحانى المسمى عنده بالعقل الفعال و هذا مذهبه المصرح به و يجب حمل ما يشتبه من كلام الناس على محكمه ثم ان بعض الناقلين غير العارفين باصول الحكمة ذهب ذهنه من القديم فى كلام ارسطو الى كون عالم الاجسام غير مخلوق أصلا أو الى كونه تعالى فاعلا موجبا و قد قلنا أن القديم الزمانى عنده لا يوجب شيئا من ذلك اصلا و انما خص الشارح الكلام بالاجسام مع عدم انحصار الممكنات فيها لان اختلاف عامة الناس انما هو فيها و أما غير الاجسام فلا يخطر ببال أكثرهم وجوده فكل ما تكلموا فيه انما يتبادر منه الجسم و ان ثبت وجوب الاعتراف بحدوث شيء تعبدا فانما هو الجسم لا غيره. (ش)

4

..........

____________

إلى أنّها قديمة بذواتها و محدثة بصفاتها و قالوا لتوجيه ذلك ما لا طائل تحته (1) و أمّا العكس فالظاهر أنّه لم يقل به أحد لأنّه باطل بالضرورة، و ذهب جالينوس إلى التوقّف في جميع ذلك

(و إثبات المحدث) أي إثبات موجود بالذّات غير متّصف بالحدوث موجد للعالم بالقدرة و الاختيار و في هذا الباب يثبت وجوده بالدّلايل العقليّة و و البراهين الإنيّة و يتمسّك بآثاره من الحوادث اليوميّة و الاحوال السفليّة و العلويّة الّتي لا يقدم منصف ذو حدس إلى إنكار حدوثها (2) و استنادها إلى الصانع الحكيم القادر المختار.

[الحديث الأول]

«الاصل»

1- «أخبرنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم بن هاشم» «عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم عن يونس بن عبد الرحمن، عن عليّ بن منصور» «قال: قال لي هشام بن الحكم كان بمصر زنديق تبلغه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أشياء» «فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها و قيل له إنّه خارج بمكّة فخرج إلى» «مكّة و نحن مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فصادفنا و نحن مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الطواف» «و كان اسمه عبد الملك و كنيته أبو عبد اللّه فضرب كتفه كتف أبي عبد اللّه (عليه السلام)،

____________

(1) يعنى لا فائدة فى نقل تفاصيل كلام الفلاسفة و توجيهها لما يأتى من أن اثبات الواجب لا يتوقف على تحقيق أقوالهم في القدم و الحدوث. (ش)

(2) يعنى ان الدليل العقلى يكفى فى اثبات أصل وجود الواجب و تتبع الحوادث و الآثار التى لا يشك في حدوثها يكفى فى اثبات كونه قادرا مختارا و لا يحتاج الى تحقيق البحث فى القدم و الحدوث تفصيلا و لا ضرورة فى اثبات الحدوث الزمانى فى الجميع و فيما لا اختلاف فى حدوثه كفاية و هكذا قال الرفيع- (رحمه اللّه)-. (ش)

5

«فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما اسمك؟ فقال: اسمي عبد الملك، قال: فما كنيتك؟» «قال: كنيتي أبو عبد اللّه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): فمن هذا الملك الذي أنت» «عبده؟ أ من ملوك الأرض أم من ملوك السّماء؟ و أخبرني عن ابنك عبد إله السّماء» «أم عبد إله الأرض؟ قل: ما شئت تخصم قال هشام بن الحكم: فقلت: للزّنديق:» «أما تردّ عليه؟ قال: فقبح قولي، فقال أبو عبد اللّه: إذا فرغت من الطواف فأتنا» «فلمّا فرغ أبو عبد اللّه أتاه الزّنديق فقعد بين يدي أبي عبد اللّه و نحن مجتمعون» «عنده، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) للزنديق: أتعلم أنّ للأرض تحتا و فوقا؟ قال: نعم،» «قال: فدخلت تحتها؟ قال: لا، قال: فما يدريك ما تحتها: قال: لا أدري إلّا» «أنّي أظنّ أن ليس تحتها شيء، فقال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): فالظّنّ عجز لما» «لا يستيقن (1) ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ فصعدت السّماء؟ قال: لا، قال:» «أ فتدري ما فيها؟ قال: لا، قال. عجبا لك لم تبلغ المشرق، و لم تبلغ المغرب و لم» «تنزل الأرض و لم تصعد السّماء و لم تجز هناك فتعرف ما خلفهن و أنت جاحد بما فيهنّ» و هل يجحد العاقل ما لا يعرف؟! قال الزّنديق: ما كلّمني بهذا أحد غيرك، فقال» «أبو عبد اللّه (عليه السلام): فأنت من ذلك في شكّ فلعلّه هو و لعلّه ليس هو؟ فقال الزّنديق» «و لعلّ ذلك؛ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أيّها الرّجل! ليس لمن لا يعلم حجّة على من» «يعلم و لا حجّة للجاهل يا أخا أهل مصر! تفهّم عنّي فإنّا لا نشكّ في اللّه أبدا أما» «تزى الشمس و القمر و الليل و النهار يلجان فلا يشتبهان و يرجعان، قد اضطرّا» «ليس لهما مكان إلّا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان؟ و إن» «كانا غير مضطرّين فلم لا يصير الليل نهارا و النهار ليلا؟ اضطرّا و اللّه يا أخا أهل» «مصر إلى دوامهما و الذي اضطرّهما أحكم منهما و أكبر، فقال الزنديق صدقت،» «ثم قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أخا أهل مصر إنّ الذي تذهبون إليه و تظنّون أنّه» «الدّهر إن كان الدّهر يذهب بهم لم لا يردّهم و إن كان يردّهم لم لا يذهب بهم؟» «القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر لم السّماء مرفوعة و الأرض موضوعة لم لا يسقط»

____________

(1) فى بعض النسخ [لمن لا يستيقن].

6

«السّماء على الأرض؟ لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها و لا يتماسكان و لا يتماسك» «من عليها؟ قال الزّنديق: أمسكهما اللّه ربّهما و سيّدهما، قال: فآمن الزّنديق» «على يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له حمران: جعلت فداك إن آمنت الزّنادقة على يدك» «فقد آمن الكفّار على يدي أبيك، فقال المؤمن الذي آمن على يدي أبي عبد اللّه» «(عليه السلام): اجعلني من تلامذتك فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا هشام بن الحكم خذه إليك» «و علّمه، فعلّمه هشام فكان معلّم أهل الشام و أهل مصر الايمان و حسنت طهارته» «حتّى رضي بها أبو عبد اللّه (عليه السلام)».

«الشرح»

____________

(أخبرنا أبو جعفر محمّد بن يعقوب)

(1) قد مرّ توجيه هذا القول في صدر الكتاب

(قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن منصور، قال: قال لي هشام بن الحكم، كان بمصر زنديق)

(2) الزّنديق معرّب و الجمع الزّنادقة، و الهاء عوض عن الياء المحذوفة و الأصل

(2) الزناديق و قد تزندق و الاسم الزندقة، و المراد به الكافر النافي للصانع، و يطلق على الثنويّة و هم الّذين يقولون بأنّ النور و الظلمة هما المدبّران للعالم المؤثّران فيه و منشأ شبهتهم أنّهم وجدوا العالم صنفين خيرا و شرّا و هما ضدّان فأنكروا أن يكون فاعل واحد يفعل الشيء و ضدّه، فأثبتوا للخير صانعا و سمّوه يزدان، و للشرّ صانعا و سمّوه أهرمن؛ و على الدّهريّة و هم الّذين يقولون بأنّ الدّهر هو الفاعل و أنّه دائم لم يزل و أبد لا يزال، و أنّ العالم دائم لا يزول و منشأ شبهتهم في نفي الصانع أنّهم لا يحكمون إلّا بوجود ما يشاهدونه، فلمّا لم يروا صانعا حكموا بعدمه، و لمّا لم يروا للعالم حدوثا و انقضاء حكموا بقدمه و في مفاتيح العلوم أنّ الزنادقة هم المانويّة و كان المزدكيّة يسمّون بذلك و مزدك هو الّذي ظهر في أيّام قباد و زعم أنّ الأموال و الحرم مشتركة أظهر كتابا سمّاه زندا (1) و هو كتاب المجوس الّذي جاء به زردشت الّذي يزعمون أنّه نبيّ فنسب

____________

(1) عبارة كتاب مفاتيح العلوم هكذا «و اظهر كتابا سماه زند و زعم أن فيه تأويل الابستا و هو كتاب المجوس الذي جاء به زردشت» انتهى. (ش)

7

..........

____________

أصحاب مزدك إلى زند و اعربت الكلمة فقيل: زنديق، و قيل: هذه الكلمة معرّب زن دين يعني من كان دينه دين المرأة في الضعف و هو ضعيف

(يبلغه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أشياء)

(1) من أحاديث وجود الصانع و توحيده أو من أخبار كمال فضله و علمه (عليه السلام) بالمعارف الإلهيّة و الشرائع النبويّة أو من ذمائم الزّنادقة و قبائحهم و لؤمهم

(فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها و قيل له: إنّه خارج بمكّة)

(2) أي مقيما بمكّة أو الباء بمعنى إلى

(فخرج إلى مكّة و نحن مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) فصادفنا و نحن مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الطواف و كان اسمه عبد الملك و كنيته أبو عبد اللّه فضرب كتفه كتف أبي عبد اللّه (عليه السلام))

(3) أي حاذاه أو الضرب بمعناه

(فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما اسمك؟ فقال: اسمي عبد الملك: قال فما كنيتك؟ قال: كنيتي أبو عبد اللّه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) فمن هذا الملك الّذي أنت عبده أ من ملوك الأرض أم من ملوك السماء و أخبرني عن ابنك عبد إله السماء أم عبد إله الأرض قل ما شئت تخصم)

(4) (1) تخصم على البناء للمفعول مجزوم بعد الأمر أي إن تقل ما شئت تكن مخصوما محجوجا بقولك، و أمّا البناء للفاعل و حذف المفعول أي تخصم نفسك فهو أيضا محتمل لكنّه بعيد و وجه كونه مخصوما أنّه إن أقرّ بوجود ملك و إله هو و ابنه عبداه فقد أقرّ بما ينافي مذهبه من نفي المعبود و العبوديّة له، و إن قال: ليس هناك ملك و إله يكذّبه ما دلّ عليه هذان الاسمان باعتبار الوضع الاضافي لأنّ لهما بحسب اللّغة و العرف مفهومات و حقيقة تركيبيّة من أجل الإضافة و الظاهر المتبادر أنّ الواضع لاحظ وجودها حال الوضع فلا ينبغي للعاقل أن ينكره و هذا الوجه من الوجوه الإقناعيّة الّتي تورث الشكّ فيما ذهب إليه من نفي الإله و هذا هو المقصود في هذا المقام لأنّ الحكيم يداوي من به مرض الجهل المركّب أوّلا بما يوجب شكّه ليرجع من الجهل المركّب إلى الجهل البسيط و يستعدّ لقبول الحقّ، ثمّ

____________

(1) لم يكن غرضه (ع) من هذا الكلام اقامة الدليل عليه بل هو نظير المزاح المسكت و قال بعد تبكيته اذا فرغت من الطواف فأتنا حتى نقيم عليك الدليل. (ش)

8

..........

____________

يداوي مرض الجهل البسيط بالدلائل و البراهين

(قال هشام بن الحكم فقلت للزنديق)

(1) حين رأيته متحيّرا في الجواب

(أ ما ترد عليه؟ قال: فقبح قولي)

(2) قبح مجرّد من القبح و «قولي» فاعله و ضمير «قال» للزّنديق و إنّما حكم بقبح قوله لعلمه بأنّه مخصوم لو أجاب، و يحتمل أن يكون مزيدا من التقبيح و ضمير فاعله يعود إلى الزنديق أو إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فاعل قال على الأوّل يعود إلى هشام و على الثاني إلى الزنديق

(فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا فرغت من الطواف فأتنا)

(3) فيه دلالة على جواز دخول الزنديق في المسجد لأنّه (عليه السلام) لم يأمر بإخراجه و حمل عدم الامر به على عدم الاقتدار و على التقيّة محتمل كما أنّ حمل النهي عن الدّخول على ما إذا كان الدّخول موجبا للتلويث محتمل أيضا (1)

(فلمّا فرغ أبو عبد اللّه (عليه السلام) أتاه الزّنديق فقعد بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام) و نحن مجتمعون عنده فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) للزّنديق: أ تعلم أنّ للأرض تحتا و فوقا؟ قال: نعم)

(4) أعلم لأنّ الأرض متناهي المقدار و كلّ جسم متناهي المقدار له تحت و فوق قطعا

(قال: فدخلت تحتها)

(5) من جانب الشرق أو من جانب الغرب أو من النزول في عمقها

(قال: لا، قال: فما يدريك ما تحتها)

(6) أي أيّ شيء يجعلك عالما بما تحتها

(قال: لا أدري إلّا أنّي أظنّ ليس تحتها شيء)

(7) أنت تعلم أنّ هذا الظنّ لا مستند له إلّا عدم الرّؤية و التمسّك به من سخافة العقل لأنّ عدم رؤية شيء لا يدلّ على عدم وجوده بوجه من وجوه الدّلالات

(فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) الظنّ)

(8) في المطالب اليقينيّة

(عجز لمن لا يستيقن)

(9) أي من لم يحصل له اليقين بوجود شيء أو لم يقدر على طلب اليقين به و ظنّ بمجرّد ذلك أنّه ليس بموجود فذلك الظنّ نشأ من عجزه و ضعف عقله لعدم علمه بأنّ عدم العلم بوجود شيء ليس علما بعدم وجوده و لا مستلزما له و حمل العجز على الظنّ من المبالغة، و في بعض النسخ «لما لا يستيقن» بلفظة «ما» و هي

____________

(1) هذا غير محتمل جدا اذ لا يجوز دخول الكافر فى المسجد الحرام بعد آية التوبة «فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا» و يحتمل أن دخوله كان كدخول ساير المنافقين لظاهر الاسلام و اما التقية التى ادعاها الشارح فغير صحيح اذ لا تقية فى اخراج الكافر من المسجد الحرام و لم يكن يمنع منه المخالفون. (ش)

9

..........

____________

مصدريّة و فاعل الفعل ضمير يعود إلى الظانّ المفهوم من الظنّ.

(ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ فصعدت السماء)

(1) و شاهدت أطباقها

(قال: لا، قال:

فتدري ما فيها؟ قال: لا، قال: عجبا لك)

(2) نصبه على المصدر أي عجبت عجبا لحالك و شأنك أو على النداء بحذف أداته أي يا عجبا لك فنادى العجب منكرا ليحضر له و قد أشار على سبيل الاستيناف إلى ما هو محلّ التعجب بقوله

(لم تبلغ المشرق و لم تبلغ المغرب و لم تنزل الأرض و لم تصعد السماء و لم تجز هناك فتعرف ما خلقهنّ و أنت جاحد بما فيهنّ و هل يجحد العاقل ما لا يعرف)

(3) (1) فيه توبيخ له في نفيه وجود الصانع لأنّه لم يره و هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أنّك لم تر جميع هذه الأماكن فكيف تنفي وجود الإله الصانع إذ لعلّ في شيء منها إلها لم تره، و ثانيهما أنّك تنفي وجود الصانع لأنّك لم تره كما أنّك تنفي وجود شيء في هذه الأماكن لأنّك لم تره و لا ريب في أنّ الثاني ممّا لا ينبغي أن يعتقد به العاقل لأنّ عدم رؤية شيء لا يدلّ على عدم وجوده فكذا الأوّل لجواز أن يكون الصانع للعالم موجودا و عدم رؤيته لا يدلّ على عدم وجوده فكيف يعتقد به العاقل (2) و على الوجهين حصل للزّنديق شكّ في مذهبه

____________

(1) حاصل كلام الامام (ع) أن عدم الوجدان لا يجعل دليلا على عدم الوجود و بذلك يدفع قول أهل الظاهر حيث يبطلون بزعمهم أقوال المجتهدين فى الأصوليين و المتكلمين و اصحاب العقول و المعارف بأنهم لا يعرفون تحقيقاتهم الدقيقة و بأنها بعيدة عن اذهان العامة و الجواب ان عدم فهم بعض الناس بعض الامور لا يدل على بطلانه و هل يجحد العاقل ما لا يعرف و ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم. (ش)

(2) هذا الرجل من القائلين بأن كل موجود محسوس و ان كل ما لا يدرك بحواسنا فهو غير موجود، و كان أيضا قائلا بالبخت و الاتفاق، قال الشهرستانى عند بيان مذهب المانوية: قال بعضهم ان النور و الظلام امتزجا بالخبط و الاتفاق نظير مذهب ذىمقراطيس فرد (ع) على اعتقاده الاول بأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، ثم شرع (ع) فى الرد على اعتقاده الثانى بأنا اذا تتبعا الموجودات و دققنا النظر فى أحوالها حصل لنا اليقين بأنها لم تحدث بالبخت و الاتفاق بل بسبب موجب و علة مرجحة لغاية معلومة اذ لا يحدث من الاتفاق شيء منتظم و بالجملة السماء و الارض و حركاتهما و الليل و النهار و كل شيء مثلها حاصل بسبب موجب لا يمكن أن يكون على غير هذا الذي عليه و نظمها ناظمها و سيأتى لذلك تتمة ان شاء اللّه تعالى. (ش)

10

..........

____________

فلذا

(قال الزنديق ما كلمني بهذا أحد غيرك)

(1) للاشعار برجوعه عن الجهل المركّب إلى البسيط و عن الظنّ بعدم وجود الصانع إلى الشكّ في وجوده و عدمه

(فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام))

(2) طلبا لتصريحه بالشكّ و رجوعه عن الإنكار الصرف

(فأنت من ذلك)

(3) أي من وجود الصانع أو من وجود ما لم تر وجوده

(في شكّ فلعلّه هو و لعلّه ليس هو)

(4) أي لعلّ الصانع موجود بالهويّة الشخصيّة الذّاتيّة و لعلّه ليس بموجود و كلمة «لعلّ» للرّجاء و الطمع و أصلها علّ و اللّام في أوّلها زايدة

(فقال الزنديق)

(5) إظهارا لشكّه

(و لعلّ ذلك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أيّها الرّجل ليس لمن لا يعلم حجّة»)

(6) أي غلبة أو برهان

(على من يعلم)

(7) لأنّ الحجّة مبنيّة على مقدّمات وثيقة و أفكار دقيقة و انتقالات صحيحة و مناسبات لطيفة بين المطالب و المبادي إلى غير ذلك من الأمور و الشرائط المعتبرة فيها و الجاهل بعيد عن إدراك هذه الامور فكيف يكون له حجّة على العاقل العالم بها

(و لا حجّة للجاهل)

(8) أي لا حجّة للجاهل على العالم فهذا تأكيد للسابق أو لا حجّة للجاهل على القيام بالجهل و البقاء عليه إذ الواجب عليه التهيّؤ و الاستعداد لقبول الحقّ و التعرض للتعلّم و التفهّم عن العالم و لذا قال (عليه السلام)

(يا أخا أهل مصر تفهّم عنّي)

(9) ما أقول لك من الحقّ و البيان و ما ألقي إليك من الحجّة و البرهان

(فإنّا لا نشكّ في اللّه أبدا)

(10) أي في وجوده و صفاته و إبداعه لهذا العالم و انتهاء سلسلة الممكنات إليه و ينبغي أن يعلم أن معرفته تعالى على ثلاثة أقسام (1) يندرج في كلّ قسم مراتب غير محصورة الأوّل المعرفة الفطريّة

____________

(1) قال بعض من تصدى لشرح الكافى ممن لا معرفة له بهذه الامور أن اثبات وجوده تعالى ليس ممكنا بالاستدلال المنطقى و ترتيب المقدمات كما هو طريقة المشائين و ليس بالتجربة كما هو طريقة اهل العلوم الطبيعية و لا بالوجدان و الشهود على ما يدعيه الصوفية، بل بالوجدان الساذج العام و هو سهل و صعب، و قال. هو حاصل من التصادف بين العقل الانسانى و الموجودات و يحدث من هذا التصادف شرارة كما يحدث من تصادم الحجر و الحديد و هى الاعتقاد باللّه تعالى انتهى. و عند المؤمنين باللّه تعالى وجوده يثبت بالوجدان و الشهود العرفانى و بالاستدلال العقلى و بالفطرة السليمة كما ذكره الشارح و أما التجربة كما هو طريقه الطبيعيين فهى بمعزل عن الوجود المجرد الكامل المحيط بكل شيء الذي لا يناله الحس بل هى خاصة بالامور الجسمانية الطبيعية. و اما التصادم بين العقل و الوجود فلا معنى له الا أن ينظر الانسان فى الاشياء بنظر العبرة و يشاهد الحكم و المصالح و التدبير المتقن فيها فيعرف بذلك أن لها خالقا عالما قادرا حكيما و مرجعه الى الاستدلال المنطقى الذي أنكره أولا. (ش)

11

..........

____________

و هي حاصلة للعوام أيضا إذ ما من أحد إلّا و هو يعرف ربّه بحسب الفطرة الأصلية لما ركّب فيه من العقل الّذي هو الحجّة الأولى، و لو أنكر وجوده تعالى منكر فانّما هو لغلبة الشقاوة المكتسبة المبطلة للاستعداد الفطري و هو مع ذلك قد يعترف به في حال الاضطرار كما أشار إليه سبحانه بقوله (وَ إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلّٰا إِيّٰاهُ- الآية» الثاني المعرفة بالنظر و الاستدلال من الآثار و هذا القسم للخواصّ، الثالث المعرفة الشهوديّة و المشاهدة الحضوريّة الّتي هي مرتبة عين اليقين و هذا القسم لخاص الخاصّ الّذي يعرف الحقّ بالحقّ، و لا يبعد أن يكون قوله (عليه السلام) «فإنّا لا نشكّ» إشارة إلى هذا القسم لأنّه الّذي حريّ بأن لا يتطرّق الشكّ إلى ساحته أصلا و أبدا، ثمّ فيه إشارة إلى آداب المناظرة فإنّ المريد لاثبات الحقّ لا بدّ أن يوصي صاحبه بالتفهّم و ترك التعنّت و أن يظهر حاله بأنّه على يقين فيما يقول و يتكلّم لأنّ ذلك موجب لزيادة إصغاء السامع، ثمّ بعد تمهيد هذين الأمرين و تأصيل هذين الأصلين شرع في الاستدلال.

و قال

(: أ ما ترى الشمس و القمر و الليل و النهار يلجان فلا يشتبهان و يرجعان)

(1) الظاهر أنّ الواو للعطف و أنّ الولوج و الرّجوع متعلّقان بالشمس و القمر و اللّيل و النهار جميعا، و المراد بولوج الشمس و القمر دخولهما بالحركة-

12

..........

____________

الخاصّة (1) في بروجهما و منازلهما المعروفة على نحو لا يشتبه أوقات الدّخول لكونها معلومة مضبوطة و المراد برجوعهما رجوعهما إلى الحالة الاولى بعد تمام الدّور أو رجوعهما إلى جزء معين من الفلك بعد المفارقة عنه فإنّ الشمس تذهب من الانقلاب الصيفي إلى الانقلاب الشتوي، ثمّ ترجع من الانقلاب الشتوي إلى الانقلاب الصيفي (2) و القمر يذهب من المقارنة إلى المقابلة. ثمّ يرجع من المقابلة إلى المقارنة، أو رجوعهما بالحركة اليوميّة في نصف الدّور من الشرق إلى الغرب و في نصف آخر من الغرب إلى الشرق، أو رجوعهما عن جهة الحركة الخاصّة إلى جهة الحركة اليوميّة في كلّ آن مع تحقّق الحركة إلى هاتين الجهتين في نفس الأمر، و المراد بولوج اللّيل و النهار دخول تمام كلّ منهما في الآخر و استتاره به فيستتر ظلمة اللّيل بضوء النهار و يستتر ضوء النهار بظلمة اللّيل على سبيل التعاقب بحيث لا يشتبه شيء منهما بالآخر مع التغاير بين النور و الظلمة كما يشير إليه قوله تعالى وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهٰارَ فَإِذٰا هُمْ مُظْلِمُونَ أو دخول بعض من كلّ واحد منهما في الآخر ففي ستّة أشهر يدخل جزء من اللّيل في النهار و في ستّة أشهر يدخل جزء من النهار في اللّيل و لا يشتبه الدّاخل

____________

(1) الحركة الخاصة للشمس و القمر ما يرى منهما من الانتقال من المغرب الى المشرق على التوالى فاذا نظرت الى القمر ليلة و رأيته قريبا من كوكب من الكواكب ثم نظرت إليه في الليلة التالية رأيته بعيدا عن ذلك الكوكب نحو المشرق نحو ذراعين تقريبا و هذه حركته الخاصة و كذلك مثله للشمس و لسائر السيارات. ثم ان لهذه الحركة أجلا مسمى و مقدارا خاصا لا يتجاوزه البتة. (ش)

(2) الانقلاب الصيفي رأس السرطان و الشتوى رأس الجدى و انتقال الشمس من أحدهما الى الاخر ظاهر محسوس فتراها تقرب أول السرطان الى سمت الرأس و تبعد بعده الى أول الجدى الى غاية البعد عنه و الزمان الواقع بينهما ثابت لا يزال و في القمر أيضا زمان سيره من مقارنته للشمس و انمحاق نوره الى مقابلته لها و هى حالة البدر ثابت لا يتغير و رجوعه من البدر الى المحاق كذلك و الاولى أن يحمل مراد الامام (ع) على جميع هذه الحركات و عدم تخصيصها ببعضها. (ش)

13

..........

____________

في كلّ منهما في الآخر لكون أقداره معلومة محدودة دائما (1) و المراد برجوعهما رجوع كلّ منهما بعد الاستتار عقب صاحبه أو رجوع كلّ منهما عمّا أعطاه الآخر فيرجع الدّاخل من اللّيل في النهار إلى اللّيل و يرجع الدّاخل من النهار في اللّيل إلى النهار أو رجوعهما إلى التساوي و التكافؤ في الاعتدالين بعد التزايد و التناقص، و إنّما قلنا الظاهر ذلك لأنّه يحتمل أن يتعلّق «يلجان» باللّيل و النهار و يرجعان بالشمس و القمر، و يحتمل أيضا أن يكون الواو للحال، و على هذا الاحتمال كلّ واحد من الولوج و الرّجوع متعلّق باللّيل و النهار و خبر لهما

(قد اضطرّا)

(1) (2) هذا على الاحتمالين الاولين حال عن المفعول الاولى ل«ترى» لبيان

____________

(1) و لكون هذه الاقدار معلومة محدودة صح للمنجمين أن يخبروا بما يبتنى على التسييرات من الحوادث كرؤية الهلال و الخسوف و الكسوف و المقارنات و مقادير الليل و النهار في الآفاق المختلفة و غير ذلك. (ش)

(2) قلنا في حاشية الوافي ان المنكرين للصانع ليس مبنى شبهتهم واحدا و لا طريقتهم متشاكلة فعلى المثبت أن يبين في كل باب ما يليق به فمن يرى أن العالم قديم يزال شبهته بأن يثبت امكانه و حدوثه و من يرى أن العالم بالبخت و الاتفاق تجب أن تزال بان الترجيح بلا مرجح محال و أن الشيء ما لم يجب لم يوجد، و من يرى أن كل موجود محسوس يزال شبهته بأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود و ظاهر أن الامام (ع) في هذا الحديث يرد القول بالبخت و الاتفاق لان السائل كان منهم. و الشمس و القمر و الكواكب عندهم أجسام جامدة نظير الاجسام الارضية و لو خلى الجسم و طباعه لم يتحرك البتة الا بمحرك جاذب أو دافع و ان تحرك بسبب خارج عن هويته لم يحدث فيه تكرر و نظام مقرر، لا يتبدل و لا يختلف و معنى كون الجسم الجامد مضطرا أنه متحرك بتحريك غيره، و معنى عدم اضطراره كونه مخلى و طباعه و لو كان قول الملاحدة صحيحا و لم يكن في الوجود شيء خارج عن الاجسام محرك لها و كانت الاجسام انفسها مخلاة و طبائعها من غير قوة خارجة تضطرها الى شيء لم يكن يوجد هذا النظم بالبخت و الاتفاق بل كانت الشمس تطلع يوما و لا تطلع يوما و القمر يسير مرة شهرا و مرة ثلاثة أشهر اذ الامور بالبخت و الاتفاق و كانت البرة تنبت مرة برا و مرة شعيرا، و شجرة التفاح تثمر مرة عنبا و مرة تمرا اذا لمادة قابلة للتشكل بكل صورة و الشمس قابلة للتحرك الى كل جانب فما الباعث لاختيار واحد من امور غير متناهية مع أن الترجيح بلا مرجح باطل، فان تمسك احد بان في كل جسم طبيعة تضطره الى شيء قلنا هؤلاء الزنادقة الذين كان الكلام متوجها إليهم كانوا نظير ذىمقراطيس و لم يكونوا قائلين باضطرار الطبيعة و لرد القائلين بالطبيعة حجة اخرى مذكورة في محلها سيأتي ان شاء اللّه و قد نقلنا في حاشية الوافي كلام أبى على بن سينا في الشفا في رد قول ذىمقراطيس- و من قال بالبخت و الاتفاق بما يشبه كلام الامام (ع) فارجع إليه. (ش)

14

..........

____________

أنّ اتّصافه بالمفعول الثاني أعني الولوج و الرجوع على سبيل الاضطرار ليثبت أنّ لهما فاعلا قادرا مختارا يحملهما على ذلك بقدرته و اختياره، و التثنية باعتبار أنّ الشمس و القمر شيء و اللّيل و النهار شيء آخر فهما شيئان و على الاحتمال الأخير مفعول ثان لترى و إشارة إلى اضطرار الشمس و القمر في أحوالاتهما، و قد أشار إلى وجه اضطرارهما أو اضطرار الجميع بقوله

(ليس لهما مكان إلّا مكانهما)

(1) فإنّ لكلّ واحد من الشمس و القمر من حيث الحجم و الجسميّة مكانا مخصوصا من الفلك هو مركوز فيه لا يخرج منه أبدا إلى مكان آخر و من حيث الحركة أمكنة معلومة هي مداراته اليوميّة الّتي يتحرّك فيه ذاهبا من الشمال إلى الجنوب و عائدا من الجنوب إلى الشمال دائما من غير تخلّف و لا وقوف و كذا لكلّ واحد من اللّيل و النهار محلّ مخصوص لا يقع فيه التبادل و التعاكس بالكليّة بأنّ يستقرّ اللّيل كلّه في محلّ النهار و يستقرّ النهار كلّه في محلّ اللّيل و من تفكّر فيه تفكرا صحيحا و استعان بالحدس الصائب علم يقينا أنّهما مضطرّان في ذلك

(فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان)

(2) دائما على النظام المشاهد من غير تخلّف أصلا و لم لا يذهبان على وجههما وقتا ما كما هو شأن صاحب الإرادة

(و إن كانا غير مضطرّين)

(3) في الذّهاب و الرّجوع و كان لهما اختيار فيهما

(فلم لا يصير اللّيل نهارا)

(4) بأن ترجع الشمس باختيارها فوق الافق من الغرب إلى الشرق فيكون النهار سرمدا

(و النهار ليلا)

(5) بأن ترجع تحت الافق من الشرق إلى الغرب فيكون

15

..........

____________

اللّيل سرمدا فدلّ ذهابهما و رجوعهما و اتّساق حركتهما و انضباط أمرهما و انضباط اللّيل و النهار دائما على أنّهما مضطرّان في هذه الامور و في دوامهما كما أشار إليه مؤكّدا بالقسم ترويجا له لكون المخاطب في مقام الشكّ بعد بقوله

(اضطرّا و اللّه يا أخا أهل مصر إلى دوامهما)

(1) على الاوصاف المذكورة و على النحو المشاهد فلهما فاعل قدير عليم خبير قاهر مدبّر دبّر في أمرهما كيف شاء لمنافع جليلة و مصالح كثيرة يعجز عن عدّها اللّسان و يقصر عن وصفها البيان و فيه دلالة على أنّ حركتهما ليست إراديّة و لا طبيعيّة لأنّ كون حركة المتحرّك دائما على نهج واحد من غير تبدّل و تغيّر و إلى جهة و وضع، ثمّ تركهما بعد البلوغ يدلّ على أنّ تلك الحركة ليست مستندة إلى الإرادة و الاختيار كما يحكم به العقل مع الانصاف و الحدس الصائب و ليست طبيعيّة لأنّ الطبيعية لا تقتضي شيئا و الصرف عنه بالضرورة. فإن قلت دوامهما على ذلك لكونهما مركوزين في الفلك و الفلك يحرّكهما كذلك، قلت: هذا اعتراف بالاضطرار و أمّا الفلك فحركته أيضا على هذا النحو دائما اضطراريّة و إلّا فلم لا يتغيّر و لا يتبدّل و لا يسرع و لا يبطئ و لا يعكس و لا يسكن وقتا ما مع تجويز العقل حركته على أنحاء متفاوتة و جهات مختلفة فاستقراره على هذا النحو دلّ على أنّه مضطرّ مقهور و له فاعل قاهر خارج عنه و ليس لمن قال:

بأنّ حركته إراديّة لقصد التشبّه بالكامل دليل يعتدّ به و لو ثبت ذلك ثبت المدّعى أيضا (1) لأنّ وجوب الممكن و كونه قادرا على الإرادة من جانب الغير و هو

____________

(1) هذا هو الصحيح في هذا الموضع بل اثبات نفس و عقل بإزاء كل فلك مما يأبى عنه ذهن الماديين و الملاحدة و اثبات الإرادة للفلك يساوق اثبات وجود اللّه تعالى اذ المنكرون منهم للصانع تعالى ينكرون العقول و النفوس و يستغربون الحركة الارادية في الافلاك أشد من استغراب عامة المسلمين و الحق أن كل من رأى جسما متحركا على الاستدارة كالرحى من غير أن يكون هناك ماء أو هواء و أى سبب محرك آخر لا بد أن ينسب حركته الى موجود غيبى جن او ملائكة يدبره بالارادة و الاختيار و لا يذهب الفكر السليم الى نسبة الحركة الدورية الى فاعل غير ارادى البتة فالطبيعة ليست فاعلة بنفسها بل هى مضطرة لفاعل غير طبيعى فهو إله أو ملائكة. (ش)

16

..........

____________

الفاعل المختار الواجب وجوده لذاته دفعا للتسلسل

(و الّذي اضطرّهما)

(1) على ذلك

(أحكم منهما و أكبر)

(2) الظاهر أنّ «أحكم» اسم تفضيل من الحكم بمعنى القضاء و منه يا أحكم الحاكمين لا من الاحكام كأفلس من الإفلاس ليرد أنّه شادّ، و المراد بكونه أحكم و أكبر أنّه حاكم عليها مؤثّر فيهما فلا محالة يكون أشدّ قضاء و أتم حكما و أكبر رتبة منهما أو المراد أنّ فعله ليس مثل فعلهما بالاضطرار و إلّا دار أو تسلسل أو المراد أنّ وجوده من ذاته لا من الغير و الإمكان مثلهما غير محكم في حدّ ذاته لانّه حينئذ ممكن و كلّ ممكن باطل غير محكم في حدّ ذاته أو المراد أنّ ذاته و صفاته أحكم من ذاتهما و صفاتهما لأنّ ذاتهما من الأجسام و صفاتهما من الجسمانيّات و كلّ جسم و جسماني فيه ضعف و ذلّة من جهات شتّى

(فقال الزّنديق صدقت)

(3) لا بدّ لهما من محرّك يضطرّهما على ما ذكر و هو أحكم و أكبر منهما

(ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام))

(4) لدفع ما يذهب إليه و هم الزّنديق من أنّ ذلك المحرّك هو الدّهر كما قالت الزّنادقة «وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ»

(يا أخا أهل مصر إنّ الّذي تذهبون إليه و تظنّون أنّه الدّهر)

(5) «أنّه الدّهر» خبر «أنّ» أو هو مفعول «تظنّون» أو بيان للموصول بتقدير «من» و مفعوله محذوف و خبر «أنّ» حينئذ قوله

(أن كان الدّهر يذهب بهم لم لا يردّهم؟ و إن كان يردّهم لم لا يذهب بهم)

(6) ضمير «بهم» إمّا راجع إلى ذوي العقول المدركة مطلقا سواء كانت نفوسا قدسيّة مجرّدة عن التعلّق بالأبدان أو نفوسا بشريّة متعلّقة بها أو راجع من باب التغليب إلى الكائنات من العلويات و السفليات كلّها، و لعلّ المراد أنّ للكائنات وجودات و صفات و كمالات هي ذاهبة إليها تاركة لأضدادها، مثلا للإنسان موت و حياة، و للشمس و القمر و ساير الكواكب حركات بالأصالة دائما من الغرب إلى الشرق و هي تذهب إلى جهات حركاتها و لا ترجع إلى خلافها و لا ترد و الدّهر لا شعور له فإن صدر منه بمقتضى طبعه إذهاب الكائنات إلى جهاتها و صفاتها و كمالاتها يرد أنّه لم يقتضي طبعه إذهابها إليها دون ردّها إلى خلافها و أضدادها

17

..........

____________

و إن صدر منه الرّد إلى خلافها يرد أنّه لم يقتضي طبعه الرّد إلى خلافها دون الإذهاب إليها؟ و لا يمكن التخلّص منه إلّا بأن يقال اقتضاء طبعه ذلك باعتبار مبدأ قادر قاهر أعطاه ذلك الطبع باختياره، و هذا مع كونه مثبتا للمطلوب مدفوع بأنّه لا يجوز إسناد (1) هذه الافعال المختلفة و الآثار المتفاوتة المتباينة إلى الطبع لأنّ الطبع لا يصدر منه الضدّان و لا ينشأ منه الفعلان المختلفان و لو في محلّين فإنه لا يمكن أن تسخّن النار في موضع و تبرّد في موضع آخر، فوجب إسنادها بلا

____________

(1) قوله «لا يجوز اسناد هذه الافعال اه» تفسير الشارح خلاف ظاهر عبارة الحديث كما يشعر به كلامه اخيرا لان الامام (ع) في مقام اثبات الضرورة في الطبيعة و توجه نظام العالم الجملى الى شيء واحد لا يختلف حتى يثبت به وحدة المبدأ نظير قطيع واحد من اغنام كثيرة تروح الى جانب واحد او جنود كثيرة متوجهين الى جهة بنظام واحد يدل على وجود راع و قائد يسوقهم و لو لا ذلك لذهب كل شاة الى جانب و كل جندى الى جهة بل يقوم بعضهم و يمشى بعضهم و ينام بعضهم و بالجملة اراد (ع) رد من يذهب الى البخت و الاتفاق و هم طائفة من الملاحدة ينكرون ثبوت غرض و غاية للطبيعة و لم يكن (ع) في مقام رد طائفة اخرى منهم يثبتون الضرورة للطبيعة و لا يعترفون بوجود إله قادر مختار كما فهمه الشارح (ره) و تكلف في تطبيق كلام الامام (ع) فمقصوده (ع) اثبات الضرورة الطبيعية المسخرة بامر اللّه تعالى لا انكار الضرورة اصلا و في توحيد المفضل بعد أن انكر (ع) على الطائفة الثانية نفي الواجب تعالى اكتفاء بالطبيعة قال و قد كان من القدماء يعنى من قدماء فلاسفة اليونان طائفة أنكروا العمد و التدبير في الاشياء و زعموا أن كونها بالعرض و الاتفاق و كان مما احتجوا به هذه الافات التى تلد غير مجرى العرف و العادة كالانسان يولد ناقصا أو زائدا إصبعا و يكون المولود مشوها مبدل الخلق فجعلوا هذا دليلا على أن كون الاشياء ليس بعمد و تقدير بل بالعرض كيف ما اتفق أن يكون و قد كان ارسطاطاليس رد عليهم فقال: ان الذي يكون بالعرض و الاتفاق انما هو شيء يأتى بالفرط مرة مرة لاعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها و ليس بمنزلة الامور الطبيعية الجارية على شكل واحد جريا دائما متتابعا انتهى. و اورد الشيخ ابو على سينا في الفصل الرابع عشر من المقالة الاولى من الفن الاول من طبيعيات الشفا تفصيل هذا.

فانظر الى شرف العقل و العلم كيف بلغ بهذا الرجل ارسطو مبلغا ذكره سليل النبوة و استشهد بكلامه و الهم إليه من عالم الملكوت قوله و حجته (ش)

18

..........

____________

واسطة إلى فاعل قادر مختار يفعل ما يشاء بمجرّد الإرادة و المشيّة و لهذه العبارة احتمال آخر أظهر تركناه خوفا للاطناب و حوالة على أفهام أولى الالباب

(القوم مضطرّون)

(1) إلى الاعتراف بذلك و الاقرار، فالمراد بالقوم الإنسان أو ذوو العقول على الإطلاق و يحتمل أن يراد بهم الموجودات الممكنة كلّها من باب التغليب:

يعني أنّ الموجودات مضطرّون في الوجود و ما يتبعه من الصفات و لوازم المهيات و ما يتّصف به المتحركات كالشمس و القمر و سائر السيارات من الذّهاب و العود و الطلوع و الغروب إلى غير ذلك من الأحوالات و هذا الكلام على هذا الاحتمال تأكيد لما سبق و تقرير لما مرّ من أنّ هذه الآثار لا يجوز إسنادها إلى المتّصف بالاضطرار مثل الشمس و القمر و الليل و النهار و الدّهر و غيرها بل يجب إسنادها إلى الفاعل المختار القاهر على الممكنات يفعل فيها ما يشاء كيف يشاء ثمّ شرع في إثباته تعالى بدليل آخر و قال:

(يا أخا أهل مصر لم السماء)

(2) على عظمة حجمها و مقدارها

(مرفوعة)

(3) على بعد مخصوص لا يزيد و لا ينقص

(و الأرض موضوعة)

(4) في حاقّ وسط السماء على بعد معيّن بينهما مع اشتراكهما في الجسميّة المقتضية للتحيّز فرفع إحداهما و وضع الاخرى دلّ على وجود قادر قاهر لهما على ذلك، فإن قيل طبع السماء يقتضي الرّفع و طبع الأرض يقتضي الوضع، قلنا: الرّفع و الوضع يتصوّر ان على أنحاء مختلفة و وجوه متباينة فاختصاصهما، بهذا الرّفع و الوضع المخصوصين لا بدّ أن يكون مستندا إلى الغير على أنّ اقتضاء طبعهما ذلك لا بدّ أن يكون من الغير و هو المبدأ الغالب على الأشياء

(لم لا تسقط السماء) بالحركة المستقيمة أو مع الحركة الدّورية الّتي لها في نفس الأمر

(على الأرض)

(5) إذ الحركة المستقيمة لا تنافي

19

..........

____________

الحركة الدّورية و ما ذكره الفلاسفة من امتناع حركة السماء على الاستقامة (1) فهو ممنوع و لم يقم عليه برهان

(لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها)

(1) تقول حدرت السفينة أحدرها إذا أرسلتها إلى أسفل و الانحدار الانهباط و طباق الأرض طبقاتها الّتي بعضها فوق بعض، المراد بفوق طباقها الطبقة الفوقانيّة المكشوفة التي هي مسكن للحيوانات المتنفّسة، يعني لم لا تنحدر الأرض إلى الماء من فوق طباقها أو لم لا ينحدر فوق طباقها على أن يكون فوق طباقها بدلا من الأرض، و يحتمل أن يراد بطباقها ما يحيط بها من العناصر و الأفلاك يعني لم لا تنحدر الأرض فوق العناصر بل إلى فوق الأفلاك أيضا و إرجاع ضمير طباقها إلى السماء أيضا محتمل و المراد بالطباق حينئذ طبقات السموات و إطلاق لفظ الانحدار على حركة الأرض إلى صوب المحيط صحيح لأنّ حركتها من المركز إلى المحيط في سمت أقدامنا انحدار و هبوط بالنظر إلينا و صعود بالنظر إلى من يقابلنا

(فلا يتماسكان و لا يتماسك من عليها)

(2) (2) في بعض النسخ و لا يتماسكان بالواو و هي للحال عن المنفي و هو السقوط و الانحدار و في بعضها بالفاء و هذا الكلام حينئذ إما متفرّع على النفي يعني علم من عدم سقوط السماء و عدم انحدار الأرض أنّهما لا يتماسكان أي

____________

(1) قوله «حركة السماء على الاستقامة ممنوع» حركة السماء على الاستقامة او الاستدارة و امكانها أو امتناعها اجنبى عن المقام على ما ذكرنا فان الغرض من جميع هذه الجمل اثبات الاضطرار و عدم وجود شيء إلا بعلة فاعلة و غاية كما قيل: الشيء ما لم يجب لم يوجد و أنه لا بخت و لا اتفاق كما سبق من بيانه (ع) في توحيد المفضل و المقصود حاصل سواء كان الحركة المستقيمة ممتنعة على الفلك او ممكنة. (ش)

(2) قوله: «و لا يتماسك من عليها» هذا الكلام أيضا رد على القائلين بالبخت و الاتفاق منكرى العلة و لا يخفي أن الالهيين يثبتون وجود واجب الوجود بأن كل شيء يحدث في العالم فهو بسبب و علة و لا يمكن التسلسل في العلل فينتهى بالاخرة الى واجب الوجود.

ثم يثبتون علمه و قدرته و اختياره تعالى بالنظر في أفعاله تعالى و الحكم و المصالح فيها فاذا أنكر أحد أصل العلية و التزم بامكان الترجح من غير مرجح و ان تركب الاجسام بالبخت و الاتفاق فقد سد باب اثبات الواجب تعالى، و مما قالوا ان كل جسم حصل من تركب أجزاء صغار صلبة منبثة في الفضاء فاتفق ان اجتمع منها أجزاء غير محصاة في أحياز غير محصاة في خلأ غير متناه كما نقله الشيخ في الشفا و لو كان هذا صحيحا لزم منه عدم تماسك اجزاء الارض و السماء لان الاجزاء المجتمعة في الفضاء بالبخت و الاتفاق في معرض أن تتفرق بالاتفاق مع أنا نرى تماسك أجزائهما آلافا من السنين فلا بد أن يكون التماسك و الاجتماع بعلة كما في ساير الحوادث و قال بعض قدماء اليونانيين ان الاجسام متجاذبة طبعا تميل بعضها الى بعض و هذا اعتراف بان التماسك بعلة لا بالاتفاق. و أما تفسير الشارح أن لا يتماسكان اى لا يملكان- الى آخر ما قال- فتكلف مبنى على ما زعمه من أن الزندقة طريقة واحدة هى الالتزام بجبر الطبيعة و نفي القادر المختار. (ش)

20

..........

____________

أي لا يملكان أمرهما من الرّقع و الوضع و لا يقدران على ذلك و إنّ كلّ من على الأرض من الإنسان و الحيوان و غيرهما لا يتمالك أمره من تحيّزه بحيّزه و وضعه فيه لأنّ وضعه تابع لوضع الأرض و وضع الأرض بالجبر من الفاعل القادر المختار فوضعه أيضا منه أو متفرّع على المنفي و عدم تماسكهما حينئذ بالرّفع و الوضع و عدم ثباتهما عليهما ظاهر و كذا عدم تماسك من على الأرض و عدم ثباتهم عليها لغرقهم في الماء و انفلات الأرض من تحتهم سريعا فينقطع التعلّق بينهما و بينهم و لو بقي التعلّق لاضطربوا بالحركة العنيفة اضطرابا شديدا كما يشاهد مثل ذلك عند الزلازل الشديدة. لا يقال: هذا الدّليل و الّذي قبله إنّما يدلّان على أنّه لا بدّ لهذا النظام و تلك الحركات من مدبّر قادر خارج عن عالم الجسم و الجسمانيّات و أمّا أنّه واجب الوجود لذاته فلا، لجواز أن يكون هذا المدبّر جوهرا مجرّدا مفارقا لأنّا نقول: هذا الجوهر على تقدير وجوده ممكن بالاتفاق فهو لا يفيد الوجود و لواحقه إلّا إذا استفاد وجوده من موجود خارج عنه لأنّ وجود الممكن ليس من قبل ذاته المعرّاة عن مرتبة الوجود و لا من قبل وجوده بالضرورة، بل هو من قبل موجود مباين له حاكم عليه و هو اللّه تعالى شأنه

(فقال الزّنديق أمسكهما اللّه ربّهما و سيّدهما)

(1) الرّب في اللّغة المالك و المدبّر و السيّد و المربّى و المتمّم و المنعم و المولى و الصاحب و الحافظ و السيّد في اللّغة الرّبّ و المالك و الشريف و الكريم و الحليم و الحاكم و المقدّم و المتحمّل للأذى ممّن دونه

21

..........

____________

(قال فآمن الزنديق على يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: له حمران: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة (1) على يديك فقد آمن الكفّار على يدي أبيك)

(1) المراد به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و يحتمل غيره من آبائه الطاهرين

(فقال المؤمن الّذي آمن على يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام))

(2) لم يطلق عليه الزّنديق هنا تعظيما له و إشعارا بأنّه لا يجوز ذلك و لو على سبيل المجاز باعتبار ما كان

(اجعلني من تلامذتك فقال: أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا هشام بن الحكم خذه إليك)

(3) أي منضمّا إليك على التضمين

(فعلّمه هشام)

(4) الأحكام الدّينية و المعارف الإلهيّة و فيه مدح عظيم لهشام و الرّوايات في مدحه عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) كثيرة و ترحّم عليه الرضا (عليه السلام) بعد موته و كان ممّن فتق الكلام في الإمامة و هذّب المذهب بالنظر و كان حاذقا بصناعة الكلام حاضر الجواب و في ذمّه أيضا روايات جوابها مذكور في كتب الرّجال و غيرها

(و كان)

(5) أي هشام أو المؤمن الّذي آمن

(معلّم أهل الشام و أهل مصر الإيمان)

(6) و أركانه و أحكامه

(و حسنت طهارته)

(7) القلبيّة و الدّينيّة بتحصيل الأخلاق و الأحكام

(حتّى رضي به أبو عبد اللّه (عليه السلام))

(8) لحسن طهارته و كمال إيمانه.

[الحديث الثاني]

«الاصل»

2- «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن» «عبد الرّحمن بن محمّد بن أبي هاشم، عن أحمد بن محسن الميثمي قال: كنت عند» «أبي منصور المتطبّب فقال: أخبرني رجل من أصحابي قال: كنت أنا و ابن أبي» «العوجاء و عبد اللّه بن المقفّع في المسجد الحرام فقال ابن المقفّع، ترون هذا الخلق» «- و أومأ بيده إلى موضع الطواف- ما منهم أحد اوجب له اسم الانسانيّة إلّا ذلك» «الشيخ الجالس- يعني أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام)- فأمّا الباقون فرعاع و بهائم»

____________

(1) قوله «ان آمنت الزنادقة» المفهوم من هذا الكلام أن الزنادقة غير الكفار فلعل الفرق بينهما الفرق بين العالم و الخاص او الزنادقة كانوا يتظاهرون بالاسلام و لم يكونوا مؤمنين بقلوبهم نظير جماعة من ملاحدة زماننا و يأتى الاشارة الى مذهب الزنادقة في الحديث الآتي ان شاء اللّه. (ش)

22

«فقال له ابن أبي العوجاء: و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟ قال:» «لأنّي رأيت عنده ما لم أره عندهم فقال له ابن أبي العوجاء: لا بدّ من اختبار ما» «قلت فيه منه: قال: فقال له ابن المقفّع: لا تفعل فانّي أخاف أن يفسد عليك ما في» «يدك، فقال: ليس ذا رأيك و لكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه» «المحلّ الّذي وصفت، فقال ابن المقفّع: أمّا إذا توهّمت عليّ هذا فقم إليه و» «تحفّظ ما استطعت من الزّلل و لا تثني عنانك إلى استرسال فيسلّمك إلى عقال و سمه» «ما لك أو عليك، قال: فقام ابن أبي العوجاء و بقيت أنا و ابن المقفّع جالسين فلمّا» «رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال: ويلك يا ابن المقفّع ما هذا ببشر و إن كان في» «الدّنيا روحانيّ يتجسّد إذا شاء ظاهرا و يتروّح إذا شاء باطنا فهو هذا، فقال له:» «و كيف ذلك؟ قال: جلست إليه فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال: إن يكن» «الأمر على ما يقول هؤلاء و هو على ما يقولون- يعني أهل الطواف- فقد سلموا و عطبتم و إن» «يكن الأمر على ما تقولون و ليس كما تقولون فقد استويتم و هم. فقلت له: يرحمك اللّه» «و أي شيء نقول و أي شيء يقولون؟ ما قولي و قولهم إلّا واحدا، فقال: و كيف يكون قولك و» «قولهم واحدا؟ و هم يقولون: إنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا و يدينون بأنّ في السّماء» «إلها و أنّها عمران و أنتم تزعمون أنّ السّماء خراب ليس فيها أحد، قال: فاغتنمتها» «منه فقلت له: ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه و يدعوهم إلى عبادته» «حتّى لا يختلف منهم اثنان و لم احتجب عنهم و أرسل إليهم الرّسل؟ و لو باشرهم» «بنفسه كان أقرب إلى الايمان به؟ فقال لي: ويلك و كيف احتجب عنك من أراك» «قدرته في نفسك نشوءك و لم تكن و كبرك بعد صغرك و قوّتك بعد ضعفك و ضعفك» «بعد قوّتك و سقمك بعد صحتك و صحّتك بعد سقمك و رضاك بعد غضبك و غضبك بعد» «رضاك و حزنك بعد فرحك و فرحك بعد حزنك و حبّك بعد بغضك و بغضك بعد» «حبّك و عزمك بعد أناتك و أناتك بعد عزمك و شهوتك بعد كراهتك و كراهتك بعد» «شهوتك و رغبتك بعد رهبتك و رهبتك بعد رغبتك و رجائك بعد يأسك و يأسك بعد» «رجائك و خاطرك بما لم يكن في وهمك و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك و ما زال»

23

«يعدّد عليّ قدرته الّتي هى في نفسي الّتي لا أدفعها حتّى ظننت أنّه سيظهر فيما» «بيني و بينه».

«الشرح»

____________

(عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي هاشم، عن أحمد بن محسن الميثميّ قال: كنت عند أبي منصور المتطبّب)

(1) أي العارف بالطبّ العالم به

(فقال: أخبرني رجل من أصحابي قال:

كنت أنا و ابن أبي العوجاء)

(2) اسمه عبد الكريم و في كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي عن عيسى بن يونس قال: كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصريّ فانحرف عن التوحيد فقيل: له تركت مذهب صاحبك و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة؟ قال: إنّ صاحبى كان مخلطا يقول طورا بالقدر و طورا بالجبر فما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه و كان يكره العلماء مجالسته لخبث لسانه و فساد ضميره

(و عبد اللّه بن المقفّع في المسجد الحرام فقال ابن المقفّع ترون هذا الخلق و أومأ بيده إلى موضع الطواف ما منهم أحد أوجب)

(3) بضم الهمزة أي أثبت

(له اسم الانسانية)

(4) اسم الإنسان يطلق على هذا الهيكل المحسوس الّذي يشترك فيه الجاهل و العالم و على النفس الناطقة المجرّدة الفاضلة (1) بالعلوم و المعارف و على المجموع، و الأخيران أولى بإطلاق هذا الاسم عليها من الأوّل و

____________

(1) قوله «و على النفس الناطقة المجردة» أكثر اهل التحقيق و التحصيل من علماء الاسلام صرحوا بتجرد النفس الناطقة كالشارح و بعض المتكلمين ذهبوا الى ماديتها و التفصيل موكول الى محله، بل صرح بعض اهل الظاهر بكفر من قال بتجرد النفس و قال الفاضل المجلسى (ره) ما يحكم به بعضهم من تكفير القائل بالتجرد افراط و تحكم و قد ذكر قبل ذلك من القائلين بالتجرد معمر بن عباد السلمى و الغزالى و أبا القاسم الراغب و الشيخ المفيد و بنى نوبخت و الاسوارى و نصير الدين الطوسى (ره) و يلزم مما ذكر ان بعضهم كفر هؤلاء و العجب ان البيضاوى ذكر فى تفسيره اتفاق اهل الاسلام على التجرد و فى تفصيل ذلك كلام لا يليق بهذا الموضع. (ش)

24

..........

____________

لهذا صحّ النفي عنه في مثل زيد ليس بإنسان أو زيد حمار

(إلّا ذلك الشيخ الجالس)

(1) الشيخ يطلق على المسنّ بعد الكهل و هو من انتهى شبابه، و على العالم الماهر المتبحّر في العلوم

(يعني أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فأمّا الباقون فرعاع و بهايم)

(2) الرّعاع بالفتح جمع رعاعة، و قيل: اسم جمع و هى الأحداث الطغام و الأراذل من الأوباش و اللّئام و شبّههم بالبهائم في اتّصافهم بالجهالات و فقدانهم للقوّة المدركة للمعقولات

(فقال له ابن أبي العوجاء: و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء)

(3) الواو لمجرّد اللّصوق و الرّبط لا للعطف و كيف سؤال عمّا يقتضي تخصيصه بهذا الاسم دون غيره (قال: لانّي رأيت عنده ما لم أره عندهم)

(4) من العلوم و المعارف و كمال القوّة الفكريّة

(فقال له ابن أبي العوجاء لا بدّ من اختبار ما قلت فيه منه)

(5) اضافة الاختبار إلى الموصول إضافة المصدر إلى المفعول و العائد محذوف و ضمير فيه و منه عائد إلى الشيخ و منه متعلق بالاختبار

(قال: فقال له ابن المقفّع لا تفعل)

(6) ما أردت من اختباره و التكلم معه

(فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك)

(7) من مذهبك و ما تستدلّ به عليه لكمال قوّته في المناظرة

(فقال:

ليس ذا رأيك)

(8) أي ليس خوف الإفساد رأيك و زعمك في المنع من الاختبار

(و لكن تخاف أن يضعف رأيك)

(9) أي اعتقادك أو عقلك

(عندي في إحلالك)

(10) أي إنزالك من أحلّه إذا أنزله

(إيّاه المحلّ الّذي وصفت)

(11) من كمال العلم و المعرفة و تمام القوّة في الكلام و المناظرة

(فقال ابن المقفّع أما إذا توهّمت عليّ هذا فقم إليه)

(12) أي ذاهبا أو متوجّها إليه و أما بالتخفيف حرف التنبيه و هذا أولى من قراءتها بالتشديد على أن تكون للشرط و فعلها محذوف، و مجموع الشرط و الجزاء بعدها جواب لذلك الشرط كما زعم فإنّه بعيد لفظا و معنى أمّا لفظا فلاحتياجه إلى التقدير و الأصل عدمه، و أمّا معنى فلأنّ أمّا الشرطيّة للتفصيل باتّفاق النحاة مثل أمّا زيد فذاهب و أمّا عمرو فمقيم أي مهما يكن من شيء فزيد ذاهب و عمر و مقيم و ذكر التفصيل و الأقسام و إن لم يكن واجبا لجواز أن يذكر قسم واحد و يترك الباقي كما في قوله تعالى «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ- الآية» إلّا أنّه وجب أن يكون للتفصيل في نفس المتكلّم كما صرّح به ابن الحاجب في شرح المفصّل، و إرادة التفصيل هنا أي أمّا إذا لم تتوهّم عليّ هذا

25

..........

____________

فمكانك، لا يخلو من بعد، بل لا وجه لها

(و تحفظ ما استطعت من الزّلل)

(1) تحفظ مجزوم بالشرط المقدّر بعد الأمر و من متعلّق به أي و إن قمت إليه تحفظ نفسك من الزّلل في المقال و فيما تسمعه منه من دقائق عقائده و لطائف فوائده ما استطعت

(و لا تثنى عنانك)

(2) لا للنفي و تثني بفتح التاء من باب ضرب أو بضمّها من باب الإفعال و المعنى واحد تقول:

ثنيت الشيء ثنيا و أثنيته إذا صرفته و عطفته، و العنان بالكسر سير اللّجام و هو الّذي يتمسّك به الراكب لحفظ الدّابة و ضبط أمرها و المراد به هنا ما تمسّك به النفس في ميدان المناظرة و المجادلة و الجملة خبر بمعنى النهي، و في بعض النسخ لا تثن بصيغة النهي من أحد البابين

(إلى استرسال)

(3) في النهاية الاسترسال الاستيناس و الطمأنينة إلى الانسان و الثقة به فيما يحدّثه و أصله السكون و الثبات انتهى، و يحتمل أن يكون هنا من الرّسل بالكسر بمعنى اللين و الرفق و التأنّي

(فيسلمك)

(4) من التسليم أو الإسلام قال في النهاية: أسلم فلان فلانا إذا ألقاه في الهلكة. و هو عام في كلّ من أسلمته إلى شيء لكن دخله التخصيص و غلب عليه الإلقاء في الهلكة و فاعل يسلمك عائد إلى الشيء أو إلى ذلك الشيخ

(إلى عقال)

(5) و هو بالكسر الحبل الّذي يشدّ به ذراعي البعير و بالضمّ و التشديد و قد يخفّف داء في رجلي الدّواب و المعنى لا تعطف عنان نفسك و لا تصرفه في ميدان المناظرة إلى الاستيناس بذلك الشيخ و الطمأنينة إليه و الثقة به فيما يقول، أو لا تصرفه إلى التأنّي و الرّفق به و المساهلة معه فيسلمك و يلقيك ذلك الشيء و الصرف أو ذلك الشيخ إلى عقال يمنعك من الحركة فيما أنت عليه من مذهبك و الدّلائل عليه أو إلى مكروه و مرض شديد و هو خروجك من مذهبك إلى مذهبه و غرضه من هذا الكلام وصيته بالحفظ و الثبات على دينه و عدم خروجه عنه بكلامه (عليه السلام) و اغراؤه بالمناظرة على قدر الإمكان «كذلك يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً»

(و سمه ما لك و عليك)

(6) نقل عن الشيخ العارف بهاء الملّة و الدّين إنّ سمه من السوم أقول: يريد أنّه أمر من سام البائع السلعة يسوم سوما إذا عرضها على المشتري و ذكر ثمنها و سامها المشتري بمعنى استامها سوما و المساومة المحادثة بينهما على السلعة و قطع ثمنها و الضمير

26

..........

____________

المنصوب راجع إلى ذلك الشيخ و اتّصاله من باب الحذف و الإيصال و ما الموصولة مفعوله و الجملة معطوفة على قم و المقصود اعرض عليه ما لك عليه و ما له عليك و ساومه في المعاملة و المناظرة الّتي تقع بينكما على بصيرة منك لئلّا تصير مغلوبا مغبونا كما يقع ذلك بين البائع و المشتري لطلب كلّ منهما نفعه و فراره من الغبن و الخسران ففي الكلام استعارة تمثيليّة، و نقل عن المحقّق الشوشتري أنّ سمّه بضم السين و فتح الميم المشدّدة أمر من سمّ الأمر يسمّه إذا سبره و نظر إلى غوره و المسبار ما يسبر به. أقول: الضمير يرجع إلى ما يجري بينهما بقرينة المقام و الموصول بدل عنه، و المقصود انظر إلى غور ما لك و عليك بمسبار عقلك و لا تأخذ بظاهرهما و ذلك لزعمه أنّ غور ما عليه صاحبه حقّ و غور خلافه باطل و يحتمل أن يكون أمرا من سممت سمّك أي قصدت قصدك أو من سممت بينهما سمّا أي أصلحت و الهاء حينئذ للوقف، يعني اقصد ما لك و عليك و تكلّم فيهما على بصيرة و معرفة أو أصلح بينهما بقدر الإمكان لئلّا تصير مغلوبا محجوجا، و نقل عن بعض الأفاضل و لعلّه الفاضل الأسترآبادي أنّه أمر من شمّ يشمّ بالشين المعجمة يقال:

شاممت فلانا إذا قاربته لتعرف ما عنده بالكشف و الاختبار، و الضمير عائد إلى الشيخ و ما استفهاميّة أي قاربه لتعرف ما لك و ما عليك من أنواع الكلام و المناظرة، أقول في نهاية ابن الأثير ما يؤيّد هذا الاحتمال قال: في حديث عليّ (عليه السلام) حين أراد أن يبرز لعمرو بن عبد ودّ قال: أخرج إليه فاشاممه قبل اللّقاء أي أختبره و أنظر ما عنده بالاختبار و الكشف و هي مفاعلة من الشمّ كأنّك تشمّ ما عنده و يشمّ ما عندك لتعملا بمقتضى ذلك. و قال بعض الأصحاب: هو على وزن عدة بمعنى أثر الكيّ في الحيوان معطوفة على عقال مضافة إلي الموصول و المعنى فيسلمك إلى عار ما لك و عليك

(قال فقام ابن أبي العوجاء و بقيت أنا و ابن المقفّع جالسين، فلمّا رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال: ويلك يا ابن المقفّع)

(1) الويل الحزن و الهلاك و قد يرد بمعنى التّعجّب و هو إذا لم يضف يجوز فيه الرّفع على الابتداء و النصب على إضمار الفعل و إذا اضيف لا يجوز فيه إلّا النصب (ما هذا ببشر)

(2) لأنّ ما له من الكلام الرّايق و

27

..........

____________

الكمال الفائق غير معهود للبشر

(و إن كان في الدّنيا روحانىّ)

(1) الرّوحاني بضمّ الرّاء و فتحها منسوب إلى الرّوح أو الرّوح و الألف و النون من زيادات النسب أي إن كان في الدنيا جسم لطيف لا يدركه البصر أو ملك كريم

(يتجسّد إذا شاء ظاهرا)

(2) أي يصير ذا جسد و بدن إذا أراد ظاهرا يدرك بالأبصار

(و يتروّح إذا شاء باطنا)

(3) أي يصير روحا صرفا بلا جسد إذا أراد باطنا لا يدرك بالأبصار فقوله ظاهرا و باطنا مفعول المشيّة

(فهو هذا)

(4) أي فذلك الرّوحاني هو هذا الشيخ الّذي وصفته بما وصفته

(فقال له: و كيف ذلك؟ قال: جلست إليه)

(5) أي جلست متوجّها إليه و بين يديه

(فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني)

(6) بالكلام و سبقني قبل أن أتكلّم

(فقال: إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء و هو على ما يقولون يعني أهل الطواف فقد سلموا و عطبتم)

(7) العطب بالتحريك الهلاك و قد عطب بالكسر إذا هلك أي فقد سلموا من الآفات و خلصوا من العقوبات و هلكتم في الدّنيا بموت نفوسكم بالأمراض القلبيّة و في الآخرة بالعقوبات الأخرويّة

(و إن يكن الأمر على ما تقولون- و ليس كما تقولون- فقد استويتم و هم)

(8) في السلامة و لا يضرّهم صلاتهم و صومهم و طوافهم و سائر ما يفعلون من العبادات و إنّما بنى الكلام على صورة الشكّ لقصد سياقه على نحو لا ينافي كثيرا اعتقاد المخاطب مع كونه مستلزما لإلزامه لأنّ سوقه على هذا النحو أدخل في استماعه و أبلغ في إصغائه و أتى بالجملة الحالية بين الشرط و الجزاء للإشارة إلى الحقّ و الباطل و إرشاده إلى الحقّ و إبعاده عن الباطل، و عطف «هم» على الضمير المرفوع المتّصل دلّ على جواز ذلك (1) بدون التأكيد و الفصل

(فقلت له: يرحمك اللّه)

(9) أجرى الدّعاء لا على حسب اعتقاده فإنّه لم يكن قائلا باللّه تعالى إظهارا لحسن حاله عنده (عليه السلام) كما أشار إليه بقوله

(و أيّ شيء نقول و أيّ شيء يقولون ما قولي و قولهم إلّا واحدا)

(10) لا اختلاف بيننا في العقائد

(فقال: و كيف يكون قولك و قولهم واحدا و هم يقولون إنّ لهم معادا)

(11) بعد فناء أبدانهم

(و ثوابا و عقابا)

(12) بفعل الطاعات و المنهيّات

(و يدينون)

(13) أي يعتقدون و يصدّقون (بأنّ في

____________

(1) بناء على ان كلام الامام (ع) محفوظ فى الرواية. (ش)

28

..........

____________

السماء إلها)

(1) أي (1) معبودا مستحقّا لأن يعبد فيها و «في» هنا بمعنى على للاستعلاء كما هي بمعناها في قوله تعالى وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ على ما صرّح به ابن الحاجب في شرح المفصّل على أنّها لو كانت بمعنى الظرفيّة لكان لها وجه أيضا لصحّة إرادة الظرفيّة المجازيّة باعتبار أنّ إلهيّته و معبوديّته في السماء

(و أنّها عمران)

(2) أي معمورة بأهلها و سكّانها من الملائكة و النفوس القدسيّة و هم يعبدون إلههم و يطيعونه فيما يأمرهم به و لا يفترون في عبادته

(و أنتم تزعمون أنّ السّماء خراب ليس فيها أحد)

(3) لا إله معبود و لا عابد مألوه و إنّما ذكر السماء (2) دون غيرها من أطباق الكائنات لأنّ ذلك أدخل في ذمّهم على القول بأنّ مثل هذا البناء و ما فيه من عجايب الخلق مثل الشمس و القمر و غيرهما من الثوابت و السّيارات أنحاء متفاوتة و جهات مختلفة ليس له مدبّر

(قال: فاغتنمتها منه)

(4) أي اغتنمت هذه الكلمات منه لكونها فاتحة لباب المناظرة و لكون قوله (عليه السلام) «و هو على ما يقولون» في حيّز المنع بزعمه فلذلك قال

(فقلت له: ما منعه إن كان الأمر كما يقولون)

(5) من أنّ لهم إلها صانعا مدبّرا و لهم معادا و ثوابا و عقابا

(أن يظهر لخلقه و يدعوهم)

(6) بنفسه

(إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان)

(7) في وجوده

(و لم احتجب عنهم و أرسل إليهم الرّسل)

(8) و دعاهم إلى الإقرار به و الطاعة له بتوسّطهم

(و لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به)

(9) هذا الكلام يحتمل أن يكون منعا لقوله (عليه السلام) «و هو كما يقولون» مع السند تقريره أنّ ما يقولون من أنه موجود ممنوع و السند أنّه لو كان موجودا لم يحتجب

(فقال لي ويلك و كيف احتجب

____________

(1) خص السماء بالإله لان اللّه تعالى مجرد غير جسمانى و المراد بالسماء عالم المجردات فهو اولى بان ينسب الى اللّه تعالى و اما عالم الأجسام فغير عارف جاهل لا يشعر بشيء و ليس له قوة على فعل و بهذا الاعتبار بعيد عن اللّه تعالى. (ش)

(2) و المراد من السماء هنا العالم المجرد من المادة يعنى ان الموحدين قائلون بوجود عالم مجرد غير محسوس و الزنادقة لا يعترفون به و يلزم من انكارهم انكار وجود الصانع و الملائكة و الوحى و الجنة و النار لان كل ذلك غير محسوس. (ش)

29

..........

____________

عنك من أراك قدرته في نفسك)

(1) بحيث لا تقدر على إنكار ذلك لو رجعت إلى صراحة عقلك فقد أنكر (عليه السلام) احتجابه عن الخلق و عدم ظهوره لهم و أشار إلى ظهوره بظهور آثار قدرته القاهرة في أنفسهم و هذا كما هو دافع للسند مثبت للمطلوب أيضا فإنّ الموجود الظاهر من جهة آثاره لا يجوز أن ينكر وجوده عاقل، ألا ترى أنّ من أنكر وجود المصوت و المتكلّم عند سماع الصوت و الكلام من مسافة بعيدة ينسب إلى السفه و الجنون و إنّما قلت: يحتمل ذلك لأنّه يحتمل أيضا أن يكون قياسا استثنائيّا لاثبات أنّه ليس بموجود، تقريره أنّه لو كان موجودا لظهر و لم يحتجب و إذا قد احتجب و لم يظهر علم أنّه ليس بموجود فمنع (عليه السلام) بطلان التالي و أشار إلى ظهوره بظهور آثاره و أفعاله الاختياريّة المحكمة المتقنة التابعة لقدرته الكاملة هذا إذا أراد الزّنديق بلزوم ظهوره على تقدير وجوده لزوم ظهوره في الجملة و أمّا إن أراد به لزوم ظهور ذاته بذاته بمعنى تجلّيها لكلّ أحد أو بمعنى رؤيتها و مشاهدتها بالعين فجوابه (عليه السلام) راجع إلى منع الشرطيّة بأنّ اللّازم على تقدير وجوده هو ظهور وجوده بالآثار لا بما ذكر لأنّ رؤيته محال و تجلّى الذّات لا يحصل إلّا للعارفين البالغين حدّ الكمال لانّهم يعرفون الحقّ بالحقّ لا بالخلق و أمّا القاصرون فظهوره لهم إنّما يحصل بظهور آثاره و ربما يرشد إليه قوله (عليه السلام) «و كيف احتجب عنك»

(نشوك و لم تكن)

(2) النشو مصدر نشأ نشوا و نشوءا على فعل و فعول إذا خرج و ابتدأ و هو منصوب على أنّه بدل من قدرته أو مرفوع على أنّه خبر مبتدأ محذوف يعود إليها و هو هي يعني من آثار قدرته في نفسك هي وجودك بعد العدم مع ما فيك من الأعضاء و الجوارح و العروق و القوى و غيرها و متى تأمّلت فيها و في ترتيبها و وضعها و منافعها الّتي لا تعدّ و لا تحصى علمت أنّ ذلك ليس من قبل ذاتك (1) المعرّاة عن الوجود في نفسها و لا من قبل وجودك لضرورة أنّ المعدوم لا يوجد شيئا سيّما نفسه و أنّ الوجود قبل تحقّقه ليس علّة لنفسه و لا لانضمامه إلى غيره و أيقنت أنّه من مبدأ مباين قادر يفعل بقدرته و إرادته ما يشاء و إلى

____________

(1) بل معنى الحديث ان هذه الاحوال المختلفة تدل على عدم كونها من النور و الظلمة لان احدهما اذا غلب غلب بجميع مظاهره على ما يأتى إن شاء اللّه. (ش)

30

..........

____________

هذا أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» يعني (1) عرف ربّه بضدّ ما عرف به نفسه لا بمثله لامتناع التشبيه فمن عرف نفسه بالحدوث و الإمكان و العجز و الجهل مثلا عرف ربّه بالقدم و الوجود و القدرة و العلم (و كبرك بعد صغرك)

(1) فإنّك إذا تفكّرت في انتقالاتك من مقدار إلى مقدار و في ترقّياتك من مرتبة الطفوليّة إلى سنّ الوقوف، علمت أنّ ذلك مستند إلى قادر مدبّر بحكمته و إنّك مخلوق مقهور تحت حكمه و قدرته

(و قوّتك بعد ضعفك و ضعفك بعد قوّتك)

(2) القوّة مبدأ الآثار و الأفعال و الضعف عدم ذلك المبدأ بالكليّة أو فتوره، و لا يبعد أن يراد بالقوّة القوّة الّتي في سنّ الشباب و بالضعف الضعف الّذي في سنّ الكهولة و الشيخوخة

(و سقمك بعد صحّتك و صحّتك بعد سقمك)

(3) (2) السقم المرض و

____________

(1) هذا الخبر نقله العلامة المجلسى- (رحمه اللّه)- فى المجلد الرابع عشر من البحار ص 415 نقلا عن كتاب «الباب المفتوح الى ما قيل فى النفس و الروح» تأليف الشيخ الفاضل الرضى على بن يونس العاملى- (رحمه اللّه)- و الكتاب بتمامه أورده العلامة المجلسى فى هذا المجلد من ص 412 الى 416.

(2) قوله: «صحتك بعد سقمك» قد يذهب الاوهام العامية الى أنه لا يمكن اثبات وجود اللّه تعالى الا بوجود حوادث لا علة طبيعية لها ظاهرة و يتعجب من استدلال الامام (ع) على وجود واجب الوجود تعالى بهذه الاحوال التى لها أسباب ظاهرة كالسقم بعد الصحة و الصحة بعد السقم فيقال: ان السقم بعلة طبيعية كانحراف المزاج عن التعادل او بنقص عضو أو زيادة أو سد منفذ أو جراثيم صغار و غير ذلك و له أسباب بادية و غير بادية و كذلك عود الصحة باعانة الطبيعة و تأثير الدواء و المعالجات و لا يثبت وجود اللّه تعالى الا بأن يرى فى بدن الانسان مرض أو صحة من غير سبب و هذا و هم باطل جدا مخالف للكتاب و العقل اما الاول فلان القرآن الكريم استدل على وجوده تعالى بامور لها اسباب طبيعية كاختلاف الليل و النهار و انزال الماء من السماء و جرى الرياح و غير ذلك و صرح فى القرآن أيضا بوجود الاسباب الطبيعية فى كثير منها مثل قوله «يُرْسِلُ الرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً» و مثل قوله تعالى «جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيٰاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً» و مثل قوله تعالى كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّٰارَ نَبٰاتُهُ و أما الثانى فلان العقل يشهد باحتياج كل ممكن الى واجب الوجود فى ذاته و صفاته و لو كان له أسباب طبيعية فانها معدات لا علل فاعلية فالصحة و المرض و ساير الاحوال من اللّه تعالى لان الاسباب أيضا ممكنات ليست وجودها بانفسها الى ان ينتهى الى واجب الوجود لبطلان التسلسل. و لنا فى تفسير الحديث وجه اخر ذكرناه في حواشى الوافى و نشير إليه فى حديث أبى سعيد الزهرى ان شاء اللّه تعالى. (ش)

31

..........

____________

هو ما يزيل عن كلّ عضو مزاجه اللّائق به، و الصحّة خلافه يعني استقامة كلّ عضو على ما يليق به

(و رضاك بعد غضبك و غضبك بعد رضاك)

(1) الرّضا المعافاة عن العقوبة أو انفعال النفس عن المعافاة و الغضب حركة النفس نحو الانتقام أو انفعالها عن تلك الحركة، و كونهما من آثار قدرته تعالى باعتبار المعنى الأخير ظاهر، و أمّا باعتبار المعنى الأوّل فباعتبار اتّصاف النفس بكونها قابلة لهما فإنّه من آثار القدرة القاهرة

(و حزنك بعد فرحك و فرحك بعد حزنك)

(2) الحزن انفعال النفس عن توارد المكروهات أو عن تخيّلها و قد يتحقّق لا عن سبب ظاهر، و الفرح انفعالها عن توارد المرغوبات أو عن تخيّلها و قد يتحقّق لا عن شيء

(و حبّك بعد بغضك و بغضك بعد حبّك)

(3) الحبّ انفعال النفس عن الميل المفرط إلى ما تستحسنه أو نفس هذا الميل، و البغض

(3) انفعالها عن الميل المفرط إلى ما تستقبحه أو نفس هذا الميل و هما من آثار قدرته تعالى و من ثمّ قيل: الحبّ المفرط لا يلام صاحبه إذ لا اختيار له و لو فرض أنّ له اختيارا فلا ريب في أنّ كونه قابلا من قدرته

(و عزمك بعد أناتك و أناتك بعد عزمك)

(4) العزم تأكّد ميل النفس إلى فعل من الأفعال (1) و القطع عليه و هو سبب قريب له تابع للإرادة

____________

(1) قوله «الى فعل من الافعال» لا ريب أن إرادة الانسان متوقفة على العلم و التصور و انه لا يريد شيئا الا اذا عرف منه منفعة أو دفع ضرر و النفع و الضر بأسبابهما مخلوقان للّه تعالى و لو لم يكن الطعام شهيا و لم يكن للانسان حس يدركه لم يتعلق ارادته بأكله و كذلك ساير ما يريده الانسان فصح أن يقال إرادة الانسان من فعل اللّه تعالى و ان لم يستلزم كونه مجبورا فى افعاله و الفرق بين الإرادة و العزم تكلف مستغنى عنه بل لعله غير صحيح لان الانسان يتصور أولا فعلا من الافعال و يتصور كونه مفيدا او مضرا و لا يسمى ذلك عزما و لا إرادة و قد يحصل بذلك له شوق و نزوع الى الفعل و هذا أيضا لا يسمى عزما و لا إرادة اذا رأى مانعا من ارتكابه و الحركة إليه كالحياء أو الدين يمنعه من الحرام مع شوقه إليه، ثم أن لم يمنعه شيء و قصد ارتكابه و تحريك عضلاته فهو إرادة و عزم و هذه الإرادة حاصلة بمقدمات غير اختيارية هى شروط لا علة تامة حتى يستلزم الجبر. (ش)

32

..........

____________

التابعة للشوق التابع لتصوّره و الأناة على وزن القناة اسم من تأنّى في الأمر إذا ترفّق و تنظّر و اتّأد فيه و أصل الهمزة الواو من الوني و هو الضعف و الفتور، و ضبطه بعض المحقّقين «بعد إبائك» بالباء الموحّدة التحتانية و الهمزة بعد الألف و الإباء الامتناع و الاستنكاف، فإن قلت: العزم فعل اختياريّ للنفس فلا يكون فعله تعالى، قلت: نعم و لكن كون النفس قابلة للاتّصاف به و بضدّه من أثر قدرة اللّه تعالى و هذا القدر كاف هنا، و قد يجاب بأنّ العزم لو كان فعلا اختياريّا للنفس كان مسبوقا بعزم آخر لأنّ كلّ فعل اختياريّ لها سببه القريب هو العزم له، ثمّ ننقل الكلام إلى ذلك العزم فإمّا أن يذهب سلسلة العزمات المترتّبة إلى غير النهاية أو ينتهي إلى عزم ليس هو فعلا اختياريّا لها، و الأوّل باطل لبطلان التسلسل و لحدوث النفس و لعلمنا علما ضروريّا بأن ليس لنا فيما يصدر عنّا من الأفعال إلّا عزم واحد فتعيّن الثاني و هو المطلوب، أقول: لو تمّ هذا لجرى في الإرادة أيضا فان اعترف به لزم عليه أن لا يكون العبد فاعلا مختارا أصلا إذ لا قدرة له في الإرادة و لا في العزم الواقع بعدها و إن أجاب بأنّ الإرادة واحدة و تعلّقها متعدّدة و التعلّق أمر اعتباريّ و التسلسل في الأمور الاعتباريّة جائز أو أجاب بأنّ الإرادة لا تفتقر إلى الإرادة أو بوجه آخر فهو جواب عن أصل الدّليل أيضا و المفهوم من كلام بعض الأصحاب و هو شارح كشف الحقّ للعلّامة الحلّي: أنّ العزم من اختيار العبد و الإرادة صادرة عنه بلا اختيار حيث قال أصل القدرة و الإرادة مخلوقتان في العبد لكنّ الفعل إنّما يتحقّق بالإرادة الجامعة للشرائط و ارتفاع الموانع و هي يعني الإرادة الجامعة اختياريّة.

بيان ذلك أنّه إذا حصل لنا العلم بنفع فعل تتعلّق به الإرادة بلا اختيارنا لكن تعلّق الإرادة به غير كاف في تحقّقه ما لم تصر جازمة بل لا بدّ من انتفاء كفّ النفس عنه حتّى تصير الإرادة جازمة موجبة للفعل فإنّا قد نريد شيئا و مع هذا

33

..........

____________

نتأنّى و نكفّ نفسنا عنه لحياء و حمية، و ذلك الكف أمر اختياريّ يستند وجوده على تقدير تحقّقه إلى وجود الدّاعي إليه و عدمه إلى عدم هذا الدّاعي فإنّ عدم علّة الوجود علّة العدم و عدم هذا الدّاعي إلى عدم الدّاعي إلى هذا الدّاعي و هكذا و غاية ما يلزم منه التسلسل في العدمات و لا استحالة فيه و بالجملة الإرادة الجازمة اختياريّة لاستناد عدم الكف المعتبر فيها بالاختيار و إن لم يكن نفس الإرادة إراديّة و لا يلزم التسلسل المحال انتهى، و لا خفاء في دلالته على ما ذكرنا فإنّ الإرادة الجازمة هي الإرادة المؤكّدة بالعزم و القطع على الفعل فأصل الإرادة اضطراريّة و العزم اختياريّ

(و شهوتك بعد كراهتك و كراهتك بعد شهوتك)

(1) الشهوة للشيء حالة فائضة على النفس من المبدأ بعد تصوّر ذلك الشيء و تصوّر منافعه و الكراهة للشيء حالة فائضة عليها بعد تصوّره و تصوّر مضارّه كما تجد ذلك عند شهوتك للطعام و كراهته مثلا

(و رغبتك بعد رهبتك و رهبتك بعد رغبتك)

(2) الرّغبة انبساط النفس و حالتها الفائضة من المبدأ عند مشاهدة شيء مرغوب أو تصوّره و الرّهبة يعني الخوف انقباض النفس و حالتها الفائضة عليها عند مشاهدة شيء مؤذ أو تخيّله كما تجد ذلك في نفسك إذا رأيت شبحا في مغارة و ظننت أنّه أسد، ثمّ ظهر ذلك أنّه إنسان صديق لك

(و رجاؤك بعد يأسك و يأسك بعد رجائك)

(3) الرّجاء كيفيّة نفسانيّة فائضة من المبدأ بملاحظة نافع شديد النفع و اليأس انقطاع الرّجاء كما تجد ذلك في نفسك إذا كنت محتاجا إلى الماء للشرب أو الزّرع و رأيت سحابا ممطرا، ثمّ انكشفت و تفرّقت أجزاؤه قبل أن يمطر فإنّك تجد لنفسك يأسا بعد رجاء من غير أن يكون لك اختيار فيهما

(و خاطرك بما لم يكن في وهمك و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك)

(4) العزوب بالعين المهملة و الزّاي المعجمة الغيبة و الذهاب و البعد يقال: عزب عنّي فلان من باب منع و ضرب إذا غاب و ذهب و بعد و الخطور الحصول، يقال: خطر أمر بباله و على باله خطورا من باب طلب إذا حصل فيه و الخاطر اسم فاعل منه بمعنى الحاصل في الذهن و قد يطلق على الذّهن كما يقال: أ ليس في خاطرك كذا، و المراد به هنا هو الشعور و الإدراك بقرينة تعديته بالباء و إضافته إلى الفاعل و هو كاف الخطاب

34

..........

____________

و يجوز استعمال الفاعل في المصدر كما يجوز عكسه و المقصود أنّ شعورك بما لم يكن حاصلا في ذهنك و حصوله في وهمك بعد ما لم يكن و ذهاب شيء عن ذهنك بعد ما كان فيه و نسيانك إيّاه من غير أن يكون لك اختيار فيه دلّ على أنّ ذلك بإفاضة مفيض و إزالة مزيل و هو القادر الّذي أنت مقهور تحت قدرته و إرادته فقد أشار (عليه السلام) إلى ظهور المبدأ القادر (1) بأنّ هذه الصفات النفسانيّة الفائضة على النفس ليست

____________

(1) قوله «ظهور المبدأ القادر» لا بدّ لمعلم التوحيد أن يدفع هذا الوهم العام أولا و هو أن كل موجود محسوس و أن ما لا تدركه الحواس فلا حقيقة له و لذلك بدء فى سورة البقرة بعد الفاتحة التى هى بمنزلة خطبة الكتاب الالهى بأول واجب فى تعليم الدين و هو قوله تعالى «ذٰلِكَ الْكِتٰابُ لٰا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» يعنى بما لا يدخل فى الحس فالايمان بوجود شيء غير محسوس أول الشروط لتحقق الايمان و اقتبس من الكتاب الالهى الشيخ الرئيس ابو على بن سينا فبدأ إلهيات الاشارات بدفع هذه الشبهة فقال قد يغلب على اوهام الناس أن الموجود هو المحسوس و أن ما لا يناله الحس بجوهره ففرض وجوده محال، ثم شرع فى رد اوهامهم و كذلك مبنى شبهة ابن ابى العوجاء ان اللّه تعالى غير مدرك بالحس فليس بموجود و ان السماء خراب و ليس عالم وراء هذا العالم المادى و قد حكى اللّه تعالى قولهم فى كتابه و قال يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ و دفع شبهتهم موقوف على بيان اساس وهمهم و هو أنهم ذهبوا الى ما ذهبوا لان الحس فى البدن يتأثر بشيء خارج عن البدن و الانسان مجبول على ان يصدق بان التأثر لا يكون الا عن سبب موجود مثلا تتأثر العين بالنور فيصدق بوجود المرئى و تتأثر الاذن بأمواج الهواء فيعلم وجود الصوت و يتأثر جلد البدن بغمز الملموس فيصدق بحرارة و برودة. و اما المجردات كالملائكة و اللّه تعالى فلا يتأثر البدن بوجودهم بمزاحمة و ضغط و صدم و لا يصدق بهم لذلك فقال (ع) ان بدنك يتأثر بموجودات غيبية كما تتأثر حواسك بالجسمانيات و يجب عليك التصديق بها جميعا اذ ملاك الاعتماد على الحس موجود فى المجردات أيضا و لذلك خص الكلام بالاحوال الطارية على البدن دون المصالح و الحكم و آثار القدرة فى الاكوان من السماء و الارض و غيرها و انما كثر الامثلة مما رواه الراوى و لم يروه لتسجيل الاحساس بمغلوبية البدن و تأثره اضعاف ما تتأثر الحواس بالمحسوسات و اذا أيقن الانسان من تأثر يده بالحرارة بوجود نار قريبة منه كيف لا يتيقن من التأثرات العديدة فى جميع جوارحه و نفسه و روحه بوجود مؤثر خارج عنه. و ان قيل لعل المؤثر فيها شيء غير اللّه تعالى قيل فى جوابه: هو مؤثر غير محسوس بالحواس الخمس المعروفة و لا بد من الاعتراف بوجوده فيثبت أنه لا يصح انكار شيء بعلة أنه غير محسوس بالحواس الخمس و هو المقصود هنا ثم يثبت انتهاء الاسباب اياما كانت الى واجب الوجود تعالى شأنه. (ش)

35

..........

____________

مستندة إلى الطبيعة لأنّ الطبيعة لا يصدر منها الضدّان و لو في وقتين و لا إلى إرادة النفس إذ لا مدخل لإرادتها فيها كما يظهر بالتأمّل و الوجدان بل إلى قادر قاهر يفعل بها ما يشاء، و قد اعترف الزّنديق به حيث قال

(و ما زال يعدّد عليّ قدرته الّتي هي في نفسي)

(1) أي آثارها

(الّتي لا أدفعها)

(2) أي لا أنكرها و لا أقدر على دفعها

(حتّى ظننت أنّه)

(3) أي المبدأ لتلك الآثار

(سيظهر فيما بيني و بينه)

(4) كظهور المحسوسات و إنّما لم يذعن به طبعه الدّني و ذهنه الغبي لسواد قلبه و فساد لبّه و زوال استعداده لقبول الحقّ «وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ».

[الحديث الثالث]

«الاصل»

3- «حدّثني محمّد بن جعفر الأسدي، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ الرّازي،» «عن الحسين بن الحسن بن برد الدّينوري، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن عبد اللّه الخراساني» «خادم الرّضا (عليه السلام) قال: دخل رجل من الزّنادقة على أبي الحسن (عليه السلام) و عنده» «جماعة فقال أبو الحسن (عليه السلام): أيّها الرّجل أ رأيت إن كان القول قولكم و ليس هو» «كما تقولون ألسنا و إيّاكم شرعا سواء، لا يضرّنا ما صلينا و صمنا و زكّينا و أقررنا؟» «فسكت الرّجل، ثمّ قال أبو الحسن (عليه السلام): و إن كان القول قولنا و هو قولنا أ لستم» «قد هلكتم و نجونا؟ فقال رحمك اللّه أوجدني كيف هو و أين هو؟ فقال: ويلك إنّ» «الّذي ذهبت إليه غلط هو أيّن الأين بلا أين و كيّف الكيف بلا كيف فلا يعرف» «بالكيفوفيّة و لا باينونيّة و لا يدرك بحاسّة و لا يقاس بشيء فقال الرّجل: فاذن أنّه»

36

«لا شيء إذا لم يدرك بحاسّة من الحواسّ؟ فقال: أبو الحسن (عليه السلام): ويلك لمّا» «عجزت حواسّك عن إدراكه أنكرت ربوبيّته و نحن إذا عجزت حواسّنا عن إدراكه» «أيقنّا أنّه ربّنا بخلاف شيء من الأشياء قال الرّجل: فأخبرني متى كان؟ قال» «أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني متى لم يكن فاخبرك متى كان، قال الرّجل: فما» «الدّليل عليه؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إنّي لمّا نظرت إلى جسدي و لم يمكنّي» «فيه زيادة و لا نقصان في العرض و الطول و دفع المكاره عنه و جرّ المنفعة إليه علمت أنّ» «لهذا البنيان بانيا فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته و إنشاء السحاب» «و تصريف الرّياح و مجرى الشمس و القمر و غير ذلك من الآيات العجيبات» «المبيّنات علمت أنّ لهذا مقدرا و منشئا».

«الشرح»

____________

(حدّثني محمّد بن جعفر الأسدي)

(1) رحمة اللّه عليه هو محمّد بن أبي عبد اللّه الّذي يروي عنه المصنّف كثيرا. قال النجاشي: محمّد بن جعفر بن عون الأسدي يقال له:

محمّد بن أبي عبد اللّه

(عن محمّد بن إسماعيل البرمكي الرازي)

(2) ربّما قيل: إنّ فيه دلالة على أنّ محمّد بن إسماعيل الّذي وقع في صدر بعض السند و اختلف الأصحاب فيه هو البرمكي لأنّ المصنّف إذا روي عنه بواسطة واحدة جاز أن يروي عنه بلا واسطة أيضا لقرب العهد (1)

(عن الحسين بن الحسن بن برد الدينوري، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن عبد اللّه الخراساني خادم الرّضا (عليه السلام) قال: دخل رجل من الزّنادقة عليّ أبي الحسن (عليه السلام) و عنده جماعة فقال أبو الحسن (عليه السلام): أيّها الرّجل أ رأيت)

(3) أخبرني

(إن كان القول قولكم)

(4) من أنّه ليس لهذا العالم مدبّر و لا لهذا الخلق معاد و لا ثواب و لا

____________

(1) قوله «لقرب العهد» و الصحيح أن محمد بن اسماعيل فى صدر الاسناد الّذي يروى عن الفضل بن شاذان هو النيشابورى من اصحاب الفضل كما حققه السيد الداماد- (رحمه اللّه)- فى الرواشح و ذكر البرمكي هنا لا يدل على كونه المذكور مطلقا فى صدور الاسانيد. (ش)

37

..........

____________

عقاب

(و ليس هو كما تقولون ألسنا)

(1) الهمزة لإنكار النفي أو لتقرير المنفي

(و إيّاكم شرعا)

(2) بفتح الشين و سكون الرّاء أو فتحها و يستوي فيه الواحد و المذكّر و المؤنّث و الاثنان و الجمع

(سواء)

(3) تأكيدا لشرعا يقال: الناس في ذلك شرع أي سواء و المعنى أنّا و إيّاكم متساوون في الأحوال لا فضل لنا عليكم و لا لكم علينا

(لا يضرّنا ما صلّينا و صمنا و زكّينا و أقررنا)

(4) من العقائد المتعلّقة بأحوال المبدأ و المعاد و الحشر و النشر و الثواب و العقاب

(فسكت الرجل)

(5) و لم يجب شيئا لعلمه بالمساواة و عدم إضرار هذه الأمور على هذا التقدير إذ إضرارها إنّما يتصوّر إذا كان هناك ربّ قاهر طالب لتركها و هم لا يقولون بذلك

(ثمّ قال أبو الحسن (عليه السلام) و إن كان القول قولنا و هو قولنا)

(6) من أنّ لهذا العالم مدبّرا و على الخلق تكليفا يترتّب عليه الثواب و العقاب

(أ لستم قد هلكتم و نجونا)

(7) من الهلاك و العقوبات و أمثال هذا الكلام الصادر عن الحكيم من الخطابيات و الموعظة الحسنة و المحرّضة للقلوب القاسية على سلوك سبيل الاحتياط، و قد قيل «من سلك سبيل الاحتياط فليس بناكب عن الصراط»

(فقال: رحمك اللّه أوجدني كيف هو و أين هو)

(8) الإيجاد الإظفار يقال:

أوجده اللّه مطلوبه أي أظفره به و كيف سؤال عن الأحوال و الكيفيّات و أين سؤال عن المكان إذا قلت أين زيد تسأل عن مكانه و المعنى أظفرني بمطلوبي و أو صلني إليه و هو أنّه كيف هو و أين هو يعني بيّن لي كيفيته و أظهر لي مكانه

(فقال: ويلك إن الّذي ذهبت إليه)

(9) من أنّ له كيفا و أينا

(غلط)

(10) نشأ من فساد عقيدتك و ضعف بصيرتك و تقيّدك بقيد الحواس و عدم تجاوزك من المحسوسات إلى قدس الحقّ فشبّهته بالخلق و ظننت المساواة بينهما فأجريت حكم الخلق عليه و حكمت بثبوت الكيف و الأين له

(هو أيّن الأين بلا أين و كيّف الكيف بلا كيف)

(11) أي جعل الأين أينا بلا أين له أو بلا أين قبله و جعل الكيف كيفا بلا كيف له أو بلا كيف قبله و فيه دلالة على أن الماهيّات مجعولة (1) أو أحدث الأين و الكيف بالجعل البسيط أعني

____________

(1) قوله: «المهيات مجعولة» المهيات مجعولة بالجعل البسيط تبعا لجعل الوجود و الوجود مجعول أصالة، و كل من جعل شيئا لا يتعقل ان يكون محتاجا فى وجوده الى ذلك الشيء المجعول و إلا لزم الدور. و الاين نسبة الشيء الى المكان و كل ما هو فى المكان فهو محتاج الى المكان و المكان متقدم عليه، و هذا يدل على بطلان و هم من يقول بقدم المكان و ان الفضاء غير مخلوق كان ثابتا أزلا و أبدا لا يعقل عدمه و فناؤه و أن الاجسام حاصلة فيه و اذا كان كذلك سقط البحث عن كونه متناهيا أو غير متناه لان و هم من يذهب الى عدم تناهيه مبنى على وهم آخر و هو وجوب وجوده اذ لو لم يكن وجوده واجبا كيف علم وجوده و لم يحس به و لم يدل عليه شيء فى بعد غير متناه خارج عن منال حواسنا و ادراكنا. (ش)

38

..........

____________

إفاضة الوجود

(فلا يعرف بالكيفوفيّة و لا بأينونيّة)

(1) لأنّه كان موجودا قبلهما خاليا عنهما لما عرفت من أنّه موجد لهما فلو اتّصفت بهما لزم نقصه في ذاته و استكماله بخلقه و لزم أن يتحرّك و يتغيّر من وصف إلى وصف و أن يحتاج إلى خلقه و أن يشوب عالم الوجوب الذّاتي بعالم الإمكان و أن يكون جسما أو عرضا لأنّ ذا المكان و الكيف يجب أن يكون أحدهما و هذه اللّوازم كلّها باطلة في شأنه تعالى

(و لا يدرك بحاسّة)

(2) لتخصّص إدراكها بالأجسام و كيفيّاتها و تنزّهه تعالى عن الجسميّة و لواحقها و يمكن حمل الحاسّة على القوى المدركة كلّها لأنّه تعالى لا يمكن إدراكه بشيء من أنحاء الإدراك إلّا أنّ التخصيص أنسب بمقام السؤال

(و لا يقاس لشيء)

(3) لتقدّسه عن التشبّه بخلقه في الجسميّة و الكيفيّة و غيرهما من توابع الإمكان

(فقال الرّجل فإذن أنّه لا شيء إذا لم يدرك بحاسّة من الحواسّ)

(4) يريد أن الّذي وصفته ليس بموجود إذ كلّ موجود فهو مدرك بالحواسّ و هذا بناء

(4) على أنّ الزّنادقة لا يحكمون بالوجود إلّا على المحسوسات (1) فيجزمون بعدم وجود ما ليس

____________

(1) قوله «الا على المحسوسات» هذا من أوهى المتمسكات لهم لان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود أ ترى أن الخراطين و أمثالها من الحيوانات التى ليس لها الحواس التامة يجوز لها انكار النور لعدم القوة الباصرة؟ و قد فتح اللّه على عقول الانسان بابا الى عالم آخر وراء هذا العالم المحسوس و هو الرؤيا الصادقة لمن أنصف من نفسه و نظر بعين الاعتبار اذ قد يتفق له أن يرى أمرا غائبا لم يأت بعد و لم يوجد مثل موت أحد و ولادة مولود و اعلاء منصب و وجدان مال بحيث لا يمكن أن ينسب الى الصدفة و يقع ما رأى فى منامه كما رأى و لا يمكن أن يكون هذا باطلا محضا اذ وقع كما رأى فهو ثابت فى عالم غير محسوس و فى علم موجود عاقل يعرف ما سيأتي قبل او انه و ليس هذا العاقل العارف بالغيوب من موجودات عالمنا هذا اذ ليس فيهم من يعرف الغيب و ليس من تجسم خيالاتنا لانه حقيقة كما فى رؤيا فرعون لسنى القحط و قد اهتم الانسان منذ أول الخليقة باكتشاف تأويل الرؤيا لانهم عرفوا كون الرؤيا انذارا بشيء سيقع فاذا ثبت وجود عالم غير محسوس و موجود غير محسوس فى ذلك العالم ثبت ان ذلك الموجود العالم بالغيوب أعلى و أشرف من موجودات عالمنا هذا و ان نفس الانسان مرتبطة بذلك فى الجملة. (ش)

39

..........

____________

بمحسوس لعدم كونه محسوسا و لا يعلمون أنّ عدم الإحساس بشيء لا يدلّ على عدم وجوده

(فقال أبو الحسن (عليه السلام) ويلك لمّا عجزت حواسّك عن إدراكه)

(1) لتقدّسه عن نيل الحواسّ و تنزّهه عن دخوله في حيّز المحسوسات

(أنكرت ربوبيّته)

(2) للممكنات و افتقار الممكنات إليه في ذواتها و صفاتها و كمالاتها

(و نحن إذا عجزت حواسّنا عن إدراكه أيقنّا أنّه ربّنا بخلاف شيء من الأشياء)

(3) لأنّ مذاهب العقول و الأفهام ترتفع إلى كلّ شيء سواه و طرق الحواسّ و الأوهام ترتقي إلى كلّ موجود عداه أمّا إليه فقد قصرتا عن الارتفاع و الارتقاء و ضلّتا في بيداء العظمة و الكبرياء، و أيضا كلّ معقول يمكن أن يدركه العقل و يحدّه بحدّ و كلّ محسوس يمكن أن يناله الحسّ و يصفه بوصف و الرّبّ ليس بمحدود و لا موصوف و أيضا كلّ محسوس لكونه جسما و جسمانيّا مفتقر في الوجود و توابعه إلى الغير و الربّ غنيّ من الغير من جميع الوجوه فوجب أن يكون غير مدرك و لا محسوس، فالتنزّه عن الإدراك و الإحساس الّذي جعلته دافعا للرّبوبيّة مصحّح لها عندنا

(قال الرّجل: فأخبرني متى كان)

(4) لمّا عرف الرّجل اندفاع سؤاله من جهة الكيف و الأين استأنف سؤالا أخر من جهة «متى» و هو سؤال عن الزّمان و حصول الشيء فيه، فقال: أخبرني عن أوّل زمان كونه و وجوده و هذا أيضا غلط نشأ منه لظنّه أنّه يدخل في وجود الرّبّ متى تشبيها له بالزّمانيّات

(قال أبو الحسن (عليه السلام) إنّي لمّا نظرت إلى جسدي)

(5) هكذا في النسخ الّتي رأيناها و إنّما لم يجب (عليه السلام) عن

40

..........

____________

هذا السؤال و أشار إلى أدلّة وجوده لأنّ الجواب عنه يعلم من الجواب عن السؤال السابق، و الظاهر أنّه سقط في البين جواب و سؤال و الّذي يدلّ على السقوط و الساقط جميعا ما رواه الصدوق من هذه الرواية في كتاب التوحيد بعد هذا السؤال «قال أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان (1) قال الرّجل فما الدّليل عليه؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): إنّي نظرت إلى جسدي» و هذا الجواب الساقط بحسب الظاهر من باب المعارضة بالمثل و بناؤه على ما هو الحقّ الصحيح من أنّ كلّ شيء له وجود حادث، له عدم سابق فكما يصحّ أن يقال متى كان صحّ أن يقال متى لم يكن أمّا ما لم يكن له وجود حادث لم يكن له عدم سابق فكما لا يصحّ أن يقال متى لم يكن لا يصحّ أن يقال: متى كان، فمتى لا يصحّ تعلّقه بالوجود إلّا إذا صحّ تعلّقه بالعدم و أمّا بحسب التحقيق فالمقصود أنّه متى لم يكن ربّي حتّى يقال متى كان، كان ربّي قبل القبل في أزل الآزال و بلا قبل و لا غاية فلا يصحّ أن يقال متى كان و متى لم يكن و لا تجري فيه مقولة متى و إنّما يجري في الحوادث و الزّمانيّات و امّا عرف الرّجل اندفاع سؤاله عن مقولة متى أيضا سأل عن الدّليل على وجوده بقوله «فما الدّليل عليه» أي على وجود الرّبّ قال (عليه السلام) لإثبات وجوده بالدّليل الإنّي المفيد لليقين «إنّي لمّا نظرت إلى جسدي» الّذي هو البناء العظيم و العالم الكبير لاشتماله على أعضاء مخصوصة و أركان معيّنة و قوى معلومة و عروق ساكنة و متحرّكة على نضد عجيب و تركيب غريب لمصالح كثيرة و منافع جليلة الّتي يعجز عن تحريرها لسان البيان و عن تحديدها عقول أصحاب العرفان

(و لم يمكنّي فيه زيادة و لا نقصان في العرض و الطول و رفع المكاره عنه)

(1) المكاره جمع المكروه و هو ما

____________

(1) قوله «متى كان» واجب الوجود عين حقيقة الوجود و لا يمكن سلب الوجود عن الوجود و لا يقال فى حقه متى كان لانه تعالى لم يتطرق احتمال العدم فيه حتى يسأل عن زمان وجوده و علته كما لا يتطرق احتمال كون البياض اسود و النور ظلمة و لا يقال متى صار النور نورا لانه لم يكن النور ظلمة قط بل كان النور معدوما و صار موجودا و كان البيت مظلما فصار منيرا و كذلك لا يقال لم يكن الوجود وجودا و هكذا. (ش)

41

..........

____________

يكرهه الانسان و يشقّ عليه و المكره بالضمّ و الفتح المشقّة مثل المصائب و النوائب الواردة على الانسان

(و جرّ المنفعة إليه)

(1) النفع ضدّ الضرّ يقال: نفعته بكذا فانتفع و الاسم المنفعة

(علمت أنّ لهذا البنيان)

(2) المشتمل على عجايب الخلقة و لطائف الفطرة

(بانيا)

(3) بناه على عمد و تدبير و علم و تقدير

(2) (1) و فيه استعارة مصرّحة و ترشيح

(فأقررت به)

(4) أي بوجوده و ربوبيّته و قدرته ألا ترى أنّك إذا رأيت بناء مركّبا من آلات مثل الطين و الحجر و الجصّ و الآجر و الخشب و نحوها جزمت بأنّ له بانيا بناه و إن لم تشاهده و نسبت من قال: إنّه حدث بنفسه و وجد من قبل ذاته إلى السفه و الجنون، و في كتاب درّة التاج إنّه كان لبعض الملوك شكّ في وجود الصانع و تنبّه به وزيره و كان عاقلا فأمر ببناء قصور عالية و إجراء مياه جارية و إحداث

____________

(1) «قوله و علم و تقدير» ان قيل قد علمنا ان لبدننا خالقا غيرنا اذ لا يمكننا ان نزيد فى بدننا و ننقص عنه و نجر إليه منفعة أو ندفع عنه ضررا فعلمنا أن فاعل ذلك فى بدننا غيرنا و أما أنه فاعل صاحب علم و تقدير فلم يعلم من عجزنا عنه فلعله طبيعة الحر و البرد و الهواء و الماء و طبيعة الكل المحيطة بنا كما يقول به اصحاب الطبائع، قلنا: هذا الاعتراض مبنى على وهم غلط سار في أكثر الناس و هو أنا نحتاج الى واجب الوجود فى أمور لا علة طبيعية لها و هذا الوهم مما تصالح العوام عليه سواء كانوا من الملاحدة أو من المتدينين فاذا علم احدهم السبب الطبيعى للمطر و السحاب و البرق و النبات و تكوّن النطفة و غير ذلك جعلوه علة و احتج الملحد على الموحد بأن هذه الاسباب تغنى عن علة غيرها و يحتج الموحد العامى بانكار هذه الاسباب مطلقا حتى يمكن نسبتها الى اللّه تعالى و الحق أن جميع ما يقع فى العالم فهو بقدرة اللّه تعالى و تأثيره و الطبيعة آلة كالمنشار فى يد النجار مؤثرة بالتسخير جعلها اللّه تعالى واسطة لمصالح يعلمها و القول بتأثير الطبيعة و لكن بتسخير اللّه تعالى صريح القرآن الكريم و اظن انى رأيت فى مروج الذهب «قال أهل الديانات: ان كل ما لا يعلم له فى الطبيعة مجرى فهو فعل إلهى يدل على توحيد اللّه عز و جل و حكمته و ليس للجزر و المدّ علة فى الطبيعة البتة).

و هذا غلط اذ كل ما يعلم له فى الطبيعة علة فهو يدل على توحيد اللّه و حكمته أيضا و للجزر و المدّ علة طبيعية. (ش)

42

..........

____________

بساتين عامرة في مفازة من غير أن يعلم الملك ذلك ثمّ ذهب بالملك إلى ذلك المقام فلمّا رآه الملك قال: من بناه قال الوزير: حدث تلقاء نفسه و ليس له بان، فغضب عليه الملك فقال الوزير: يطول عمرك أيّها الملك إن كان وجود هذا البناء بلا بان ممتنعا فكيف يصحّ وجود هذا البناء العظيم أعني الأرضين و السّماوات و ما فيهنّ من العلويّات و السفليّات بلا فاعل؟ فاستحسن الملك و تنبّه و زال عنه الشكّ (1)

(مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته)

(1) (2) في الهواء مع كمال العظمة شرقا و غربا على أنحاء مختلفة من البطوء و السرعة و أحوال متنسّقة من الذّهاب و الرّجعة

____________

(1) قوله «و زال عنه الشك» استدلال حسن من تتبع صفات الفعل على صفات فاعله و اذ احتمل وقوع الشيء على وجوه كثيرة جدا و اتفق واحد منها بصفة على وفق حكمة و مصلحة و غرض تيقن الانسان أن فاعله مريد قادر و المتفكرون لما رأوا النظم و التدبير فى هذا العالم عرفوا منه قدرة فاعله و حكمته. و فى توحيد المفضل «و اعلم يا مفضل ان اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجارى المعروف عندهم قوسموس و تفسيره الزينة و كذلك سمته الفلاسفة و من ادعى الحكمة أ فكانوا يسمونه بهذا الاسم الا لما رأوا فيه من التقدير و النظام فلم يرضوا ان يسموه تقديرا و نظاما حتى سموه زينة ليخبروا انه مع ما هو عليه من الصواب و الاتقان على غاية الحسن و البهاء» انتهى و كذلك رأينا فى كتب الافرنج فى تفسير كلمة قوسموس و الآن يطلقون على علم الهيئة قوسمغرافى و قوسموس يدل فى اللغة اليونانية على الزينة و النظام فاطلق على العالم بالمناسبة و استشهاده (ع) باللغة اليونانية و تطابق فلاسفتهم يدل على جواز الاهتمام بعلومهم و النظر فيها. (ش)

(2) قوله «دوران الفلك بقدرته» قد أقر الشارح فى هذا المقام بما انكره سابقا على الحكماء و هو بعيد منه و جملة القول أن الحركة المستديرة عندهم ارادية البتة اذ لا يمكن ان يقتضي الطبيعة توجها الى شيء و اعراضا عنه و هذا مجبول فى فطرة الانسان فاذا رأى رحى أو دولابا يدور مستمرا من غير علة محركة نسبه الى جن او ملك كما ذكرنا سابقا و لذلك قالوا ان حركة السماء بإرادة محرك سموه نفسا فلكية أو عقلا و نسبها اهل الشرع الى ملك او ملائكة مأمورين من اللّه تعالى لادارة الافلاك و هذا صحيح سواء قلنا بسكون الارض او بحركتها كما فى الهيئة الجديدة او على قول بعض القدماء بخلاف الحركة المستقيمة فانها يمكن ان تكون بالدفع و الجذب او بالميل و النفرة و لم يخف هذا الاصل على فلاسفة الافرنج فى عصرنا مع عدم اهتمامهم بهذه المسائل فانهم لما رأوا حركة السيارات حول الشمس و لم يمكنهم ان ينسبوا الحركة المستديرة الى فاعل واحد طبيعى التزموا بان علتها مركبة من قوة جاذبة فى الشمس لا تترك السيارات تذهب بعيدا و علة محركة فى نفس السيارات تحركها على الاستقامة ان تركها الشمس، فدورانها نظير دوران الشعلة الجوالة و المعلاق ان رمى الحجر منه بعد الدوران ذهب مستقيما، و يبقى السؤال فى علة الحركة المستقيمة فى الكواكب اذ ليست الى جهة واحدة معينة البتة فهى فى حكم المستديرة لا يمكن ان يستند الى طبيعة فلا بد ان يستند الى قاسر بأن يدفعها لا بأن يجذبها و القاسر غير ممكن أن يؤثر الا فيما له ميل طبيعى و يجرى دليل القدماء فى اثبات الإرادة فى حركة الكواكب فيه أيضا و صرح بعضهم بان الحركة لما اودع الخالق فيها من القوة المحركة، و لذلك تتمة سننبه عليها ان شاء اللّه تعالى. (ش)

43

..........

____________

و هذا الدّوران و ما فيه من المنافع الكثيرة و المصالح الجليلة و الأسرار الخفيّة الّتي تعجز العقول عن إدراك تفاصيلها و يحتاج في معرفة بعضها إلى دقّة تفكّر و لطف تدبّر دليل واضح على وجود الصانع و حسن تدبيره و ثبوت القادر و لطف تقديره ألا ترى أنّ من أنكر أن يكون دوران الدّولاب الأصغر المركّب من الخشبات لإصلاح الحديقة مستندا إلى صانع و محرّك له و قال: إنّه وجد بنفسه و تحرّك بذاته، يزجره كلّ سامع أشدّ زجرة و ينكر قوله أشدّ إنكار، و يصرّ على تجهيله أشدّ إصرار و ما ذلك إلّا لأنّ دلالته على صانعه و محرّكه ظاهرة بالضرورة و إذا كان الحال في هذا الدّولاب ما عرفت فدلالة دوران ذلك الدّولاب الأعظم الّذي يدور على بسيط الأرض لإصلاح هذا العالم على وجود الصانع أظهر و على ثبوت المحرّك له أولى و أجدر

(و إنشاء السحاب)

(1) أي إيجادها و تحريكها في جوّ السماء إلى جهات مختلفة و بلاد متباعدة و هي حاملة للماء لإحياء الأرض و إنبات الزّرع و غيرهما من المنافع الّتي لا تخفى على أرباب البصائر و أصحاب الضمائر.

44

..........

____________

(و تصريف الرّياح)

(1) شرقا و غربا جنوبا و شمالا و هو سبب عظيم لبقاء الحيوان و النبات و استعداد الأمزجة للصحّة و النمو و الثبات حتّى قال كثير من الأطباء:

إنّها تستحيل روحا حيوانيّا، و من جملة المنافع أنّها تحمل السحاب المترعة بالماء بين الأرض و السماء و تسوقها على وفق الحكمة البالغة الى الأقطار لتصيب الأرض الميتة و تملأ العيون و الأنهار

(و مجرى الشمس و القمر و النجوم)

(2) (1) جريا مخصوصا في منازلها و مداراتها إلى جهات مختلفة تارة إلى الشمال و تارة إلى الجنوب و على أحوال متغايرة من السرعة و البطوء و الإقامة و الاستقامة و الرّجعة و على أوضاع متباينة من التقابل و التقارن و التربيع و التسديس إلى غير ذلك من آثار القدرة الّتي يتحيّر فيها أولو الابصار يقولون رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلًا سُبْحٰانَكَ فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ

(و غير ذلك من الآيات العجيبات)

(3) العلويّة و السفليّة (المبنيّات)

(4) أي الكاشفات المظهرات لوجود الصانع و قدرته و حسن تدبيره إن قرئت بكسر الياء، أو المكشوفات الموضحات في العقول أو في العلوم الباحثة عن الامور السماوية (2) و الأرضيّة إن قرئت بفتحها

(علمت أنّ لهذا مقدّرا منشئا)

(5) قدّره على

____________

(1) قوله «إنشاء السحاب» نسبته الى اللّه تعالى باعتبار ايجاده لا ينافى ارتباطه بما يذكر من علله الطبيعية فانها مسخرات بأمر اللّه تعالى و كذلك تصريف الرياح و مجرى الشمس و القمر و لا يخفى ان الناس لا يعلمون العلل الطبيعية لاكثر هذه الامور على التحقيق و لكن يجب الكلام فى اثبات التوحيد على فرض علمهم لا على فرض جهلهم فلا يجوز ان يقال للطبيعى اذا لم تعلم علة الريح و الزلزلة و المطر أو اذا كان ما ظننته علة باطلا فيجب عليك الاعتراف باللّه تعالى اذ لا نريد تخصيص قدرة اللّه تعالى و تأثيره بما لا نعلم له علة بل نريد تعميمها لكل شيء علمنا سببه الطبيعى او لم نعلم كما ذكرنا و لهذا الخبر زيادة فى كتاب التوحيد للصدوق (رحمه اللّه) و عيون اخبار الرضا (ع). (ش)

(2) قوله «العلوم الباحثة عن الامور السماوية» و هذا ترغيب فى تعلم علوم الكون و ما يتوهم العامة ان الدين منع من تعلمها واضح البطلان بل انما امر به فى الآيات الكريمة و الروايات و ليكن الغرض من التعلم النظر و التدبر و معرفة حكمته تعالى فى كل شيء نعم قال بعض علمائنا عند ذكر العلوم الطبيعية: لم يكلف الانسان الخوض فيها و التفكر فى حقائقها و لو كان مما ينفع المكلف لم يهمل صاحب الشرع بيانها و قد ورد فى كثير من الاخبار النهى عن تكلف ما لم يؤمر المرء بعلمه انتهى. و قول الواحد منهم لا يجعل حجة على الكل. (ش)

45

..........

____________

عمد و تدبير، و أنشأه على علم و تقدير، و العجب أنّك ترى هذا الصنع العجيب و الإبداع الغريب و لا تدهشك قدرة صانعه و عظمته و لا تحريك جلالة مبدعه و حكمته.

[الحديث الرابع]

«الاصل»

4- «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن إسحاق الخفّاف، أو عن أبيه، عن محمّد» «ابن إسحاق قال: إنّ عبد اللّه الديصانيّ سأل هشام بن الحكم فقال له: أ لك ربّ؟» «فقال: بلى، قال أ قادر هو؟ قال: نعم قادر قاهر، قال يقدر أن يدخل الدّنيا كلّها» «البيضة لا تكبر البيضة و لا تصغر الدّنيا؟ قال هشام: النظرة فقال له: قد أنظرتك» «حولا، ثمّ خرج عنه، فركب هشام إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له:» «فقال له: يا ابن رسول اللّه أتاني عبد اللّه الديصانيّ بمسألة ليس المعول فيها إلّا» «على اللّه و عليك، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): عمّا ذا سألك؟ فقال: قال لي كيت» «و كيت، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا هشام كم حواسّك؟ قال خمس قال: أيّها» «أصغر؟ قال: الناظر، قال: و كم قدر الناظر قال: مثل العدسة أو أقلّ منها فقال له:» «يا هشام! فانظر أمامك و فوقك و أخبرني بما ترى، فقال: أرى سماء و أرضا و» «دورا و قصورا و براري و جبالا و أنهارا فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الّذي» «يدخل الذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر أن يدخل الدّنيا كلها البيضة لا تصغر» «الدّنيا و لا تكبر البيضة، فاكبّ هشام عليه و قبّل يديه و رأسه و رجليه و قال:» «حسبي يا ابن رسول اللّه و انصرف إلى منزله، و غدا عليه الديصانيّ فقال له: يا هشام» «إنّي جئتك مسلّما و لم أجئك متقاضيا للجواب فقال له هشام: إن كنت جئت»

46

«متقاضيا فهاك الجواب. فخرج الديصاني عنه حتّى أتى باب أبي عبد اللّه (عليه السلام)» «فاستأذن عليه فأذن له فلمّا قعد قال له؟ يا جعفر بن محمّد! دلّني على معبودي؟ فقال» «له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما اسمك؟ فخرج عنه و لم يخبره فقال له أصحابه: كيف لم» «تخبره باسمك؟ قال: لو كنت قلت له عبد اللّه كان يقول: من هذا الّذي أنت له» «عبد، فقالوا: له عد إليه و قل له: يدلك على معبودك و لا يسألك عن اسمك، فرجع» «إليه فقال له: يا جعفر بن محمّد دلّني على معبودي و لا تسألني عن اسمي؟ فقال له» «أبو عبد اللّه (عليه السلام): اجلس و إذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها فقال له أبو-» «عبد اللّه (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة فناوله إيّاها فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا ديصاني:» «هذا حصن مكنون له جلد غليظ و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق و تحت الجلد الرقيق ذهبة» «مائعة و فضّة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة و لا الفضّة الذائبة تختلط» «بالذّهبة المائعة فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها و لا» «دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها لا يدرى للذكر خلقت أم للانثى، تنفلق عن مثل» «ألوان الطواويس أ ترى لها مدبّرا؟ قال: فأطرق مليّا ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلّا» «اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّك إمام و حجّة من اللّه على» «خلقه و أنا تائب ممّا كنت فيه».

«الشرح»

____________

(عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن إسحاق الخفّاف أو عن أبيه عن محمّد بن إسحاق)

(1) الشكّ من المصنّف

(قال: إنّ عبد اللّه الدّيصاني)

(2) الدّيصاني بالتحريك من داص يديص ديصا إذا زاغ و مال، و معناه الملحد (1) (سأل هشام بن الحكم فقال: أ لك ربّ؟ فقال

____________

(1) قوله «و معناه الملحد» و عبر بعين هذه العبارة المجلسى (ره) فى مرآة العقول أخذها من الشارح الا أنه لم ينسبه إليه و الاشتقاق الّذي ذكراه فى لفظ الديصانى غير مطابق للواقع و الصحيح ان ديصان اسم رجل و قد نقل السيد المرتضى (ره) فى أماليه قول مساور،

لو ان مانى و ديصانا و عصبتهم * * * جاءوا أليك لما قلناك زنديق

أنت العبادة و التوحيد مذ خلقا * * * و ذا التزندق نيرنج مخاريق

و قال أصحاب الملل و النحل ان ديصان اسم رجل و هو صاحب مذهب قريب من مذهب مانى و كانا يقولان باصلين النور و الظلمة و بينهما فرق فى بعض الفروع. و ذكرهم ابن النديم، و قال: ديصان اسم نهر كان ولد صاحب هذا المذهب عنده. و كان من مشاهيرهم ابو شاكر الديصانى ذكره ابن النديم، أيضا و ربما يروى هذا الحديث الّذي نسبه فى الكتاب الى عبد اللّه عن ابى شاكر و اللّه العالم و ذكرنا شيئا فيهم فى حواشى الوافى من صفحه 8 الى 32 من المجلد الثانى و كأن الشارح و المجلسى و غيرهما لم يطلعوا على اخبارهم و مذهبهم. (ش)

47

..........

____________

بلى قال: أ قادر هو؟ قال: نعم قادر)

(1) على ما يريد و لا يعجزه شيء

(قاهر)

(2) يقهر الممكنات بما يشاء من الإنفاذ فيها و لا تطيق الأشياء الامتناع منه، فإن قلت: نعم قد وقع في موضعه لأنّه للتصديق و الاثبات لما بعد الهمزة أمّا بلى فلا لأنّه للايجاب بعد النفي و لا نفي هناك، قلت: النفي أعمّ من أن يكون صريحا أو مفهوما من سياق الكلام كما صرّح به ابن الحاجب في شرح المفصّل و الثاني هنا متحقّق لأنّ السائل كان منكرا للرّبّ و وجوده

(قال: يقدر أن يدخل الدّنيا)

(3) أي السموات و الأرضين و ما بينهما

(كلّها البيضة)

(4) أي في البيضة بحذف حرف الجرّ منها و نصبها بالمفعولية

(لا تكبر البيضة و لا تصغر الدّنيا)

(5) في محلّ النصب على الحاليّة

(قال هشام: النظرة)

(6) أي أطلب منك النظرة و هي بفتح النون و كسر الظاء الإمهال و التأخير يقال أنظره أي أمهله و أخّره و استنظره أي استمهله

(فقال له قد أنظرتك حولا)

(7) أي إلى حول قال ذلك لظنّه بصعوبة الجواب

(ثمّ خرج فركب هشام إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له فقال له يا ابن رسول اللّه أتاني عبد اللّه الدّيصاني بمسألة ليس المعول فيها)

(8) المعول بكسر الواو الصارخ و الأظهر أنّه بفتح الواو مصدر ميمي بمعنى الاعتماد و الاستعانة من عوّلت به و عليه إذا استعنت أي ليس الاعتماد و الاستعانة في تلك المسألة لصعوبتها

(إلّا على اللّه و عليك فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) عمّا ذا سألك فقال: قال كيت و كيت)

(9) هي كناية عن الأمر و القول و في

48

..........

____________

النهاية قال أهل العربية أصلها كيّة بالتشديد و التاء فيها بدل من إحدى الياءين و الهاء الّتي في الأصل محذوفة و قد تضمّ التاء و تكسر.

(و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا هشام كم حواسّك قال: خمس)

(1) هي الباصرة و السامعة و الشامّة و الذّائقة و اللامسة يدرك بها المبصرات و المسموعات و المذوقات و الملموسات

(قال: أيّها أصغر؟ قال الناظر قال: و كم قدر الناظر؟ قال: مثل العدسة أو أقلّ منها فقال له: يا هشام فانظر أمامك و فوقك و أخبرني بما ترى؟ فقال: أرى سماء و أرضا و دورا و قصورا و براري)

(2) الدّور بضم الدال و سكون الواو جمع الدّار و هي المنازل المسكونة و المحالّ و قد يطلق على القبائل المجتمعة في محلّة مجازا من باب تسمية الحال باسم المحلّ و يمكن أن يقال: إنّ إطلاقها على المحلّة من باب الاستعارة لأنّ المحلّة جامعة لأهلها كالدّار كما يشعر به كلام صاحب المغرب، و البرّ خلاف البحر و يجمع على براري مثل صحاري بفتح الرّاء على الأفصح

(و جبالا و أنهارا فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة و أقلّ منها قادر أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا تصغر الدّنيا و لا تكبر البيضة فأكبّ هشام عليه)

(3) أي أقبل إليه أو ألقى نفسه عليه، يقال: كبّه بوجهه أي صرعه فأكبّ هو على وجهه، و من النوادر أن يكون الثلاثي المجرّد للتعدية و بناء الإفعال منه للّزوم

(و قبّل يديه و رأسه و رجليه)

(4) ابتهاجا و سرورا و تعظيما و قضاء لحقّ التعليم و الإرشاد

(و قال حسبي)

(5) أي يكفيني

(هذا)

(6) في الجواب عن سؤاله

(يا ابن رسول اللّه و انصرف إلى منزله و غدا إليه)

(7) أي جاءه غدوة في أوّل النهار

(فقال: يا هشام إنّي جئتك مسلّما)

(8) أي لأسلّم عليك

(و لم أجئك متقاضيا للجواب)

(9) طالبا

(فقال له: هشام إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب)

(10) ها بالقصر و هاء ساكنة الألف و هاء بمدّها و فتحها و هاك كلّها اسم فعل بمعنى خذ و لهذا الجواب وجهان أحدهما و هو المقصود انطباع صورة المرئي في الجليدية على نحو الوجود الظلّي كما هو مذهب الطبيعيّين من أنّ الإبصار بالانطباع، و ثانيهما دخول عين المرئي المتقدّر بالمقدار الكبير فيها من غير أن يصغر أحدهما أو يكبر

49

..........

____________

الآخر و هذا محال و المحال لا يتعلّق به القدرة و عدم تعلّقها به لا يوجب العجز كما يدلّ عليه ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن عمر بن أذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل يقدر ربّك أن يدخل الدّنيا في بيضة من غير أن تصغر الدّنيا و تكبر البيضة؟ قال: «إنّ اللّه لا ينسب إلى العجز و الّذي سألتني لا تكون» يعني أنّ اللّه لا يعجز عن شيء من الممكنات و الّذي سألتني عنه محال لا يتعلّق به القدرة و عدم تعلّقها به لا يوجب العجز و النقص إذ لا نقص فيها و إنّما النقص في المحال لعدم كونه قابلا للوجود، فإن قلت: الدّيصاني سأل عن قدرته علي إدخال عين المقدار الكبير في الصغير لا على إدخال صورته فيه فليس هذا الجواب جوابا عنه، قلت: الجواب صحيح واقع على وفق الحكمة و المقام، بيان ذلك أنّ الدّيصاني لمّا كان منكرا لوجود الرّبّ القادر و كان غرضه من هذا السؤال إلزام القائلين بوجوده فلو أجيب بأنّه يقدر على الإدخال العيني كان الجواب غير مطابق للواقع لكون هذا الادخال محالا فلم يكن له مصداق في المحسوسات و السائل لا يحكم إلّا بما فيها و لو أجيب بأنّه لا يقدر عليه لأنّه محال و عدم تعلّق القدرة لا يوجب العجز كما أجاب به أمير- المؤمنين (عليه السلام) رسخ بذلك عدم قدرته على الإطلاق في ذهنه و ازداد جهله و حصل غرضه على زعمه (1) فالحكمة و المقام يقتضيان أن يجاب بجواب متشابه مجمل له

____________

(1) «غرضه على زعمه» قلنا فى غير هذا الموضع: ان لبعض المعانى لوازم عرفية يتبادر الذهن منه إليها و ان لم تلزمه عقلا و قد مثل لذلك اهل المنطق بالحاتم و الجود و مثله الياقوت يتبادر منه اللون الاحمر و ان وجد منه قسم أصفر أو أبيض و مخلوقية العالم يتبادر منه الحدوث و قدمه يتبادر منه الاستغناء عن المؤثر و ان لم يلزمه عقلا و قد يعكس فيلزم شيء عقلا و لا يلزمه عرفا مثل الجسمية فانها تستلزم الحدوث عقلا لا عرفا و لذلك يمكن للناس أن يتصوروا الواجب تعالى جسما حتى يثبت عليهم بالبرهان أنه ليس بجسم و على العالم ان يلاحظ ذلك و لا يتكلم بشيء يذهب ذهن السامع منه الى خلاف مراده باللزوم العرفى، فان قال أحد ان العالم قديم زمانا ذهب ذهن المستمع الى انه غير مخلوق و ان قال ان اللّه تعالى تحت قدمى ذهب الذهن الى قصد التوهين و اساءة الادب، و ان قال انه تعالى فوق رأسى لم يذهب الا الى التعظيم و كلاهما باطلان بمعنى التحيز و صحيحان بمعنى استيلاء القدرة و القرب بالعلم أيضا و ليس كل احد يفرق بين الممكن و المحال فيقولون ان صعود الجسم الثقيل الى فوق محال و فلق البحر لموسى (ع) محال و احياء الموتى و ابراء الاكمه و الابرص محال و ان قيل لهم ان قدرته تعالى لا تتعلق بالمحال ذهب ذهنهم الى جميع هذه الامور فانكروا معجزات الأنبياء و كرامات الاولياء فلا بد أن يعرفهم أولا معنى المحال و اثبات ان هذه امور ممكنة ثم لا بأس بأن يقال قدرته تعالى لا تتعلق بالمحال اذا فرق بين احياء الموتى و ادخال العالم فى بيضة. (ش)

50

..........

____________

وجهان يصحّ باعتبار أحدهما، ثمّ السائل لما عرف من هذا الجواب قدرته على إدخال كبير المقدار في صغير المقدار و لم يكن له الإقدام على الإنكار و لم يكن عارفا بحقيقة الإبصار و لا فارقا بين عين المرئي و صورته سكت و لم يقل مرادي غير ما أردت من هذا الجواب و قد وجّه سيّد الحكماء الالهيين جوابه (عليه السلام) بوجهين آخرين أحدهما أنّ الّذي يقدر أن يدخل ما تراه العدسة لا يصحّ أن ينسب إلى العجز و لا يتوهّم فيه أنّه غير قادر على شيء أصلا و عدم تعلّق قدرته بإدخال الدّنيا في البيضة من غير أن تصغر تلك و تكبر هذه ليس من تلقاء قدرته و قصور فيها و لا من حيث أنه ليس قادرا على شيء بل إنّما ذلك من نقصان ما فرضته حيث أنّه محال ليس له حظ من الشيئيّة و الامكان و لو تصحح له حظّ منهما لكان تعلّق القدرة به مستمرّا كتعلقها بكل شيء و ثانيهما أنّ ما يتصور من ادخال الدنيا في البيضة من غير أن تصغر تلك و تكبر هذه إنّما هو بحسب الوجود الانطباعي و اللّه سبحانه قادر على ذلك حيث ادخل ما تراه في الجليدية و أمّا ذلك بحسب الوجود العيني فليس هو شيئا يتصوّر و يعبّر عنه بمفهوم أصلا إنّما الشيء و المفهوم منه هو المعبّر به فقط لا المفروض المعبّر عنه. و قال بعض المحقّقين رفع اللّه تعالى قدره (1) في توجيه الجواب: أنّ الدّيصاني سأل

____________

(1) «رفع اللّه قدره» هو الميرزا رفيعا النائينى (قدس سره) و قبره فى اصفهان فى المقبرة المعروفة بتختفولاد و الآن واقع فى محطة الطيارات. و اعلم أن انطباع العظيم فى الصغير فى الصورة المرئية و المتخيلة من مشكلات الفن و فى شرح الاشارات نقل عن الفاضل الشارح مما اعترض به على القول بالخيال ان انطباع ما يراه الانسان طول عمره فى جزء من الدماغ يقتضي اما اختلاط الصور او انطباع كل واحد فى جزء هو فى غاية الصغر و أجاب الطوسى (رحمه اللّه) بأنه استبعاد محض و ذلك لقياس الامور الذهنية على الخارجية انتهى. و اما صدر المتألهين فقد قال: اما كون تلك الصور العظيمة منطبعة فى جزء من الدماغ فنحن ننكره غاية الانكار اذ قد اقمنا البرهان على كون الصور الخيالية غير موجودة فى هذا العالم. انتهى و ما ذكره رفيعا (قدس سره) من أن الكبير منطبع فى الصغير بوجوده الظلى لا بوجوده العينى فمفاده ان انطباع الكبير فى الصغير ممكن فى الجملة و هو غير معقول لنا الا بأن يقال ما نراه كبيرا ليس حالا فى جزء صغير من البدن بل هو موجود مستقل عند النفس و الّذي ينطبع فى جزء صغير يكبر فى نظر النفس كما نرى بالآلات المصنوعة فى زماننا لرؤية الصغير كبيرا و يرجع حاصله الى ان المنطبع فى آلة الحسن صغير و المرئى كبير فينتج بالشكل الثانى أن المرئى ليس بمنطبع فان قيل ان الكبير المرئى ليس بموجود و انما الموجود هو الصغير المنطبع فى الآلة و اخطأ الحس اذا رأى الشيء على غير صفته الحقيقية قلنا فى خطأ الحس أيضا كالدائرة المضيئة فى الشعلة الجوالة لا بد أن يقال بوجود ما نراه فى صقع من اصقاع النفس و ان لم يكن موجودا فى الخارج فلا محيص عن قول صدر المتألهين من تجرد هذه الصور و ان كانت الآلات الجسمانية معدة. (ش)