شرح الكافي - ج6

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
403 /
1

-

2

[تتمة كتاب الحجة]

[تتمة باب فى شأن انا انزلناه فى ليلة القدر و تفسيرها]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(الحديث الثانى من باب شأن انا أنزلناه)

2- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: بينا أبي جالس و عنده نفر إذا استضحك حتّى اغرورقت عيناه دموعا ثمّ قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قال: فقالوا: لا. قال: زعم

____________

قوله (حتى اغرورقت عيناه دموعا)

(1) يقال: اغرورقت عيناه اذا دمعتا كأنهما غرقتا في دمعهما.

قوله (زعم ابن عباس أنه من الذين قالوا ربنا اللّه)

(2) قال اللّه تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلٰائِكَةُ أَلّٰا تَخٰافُوا وَ لٰا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ لَكُمْ فِيهٰا مٰا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيهٰا مٰا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ» قد مر تفسير هذه الآية بطريق الاجمال فى باب بعد باب عرض الاعمال، و اعلم أن عبد اللّه بن عباس كان فى بداية الحال من أهل الامانة و الديانة عند أمير المؤمنين (ع) ثم تغيرت حاله و ذهبت أمانته و فسدت ديانته (1) و ذمه (ع) فى مواضع عديدة و من أراد الاطلاع عليه فليرجع الى نهج البلاغة.

____________

(1) قوله «ثم تغيرت حاله و ذهبت امانته» ان الامور المعلومة الواضحة المتواترة لا تدفع بالمشكوكات فضلا عما علم بطلانه يقينا و قد ذكر العلامة الحلى (رحمه اللّه) ابن عباس فى الممدوحين من الخلاصة قال: عبد اللّه بن عباس من اصحاب رسول اللّه (ص) كان محبا لعلى (ع) و تلميذا له، حاله فى الجلالة و الاخلاص لامير المؤمنين (ع) اشهر من ان يخفى و قد ذكر الكشى احاديث تتضمن قدحا فيه و هو اجل من ذلك قد ذكرناها فى كتابنا الكبير و اجبنا عنها رضى اللّه عنه انتهى قوله و هو الحجة هنا، و أما الكشى فكما روى احاديث فى القدح روى احاديث فى مدحه غاية المدح و سلامته الى آخر عمره خلافا لما قاله الشارح و لعل من رأى احتجاجاته فى حرب الجمل و محاجته مع معاوية على ما فى البحار و تأسف أمير المؤمنين (ع) من عدم رضى اصحابه بتعيين ابن عباس مكان أبى موسى الاشعرى و غير ذلك مما لا يحصى لم يشك فى حسن حال الرجل و اما عتاب أمير المؤمنين (ع) عليه فلا يدل على عناد فيه و مخالفته فى الامامة و لم يكن ابن عباس معصوما فجاز ان يشتبه عليه امر فى مال اخذه من بيت المال و قد عتب على عثمان بن حنيف باشد من ذلك و كان كتابه إليه الطف و أرأف و لا اعتبار بسائر ما روى بطريق ضعيف و العبرة بالمتواتر من صحبته له و رضاه عنه و سعيه فى تأكيد امره و تحكيم خلافته و قد ذكر علماؤنا فى الكلام ان المؤمن الحق لا يمكن ان يرتد و لا أدرى كيف غفل عنه الشارح و يختلج بالبال ان واضع الخبر أراد توهين ابن عباس تقربا الى عوام الشيعة تنفيرا لهم عن خلفاء وقته لانهم كانوا يفتخرون بجدهم. (ش)

3

ابن عبّاس أنّه من الّذين قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا فقلت له: هل رأيت الملائكة يا ابن عبّاس! تخبرك بولايتها لك في الدّنيا و الآخرة مع الأمن من الخوف و الحزن قال: فقال: إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» و قد دخل في هذا جميع الأمّة فاستضحكت ثمّ قلت: صدقت يا ابن عبّاس أنشدك اللّه هل في حكم

____________

قوله (فقلت له هل رأيت الملائكة (1)- الى قوله- و الحزن)

(1) قد ذكر اللّه تعالى جميع ذلك فى هذه الآية «الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا»*.

قوله (فاستضحكت)

(2) سبب الضحك أن اندراج ابن عباس فى آية «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» يتوقف على كونه مؤمنا و انه بعقيدته الفاسدة خرج عن حد الايمان فيرد عليه المثل المشهور «ثبت العرش ثم انقش» و لو سلم دخوله فيها فالآية لا دلالة فيها الا على اشتراك الامة في أصل الايمان و أما كونه مندرجا فى آية قالوا ربّنا اللّه فلا دلالة عليه فلا يثبت مطلوبه و قوله (ع) «صدقت» اما مبنى على التنزل و اما بمعنى أنك صدقت فى أن المؤمنين اخوة و ان لم يكن فيه دلالة على المطلوب.

قوله (انشدك اللّه- الخ-)

(3) قال فى النهاية يقال نشدتك اللّه و باللّه

____________

(1) قوله «فقلت له هل رأيت الملائكة» رووا ان ابن عباس رأى جبرئيل على عهد النبي (ص) و اخبره النبي (ص) أنه يعمى فى آخر عمره و كانوا يعدون ذلك من فضائل ابن عباس لان رؤية جبرئيل تدل على وجوده بصرا ملكوتيا يرى به ذلك العالم و لم يكن عماه فى آخر عمره مجازاة على رؤية الملك لانها لم تكن باختياره و لم تكن محرمة حتى يجازى عليها و لم تكن من اثر ضربة جناح الملك و الا لعمى من بدو صباه فى عهد النبي (ص) و اما واضع هذا الخبر فكان سمع ان شيعة بنى العباس يفتخرون برؤية جدهم جبرئيل (ع) و ان عماه فى آخر عمره كان لذاك لان الّذي ينظر الى ضياء قوى فوق استطاعة القوة الباصرة يتهيأ بصره للضعف و الانحلال و لم يكن هذا الراوى مطلعا على تفصيل ما يرونه و يروونه و ما يتمسكون به فلفق هذه الحكاية. و المكالمة لم يقع قط بين الامام (ع) و ابن عباس لان الامام معصوم عن الخطاء و الغفلة و ان كان صبيا و لا يشتبه عليه الامر ثم ان الباقر (ع) لم يدرك ابن عباس الا فى صغره جدا فانه مات سنة 65 أو 66 و أكثر ما قيل 68 و لم يكن (ع) حين ملاقاته الا غلاما ابن عشر سنين و نحوه و الحسن بن عباس بن الحريش واضع الخبر لم تكن عالما بالتاريخ لبعد عهده عنهما و الا لاشار الى كون هذه المحاجة معجزة و لكن روى الخبر بحيث يتبادر منه كون المحاجة حين إمامة الباقر (ع) و كونه محاطا باصحابه و حضور أبى عبد اللّه (ع) مع كون ابن عباس حيا. (ش)

4

اللّه جلّ ذكره اختلاف؟ قال: فقال: لا، فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف حتّى سقطت ثمّ ذهب و أتى به رجل آخر فأطار كفّه فاتي به إليك و أنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّه و أقول لهذا المقطوع:

صالحه على ما شئت، و ابعث به إلى ذوي عدل، قلت: جاء الاختلاف في حكم اللّه عزّ ذكره و نقضت القول الأوّل، أبى اللّه عزّ ذكره أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود [و] ليس تفسيره في الأرض، اقطع قاطع الكفّ أصلا ثمّ أعطه دية الأصابع هكذا حكم

____________

و أنشدك اللّه و باللّه أى أى سألتك و أقسمت عليك يعنى بحقه و نشدته نشدة و نشدانا و مناشدة و تعديته الى مفعولين اما لانه بمنزلة دعوت حيث قالوا نشدتك اللّه و باللّه كما قالوا دعوت زيدا و بزيد او لانهم ضمنوه معنى ذكرت فاما أنشدتك باللّه فخطأ.

قوله (هل فى حكم اللّه اختلاف)

(1) أى هل يكون له أحكام مختلفة فى قضية مخصوصة أو هل يجوز تبديل حكمه بغيره بعد النبي (ص) قال لا: لان للّه تعالى فى كل قضية حكما واحدا و لا نسخ بعده.

قوله (فاتى به)

(2) أى برجل آخر و هو قاطع الكف.

قوله (قلت جاء الاختلاف)

(3) قيل لعل الاختلاف من تقويم المقومين لوقوع الاختلاف فى التقويمات كثيرا و قال الفاضل الأسترآبادي كان مراد ابن عباس من ذكر ذوى عدل ما هو المشهور فى كتب متأخرى اصحابنا من الارش و جعل الحر تابعا للعبد (1) و من المعلوم الاختلاف بين هذا و بين صالحه عما شئت لان هذا يقتضي أن يكون له قدر معلوم و صالحه على ما شئت يقتضي أن لا يكون له قدر معلوم معين و أيضا ظاهر

قوله (ع) أعطه دية كفه أن القدر معلوم معين.

قوله (و نقضت القول الاول)

(4) و هو أنه لا اختلاف فى حكم اللّه تعالى.

قوله (ابى اللّه ان يحدث)

(5) كانه قيل ليس للّه فى هذه القضية حكم أو ما بلغ رسوله حكمها فأجاب بما ذكر.

قوله (اقطع)

(6) كانه قيل ما الحكم هنا قال اقطع الكف.

قوله (اصلا)

(7) (2) أى من أصل الكف.

قوله (ليلة تنزل فيها أمره)

(8) أى فى ليلة فهى

____________

(1) فى كتب الديات الجراحة التى ليست لها مقدر من الدية يفرض المجروح عبدا لو لم يكن فيه هذه الجراحة كم قيمته و لو كان فيه هذه الجراحة كم قيمته و بنسبة التفاوت بين القيمتين من الدية الكاملة يؤخذ للمجروح.

(2) قوله (اقطع قاطع الكف اصلا) هذا أيضا من ادلة ضعف الرواية اذ شرط قصاص الطرف التساوى أو كون الجانى انقص فلا يجوز قطع يد ذات اصابع قصاصا بيد فاقدة لها و ان اعطاه دية الاصابع، و لا حاجة لنا الى التكلف فى توجيه فتوى ابن عباس بعد عدم اعتبار الخبر. (ش)

5

اللّه ليلة تنزّل فيها أمره، إن جحدتها بعد ما سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأدخلك اللّه النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها علي ابن أبي طالب قال: فلذلك عمي بصري قال:

و ما علمك بذلك؟ فو اللّه إن عمي بصري إلّا من صفقة جناح الملك، قال: فاستضحكت ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله ثمّ لقيته فقلت: يا ابن عبّاس ما تكلّمت بصدق مثل أمس، قال لك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): إنّ ليلة القدر في كلّ سنة و إنّه ينزل في تلك اللّيلة أمر السنة و إنّ لذلك الأمر ولاة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقلت: من هم؟

فقال: أنا و أحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون فقلت: لا أراها كانت إلّا مع رسول اللّه

____________

منصوبة على الظرفية و المراد بها ليلة القدر.

قوله (ان جحدتها)

(1) أى ان جحدت يا ابن عباس استمرار حكمها بعد النبي (ص) الى يوم القيمة.

قوله (يوم جحدتها (1))

(2) أى يوم جحدت تلك الليلة على على بن أبى طالب (ع) و سيجيء فى هذا الحديث بيان انكاره عليه.

قوله (فلذلك عمى بصرى)

(3) أى قال ابن عباس اعترافا فلذلك الانكار عمى بصرى ثم قال يا أبا جعفر و ما علمك بذلك يعنى من أين علمت أن عمى بصرى من أجل ذلك الانكار

قوله (فو اللّه الخ)

(4) من كلام أبى جعفر (ع) لبيان سبب عماه و هو أنه من صفقة جناح الملك و الصفقة الضرب الّذي له صوت، و كلمة ان نافية.

قوله (قال فاستضحكت)

(5) منشأ الضحك هو أن ابن عباس لكمال سخافته لم يعقل أن عمى بصره لاجل الانكار يوجب الاعتراف بأن ما أنكره حق فاصراره على الانكار مع الاعتراف بما يزيله محل التعجب. فقلت: يا أبا عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس حيث اعترفت بأن عمى بصرك لذلك الانكار. و فى بعض النسخ «يا ابن عباس».

قوله (قال لك على بن ابى طالب (ع))

(6) تفصيل لما أجمله أولا بقوله «كما أعمى بصرك يوم جحدتها على على بن أبى طالب» و بقوله «ان عمى بصره الا من صفقة جناح الملك».

قوله (أئمة محدثون)

(7) خبر لقوله أنا و أحد عشر من صلبى، أو حال عنه و هو خبر مبتدأ محذوف و هو هم أو خبر مبتدأ محذوف أى نحن أئمة.

____________

(1) قوله «يوم جحدتها» لم يعم بصر ابن عباس فى خلافة أمير المؤمنين (ع) و كان فى زمن معاوية بصيرا بل عمى فى آخر عمره فى زمان ابن الزبير و قد حج فى سنة حج فيها معاوية فى خلافته فكان لابن عباس موكب و لمعاوية موكب و هذا أيضا من مخائل ضعف الخبر التى أشار إليها العلامة (ره) فى الخلاصة. (ش)

6

(صلى اللّه عليه و آله) فتبدّى لك الملك الذي يحدّثه، فقال: كذبت يا عبد اللّه رأت عيناي الذي حدّثك به عليّ- و لم تره عيناه و لكن وعى قلبه و وقر في سمعه- فقلت صفّقك بجناحه فعميت قال: فقال ابن عبّاس: ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى اللّه، فقلت له: فهل حكم اللّه في حكم من حكمه بأمرين؟ قال: لا، فقلت: هاهنا هلّكت و أهلكت.

[الحديث الثالث]

3- و بهذا الاسناد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال عزّ و جلّ في ليلة القدر:

«فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» يقول: ينزل فيها كلّ أمر حكيم و المحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم اللّه عزّ و جلّ، و من حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت، إنّه لينزل

____________

قوله (فقلت لا أراها)

(1) أى فقلت يا ابن عباس لا أرى ليلة القدر كانت الا مع رسول اللّه (ص) فلما مات ذهبت معه (1) و قد عرفت ان هذا خلاف الاجماع.

قوله (فتبدى لك)

(2) أى فظهر لك يا ابن عباس الملك الّذي كان يحدث عليا (ع) فقال كذبت يا عبد اللّه فيما قلت من أن تلك الليلة انما كانت فى عهد رسول اللّه (ص) و صدق على (ع) فيما قال من ان ليلة القدر فى كل سنة الى آخره لانه رأت عيناى ما حدثك به على (ع) من نزول الملائكة عليه فى ليلة القدر اذ كنت من جملتهم و لم ترهم عينا على (ع) اذ كان محدثا و المحدث يسمع صوت الملك و لا يراه و لكن وعى قلبه و حفظ ما ألقى إليه و سكن فى سمعه و ثبت، ثم صفقك الملك يا ابن عباس بجناحه فعميت و فى بعض النسخ «ثمّ خفقك» أى ضربك و الخفق الضرب بشيء عريض يقال خفقه بالسيف و يخفق و يخفق اذا ضربه به ضربة خفيفة.

قوله (و وقر فى سمعه)

(3) وقر من باب ضرب و وعد يقال وقر الشيء فى سمعه أى سكن و ثبت فيه من غير نسيان من الوقار و هو الحلم و الرزانة و قد وقر يقر و قارا كذا فى النهاية و فى بعض النسخ وقر من القرار و المعنى واحد.

قوله (قال فقال ابن عباس ما اختلفنا فى شيء فحكمه الى اللّه)

(4) يعنى انا يا أبا جعفر و أنت اذا اختلفنا فى أمر من الامور كاستمرار ليلة القدر و نحوه فاللّه يعلم المحق من المبطل و غرضه أنه المحق

قوله (فقلت له)

(5) الغرض منه حمل ابن عباس على الاقرار بأنه كاذب.

قوله (و من حكم بأمر)

(6) فيه اختلاف قد مر معنى الاختلاف آنفا.

____________

(1) قوله «فلما مات ذهب معه» لا اعتبار بهذه النسبة و لا يعتد بها مع ضعف الحديث و المشهور عن ابن عباس ان ليلة القدر فى السابعة و العشرين من شهر رمضان و هو معروف عنه فى كتب العامة و الخاصة. (ش)

7

في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الامور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا و كذا، و في أمر النّاس بكذا و كذا، و إنّه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك كلّ يوم علم اللّه عزّ و جلّ الخاصّ و المكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك

____________

قوله (فقد حكم بحكم الطاغوت)

(1) و هو الّذي يتبع هواه و وساوس الشيطان و من البين أن حكمه مخالف لحكم اللّه الّذي لا اختلاف فيه و موافق لحكم الشيطان.

قوله (انه لينزل فى ليلة القدر)

(2) تفسيرا لامور سنة سنة يؤمر أى يؤمر ولى الامر فيها أى فى ليلة القدر أو فى تلك الامور و هذا بيان لتفسير الامور و تفصيل له و اعلم أن الاستدلال بسورة القدر على وجود امام (1) فى كل عصر يتوقف على استمرار حكمها و هو مذهبنا و مذهب العامة أيضا قال عياض سميت ليلة القدر ليلة القدر لتقدير اللّه تعالى فيها ما يكون فى تلك السنة من الارزاق و الآجال و غير ذلك و المراد بهذا التقدير اظهاره تعالى لملائكته مما يكون من أفعاله بما سبق به علمه و قضاؤه فى الازل و لخواص خلقه بنفسه أو بواسطة الملائكة و هو المراد بقوله «تَنَزَّلُ الْمَلٰائِكَةُ وَ الرُّوحُ الآية» و قيل: سميت بذلك لعظمة قدرها، و قال المازرى أجمع من يعتد به على وجودها و دوامها الى آخر الدهر لتظافر الاحاديث و كثرة رؤية الصالحين لها و قال عياض و شذ قوم فقالوا كانت خاصة بهم و رفعت لحديث «أنه أعلمها حتى تلاحى الرجلان فرفعت (2)» و معنى هذا عندنا أنه رفع علم عينها كما قال فى آخر «فأنسيتها» انتهى. و قال المازرى و احتجاجهم بالحديث غلط لان فى آخره ما يرد عليهم قال فيه البخارى فرفعت و عسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها فى السبع أو التسع فلو اريد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها انتهى. و بالجملة ظاهر القرآن و صريح رواياتنا و رواياتهم و صريح أقوال علمائنا و علمائهم فى أن حكم ليلة القدر مستمر الى آخر الدهر و المنكر له مكابر.

____________

(1) قوله «الاستدلال بسورة القدر على وجود الامام» و لا يخفى ان سورة القدر لا تدل على وجود الامام (ع) و ساحة المعصوم بريئة عن نسبة هذا الاستدلال إليه و انما هو خاطر اختلج فى ذهن الحسن بن عباس بن الحريش و استحسنه و نسبه الى المعصوم و زعم أنه ابتكر مسئلة فى العلم، فان قيل دلالة السورة على الامامة تعبد نأخذه من الامام المعصوم و قوله حجة فى دلالة القرآن و فى التفسير و التأويل قلنا هذا مصادرة فانا فى مقام الاستدلال بالقرآن على الامامة فالامامة متوقفة على دلالة السورة و لو كانت دلالة السورة متوقفة على الامامة لزم الدور و انما يناسب هذا الاستدلال العوام و حشوية أهل الحديث دون الامام المعصوم (ش).

(2) رواه البخارى فى كتاب الصوم باب فضل ليلة القدر.

8

اللّيلة من الأمر، ثمّ قرأ: «وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلٰامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مٰا نَفِدَتْ كَلِمٰاتُ اللّٰهِ، إِنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».

[الحديث الرابع]

4- و بهذا الاسناد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان عليّ بن الحسين (صلوات اللّه عليه) يقول: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» صدق اللّه عزّ و جلّ: أنزل اللّه القرآن في ليلة القدر، و ما أدراك ما ليلة القدر» قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا أدري، قال اللّه عزّ و جلّ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»

____________

قوله (علم اللّه تعالى الخاص المكنون العجيب المخزون)

(1) أضاف هذا العلم الى اللّه تعالى مع أن العلوم كلها منه تعالى للتعظيم و التشريف ثم وصفه بأربعة أوصاف أحدها الخاص و لعل المراد به العلم المتعلق بمعلوم معلوم كما أن الوجود الخاص الوجود المتعلق بموجود موجود أو العلم المختص به (ع) لا يشاركه أحد سواه. و ثانيها المكنون و العلم المكنون هو العلم المستور عن أذهان الخلائق الا من ارتضى من رسول اللّه و من يقوم مقامه. و ثالثها العجيب و العلم العجيب ما يتعجب منه لعظم موقعه و خفاء سببه و دقة وجهه. و رابعها المخزون و هو المكتوب فى اللوح المحفوظ لانه خزانة العلوم أو الثابت فى ذهن أهله لا يطرأ عليه السهو و النسيان، فان قلت: جميع العلوم فى القرآن و اللوح المحفوظ و قد ثبت أنهم علموا جميع ما فيهما فما معنى ذلك؟ قلت: العلم بأن الشيء وجد مغاير للعلم بأنه سيوجد و الاول هو المراد هنا و الحاصل لهم هو الثانى.

قوله (مثل ما ينزل فى تلك الليلة)

(2) دل على أنه يحدث لهم فى كل يوم و ليلة مثل ما يحدث لهم فى ليلة القدر. فان قلت: أى فضل فى ليلة القدر بالنسبة الى غيرها حينئذ قلت، لعل الفضل بنزول الملائكة و الروح فيها لقصد زيارتهم و تبليغ بشارتهم.

قوله (ثم قرأ)

(3) استشهاد لما سبق من كثرة علومه الفائضة على قلوبهم المطهرة فى كل يوم و ليلة الى انقراض الدهر و رفع لاستبعاد ذلك، و قوله «مِنْ شَجَرَةٍ» بيان لما و تنكيرها للتكثير، و قوله «أَقْلٰامٌ» خبر أن و قوله «وَ الْبَحْرُ» بالرفع عطف على محل اسم «أن» أو الواو للحال و المراد به البحر المحيط من شعبه و خبره محذوف أى و لو أن البحر مداد يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه. و المقصود أن هذا البحر مع بحار متكثرة منضمة إليه لو صارت مدادا و صارت الاشجار كلها أقلاما لا تفى بكتب كلمات اللّه و آياته و علومه ان اللّه عزيز غالب قاهر على جميع ما سواه فلا يعجز عن شيء. حكيم يفعل ما يشاء على وفق الحكمة فلا يسأل عما يفعل و من جملته افاضته العلوم الغير المحصورة على الوجه المذكور الى ولى الامر.

قوله (صدق اللّه أنزل القرآن فى ليلة القدر)

(4) قال الصدوق اعتقادنا أن القرآن نزل فى شهر رمضان فى ليلة القدر جملة واحدة الى البيت المعمور ثم فرق فى مدة أربعة و عشرين سنة.

9

ليس فيها ليلة القدر قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و هل تدري لم هي خير من ألف شهر؟ قال: لا، قال: لأنّها «تنزّل فيها الملائكة و الرّوح بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» و إذا أذن اللّه عزّ و جلّ بشيء فقد رضيه «سَلٰامٌ هِيَ حَتّٰى مَطْلَعِ الْفَجْرِ» يقول: تسلّم عليك يا محمّد ملائكتي و روحي بسلامي من أوّل ما يهبطون إلى مطلع الفجر، ثمّ قال في بعض كتابه: «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لٰا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً في إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، و قال في بعض كتابه: «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ» يقول في الآية الاولى: إنّ محمّدا حين يموت، يقول أهل الخلاف لأمر-

____________

قوله (ليس فيها ليلة القدر)

(1) فسر بذلك لئلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه.

قوله (و الروح)

(2) ذكر الروح بعد الملائكة من باب ذكر الخاص بعد العام للاهتمام.

قوله (و اذا اذن اللّه)

(3) لعل المراد بالاذن هنا الامر الحتمى فلا يرد أنه لا تقع شيء ما الا باذنه كما مر، و اللّه سبحانه لا يرضى ببعض الاشياء، ثم فيه دفع لتوهم المنكر أن نزولهم باذنه تعالى الى احد فى أمر لا يوجب رضاه تعالى بالنزول و لا بالمنزل إليه و لا بذلك الامر فلا يتم المطلوب.

قوله (وَ اتَّقُوا فِتْنَةً)

(4) الفتنة الاختبار بالذنب و نحوه ثم كثر استعماله فيما أخرجه الاختبار من الذنب و البدعة و القتال و الاحراق و خلاف الحق و الفاتن هو المضل عن الحق و المراد بها هنا البدعة المخصوصة و هى انكار ليلة القدر بعده (ص) و انكاره خلافة على (ع) أو هو داخل فيها، و يؤيده ما رواه الشيخ الطبرسى عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً» قال النبي (ص) من ظلم عليا بعد وفاتى فكأنما جحد نبوتى و نبوة الأنبياء قبلى».

قوله (فى إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ)

(5) ظرف للظلم المستفاد من ظلموا.

قوله (أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ)

(6) انكار لارتدادهم و رجوعهم عن الدين على أعقابهم بموته أو قتله بعد علمهم بموت من قبله من الأنبياء و بقاء دينهم و ما جاءوا به.

قوله (يقول فى الآية الاولى- الى قوله- خاصة)

(7) هذا التفسير واضح على قراءة لتصيبن جوابا لقسم محذوف و كذا على قراءة و لا تصيبن اذا كان نهيا بعد الامر باتقاء الذنب عن الظلم الّذي و باله يصيب الظالم خاصة، و أما اذا كان نفيا صفة لفتنة أو جوابا لامر مذكور أى ان أصابتكم لا تصيبن الظالمين منكم خاصة فغير واضح الا أن يقال يستفاد من الآية أن الفتنة على قسمين أحدهما و هو مذكور فيها صريحا يعم الظالم و غيره و الاخر يختص بالظالم و ما ذكره (عليه السلام) تفسير للقسم الثانى.

10

اللّه عزّ و جلّ: مضت ليلة القدر مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فهذه فتنة أصابتهم خاصّة و بها ارتدّوا على أعقابهم لأنّهم إن قالوا: لم تذهب فلا بدّ أن يكون للّه عزّ و جلّ فيها أمر و إذا أقرّوا بالأمر لم يكن له من صاحب بدّ.

[الحديث الخامس]

5- و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان عليّ (عليه السلام) كثيرا ما يقول: [ما] اجتمع التيميّ و العدوي عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو يقرأ «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ» بتخشّع و بكاء فيقولان:

ما أشدّ رقّتك لهذه السورة فيقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لما رأيت عيني و وعى قلبي و لما يرى قلب هذا من بعدي، فيقولان: و ما الذي رأيت و ما الذي يرى؟ قال: فيكتب لهما في التراب «تَنَزَّلُ الْمَلٰائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيهٰا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» قال: ثمّ يقول:

هل بقي شيء بعد قوله عزّ و جلّ: «كُلِّ أَمْرٍ» فيقولان: لا، فيقول: هل تعلمان من

____________

قوله (يقول أهل الخلاف لامر اللّه)

(1) لامر اللّه متعلق بالخلاف وصلة له و لعل المراد باهل الخلاف بعضهم فانك قد عرفت آنفا أن أكثر أهل الخلاف يقولون ببقاء حكم ليلة القدر بعده (ص) و ان خالفنا فى المنزل إليه، و يحتمل أن يراد جميعهم لان جميعهم يقولون بزوال حكمها اذ حكمها و هو النزول الى ولى اللّه و هم لا يقولون به.

قوله (لانهم ان قالوا)

(2) دليل على قوله يقول أهل الخلاف مضت ليلة القدر، توضيحه ان القول بعدم ذهابها يستلزم القول بان للّه تعالى فيها أمرا و هذا القول يستلزم الاقرار بأن لذلك الامر صاحبا تنزل الملائكة إليه و انكار اللوازم يستلزم انكار الملزوم فلزمهم القول بذهابها سواء قالوا ذلك صريحا كبعضهم أو لم يقولوا كأكثرهم فليتأمل.

قوله (كثيرا ما يقول)

(3) أى يقول قولا كثيرا أوحينا كثيرا و ما زائدة للمبالغة و فى بعض النسخ «يقول كثيرا ما».

قوله (اجتمع التيمى و العدوى)

(4) اريد بالتيمى ابو بكر نسب الى جده الخامس تيم بن مرة بن كعب بن لوى و فى مرة و هو الجد السادس للنبى (ص) اجتمع معه و بالعدوى عمر نسب الى جده السابع عدى بن كعب بن لوى و فى كعب اجتمع مع النبي (ص).

قوله (ما اشد رقتك)

(5) رقتك صيغة التعجب مثل ما أحسن زيدا.

قوله (لما رأت عينى و وعى قلبى و لما يرى قلب هذا من بعدى)

(6) أشار بهذا الى على (ع) و لم ينسب الرؤية العينية إليه لانه محدث و المحدث لا يرى بالعين بخلاف النبي.

قوله (فيكتب لهما فى التراب)

(7) دل على أنه (ص) كان يكتب و هذا من اعجازه لانه لم يتعلم الكتابة و قد علمها.

قوله (هل بقى شيء)

(8) يريد هل بقى احتمال أن يكون نزول الملائكة لا الى أحد

11

المنزّل إليه بذلك؟ فيقولان: أنت يا رسول اللّه فيقول: نعم فيقول هل تكون ليلة القدر من بعدي؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: فهل ينزل ذلك الأمر فيها؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: إلى من؟ فيقولان: لا ندري فيأخذ برأسي و يقول: إن لم تدريا فادريا، هو هذا من بعدي قال: فان كانا ليعرفان تلك اللّيلة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من شدّة ما يداخلهما من الرّعب.

[الحديث السادس]

6- و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا معشر الشيعة! خاصموا بسورة إنّا أنزلناه تفلجوا، فو اللّه إنّها لحجّة اللّه تبارك و تعالى على الخلق بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

____________

من الناس بعد قوله تعالى «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» لان نزولهم بالامر لا يكون الا الى مأمور منزل إليه و المقصود من هذا الاستفهام تقريرهما على نفى هذا الاحتمال فلذا أمرا و قالا لا.

قوله (بذلك)

(1) أى بذلك الامر.

قوله (فان كانا)

(2) ان مخففة من المكسورة المشددة و هى اذا خففت يلزمها اللام للفرق بينها و بين النافية و يجوز ابطال عملها و ادخالها على كان و نحوه كما فى قوله تبارك و تعالى «وَ إِنْ كٰانَتْ لَكَبِيرَةً».

قوله (من شدة ما يداخلهما من الرعب)

(3) علة لمعرفتهما تلك الليلة يعنى أنه كان يدخل عليهما فى ليلة القدر بعد النبي (ص) من الرعب و الخوف ما لا يعرف قدره الا اللّه، اما لتذكرهما قول النبي (ص) أو من قبل اللّه تعالى لا كمال الحجة عليهم فيعرفان بذلك أنها ليلة القدر و لكن حب الجاه و الرئاسة منعهما من الرجوع الى الحق.

قوله (خاصموا بسورة انا أنزلناه تفلجوا)

(4) أى تظفروا و تغلبوا عليهم لاخبارها بنزول الملائكة و الروح فيها من كل امر الى ولى مؤيد من عند اللّه تعالى و لا يمكنهم التخلص الا بان يقولوا ذهبت الليلة بذهابه (ص) أو يقولوا ذهب النزول بذهابه، أو يقولوا ثبت النزول الى سلطان الجور، أو يقولوا ثبت النزول لا الى أحد، و الكل باطل اما الاولان فلدلالة رواياتهم أيضا على بقائها و بقاء النزول فيها الى يوم القيمة و لاجماعهم على بقائهما كما مر، و أما الثالث فلان نزول الملائكة الى الجائر بما يحتاج إليه الناس من الاوامر و النواهى باطل بالضرورة و لم يدع ذلك أحد من الجائرين و أما الرابع فلان نزولهم بالاوامر و النواهى لا الى أحد من الخلق مما لا يتصور قطعا.

قوله (انها لحجة اللّه على الخلق بعد رسول اللّه)

(5) حيث دلت على أن الزمان بعده لا يخلو من حجة و يحتمل أن يراد أن رسول اللّه حجة اللّه على الخلق أولا لبيانه من يقوم مقامه بعده ثم هذه السورة حجة اللّه عليهم بعده لما مر.

12

و إنّها لسيّدة دينكم و إنّها لغاية علمنا، يا معشر الشيعة خاصموا ب «حم.

وَ الْكِتٰابِ الْمُبِينِ. إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ» فانّها لولاة الأمر خاصّة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يا معشر الشيعة! يقول اللّه تبارك و تعالى «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّٰا خَلٰا فِيهٰا نَذِيرٌ» قيل: يا أبا جعفر نذيرها محمّد (صلى اللّه عليه و آله) قال: صدقت فهل كان نذير و هو حيّ من البعثة في أقطار الأرض؟ فقال السائل: لا، قال أبو جعفر (عليه السلام) أ رأيت بعيثه أ ليس نذيره كما أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في بعثته من اللّه عزّ و جلّ نذير، فقال: بلى قال: فكذلك لم يمت محمّد إلّا و له بعيث نذير قال: فإن قلت: لا: فقد ضيّع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من في أصلاب الرّجال من أمّته قال: و ما يكفيهم القرآن؟

قال: بلى إن وجدوا له مفسّرا قال: و ما فسّره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ قال: بلى قد فسّره لرجل واحد و فسّر للامّة شأن ذلك الرّجل و هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال السائل: يا أبا جعفر كان هذا أمر خاصّ لا يحتمله العامّة قال: أبي اللّه أن يعبد

____________

قوله (و انها لسيدة دينكم)

(1) لدلالتها على أعظم امور الدين و هى الخلافة التى تبتنى عليها ساير اموره.

قوله (و انها لغاية علمنا)

(2) لدلالتها على حصول علوم غير محصورة لهم فى تلك الليلة باخبار الملائكة، أو لان هذه العلوم من توابع العلوم التى كانت حاصلة لهم و غاياتها فانهم (عليهم السلام) علموا جميع ما فى اللوح المحفوظ من النقوش حتمية كانت أو غير حتمية و يجيئهم حتم غير المحتوم فى تلك الليلة، و اللّه أعلم.

قوله (فانها لولاة الامر خاصة)

(3) لا للغواة كما ظنه بعض النواصب و فساد ظنه أظهر من ان يحتاج الى البيان.

قوله (و يقول اللّه تعالى وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّٰا خَلٰا فِيهٰا نَذِيرٌ)

(4) أى مضى فيها و الامة الجماعة الموجودون فى عصر و فيه دلالة على أن عصرا من الاعصار لم يخل من نذير فالحكمة الالهية يقتضي أن يكون فى كل امة و فى كل عصر الى يوم القيمة نذير.

قوله (قيل يا أبا جعفر نذيرها محمد)

(5) أى نذير هذه الامة محمد (ص) و لا يكون بعده نذير آخر فلا يتم المطلوب.

قوله (أ رأيت بعيثه)

(6) أى أخبرنى و الغرض منه تقرير السائل بالمنفى و قد أقر به.

قوله (قال فان قلت لا)

(7) أى قلت: مات محمد (ص) و لم يكن له بعيث لزمك القول بأنه ضيع من فى أصلاب الرجال من امته، و القول بذلك باطل لانه كفر و موجب لبطلان البعثة و نسبة ما لا يليق به (ص) إليه.

قوله (قال بلى)

(8) أى بلى يكفيهم القرآن ان وجدوا له مفسرا يعلم ظاهر القرآن و باطنه و يعلم جميع ما أنزل اللّه تعالى فيه.

قوله (ابان أجله)

(9) ابان الشيء بالكسر و التشديد وقته.

13

إلّا سرّا حتّى يأتي إبّان أجله الذي يظهر فيه دينه كما أنّه كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مع خديجة مستترا حتّى امر بالاعلان، قال السائل: ينبغي لصاحب هذا الدّين أن يكتم؟ قال: أو ما كتم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يوم أسلم مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حتّى ظهر أمره؟ قال: بلى، قال: فكذلك أمرنا حتّى يبلغ الكتاب أجله.

[الحديث السابع]

7- و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لقد خلق اللّه جلّ ذكره ليلة القدر أوّل ما خلق الدنيا و لقد خلق فيها أوّل نبيّ يكون و أوّل وصيّ يكون و لقد قضى أن يكون في كلّ سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الامور إلى مثلها من السنة المقبلة، من جحد ذلك فقد ردّ على اللّه عزّ و جلّ علمه لأنّه لا يقوم الأنبياء و الرّسل و المحدّثون إلّا أن تكون

____________

قوله (لقد خلق اللّه تعالى ليلة القدر أول ما خلق الدنيا)

(1) يريد أن الزمان من أوله الى آخره لا يخلو من ليلة القدر أو يريد أنها أول ليلة عند خلق الدنيا و هكذا جرى قضاء اللّه تعالى ليجيء فيها تفسير الامور الى من هو أهله و على التقديرين لا دلالة فيه على أن الليل مقدم على النهار فلا ينافى قوله تعالى «وَ لَا اللَّيْلُ سٰابِقُ النَّهٰارِ».

قوله (خلق فيها اوّل نبى)

(2) يريد خلق فيها اوّل نبى فى سلسلة الأنبياء و أول وصى فى سلسلة الأوصياء و انما قيد بالاول لانه لم يخلق كل نبى و كل وصى فيها كما يظهر لمن نظر فى تواريخ مواليدهم، [و يحتمل أن يراد بالخلق التقدير فيعمّ].

قوله (يهبط فيها بتفسير الامور)

(3) قد تحقق أن أئمتنا (عليهم السلام) كانوا عالمين بجميع الامور الا أن بعضها لما كان محتوما مبرما و بعضها غير محتوم كان المراد بتفسيرها تفسير غير المحتوم فيحصل لهم العلم فى تلك الليلة بأنه صار محتوما فيؤمرون بفعل هذا و ترك ذاك الى ما شاء اللّه تعالى و فى لفظ التفسير ايماء الى ذلك و يحتمل ان يراد به الاعلام بأنها وجدت فى الاعيان و هذا غير الاعلام بانها ستوجد و ما كان متحققا لهم هو الثاني دون الاول.

قوله (فقد رد على اللّه علمه)

(4) أى علم اللّه الذي هبطه على أوليائه او علمه بأنه هبطه.

قوله (لانه لا يقوم الأنبياء و الرسل و المحدثون)

(5) تعليل للرد المذكور يعنى لا يقوم هؤلاء العظام بأمر الخلق و ارشادهم الا أن تكون للّه تعالى حجة و برهان عليهم و هى ما يأتيهم الملائكة من العلوم المتكثرة فى ليلة القدر و ما يأتيهم جبرئيل (ع) فى غيرها من سائر الاوقات و من أنكر ذلك فقد رد على اللّه علمه الّذي أنزله إليهم و الرداد على اللّه كافر فكيف يستحق الخلافة.

قوله (قلت و المحدثون أيضا يأتيهم جبرئيل (ع) أو غيره)

(6) السؤال انما هو عن

14

عليهم حجّة بما يأتيهم في تلك اللّيلة مع الحجّة الّتي يأتيهم بها جبرئيل (عليه السلام) قلت:

و المحدّثون أيضا يأتيهم جبرئيل أو غيره من الملائكة (عليهم السلام) قال: أمّا الأنبياء و الرّسل صلّى اللّه عليهم فلا شكّ و لا بدّ لمن سواهم- من أوّل يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدّنيا- أن تكون على أهل الأرض حجّة ينزل ذلك في تلك اللّيلة إلى من أحبّ من عباده، و أيم اللّه لقد نزل الرّوح و الملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم و أيم اللّه ما مات آدم إلّا و له وصيّ و كلّ من بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها و وضع لوصيّه من بعده، و أيم اللّه إن كان النبيّ ليؤمر فيما يأتيه من الأمر في تلك اللّيلة من آدم إلى محمّد (صلى اللّه عليه و آله) أن أوص إلى فلان و لقد قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه لولاة الأمر من بعد محمّد (صلى اللّه عليه و آله) خاصّة: «وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

____________

اتيان جبرئيل (ع) لا عن اتيان غيره من الملائكة لان اتيان غيره كان معلوما للسائل بقرينة قوله «و المحدثون» و يحتمل أن يكون اتيان الملك معلوما له فسأل هل هو جبرئيل (ع) أو غيره.

قوله (من أول يوم خلقت فيه الارض)

(1) المراد اوّل يوم خلقت عند وجود الارض كما يشعر به قوله على أهل الارض، و فيه دلالة على أن اليوم مقدم على الليل و يؤيده أن العالم عند خلقه لا بد أن يكون على أشرف الاوضاع و الطلوع أشرف من الغروب.

قوله (حجة ينزل ذلك)

(2) المراد بالحجة العلم الّذي ينزل أو الملك الّذي ينزل به ذلك الملك فى ليلة القدر و انما لم يبين الملك النازل هل هو جبرئيل أو غيره للدلالة على التعميم.

قوله (الى من أحب من عباده)

(3) دل على أن المنزل إليه لا بد أن يكون من محبوبيه فلا يكون فاسقا لان الفاسق مبغوض.

قوله (ان كان النبي ليؤمر)

(4) «أن» مخففة كما مر و فيه تنبيه على أن سنة اللّه جرت فى كل نبى من آدم الى محمد (ص) أن لا يمضى الا بعد نص وصى بامر اللّه تعالى فكيف تتخلف هذه السنة فى محمد (ص) ثم أشار بقوله «و لقد قال اللّه تعالى الى آخره» مؤكدا بالقسم الى أن اللّه تعالى نص بأوصياء نبينا مخاطبا لهم للاكرام و التشريف.

قوله (وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ)

(5) المراد بالايمان التصديق الكامل المنزه عن شوائب الوهم و الخيال و هو الّذي يرى المعقول شاهدا و الغائب حاضرا و بالصالحات الاعمال الصالحة كلها صغيرها و كبيرها و حقيرها و جليلها. و فى العطف ايماء الى أن الاعمال خارجة عن حقيقة الايمان.

15

إلى قوله- فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ يقول: أستخلفكم لعلمي و ديني و عبادتي بعد نبيّكم كما استخلف وصاة آدم من بعده حتّى يبعث النبيّ الذي يليه «يَعْبُدُونَنِي لٰا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» يقول: يعبدونني بايمان لا نبيّ بعد محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فمن قال غير ذلك «فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ» فقد مكّن ولاة الأمر بعد محمّد بالعلم و نحن هم، فاسألونا فان صدقناكم فأقرّوا و ما أنتم بفاعلين، أمّا علمنا فظاهر و أمّا إبّان أجلنا الذي يظهر فيه الدّين منّا حتّى لا يكون بين الناس اختلاف، فانّ له أجلا من ممرّ اللّيالي و الأيّام، إذا أتى ظهر و كان الأمر واحدا، و أيم اللّه لقد قضى الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف و لذلك جعلهم شهداء على الناس ليشهد محمّد (صلى اللّه عليه و آله) علينا و لنشهد على شيعتنا و لتشهد شيعتنا على الناس، أبى اللّه عزّ و جلّ أن يكون في حكمه اختلاف أو بين أهل علمه تناقض، ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام):

فضل إيمان المؤمن بحمله إنّا أنزلناه و بتفسيرها على من ليس مثله في الايمان بها كفضل الانسان على البهائم و إنّ اللّه عزّ و جلّ ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين

____________

قوله (يقول استخلفكم)

(1) أى يقول اللّه تعالى مخاطبا للاوصياء (عليهم السلام) «كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لٰا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ».

قوله (أما علمنا فظاهر)

(2) يعنى اما علمنا فظاهر لم يدخل النقص فيه بغلبة الاعداء و اما وقت ظهورنا و غلبتنا عليهم حتى يظهر الدين و يرتفع الاختلاف بين الناس فله أجل معين عند اللّه تعالى اذا جاء أجله صار الدين واحدا و رجع الناس من الاختلاف الى الاتحاد و هو زمان ظهور مهدى هذه الامة.

قوله (و لذلك جعلهم شهداء على الناس)

(3) أى و لقضائه تعالى بأن لا يكون بين المؤمنين اختلاف فى الذين جعلهم اللّه تعالى شهداء على الناس لان بناء الشهادة على التوافق فى المشهود به و لذلك ترد الشهادة لو اختلف الشهود فيه فدلت الآية على أنه لا اختلاف فى علم اللّه و لا فى دينه و لا فى حكمه.

قوله (فضل ايمان المؤمن)

(4) هذا يحتمل وجهين أحدهما ان فضل ايمان المؤمن العالم بها و بتفسيرها على ايمان المؤمن الغير العالم كفضل الانسان على البهائم، و ربما يؤيده لفظ الحمل، ففيه ترغيب فى تحصيل العلم، و ثانيهما و هو الاظهر أن فضل المؤمن بها و بتفسيرها على غير المؤمن بها من أهل الخلاف كالفضل المذكور و يرجحه قوله «و ان اللّه تعالى ليدفع بالمؤمنين بها الى آخره».

(5)

16

لها في الدّنيا- لكمال عذاب الآخرة لمن علم أنّه لا يتوب منهم- ما يدفع بالمجاهدين عن القاعدين و لا أعلم أنّ في هذا الزّمان جهادا إلّا الحجّ و العمرة و الجوار.

[الحديث الثامن]

8- قال: و قال رجل لأبي جعفر (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه لا تغضب عليّ قال:

لما ذا؟ قال: لما اريد أن أسألك عنه، قال: قل، قال: و لا تغضب؟ قال: و لا أغضب قال: أ رأيت قولك في ليلة القدر و تنزّل الملائكة و الرّوح فيها إلى الأوصياء يأتونهم بأمر لم يكن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد علمه أو يأتونهم بأمر كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يعلمه؟ و قد علمت أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مات و ليس من علمه شيء إلّا و عليّ (عليه السلام) له واع، قال أبو جعفر (عليه السلام): ما لي و لك أيّها الرّجل و من أدخلت عليّ قال: أدخلني عليك القضاء لطلب الدّين، قال: فافهم ما أقول لك: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لمّا اسري به لم يهبط حتّى أعلمه اللّه جلّ ذكره علم ما قد كان و ما سيكون و كان كثير من علمه ذلك جملا يأتي تفسيرها في ليلة القدر و كذلك كان عليّ

____________

قوله (و انّ اللّه تعالى ليدفع)

(1) يعنى ان اللّه تعالى ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها عذاب الدنيا و لو لا المؤمنون بها لعذبهم فى الدنيا و أهلكهم كافة و ذلك الدفع ليعذبهم فى الآخرة عذابا أليما بسبب جحدهم و انكارهم اياها و ذلك الدفع أو كمال عذاب الآخرة لمن علم اللّه تعالى أنه لا يتوب عن انكاره و لا يرجع عنه الى الايمان بها و هذا الدفع مثل ما يدفع اللّه تعالى بالمجاهدين فى سبيله عن القاعدين هلاكهم بسيوف المشركين أو بعقوبته.

قوله (و لا أعلم فى هذا الزمان جهادا الا الحج و العمرة و الجوار)

(2) الجوار بالكسر الذمة و الامان فيكون بها جارك و أيضا المجاورة و منه الجار الّذي يجاورك و المضاف محذوف على الاخير لو اريد احسن الجوار و فيه دلالة على أن وجوب الجهاد مشروط بوجود الامام و تمكنه.

قوله (أ رأيت قولك فى ليلة القدر)

(3) كان الرجل فى مقام معارضة و دفع نزول الملائكة الى على بأنه (عليه السلام) كان عالما بجميع علم النبي (ص) فان نزل إليه الملائكة فاما أن تنزل إليه بعلم لم يعلمه رسول اللّه (ص) أو بعلم يعلمه و كلاهما باطل لان الاول يوجب أن يكون على (ع) أعلم منه، و الثانى يوجب تحصيل الحاصل و لذلك غضب (ع) عليه و قال ما لي و لك و من ادخلك على ثم لما اعتذر السائل بقوله ادخلنى عليك القضاء لطلب الدين و راعى الادب اجابه (ع) و كشف الغطاء بما لا مزيد عليه بقوله فافهم الى آخره.

قوله (و كان كثير من علمه ذلك جملا يأتى تفسيرها فى ليلة القدر)

(4) لما كان هذا الكلام

17

ابن أبي طالب (عليه السلام) قد علم جمل العلم و يأتي تفسيره في ليالي القدر، كما كان مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، قال السائل: أو ما كان في الجمل تفسير، قال: بلى و لكنّه إنّما يأتي بالأمر من اللّه تعالى في ليالي القدر إلى النبيّ (عليه السلام) و إلى الأوصياء افعل كذا و كذا، لأمر قد كانوا علموه، امروا كيف يعملون فيه، قلت: فسّر لي هذا، قال: لم يمت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلّا حافظا لجملة العلم و تفسيره، قلت: فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو؟ قال: الأمر و اليسر فيما كان قد علم، قال

____________

مجملا لاحتمال انه يأتى نفس تفسيرها و تفصيلها فى ليلة القدر و احتمال أنه يأتى الامر بتفاصيلها حمله السائل على الاول و استفهم على سبيل التقرير بقوله «أو ما كان» فى الجمل تفسير يريد أن فيها تفسيرها و النفوس القدسية اذا علمت الجملة فقد علمت تفسيرها أيضا اما بنفس معرفة الجمل أو بأدنى التفات و ذلك كما اذا نظرت الى زيد فقد أبصرت كله اجمالا و أبصرت أجزاءه و تفاصيله جميعا عند ابصار واحد بل ابصار الكل و الاجزاء ابصار واحد و انما يتفاوت بالاعتبار فاقر به (ع) بقوله بلى و صدقه، و أشار بقوله «و لكنه انما يأتى بالامر الى آخره» الى أن المراد به هو الاحتمال الثاني و توضيحه ان كثيرا من علمه ذلك كان مجملا لا يعلم هل يأمر بامضائه و فعله و تركه أولا يأمر و هل يثبته أو يمحوه كما فى العلم الّذي يجرى فيه البداء و انما يأتى الامر بتفاصيل هذه الامور فى ليلة القدر، و انما قال كان كثير من علمه ذلك جملا لان كثيرا من علمه ذلك أيضا كان مثبتا لا يجرى فيه البداء و كان الامر به معلوما لا يحتمل غيره.

قوله (قلت فسر لى هذا)

(1) أى بين لى بأمثلة جزئية هذا الّذي قلت من أن الّذي يأتيه فى ليالى القدر هو الامر بما علموا فأجابه (ع) بأنه لم يمت رسول اللّه (ص) الا حافظا بجملة العلم و تفسيره تلقيا له بغير ما يترقبه للتنبيه على أن الاهم له هو العلم بهذا لا بما ذكر و على أن ولى الامر غير مأذون باظهاره لمصلحة لا يعلمها الا هو كما سيصرح به، ثم رجع السائل فسأله بقوله «فالذى كان يأتيه فى ليالى القدر علم ما هو» للمبالغة فى استعلام ما يأتيه فيها فأجابه (ع) بنحو ما أجابه سابقا من أن الّذي يأتيه هو الامر و اليسر، و و المراد باليسر هو التخفيف بالمحو و نحوه، ثم عاد السائل و قال فما يحدث لهم فى ليالى القدر علم سوى ما علموا اشعارا بأن هذا محال لانه. تحصيل الحاصل و مبالغة فى استعلام يحدث لهم فيها من الاوامر المخصوصة فأجابه (ع) صريحا بان هذا أى ما يحدث لهم من الاوامر مما امروا بكتمانه و اظهار خصوصياته و لا يعلم تفسير ما سألت عنه من الاوامر المخصوصة و الخصوصيات التى تنزل فيها الا اللّه تعالى. و الحصر اضافى بالنسبة الى غير الولاة لان عقول

18

السائل: فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا؟ قال: هذا ممّا امروا بكتمانه و لا يعلم تفسير ما سألت عنه إلّا اللّه عزّ و جلّ، قال السائل: فهل يعلم الأوصياء ما لا يعلم الأنبياء؟ قال: لا و كيف يعلم وصيّ غير علم ما أوصي إليه، قال، السائل: فهل يسعنا أن نقول: إنّ أحدا من الوصاة يعلم ما لا يعلم الآخر، قال: لا لم يمت نبيّ إلّا و علمه في جوف وصيّه و إنّما تنزّل الملائكة و الرّوح

____________

غيرهم لا تتحمل ما تنزل فيها و يحتمل أن يراد أنه لا يعلم ما يصير محتوما فى ليلة القدر قبل ان يصير محتوما الا اللّه تعالى فيكون الحصر حقيقيا و لكن الاول أنسب بسياق الكلام فتأمل و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

قوله (قال السائل فهل يعلم الأوصياء)

(1) لما كان القول بأنه ينزل فى ليلة القدر امور السنة الى ولاة الامر يشعر ظاهرا بأن الوصى أعلم من النبي و الوصى الاخر أعلم من الوصى الاول لان الملائكة تنزل على الاخر بما لم تنزل به على الاول من الامور المتعلقة بكل سنة سنة سأل السائل عن هذا التفاضل هل هو ثابت أم لا فأجاب (ع) بأنه لا و أن الملائكة تنزل بالحكم الّذي يحكم به ولاة الامر بين العباد فعاد السائل و قال: أو ما كانوا يعنى ولاة الامر علموا ذلك الحكم قال (ع) بلى قد علموه و لكن لا يقدرون على امضاء شيء منه بدون الامر به فى ليلة القدر، و الحاصل أنهم علموا المحتوم و غير المحتوم جميعا و لكن لا يجوز لهم العمل فى غير المحتوم الا بعد العلم الحاصل لهم فى ليلة القدر بانه صار محتوما و بعد الاذن لهم فى العمل نظير ذلك أن الوزير اذا نظر الى البلد العظيم و رأى ما فيه من البيوتات المعمورة و المكسورة و المهدومة و الاراضى الخالية القابلة للعمارة و البناء و الزرع و غير ذلك من الخصوصيات التى لا تحصى فانه لا يقدر على امضاء شيء من ذلك بمقتضى علمه الا بعد أمر الامير و اذنه له فى العمل. فان قلت: العلم بأنه صار محتوما علم حاصل له فى ليلة القدر و لم يكن حاصلا لمن قبله من الاولياء فيلزم أن يكون هو أعلم ممن قبله فيعود أصل السؤال.

قلت: يحصل له العلم بذلك بعد حصول العلم به لمن قبله و يؤيده ما روى عن أبى عبد اللّه (ع) قال «ليس يخرج شيء من عند اللّه تعالى حتى يبدأ برسول اللّه (ص) ثم بامير المؤمنين (ع) ثم بواحد بعد واحد لئلا يكون أخرنا أعلم من أولنا» و الحديث مذكور فى باب الثانى من هذا الباب، ان قلت: فعلى هذا يجوز أن يحصل له العلم بما سيكون و لا يلزم أن يكون أعلم ممن قبله؟ قلت: نعم و لكنه خلاف الامر المحقق الثابت و هو انهم لم يموتوا حتى علموا ما كان و ما سيكون و ما هو كائن الى يوم القيامة.

19

في ليلة القدر بالحكم الذي يحكم به بين العباد، قال السائل: و ما كانوا علموا ذلك الحكم؟ قال: بلى قد علموه و لكنّهم لا يستطيعون إمضاء شيء منه حتّى يؤمروا في ليالي القدر كيف يصنعون إلى السنة المقبلة، قال السائل: يا أبا جعفر لا أستطيع إنكار هذا، قال أبو جعفر (عليه السلام): من أنكره فليس منّا قال السائل: يا أبا جعفر أ رأيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) هل كان يأتيه في ليالي القدر شيء لم يكن علمه، قال: لا يحلّ لك أن تسأل عن هذا، أمّا علم ما كان و ما سيكون فليس يموت نبيّ و لا وصيّ إلّا و الوصيّ الذي بعده يعلمه، أمّا هذا العلم الذي تسأل عنه فانّ اللّه عزّ و جلّ أبى أن يطلع الأوصياء عليه إلّا أنفسهم، قال السائل: يا ابن رسول اللّه كيف أعرف أنّ ليلة القدر تكون في كلّ سنة؟ قال: إذا أتى شهر رمضان فاقرأ سورة الدخان في كلّ ليلة مائة مرّة فاذا أتت ليلة ثلاث و عشرين فإنّك ناظر إلى تصديق الّذي سألت عنه.

[الحديث التاسع]

9- و قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لما ترون من بعثه اللّه عزّ و جلّ للشقاء على أهل الضلالة من أجناد الشياطين و أزواجهم أكثر ممّا ترون خليفة اللّه الّذي بعثه للعدل و الصواب من الملائكة، قيل: يا أبا جعفر و كيف يكون شيء أكثر من

____________

قوله (قال السائل يا أبا جعفر أ رأيت)

(1) لما كان السائل مشعوفا حريصا بمعرفة خصوصيات ما ينزل عليهم فى ليلة القدر و كيفية البداء سأل عنها مرارا مرة بعد اخرى فأجاب (ع) بأنه لا يحل لك أن تسأل عن خصوص ما ينزل فى ليلة القدر لحكمة مقتضية لاخفائه و عدم اطلاع غير الأوصياء عليه و عدم اقتدار عقول الناقصين على تحمله و لذلك لم يجبه (ع) بمثال مخصوص مع الحاجة فى السؤال عنه.

قوله (أما هذا العلم الّذي تسأل عنه)

(2) و هو العلم بخصوصيات ما ينزل فى ليلة القدر من الامر و الاذن و الحتم فيما لم يكن محتوما.

قوله (فاذا أتت ليلة ثلاث و عشرين)

(3) هذا صريح فى أنها ليلة القدر و للاخريين أيضا قدر عظيم ظهر ذلك لبعض أهل العرفان.

قوله (لما ترون)

(4) المراد بالرؤية الرؤية القلبية بقرينة تعديته الى مفعولين و عدم تحقق الرؤية العينية. و المراد ببعث اللّه الاقدار و التسليط و عدم المنع.

قوله (أكثر مما ترون خليفة اللّه)

(5) أى أكثر مما ترون مع خليفة اللّه من الملائكة أو أكثر مما ترون من بعثه اللّه تعالى للهدى الى خليفة اللّه من الملائكة.

قوله (و كيف يكون شيء أكثر من الملائكة)

(6) بناء هذا السؤال و الّذي يأتى بعده على

20

الملائكة؟ قال: كما شاء اللّه عزّ و جلّ، قال السائل: يا أبا جعفر إنّي لو حدّثت بعض الشيعة بهذا الحديث لأنكروه قال: كيف ينكرونه؟ قال: يقولون: إنّ الملائكة (عليهم السلام) أكثر من الشياطين قال: صدقت افهم عنّي ما أقول: إنّه ليس من يوم و لا ليلة إلّا و جميع الجنّ و الشياطين تزور أئمّة الضلالة و يزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتّى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلى وليّ الأمر، خلق اللّه- أو قال قيّض اللّه- عزّ و جلّ من الشياطين بعددهم ثمّ زاروا وليّ الضلالة فأتوه بالإفك و الكذب حتّى لعلّه يصبح فيقول: رأيت كذا و كذا فلو سأل

____________

نزول جميع الملائكة الى خليفة اللّه تعالى الا أن هذا السؤال لما تعلق بأكثرية شيء مطلقا أجاب عنه (ع) بقوله كما شاء اللّه تنبيها على تحققها لظهور أن الاشياء أكثر من الملائكة بخلاف السؤال التى فانه لما كان صريحا فى أن الملائكة أكثر من الشياطين و هذا عكس ما أفاده (ع) أولا بحسب الظاهر من ان الشياطين الواردين على أهل الضلالة و أئمة الجور أكثر من الملائكة النازلين على خليفة اللّه تعالى أجاب عنه (ع) توضيحا لمقصوده بقوله افهم عنى ما أقول الى آخره و حاصله على ما صرح به الفاضل الامين الأسترآبادي أن زيارة أجناد الشياطين لائمة الضلالة أكثر من زيارة الملائكة لخليفة اللّه تعالى و ذلك لان زيارة الملائكة انما تكون فى ليلة القدر و زيارة الشياطين تكون فى ليلة القدر و غيرها من الليالى و الايام و أنت خبير بأن الحصر الّذي ادعاه فى زيارة الملائكة غير مناسب بسياق الكلام و مناف لما دل من نزول الملائكة إليهم فى غير ليلة القدر أيضا فالاولى أن يقال المقصود أن عدد الزائرين لائمة الضلالة أكثر من عدد الزائرين لامام الهدى لان النازل إليه بعض الملائكة لا جميعها كما ستعرفه.

قوله (و يزور امام الهدى عددهم من الملائكة)

(1) أى يزور امام الهدى فى كل يوم و ليلة عدد أئمة الضلالة من الملائكة و ارجاع ضمير الجمع الى الجن و الشياطين يوجب التساوى و المقصود خلافه اذ المقصود التفاوت بين الزيارتين كما قيل أو التفات بين الزائرين كما قلنا.

قوله (حتى اذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة خلق اللّه)

(2) لعل المراد بخلق اللّه بعض الملائكة كما هو الظاهر من هذه العبارة و بهذا القدر يتم المقصود و هو أن الزائرين لائمة الضلالة أكثر من الزائرين لامام الهدى سواء زار من الشياطين لائمة الضلالة فى تلك الليلة بقدر عدد الملائكة الزائرين أم لم يزر.

قوله (أو قال قيض اللّه)

(3) الشك من الراوى لعدم تيقنه بصدور هذا القول منه (ع) أى أو قال أيضا هذا القول بعد ما ذكر و التقييض تقدير كردن كذا فى الصراح.

21

وليّ الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا اخبرك بكذا و كذا حتّى يفسّر له تفسيرا و يعلّمه الضلالة الّتي هو عليها، و أيم اللّه إنّ من صدّق بليلة القدر ليعلم أنّها لنا خاصّة لقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام) حين دنا موته: «هذا وليّكم من بعدي فإن أطعتموه رشدتم» و لكن من لا يؤمن بما في ليلة القدر منكر و من آمن بليلة القدر ممّن على غير رأينا فإنّه لا يسعه في الصدق إلّا أن يقول: إنّها لنا و من لم يقل فإنّه كاذب، إنّ اللّه عزّ و جلّ أعظم من أن ينزّل الأمر مع الرّوح و الملائكة إلى كافر فاسق، فإن قال:

____________

قوله (فأتوه بالافك و الكذب)

(1) الافك الكذب فالعطف للتفسير و لا يبعد أن يقال ان الخبر الّذي لا يطابق الواقع من حيث أنه لا يطابق الواقع يسمى كذبا و من حيث أنه يصرف المخاطب عن الحق الى الباطل يسمى افكا يقال افكه اذا صرفه عن الشيء و منه قوله تعالى «قٰالُوا أَ جِئْتَنٰا لِتَلْفِتَنٰا عَمّٰا وَجَدْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا» أى لتصرفنا عنه.

قوله (فلو سأل ولى الامر)

(2) أى فلو سأل ولى الضلالة ولى الخلافة عمار آه لقال ولى الامر رأيت شيطانا أخبرك بكذا و كذا الى آخر ما رآه حتى يفسر له تفسيرا يبين به باطله و يعلمه الضلالة التى هو أى ولى الضلالة عليها لعله يرجع عنها أو الغرض منه أن ولى الامر عالم بكل ما يقع حقا كان او باطلا اما بالالهام أو بتوجه نفسه القدسية أو باخبار الملائكة.

قوله (لقول رسول اللّه (ص))

(3) تعليل ليعلم و حاصله أن من صدق بليلة القدر علم أن الملائكة ينزلون الى خليفة اللّه تعالى و وليه و أما العلم بأن هذا الخليفة هو على (ع) فلقوله (ص) لعلى (ع) حين دنا موته «هذا وليكم من بعدى فان أطعتموه رشدتم» حيث دل على أنه (ع) خليفته فى أمته و أولى بالتصرف فيهم و أن الرشد و الهداية فى متابعته فيعلم أن الّذي تنزل إليه الملائكة بعد التصديق بليلة القدر.

قوله (و لكن من لا يؤمن بليلة القدر منكر)

(4) أى منكر لها أو للرسالة و أصل الشرع فهو خارج عن الدين فيتوجه إليه الذم لهذا لا للخطاء فى تعيين موردها.

قوله (ممن على غير رأينا)

(5) بيان لمن أو حال عن فاعل «آمن».

قوله (و من لم يقل فانه كاذب)

(6) أى من آمن بها و لم يقل أنها لنا فهو كاذب سواء قال بنزول الامر مع الملائكة و الروح الى كافر فاسق، أو قال بنزوله الى خليفة الجور من هذه الامة، أو قال بنزوله لا الى أحد، أو قال لا نعرف هذا و ليس ما قلتم بشيء اذ الكل باطل أما الاول و الثانى فلانه تعالى لا ينزل الامر مع الملائكة و الروح الى كافر فاسق بالضرورة. و الثالث فلانه لا معنى بالضرورة لنزول شيء لا الى شيء و أما الرابع فلانه محض مكابرة.

22

إنّه ينزل إلى الخليفة الّذي هو عليها فليس قولهم ذلك بشيء، و إن قالوا: إنّه ليس ينزل إلى أحد فلا يكون أن ينزل شيء إلى غير شيء، و إن قالوا- و سيقولون-:

ليس هذا بشيء، فقد ضلّوا ضلالا بعيدا.

«باب» فى أن الائمة (عليهم السلام) يزدادون فى ليلة الجمعة

[الحديث الأول]

1- حدّثني أحمد بن إدريس القمّيّ و محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ الكوفي، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن أيّوب، عن أبي يحيى الصنعاني، عن

____________

قوله (فان قال انه ينزل الى الخليفة الّذي هو عليها)

(1) أفرد فاعل قال هنا نظرا الى لفظ الموصول و جمعه فيما بعد نظرا الى معناه، و الّذي مع صلته مفعول ينزل و ضمير عليها راجع الى الخليفة و تأنيثها باعتبار اللفظ و المراد بالذى هو على الخليفة امور الرئاسة.

قوله (و ان قالوا و سيقولون)

(2) فى بعض النسخ فسيقولون أى ان قالوا بعد هذه المراتب شيئا سيقولون هذا- أى ما قلتم من أن الامر مع الملائكة ينزل الى ولى الامر- ليس بشيء يعنى ان قالوا بعد تلك المراتب شيئا قالوا هذا اذ لا مفر لهم سواه (1).

____________

(1) قوله «اذ لا مفر لهم سواه» و هنا آخر ما نقله (رحمه اللّه) فى انا أنزلناه و قد نقلنا فى صدر الباب قول علماء الرجال فى ذلك و ان جميع ما رواه الحسن بن العباس موضوع لا عبرة به و لا اعتماد عليه و مذهبنا ان ما روى فى الامامة من الاحاديث مما لم يدل عليه ضرورة المذهب و لا متواتر الاخبار و لم يدل العقل على صحته و لا على فساده فالوجه التوقف فيه و اما هذه الروايات فالعقل يحكم بفسادها لانه يحكم بعصمة المعصوم من الخطاء و لا ريب ان سورة إنا أنزلناه و نزول الملائكة فى ليلة القدر لا يدل بظاهرها مع قطع النظر عن تفسير المعصوم على ان الملائكة تنزل بالاحكام و الشرائع فلعلها تنزل بالبركات و إلهام الخيرات للمؤمنين كما ورد و ليس نزول الملائكة بامثال ذلك مستلزما لوجود امام تنزل عليه فمع كل قطرة من قطرات الامطار ملك و لرفع أعمال العباد فى الصباح و المساء ملائكة حتى ورود أن قرآن الفجر كان مشهودا اى صلاة الصبح لملائكة الليل و ملائكة النهار و مثل ذلك كثير. و اما تفسير المعصوم فلا يكفى فى مقام الاحتجاج على من لا يعترف بوجود المعصوم على ما مر فى الخبر السادس لانه دور و مصادرة، ثم ان الراوى زعم ان غير الشيعة لا يقولون باستمرار ليلة القدر و ان ذلك شعارهم مأخوذ من الخليفتين. (ش)

23

أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا يحيى إنّ لنا في ليالي الجمعة لشأنا من الشأن قال: قلت: جعلت فداك و ما ذاك الشأن؟ قال: يؤذن لأرواح الأنبياء (عليهم السلام) الموتى و أرواح الأوصياء الموتى و روح الوصيّ الّذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السّماء حتّى توافى عرش ربّها فتطوف به اسبوعا و تصلّي عند كلّ قائمة من قوائم العرش ركعتين ثمّ تردّ إلى الأبدان الّتي كانت فيها فتصبح الأنبياء و الأوصياء قد ملئوا سرورا و يصبح الوصيّ الّذي بين ظهرانيكم و قد زيد في علمه مثل جمّ الغفير.

[الحديث الثاني]

2- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن جعفر بن محمّد الكوفي، عن يوسف الأبزاري، عن المفضّل قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) ذات يوم- و كان لا يكنّيني قبل ذلك-: يا أبا عبد اللّه قال: قلت: لبّيك، قال: إنّ لنا في كلّ ليلة

____________

قوله (ان لنا فى ليالى الجمعة لشأنا من الشأن)

(1) الشأن بسكون الهمزة الخطب و الامر و الحال و الجمع شئون و التنكير للتعظيم و قوله من الشأن مبالغة فيه.

قوله (الموتى)

(2) جمع ميت و فيه تصريح بموتهم لئلا يتوهم أنهم أحياء غابوا و لم يموتوا.

قوله (بين ظهرانيكم)

(3) أى اقاموا بينكم على سبيل الاستظهار و الاستناد إليكم و زيدت فيه ألف و نون مفتوحة تأكيدا و معناه أن ظهرا منكم قد أمه او ظهرا وراءه فهو مكنوف أى محاط من جانبيه ثم كثر حتى استعمل فى الاقامة بين القوم مطلقا.

قوله (حتى توافى عرش ربها)

(4) يقال وافاه فلان يوافيه اذا اتاه و قد مر تفسير العرش مشروحا و لا يبعد ان يراد به هنا العرش الجسمانى لجواز أن يكون له سبحانه عرش جسمانى فى السماء هو معبد الملائكة و أرواح القديسين كما أن له بيتا و مسجدا فى الارض هو معبد الناس. و حمله على بيت المعمور أيضا محتمل.

قوله (ثم ترد الى الابدان التى كانت فيها)

(5) لعل المراد بها الابدان المثالية و يحتمل الاصلية أيضا (1)

قوله (و قد زيد فى علمه مثل جم الغفير)

(6) اريد بهم الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، و بالعلم العلم بما يصير محتوما فى تلك الليلة.

____________

(1) قوله «و يحتمل الاصلية» الاحتمالان كلاهما غير معقول و راوى الحديث موسى بن سعدان من الغلاة، ضعفه علماء الرجال و لا فائدة للتكلف فى توجيه ما يستغلق من حديثه، و اما رد ارواح الائمة الاحياء الى ابدانهم فمعقول نظير ما ورد فى الكتاب الكريم «اللّٰهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنٰامِهٰا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرىٰ» و عروج أرواح الائمة الى العرش أمر ممكن و عودها أيضا ممكن. (ش)

24

جمعة سرورا قلت: زادك اللّه و ما ذاك؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) العرش و وافى الأئمّة (عليهم السلام) معه و وافينا معهم فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا إلّا بعلم مستفاد و لو لا ذلك لأنفدنا.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن عبد اللّه بن محمّد، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن يونس أو المفضّل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما من ليلة جمعة إلّا و لأولياء اللّه فيها سرور قلت: كيف ذلك جعلت فداك؟ قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) العرش و وافى الأئمّة (عليهم السلام) و وافيت معهم فما أرجع إلّا بعلم مستفاد و لو لا ذلك لنفد ما عندي.

«باب» لو لا أن الائمة (عليهم السلام) يزدادون لنفد ما عندهم

[الحديث الأول]

1- عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن صفوان بن يحيى قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: كان جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول لو لا أنّا نزداد لأنفدنا. محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) مثله.

[الحديث الثاني]

2- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ذريح المحاربي قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا ذريح لو لا أنّا نزداد لأنفدنا.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر، عن ثعلبة. عن

____________

قوله (و لو لا ذلك لانفدنا)

(1) يقال نفد الشيء بالكسر نفادا فنى و أنفدته أنا و أنفد القوم أى ذهبت أموالهم أو فنى زادهم و ينبغى أن يعلم أن علمه تعالى ثلاثة أقسام قسم يختص به سبحانه و لا يطلع عليه أحد من عباده و قسم محتوم أظهره للانبياء و الأوصياء لا مرد له و لا تبديل. و قسم غير محتوم يجرى فيه البداء و هذا القسم كثير يظهر جل شأنه كلا فى وقته لخليفته فاذا أظهره صار محتوما، و المراد بالعلم المستفاد ما أظهره اللّه تعالى لهم من هذا القسم و لو لم يظهره لهم لانقطع علمهم بهذا القسم و لا يلزم من ذلك أن يكون الاخر أعلم من الاول لما ذكرناه سابقا و لما سيجيء من رواية سماعة، عن أبى عبد اللّه (ع) «قال ان للّه تعالى علمين أظهر عليه ملائكته و انبياءه و رسله فما أظهر عليه ملائكته و رسله و أنبياءه فقد علمناه و علما استأثر به فاذا بدا

25

زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لو لا أنّا نزداد لأنفدنا، قال: قلت:

تزدادون شيئا لا يعلمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟ قال: أما إنّه إذا كان ذلك عرض على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ على الأئمّة ثمّ انتهى الأمر إلينا.

[الحديث الرابع]

4- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ليس يخرج شيء من عند اللّه عزّ و جلّ حتّى يبدأ برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ بأمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ بواحد بعد واحد لكيلا يكون آخرنا أعلم من أوّلنا.

«باب» ان الائمة (عليهم السلام) يعلمون جميع العلوم التى خرجت الى الملائكة و الأنبياء و الرسل (عليهم السلام)

[الحديث الأول]

1- عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن، عن عبد اللّه بن القاسم، عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ للّه تبارك و تعالى علمين: علما، أظهر عليه ملائكته و أنبياءه و رسله

____________

للّه فى شيء منه أعلمنا ذلك و عرض على الائمة الذين كانوا من قبلنا.

قوله (قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول لو لا أنا نزداد لانفدنا)

(1) ينبغى أن يعلم أن كل علم ألقاه تعالى الى نبيه (ص) كان أوصياؤه (عليهم السلام) عالمين به من غير زيادة و لا نقصان و أما العلوم المستأثرة المخزونة اذا اقتضت الحكمة الالهية اظهارها فى أوقات متفرقة على ولى العصر و الخليفة الموجود فى تلك الاوقات أظهرها له و لا يلزم منه أن يكون هو أعلم من النبي (ص) لما ذكره (ع) من أنه يعرض ذلك أولا على رسول اللّه (ص) ثم عليه، و لا ينافى ذلك ما مر من أنه (ص) (1) لم يمت الا حافظا بجملة العلم و تفسيره اذ لعل المراد بجملة العلم العلم بالمحتوم و أما غير المحتوم فيحصل له العلم به عند صيرورته محتوما و لو بعد الموت او المراد به العلم بالمحتوم و غيره على وجه الحتم و عدمه ثم يحصل له بعد الموت العلم بالحتم فى غير المحتوم و اللّه أعلم.

قوله (ان للّه تعالى علمين)

(2) هذا تقسيم لعلمه باعتبار كونه محتوما و غير محتوم (2) فالاول عبارة عن المحتوم، و الثانى عن غير المحتوم، فاذا بدا للّه فى

____________

(1) قوله «بما مر من أنه» لا حاجة الى التكلف لهذا الجمع فان ما مر فى باب شأن انا أنزلناه ضعيف و لا معنى للقضاء غير المحتوم الاعلى البداء بالمعنى الباطل. (ش)

(2) قوله «محتوما و غير محتوم» الاصح أن يقال مكتوما و غير مكتوم كما هو مفاد الحديث لان اللّه تعالى يعلم علوما لم ير المصلحة فى أن يظهرها لاحد من ملائكته و مقربيه و ان كانت محتومة و علوما أظهرها لهم و هى محتومة فلا يكون له تعالى علم غير محتوم اصلا سواء كان مكتوما أولا و غير المحتوم لا يكون علما له تعالى. (ش)

26

فما أظهر عليه ملائكته و رسله و أنبياءه فقد علمناه، و علما استأثر به فإذا بد اللّه في شيء منه أعلمنا ذلك و عرض على الأئمّة الّذين كانوا من قبلنا.

عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم و محمّد ابن يحيى، عن العمركيّ بن عليّ جميعا، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) مثله.

[الحديث الثاني]

2- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ للّه عزّ و جلّ علمين: علما عنده لم يطلع عليه أحدا من خلقه. و علما نبذه إلى ملائكته و رسله، فما نبذه إلى ملائكته و رسله فقد انتهى إلينا.

[الحديث الثالث]

3- علي بن إبراهيم، عن صالح بن السنديّ، عن جعفر بن بشير، عن ضريس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ للّه عزّ و جلّ علمين: علم مبذول و علم مكفوف. فأمّا المبذول فإنّه ليس من شيء تعلمه الملائكة و الرّسل إلّا نحن نعلمه و أمّا المكفوف فهو الّذي عند اللّه عزّ و جلّ في أمّ الكتاب إذا خرج نفذ.

[الحديث الرابع]

4- أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ

____________

شيء من غير المحتوم و تعلق الحتم به أعلم الامام الموجود بين الخلق و عرض على الائمة الماضين (عليهم السلام) لئلا يكون آخرهم أعلم من أولهم.

قوله (ان للّه عز و جل علمين علما عنده لم يطلع)

(1) هذا تقسيم لعلمه تعالى باعتبار اختصاصه به و عدمه فالاول هو القسم الاول من الاقسام الثلاثة التى ذكرناها سابقا و الثانى هو القسم الثانى منها أو الاعم منه و من الثالث لان الثالث أيضا منبوذ الى الرسل كما عرفت.

قوله (علم مبذول و علم مكفوف)

(2) العلم المبذول العلم بالشيء الّذي قضاه و أمضاه و أظهره لخواص خلقه، و العلم المكفوف العلم بالشيء الّذي فيه المشيئة فلا يقضيه، و لا يمضيه اذا شاء و يقضيه و يمضيه اذا شاء فاذا قضاه و أمضاه أظهره لهم و اذا أظهره نفذ، و لا يجرى فيه البداء.

قوله (فى أم الكتاب اذا خرج نفذ)

(3) أى مضى لتعلق القضاء و الامضاء و الاظهار به و متى كان كذلك كان نافذا ماضيا، و لعل المراد بام الكتاب اللوح المحفوظ أو التقدير

27

ابن النعمان، عن سويد القلّاء عن أبي أيّوب، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال. إنّ للّه عزّ و جلّ علمين: علم لا يعلمه إلّا هو و علم علّمه ملائكته و رسله، فما علّمه ملائكته و رسله (عليهم السلام) فنحن نعلمه.

(باب) نادر فيه ذكر الغيب

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمر بن خلّاد قال:

سأل أبا الحسن (عليه السلام) رجل من أهل فارس فقال له: أ تعلمون الغيب؟ فقال: قال

____________

الازلى فانه أم لجميع المكتوبات و اصل لجميع الموجودات.

قوله (علم لا يعلمه الا هو)

(1) يحتمل أن يراد به العلم بغير المحتوم فانه لا يعلمه قبل أن يصير محتوما الا هو كما يحتمل أن يراد به العلم المختص به الّذي لا يطلع عليه أحد من خلقه فى وقت من الاوقات.

قوله (فقال أ تعلمون الغيب)

(2) المراد بالغيب كل ما لا يتناوله الحواس (1) من الامور الكائنة فى الحال أو الماضى أو الاستقبال.

____________

(1) قوله «كل ما لا يتناوله» و الصحيح أن يزاد قيد و هو أن لا يكون طريق إليه للعقل ضرورة أن العلم باللّه و ملائكته لا يعد من علم الغيب المبحوث عنه فى هذا الباب. و اعلم ان مسئلة علم الائمة و الأنبياء بالغيب معضلة عند العوام واضحة عند الخواص و لا اشكال فى أن لكل نفس من النفوس الانسانية حظا من العلم بما يأتى أو ما بعد عن منال حواسه و ثبت ذلك فى الحكمة بينها أبو على ابن سينا فى أواخر كتاب الاشارات أوضح بيان و قد تواتر عن النبي و الائمة (عليهم السلام) أخبار كثيرة بالغيب و لا يستحيل فى العقل ان يطلع بعض النفوس الكاملة على كل ما توجه إليه و اراد الاطلاع عليه بإرادة اللّه تعالى و إلهام الملائكة الملهمة و قد اتفق لفرعون يوسف و هو كافر أن يطلع فى المنام على ما سيأتى من سنى الخصب و الرخاء و هذا باب واسع مفتوح على قلوب افراد الانسان من الآخرة ليؤمنوا بوجود عالم غير مادى وراء هذا العالم و هو مشتمل على جميع ما مضى و ما يأتى فى لمحة واحدة بحيث يمكن أن يرى فرعون فيه ما لا يوجد فى الحس الا بعد اربع عشرة سنة لوجوده فى ليلة الرؤيا عند عقل مجرد عالم به، و أما من نفى علم الغيب عن الانسان أو عن الائمة و الأنبياء فمراده نفى العلم ذاتا بغير تعليم من اللّه تعالى و من أثبت فمراده علمهم بالتعليم و الالهام و هذا ثابت لجميع أفراد الانسان و يختلف بحسب اختلاف النفوس كمالا و نقصا و قلة و كثرة و وضوحا و ابهاما و اجمالا و تفصيلا و صريحا و تمثيلا و يقظة و نوما و غير ذلك و الائمة و الأنبياء (عليهم السلام) كانوا يعلمون ما يعلمون بتعليم اللّه تعالى و الهامة و قال أمير المؤمنين (ع) انما هو تعلم من ذى علم بعد أن سأله رجل عن علمه بالغيب. و قال المفيد رحمه الله في المسائل العكبرية إجماعا على أن الإمام يعلم الأحكام لا الأعيان و لسنا نمنع أن يعلم أعيان ما يحدث و يكون بإعلام الله تعالى له ذلك.

28

أبو جعفر (عليه السلام): يبسط لنا العلم فنعلم و يقبض عنّا فلا نعلم و قال: سرّ اللّه عزّ و جلّ أسرّه إلى جبرئيل (عليه السلام) و أسرّه جبرئيل إلى محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و أسرّه محمّد إلى عن شاء اللّه.

[الحديث الثاني]

2- محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب. عن سدير الصيرفي قال: سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «بَدِيعُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ»* قال أبو جعفر (عليه السلام) إنّ اللّه عزّ و جلّ ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله. فابتدع السماوات

____________

قوله (يبسط لنا العلم فنعلم)

(1) لعله اشارة الى أن العلم بالغيب قسمان أحدهما حاصل لهم باعلامه تعالى و الثانى مختص به تعالى كعلمه بخطرات النفوس و عزمات القلوب و نظرات العيون كما قال تعالى «يَعْلَمُ خٰائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ مٰا تُخْفِي الصُّدُورُ» أو اشارة الى أن علم الغيب هو العلم الّذي لا يكون مستفادا عن سبب يفيده و ذلك انما يصدق فى حقه تعالى اذ كل علم الّذي علم سواه فهو مستفاد من بسطه وجوده اما بواسطة او بلا واسطة و لا يكون علم غيب بل اطلاعات على أمر غيبى لا يتأهل عليه كل الناس بل يختص بنفوس خصت بعناية إلهية كما قال تعالى شأنه «عٰالِمُ الْغَيْبِ فَلٰا يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلّٰا مَنِ ارْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ» أو اشارة الى أن لهم بسطا و قبضا فبسطهم عبارة عن حصول الصور الكائنة عند نفوسهم القادسة بالفعل فهم يعلمونها و قبضهم عبارة عن عدم حصولها لها بالفعل و ان كانت فى الخزانة بحيث يحصل لهم لمجرد توجه النفس و هم يسمون هذه الحالة عدم العلم و يؤيده ما يجيء فى الباب الآتي من أن الامام اذا شاء أن يعلم علم، و اللّه أعلم.

قوله (و قال سر اللّه)

(2) أى البسط و القبض سر أو حصول العلم بالغيب و عدم حصوله بسبب البسط و القبض سر اللّه أسره أى أظهره. و أراد بقوله «الى من شاء اللّه عليا (ع) و فيه دلالة على أن الاظهار له (ع) بمشيئة اللّه و ارادته.

قوله (بَدِيعُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ)*

(3) البديع فعيل بمعنى الفاعل و هو الّذي يفعل فعلا لم يسبق مثله و قد يكون بمعنى المفعول و أما نفس ذلك الفعل أو الفعل الحسن المشتمل على نوع من الغرابة لمشابهته اياه فى كونه محل التعجب منه و ليس بمراد هنا.

قوله (على غير مثال كان قبله)

(4) و قد مر شرحه مفصلا و فيه تنزيه له عن صفات الصانعين من

29

و الأرضين و لم يكن قبلهنّ سماوات و لا أرضون أ ما تسمع لقوله تعالى: «وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ»؟ فقال له حمران: أ رأيت قوله جلّ ذكره: «عٰالِمُ الْغَيْبِ فَلٰا يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً» فقال أبو جعفر (عليه السلام): «إِلّٰا مَنِ ارْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ» و كان و اللّه محمّد ممّن ارتضاه، و أمّا قوله «عٰالِمُ الْغَيْبِ» فإنّ اللّه عزّ و جلّ عالم بما غاب عن خلقه فيما

____________

البشر فان صنايعهم تحذو حذوا و مثله سبقت من غيرهم أو حصلت فى أذهانهم بالهام فلا يكون على غير مثال

قوله (أ ما تسمع لقوله تعالى وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ)

(1) استشهاد لما تقدم لافادة أن الماء أول الموجودات الممكنة و اصلها و لا اصل له و ان عرش الواجب يعنى علمه المتعلق بالموجودات كان على الماء فقط اذ لم يكن حينئذ شيء من الجسم و الجسمانيات موجودا غيره ثم خلق منه السموات و الارضين يدل على ذلك ما روى عن أبى جعفر (ع) فى حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة «قال و كان الخالق قبل المخلوق و لو كان أول ما خلق من خلقه الشيء من الشيء اذا لم يكن له انقطاع أبدا و لم يزل اللّه اذا و معه شيء ليس هو يتقدمه، و لكنه كان اذ لا شيء غيره و خلق الشيء الّذي جميع الاشياء منه و هو الماء الّذي خلق الاشياء منه فجعل نسب كل شيء الى الماء و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه و خلق الريح من الماء ثم سلط الريح على الماء، فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع و لا نقب و لا صعود و هبوط و لا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم خلق اللّه النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللّه أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع و لا نقب و ذلك قوله «السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا» قال «و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب ثم طواها فوضعها فوق الارض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الارض فذلك قوله عز ذكره «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا» يقول بسطها» (1) و قال بعض الافاضل مقتضى الروايات أنه خلق الماء قبل الارض و هذا مما شهد به البرهان العقلى فان الماء لما كان حاويا لاكثر الارض كان سطحه الباطن المماس لسطحها الظاهر مكانا و ظاهر أن للمكان تقدما باعتبار ما على المتمكن فيه و ان كان اللفظ يعطى تقدم خلق الماء على الارض تقدما زمانيا.

قوله (فقال أبو جعفر (ع) إِلّٰا مَنِ ارْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ)

(2) لما توهم السائل اختصاص علم الغيب به تعالى نبه (ع) بذكر الاستثناء على ثبوته لمن ارتضاه.

قوله (و أما قوله عٰالِمُ الْغَيْبِ فان اللّه عز و جل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شيء و يقضيه فى علمه قبل أن يخلقه و قبل ان يفضيه الى الملائكة)

(3) فيما يقدر حال عن ماء الموصولة

____________

(1) راجع كتاب الروضة تحت رقم 67.

30

يقدّر من شيء و يقضيه في علمه قبل أن يخلقه و قبل أن يفضيه إلى الملائكة فذلك يا حمران علم موقوف عنده، إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد و يبدو له فيه فلا يمضيه، فأمّا العلم الّذي يقدّره اللّه عزّ و جلّ فيقضيه و يمضيه فهو العلم الّذي انتهى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ إلينا.

[الحديث الثالث]

3- أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن، عن عبّاد بن سليمان، عن محمّد بن سليمان عن أبيه، عن سدير قال: كنت أنا و أبو بصير و يحيى البزّاز و داود بن كثير في مجلس أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ خرج إلينا و هو مغضب، فلمّا أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب ما يعلم الغيب إلّا اللّه عزّ و جلّ، لقد هممت

____________

و فى علمه متعلق بيقدر و ما عطف عليه و فى بمعنى الباء أو حال عن فاعله اذ كانه فى علمه المحيط بجميع الاشياء أو حال عن ذى الحال الاول و قيل متعلق بفى علمه او بعالم، و لعل المراد أنه تعالى عالم بالشيء قبل أن يخلقه و يظهره للملائكة فى حال تقديره و قضائه و ذلك موقوف عنده لان ذلك الشيء فى محل البداء و للّه فيه المشيئة فيمضيه اذا أراد أمضاه و لا يمضيه اذا أراد عدم امضائه و هذا علم بالغيب مختص به و اما الّذي قدره و قضاه و أمضاه فهو الّذي أظهره للملائكة و الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، و بالجملة العلم قسمان علم موقوف و هو العلم بالاشياء قبل امضائها فى حال المشيئة و الإرادة و التقدير و القضاء فانها فى هذه المراتب فى محل البداء فاذا تعلق بهذا الامضاء بعد القضاء خرجت عن حد البداء و دخلت فى الاعيان و علم مبذول و هو العلم بالاشياء بعد تعلق الامضاء و ان شئت زيادة توضيح لهذا المقام فارجع الى ما ذكرناه فى شرح أحاديث باب البداء. قوله: (إليه فيه المشيئة)

(3) المشيئة مبتدأ و «فيه» متعلق بها و «إليه» خبر أى المشيئة فيه الى اللّه.

قوله (و هو مغضب)

(1) اسم مفعول من أغضبه شيء و لا بد أن يكون ذلك الشيء المغضب للّه تعالى لا لمقتضى النفس اذ مقتضاها لا يحركه الى الغضب فهو اما ما رآها من الجارية من خلاف الآداب، أو ما زعمه بعض الناس من أنه يعلم الغيب مثل اللّه تعالى سبحانه و يشاركه فى الالهية.

قوله (يا عجبا لاقوام)

(2) أى يا صحبى عجبت عجبا و السبب فى التعجب عن الشيء هو عدم اطلاع النفس على أسبابه لغموضها مع كونه فى نفسه أمرا غريبا و كلما كان الشيء أغرب و أسبابه أخفى كان أعجب و فيه أيضا اظهار بأنه لا يعلم الغيب مثله سبحانه و الا لم يخف عليه السبب ثم الغرض من هذا التعجب و اظهاره هو أن لا يتخذه الجهال إلها أو يدفع عن وهم بعض الحاضرين المنكر لفضله ما نسبوه إليه من العلم بالغيب حفظا لنفسه و الا

31

بضرب جاريتي فلانة، فهربت منّي فما علمت في أيّ بيوت الدّار هي؟ قال سدير:

فلمّا أن قام من مجلسه و صار في منزله دخلت أنا و أبو بصير و ميسّر و قلنا له:

جعلنا فداك سمعناك و أنت تقول كذا و كذا في أمر جاريتك و نحن نعلم أنّك تعلم علما كثيرا و لا ننسبك إلى علم الغيب قال: فقال: يا سدير أ لم تقرأ القرآن؟

قلت: بلى، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه عزّ و جلّ: «قٰالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» قال: قلت: جعلت فداك قد قرأته، قال: فهل عرفت الرّجل؟ و هل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟

____________

فهو (ع) كان عالما بما كان و ما يكون فكيف يخفى عليه مكان الجارية، فان قلت: اخباره بذلك على هذا يوجب الكذب، قلت: انما يوجب الكذب لو لم يقصد التورية (1) و قد قصدها فان المعنى فما علمت علما غير مستفاد منه تعالى بأنها فى أى بيوت الدار. و هذا حق فان علمه بذلك علم مستفاد و هذا العلم فى الحقيقة ليس علما بالغيب كما أشرنا إليه.

قوله (قال سدير فلما أن قام من مجلسه)

(1) هذا يدل على أن ذلك القول كان على سبيل التقية من بعض الحاضرين حيث لم يسألوه عنه فى ذلك المجلس.

قوله (علما كثيرا)

(2) و هو اما مصدر تعلم أو مفعوله.

قوله (و لا ننسبك الى علم الغيب)

(3) قالوا ذلك تحرزا عن التعجب المذكور و عن تخاطبه بما يكرهه ثم هذا القول منهم بعد اعترافهم بأنه يعلم كثيرا من الامور الكائنة بناء على أن علم الغيب علم غير مستفاد كعلم الواجب و اما علم غيره بالامور الغائبة عن الحواس فانما هو اطلاع على أمر غيبى كما أشرنا إليه.

قوله (قال فقال: يا سدير أ لم تقرأ القرآن)

(4) ملخص الجواب أمران أحدهما أنه (ع) أعلم من صاحب سليمان الّذي أحضر عرش بلقيس أقل من طرفة عين بعلمه و ثانيهما أنه عالم بجميع الاشياء و لا يخفى عليه شيء و ذلك لان كل شيء فى الكتاب و هو عالم بالكتاب كله فهو عالم بجميع الاشياء و قد دفع بذلك ما خالج قلب السائل من الكلام السابق من أنه لا يعلم بعض الاشياء.

قوله (قٰالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ)

(5) التنكير للتعظيم و التكثير و

____________

(1) قوله «لو لم يقصد التورية» تكلف عجيب من الشارح جوز الكذب على الامام (ع) تورية لئلا يلزم كذب الراوى و تضعيف الرواية و انى لا أرى التورية فى هذا المقام مناسبة لشأن المعصوم و لا اجوز الكذب عليه (ع) و ان اوجب تكذيب الراوى و طرح الرواية كيف و سليمان الديلمى الراوى من الكذابين الضعاف الذين لا يعتمد عليهم و غلوه لم يكن فى علمهم بالغيب بل هو فى امور اخر. (ش)

32

قال: قلت: أخبرني به؟ قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب؟! قال: قلت: جعلت فداك ما أقلّ هذا؟ فقال: يا سدير ما أكثر هذا أن ينسبه اللّه عزّ و جلّ إلى العلم الّذي اخبرك به يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه عزّ و جلّ أيضا: «قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ»؟ قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك. قال: أ فمن عنده علم الكتاب كلّه أفهم أمّن عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كلّه، قال: فأومأ بيده إلى صدره و قال: علم الكتاب و اللّه كلّه عندنا، علم الكتاب و اللّه كلّه عندنا.

[الحديث الرابع]

4- أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن، عن أحمد بن الحسن بن عليّ، عن عمرو ابن سعيد عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار الساباطيّ قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الامام: يعلم الغيب؟ فقال: لا و لكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه اللّه ذلك.

____________

الكتاب اللوح المحفوظ فدل ذلك على أنه كان عالما ببعض الكتاب لا بكله.

قوله (فهل عرفت الرجل)

(1) لم يعينه هنا و فى تعيينه اقوال ذكرناها سابقا.

قوله (و هل علمت ما كان عنده)

(2) أى شيء و أى قدر عنده من علم الكتاب.

قوله (فى البحر الاخضر)

(3) أى البحر المحيط سمى اخضر لسواد مائه و بعد عمقه و العرب تطلق الخضرة على السواد.

قوله (فما يكوى ذلك من علم الكتاب)

(4) أى أى قدر يكون ذلك الّذي علمه هذا الرجل من علم الكتاب و بالقياس إليه.

قوله (ما أقل هذا)

(5) تعجب فى قلته بالقياس الى علم الكتاب.

قوله (ما أكثر هذا)

(6) تعجب فى كثرته و عظمته بالنظر الى ذاته من جهة أنه تعالى ينسبه الى العلم الّذي أخبرك به و هو العلم الّذي ترتب عليه الاثر العظيم.

قوله (فمن عنده علم الكتاب كله أفهم)

(7) أى أعلم أم من عنده علم الكتاب بعضه، دل على ان اسم الجنس المضاف الى المعرفة من صيغ العموم فهو حجة لمن ذهب إليه.

قوله (قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الامام يعلم الغيب فقال لا)

(8) دل على أن علم الغيب علم غير مستفاد كعلم اللّه تعالى و علم الامام لما كان مستفادا منه تعالى لا يكون علما بالغيب حقيقة و قد يسمى أيضا علما بالغيب نظرا الى تعلقه بالامور الغائبة و به يجمع بين الاخبار التى دل بعضها على أنهم عالمون بالغيب و دل بعضها على أنهم غير عالمين به.

33

(باب) ان الائمة اذا شاءوا أن يعلموا علموا

[الحديث الأول]

1- عليّ بن محمّد و غيره، عن سهل بن زياد، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي الرّبيع الشامي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ الإمام إذا شاء أن يعلم علم.

[الحديث الثاني]

2- أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن بدر بن الوليد، عن أبي الرّبيع، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إنّ الامام إذا شاء أن يعلم اعلم.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن أبي عبيدة المدائني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا أراد الامام أن يعلم شيئا أعلمه اللّه ذلك. (1)

(باب) أن الائمة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون و انهم لا يموتون الا باختيار منهم

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن سليمان بن سماعة و عبد اللّه بن محمّد، عن عبد اللّه بن القاسم البطل، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أيّ إمام لا يعلم ما يصيبه و إلى ما يصير، فليس ذلك بحجّة للّه على خلقه.

____________

قوله (أن الامام اذا شاء أن يعلم علم)

(1) بفتح العين و كسر اللام أو بضم العين و كسر اللام و شدها من التعليم. و فيه دلالة على أن جهلهم بالشيء عبارة عن عدم حصوله بالفعل و يكفى فى حصوله مجرد توجه النفس و السبب فى ذلك هو أن النفس الناطقة اذا قويت حتى صارت نورا إلهيا لم يكن اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالحضرة الالهية، فهى و الحالة هذه اذا توجهت الى الجناب القدس لاستعلام ما كان و ما سيكون و ما هو كائن أفيضت عليها الصور الكلية و الجزئية بمجرد التوجه من غير تجشم كسب و تمهيد مقدمات.

قوله (أى امام لا يعلم ما يصيبه)

(2) الغرض منه ان الامام لا بد أن يكون عالما بكل شيء حتى ما يصيبه و ما يصير إليه و الا فلا يصلح أن يكون حجة اللّه و خليفته على خلقه لان خليفته

____________

(1) قوله (عليه السلام) فى الحديث الرابع من الباب السابق «اعلمه اللّه ذلك» اذا كان حصول العلم بهذه السهولة صدق انه عالم بما كان و ما يكون و ما هو كائن، و احاديث الباب و ان كان جميعها ضعيفة لكنها لا تخالف اصول المذهب. (ش)

34

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محمّد بن بشّار. قال:

حدّثني شيخ من أهل قطيعة الرّبيع من العامّة ببغداد ممّن كان ينقل عنه، قال:

قال لي: قد رأيت بعض من يقولون بفضله من أهل هذا البيت، فما رأيت مثله قطّ في فضله و نسكه فقلت له: من؟ و كيف رأيته؟ قال: جمعنا أيّام السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه المنسوبين إلى الخير، فادخلنا على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال لنا السندي، يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرّجل هل حدث به حدث؟ فانّ الناس يزعمون أنّه قد فعل به و يكثرون في ذلك و هذا منزله و فراشه موسّع عليه غير مضيّق و لم يرد به أمير المؤمنين سوءا و إنّما ينظر به أن يقدم فيناظر أمير المؤمنين و هذا هو صحيح موسّع عليه في جميع اموره، فسلوه، قال: و نحن ليس لنا همّ إلّا النظر إلى الرّجل و إلى فضله و سمته، فقال: موسى بن جعفر (عليهما السلام): أمّا ما ذكر من التوسعة و ما أشبهها فهو على ما ذكر غير أنّي اخبركم أيّها النفر أنّي قد سقيت السمّ في سبع تمرات و أنا غدا أخضرّ و بعد غد أموت قال: فنظرت إلى السندي بن شاهك يضرب و يرتعد مثل السعفة.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن عبد اللّه ابن أبي جعفر قال: حدّثني أخي، عن جعفر، عن أبيه أنّه أتى عليّ بن الحسين-

____________

قائم مقامه فيجب أن يكون عالما بكل شيء مثله.

قوله (من أهل قطيعة الربيع)

(1) القطيعة كشريعة محال ببغداد أقطعها المنصور أناسا من أعيان دولته ليعمروها و يسكنوها.

قوله (جمعنا)

(2) على صيغة المجهول و قوله «ثمانين» حال عن ضمير المتكلم و يحتمل أن يكون على صيغة المعلوم و ثمانين مفعوله.

قوله (قد فعل به)

(3) يعنى قد قتل.

قوله (و لم يرد به أمير المؤمنين سوءا)

(4) أراد به هارون الرشيد- لعنه اللّه-.

قوله (و الى فضله و سمته)

(5) المراد بالفضل آثاره، و بالسمت الهيئة الحسنة و هى هيئة أهل الخير.

قوله (أيها النفر)

(6) النفر بالتحريك و التسكين و النفرة و النفير الجماعة من الناس.

قوله (انى قد سقيت السم فى سبع تمرات)

(7) قال الصدوق سمه هارون الرشيد لعنه اللّه فقتله و قال الشهيد الاول قبض مسموما ببغداد فى حبس السندى بن شاهك لعنه اللّه لست بقين من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة و قيل يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة احدى و ثمانين و مائة.

قوله (مثل السعفة)

(8) السعفة بالتحريك غصن النحل.

قوله (عن عبد اللّه بن أبى جعفر)

(9) المراد بأبى جعفر الباقر (عليه السلام).

35

(عليهما السلام) ليلة قبض فيها بشراب فقال: يا أبه اشرب هذا فقال: يا بنيّ إنّ هذه اللّيلة الّتي اقبض فيها و هي اللّيلة التي قبض فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

[الحديث الرابع]

4- عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرّضا (عليه السلام): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عرف قاتله و اللّيلة التي يقتل فيها و الموضع الذي يقتل فيه و قوله لمّا سمع صياح الاوزّ في الدّار: «صوائح تتبعها نوائح» و قول أمّ كلثوم: لو صلّيت اللّيلة داخل الدّار و أمرت غيرك يصلّي بالناس، فأبى عليها و كثر دخوله و خروجه تلك اللّيلة بلا سلاح و قد عرف (عليه السلام) أنّ ابن ملجم

____________

قوله (عن جعفر)

(1) المراد به الصادق (ع)

قوله (بشراب)

(2) المراد به شراب طاهر حلال مثل ما يتداوى به المرضى.

قوله (يا أبه)

(3) أصله يا أبى قلبت الياء الفا للتخفيف، ثم حذفت الألف اكتفاء بفتح ما قبلها ثم أدخلت الهاء للوقف.

قوله (ان هذه الليلة التى أقبض فيها)

(4) قال الصدوق- ره- سمه الوليد بن عبد الملك لعنه اللّه فقتله.

قوله (الاوز)

(5) الاوز و الاوزة بكسر الهمزة و فتح الواو و الزاء شدها: البط.

قوله (لو صليت الليلة)

(6) لو للتمنى او للشرط و الجزاء محذوف.

قوله (و قد عرف (ع) ان ابن ملجم لعنه اللّه قاتله بالسيف)

(7) قال الابى فى كتاب اكمال الاكمال ان عليا رضى اللّه عنه لما استأصل الخوارج بالنهروان و فلت منهم اليسير و كان من جملتهم عبد الرحمن بن ملجم المرادى من قبيلة بنى حمير من حلفاء المراد، و البكر الصيرفى (1) و بكر بن عمر التميمى فاجتمع الثلاثة بمكة فتذاكروا أمر الناس و عابوا أعمالهم و تراحموا على من قتل من قبل من أصحابهم بالنهروان قالوا ما نصنع بالبقاء بعد اخواننا فلو قتلنا أئمة الضلالة. فقال ابن ملجم أنا أكفيكم عليا، و قال البكر أنا أكفيكم معاوية و قال بكر بن عمر أنا أكفيكم عمرو بن العاص، و ما أفسد أمر الامة غيره، فتعاهدوا على ذلك عند البيت و توثقوا على ان لا يرجع احد من صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه و تواعدوا أن يفعلوا ذلك صلاة الصبح فى السابع عشر من شهر رمضان فسموا بسيوفهم و خرجوا آخر رجب فأتى ابن ملجم الكوفة و بها ناس من الخوارج ممن قتل آباؤهم و اخوانهم يوم النهروان فاخبرهم بما جاء له فاستمكنهم و انتدب الى قتله معه شبيب بن بجرة و وردان بن مجالد، و لما كانت ليلة الميعاد قعدوا مقابلين لباب السدة التى يخرج منها على و كان يخرج كل غداة لاول الاذان يوقظ الناس لصلاة الصبح فضربه شبيب فوقع سيفه على عضادة الباب و ضربه

____________

(1) فى مروج الذهب و تاريخ الخلفاء و كتب آخر «برك» مكان البكر.

36

لعنه اللّه قاتله بالسيف كان هذا ممّا لم يجز تعرّضه، فقال: ذلك كان و لكنّه خيّر في تلك اللّيلة لتمضي مقادير اللّه عزّ و جلّ.

____________

ابن ملجم على عاتقه و هرب وردان فدخل منزله فدخل عليه رجل من بنى امية فقال له ما هذا السيف فأخبره بالقصة فخرج الرجل فجاء بسيفه و علابه وردان حتى قتله و دخل شبيب بين الناس فنجى بنفسه، و قال على رضى اللّه عنه فى ابن ملجم: لا يفوتنكم الرجل، فضرب رجل من همدان رجله و ضرب مغيرة بن نوفل بن حارث عبد المطلب وجهه بقصبة فصرعه و أتى به الحسن ثم قال على رضى اللّه عنه: على بالرجل، فأدخل عليه مكتوفا فقال أى عدو اللّه أ لم أحسن أليك؟ قال: بلى قال: فما حملك على هذا قال شحذته أربعين صباحا و سألت اللّه أن يقتل به شر خلقه، قال على رضى اللّه عنه لا أراك الا مقتولا به و قال للحسن: النفس بِالنَّفْسِ ان هلكت فاقتلوه و لا تمثلوا و ان بقيت رأيت فيه رأيى و قبض رضى اللّه عنه ليلة تسعة عشر من رمضان سنة أربعين و خرج به ليلا فدفن بظهر الكوفة خوف أن ينبشه الخوارج و اختلف فى سنه فقيل سبع و خمسون و قيل ستون و قيل ثلاث و ستون و هو الصحيح و كانت خلافته خمس سنين غير ثلاثة أشهر و كان على اوصى الحسن و قال ان أنامت فاضربه ضربة كضربة. و أما البكر الصيرفى فقعد لمعاوية فى الليلة التى ضرب فيها على (ع) فلما خرج ضربه فوقع السيف فى أليتيه فأخذ فقال لمعاوية ان عندى خبرا يسرك فهل ذلك نافعى ان أخبرتك قال: نعم قال ان لى أخا قتل فى هذه الساعة عليا قال لعله لم يقدر على ذلك قال: ان عليا يخرج و ليس معه من يحرسه فأمر به معاوية فقتل و قيل انه حبسه حتى جاءه خبر على فقطع يده و خلى سبيله و بعث معاوية الى الطبيب الساعدى فلما نظر إليه قال اختر اما أن أحمى حديدة واضعها فى موضع السيف و أما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد و تبرأ فان ضربتك مسمومة قال أما النار فلا صبر لي عليها و أما انقطاع الولد ففى يزيد و عبد اللّه ما تقربه العين فسقاه تلك الشربة فبرأ و لم يولد له، و أما بكر بن عمر فجلس لعمرو بن العاص فلم يخرج عمرو تلك الليلة لانه كان اشتكى بطنه و أمر خارجة أن يصلى بالناس و كان خارجة على شرط عمرو و قضائه فخرج ليصلى فشد عليه و هو يرى أنه عمرو فضربه فقتله و أخذه الناس فانطلقوا به الى عمرو فسلموا عليه بالامامة فقالوا من هذا؟ فقالوا عمرو قال فمن قتلت اذا؟ قالوا خارجة. فقال أما و اللّه يا فاسق ما أردت غيرك قال عمرو: أردتنى و أراد اللّه خارجة و سأله عمرو عن خبره فاخبره أن عليا و معاوية قتلا فى هذه الليلة فقال قتلا أو لم يقتلا لا بد من قتلك فأمر بقتله فبكى فقيل أ جزعا من الموت بعد الاقدام قال لا و اللّه و لكن أبكى على أن يفوز صاحباى و لا أفوز أنا بقتل عمرو فضربت عنقه و صلب.

قوله (هذا مما لم يحل تعرضه)

(1) فى بعض النسخ «مما لم يجز» و فى بعض النسخ «مما لم

37

[الحديث الخامس]

5- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ غضب على الشيعة فخيّرني نفسي أو هم فوقيتهم و اللّه بنفسي.

[الحديث السادس]

6- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن مسافر أنّ أبا الحسن الرّضا (عليه السلام) قال له: يا مسافر هذه القناة فيها حيتان؟ قال: نعم جعلت فداك، فقال:

إنّي رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) البارحة و هو يقول: يا عليّ ما عندنا خير لك.

____________

يحن» بالحاء المهملة و النون من حان بمعنى قرب و المعنى واحد.

قوله (و لكنه خير فى تلك الليلة)

(1) أى خير فيها بين البقاء و اللقاء فاختار اللقاء ليمضى تقدير اللّه تعالى و الوقوع فى الهلكة غير جائز اذا لم يكن بامر اللّه تعالى و رضائه و الا فهو جائز بل واجب مثل هذا و فعل الحسين (ع) و فعلنا فى الجهاد مع الاثنين.

قوله (ان اللّه عز و جل غضب)

(2) على الشيعة لكثرة مخالفتهم و قلة اطاعتهم و عدم نصرتهم للامام الحق.

قوله (فخيرنى نفسى أو هم)

(3) أى فخيرنى بين إرادة موتى أو موتهم ليتحقق المفارقة بينى و بينهم فوقيتهم و اللّه بنفسى للشوق الى لقاء اللّه تعالى و للشفقة عليهم و لئلا ينقطع نسل الشيعة بالمرة و لتوقع أن يخرج من أصلابهم رجال صالحون.

قوله (قال له: يا مسافر هذه القناة فيها حيتان قال: نعم جعلت فداك)

(4) لعله (ع) يخبره بما سيراه فى قبره من الماء و الحيتان، بيانه ما رواه الصدوق فى كتاب عيون أخبار الرضا (ع) باسناده عن أبى الصلت الهروى فى كلام طويل يأمره (ع) بكيفية حفر القبر و شق اللحد حتى قال: و اذا فعلوا ذلك يعنى الحفر و اللحد فانك ترى عند رأسى نداوة فتكلم بالكلام الّذي اعلمك فانه ينبع الماء حتى يمتلى اللحد و ترى فيه حيتانا صغارا ففتت لها الخبز الّذي أعطيك فانها تلتقطه فاذا لم يبق منه شيء خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتى لا يبقى منها شيء، ثم تغيب فاذا غابت فضع يدك على الماء ثم تكلم بالكلام الّذي أعلمك فانه ينضب الماء و لا يبقى منه شيء و لا تفعل ذلك الا بحضرة المامون- الى ان قال- فلما ظهر من النداوة و الحيتان و غير ذلك قال المأمون لم يزل الرضا (ع) يرينا عجائبه فى حياته حتى أراناها بعد وفاته أيضا فقال له وزير كان معه أ تدري ما أخبرك بها الرضا (ع) قال: لا قال انه أخبرك أن ملككم يا بنى العباس مع كثرتكم و طول مدتكم مثل هذه الحيتان حتى اذا فنيت آجالكم و انقطعت آثاركم و ذهبت دولتكم سلط اللّه تعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم قال له صدقت» و هذا الّذي ذكرنا أحسن مما قيل من أن

38

[الحديث السابع]

7- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كنت عند أبي في اليوم الّذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله و في كفنه و في دخوله قبره، فقلت: يا أبه و اللّه ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن منك اليوم، ما رأيت عليك أثر الموت، فقال: يا بنيّ! أ ما سمعت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام) ينادي من وراء الجدار يا محمّد؟ تعال، عجّل.

[الحديث الثامن]

8- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أنزل اللّه تعالى النصر على الحسين (عليه السلام) حتّى كان [ما] بين السماء و الأرض ثمّ خيّر: النصر أو لقاء اللّه، فاختار لقاء اللّه تعالى.

(باب) أن الائمة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان و ما يكون و انه لا يخفى عليهم الشيء (صلوات اللّه عليهم)

[الحديث الأول]

1- أحمد بن محمد و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن سيف التمّار قال: كنّا مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة و يسرة فلم نر أحدا، فقلنا:

ليس علينا عين فقال: و ربّ الكعبة و ربّ البنيّة- ثلاث مرّات- لو كنت بين موسى

____________

علمى بما أقول كعلمى بوجود الحيتان فى هذه القناة.

قوله (يا محمد تعال)

(1) قال صاحب الكنز تعال بفتح اللام أمر است از تعالى يتعالى يعنى بيا.

قوله (فاختار لقاء اللّه تعالى)

(2) انما اختار لقاء اللّه دون النصر و بقاء الحياة الدنيوية لان ميله الى الثانى ميل طبيعى حيوانى و هو فى معرض الزوال و الفناء و ميله الى الاول ميل عقلى باق أبدا فأين أحدهما عن الاخر كيف لا؟ و قد قال سيد العارفين أمير- المؤمنين (ع) «و اللّه لابن أبى طالب آنس بالموت من الطفل بثدى أمه» و كذلك اختار سيد المرسلين (ص) الموت من البقاء فى الدنيا حين خيره اللّه تعالى بينهما فى مرض الموت. و يدل على وفور رغبة الاولياء فى الموت قوله تعالى «إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيٰاءُ لِلّٰهِ مِنْ دُونِ النّٰاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ».

قوله (علينا عين)

(3) أى رقيب و جاسوس،

قوله (و رب البنية)

(4) البنية كفعلية الكعبة.

39

و الخضر لا خبرتهما أنّي أعلم منهما و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى و الخضر (عليهما السلام) اعطيا علم ما كان و لم يعطيا علم ما يكون و ما هو كائن حتّى تقوم الساعة و قد ورثناه من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) وراثة.

[الحديث الثاني]

2- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة، و عدّة من أصحابنا منهم عبد الأعلى و أبو عبيدة و عبد اللّه بن بشر الخثعمي سمعوا أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّي لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض و أعلم ما في الجنّة و أعلم ما في النار و أعلم ما كان و ما يكون، قال: ثمّ مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب اللّه عزّ و جلّ، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فيه تبيان كلّ شيء.

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن محمّد، عن سهل، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن جماعة بن سعد الخثعمي أنّه قال: كان المفضّل عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له المفضّل جعلت فداك يفرض اللّه طاعة عبد على العباد و يحجب عنه خبر السماء؟ قال: لا، اللّه أكرم و أرحم و أرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثمّ يحجب عنه خبر السماء صباحا و مساء.

[الحديث الرابع]

4- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس

____________

قوله (و الخضر)

(1) الخضر بالكسر صاحب موسى (ع) (1) و يقال الخضر مثل كبد و كبد و هو الافصح.

قوله (فيه تبيان كل شيء)

(2) أى كشفه و إيضاحه و فيه دفع لاستبعاد السامع اذ تحقق تبيانه يقتضي أن يكون هناك عالم ببيانه و الاقرار بالملزوم يقتضي الاقرار باللازم.

قوله (عن جماعة بن سعد الخثعمى)

(3) ما رأيته بهذه النسبة فى كتب الرجال و الّذي فيه جماعة بن سعد الجعفى الصائغ و هو ضعيف يروى عن أبى عبد اللّه (ع).

قوله (و يحجب عنه خبر السماء)

(4) أى خبر السماء و أهلها و خبر أعمالهم أو خبر يأتيه من جهة السماء و هو الّذي يأتى به الملائكة و يحدثه. و الا خير أنسب بسياق الكلام. و الاضافة حينئذ لادنى ملابسة.

____________

(1) قوله «و الخضر صاحب موسى» و يشكل على هذه الرواية بأن الخضر كان عالما بما يكون أيضا حيث اخبر بما يفضى إليه أمر الغلام الّذي قتله و الجواب أن الرواية ضعيفة لان ابراهيم بن اسحاق الاحمر كان ضعيفا غاليا لا يعبأ به و محمد بن الحسين فى الاسناد مصحف و الظاهر أنه محمد بن الحسن الصفار. (ش)

40

الكناسي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول- و عنده اناس من أصحابه-: عجبت من قوم يتولّونا و يجعلونا أئمّة و يصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ يكسرون حجّتهم و يخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصونا حقّنا و يعيبون ذلك على من أعطاه اللّه برهان حقّ معرفتنا و التسليم لأمرنا، أ ترون أنّ اللّه تبارك و تعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثمّ يخفي عنهم أخبار السماوات و الأرض و يقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم؟! فقال له حمران جعلت فداك أ رأيت ما كان من أمر قيام عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و خروجهم و قيامهم بدين اللّه عزّ ذكره و ما اصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم و الظفر بهم حتّى قتلوا و غلبوا؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران إنّ اللّه تبارك و تعالى قد كان قدّر ذلك عليهم و قضاه و أمضاه و حتمه على سبيل الاختيار ثمّ أجراه. فبتقدّم

____________

قوله (ثم يكسرون حجتهم و يخصمون أنفسهم)

(1) لان حجتهم على المخالفين بأن امامهم أعلم من امامهم فاذا قالوا بأن امامهم ليس عالما بجميع الاشياء فقد كسروا حجتهم و خصموا أنفسهم اذ للمخالفين ان يقولوا لا فرق بيننا و بينكم فى أن إمامنا و إمامكم سواء فى العلم و عدمه.

قوله (بضعف قلوبهم)

(2) لعدم قوتها و معرفتها حق الامام بنسبة ما لا يليق إليه من الجهل بالمعارف و الاحكام.

قوله (فينقصونا حقنا)

(3) «حقنا» بدل عن الضمير المتكلم مع الغير، و المراد به العلم بجميع الاشياء حيث يعتقدون أن لا علم لنا بجميعها.

قوله (و يعيبون ذلك)

(4) أى يذمون من عرفنا بالفضل و كمال العلم حق المعرفة و سلم لامرنا من العلم التام و ينكرون ذلك عليه.

قوله (و يقطع عنهم مواد العلم)

(5) بأن لا يرد عليهم من اللّه تعالى علم فيما يرد عليهم مما فيه قوام دينهم و احتياجهم فى كماله كالخلفاء الجاهلين بأكثر أموره.

قوله (فقال له حمران)

(6) كأنه قال: ان كان لهم العلم بجميع الامور لم أقدموا على ما فيه هلاكهم ما ذكر، و حاصل الجواب أنه كان لهم علم بذلك باخبار الرسول و أقدموا عليه بعد تقدير اللّه تعالى ذلك و أمره اياهم على سبيل التخيير بينه و بين عدمه و قضائه و امضائه بعد اختيارهم ليبلغوا درجة الشهادة و محل الكرامة منه تعالى، و لئلا يبقى للخلق حجة عليه بسكوت الجميع و قعودهم و من لم يقدم منا كان ذلك أيضا بأمره جل شأنه لمصلحة و بالجملة كل من القيام و عدمه و السكوت و عدمه منا انما كان بأمر اللّه تعالى.

41

علم إليهم من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قام عليّ و الحسن و الحسين (عليهم السلام): و بعلم صمت من صمت منّا و لو أنّهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من أمر اللّه عزّ و جلّ و إظهار الطواغيت عليهم سألوا اللّه عزّ و جلّ أن يدفع عنهم ذلك و ألحّوا عليه في طلب إزالة ملك الطواغيت و ذهاب ملكهم، إذا لأجابهم و دفع ذلك عنهم، ثمّ كان انقضاء مدّة الطواغيت و ذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدّد، و ما كان ذلك الذي أصابهم يا حمران لذنب اقترفوه، لا لعقوبة معصية خالفوا اللّه فيها، و لكن لمنازل و كرامة من اللّه أراد أن يبلغوها، فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم.

[الحديث الخامس]

5- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن هشام بن الحكم قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بمنى عن خمسمائة حرف من الكلام فأقبلت أقول: يقولون كذا و كذا قال: فيقول: قل كذا و كذا، قلت: جعلت فداك هذا الحلال و هذا الحرام أعلم أنّك صاحبه و أنّك أعلم الناس به و هذا هو الكلام؟ فقال لي: ويك يا هشام [لا] يحتجّ اللّه تبارك و تعالى على خلقه بحجّة لا يكون عنده كلّ ما يحتاجون إليه.

____________

قوله (و لو أنهم يا حمران)

(1) كما هم كانوا مخيرين بين القيام و عدمه و اختاروا القيام لامر اللّه تعالى على سبيل التخيير كذلك كانوا مخيرين بين الدعاء عليهم بالاستيصال و تركه و اختاروا الترك شوقا الى لقاء اللّه تعالى ليزداد مثوبتهم و استدراجا للطواغيت ليشتد عقوبتهم، و ايقانا بسرعة انقطاع ملكهم و تفرق جمعهم.

قوله (اسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد)

(2) السلك بالكسر الخيط الّذي ينظم فيه اللؤلؤ، و التبدد التفرق شبه اتصال ابتداء دولتهم بانقطاعها باتصال انقطاع السلك بتفرق ما هو منظوم فيه مبالغة فى السرعة.

قوله (و ما كان ذلك الّذي أصابهم)

(3) هذا حق لا ريب فيه لان المصائب و البلايا فى الدنيا انما تتوجهان الى الخلق باعتبار قربهم من الحق فكلما كان القرب أشد كان لحوق المصائب أقوى و اكثر.

قوله (فلا تذهبن بك المذاهب فيهم)

(4) بأن تنسب إليهم الجهل و العجز و استحقاق العقوبة و نحوها مما يوجب النقص.

قوله (عن خمسمائة حرف من الكلام)

(5) أى عن خمسمائة مسئلة من علم الكلام و شبهاتهم فيه.

قوله (و هذا هو الكلام)

(6) أى هذا الّذي سألتك هو علم الكلام و مسائله و لم يكن لى علم بانك عارف به حق المعرفة.

قوله (يا هشام يحتج اللّه تعالى)

(7) هذا على سبيل الانكار أى لا يكون ذلك الاحتجاج

42

[الحديث السادس]

6- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا و اللّه لا يكون عالم جاهلا أبدا، عالما بشيء جاهلا بشيء، ثمّ قال: اللّه أجلّ و أعزّ و أكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه و أرضه، ثمّ قال: لا يحجب ذلك عنه.

(باب) ان اللّه عزّ و جلّ لم يعلم نبيه علما الا امره ان يعلمه امير المؤمنين و أنه كان شريكه فى العلم

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن عبد اللّه بن سليمان، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) برمّانتين فأكل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إحداهما و كسر الاخرى بنصفين فأكل نصفا و أطعم عليّا (عليه السلام) نصفا ثمّ قال رسول اللّه: يا أخي هل تدري ما هاتان الرمّانتان؟

قال: لا؟ قال: أمّا الاولى فالنبوّة، ليس لك فيها نصيب، و أمّا الاخرى فالعلم أنت شريكي

____________

أبدا اذ وجب أن يكون حجته تعالى على الخلق عالما بجميع ما يحتاجون إليه الى يوم القيامة. و للعامة هنا كلام لا بأس أن نشير إليه فنقول قال الابى فى كتاب اكمال الاكمال:

اشترط غلاة الشيعة أن يكون الامام صاحب معجزات و عالما بالغيب و بجميع اللغات و بطبائع الاشياء و عجايب الارض و السماوات و هذا كله باطل للاجماع على صحة عقد الامامة لابى بكر و عمر و عثمان مع عرائهم من ذلك انتهى. و فيه أن الشيعة لا يسلمون انعقاد الاجماع على إمامة هؤلاء المذكورين كيف، و كثير من الصحابة المعروفين بالفضل و الصلاح عندنا و عندهم لم يبايعوهم منهم سلمان و المقداد و طلحة و الزبير و عباس و عمار و أبى ذر و اخراجه من المدينة الى الشام ثم الى الربذة مشهور، و قد صرحوا أيضا بجميع ذلك كما نقلنا عنهم سابقا.

قوله (لا و اللّه لا يكون عالم)

(1) اى لا يكون امام عالم بشيء جاهلا بشيء آخر أبدا فان هذا لا يصلح أن يكون إماما للخلق و خليفة للّه. و فيه رد على اصحاب الثلاثة حيث يجيزون أن يكون الامام جاهلا ببعض الشريعة بل بأكثرها و أن يقتدى فيما جهله برعيته و يقولون لا يجوز أن يكون جاهلا بجميعها. و أنت خبير بأن هذا باطل بالضرورة و أنه لا فرق بين الجاهل بالبعض و الجاهل بالجميع فكما لا يصلح الثانى للامامة كذلك لا يصلح الاول لها.

قوله (اما الاولى فالنبوة)

(2) لما كان ارسال إحداهما لاجل النبوة و الاخرى لاجل العلم و كان فى العلم شركة دون النبوة وقع الاختصاص بإحداهما و الاشتراك

43

فيه، فقلت: أصلحك اللّه كيف كان يكون شريكه فيه؟ قال: لم يعلّم اللّه محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) علما إلّا و أمره أن يعلّمه عليّا (عليه السلام).

[الحديث الثاني]

2- عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) برمّانتين من الجنّة فأعطاه إيّاهما فأكل واحدة و كسر الاخرى بنصفين فأعطى عليّا (عليه السلام) نصفها فأكلها، فقال: يا عليّ أمّا الرمّانة الاولى التي أكلتها فالنبوّة ليس لك فيها شيء و أمّا الاخرى فهو العلم فأنت شريكي فيه.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس، عن ابن اذينة، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: نزل جبرئيل على محمّد (صلى اللّه عليه و آله) برمّانتين من الجنّة فلقيه عليّ (عليه السلام) فقال: ما هاتان الرمّانتان اللّتان في يدك؟ فقال: أمّا هذه فالنبوّة، ليس لك فيها نصيب، و أمّا هذه فالعلم، ثمّ فلقها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بنصفين فأعطاه نصفها و أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نصفها ثمّ قال: أنت شريكي فيه و أنا شريكك فيه، قال: فلم يعلم و اللّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حرفا ممّا علّمه اللّه عزّ و جلّ إلّا و قد علّمه عليّا ثمّ انتهى العلم إلينا، ثمّ وضع يده على صدره.

(باب) جهات علوم الائمة (عليهم السلام)

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن عمّه حمزة بن بزيع، عن عليّ السائي، عن أبي الحسن الأوّل موسى (عليه السلام) قال: قال: مبلغ علمنا

____________

فى الاخرى و ربما يفهم منه أن درجة النبي فوق درجة الوصى بثلاث مراتب.

قوله (كيف كان يكون شريكه)

(1) لما كان المتبادر من الشركة فى أمر اختصاص كل من الشريكين بحصة فيه ليس للآخر فيها نصيب و هو ليس بمراد هنا سأل عن كيفية الشركة هنا فأجاب بأن المراد بها علم كل منهما جميع ما يعلمه الاخر الا أن لاحدهما حق التعليم على الاخر.

قوله (عن على السائى)

(2) هو على بن السويد السائى من أصحاب الرضا (ع) ثقة منسوب الى الساءة بالسين المهملة قرية قريبة من المدينة.

قوله (ماض و غابر و حادث)

(3) الغابر الباقى و الماضى من الاضداد و المراد به هنا الثانى.

قوله (فاما الماضى فمفسر)

(4) يعنى الماضى الّذي تعلق علمنا به و هو كل ما كان

44

على ثلاثة وجوه: ماض و غابر و حادث، فأمّا الماضي فمفسّر، و أمّا الغابر فمزبور، و أمّا الحادث فقذف في القلوب و نقر في الأسماع و هو أفضل علمنا و لا نبيّ بعد نبيّنا.

[الحديث الثاني]

2- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن عليّ بن موسى، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): [قال] قلت: أخبرني عن علم عالمكم؟ قال: وراثة من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و من عليّ (عليه السلام) قال: قلت: إنّا نتحدّث أنّه يقذف في قلوبكم و ينكت في آذانكم؟ قال: أو ذاك.

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عمّن حدّثه، عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): روّينا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: إنّ علمنا غابر و مزبور و نكت في القلوب و نقر في الأسماع، فقال: أمّا الغابر فما تقدّم من علمنا، و أمّا المزبور فما يأتينا، و أمّا النكت في القلوب، فالهام، و أمّا النقر في الأسماع فأمر الملك.

(باب) أن الائمة (عليهم السلام) لو ستر عليهم لاخبروا كل امرئ بما له و عليه

[الحديث الأول]

1- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن-

____________

مفسرا لنا بالتفسير النبوى، و الغابر المحتوم الّذي تعلق علمنا به و هو كل ما يكون مزبورا مكتوبا عندنا بخط على (ع) و املاء الرسول و املاء الملائكة كما مر فى تفسير الجامعة و مصحف فاطمة (عليها السلام)، و الحادث الّذي يتعلق علمنا به و هو كل ما يتجدد فى إرادة اللّه تعالى و يحتمه بعد ما كان فى معرض البداء قذف فى قلوبنا بالهام ربانى و نقر فى أسماعنا بتحديث الملك و هذا القسم الاخير أفضل علمنا لاختصاصه بنا و لحصوله لنا من اللّه بلا واسطة بشر بخلاف الاولين لحصولهما بالواسطة و لعدم اختصاصهما بنا اذ قد اطلع على بعضها بعض خواص الصحابة مثل سلمان و أبى ذر باخبار النبي و بعض خواص أصحابنا مثل زرارة و غيره بقراءة بعض مواضع كتاب على (ع).

قوله (و لا نبى بعد نبينا)

(1) دفع بذلك توهم من يتوهم أن كل من قذف فى قلبه و نقر فى سمعه فهو نبى. و هذا التوهم فاسد لانه محدث و المحدث ليس بنبي كما مر.

قوله (وراثة)

(2) أخبر بالقسمين الاولين و سكت عن الثالث لغرابته، ثم أخبر به بعد السؤال عنه فقد ظهر أن جهات علومهم ثلاثة.

45

أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن عبد الواحد بن المختار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):

لو كان لألسنتكم أو كية لحدّثت كلّ امرئ بما له و عليه.

[الحديث الثاني]

2- و بهذا الاسناد، عن أحمد بن محمّد، عن ابن سنان، عن عبد اللّه بن مسكان قال: سمعت أبا بصير يقول: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): من أين أصاب أصحاب عليّ ما أصابهم مع علمهم بمناياهم و بلاياهم؟ قال: فأجابني- شبه المغضب-: ممّن ذلك إلّا منهم؟! فقلت: ما يمنعك جعلت فداك؟ قال: ذلك باب اغلق إلّا أنّ الحسين ابن عليّ (صلوات اللّه عليهما) فتح منه شيئا يسيرا ثم قال: يا أبا محمّد! إنّ اولئك كانت على أفواههم أوكية.

____________

قوله (أوكية)

(1) جمع وكاء ككساء و هو رباط القربة و غيرها، شبه الحالة التى تمنع الانسان عن التكلم بما يضره بالوكاء الّذي يشد به رأس القربة للافصاح و الايضاح.

قوله (من أين أصاب أصحاب على ما اصابهم مع علمهم بمناياهم و بلاياهم)

(2) «ما» للتفخيم و التعظيم، و المراد به الامور الغريبة التى اخبرهم بها (ع) و الظرف أعنى «مع» حال عن فاعل أصابهم، و المراد بأصحاب على خواص أصحابه و هم أصحاب سره لا كلهم يعنى من أى سبب أصاب أصحاب على (ع) من العلوم الغريبة و الرموز السرية حال كونها مقرونة مع ما أصابهم من علمهم بمناياهم و بلاياهم كل ذلك باخباره (ع) اياهم.

قوله (شبه المغضب)

(3) لعل سبب غضبه عدم وجدانه من أصحابه من يصلح ان يكون محلا لاسراره و قابلا لاظهارها عليه.

قوله (ممن ذلك الا منهم)

(4) «ذلك» مبتدأ اشارة الى السبب الّذي سأل السائل عنه و «ممن» خبره و ضمير «منهم» راجع الى أصحاب على (ع) أى ذلك السبب الّذي يوجب اظهار الامور الغريبة و الاسرار العجيبة ممن يكون الا منهم فانهم لصلاحهم و رعاية حقوق امامهم صاروا قابلين لاظهار السر عليهم.

قوله (ما يمنعك)

(5) مفعوله محذوف بقرينة المقام أى ما يمنعك اظهار السر على أصحابك كما أظهره على (ع) على أصحابه.

قوله (ذلك باب أغلق)

(6) ذلك اشارة الى اظهار السر المعلوم بحسب المقام و اغلاق بابه كناية عن عدم جواز اظهاره لعدم الوكاء على السنة الناس كما يشير إليه آخر الحديث.

قوله (ان اولئك كانت على أفواههم أوكية)

(7) فلذلك صاروا قابلين لاظهار الاسرار و أما أصحابنا فلما لم تكن على أفواههم أوكية لم يجز لنا اظهارها عليهم لانه يصير سببا لسفك دمائنا و دمائهم، و أولئك اشارة الى أصحاب على و أصحاب الحسين (عليهما السلام).

46

(باب) التفويض الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الى الائمة (عليهم السلام) فى أمر الدين

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن عليّ بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النحوي قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسمعته يقول: إنّ اللّه عزّ و جلّ أدّب نبيّه على محبّته فقال: «وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ». ثمّ فوّض إليه فقال عزّ و جلّ:

____________

قوله (عن ابى اسحاق النحوى)

(1) هو ثعلبة بن ميمون و كان وجها فى أصحابنا قاريا فقيها نحويا لغويا عابدا زاهدا ثقة.

قوله (أدب نبيه على محبته)

(2) التأديب تعليم الادب و هو ما يدعو الى المحامد من الاعمال الصالحة و الاخلاق الفاضلة و قوله «على محبته» متعلق بأدب على تضمين معنى القيام أو حال عن الضمير المجرور أى كائنا على محبته. و محبته للّه عبارة عن الاتيان بمرضاته و الصبر على موجبات قربه و التوجه بالكلية الى قدس ذاته. و محبة اللّه اياه عبارة عن افاضة الخير عليه و تتابع الاحسان إليه و إجابة ما يتمناه و اعطاء ما يرضاه.

قوله (فقال وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)

(3) متفرع على التأديب يعنى بعد ما أدبه و أكمل له محامده و بلغه الى غاية كما له خاطبه بذلك القول مؤكدا بان و اللام و اسمية الجملة، و التنكير المفيد للتعظيم و التصريح به للدلالة على علو قدره و تفرده بذلك و تقرير حبه فى الاذهان اذ ما من أحد و لو كان كافرا الا و هو يمدح الخلق و صاحبه.

قوله (ثم فوض إليه)

(4) للتفويض معان بعضها باطل و بعضها صحيح أما الباطل فهو تفويض الخلق و الايجاد و الرزق و الاحياء و الاماتة إليه يدل على ذلك ما روى عن الرضا (ع) قال «اللهم من زعم أننا أرباب فنحن منه براء و من زعم أن إلينا الخلق و علينا الرزق فنحن عنه براء كبراءة عيسى بن مريم من النصارى» و ما روى عن زرارة قال: «قلت للصادق (ع) ان رجلا من ولد عبد المطلب بن سبا يقول بالتفويض فقال و ما التفويض فقلت ان اللّه عز و جل خلق محمدا (ص) و عليا (عليهما السلام) ثم فوض الامر إليهما فخلقا و رزقا و أحييا و أماتا فقال (ع) كذب عدو اللّه اذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التى فى سورة الرعد «أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشٰابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ» فانصرفت الى الرجل فأخبرت بما قال الصادق (ع) فكانما ألقمته حجرا- أو قال فكأنما خرس»- و أما الثانى

47

«وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» و قال عزّ و جلّ: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ»، قال ثمّ قال: و إنّ نبيّ اللّه فوّض إلى عليّ و ائتمنه فسلّمتم و جحد الناس فو اللّه لنحبّكم أن تقولوا إذا قلنا و أن تصمتوا إذا صمتنا، و نحن فيما بينكم و بين اللّه عزّ و جلّ. ما جعل اللّه لأحد خيرا في خلاف أمرنا.

عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول- ثمّ ذكر نحوه-.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن بكّار بن بكر، عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ فأخبره بها ثمّ دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية

____________

فأقسام منها تفويض أمر الخلق إليه بمعنى أنه أوجب عليهم طاعته فى كل ما يأمر به و ينهى عنه سواء علموا وجه الصحة أم لم يعلموا و انما الواجب عليهم الانقياد و الاذعان بأن طاعته طاعة اللّه تعالى. و منها تفويض القول بما هو أصلح له أو للخلق و ان كان الحكم الاصلى خلافه كما فى صورة التقية و هى أيضا من حكم اللّه تعالى الا أنه منوط على عدم امكان الاول بالاضرار و نحوه. و منها تفويض الاحكام و الافعال بأن يثبت ما رآه حسنا و يرد ما رآه قبيحا، فيجيز اللّه تعالى لاثباته اياه. و منها تفويض الإرادة بأن يريد شيئا لحسنه و لا يريد شيئا لقبحه فيجيز اللّه تعالى اياه. و هذه الاقسام الثلاثة لا ينافى ما ثبت من أنه لا ينطق الا بالوحى لان كل واحد منها ثبت من الوحى الا أن الوحى تابع لارادته يعنى إرادة ذلك فأوحى إليه كما أنه أراد تغيير القبلة و زيادة الركعتين فى الرباعية و الركعة فى الثلاثية و غير ذلك فأوحى اللّه تعالى إليه بما أراد، اذا عرفت هذا حصلت لك بصيرة على موارد التفويض فى أحاديث هذا الباب فليتأمل.

قوله (وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)

(1) هذا ظاهر فى القسم الاول (1)

قوله (و نحن فيما بينكم و بين اللّه عزّ و جلّ)

(2) نبين لكم ما أراد اللّه منكم و نحصل لكم ما أردتم منه و نوردكم مورد الكرامة منه.

قوله (فى خلاف أمرنا)

(3) خلافه عبارة عن عدم الاعتقاد بحقيته سواء كان مع الاعتقاد بحقية نقيضه أم لا.

قوله (فسأله رجل عن آية من كتاب اللّه عزّ و جل)

(4) هذا ظاهر فى القسم الثانى.

____________

(1) قوله «ظاهر فى القسم الاول» لكن الحق أن المراد به التفويض فى الاحكام بقرينة ساير الروايات. (ش)

48

فأخبره بخلاف ما أخبر [به] الأوّل فدخلني من ذلك ما شاء اللّه حتّى كأنّ قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطي في الواو و شبهه و جئت إلى هذا، يخطي هذا الخطأ كلّه، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني و أخبر صاحبي، فسكنت نفسي فعلمت أنّ ذلك منه تقيّة، قال: ثمّ التفت إليّ فقال: لي يا ابن أشيم إنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض إلى سليمان بن داود فقال: «هٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ» و فوّض إلى نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: «مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» فما فوّض إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقد فوّضه إلينا.

[الحديث الثالث]

3- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر و أبا عبد اللّه (عليهما السلام) يقولان: إنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض إلى نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثمّ تلا هذه الآية: «مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا».

[الحديث الرابع]

4- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر:

إنّ اللّه عزّ و جلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلمّا أكمل له الأدب قال: «إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»، ثمّ فوّض إليه أمر الدّين و الامّة ليسوس عباده، فقال عزّ و جلّ:

«مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» و إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان مسدّدا موفّقا مؤيّدا بروح القدس، لا يزلّ و لا يخطي في شيء ممّا يسوس به الخلق

____________

قوله (كان قلبى يشرح بالسكاكين)

(1) الشرح الكشف و منه تشريح اللحم، و السكاكين بالفتح و التخفيف جمع السكين بالكسر أى كان قلبى يقطع و يكشف بالسكين.

قوله (ان اللّه فوض الى سليمان)

(2) أراد أنه تعالى كما فوض الاعطاء و المنع و التصرف فيهما الى سليمان (ع) غير محاسب عليهما كذلك فوض التصرف فى الامر و النهى إلينا نحن نقول فيهما ما يقتضيه المصلحة غير محاسبين على ذلك.

قوله (لينظر كيف طاعتهم)

(3) أى كيف طاعتهم للّه أو لنبيه لان الطاعة للخلق و ان كانت بأمر اللّه تعالى أشد على النفوس من الطاعة للخالق و لذلك أنكرها جم غفير من الحساد.

49

فتأدّب بآداب اللّه، ثمّ إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الصّلاة ركعتين ركعتين، عشر ركعات، فأضاف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى الرّكعتين ركعتين و إلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهنّ إلّا في سفر و أفرد الرّكعة في المغرب فتركها قائمة في السفر و الحضر فأجاز اللّه عزّ و جلّ له ذلك كلّه فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثمّ سنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) النوافل أربعا و ثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز اللّه عزّ و جلّ له ذلك و الفريضة و النافلة إحدى و خمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدّ بركعة مكان الوتر، و فرض اللّه في السنة صوم

____________

قوله (ليسوس عباده)

(1) ساس الناس يسوسهم سياسة أمرهم و نهاهم و ملك أمورهم.

قوله (فاضاف رسول اللّه (ص) الى الركعتين ركعتين)

(2) هذا هو القسم الثالث على الظاهر أو الرابع على الاحتمال.

قوله (فصارت عديل الفريضة)

(3) أى فصارت الزيادة مثل الفريضة و مساوية لها فى عدم جواز الترك كما أشار إليه بقوله لا يجوز تركهن، لا فى العدد لان الزائد ناقص فيه.

قوله (و أفرد الركعة فى المغرب فتركها قائمة)

(4) يعنى لما أفرد الركعة فى المغرب تركها قائمة فى السفر و الحضر، و حاصله لما نقص ركعة لم يقصر فيهما يدل عليه ما رواه الصدوق فى كتاب العلل باسناده عن محمد بن مسلم قال: «قلت لابى عبد اللّه (ع) لاى علة يصلى المغرب فى السفر و الحضر ثلاث ركعات و ساير الصلوات ركعتين قال لان رسول اللّه (ص) فرض عليه الصلاة مثنى مثنى و اضاف إليها رسول اللّه (ص) ركعتين ثم نقص من المغرب ركعة ثم وضع رسول اللّه (ص) ركعتين فى السفر و ترك المغرب و قال انى أستحيي أن أنقص فيها مرتين فلتلك العلة يصلى ثلاث ركعات فى الحضر و السفر».

قوله (فأجاز اللّه عزّ و جلّ له ذلك كله)

(5) أى ذلك المذكور و هو الاضافة و عدم جواز الترك مطلقا فى الحضر و جوازه فى الرباعيات فى السفر و عدم جوازه فى المغرب فيه.

قوله (ثم سن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) النوافل أربعا و ثلاثين)

(6) هذا حجة لمن ذهب الى أن النوافل هذا المقدار.

قوله (تعد بركعة مكان الوتر)

(7) ضمير تعد راجع الى الركعتين باعتبار أنهما ركعة تقوم مقام الوتر لمن يفوته للنوم و غيره و لكون شرعهما باعتبار قيامهما مقام الوتر عند فواته لم يصلهما رسول اللّه (ص) مما يدل على الامرين ما رواه الصدوق فى كتاب العلل باسناده عن أبى بصير عن أبى عبد اللّه (ع) قال: «مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يبيتن الا بوتر، قال قلت: يعنى الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم انهما بركعة فمن صلاهما ثم حدث له حدث مات على وتر فان لم يحدث له حدث الموت، يصلى الوتر

50

شهر رمضان و سنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) صوم شعبان و ثلاثة أيّام في كلّ شهر مثلي الفريضة فأجاز اللّه عزّ و جلّ له ذلك و حرّم اللّه عزّ و جلّ الخمر بعينها و حرّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) المسكر من كلّ شراب فأجاز اللّه له ذلك كلّه و عاف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أشياء و كرهها و لم ينه عنها نهي حرام إنّما نهى عنها نهي إعافة و كراهة، ثمّ رخّص فيها فصار الأخذ برخصه واجبا على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه و عزائمه و لم يرخّص لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيما نهاهم عنه نهي حرام و لا فيما أمر به أمر فرض لازم فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخّص فيه لأحد و لم يرخّص رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأحد تقصير الركعتين اللّتين ضمّهما إلى ما فرض اللّه عزّ و جلّ، بل ألزمهم ذلك إلزاما واجبا، لم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلّا للمسافر و ليس لأحد أن يرخّص [شيئا] ما لم يرخّصه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فوافق أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أمر اللّه عزّ و جلّ، و نهيه نهى اللّه عزّ و جلّ، و وجب على العباد التسليم له كالتسليم للّه تبارك و تعالى.

[الحديث الخامس]

5- أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن

____________

فى آخر الليل، فقلت هل صلى رسول اللّه (ص) هاتين الركعتين؟ قال لا، قلت: و لم؟ قال: لان رسول اللّه (ص) كان يأتيه الوحى و كان يعلم أنه هل يموت فى هذه الليلة أو لا و غيره لا يعلم فمن أجل ذلك لم يصلهما و أمر بهما.

قوله (مثلى الفريضة)

(1) شعبان كله و ثلاثين يوما لكل شهر من عشرة اشهر ثلاثة أيام.

قوله (و عاف رسول اللّه (ص) اشياء و كرهها)

(2) عاف الاشياء كرهها فالعطف فى و كرهها للتفسير و قوله «لم ينه عنها» نهى حرام للتأكيد او لدفع توهم حمل الكراهة على التحريم، و يؤيده الحصر فى قوله «انما نهى عنها نهى اعافة و كراهة» و لما كان عاف و أعاف بمعنى، صح اعافة فى موضع عيافا بكسر العين و هو مصدر عاف.

قوله (فصار الاخذ برخصة واجبا على العباد)

(3) دل على ان الاخذ بالمكروه و المندوب من حيث أنه مكروه و مندوب واجب عليهم كما أن الاخذ بالحرام و الواجب من حيث أنه حرام و واجب واجب عليهم فلا يجوز لهم الاخذ بالعكس فى الموضعين و لا دلالة فيه على اعتبار الكيفية فى النية فليتأمل.

قوله (فكثير المسكر)

(4) لا دلالة فيه على عدم النهى فى قليله الا بمفهوم اللقب و هو ليس بحجة اتفاقا.

قوله (و ليس لاحد ان يرخص)

(5) لانه يجب على الكل الاخذ بقوله و التسليم لامره و نهيه.