شرح الكافي - ج7

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
414 /
1

-

2

[تتمة كتاب الحجة]

[تتمة أبواب الحجة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(باب) (فيما جاء ان حديثهم صعب مستصعب)

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه

____________

قوله (ان حديث آل محمّد صعب مستصعب)

(1) (1) لعل المراد أن حديثهم و حديث ما هم عليه من شرافة الذات و نورانيتها و الكلمات الفاضلة و الاخلاق الكاملة و الاشراق التى تختص بها عقولهم و القدرة على ما لا يقدر عليه غيرهم من العلم بالامور الغيبية و الاسرار الالهية و الاخبار الملكوتية و الآثار اللاهوتية و الاطوار الناسوتية و الاوضاع الفلكية و الاوصاف الملكية و الوقائع الخالية و البدائع الآتية و الحالية و الاحكام الغربية و القضاء العجيبة صعب فى نفسه مستصعب فهمه على الخلق لا يؤمن به و لا يقبله الا ملك مقرب أو نبى مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للايمان و أعده بتطهيره و امتحانه و ابتلائه بالتكاليف العقلية و النقلية و كيفية سلوك سبيله لحصول الايمان الكامل باللّه و برسوله و بالأئمة و باليوم الاخر حتى يتحلى بالكمالات العلمية و العملية و

____________

(1) قوله «صعب مستصعب» مفاد هذا الباب نهى العوام عن التعرض لما لا يفهمون و لا يستعدون لادراكه و نهى الخواص عن القائه على العوام كما قال موسى بن جعفر (عليهما السلام) ليونس «ارفق بهم فان كلامك يدق عليهم» و قد نهى الحكماء عن مثل ذلك قال ابن سينا فى أول الاشارات و أنا اعيد وصيتى و اكرر التماسى أن يضن بما يشتمل عليه هذه الاجزاء كل الضن على من لا يوجد فيه ما اشترطه فى آخر هذه الاشارات و قال فى آخر الاشارات: فضنه عن الجاهلين و المبتذلين و من لم يرزق الفطنة الوقادة و الدربة و العادة و كان صغاء مع الغاغة، أو كان من ملحدة هؤلاء المتفلسفة انتهى.

و سر ذلك أنه ما من مسئلة من المسائل العقلية و الاصولية الا و للوهم فيها معارضة و مكافحة يجب التمرن لدفع وسوسته حتى يؤمن العقل من ابداء الادلة و يخضع النفس له و لا بد أن يكون الناظر فى الادلة متمرنا فى تفكيك مدركات الوهم عن مدركات العقل و يرتاض حتى يعتاد و لا يحصل ذلك بسهولة لكل أحد، و هذا معنى قوله (ع) «امتحن اللّه قلبه للايمان» و المثال المعروف أن العقل يركب قياسا من مقدمات بينة يوافقه الوهم فيقول الميت جماد و الجماد لا يخاف منه، فينتج الميت لا يخاف منه فيعترف العقل بهذه النتيجة و لا يعترف الوهم، و كذلك الايمان باللّه يعارضه الوهم بأن كل موجود محسوس و اللّه تعالى ليس بمحسوس فهو نعوذ باللّه ليس بموجود و الايمان بالوحى و النبوة يعارضه الوهم بأن ليس للانسان قوة ادراكية غير هذه الحواس الظاهرة و الباطنة فكيف يدرك النبي أو الولى الوقائع الماضية و الآتية و الامور الحالية الحادثة فى الاماكن البعيدة مع وجود الحائل؟ و كيف يسمع الصوت من عالم آخر لا يسمعه غيره؟ و يرى الملك و الموجودات الغيبية و ليس لاحد قوة مدركة لذلك و كذلك كل شيء معارض بشبهة و لا يتخلص عنها الا من ارتاض و تمرن بتمييز وساوس الاوهام من مدركات العقول و الوهم متقيد بالعادات و انحصار الحقيقة فى حدود خاصة استأنسها فاذا فاجأها غير المأنوس أنكره و استوحش منه و عد قائله سفيها أو نسبه الى الضلال و الكفر اعنى بكل ما يراه شر العقائد و من نشأ زمنا طويلا من عمره على تعظيم الخلفاء يستوحش اذا سمع لعنهم قهرا لعادته لا لدليل دل عقله إليه و ينسب اللاعن الى أشد ما يراه شرا من العقائد. (ش)

3

للايمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمّد (صلى اللّه عليه و آله) فلانت له قلوبكم و عرفتموه فاقبلوه و ما اشمأزّت منه قلوبكم و أنكرتموه فردّوه إلى اللّه و إلى الرّسول و إلى العالم من آل محمّد و إنّما الهالك أن يحدّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله، فيقول: و اللّه ما كان

____________

الفضائل الخلقية و النفسية و يعرف مبادى كمالاتهم و قدرتهم و كيفية صدور مثل هذه الغرائب و العجائب عنهم فيصدقهم و لا يستنكر ما ذكر من فضائلهم و ما يأتون به من قول و فعل و أمر و نهى و اخبار و لا يتلقاهم بالتكذيب كما كان جماعة من أصحاب أمير المؤمنين (ع) يفعلون ذلك معه فيما كان يخبر به من الفتن و الوقائع حتى فهم ذلك منهم فقال يقولون يكذب قاتلهم اللّه فعلى من أكذب أعلى اللّه و أنا أول من آمن به أو على رسوله و أنا أول من صدقه بل يحمل كل ما يقولون و يفعلون و يأتون به على وجهه و ينسبه الى مبدئه و يتلقاه بالقبول عليه و يحمله على الصواب ان عرفه و وجد له محملا صحيحا و ان اشمأز قلبه و عجز عن معرفته تثبت فيه و آمن به على سبيل الاجمال و فوض علم كنهه الى اللّه و الى الرسول و الى عالم من آل محمّد و لا ينسبهم الى الكذب إذ كما أن للقرآن ظاهرا و باطنا و محكما و متشابها و مجملا و مفسرا كذلك ما صدر منهم و من نسبهم الى الكذب فقد كفر باللّه العظيم و قد أشار أمير المؤمنين (ع) الى ذلك بقوله «أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه الا ملك مقرب أو نبى مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للايمان فاذا انكشف لكم أو وضح لكم أمر فاقبلوه و الا فأمسكوا تسلموا و ردوا علمنا الى اللّه فانكم فى أوسع ما بين السماء و الارض».

قوله (فما ورد عليكم من حديث آل محمّد (ص)- الى آخره)

(1) سواء دل ذلك الحديث على

4

هذا. و اللّه ما كان هذا، و الانكار هو الكفر.

[الحديث الثاني]

2- أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال ذكرت التقيّة يوما عند عليّ بن الحسين (عليهما السلام) فقال: و اللّه لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله و لقد آخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بينهما، فما

____________

أسرار المبدأ و المعاد أو على الاحكام و الاخلاق (1) او على احوال القرون الماضية و الآتية او على صفاتهم و كمالاتهم الفائقة على كمالات غيرهم فما ورد عليكم من هذه الاحاديث فان لانت له قلوبكم و احتملته و لم تستصعبه و عرفت المراد منه اما لكونه ظاهرا او لكونه مؤولا بتأويل موافق لقوانينهم عقلا و نقلا فاقبلوه و اعملوا به ان كان متعلقا بالعمل و ان اشمأزت منه قلوبكم و تقبضت منه و أنكرته اى لم تعرف المراد منه و لم تجد له محملا صحيحا فلا تردوه و لا تقولوا هو كاذب بل ردوا علم كنهه و حقيقته الى اهله هذا اذا لم تجده مخالفا للكتاب و السنة النبوية مخالفة لا يمكن معها الجمع بينهما و الا فلا ضير فى رده لما روى عن ابى عبد اللّه (ع) من «ان كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف» و عنه (ع) «ما جاءكم عنى يخالف كتاب اللّه فلم اقله».

قوله (لا يحتمله)

(1) لصعوبة فهمه عليه و خروجه عن وسعه اما لقصور فى عقله او لغموض فى المقصود.

قوله (و الانكار هو الكفر)

(2) اى انكارهم او انكار حديثهم و نسبة الكذب إليه مع العلم او الظن بانه حديثهم سواء سمعه شفاها او بواسطة

قوله (فقال و اللّه لو علم ابو ذر ما فى قلب سلمان لقتله)

(3) المراد بما فى قلب سلمان العلوم و الاسرار و منشأ القتل هو الحسد (2) و العناد و فيه مبالغة على التقية من الاخوان فضلا

____________

(1) قوله «أو على الاحكام و الاخلاق» و الحق أن ما ورد للعمل يجب أن يكون مبنيا حتى يمكن أن يعمل به جمع المكلفين و الا لزم نقص الغرض و أما الاعتقادات كاسرار المبدأ و المعاد و مقامات الائمة و الأنبياء فلا، اذ يختلف الناس فى استعداد فهم الحقائق و منع الفطن المدقق عنه ظلم، و تكليف البليد به تكليف بما لا يطاق، و لا يبعد أن يرد فى الادلة ما يختص بفهمه بعضهم دون بعض و يكون مبينا لهم دون غيرهم و نحن نرى استعداد الناس يختلف فبعضهم يسهل عليه فهم العلوم الرياضية و بعضهم علوم الادب و لا يمكن تعليم غير المستعد و لا يجوز منع المستعد كذلك مسائل الاصول و أما ما يتعلق بالعمل كالفقه و الاخلاق فيسهل فهمه لجميع الناس و جميعهم مكلفون به. (ش)

(2) قوله «و منشأ القتل هو الحسد» بل هو الجهل و استيحاش كل أحد عما لم يستأنسه و خالف مرتكزات ذهنه و عادته و لا ريب أن من نشأ على تعظيم معاوية طول عمره استوحش من سماع لعنه و نسب اللاعن الى كل سوء و الأسوإ من كل سوء فى نظر المتدين الكفر فينسبه الى الكفر و يقتله، و من نشأ على القول بتجسم الواجب تعالى ينسب القائل بتجرده الى الضلال و الكفر و بالعكس و من نشأ على الاعتقاد بأن الاحتياج الى العلة للحدوث ينسب مخالفه الى انكار الواجب و بالعكس من ذهب الى أن الاحتياج للامكان نسب غيره الى الكفر اذ يقول لو جاز على الواجب العدم لما ضر عدمه وجود العالم و هكذا. و اصل الاستيحاش من عدم فهم السامع و عدم مبالاة المتكلم بإلقاء المطالب العويصة على غير المستعد و ممن رموه بالكفر و الزندقة يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين الّذي أمر الرضا (ع) بأخذ معالم الدين عنه، و روى الكشى روايات كثيرة فى ذلك منها عن أبى جعفر البصرى قال «دخلت مع يونس بن عبد الرحمن على الرضا (ع) فشكى ما يلقى من أصحابه من الوقيعة فقال الرضا (ع) دارهم فان عقولهم لا يبلغ» و فى رواية عن موسى بن جعفر (ع) قال يا يونس ارفق بهم فان كلامك يدق عليهم، قال قلت انهم يقولون لى زنديق قال لى و ما يضرك أن يكون فى يدك لؤلؤة فيقول الناس هى حصاة و ما ينفعك ان يكون فى يدك حصاة فيقول الناس لؤلؤة» انتهى.

و كتب أبو جعفر الجواد (ع) الى رجل فى يونس «احبه و اترحم عليه و ان كان يخالفك أهل بلدك» انتهى. و الظاهر أن المقصود من البلد البصرة، و كتب رجل الى الكاظم (ع) يسأله عن الزكاة: عندنا قوم يقولون بمقالة يونس فاعطيهم من الزكاة شيئا قال فكتب إليه: نعم أعطهم» انتهى. و فى كتاب أعيان الشيعة بعد ما نقل عن بعض علمائنا أن أصحاب الائمة (عليهم السلام) كانوا يقعون بعضهم فى بعض بالانتساب الى الكفر و الزندقة و الغلو و غير ذلك بل و فى حضورهم (عليهم السلام) أيضا و ربما كانوا يمنعون و ربما كانوا لم يمنعوا المصالح و أن هذه النسب كلها لا أصل لها فاذا كانوا فى زمان الحجة بل و فى حضوره يفعلون أمثال هذه فما ظنك بهم فى زمان الغيبة- الى أن قال- انهم لو سمعوا من أحد لفظ الرياضة و أمثال ذلك رموه بالتصوف و جمع منهم يكفرون معظم فقهائنا رضى اللّه عنهم لاثباتهم اسلام بعض الفرق الاسلامية، ثم قال و بالجملة كل منهم يعتقد امرا انه من أصول الدين بحيث يكفر غير المقرّ به، بل آل الامر الى ان المسائل الفرعية غير الضرورية ربما يكفرون من جهتها و الاخباريون يطعنون على المجتهدين بتخريب الدين و الخروج عن طريق الائمة الطاهرين (عليهم السلام) انتهى كلام أعيان الشيعة. و أنا أعتقد أن تكفير العقلاء و الحكماء هو الّذي يريده الملاحدة و يقر أعينهم به لان مذهبهم أن كل متدين سفيه و كل عاقل كافر و قال قائلهم:

اثنان فى الدنيا فذو عقل بلا * * * دين و آخر دين لا عقل له

فمن يحكم بأن كل حكيم عاقل كافر فهو أقوى معاون للملاحدة و أنفذ مؤيد لهم (ش)

5

ظنّكم بسائر الخلق، إنّ علم العلماء صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا نبيّ مرسل أو ملك

____________

عن اهل الظلم و العدوان، فان قلت هل فيه لوم لابى ذر قلت لا لان المقصود فى مواضع استعمال «لو» هو ان عدم الجزاء مترتب على عدم الشرط و اما ثبوته فقد يكون محالا لابتنائه على ثبوت الشرط و ثبوت الشرط قد يكون محالا عادة او عقلا كعلم أحدنا بجميع ما فى القلب و ثبوت حقيقة الملائكة للمتكلم فى قوله «لو كنت ملكا لم اعص» و من هذا القبيل قوله تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» على انه يمكن ان يكون المقصود من التعليق هو التعريض بوجوب التقية و كتمان الاسرار على من يخاف منه الضرر كما فى قولك «و اللّه لو شتمنى الامير لضربته» فانه تعريض بشاتم آخر و تهديد له بالضرب بدليل ان الامير ما شتمك و لو شتمك لما امكنك ضربه فليتأمل.

قوله (ان علم العلماء)

(1) منهم سلمان كما يصرح به.

6

مقرّب أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان، فقال: و إنّما صار سلمان من العلماء لأنّه امرئ منّا أهل البيت فلذلك نسبته إلى العلماء.

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن البرقي، عن ابن سنان أو غيره رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا صدور منيرة، أو

____________

قوله (و انما صار سلمان من العلماء لانه)

(1) قال القرطبى سلمان يكنى أبا عبد اللّه و كان ينسب الى الاسلام فيقول انا سلمان بن الاسلام و يعد من موالى رسول اللّه (ص) لانه أعانه بما كوتب عليه فكان سبب عتقه و كان يعرف بسلمان الخير و قد نسبه رسول اللّه (ص) الى بيته فقال: «سلمان منا اهل البيت» و اصله فارسى من رامهرمز قرية يقال لها جي و قيل بل من اصبهان و كان ابوه مجوسيا فنبهه اللّه تعالى على قبح ما كان عليه ابوه و قومه و جعل فى قلبه الشوق الى طلب الحق فهرب بنفسه و فر عن ارضه فوصل الى المقصود بعد مكابدة عظيم الشعاب و الصبر على المكابدة و قال على (ع) «سلمان علم العلم الاول و الاخر و هو بحر لا ينزف و هو منا اهل البيت» و عنه أيضا «سلمان مثل لقمان» و له اخبار حسان و فضائل جمة.

قوله (فلذلك نسبته الى العلماء)

(2) اراد بالعلماء اهل البيت (عليهم السلام).

قوله (لا يحتمله الا صدور منيرة)

(3) (1) و هى صدور الأنبياء شبه نفوسهم القدسية بالشمس

____________

(1) قوله «صدور منيرة هى صدور الأنبياء» لا حاجة الى التخصيص أصلا بل الحق تعميمه حتى يشمل أصحاب العقول السليمة و الاذهان الصافية و الحدس القوى و الذوق السليم من العوام و ان لم يمارسوا الكتب و لم يشاركوا فى العلوم الرسمية كما أن كثيرا من الممارسين و المشاركين فى العلوم قاصرون عن فهم الدقائق و بعضهم لا يستطيع أن يجاوز ما يقرب الى الحس و لا يدرك الا بالسمع و البصر فيقتصر على أمثال علم التاريخ لان نقوش كتابتها تدرك بالبصر و أصوات حروفها بالسمع و لا يحتاج الى العقل. (ش)

7

قلوب سليمة أو أخلاق حسنة. إنّ اللّه أخذ من شيعتنا الميثاق كما أخذ على بني آدم أ لست بربّكم فمن و فى لنا و فى اللّه له بالجنّة و من أبغضنا و لم يؤدّ إلينا حقّنا ففي النّار خالدا مخلّدا.

____________

لمكان المشابهة بينهما فى اتصافهما بأنوار الكمالات و حصول الهداية عنها مع لطفها و صفائها. قوله (و قلوب سليمة)

(1) و هى قلوب العلماء لسلامتها من الافات و الجهالات فنفى ما يلقى إليها من تلك الاسرار و لا يحملها سماع تلك الغرائب على الاستنكار.

قوله (او اخلاق حسنة)

(2) اى صاحب اخلاق حسنة بحذف المضاف. و يحتمل ان يكون اطلاق الاخلاق مجازا عن اطلاق اسم المتعلق على المتعلق، و اسم الحال على المحل و هى قلوب اعدها اللّه تعالى من اجل اتصافها بالاخلاق الحسنة لقبول الصواب و الحق من اهل العلم فان عرفوا له محملا صحيحا حملوه و ان عجزوا عن معرفته ردوا علم كنهه و حقيقته الى اهل العلم، و الترديد من باب منع الخلو.

قوله (ان اللّه أخذ)

(3) أى ان اللّه أخذ من شيعتنا فى عالم الارواح الميثاق على ولايتنا كما أخذ من بنى آدم كلهم الميثاق على ربوبيته و فيه دلالة على أن غير الشيعة لم يقروا لهم فى عالم الارواح بالولاية كما لم يقروا لهم بها فى عالم الابدان، يدل على ذلك ما روى عن الباقر (ع) «من أن اللّه تعالى دعا الخلق فى الضلال الى ولايتنا فأقربها للّه من أحب و أنكرها من أبغض و هو قوله «فَمٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمٰا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» (1) ثم قال (ع) كان التكذيب ثم».

قوله (فمن وفى لنا)

(4) قال الفاضل الأسترآبادي قد وقع التصريح فى كلامهم (ع) بأن فعل الارواح فى عالم الابدان موافق لفعلهم يوم الميثاق فالمراد من و فى لنا فى عالم الارواح و عالم الابدان بما كلفه اللّه تعالى من التسليم و فى اللّه له بالجنة

قوله (و من أبغضنا)

(5) أى و من أبغضنا فى عالم الابدان كما أبغضنا فى عالم الارواح و

____________

(1) قوله «فَمٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمٰا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» ان قيل ظاهر هذه اللفظة يدل على الجبر و أن من لم يقر بولايتهم فى الميثاق فلا بد أن لا يقربهم فى الدنيا، قلنا ظاهر الالفاظ حجة فى العمل و الفرعيات، و أما فى الاصول الاعتقادية فلا، و لذلك لا نلتزم بأن الواجب الاعتقاد بالجبر لمن سمع مثل هذه الرواية الى أن يقوم القرينة على خلافها كما نقول فى العمل الّذي لا محيص عن امتثاله بل نقول يجب فيه التوقف حتى يبين وجهه و سيجيء فى محله و قد مضى شيء منه فى أواخر المجلد الرابع و أوائل الخامس. (ش)

8

[الحديث الرابع]

4- محمّد بن يحيى و غيره، عن محمّد بن أحمد، عن بعض أصحابنا قال: كتبت إلى ابي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام): جعلت فداك ما معنى قول الصادق (عليه السلام): «حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان» فجاء الجواب

____________

لم يرد إلينا حقنا الّذي هو الولاية و لم يسلم لنا فهو فى النار خالدا مخلدا و لم ينفعه الاقرار بالربوبية كما لا ينفعه مع انكار النبوة لان النافع انما هو الايمان و الايمان انما هو الاقرار بالجميع.

قوله (ما معنى قول الصادق (ع) حديثنا لا يحتمله ملك مقرب)

(1) لما كان ظاهر هذا الحديث أن حديث فضائلهم (عليهم السلام) لا يحتمله هؤلاء المقربون و لا يؤمنون به و هو باطل سأله سائر عن محمل صحيح (1) له فأجاب (ع) بأن الغاية محذوفة و معناه أنهم لا يحتملونه حتى يؤدونه و يخرجونه الى غيرهم ممن هو أهل له. أقول و له محمل آخر و هو أن لهم (عليهم السلام) علوما و أسرارا مخصوصة بهم لا يحتملها و لا يعلمها هؤلاء المقربون كما يأتى فى رواية أبى بصير عن أبى عبد اللّه (ع) و لكن ما أجاب به (ع) وجب التسليم به.

____________

(1) قوله «و هو باطل سأله سائل عن محمل صحيح» الكلام ليس خاصا بفضائلهم (عليهم السلام) و ليس عاما أيضا لجميع فضائلهم بل فى كل باب من أبواب الاصول أسرار لا يحتملها الا ملك مقرب الخ اما مع كلمة الا الاستثنائية بمعنى ان الملك المقرب و النبي المرسل و المؤمن الممتحن يحتملونه. و اما بحذف كلمة الا بمعنى أن الملك المقرب أيضا لا يحتمله و الاشكال فيه على الحذف انه اذا لم يحتمله هؤلاء فلا يحتمله غيره بالطريق الاولى فما فائدة ذكر هذا الحديث و نقله و روايته اذا لم يحتمله أحد، الجواب عن الاشكال على ما نسب فى هذه الرواية الى الامام (ع) أن المقصود ليس عدم احتمال الملك المقرب و غيره لهذا الحديث مطلقا بل يحتمله ليوصل الحديث الصعب الى غيره و كان الشارح لم يرض بهذا الجواب و تمسك بالتسليم ورد علمه إليهم و الحق أن الرواية ضعيفة و الراوى مجهول و لازم هذا الجواب أن الاحتمال بمعنى النقل و الرواية مع أن الظاهر بل صريح ما يأتى فى الحديث الخامس أنه بمعنى القبول و الادراك فان صح حديث الحذف كان المفاد أن الملك المقرب أيضا لا يدرك و لا يفهم حديثهم فالوجه أن يحمل على ما لم يظهر منهم (عليهم السلام) أصلا لا ما نقل و اشتهر و تداول من حديثهم و وجد بايدى الناس اذ يخلو حينئذ نقله عن الفائدة.

و ربما ينصرف ذهن الماديين و الملاحدة من هذا الحديث الى أن مسائل الامامة و أمثالها من مسائل ما وراء الطبيعة التى ليس للانسان قوة على دركها و لذلك هى صعب مستصعب و انما الانسان له قوة الحس فقط و الحس لا يجاوز أجسام هذا العالم المادى. و فيه أن هذا غير مفهوم من هذا الحديث بل المستفاد منه أن بعض المسائل لغموضه مما لا يصل إليه ذهن أكثر أفراد الانسان و لا ينافى ذلك وجود قوة على ادراك ما وراء الطبيعة بل تلك القوة هى الامانة التى عرضها اللّه على السموات و الارض و الجبال فابين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الانسان ثم ان هذا المعنى الخبيث الباطل لا يصح نسبته الى الأنبياء و الائمة (عليهم السلام) مع أن شأنهم صرف الاذهان الى ادراك ما وراء الطبيعة و التفكر فيه و ذم الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون، و منع الناس عن القول بالتقليد و متابعة الكبراء و امرهم بالتدبر و التعقل فى ادلة التوحيد و النبوة و المعاد فلو كان مسائل ما بعد الطبيعة مما لا يصل إليه ذهن الانسان بطل هذه كلها و العجز عن البعض لا يوجب العجز عن الكل كما ان عجز البصر عن رؤية بعض الاشياء لا يوجب عجزه عن رؤية كلها و لو كان عجز العقل عن ادراك بعض المسائل العويصة الالهية موجبا لانكار قوة للانسان يدرك بها الكليات المعقولة كان عجزه عن ادراك بعض المبصرات موجبا لانكار القوة الباصرة التى يدرك بها الجزئيات المبصرة و الحق انه ليس بين مسائل ما وراء المادة و المسائل الطبيعة فرق أصلا و المادى يدق فطنته عن ادراك المسائل المادية العويصة كما يدق عن مسائل ما بعد الطبيعية و لذلك لا يعترفون بتناهى الابعاد لضعف عقلهم عن ادراكه و لا بوجود الصورة النوعية النباتية و الحيوانية و يتحيرون فى سر الحياة و لا يعلمون أن المادة أصل للقوى أو القوى أصل للمادة و لا يتعقلون أن المادة استعداد محض و أن القوة أعنى مبدأ التأثير من جانب الصورة الى غير ذلك. (ش)

9

إنّما معنى قول الصادق (عليه السلام) «أي لا يحتمله ملك و لا نبيّ و لا مؤمن»: أنّ الملك لا يحتمله حتّى يخرجه إلى ملك غيره و النبيّ لا يحتمله حتّى يخرجه إلى نبيّ غيره و المؤمن لا يحتمله حتّى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدّي (عليه السلام).

[الحديث الخامس]

5 أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسين، عن منصور بن العبّاس، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن مسكان، عن محمّد بن عبد الخالق و أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا محمّد إنّ عندنا و اللّه سرّا من سرّ اللّه و علما من علم اللّه و اللّه ما يحتمله ملك مقرّب

____________

<قوله>: و المؤمن لا يحتمله حتى يخرجه الى مؤمن غيره)

(1) انما قال الى مؤمن للتنبيه على ان المؤمن المحتمل لحديث فضائلهم يجب أن يكون امينا يعنى ما يلقى إليه منه يوصله الى أمين مثله و يحفظ عن الاذاعة الى من لا يحتمله و لا ينتفع به و لا يكون أهلا له و قد دلت الروايات المتكثرة على وجوب كتمان العلم عن غير أهله.

قوله: (ان عندنا و اللّه سرا من سر اللّه)

(2) ان كان «من» للتبعيض يستفاد منه ان بعض الاسرار و العلوم مختص به سبحانه و بعضها اظهر لهم (عليهم السلام) و هو على قسمين قسم يختص بهم و قسم لا يختص بهم بل هم مأمورون بتبليغه الى الخلق و لا يقبله منهم الا من كان بينه و بينهم مناسبة ذاتية و

10

و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و اللّه ما كلّف اللّه ذلك أحدا غيرنا و لا استعبد بذلك أحدا غيرنا و إنّ عندنا سرّا من سرّ اللّه و علما من علم اللّه، أمرنا اللّه بتبليغه؟ فبلّغنا عن اللّه عزّ و جلّ ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعا و لا أهلا و لا

____________

موافقة روحانية و لا بد من استثناء نبينا (ع) من قوله «و لا نبى مرسل» لانه اولى بالاختصاص بذلك العلم المختص بهم اذ منه وصل إليهم.

قوله: فلم نجد له موضعا و لا أهلا و لا حمالة)

(1) الظاهر ان الحمالة بتشديد الميم من صيغ المبالغة و التاء اما للمبالغة كعلامة او للتأنيث بتقدير موصوف مؤنث اى طائفة حمالة، ثم القابل لذلك العلم باعتبار انه يوضع فيه يسمى موضعا و باعتبار انه مستعد لقبوله يسمى اهلا و باعتبار أنه يحتمله يسمى حمالة فهى بالذات واحد و بالاعتبار مختلف.

قوله: حتى خلق اللّه لذلك اقواما من طينة)

(2) لما علم اللّه تعالى ان اقواما يقبلون حديث محمّد و ذريته (ص) خلقهم لطفا و تفضلا من طينتهم و اصلهم ليكون ذلك معينا لهم فى القبول و التحمل و ليرجعوا فى الدنيا و الآخرة الى اصلهم فلا يلزم الجبر و لا الظلم فى خلق من عداهم من غير طينتهم و حينئذ قوله فيما بعد «فلولا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك» معناه أن كونهم كذلك أى قائلين محتملين لحديثهم، لاجل تحقق خلقهم من هذا معين لهم فى القبول و التحمل أو لأن تحقق المسبب دليل على تحقق السبب و عدم نقيضه و بعبارة اخرى لما خلق اللّه تعالى طينتهم (عليهم السلام) و أرواحهم نورانيين و أشرقت أنوارهم على طينة كل من يحتمل حديثهم و سلم لهم فى عالم الاعيان و على أرواحهم بحيث يستضيء بنورهم فى عالم الانوار كل من يستضيء بنورهم فى عالم الابدان على أن يكون ذاك سببا عن هذا كما أن ظل الشيء مسبب عنه خلقه اللّه تعالى من نور طينتهم و أرواحهم فهو نورانى فى العالمين كما أن من لم ينتفع بحديثهم و لم يسلم لهم ظلمانى فيهما و هذا الّذي ذكرته من باب الاحتمال (1) و اللّه تعالى شأنه عالم بحقيقة الحال.

____________

(1) قوله «ذكرته من باب الاحتمال» كان الشارح احس فى توجيهه لنفى لزوم الجبر دغدغة و ذلك لان خلق أفراد الانسان من طينتين مختلفتين ان استلزم ترتب ما يترتب عليها من الخير و الشر قهرا لزم الجبر و هو ظلم، و ان لم يستلزم بل اقتضى أقربية من خلقهم اللّه من الطينة الطيبة الى الخير و من خلقهم من الطينة الخبيثة الى الشر لزم التبعيض و الظلم و مقتضى العدل أن يخلق جميع الناس من طينة واحدة حتى يتساوى نسبة جميعهم الى الخير و الشر و بالجملة يجب تأويل أخبار الطينة بما لا يوجب الجبر و لا أقربية بعض الناس الى الشر من بعض. (ش)

11

حمّالة يحتملونه حتّى خلق اللّه لذلك- اقواما خلقوا من طينة خلق منها محمّد و آله و ذرّيّته، و من نور خلق اللّه منه محمّدا و ذرّيّته، و صنعهم بفضل رحمته التي صنع منها محمّدا و ذرّيّته، فبلّغنا عن اللّه ما امرنا بتبليغه، فقبلوه و احتملوا ذلك [فبلغهم ذلك عنّا فقبلوه و احتملوه] و بلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا و حديثنا، فلولا أنّهم خلقوا من هذا، لما كانوا كذلك، لا و اللّه ما احتملوه.

ثمّ قال: إنّ اللّه خلق أقواما لجهنّم و النّار، فأمرنا أن نبلّغهم كما بلغناهم و اشمأزّوا من ذلك و نفرت قلوبهم و ردّوه علينا و لم يحتملوه و كذّبوا به و قالوا: ساحر كذاب

____________

<قوله>: و صنعهم بفضل رحمته)

(1) يعنى رحمته تعلقت أولا بصنع محمّد و ذريته عليهم- السلام و لذلك سماه رحمة للعالمين و ثانيا بصنع شيعتهم و مواليهم و هم الذين كانوا فى علم اللّه تعالى تابعين لاقوالهم و أعمالهم قابلين لاشراقاتهم و أنوارهم ثم خلق من عقبه أقواما كانوا فى علم اللّه تعالى نافرين من نورهم مائلين الى الظلمة و هو الّذي سبقت رحمته غضبه.

قوله: فقبلوه و احتملوا ذلك)

(2) (1) لعل المراد بالاحتمال الاذعان بالجنان و بالقبول التصديق باللسان بأن يقول هذا حق و يحتمل العكس كما يحتمل التأكيد.

قوله: فبلغهم ذلك عنا فقبلوه و احتملوه)

(3) الظاهر أنه تأكيد للاول و يحتمل أن يكون الاول مختصا بمن سمع مشافهة و الثانى بمن سمع بواسطة.

قوله: الى معرفتنا و حديثنا)

(4) العطف اما على المضاف أو على المضاف إليه و المراد بالمعرفة التصديق بولايتهم و الاذعان بصدق حديثهم.

قوله: ثم قال ان اللّه خلق اقواما لجهنم و النار)

(5) اللام للعاقبة لا للتعليل يعنى انه خلق أقواما عاقبة عملهم دخول النار لردهم التكليف الاول بالولاية (2) فى عالم الارواح و التكليف الثانى بها فى عالم الابدان و الفائدة فى التكليف الثانى هى التأكيد و الزام الحجة و التنبيه عن الغفلة و لجريان الحكمة على عدم التعذيب بدونه كما قال جل شأنه «وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا».

قوله: و اشمأزوا من ذلك الى قوله ساحر كذاب)

(6) يريد أنهم أنكروا ذلك ظاهرا و باطنا، أما باطنا فلانه لم يحصل لهم التصديق. و الاذعان به و أما

____________

(1) قوله «فقبلوه و احتملوا ذلك» هذا تصريح بان الاحتمال بمعنى الفهم و القبول دون النقل و الرواية كما سبق الاشارة إليه. (ش)

(2) قوله «التكليف الاول بالولاية» تسميته تكليفا لا يخلو عن مسامحة بل التكليف انما هو فى دار التكليف أعنى الدنيا. (ش)

12

فطبع اللّه على قلوبهم و أنساهم ذلك، ثمّ أطلق اللّه لسانهم ببعض الحقّ، فهم ينطقون به و قلوبهم منكرة ليكون ذلك دفعا عن أوليائه و أهل طاعته، و لو لا ذلك ما عبد اللّه في أرضه، فامرنا بالكفّ عنهم و الستر و الكتمان، فاكتموا عمّن امر اللّه بالكفّ عنه و استروا عمّن أمر اللّه بالستر و الكتمان عنه، قال: ثمّ رفع يده و بكى و قال:

____________

ظاهرا فلانهم نسبوا الكذب و الافتراء إليه كل ذلك لمانع اختيارى لهم هو معارضة الحق الصريح و النص الصحيح بمقدمات باطلة خيالية، و القدح فيهما باحتمالات فاسدة وهمية كاحتمال السحر و نحوه.

قوله: فطبع اللّه على قلوبهم و أنساهم ذلك)

(1) لما أعرضوا عن الحق و أنكروه و أبطلوا استعدادهم الفطرى (1) استحقوا سلب اللطف عنهم، فشبه ذلك بالطبع لانه مانع من دخول الحق فى قلوبهم كالطبع، قال الفاضل الأسترآبادي هذا صريح فى أن اضلال اللّه تعالى بعض عباده من باب المجازات لا الابتداء كما زعمته الاشاعرة.

قوله: ثم اطلق اللّه لسانهم)

(2) أى وفقهم لذلك و هداهم إليه لا لان ينفعهم به بل لان يدفع به ضررهم عن أوليائه.

قوله: فاكتموا عمن أمر اللّه بالكف عنه)

(3) قال اللّه تعالى فيما ناجى موسى بن عمران (ع) «انى أنا اللّه فوق العباد و العباد دونى و كل لى داخرون، فاتهم نفسك و لا تأتمن ولدك على دينك الا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين».

____________

(1) قوله «و أبطلوا استعدادهم الفطرى» تصريح بأن هؤلاء الاقوام ذوو استعداد فطرى نحو الخير و ليس معنى خلقهم من طينة خبيثة قهرهم على الباطل و الشر أو تقريبهم إليهما و بالجملة قيد الشارح (رحمه اللّه) كل كلمة يتوهم منها الظلم و الجبر بقيد يندفع منه احتمال ذلك. و هنا سؤال و هو أنه ما الفرق بين ما تحقق عقلا و نقلا من اختلاف استعداد أفراد الناس فى الفهم و الادراك كما مر فى أول الباب و بين اختلاف فطرتهم فى قبول الحق و التوحيد و الولاية؟ قلنا أما الاول فلا يوجب ظلما و لا جبرا و كل من له استعداد لشيء يجزى على قدر استعداده كما لا يعد حرمان الحيوان عن علوم الانسان ظلما و لا حرمان البليد عن فضائل الفطن جبرا بعد أن لكل منهما ثوابا على عمله بقدر استحقاقه و أما محرومية الملحد و الناصب عن التوحيد و الولاية بمقتضى الفطرة قهرا ثم عقابه على تلك المحرومية القهرية ظلم و لو فرض محالا أن بعض أفراد الانسان بمنزلة السباع ليس فيهم فطرة نحو الخير بل مجبولون على الشر و مجبورون عليه التزمنا بنفى التكليف عنهم كالمجانين، (ش)

13

اللهمّ إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محيانا محياهم و مماتنا مماتهم و لا تسلّط عليهم عدوّا لك فتفجعنا بهم، فانّك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبدا في أرضك و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم تسليما.

«باب» ما امر النبي صلى الله عليه و آله بالنصيحة لائمة المسلمين و اللزوم لجماعتهم و من هم؟

[الحديث الأول]

1 عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) خطب النّاس في مسجد الخيف فقال: نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها و حفظها و

____________

<قوله>: فاجعل محيانا محياهم و مماتنا مماتهم)

(1) المحيا مفعل من الحياة و هو ضد الموت أى اجعل حياتهم مثل حياتنا فى صرفها الى طاعاتك و التوصل الى مرضاتك و اجعل موتهم مثل موتنا فى الابتهاج بدخول جنانك و السرور بمشاهدة رضوانك، و يحتمل أن يكون المراد اجعل زمان حياتهم و موتهم مثل زمان حياتنا و موتنا فيما ذكر.

قوله: و لا تسلط عليهم عدوا لك)

(2) طلب دفع قدرته عنهم و رفع امضاء شوكته منهم.

قوله: فتفجعنا بهم)

(3) اى فتوجعنا بسبب تسلط العدو عليهم أو فتوجعنا معهم و قد يكنى به عن الهلاك و هو الانسب هنا بالسياق.

قوله: فى مسجد الخيف)

(4) بفتح الخاء و سكون الياء ما ارتفع عن مجرى السيل و انحدر عن غلظ الجبل و مسجد منى يسمى مسجد الخيف لانه فى صفح جبلها.

قوله: نضر اللّه عبدا)

(5) نضره و نضره و انضره أى نعمه فنضر ينضر من باب نصر و شرف و يتعدى و لا يتعدى و فى النهاية روى بالتخفيف و التشديد من النضارة و هى فى الاصل حسن الوجه و البريق و انما أراد حسن خلقه و قدره و فى المغرب عن الازدى ليس هذا من الحسن فى الوجه، و انما هو فى الجاه و القدر، و استدل النافي لنقل الحديث بالمعنى بهذا الحديث، الجواب لا يدل هذا على المطلوب لانه دعا لمن نقله بصورته لانه أولى و أحسن و لا نزاع فى أن نقله بصورته أولى و قد مرت الروايات الدالة على جواز نقله بالمعنى على أنه يمكن حمل هذا الحديث على مطلق حفظه و تبليغه الشامل لحفظ المعنى و تبليغه فان من سمع الحديث و ضبط معناه و بلغه صح أن يقال أداه كما سمعه و لذلك صح أن يقول المترجم أديته كما سمعته.

14

بلّغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غير فقيه و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم. إخلاص العمل للّه، و النصيحة لأئمّة المسلمين

____________

<قوله>: فرب حامل فقه)

(1) (1) تعليل للتبليغ و اشارة الى فائدته فان المبلغ إليه قد يكون فقيها دون المبلغ و قد يكون أفقه منه فهو ينتفع منه ما لا ينتفع به المبلغ و يفهم منه ان نقل بصورته ما لا يفهمه الناقل فالاولى أن يكون نقله بصورته لئلا يفوت شيء من الاغراض.

قوله: ثلاث لا يغل قلب امرئ مسلم)

(2) اى يغل فيها و هذا اما نهى او خبر فى معناه و

____________

(1) قوله «فرب حامل فقه» تصريح بأن قوة الاجتهاد شيء زائد على نقل الروايات و حفظ المسائل و لذلك قد لا يكون حامل الفقه فقيها. (و الفقيه هنا بمعنى المجتهد فى عرف المتأخرين) و السر فيه أن بعض الناس ناقصوا الاستعداد يقرب ذهنهم من اذهان الماديين و نفوسهم متوجهة الى الحواس الخمس و يسهل عليهم ادراك المحسوسات و حفظها دون الكليات و المعقولات فيطالعون الكتب لان نقوش الكتابة تدرك بالبصر و يحفظون ألفاظ المنقولات لان اصوات الحروف تدرك بالسمع و لا يعسر عليهم ذلك أما التنبه للمعانى غير المدركة بالسمع و البصر فمعسور عليهم و خلقهم اللّه لنقل العلم الى غيرهم الذين يسهل عليهم التنبه للكليات و المعانى و لا يتمحضون كالجماعة الاولى لحفظ المحسوس و المسموع و الجامعة البشرية محتاجة الى وجود كلتا الطائفتين و لم يهمل الحكمة الازلية مصلحتهم و هو مقتضى قاعدة اللطف «و مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» و كل ميسر لما خلق له. فان قيل أ ليس الفقه عندنا مأخوذا من النصوص دون القياس و الاعتبار، أو ليس ظواهر الالفاظ حجة؟ أو ليس فهم المعنى من اللفظ مشتركا بين جميع من عرف اللغة العربية؟ و اذا كان هذا حقا فكيف يعقل أن يكون حامل الالفاظ غير فقيه؟ قلنا الاختلاف فى فهم المراد من القرائن اللفظية و المعنوية الداخلية الخارجية و غير خفى و يتفاضل الناس فى ذلك تفاضلا بينا جدا، و نضرب لذلك مثالا و هو أن صلاة الاحتياط بعد الشك فى عدد الركعات هل هى صلاة مستقلة يصح أن يؤخر عن الصلاة الاصلية أو يجب فعلها متصلة بها و فهم أكثر العلماء من الروايات الواردة فيها أن فعلها لاجل تتميم الصلاة على فرض نقصها واقعا و مبناه على الاحتياط بحيث يتيقن المصلى أنه فعل ما أراده الشارع فان كانت أصل الصلاة كاملة فقد أتى بصلاة الاحتياط مفصلة بالتكبير و النية و لم يدخل المشكوك فى المتيقن و ان كانت ناقصة كانت جبرا لنقصها و تبادر ذهنهم بالقرينة العقلية و اللفظية الى وجوب الاتصال و الفور بعد تكميل الاصل و علم عدم قدح الفاصلة بالتكبير و النية فى تتميم الاصل بصلاة الاحتياط تعبدا و لم يفهم بعضهم ذلك بتلك القرائن. و هذه هى المسألة التى اختلف فيها نظر الحكيم المتأله المولى على النورى و صاحب القوانين- (قدس سرهما)- فى الرسالة المشهورة التى كتبها إليه و أجاب عنها على ما نقل فى جامع الشتات و ذلك ان المولى المذكور (رحمه اللّه) استنبط باجتهاده أن صلاة الاحتياط تصح منفصلة عن الصلاة الاصلية و كان بناؤه على اعادة الاحتياطات التى فعلها سابقا لعلة ذكرها، لكن كان فى قلبه دغدغة لاحتمال وجوب اتصال الاحتياط بالاصل كما هو المشهور و رفع صاحب القوانين دغدغته بتصويب الفعل، و لكن المشهور مخالف لفتوى صاحب القوانين و كانت دغدغة المولى فى محله، و لعل اللّه يوفقنا لبيان ذلك تفصيلا فيما يأتى ان شاء اللّه. (ش)

15

و اللّزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافى دماؤهم

____________

يغل اما بضم الياء من الاغلال و هو الخيانة فى كل شيء بخلاف الغلول فانه خيانة فى المغنم خاصة أو بفتحها من الغل و هو الحقد و الشحناء أى لا يدخله حقد يزيله عن الحق أو من الوغول و هو الدخول فى الشر يقال يغل بالتخفيف اذا دخل فيه و المعنى أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة و الدغل و الشر كما صرح به ابن الاثير.

قوله: و النصيحة لائمة المسلمين)

(1) النصيحة إرادة الخير للمنصوح و المراد بها هنا طاعة الائمة و اعانتهم على الحق و تأليف القلوب الى انقيادهم و الصلاة خلفهم و الجهاد معهم و بالجملة إرادة كل ما هو خير فى الدنيا و الآخرة لهم و ترك الغش عليهم و يمكن تعميم الائمة بحيث يتناول العلماء أيضا، و من النصح لهم قبول رواياتهم و الرجوع إليهم فى الاحكام و حسن الظن بهم و الذب عنهم و عن أعراضهم و توقيرهم و جلب المنافع المشروعة إليهم و سد خلتهم و ترك حسدهم و غشهم و دفع الضرر عنهم.

قوله: و اللزوم لجماعتهم)

(2) أى الحضور فيها و الدوام عليها و الاهتمام بها على قدر الامكان و انما خص الثلاثة المذكورة بالذكر لانها اصول لجميع الخيرات و فروع للايمان الحقيقى باللّه و برسوله و باليوم الاخر.

قوله: فان دعوتهم محيطة من ورائهم)

(3) تعليل للزوم الجماعة و ترغيب فى حضورها و الدعوة أخص من الدعاء لانها للمرة الواحدة و المراد أن دعوتهم تحيط بهم اى تحدق بهم من جميع جوانبهم و تحفظهم من جميع جهاتهم يقال حاطه يحوطه حوطا و حياطة اذا حفظه و ذب عنه و أحاط به اذا أحدقه من جميع جوانبه و منه قولك أحطت به علما أى أحدق علمى به من جميع جهاته و عرفه من كل وجه.

قوله: المسلمون اخوة تتكافى دماؤهم)

(4) أى يتساوى فى القصاص و الجنايات و الديات لا تفاوت بين الشريف و الوضيع، و الكفؤ النظير و المساوى.

16

و يسعى بذمّتهم أدناهم.

و رواه أيضا عن حمّاد بن عثمان، عن أبان، عن ابن أبي يعفور، مثله و زاد فيه: و هم يد على من سواهم، و ذكر في حديثه أنّه خطب في حجّة الوداع بمنى في مسجد الخيف.

[الحديث الثاني]

2 محمّد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن حكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكّة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمّد، قال: فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابّته، فقال له سفيان: يا أبا عبد اللّه حدّثنا بحديث خطبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في مسجد الخيف، قال: دعني حتّى أذهب في حاجتي فإنّي قد ركبت فإذا جئت حدّثتك فقال: أسألك بقرابتك من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لمّا حدّثني. قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة و قرطاس حتّى اثبته، فدعا به ثمّ قال: اكتب: بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* خطبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في مسجد الخيف:

«نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها و بلّغها من لم تبلغه يا أيّها الناس ليبلّغ الشاهد الغائب، فربّ حامل فقه ليس بفقيه و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل للّه و النصيحة لأئمّة المسلمين

____________

<قوله>: و يسعى بذمتهم أدناهم)

(1) المراد بالذمة عهد الامان الّذي يجعله بعض المسلمين للعدو، يعنى اذا أعطى أحد من المسلمين و ان كان أدناهم العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين (1) و ليس لهم أن يغفروه و لا أن ينقضوا عليه عهده.

قوله: و رواه أيضا)

(2) فاعل رواه غير معلوم و لعله أحمد بن محمّد أبى نصر فهو رواه عن أبان بن عثمان تارة بلا واسطة و تارة بواسطة مع زيادة و هى

قوله: و هم يد على من سواهم)

(5) أى هم متناصرون على أعدائهم و مجتمعون عليهم و على عداوتهم، و هو خبر بمعنى الامر يعنى لا يجوز لهم التخاذل بل يجب عليهم أن يعاون بعضهم بعضا على جميع الاديان و الملل بحيث يكون أيديهم كيد واحدة و فعلهم كفعل واحد.

قوله: بمنى)

(3) منى بكسر الميم اسم لهذا الموضع المعروف و الغالب عليه التذكير و الصرف و قد يكتب بالالف.

قوله: مر لى بدواة)

(4) فى بعض النسخ «من لى بدواة» و هو بضم الميم و شد النون أمر من، المن و الاستفهام بعيد.

____________

(1) قوله «جاز ذلك على جميع المسلمين» يعنى وجب على جميع المسلمين الوفاء بعهد آحادهم فى الامان فالجواز بمعنى المضى و يصير الحربى بالامان محقون الدم و مصون المال بل شبهة الامان أيضا كذلك و حاصل الكلام أن الكافر الحربى الّذي يحل ماله و دمه و لا حرمة له انما هو غير المعاهد و غير صاحب الشبهة فلا يجوز قتله غيلة و اختلاس أمواله حين يعتقد كونه مصونا و لا يحترز فاذا دخل بلدا بظن الأمن و اعتقاد أنه لا يتعرض له احد من المسلمين و لو لشبهة غلط فيها فهو آمن و انما يجوز قتل من يحتمل القتل و يمكنه التحرز و مع ذلك لا يبالى و يلقى بنفسه الى التهلكة حتى يكون عهدة هلكه عليه قال العلامة (ره) فى القواعد كل موضع حكم فيه بانتفاء الامان اما لصغر العاقد أو جنونه أو لغير ذلك فان الحربى لا يغتال بل يرد الى مأمنه ثم يصير حربيا و كذا لو دخل بشبهة الامان مثل ان يسمع لفظا فيعتقده امانا او يصحب رفقة او يدخل فى تجارة الى آخره، فعقد الامان اما صحيح و اما باطل و للصحيح شرائط مذكورة فى الفقه منها أن آحاد المسلمين يجوز لهم عقد الامان لآحاد الكفار و لا يجوز عاما لجميع الكفار و لا لاهل اقليم و لا لبلد و لا لقرية و حصن و انما ذلك خاص بالامام و من نصبه له و خص بعضهم عقد الآحاد بالعشرة فما دون من الكفار و لا يجوز للواحد التجاوز عن العشرة فان كان تخصيصهم مستفادا من لفظ الآحاد و انه فى مقابل العشرات و المآت فالمستند ضعيف و ان كان لنص فانا لم نره و ان كان لاجماع فلم يثبت لنا و الحق أن ذلك غير خاص بعدد نعم نعلم عدم جواز تأمين الآحاد للحصن و القرية و امثالهما بالسيرة و العادة و أنه لو جاز تأمين الآحاد لحصن أو قرية من الكفار لبطل امر الجهاد و الحصار و تشوشت عساكر المسلمين و فسد الامر على الامام و اما ان كان عقد الامان فاسدا و صار شبهة للكفار فدخلوا بلاد الاسلام باعتقاد الا من لم يجز سلب مالهم و قتلهم و لا الخيانة فى أماناتهم و ودائعهم كما استفيد من عبارة القواعد بل للامام الحق ان يبلغهم مأمنهم و لسائر المسلمين أن لا يتعرضوا لهم، و منه يعلم حكم الكفار الذين يدخلون بلاد الاسلام فى زماننا باعتقاد الأمن و شبهة المعاهدات الدولية و ضمان الحكومات سواء كانوا تجارا أو سفراء او عابرى سبيل أو لغير ذلك من الاغراض و ان لم يكونوا ذميين و لا معاهدين بعهد صحيح صادر عمن هو أهله و اللّه العالم. (ش)

17

و اللّزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافى دماؤهم و هم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم» فكتبه سفيان ثمّ عرضه عليه و ركب أبو عبد اللّه (عليه السلام) و جئت أنا و سفيان.

فلمّا كنّا في بعض الطريق قال لي: كما أنت حتّى أنظر في هذا الحديث،

____________

<قوله>: كما أنت)

(1) أى قف فى مكانك و ألزمه كما أنت فيه.

18

فقلت له: قد و اللّه ألزم أبو عبد اللّه (عليه السلام) رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا فقال: و أيّ شيء ذلك؟ فقلت له: ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم إخلاص العمل للّه قد عرفناه و النصيحة لأئمّة المسلمين من هؤلاء الأئمّة الّذين تجب علينا نصيحتهم؟

معاوية بن أبي سفيان و يزيد بن معاوية و مروان بن الحكم و كلّ من لا تجوز شهادته عندنا و لا تجوز الصّلاة خلفهم؟ و قوله: و اللّزوم لجماعتهم فأيّ الجماعة؟ مرجئي يقول من لم يصلّ و لم يصم و لم يغتسل من جنابة و هدم الكعبة و نكح أمّه فهو على إيمان جبرئيل و ميكائيل؟ أو قدريّ يقول: لا يكون ما شاء اللّه عزّ و جلّ و يكون ما شاء

____________

<قوله>: مرجئى)

(1) المرجئة بالهمزة و المرجئة بالياء فرقة من فرق الاسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الايمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة سموا بذلك لاعتقادهم أن اللّه أرجأ تعذيبهم على المعاصى أى أخره عنهم يقال أرجأت الامر و أرجيته بالهمزة أولياء اذا آخرته و النسبة الى المهموز مرجئى بضم الميم و سكون الراء و كسر الجيم و تشديد الياء و الى غيره مرجى بياء مشددة عقيب الجيم.

قوله: أو قدرى)

(2) قد ذكرنا فى باب الجبر و القدر و الامر بين الامرين أن القدرية تطلق على معنيين أحدهما و هو الاشهر أنهم الفرقة المجبرة الذين يثبتون كل الافعال بقدر اللّه و ينسبون القبائح كلها إليه و ثانيهما المفوضة الذين يقولون فوض اللّه جميع أفعال العباد إليهم بحيث يخرجون عن ربقة الانقياد له من غير أن يكون له تصرف و تدبير و إرادة فيها و الاخير هو الانسب هنا بقرينة قوله لا يكون ما شاء اللّه و يكون ما شاء ابليس فنفى ان يكون له تعالى مشية و إرادة و تدبير و تصرف فى أفعال العباد و أثبت ذلك لا بليس و قد مر فساد ذلك فى ذلك الباب

قوله: أو حرورى)

(3) الحرورية فرقة من الخوارج منسوبة الى حروراء بالمد و القصر و فتح الحاء فيهما و هى قرية قريبة من الكوفة كان أول جماعتهم و تحكيمهم فيها و انما سموا بذلك لانهم لما رجعوا عن الصفين و انكروا التحكيم نزلوا بحروراء و تؤامروا فيها على قتال على (ع) فسموا حرورية.

قوله: أو جهمى)

(4) فى المغرب رجل جهم الوجه عبوس و به سمى جهم بن صفوان المنسوب إليه الجهمية و هى فرقة شايعته على مذهبه و هو القول بان الجنة و النار تفنيان و أن الايمان هو المعرفة فقط دون الاقرار و دون سائر الطاعات و أنه لا فعل لاحد على الحقيقة الا اللّه و أن العباد فيما ينسب إليهم من الافعال كالشجر تحركه الريح فان الانسان لا يقدر على شيء انما هو فى أفعاله لا قدرة له و لا إرادة و لا اختيار، و انما يخلق اللّه الافعال فيه على حسب ما يخلق فى

19

إبليس، أو حروريّ يتبرّأ من عليّ بن أبى طالب و شهد عليه بالكفر أو جهميّ يقول:

إنّما هي معرفة اللّه وحده ليس الإيمان شيء غيرها؟!! قال: ويحك و أيّ شيء يقولون؟ فقلت: يقولون: إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و اللّه الإمام الّذي يجب علينا نصيحته، و لزوم جماعتهم: أهل بيته، قال: فأخذ الكتاب فخرقه ثمّ: قال لا تخبر بها أحدا.

[الحديث الثالث]

3 عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما نظر اللّه عزّ و جلّ إلى وليّ له يجهد نفسه بالطاعة لإمامه و النصيحة إلّا كان معنا في الرّفيق الأعلى.

[الحديث الرابع]

4 عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن

____________

الجمادات (1) و تنسب إليه مجازا كما تنسب إليها و لا يجوز الاقتداء بالجهمى.

قوله: انما هى معرفة)

(1) الضمير راجع الى الايمان و التأنيث باعتبار الخبر.

قوله: ليس الايمان شيء غيرها)

(2) (2) شيء مرفوع فى جميع النسخ التى رأيناها و لعل وجهه أن اسم ليس ضمير الشأن و الجملة بعدها خبرها أو أن خبرها و هو الايمان مقدم على اسمها و هو شيء.

قوله: فى الرفيق الاعلى)

(3) قيل يعنى به الملائكة و النبيين الذين يسكنون أعلى عليين و هو اسم جاء على فعيل و معناه الجماعة كالصديق و الخليط يقع على الواحد و الجمع و منه قوله تعالى «وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً» و الرفيق المرافق فى الطريق و قيل يعنى به اللّه تعالى يقال اللّه رفيق بعباده من الرفق و هو الرأفة فهو فعيل بمعنى فاعل و المراد فى قربه.

____________

(1) قوله «على حسب ما يخلق فى الجمادات» و يسمونه الجبرية الخالصة و لا يعترف الاشعرية بانهم مجبرة. و جهم بن صفوان ظهر بمرو أواخر دولة بنى امية و قتلوه. (ش)

(2) قوله «ليس الايمان شيء غيرها» و يدل هذا الحديث على أن أصحاب الائمة (عليهم السلام) و معاصريهم كانوا يقيدون ألفاظ الاحاديث بالدليل العقلى و المتواتر من النقلى و هو الّذي يأبى عنه الاخباريون المتأخرون فان قوله «النصيحة لائمة المسلمين» الائمة لفظ عام يشمل العادل و الجائر و قيده الراوى بالعادل و اخرج منه معاوية و امثاله و قبل منه سفيان و كذلك قوله «لزم جماعة المسلمين» قيده بغير المرجى و الخارجى و القدرى و غيرهم بدليل العقل. (ش)

20

محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.

[الحديث الخامس]

5 و بهذا الإسناد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من فارق جماعة المسلمين و نكث صفقة الابهام جاء إلى اللّه عزّ و جلّ أجذم.

____________

<قوله>: من فارق جماعة المسلمين قيد شبر)

(1) يقال بينهما قيد شبر و قادة شبر اى قدره و فيه ترغيب فى الكون معهم ظاهرا و باطنا و المراد بهم الائمة (عليهم السلام) أو الاعم منهم بشرط أن لا يكونوا من أهل البدعة و بالمفارقة المفارقة على وجه الاستنكاف و الاستكبار و الشناءة و المراد بها ترك السنة و اتباع البدعة، و الربقة فى الاصل عروة فى حبل تجعل فى عنق البهيمة أو يدها أو رجلها تمسكها و اضافتها الى الاسلام من باب اضافة المشبه به الى المشبه و الوجه هو الحفظ من الوقوع فى المهالك، و ذكر الخلع و العتق ترشيح للتنبيه، أو من باب الاضافة بتقدير اللام بأن يراد بها على سبيل الاستعارة ما يشد به المسلم نفسه من حدود الاسلام و أحكامه و أوامره و نواهيه و تجمع الربقة على ربق كلقحة على لقح و كسرة على كسر، و يقال للحبل الّذي فيه الربقة ربق و يجمع على رباق و أرباق مثل قداح على اقداح و حمل على أحمال.

قوله: صفقة الابهام)

(2) فى بعض النسخ «صفقة الامام» فى المغرب الصفقة ضرب اليد على اليد فى البيع و البيعة، ثم جعلت عبارة عن العقد نفسه، و فى النهاية هى أن يعطى الرجل عهده و ميثاقه لان المتعاقدين يضع أحدهما يده فى يد الاخر كما يفعل المتبايعان و هى المرة من التصفيق باليدين و الصفق الضرب الّذي يسمع له صوت و كذلك التصفيق.

قوله: اجذم)

(3) قال في النهاية و فيه «من تعلم القرآن ثم نسيه لقى اللّه يوم القيمة و هو أجذم» أى مقطوع اليد من الجذم القطع و منه حديث على «من نكث بيعته لقى اللّه و هو أجذم ليست له يد» و قال القتيبى الاجذم ليس مخصوصا بمقطوع اليد بل المراد به كل من ذهبت اعضاؤه كلها و ليست اليد أولى بالعقوبة من باقى الاعضاء يقال رجل أجذم و مجذوم اذا تهافتت اطرافه من الجذام و هو الداء المعروف. و قال ابن الانبارى معنى الحديث أنه لقى اللّه و هو أجدم الحجة لا لسان له يتكلم و لا حجة فى يده و قول على (ع) «ليست له يد» أى لا حجة له و قيل معناه لقيه منقطع السبب و قال الخطابى معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الانبارى و هو أن من نسى القرآن لقى اللّه خالى اليد من الخير صفرها من الثواب فكنى باليد عما يحويه و يشتمل عليه من الخير اذا عرفت هذا فنقول الاجذم فى حديثنا هذا يحتمل معانى أحدها مقطوع اليد و ثانيها مقطوع الاعضاء كلها و ثالثها مقطوع الحجة لا لسان له يتكلم به و رابعها مقطوع السبب لا سبب

21

«باب» (ما يجب من حق الامام على الرعية و حق الرعية على الامام)

[الحديث الأول]

1 الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن حمّاد بن عثمان عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما حقّ الامام على النّاس؟ قال: حقّه عليهم أن يسمعوا له و يطيعوا، قلت: فما حقّهم عليهم؟ قال: يقسم بينهم بالسويّة و يعدل في الرعيّة، فإذا كان ذلك في النّاس فلا يبالي من أخذ هاهنا و هاهنا.

____________

له يتمسك به و خامسها مقطوع الخير كله و الاول أرجح لان البيعة تباشر اليد من بين الاعضاء لان المبايع يضع يده فى يد الامام عند عقد البيعة و أخذها عليه ثم الثالث لان اللسان يتكلم بالتعاهد و الميثاق.

قوله: قال حقه عليهم أن يسمعوا له و يطيعوا)

(1) أى حقه عليهم أن يسمعوا لاقواله و أوامره و نواهيه و مواعظه و نصائحه و ندائه الى الجهاد و أن يطيعوه فى جميع ذلك، لان نظام الكلى الجامع لهم معه لا يتم بدون ذلك و هذان الحقان و ان كانا له عليهم الا أنه يطلبهما منهم لما يعود عليهم من نفع الدنيا و الآخرة فان السماع من الداعى الى اللّه و اطاعته جاذبان للسامع و المطيع فى الدنيا و الآخرة الى الخير و الكراهة عنده تعالى.

قوله: قال يقسم بينهم بالسوية و يعدل فى الرعية)

(2) أى حق الرعية على الامام أن يقسم الفيء بينهم بالسوية (1) لا يفرق بين الشريف و الوضيع كما فعل أمير المؤمنين (ع) فى خلافته على خلاف ما فعله الثلاثة حتى أنه أعطى عمارا و عتيقه و طلحة و الزبير على السواء فغضب طلحة و الزبير و نكثا البيعة و رجعا عن الحق. و أن يعدل بين الرعية فى التأديب و التعليم و التقسيم و التحديد و النصيحة و فى جميع الامور و لا يجور فيهم اذ بذلك يحصل صلاح الدنيا و الدين و يتم نظام الالفة و الاجتماع و التودد و العزة و بخلافه يظهر معالم الجور و الفساد و يفشو أسباب الظلم و العناد و تفترق الكلمة بين العباد و العدل متوقف على العلم و الحكمة و العفة و الشجاعة و السخاوة و هذه الامور لا تحصل الا لمن تخلى عن جميع الرذائل و تحلى بجميع الفضائل.

قوله: فاذا كان ذلك فى الناس)

(3) أى فاذا كان ذلك المذكور و هو السماع و الاطاعة

____________

(1) قوله «يقسم الفيء بينهم بالسوية» قيد الشارح- (رحمه اللّه)- التسوية بالفيء و هو حق و المراد من التسوية ان لا يرجح أحدا بغير رجحان واقعى شرعى و ان كان الرجحان لرجلين بالسوية سوى بينهما فى العطية لا أن لا يرشح لاحد بفضله و ربما يتمسك الجهال بقوله (ع) «يقسم بينهم بالسوية» على أنه يجب على الامام تقسيم جميع الاموال الموجودة فى العالم بين الناس بالسوية على ما عليه الملاحدة الاشتراكية و الفوضوية و أمثالهم و هو باطل اذ لم يجوز الامام أن يغصب أموال الناس التى بأيديهم و يسلبها منهم ثم يقسمها بين الناس و هذا خلاف الضرورى من دين الاسلام بل جميع الاديان و لذلك ينكر أصحاب هذه الآراء الفاسدة وجود الخالق جل شأنه و نبوة الأنبياء و الشريعة الالهية لانهم يعلمون أن الاعتقاد بهذه الاشياء يناقض ما يريدون من تقسيم الاموال و الاباحة المطلقة. (ش)

22

[الحديث الثاني]

2- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله إلّا أنّه قال:

هكذا و هكذا و هكذا [و هكذا] يعني [من] بين يديه و خلفه و عن يمينه و عن شماله.

[الحديث الثالث]

3 محمّد بن يحيى العطّار، عن بعض أصحابنا، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تختانوا ولاتكم

____________

من الرعية و التسوية و العدل من الامام ظاهرا فى الناس لا يبالى و لا يكترث (1) بمن أخذ هاهنا و هاهنا أى ذهب الى اليمين و الشمال و أى جهات شاء أى بمن ذهب الى مذاهب مختلفة، قال الفاضل الأسترآبادي معناه ان صاحب حق اليقين فى دينه لا يحتاج الى موافقة الناس اياه و انما يحتاج إليه من يكون متزلزلا فى دينه.

قوله: الا أنه قال: هكذا و هكذا و هكذا)

(1) فى أكثر النسخ ثلاث مرات و فى بعضها أربع مرات و هو الانسب بالتفسير و الظاهر أن هذا العبارة وقعت موضع هاهنا و هاهنا.

قوله: لا تختانوا ولاتكم)

(2) خانه فى كذا خونا و خيانة و اختانه اى عده خائنا و نسب الخيانة إليه و هى تدخل فى المال و غيره و فى جميع أعضاء الانسان و منه خائنة الاعين أى ما يخونون فيه من مسارقة النظر الى ما لا يحل و الخائنة بمعنى الخيانة و هى من المصادر التى جاءت على لفظ الفاعل يعنى لا تنسبوا الخيانة الى ولاة الحق و أئمة الصدق فى الاموال و الاحكام و العقائد و الاقوال و الافعال و الحركات و السكنات.

____________

(1) قوله «لا يبالى و لا يكترث» ضمير الفاعل راجع الى الامام يعنى أن أكثر الناس اذا اطاعوا و عمل الامام بينهم بالعدل و التسوية فلا يجوز له أن يكترث بمخالفة من خالف كطلحة و زبير و عائشة و معاوية لان العمدة هى قبول العامة. و ينبغي أن يتفطن اللبيب هنا لما يشتبه على العامة بانصراف ذهنهم من الكلام الى فروع غير لازمة مثلا من قوله (ع) «حقه عليهم أن يسمعوا له و يطيعوا» ينصرف ذهنهم الى أن للامير أن يحكم بما أراد و ليس كذلك بل يجب عليه أيضا التقسيم بالتسوية و العدل و قبول الناس و اطاعتهم مشروط بهما و كذلك اذا قلنا للولى أن يتصرف فى مال اليتيم و ليس للصغير الاعتراض عليه بعد البلوغ لا يدل على عدم وجوب مراعاة الغبطة و اذا قلنا يجب على الابن اطاعة والده لا يدل على جواز ان يأمره بالمعاصي و هكذا بل كل مقيد فى فعله بشيء (ش)

23

و لا تغشّوا هداتكم و لا تجهّلوا أئمّتكم و لا تصدّعوا عن حبلكم فتفشلوا و تذهب ريحكم، و على هذا فليكن تأسيس أموركم و الزموا هذه الطريقة، فانّكم لو عاينتم ما عاين من قد مات منكم ممّن خالف ما قد تدعون إليه لبدرتم و خرجتم و لسمعتم و لكن محجوب عنكم ما قد عاينوا و قريبا ما يطرح الحجاب.

____________

<قوله>: و لا تغشوا هداتكم)

(1) الغش بالكسر خلاف النصح غشه يغشه من باب نصر غشا بالكسر اذا لم ينصحه و أظهر عليه شيئا و أراد غيره و من الغش أن يريد بهم سوءا و مكروها و أن لا يأتمر بأوامرهم و لا ينتهى بنواهيهم و لا يذب عنهم و لا يتساوى نسبته إليهم فى السراء و الضراء

قوله: و لا تجهلوا ائمتكم)

(2) (1) أى لا تنسبوا الجهل بأمر من الامور مطلقا لا مركبا و لا بسيطا إليهم فانهم حكماء ربانيون و علماء الهيون، خلقوا لبيان الحق و هداية الخلق إليه سبحانه فلا يجوز لهم الجهل بشيء و الا لفات الغرض.

قوله: و لا تصدعوا عن حبلكم فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ)

(3) الصدع الشق و منه تصدع الناس اذا تفرقوا و الحبل النور و منه كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض أى نور ممدود يعنى نور هداه، و العرب شبه النور الممدود بالحبل و الخيط و الحبل أيضا العهد و الميثاق و الوسيلة و السبب و النصرة و القوة، و الفشل الفزع و الجبن و الضعف، و الريح معروف و قد يكون بمعنى الغلبة و القوة و تستعمل أيضا فى الدولة مجازا «و تفشلوا» و ما عطف عليه مجزومان على أنهما جواب النهى يعنى لا تتفرقوا عن النور الّذي هو الامام أو عن السبب الّذي جعله اللّه وسيلة للتقرب منه و الوصول إليه و هو التمسك بذيله أو عن عهده و ميثاقه أو عن نصرته و قوته فانكم ان تتفرقوا عنه تفزعوا باستيلاء الاعداء و تضعفوا عن مقاومتهم و تذهب غلبتكم عليهم و قوتكم فى دفع صولتهم أو تذهب دولتكم باستعارة الريح لها من حيث أنها فى تمشى أمرها و نفاذه مشبهة بالريح فى هبوبه و نفوذه أو تذهب ريحكم الطيب و هو نور الايمان، و يحتمل أن يراد بالريح المعنى المعروف فان النصرة لا يكون الا بريح يبعثه اللّه و فى الحديث «نصرت بالصبا و أهلك عادا بالدبور» و بالجملة التفرق عن الحبل المذكور و عدم التمسك به موجب لغلبة الاشرار و مذلة الابرار.

____________

(1) قوله «و لا تجهلوا أئمتكم» ظاهر الحديث يدل على أن كلامه (ع) كان بعد وقعة الصفين و اختلاف الكلمة فى أصحابه و انحراف ضعفاء الايمان و مقصوده من أئمتكم نفسه الشريفة و اطلاق الجمع و إرادة الفرد غير عزيز و هو بمنزلة الكلى المنحصر فى الفرد كالشمس و القمر و يمكن أن يكون المراد أئمة الحق من ذريته و ان لم يتولوا أمر المسلمين فى الحكومة و السياسة و أمور العامة أو ما يعم ذلك بفرض ثبوت الولاية الظاهرية و على كل حال فلا يعم كلامه (ع) أئمة الجور قطعا لان الانسان اذ رأى الجهل فى أحد كيف يمكن أن يؤمر بأن لا يجهله. (ش)

24

[الحديث الرابع]

4- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عبد الرّحمن بن حمّاد و غيره، عن حنان بن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: نعيت إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)

____________

<قوله>: و على هذا فليكن)

(1) «على» متعلق بالتأسيس قدم للحصر يقول أسست البناء تأسيسا اذا أحكمته و المقصود اجعلوا بناء اموركم الدنيوية و الاخروية على هذا الاساس الّذي ذكرته لكم و الزموا هذه الطريقة المستقيمة فى السير الى اللّه تعالى و لا تفارقوها.

قوله: فانكم لو عاينتم)

(2) تعليل لما ذكر و ترغيب فيه و حث على قبوله و «ممن خالف» بيان لمن و الخطاب لطائفة من عساكره فان أكثرهم لم يعرفوه حق معرفته و يندرج فيه من يحذو حذوهم الى يوم القيامة، يعنى أنكم لو عاينتم و شاهدتم بالمعاينة ما عاين من الاهوال و العقوبات من قد مات منكم و هو من خالف ما قد تدعون إليه (1) من بناء اموركم على ما ذكر و لزوم الطريقة المذكورة لبدرتم الى ما تدعون إليه و أسرعتم الى قبوله و خرجتم عن المخالفة الى الموافقة و عن التثاقل من متابعة الهداة الى التبادر فيها و لسمعتم ما أقول لكم و احرضكم و لكن محجوب عنكم ما قد عاينوا لاقتضاء حكمة التكليف ذلك و قريبا ما، و هو وقت الموت أو يوم القيامة، يطرح الحجاب فترون و خامة عاقبتهم و شدة عقوبتهم.

قوله: نعيت الى النبي (ص) نفسه)

(3) النعى خبر الموت و هو يتعدى بنفسه يقال نعى

____________

(1) قوله «خالف ما تدعون إليه» من ولاية أمير المؤمنين (ع) و سيرته و طريقته و هذا أيضا يدل على أن جماعة من مخالفيه كاصحاب الجمل و الصفين كانوا قد مضوا و ماتوا حين كان يتكلم (ع) بهذا الكلام و ظاهر قوله «ما عاين من قد مات منكم» انهم عاينوا العذاب الالهى بعد الموت من غير ريث لمخالفتهم و كانوا حين تكلم أمير المؤمنين (ع) بهذا الكلام معذبين و أن الاحياء ان كشف لهم الغطاء لابصروا ما يلقونه من العذاب فعلا و لاعتبروا بهم و بدروا الى ترك الخلاف و سارعوا الى اطاعته (ع) و العود الى الجهاد مع أعدائه و يؤيد ذلك قوله «و لكن محجوب عنكم ما قد عاينوا» فانه يدل على وجود العذاب فعلا و لو لم يقم القيامة بعد فان العذاب لا يتوقف على ذلك و بالجملة فمن كان مائنا من مخالفيه (ع) فى حياته كان معذبا بمخالفته لكن عذابه كان محجوبا عن الاحياء، فاذا طرح الحجاب لرأوا ما بهم و تابوا عن التثاقل. و هذا صريح فيما يقول علماؤنا من وجود العذاب و الثواب فى عالم البرزخ و ان ذلك نشأة من النشآت خفية عن أبصار اهل عالم الملك و الشهادة فى الدنيا لكونها من الغيب و الملكوت و عالم الآخرة و الحاجب بين العالمين هو تعلق الروح بالبدن العنصرى و طرح الحجاب بطرحه و لذلك قرائن كثيرة و أدلة و براهين فى الروايات يعجز عن احصائها المتتبع فكم قد ضل من أنكر النشآت و آخر الجزاء و أطال المدى و اللّه الهادى (ش).

25

نفسه و هو صحيح ليس به وجع. قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، قال: فنادى (صلى اللّه عليه و آله) الصلاة جامعة و أمر المهاجرين و الأنصار بالسلاح و اجتمع الناس، فصعد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) المنبر فنعى إليهم نفسه ثمّ قال: «اذكر اللّه الوالي من بعدي على أمّتي ألا يرحم على جماعة المسلمين فأجلّ كبيرهم و رحم ضعيفهم و وقّر عالمهم و لم يضرّ بهم

____________

الميت ينعاه من باب علم اذا أذاع موته و أخبر به و اذا ندبه فتعديته بالى للتأكيد و المبالغة أو لتضمين معنى الالقاء و الناعى هاهنا هو نفسه المقدسة بالهام ربانى أو بنفخ روح القدس و هو الاظهر لقوله «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ».

قوله: و أمر المهاجرين و الانصار بالسلاح)

(1) السلاح بالكسر آلة الحرب و لعل الغرض من أمرهم بالسلاح هو أن ينظر الى شدة بأسهم و استعدادهم.

قوله: اذكر اللّه الوالى)

(2) (1) تقول أذكرته اذا جعلته على ذكر منه.

قوله: الا يرحم)

(3) «الا» حرف التحضيض للتحريص على الرحمة و الحث عليها.

قوله: فأجل كبيرهم)

(4) عدل عن المضارع الى الماضى لاظهار الحرص على وقوع الفعل، و قد روى عنه (ص) أنه قال «من اجلال اللّه اجلال ذى الشيبة المسلم» قيل و سر ذلك أنه أكبر سنا و أعظم تجربة (2) و أكيس حزما و أقرب من الرجوع الى اللّه تعالى.

قوله: و رحم ضعيفهم)

(5) (3) يشتمل الصغير و الفقير و النساء و الروايات الدالة على الترحم

____________

(1) قوله «اذكر اللّه الوالى» ربما يتوهم الجاهل من هذه العبارة صحة مذهب العامة و أنه (ص) لم يعين الوالى بعده بالنص و انما رشح عليا (ع) ليختاروه و يرجحوا ان أرادوا و لكن المعلوم لا يندفع بالمحتمل و الّذي يجب أن يقال هنا أن الغرض تنبيه الناس و أعلامهم بما يجب على الوالى حتى يطالبوه ان بخس حقهم و تماطل و يدفعوه ان اصر و يعلموا ان من لا يراعى حقوق الناس فليس واليا حقا يجب عليهم اطاعته بمقتضى قوله تعالى أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فينحصر الولاية الحقة فى أمير المؤمنين (ع). (ش)

(2) قوله «و أعظم تجربة» تأثير التجربة فى اصلاح أمر الدنيا أكثر و اشد من العلم و التفطن و العزم و الشجاعة و أمثالها و قوله أكيس لان العقول معارضة بالاوهام و الاوهام مستمدة من الشهوة و الغضب و باصطلاح اهل زماننا الغرائز و الاحساسات و العواطف لا تترك العقل يجزم بالحق الصراح و بعد عهد الشباب يضعف هذه الامور و الاوهام الناشئة منها و لذلك يستفاد كل الخير من آراء الشيوخ و ان ضعفوا فى البدن ثم ان لم يكن لهم فضل تجربة و حزم فهم مستأهلون للترحم كالصغار لا يجوز للوالى تركهم و ما هم فيه من الضعف و الهوان و العجز عن طلب الرزق و يجب عليه الانفاق عليهم و المواساة معهم من بيت المال و ما جعله اللّه لهم. (ش)

(3) قوله «و رحم ضعيفهم» هذا أيضا من وظائف الوالى لان الضعفاء الذين لا ولي لهم يقوم بامرهم لا يجوز ان يتركوا و ما هم فيه بل على الوالى أن يتعهدهم كالاب الشفيق بالانفاق و التربية من الاموال التى جعلها اللّه لهم و بترغيب اهل الخير و تأسيس مجامع الاعانات و غيرها. (ش)

26

..........

____________

عليهم و الاحسان إليهم و الشفقة بهم أكثر من أن تحصى.

قوله: و وقر عالمهم)

(1) فى بعض النسخ «عاملهم» و فى بعضها «عاقلهم بالقاف» و قد دلت الآيات المتكثرة و الروايات المتظافرة على توقير العالم (1) و العاقل و تعظيمهم و هم المقصودون من ايجاد الانسان.

قوله: (و لم يضر بهم فيذلهم)

(2) للاضرار افراد متفاوتة (2) فى الشدة و الضعف منها ترك الاجلال و الترحم و التوقير المذكورة و منها ايصال السوء و المكروه

____________

(1) قوله «على توقير العالم» كان ذلك صعبا على الولاة الظلمة بعد رسول اللّه (ص) لان العلماء كانوا يمنعونهم من تفريط الاموال و صرفها عن مصارفها الى اللهو و المناهى و لكن فى توقير العلماء اقامة امر اللّه تعالى و تعظيم أحكامه و تقوية قلوب أهل التقوى و جرأتهم على النهى عن المنكر و فى حدتهم فلو لحد استبداد الظلمة و توقيرهم يدل على عدل الوالى و عدم سوء نيته. (ش)

(2) قوله «للاضرار افراد متفاوتة» و الاصح فى تفسير الاضرار ايجاد الضرورة و المعنى انه لا يجوز للوالى ايجاد الضرورة و الالجاء على الرعية حتى يلتزموا بالطاعة بان يقبض على ضروريات معاشهم كالخبز و الماء و الملح و المساكن حتى لا يتكنوا من الاعتراض و المخالفة و لا يطالبوا من الولاة حقوقهم ان بخسوا و ما طلوا و الاطاعة من الخوف مذلة و المذلة مانعة من الرقا فى كل شيء و ذلك لان الرعية اذ رأوا انفسهم عاجزين عن كل فعل و عمل و محتاجين الى أعاظمهم فى حاجاتهم الضرورية كانوا كاسراء أذلاء و على خلاف مقتضى الفطرة الانسانية المختارة مجبورة محبوسة آيسة من الحياة و هذه الصفات تمنعهم من النشاط فى كل شيء و يقسرهم على خلاف مقتضى طبائعهم كالجمادات آلات بيد الولاة و لا يحصل لهم حظ فى العلوم و الصناعات و غير ذلك بخلاف ما اذا وجد كل واحد منهم نفسه مالكا قادرا يفعل ما يريد من غير أن يمنعه مانع فينشط للعمل و الفكر و الاختراع و لا يتصور نفسه ذليلا، أما خوف الملوك من ترك الطاعة اذا استغنى الرعية فلا يوجب ارتكاب الافسد و ما حكى عن بعض الخلفاء «أجع كلبك يتبعك» كلام لا يطابق اصول الاسلام و لا فعل أمير المؤمنين (ع) بل يجب أن يكون الاطاعة بالرضا و الاختيار لا بالاضرار و الالجاء و أى سبب موجب للاطاعة أقوى من العدل و ترك الطمع و ترويج أحكام اللّه تعالى و قد امر بحضور الوالى نفسه فى المساجد و اقامة الجماعة و منع من المقاصير فى محراب المساجد ليكون الولاة مجدين فى حفظ رضا الرعية و قد حكى أن ولاة بلاد النصارى يحضرون بانفسهم فى المجامع من غير خوف و تحرز مع اطاعة رعاياهم اياهم بالرضا و الاختيار (ش).

27

فيذلّهم و لم يفقرهم فيكفرهم و لم يغلق بابه دونهم فيأكل قويّهم ضعيفهم و لم يخبزهم في بعوثهم فيقطع نسل أمّتي، ثمّ قال: [قد] بلّغت و نصحت فاشهدوا». و قال

____________

إليهم و منها عدم و دفع الظلم عنهم و كل هذه و أمثالها مما يوجب لحوق الذل بهم و رفع العز عنهم، و اذلال المؤمن، و فعل ما يوجب اذلاله مذموم قطعا و موجب لتبدد النظام و انقطاع الألفة المطلوبة شرعا.

قوله: و لم يفقرهم فيكفرهم)

(1) (1) أفقره و أكفره أى جعله فقيرا و كافرا يعنى لم يجعلهم فقراء ذوى الفاقة لا صبر لهم بمنع حقوقهم فيجعلهم كفارا لانهم ربما ارتدوا اذا منعوا عن الحق و لذلك قال (ص) كما روى عنه «الفقر كاد أن يكون كفرا» و أصل الكفر تغطية الشيء تغطية تستهلكه قال فى النهاية الكفر صنفان أحدهما بأصل الايمان و هو ضده و الاخر الكفر بفرع من فروع الاسلام فلا يخرج به عن أصل الايمان. و قيل الكفر على أربعة أنحاء كفر انكار بأن لا يعرف اللّه أصلا و لا يعترف به، و كفر جحود ككفر ابليس يعرف اللّه بقلبه و لا يقر بلسانه، و كفر عناد و هو أن يعرف بقلبه و لا يدين به حسدا و بغيا ككفر أبى- جهل و اضرابه. و كفر نفاق و هو أن يقر بلسانه و لا يعتقد بقلبه.

قوله: و لم يغلق الباب [كذا] دونهم)

(2) تقول أغلقت الباب اغلاقا فهو مغلق اذا سددته و ما غلقت الباب غلقا على صيغة المجرد فهى لغة ردية متروكة و اغلاق الباب كناية عن منع الوالى رعيته من الدخول عليه و الوصول إليه و عرض الاحوال عليه و عدم تفقده لاحوالهم غفلته عنها فان ذلك يوجب وقوع الهرج و المرج فيهم و أكل قويهم ضعيفهم و تسلط الظلمة و الاعداء عليهم.

قوله: و لم يخبزهم فى بعوثهم)

(3) الخبز بفتح الخاء المعجمة فالباء

____________

(1) قوله «و لم يفقرهم فيكفرهم» ايجاد الفقر من الولاة يتصور بأمور منها تثقيل الخراج و تكثيره و اختراع الضرائب حتى يقل نفع الزارع و التاجر و يترك عمله و منها ايجاد الموانع لنقل الامتعة من بلد الى بلد و ضرب المكوس و العشور و منها القبض على المباحات و منع الناس من الحيازة كالصيد و الاراضى و المياه الا بقيود شديدة و منها منع الناس من المسافرة و من الصنائع المشروعة و وضع القيود و الشرائط السالبة للحرية و الاختيار و أمثال ذلك كثيرة و قد ورد «أن ظلم الولاة يمنع بركات السماء». (ش)

28

أبو عبد اللّه (عليه السلام) هذا آخر كلام تكلّم به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) على منبره.

[الحديث الخامس]

5 محمّد بن عليّ و غيره، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن رجل عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) عسل و تين من همدان و حلوان فأمر العرفاء أن يأتوا باليتامى، فأمكنهم من رءوس الأزقاق يلعقونها و هو يقسمها للناس قدحا، قدحا، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما لهم يلعقونها؟ فقال:

____________

الموحدة الساكنة فالزاى المعجمة السوق الشديد عن أبى زيد و أنشد:

لا تخبزا خبزا و بسا بسا * * * و لا تطيلا بمناخ حبسا

و البس السوق اللين و البعوث الجيوش جمع بعث و هو الجيش، تقول كنت فى بعث فلان أى فى جيشه الّذي بعث معه، و هذا يحتمل وجهين: أحدهما أن الوالى لا ينبغى له أن يسوق جيشه الى العدو سوقا شديدا بل ينبغى أن يسوقهم سوقا لينا و يطلب الماء و الكلا و المرعى فى سيرهم فانه أبقى لقوتهم و قوة دوابهم و بهما يتوقع الغلبة على العدو و ثانيهما أنه ينبغى أن لا ينهض المسلمين كلهم دفعة فانه قد يوجب قتل جميعهم فينقطع نسل الامة بل ينبغى أن ينهض طائفة منهم كما قال جل شأنه: «فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ» و فى بعض النسخ و لم يجنزهم بالجيم و النون أن لم يجمعهم و فى بعضها و لم يجمرهم بالجيم و الميم و الراء المهملة قال فى النهاية تجمير الجيش جمعهم فى الثغور و حبسهم عن العود الى أهلهم، و منه حديث الهرمزان كسرى جمر بعوث فارس.

قوله: قال أبو عبد اللّه (ع) «هذا آخر الكلام- الخ)

(1) الغرض منه اما لبيان الواقع أو للدلالة على أنه (ص) لم يمض الا و قد كان له ولى يقوم مقامه و هو ليس بالاتفاق غير على بن أبى طالب (ع) فبطل قول من زعم بخلافه.

قوله: قال جاء الى أمير المؤمنين (ع) عسل و تين من همدان و حلوان)

(2) همدان قبيلة من اليمن و بلد فى العجم و حلوان بالضم اسم قرية قريبة من كردستان (1) و الظاهر أن فيه لفا و نشرا مرتبا و أن اسناد «جاء» الى «عسل و تين» اسناد مجازى

____________

(1) قوله «قرية قريبة من كردستان» و يسمى فى زماننا پلذهاب و هى أول الجبل و همدان الظاهر انها البلد المشهور دون القبيلة اذ لا يؤتى بالعسل من القبيلة بل من البلد قد ذكر الجهشيارى فى كتاب الوزراء خراج همدان و دستبى أحد عشر ألف ألف و ثمانمائة ألف درهم (11800000) و رب ريباس الف من و العسل الاروندى (يعنى جبال ألوند) عشرون الف رط و الظاهر ان عسل همدان كان مشهورا بالجودة و دستبى كورة و قرى واقعة بين الرى و همدان يشمل قزوين و آوج و أمثالهما و لم يكن الخراج فى ذلك العهد خاصا بالدراهم و الدنانير و لا بالغلات الاربع بل كان يؤخذ من كل جنس و ذكر فى خراج خراسان الاهليلج و فى خراج السواد طين الختم و فى خراج فارس ماء الورد ثلاثين الف قارورة و الانبجات و غيرها و كان ذلك كلها من مال الصلح الّذي التزم اهل هذه البلاد أن يدفعوها الى الامام حتى يبقى اراضيهم و املاكهم فى ايديهم و لذلك لا يعد أراضى تلك البلاد و أمثالها من املاك عامة المسلمين بل هى ملك لمن هى بيده عليه ان يؤدى الخراج الّذي هو مال الصلح و ليست من المفتوحة عنوة بالمعنى الاخص فان الاراضى المفتوحة على قسمين الاول ما كافح اهلها و حاربوا المسلمين حتى قهروا و غلب عليهم جنود الاسلام و أراضى هؤلاء ملك لعامة المسلمين و هذا القسم قليل جدا. و القسم الثانى ما صالح أهلها مع جنود الاسلام قبل أن يستأصلوا و يقهروا على مال يؤدونه و يقرون على املاكهم الخاصة و هكذا غالب البلاد و هذه الاراضى خاصة بأربابها انتقلت منهم يدا بيد و عليهم الخراج. (ش)

29

إنّ الامام أبو اليتامى و إنّما ألعقتهم هذا برعاية الآباء.

[الحديث السادس]

6 عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن القاسم بن محمّد الاصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه و

____________

قوله: فامر العرفاء)

(1) جمع عريف بمعنى عارف مثل عليم بمعنى عالم و المراد به هنا النقيب و هو دون الرئيس.

قوله: فأمكنهم من رءوس الازقاق يلعقونها)

(2) الازقاق جمع زق بالكسر و هو السقاء و اللعق «ليسيدن» و الفعل من باب علم يقال لعقت الشيء ألعقه لعقا أى لحسنه.

قوله: برعاية الاباء)

(3) دل على أنه ينبغى رعاية الاطفال و الايتام و احترامهم و أنها الحقيقة رعاية احترام للآباء كما دل عليه أيضا حفظ موسى و خضر (عليهم السلام) للطفل الكنز الّذي تحت الجدار باقامته لكون أبيه صالحا و قد نقل أنه كان الأب السابع.

قوله: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)

(4) هذا الحديث مع تفسيره الآتي مذكور فى كتب العامة أيضا. روى مسلم باسناده فى باب خطبة الجمعة عن جابر بن عبد اللّه عن النبي (ص) أنه قال فى آخرها «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلاهله و من ترك دينا أو ضياعا فعلى والى» قال الابى و أولى اما من الولى بمعنى القرب أو المالكية كما فى قوله تعالى «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّٰهِ مَوْلٰاهُمُ الْحَقِّ» أى مالكهم أو من الولاية بالكسر و منه ولى

30

عليّ أولى به من بعدي، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من ترك دينا

____________

اليتيم و القتيل أى من يتولى أمرهما و الوالى فى البلد أو من الولاية بالفتح بمعنى النصرة و منه قوله تعالى «ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا» أى ناصرهم و استدل المازرى و غيره بقوله «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه» على أنه لو اضطر (ص) الى طعام أو غيره و هو بيد ربه و ربه أيضا مضطر إليه لكان أحق به من ربه و وجب على ربه بذله له و هذا و ان جاز لكنه لم يقع و لم ينقل، نقل محيى الدين البغوى عن ابن قتيبة أن الضياع بفتح الضاد العيال و هو مصدر فى الاصل يسمى به العيال ضاع ضياعا كقضى قضاء و أما الضياع بالكسر فجمع ضائع كجياع جمع جائع و الضيعة ما يكون منه عيش الرجل من حرفة أو تجارة يقال ما ضيعته فيقال كذا. و فى الصحاح الضيعة العقار و قوله «فعلى» معناه فعلى قضاء دينه و كفاية ضياعه أى عياله (1) و هذا الحكم عندنا ليس مختصا به (ص) بل هو جار فى أوصيائه من بعده كما دل عليه قوله و على و إلى» فعليهم أيضا انفاق ذرية المسلمين و قضاء ديونهم بل قضا ديون الاحياء اذا عجزوا عن قضائها كما دل عليه حديث آخر هذا الباب. و أما عندهم فقد اختلفوا فيه، قال المازرى الاصح أنه ليس مختصا به بل يجب ذلك على الائمة من بيت المال ان كان فيه سعة و ليس ثمة ما هو أهم منه و قال بعضهم انه من خصايصه فلا يجب على الائمة (عليهم السلام) ثم الظاهر من هذا الحديث و الصريح من كلام المازرى ان ذلك كان واجبا عليه لا ان فعله تكرمة و تفضل، هذا ينافى ما روى فى طرقنا و طرقهم من أنه (ص) ترك الصلاة على من توفى و عليه دين و قال «صلوا على صاحبكم» و فى طرقنا «حتى ضمنه بعض أصحابه و يمكن الجواب بأن هذا كان قبل ذلك عند التضيق و عدم حصول الغنائم و ذلك كان بعد التوسع فى بيت المال و الفتوحات و الغنائم، و يؤيده ما روى من طرقهم أنه كان يؤتى بالمتوفى و عليه دين فيقول (ص) هل ترك لدينه قضاء فان قيل ترك صلى، فلما فتح اللّه تعالى الفتوح قال (ص) أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك دينا فعلى و من ترك مالا فلورثته و قال المازرى تركه الصلاة على من مات و لم يترك وفاء انما كان يفعله لئلا يتسامح الناس فى عدم قضاء الدين. و فيه أنه يلزم أن يترك ما هو واجب عليه و هو قول لا يجوز

____________

(1) قوله «كفاية ضياعه أى عياله» و زعم بعض الناس أن المراد بالضياع الاراضى و الاملاك غير المنقولة و المراد بالمال المنقول و المعنى ان من مات فماله المنقول لوارثه و أراضيه و املاكه لعامة المسلمين و يتصرف فيها الامام ولاية عن العامة و هذا غلط ناش من الجهل و مخالف للضرورة من الدين و لا يتصور أن يكون المراد هنا من الضياع الاملاك البتة (ش)

31

أو ضياعا فعليّ، و من ترك مالا فلورثته، فالرّجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، و ليس له على عياله أمر و لا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة و النبيّ و أمير المؤمنين (عليهما السلام) و من بعدهما ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم و ما كان سبب إسلام عامّة اليهود إلّا من بعد هذا القول من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أنّهم أمنوا على أنفسهم و على عيالاتهم.

[الحديث السابع]

7 عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن صباح بن سيابة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أيّما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا لم يكن في فساد و لا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك، إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول:

____________

التقول به فالاولى ما مر أو يقال ان ذلك فى قضية مخصوصة اما لان الدين لم يحصل على وجه مشروع أو لغير ذلك و اللّه أعلم.

قوله: فالرجل ليست له على نفسه ولاية)

(1) أى ليست له ولاية فى أداء ديونه اذا عجز عنه و لا له على عياله أمر و نهى فى الانفاق و صرف النفقة و تقدير المعيشة اذا لم يقدر على اجراء النفقة عليهم و انما الولاية فى ذلك للرسول و أوصيائه (عليهم السلام).

قوله: و النبي و أمير المؤمنين و من بعدهما)

(2) تفسير لقوله أنا أولى بكل مؤمن من نفسه و على أولى به من بعدى و ضمير التثنية راجع الى النبي و أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما) و ضمير الفاعل فى ألزمهم للّه تعالى و ضمير المفعول للنبى و أمير المؤمنين و من بعدهما و هذا اشارة الى ما ذكر من الولاية المذكورة.

قوله: و ما كان سبب اسلام عامة اليهود)

(3) اشارة الى بعض فوائد هذا القول حيث أن عامة اليهود مع تصلبهم فى دينهم آمنوا بعد سماعه طمعا فى وعده الصادق لان الانسان عبيد الاحسان.

قوله: قال رسول اللّه (ص) أيما مؤمن أو مسلم)

(4) فيه دلالة على أنه لا يقضيه عن الحى بحسب المفهوم الا أنه معارض بما هو أقوى منه فلا عبرة به و على أنه يقضيه عن مسلم غير مؤمن و الروايات تنافيه الا أن يكون الترديد من الراوى و يكون المراد بالمسلم المعنى الاخص أو يراد بالمؤمن من علم ايمانه و بالمسلم مجهول الحال و يؤيده ما رواه سدير الصيرفى قال: قلت لابى عبد اللّه (ع): أطعم سائلا أعرفه مسلما فقال نعم أعط من لا تعرفه بولاية و لا عداوة للحق ان اللّه يقول «وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً» و لا تطعم من نصب بشيء من الحق أو

32

«إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ» الآية فهو من الغارمين و له سهم عند الامام فان حسبه فإثمه عليه.

[الحديث الثامن]

8 عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا تصلح الإمامة إلّا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي اللّه، و حلم يملك به غضبه، و حسن الولاية على من يلى حتّى يكون لهم كالوالد الرّحيم.

و في رواية اخرى حتّى يكون للرّعيّة كالأب الرّحيم.

[الحديث التاسع]

9 عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن معاوية بن حكيم، عن محمّد بن أسلم، عن رجل من طبرستان يقال له: محمّد قال: قال معاوية: و لقيت الطبريّ محمّدا بعد

____________

دعا الى شيء من الباطل و على أنه لا يقضيه ان كان فى فساد و معصية و لا فى اسراف و تبذير هذا ان كان ميتا و اما اذا كان حيا و تاب ان شرطنا العدالة فيجوز ان يعطى من سهم الفقراء دون الغارمين فيقضى هو، ثم هذا ان علم مصرف ديونه و اما ان جهل فقد جوز بعض الاصحاب اعطاءه من حق الغرماء.

قوله: إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ)

(1) و هما من قصر ماله و لو بالحرفة اللائقة عن مئونة السنة له و لعياله على الوجه اللائق به و لا لتحديدهما بما لا يملك نصابا و لا قيمة و قد بسط العلماء الكلام فى أن أيهما أسوأ و لا يليق ذكره فى هذا المقام.

قوله: فهو من الغارمين)

(2) أى من مات و له دين فهو من الغارمين الذين جعل اللّه تعالى لهم سهما عند الامام و أوجب عليه إعطاؤه فان حبسه مع عدم كون الدين فى فساد و اسراف فاثمه عليه و الضمير فى اثمه راجع الى الحبس أو الى الدين أو الى الغارم.

قوله: لا تصلح الامامة الا لرجل فيه ثلاث خصال)

(3) اذ لو لم يكن فيه تلك الخصال لاحتاج هو الى امام آخر يأمره بالطاعة و ينهاه عن المعصية، فلا يكون هو الامام الّذي فرض اللّه تعالى طاعته على الخلق أجمعين و الخصلتان الاخيرتان من حق الرعية عليه و أما الاولى فليست من حقه على الرعية و لا من حق الرعية عليه الا بتكلف و هو أن الورع هو لزوم الاعمال الجميلة و الكف عن المحارم كلها و من جملتها حقوق الرعية.

قوله: و حلم يملك به غضبه)

(4) الحلم ملكة نفسانية تحت الشجاعة و هى الرزانة عند الغضب بحيث لا يستحقه شيء من موجباته و لا يستفزه نحو الانتقام.

قوله: و حسن الولاية)

(5) من جملته ما ذكر من اجلال الكبير و ترحم الضعف و توقير العالم و عدم الاضرار بالرعية و عدم منع حقوقهم و القسمة بينهم بالسوية.

33

ذلك فأخبرني قال: سمعت عليّ بن موسى (عليهما السلام) يقول المغرم إذا تديّن أو استدان في حقّ- الوهم من معاوية- أجّل سنة، فان اتّسع و إلّا قضى عنه الإمام من بيت المال.

«باب» (أن الارض كلها للامام (عليه السلام))

[الحديث الأول]

1 محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا في كتاب عليّ (عليه السلام) «إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» أنا و أهل بيتي الّذين أورثنا اللّه الأرض و نحن المتّقون و الأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين

____________

<قوله>: أجل سنة)

(1) جوازا أو وجوبا ان ظن امكان قضائه (1) من فضل المئونة و لو بالاكتساب

قوله: أنا و أهل بيتى)

(2) أشار الى أن المراد بمن يشاء اهل البيت (عليهم السلام) و من فى قوله «مِنْ عِبٰادِهِ» اما بيان للموصول و الاضافة لكمال الاختصاص او ابتدائية و العباد حينئذ تشتمل الخلص و غيرهم و فيه اشارة الى أنهم هم المقصودون من ايجاد الدنيا و الآخرة و ان كل من له نصيب فيهما فبتوسطهم و احسانهم (عليهم السلام).

قوله: و الارض كلها لنا)

(3) أى الارض معمورها و مواتها كلها لنا و نحن مالكها أما المعمورة فان كان المتصرف فيها كافرا و فاءت إليهم (عليهم السلام) بحرب و قتال فلهم الخمس و البوقى للمسلمين كافة. و ان فاءت إليهم بلا حرب و لا قتال فهى لهم (عليهم السلام) بلا شركة و

____________

(1) قوله «ان ظن امكان قضائه» المقصود من هذه الاحاديث تشريع هذا الحكم فى الجملة و يثبت به وجوب أداء ديون الغارمين من بيت المال فى الجملة كمفاد القضية المهملة مثل ما يقال ان مصرف الزكاة الفقراء و أبناء السبيل و الغارمون و غير ذلك و مصرف الخراج مصالح الامة كالجهاد و أرزاق القضاة و معلمى الآداب و المؤذنين و ليس المقصود الاطلاق و التعميم و انه يجب على الامام مطلقا و فى كل حال و على جميع الشروط ان يعين ابناء السبيل و غيرهم و لا ينافى ذلك التقييد بالشروط و أن ينظر الامام الاهم و يقدمه على غير الاهم و أن يكون واجبا بشرط وجود سعة فى بيت المال فلا ينافى ما روى أنه (ص) ترك الصلاة على من توفى و عليه دين و قال صلوا على صاحبكم و لو كان قضاء دينه واجبا على رسول اللّه (ص) لادّاه و صلى و لكن كان فى بيت المال ضيق و لم يكن سهم من الزكاة للغارمين حاضرا. (ش)

34

فليعمرها و ليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي و له ما أكل منها فان تركها أو أخربها و أخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحقّ بها من الّذي تركها، يؤدّي خراجها إلى الامام من أهل بيتي و له ما أكل منها حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحويها و يمنعها و يخرجهم منها، كما حواها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و منعها إلّا ما كان في أيدي شيعتنا فانّه يقاطعهم على ما في أيديهم

____________

ان كان المتصرف مسلما فهى له باذن الامام و لا شيء عليه فى حال غيبته سوى الزكاة فى حاصلها و عليه فى حال حضوره الخراج أيضا و أما الموات فيجوز للمسلم احياؤها باذنه مع حضوره و عليه طسقها له بدون اذنه مع غيبته و لا طسق عليه بل قد وقع الاذن لشيعته عموما مع اسقاط الخراج. و انما قلنا يجوز للمسلم فان الكافر لا يجوز له احياؤها و لا يملكها مع الحضور و الغيبة و مع الاذن و عدمه عند جماعة الاصحاب و جزم المحقق الشيخ على- ره- بحصول الملك مع حضور الامام باذنه و وجد فى بعض كلام الشهيد أنه يملك فى حال الغيبة أيضا و اللّه أعلم.

قوله: فمن أحيا أرضا من المسلمين)

(1) هذا حجة لمن خص جواز الاحياء بالمسلم.

قوله: فان تركها أو أخربها)

(2) هذا دل بإطلاقه على ما ذهب إليه أكثر الاصحاب من أن كل من سبق الى احياء ميتة فهو أحق بها و ان كان لها مالك معروف و عليه طسقها و ذهب بعضهم (1) الى أن المالك الاول أحق بها و ان له انتزاعها منه و انما قلنا بإطلاقه لانه يحتمل أن يراد بتركها تركها قبل التعمير.

قوله: الا ما كان فى أيدى شيعتنا)

(3) دل هذا على ان المراد بالمسلمين الذين اذن لهم احياء الموات أعم من أن يكون شيعته أو غيرهم بدليل انه يمنع غير الشيعة منها بعد الظهور و اما قبله فلا.

قوله: فانه يقاطعهم على ما فى أيديهم)

(4) القطيعة طائفة من ارض الخراج يقطعها السلطان من يريد و هو يتصرف فيها و يعطى خراجها و المقاطعة من الطرفين لان الاقطاع لا يتحقق بدون رضائهما.

____________

(1) قوله «و ذهب بعضهم» كلام الشارح هنا مجمل و تفصيل الكلام فى كتب الفقه و ليس ما ذكره هنا اطلاقه مرادا اذ لم يذهب احد من الاصحاب الى ان ملك المالك المعروف اذا باد و خرب باهماله و تركه جاز لغيره احياؤه و تملكه بالاحياء الا نادرا نعم اذا أحيى رجل أرضا مما يختص بالامام بغير اذنه كما فى زمن الغيبة فهو أحق بها من غير أن يملك رقبتها فاذا تركها و عاد الى حالته الاولى جاز لغيره احياؤها لعدم ملك المالك الاول. (ش)

35

و يترك الأرض في أيديهم.

[الحديث الثاني]

2 الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد قال: أخبرني أحمد بن محمّد بن عبد اللّه، عمّن رواه قال: الدّنيا و ما فيها للّه تبارك و تعالى و لرسوله و لنا، فمن غلب على شيء منها فليتّق اللّه و ليؤدّ حقّ اللّه تبارك و تعالى و ليبرّ إخوانه، فإن لم يفعل ذلك فاللّه و رسوله و نحن برآء منه.

[الحديث الثالث]

3 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد قال:

رأيت مسمعا بالمدينة و قد كان حمل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) تلك السنة مالا فردّه أبو عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: لم ردّ عليك أبو عبد اللّه (عليه السلام) المال الذي حملته إليه؟

قال: فقال: إنّي قلت له حين حملت إليه المال: إنّي كنت وليت البحرين الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم و قد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم و كرهت

____________

<قوله>: فمن غلب على شيء منها فليتق اللّه)

(1) امر أولا بالاتقاء من عقوبة اللّه تعالى لان الاتقاء سبب الاداء حق اللّه تعالى مثل الزكاة و الخمس و الخراج و منشأ للبر بالاخوان و قضاء حوائجهم و سد خلتهم و يمكن ان يكون المراد بالاتقاء الاتقاء فى الغلبة بأن لا يغلب على المتصرف فى التصرف و لا يمنع الحق عن ذوى الحق و لا يغصبه منه.

قوله: براء منه)

(2) البراء بضم الباء و فتح الراء و المد جمع بريء كشرفاء جمع شريف و كرماء جمع كريم و وجه براءتهم منه انتفاء اعتقاده بهم و عدم تدينه بدينهم و فيه دلالة على ان مانع الحقوق المالية كافر باللّه العظيم.

قوله: و ليت البحرين الغوص)

(3) و ليت اما بفتح الواو و كسر اللام المخففة يقال ولى الامر يليه بالكسر فيهما، و تولاه اذا فعله بنفسه من غير ان يوليه احدا و بضم الواو و كسر اللام المشددة من التولية يقال: ولاه الامير عمل كذا فتولاه و تقلده و الغوص و هو استخراج اللئالى من تحت الماء على التقديرين اما بدل من البحرين او مفعول و التقدير و ليت فى البحرين لغوص.

قوله: و قد جئتك بخمسها بثمانين الف درهم)

(4) دل على انه كان المتعارف عندهم نقل جميع الخمس الى الامام فى حال حضوره و قد صرح بوجوب ذلك جماعة من الاصحاب للرواية عن الكاظم (ع) و فى قول المحقق لو أخر المكلف حصة الاصناف أجزأ لا يدل على عدم الوجوب و قد صرح بعضهم بأن الخمس كله سهم الامام الا انه مأمور بتقسيم سهمه على ستة أقسام ثلاثة له و ثلاثة لليتامى و المساكين و ابن السبيل، و قول مسمع «و هى حقك» مؤيد لهذا

36

أن أحبسها عنك و أن أعرض لها و هي حقّك الّذي جعله اللّه تبارك و تعالى في أموالنا، فقال: أ و ما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلّا الخمس؟ يا أبا سيّار إنّ الأرض كلّها لنا فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا، فقلت له: و أنا أحمل إليك المال كلّه؟ فقال: يا أبا سيّار قد طيّبناه لك و أحللناك منه فضمّ إليك مالك و كلّ ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون حتّى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم و يترك الأرض في أيديهم و أمّا ما كان في أيدي غيرهم فإنّ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم صغرة.

قال عمر بن يزيد: فقال لي أبو سيّار: ما أرى أحدا من أصحاب الضياع و

____________

كتقريره (ع).

قوله: يا أبا سيار ان الارض كلها لنا)

(1) فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا و ان كان لعمل الغير و اكتسابه، هذا و أمثاله مما ذكر فى هذا الباب من جملة حديثهم الذي مر أنه صعب مستصعب لا يؤمن به الا ملك مقرب أو نبى مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان.

قوله: يا أبا سيار قد طيبناه لك)

(2) دل على أن الامام لا يجب عليه قبول الخمس و له الابراء كما كان ذلك لكل ذى حق و لما كان الخمس كله للامام و هو يعطى الفرق الثلاثة من نصف ماله على قدر مئونة سنتهم و لذلك لو نقص النصف عنه أتمه و لو فضل عنه كان الفاضل له جاز له احلال صاحبه من الجميع فلا يرد أنه كيف يجوز ذلك و فيه حق الفرق الثلاثة على أن للامام ولاية على الجميع و هو أولى بكل مؤمن من نفسه فيجوز له ذلك كما يجوز لكل ولى مع المصلحة.

قوله: و كل ما فى أيدى شيعتنا من الارض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا (ع))

(3) أشار هنا بعد ما ذكر أن الارض كلها لهم الى أن شيعتهم فى حل من التصرف فيها و فى حاصلها و من خراجها حتى يظهر القائم (ع) فيأخذ منهم خراجها و تركها فى أيديهم و اما غير الشيعة فان حاصلها حرام عليهم و اذا قام القائم (ع) يأخذها منهم و يخرجهم صاغرين و لا منافاة بين كونهم أولى بالارض التى فى أيديهم فى زمان الغيبة و بين كون حاصلها حراما عليهم.

قوله: فيجيبهم طسق ما كان فى أيديهم)

(4) الجباية الخراج تقول جبيت الخراج جباية اذا أخذته و التقدير فيجبى منهم من باب الحذف و الايصال و الطسق بالفتح ما يوضع من الخراج على الجر بان أو شبه ضريبة معلومة و كأنه مولد أو فارسى معرب.

قوله: و يخرجهم صغرة)

(5) الصغرة بالتحريك جمع الصاغر الراضى بالذل كالكتبة

37

ممّن يلي الأعمال يأكل حلالا غيري إلّا من طيّبوا له ذلك.

[الحديث الرابع]

4 محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن أبي عبد اللّه الرّازي، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: أما على الإمام زكاة؟ فقال: أحلت يا أبا محمّد أ ما علمت أنّ الدّنيا و الآخرة للإمام يضعها حيث يشاء و يدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من اللّه، إنّ الامام يا أبا محمّد! لا يبيت ليلة أبدا و للّه في عنقه حقّ يسأله عنه.

[الحديث الخامس]

5 محمّد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمّد بن عبد اللّه بن أحمد، عن عليّ بن النعمان عن صالح بن حمزة، عن أبان بن مصعب، عن يونس بن ظبيان أو المعلّى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): مالكم من هذه الأرض؟ فتبسّم ثمّ قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى بعث جبرئيل (عليه السلام) و أمره أن يخرق بابهامه ثمانية أنهار في الأرض، منها سيحان و جيحان و هو نهر بلخ و الخشوع و هو نهر الشاش و مهران و هو نهر الهند

____________

جمع الكاتب

قوله: من أصحاب الضياع)

(1) الضياع بالكسر جمع الضيعة و هى العقار أى الارض و النخل كذا فى الصحاح و قال ابن الاثير ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة و التجارة و الزراعة و غير ذلك.

قوله: الا من طيبوا له ذلك)

(2) ضمير الجمع راجع الى الائمة (ع) و ضمير المجرور للموصول و المراد به الشيعة و «ذلك» اشارة الى الاكل.

قوله: فقال أحلت)

(3) أحال الرجل أتى بالمحال و تكلم به و ذلك لان وجوب الزكاة على الامام محال و السؤال عن وقوع المحال محال، و المحال من الكلام بالضم ما عدل عن وجهه.

قوله: جائز له ذلك من اللّه)

(4) كأنه استيناف جواب عما يقال من أين جاز له ذلك.

قوله: ان الامام يا أبا محمد)

(5) تعليل لما سبق من عدم وجوب الزكاة على الامام و لذا ترك العاطف توضيحه أن الامام لا يبيت ليلة أبدا و للّه فى عنقه حق يسأله عنه فلو وجب عليه الزكاة لزم أن يبيت ليلة بل أكثر منها و للّه فى عنقه حق يسأله عنه و ذلك لان الزكاة فى الغلات تجب عند بدو الصلاح و هو انعقاد الحصرم و اشتداد الحب و احمرار التمرة أو اصفرارها و لا تخرج الا عند التصفية فلو وجب الزكاة عليه لزم اشتغال ذمته باخراجها فى تلك المدة الطويلة و قس على الغلات الانعام و غيرها فان الانعام مرعاها قد تكون بعيدا عن بلده و لو وجب عليه الزكاة فيها لزم اشتغال ذمته بواجب فى مدة هى ما بين وقت الوجوب و وقت الاخراج.

قوله: بابهامه)

(6) أى بابهام رجله لما سيأتى.

قوله: منها سيحان و جيحان)

(7) لفظة «من» فى منها للتبعيض فلا يرد أن الموعود ثمانية

38

و نيل مصر و دجلة و الفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا و ما كان لنا فهو لشيعتنا و ليس

____________

و المعدود سبعة و قد فسر جيحان بأنه نهر بلخ و فى النهاية سيحان و جيحان نهران بالعواسم قريبا من المصيصة و طرطوس، و المصيصة بكسر الصاد المخففة بلد بالشام. و فى الصحاح سيحان نهر بالشام. و فى القاموس على ما نقل عنه: سيحان نهر بالشأم و آخر بالبصرة، و يقال له ساحين و سيحان نهر بما وراء النهر و نهر بالهند. و فى المغرب سيحان فعلان نهر معروف بالروم و سيحون نهر الترك. و فى صحيح مسلم فى باب صفة الجنة عن النبي (ص) قال «سيحان و جيحان و الفرات و النيل كل من أنهار الجنة» قال عياض الانهار الاربعة أكبر أنهار الاسلام فالنيل بمصر و الفرات بالعراق سيحان و جيحان- و يقال سيحون و جيحون- هما بخراسان و ما وراها، قال المازرى فى كلامه انكار من وجوه منها قوله الفرات بالعراق ليس هذا بالعراق و انما هو فاصل بين العراق و الجزيرة، و منها أن قوله و يقال سيحون و جيحون يقتضي أن هذه الاسماء مترادفة و ليس كذلك فان سيحان غير سيحون و جيحان غير جيحون باتفاق و منها قوله أنهما بخراسان و ليس كذلك فان سيحان و جيحان ببلاد الاردن بقرب الشام فسيحان نهر اردنة و جيحان نهر المصيصة، و اتفقوا على أن جيحون بالواو ما وراء خراسان عند بلخا ثم قال عياض قوله كل من أنهار الجنة، يحتمل أنها من الجنة حقيقة و يدل عليه حديث الاسرى فانه رآها يخرج تحت سدرة المنتهى و يحتمل انها كناية عن أن الايمان يعم بلادها و أن الاجسام المتغذية بمائها تصير الى الجنة و قال المازرى و الاظهر أنها على ظاهرها فى أنها من الجنة و الجنة مخلوقة عند أهل السنة.

قوله: و هو نهر الشاش)

(1) نقل عن القاموس ان الشاش بلد بما وراء النهر (1) و موضع بأرض بابل فيها قبر ذى الكفل.

قوله: و نيل مصر)

(2) فى المغرب النيل نهر مصر و بالكوفة نهر يقال له النيل.

قوله: و دجلة)

(3) فى المغرب دجلة بغير تعريف نهر بغداد و انما سميت بذلك لانها تدجل أرضها أى تغطيها بالماء اذا فاضت.

قوله: و الفرات)

(4) فى المغرب الفرات نهر فى الكوفة.

قوله: فما سقت أو استقت فهو لنا)

(5) أى فما سقته تلك الانهار بالافاضة من الزروع و

____________

(1) قوله «بلد بما وراء النهر» و قد يقال له چاچ، و معروف بصنعة القسى و أما نهر الخشوع فلا أعرفه و الخبر ضعيف جدا و اشتماله على امور منكرة غير بعيد، و لا حاجة الى التكلف فى توجيهه و مع ذلك يكثر فى أسامى المواضع بما وراء النهر الكلمات المبدوة بلفظة خش مثل خشوفغن و خشميثن و لا يبعد أن يكون خشوع مصحفة من مثل هذه الكلمات. (ش)

39

لعدّونا منه شيء إلّا ما غصب عليه و إنّ وليّنا لفي أوسع فيما بين ذه إلى ذه- يعني بين السّماء و الأرض- ثمّ تلا هذه الآية: «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا (المغصوبين عليها) خٰالِصَةً (لهم) يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» بلا غصب.

[الحديث السادس]

6 عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن الريّان قال:

كتبت إلى العسكري (عليه السلام): جعلت فداك روي لنا أن ليس لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من الدّنيا إلّا الخمس: فجاء الجواب: أنّ الدّنيا و ما عليها لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

[الحديث السابع]

7 محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد رفعه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): خلق اللّه آدم و أقطعه الدّنيا قطيعة،

____________

غيرها أو استقت بالدولاب و حفر البرء فهو لنا، و نسبة الاستقاء الى تلك الانهار مجاز لان الاستقاء فى الحقيقة فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر و الدولاب يقال استقيت من البئر أى أخرجت الماء منها و بالجملة يعتبر فى الاستقاء ما لا يعتبر فى السقى من المبالغة فى الكسب و الاعتمال.

قوله: الا ما غصب عليه)

(1) الغصب أخذ مال الغير ظلما و عدوانا و فعله من باب ضرب تقول غصبه منه و غصبه عليه بمعنى و ضمير المجرور فى «عليه» هنا راجع الى الموصول بتضمين معنى الاستيلاء أو التسلط و الظاهر أن الاستثناء منقطع الا أن يراد بالشيء النصيب مطلقا أعم من أن يكون حقا أو باطلا.

قوله: بين ذه الى ذه)

(2) ذه للاشارة الى المؤنث الواحدة و أصلها ذى قلبت الياء هاء.

قوله: ثم تلا هذه الآية «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا»)

(3) أى قل يا محمد الزينة و الطيبات التى أوجدها اللّه تعالى للذين آمنوا ظاهرا و باطنا فى الحياة الدنيا و هم الأوصياء و شيعتهم المغصوبون عليها و ليس لغيرهم فيها حظ و تصرف الا أن يغصبوا عليها و يتصرفوا فيها ظلما و عدوانا و الحال أنها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصب و لا مشاركة لغيرهم لان قوة الاغيار داحضة يوم القيامة و غلبة الكفار ساقطة فيه، و قوله «خٰالِصَةً» بالنصب على الحال من فاعل الظرف و هو «الذين» عند أكثر القراء و بالرفع على أنها خبر بعد خبر عند نافع، و قوله «فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» ظرف للنسبة بين المبتدأ و الخبر أو متعلق بآمنوا على احتمال بعيد.

قوله: روى لنا أن ليس لرسول اللّه (ص) من الدنيا الا الخمس)

(4) هذا الحصر باطل أما أولا فلان الدنيا كلها له (ص) و ما كان منها فى أيدى الكفار كان بطريق الغصب، و أما ثانيا فلان الانفال له بنص القرآن و هى غير الخمس نعم لو اريد بالدنيا الارض المفتوحة عنوة صح الحصر و لكن لم يرو ذلك.

قوله: خلق اللّه آدم و أقطعه الدنيا)

(5) قد جرت الحكمة على أن يكون الدنيا

40

فما كان لآدم (عليه السلام) فلرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ما كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فهو للأئمّة من آل محمد (عليهم السلام).

[الحديث الثامن]

8 محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) كرى برجله خمسة أنهار و لسان الماء يتبعه: الفرات و دجلة و نيل مصر و مهران و نهر بلخ فما سقت أو سقي منها فللامام و البحر المطيف بالدّنيا [للامام].

عليّ بن إبراهيم، عن السريّ بن الرّبيع قال: لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئا و كان لا يغبّ إتيانه، ثمّ انقطع عنه و خالفه و كان سبب ذلك أنّ أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام و وقع بينه و بين ابن أبي عمير ملاحاة في شيء من الامامة، قال ابن أبي عمير: الدّنيا كلّها للامام (عليه السلام) على جهة الملك و أنّه أولى بها من الّذين هي في أيديهم، و قال أبو مالك: كذلك أملاك النّاس لهم إلّا ما

____________

لاوليائه ليستعينوا بها على أعدائه.

قوله: كرى برجله)

(1) تقول كريت النهر بالفتح كريا أى حفرته.

قوله: فما سقت أو سقى منها)

(2) أى فما سقته بالافاضة بنفسها أو سقى منها بالحفر و الدولاب و نحوهما.

قوله: و البحر المطيف بالدنيا)

(3) بالنصب عطف على خمسة أنهار أو بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف و الجملة معطوفة على قوله «ان جبرئيل» أى قال البحر المطيف بالدنيا للامام و فيه مبالغة على أن الدنيا و ما فيها له.

قوله: قال لم يكن ابن أبى عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئا)

(4) أى لم يسو بينه و بين غيره بل فضله على من سواه، تقول عدلت فلانا بفلان اذا سويت بينهما.

قوله: و كان لا يغب اتيانه)

(5) أى كان لا يأتيه و لا يزوره يوما دون يوم بل كان يأتيه كل يوم لكمال المحبة و المصاحبة تقول أغببته و غببت عنه اذا جئته يوما و تركت يوما.

قوله: ان أبا مالك الحضرمى)

(6) الظاهر أنه الضحاك الحضرمى المتكلم الثقة،

قوله: (ملاحاة)

(9) أى منازعة تقول لاحاه ملاحاة اذا نازعه.

قوله: من الذين هى فى أيديهم)

(7) من الشيعة و غيرهم الا أنه أذن للشيعة من التصرف فيها. و فى بعض النسخ «هى» بدل «هم» و هو الاظهر.

قوله: و قال أبو مالك كذلك)

(8) كذلك اما للانكار و يؤيده أنه فى بعض-

41

حكم اللّه به للامام من الفيء و الخمس و المغنم فذلك له و ذلك أيضا قد بيّن اللّه للامام أين يضعه و كيف يصنع به؛ فتراضيا بهشام بن الحكم و صارا إليه، فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير فغضب ابن أبي عمير و هجر هشاما بعد ذلك.

(باب) (سيرة الامام فى نفسه و فى المطعم و الملبس اذا ولى الامر)

[الحديث الأول]

1 محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن حمّاد، عن حميد و جابر العبدي قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ اللّه جعلني إماما لخلقه، ففرض عليّ التقدير في نفسي و مطعمي و مشربي و ملبسي كضعفاء النّاس، كي يقتدي الفقير بفقري و لا يطغي الغنيّ غناه.

____________

النسخ «ليس له» بدل منه أو المراد أنه كما أنها املاك للناس و فى أيديهم بحسب الظاهر أملاك لهم فى الواقع.

قوله: من الفيء و الخمس و المغنم)

(1) المغنم الغنيمة و هى ما اخذ من اهل الكفر عنوة و المراد بالفيء ما رجع إليه بغير قتال بانجلاء اهله او بتسليمهم طوعا او بانقراضهم و يدخل فيه بطون الاودية و رءوس الجبال و الآجام و ما لم يكن عليه يد اصلا و بالخمس خمس ما اخذ عن القتال و ما فيه الخمس مما عده الفقهاء و دلت عليه الروايات و بالمغنم صفايا الملوك و ما اصطفاه من الغنيمة من ثوب و فرس و جارية و نحوها.

قوله: فغضب ابن ابى عمير)

(2) الغضب و الهجر من اجل انه حكم بخلاف الواقع و عدل عن منهج الصواب و فيه دلالة على جواز الهجران من العالم و ان كان متدينا اذا حكم بخلاف الحق.

قوله: ففرض على التقدير فى نفسى و مطعمى و مشربى و ملبسى)

(3) قدر الشيء مبلغه و تقديره و تعيينه و التقدير أيضا التقتير و منه قوله تعالى «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ» و انما قال فى نفسى للاشارة الى انه لم يفرض ذلك على غيره من الرعية و المشرب الوجه الّذي يشرب منه و يكون موضعا و يكون مصدرا و الاخير اظهر هنا و قس عليه جاريه.

قوله: كى يقتدى الفقير بفقرى و لا يطغى الغنى غناه)

(4) يقال اطغاه الغنى اى جعله طاغيا متمردا و فيه اشارة الى فائدة الفرض المذكور لأن الفقير اذا نظر إليه (ع) و الى سيرته و طريقته مع علمه بأنه اشرف المخلوقات و اقرب من اللّه جل و عز رضى بفقره و لا يطمع فى الدنيا و ما فيها و لا يحزن على فواتها، و الغنى اذا نظر إليه (ع) علم انه لا عبرة بالغنى فى

42

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن المعلّى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يوما: جعلت فداك ذكرت آل فلان و ما هم فيه من النعيم فقلت: لو كان هذا إليكم لعشنا معكم، فقال: هيهات يا معلّى أما و اللّه أن لو كان ذاك ما كان إلّا سياسة الليل و سياحة النهار و لبس الخشن و أكل الجشب، فزوي ذلك عنّا، فهل رأيت ظلامة قطّ صيّرها اللّه تعالى نعمة إلّا هذه.

____________

الدنيا و يورثه ذلك ذلا و انكسارا يخرجه من منزل الطغيان و يمنعه عن ارتكاب العصيان و يزجره عن التكبر و التفوق على الاخوان.

قوله: لعشنا معكم)

(1) اى لو كان هذا الامر مفوضا إليكم لعشنا معكم لكثرة النعمة و حصول اسباب العيش فقال (ع) هيهات هيهات يعنى بعد بعد ما توهمت يا معلى من توسعنا فى المعيشة و اخذنا فى الانتفاع بزهرات الدنيا لو كان ذلك الامر إلينا و اتى به مكررا للتأكيد ثم اكد مضمون ذلك بقوله «اما و اللّه ان لو كان ذلك ما كان حالنا إلا سياسة الليل و سياحة النهار و لبس الخشن و اكل الجشب» و السياسة مصدر سست الرعية سياسة و هى القيام عليهم بما يصلحهم و التدبير فى امورهم و النظر الى مصالحهم و انما اضافها الى الليل لان اكثر الفساد يقع فيه فهو أولى بأن يقع السياسة فيه و لان الامير كثيرا ما يدبر امور الرعية فيه و السياحة مصدر ساح فى الارض يسيح سياحة اذا ذهب فيها و اصله من السيح و هو الماء الجارى على وجه الارض و انما اضافها الى النهار لان الذهاب الى الجهاد و الجماعة و نحوهما الحركة فى الارض لاجراء الاحكام على الخلق و نحوه يقع فى النهار غالبا و حمل سياحته على الصوم بعيد فى هذا المقام اذ لا مدخل لكثرة النعمة فيه الا ان يكون المراد زجر النفس عنها و هذا الحمل مع قلته منقول عن الشرع، قال ابن الاثير و منه حديث «سياحة هذه الامة الصيام» قيل للصائم: سائح لان الّذي يسيح فى الارض متعبدا يسيح و لا زاد معه و لا ماء فحين يجد يطعم و الصائم يمضى نهاره لا يأكل و لا يشرب فشبه به، و المراد بلبس الخشن لبس الثوب الّذي لا قدر له و لا قيمة يعتد بها و يأكل الجشب اكل طعام غليظ لا يميل إليه طبع اكثر الخلق او اكل ما لا آدم معه.

قوله: فزوى ذلك عنا)

(2) أى فصرف ذلك الامر و قبض عنها فهل رأيت يا معلى ظلامة قط صيرها اللّه تعالى نعمة الا هذه الظلامة فانها جعلت نعمة علينا لسقوط السياسة و السياحة و لبس الخشن و اكل الجشب و غيرها من المشقات التى لزم على صاحب هذا الامر التزامها ليقتدى به الضعفاء و يهتدى به الاغنياء. و الظلامة بالضم الحق الّذي اخذ من صاحبه ظلما.

43

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن محمّد عن صالح بن أبي حمّاد، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و غيرهما بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على عاصم بن زياد حين لبس العباء و ترك الملاء و شكاه أخوه الرّبيع بن زياد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قد غمّ أهله و أحزن ولده بذلك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): عليّ بعاصم بن زياد، فجيء به فلمّا رآه عبس في وجهه، فقال له: أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أ ترى اللّه أحلّ لك الطيّبات و هو يكره أخذك منها، أنت أهون على اللّه من ذلك، أو ليس اللّه يقول: «وَ الْأَرْضَ وَضَعَهٰا لِلْأَنٰامِ. فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذٰاتُ الْأَكْمٰامِ»-

____________

<قوله>: حين لبس العباء و ترك الملاء)

(1) العباء بالفتح و المد جمع العباءة كذلك و هى كساء واسع من صوف، و الملاء بالضم و المد جمع الملاءة كذلك و هى الازار و كل ثوب لين رقيق. و فى النهاية قال بعضهم ان الجمع ملا بغير مد و الواحد ممدود و الاول أثبت.

قوله: انه فدغم اهله و أحزن ولده بذلك)

(2) فاعل غم و أحزن ضمير راجع الى عاصم و أهله و ولده مفعولان يقال غمه فاغتم و أحزنه فحزن و الباء فى بذلك للسببية و ذلك اشارة الى المذكور من لبس العباء و ترك الملاء-

قوله: على بعاصم بن زياد)

(3) أى ايتونى و جيئونى به و هو مثل عليك زيدا أو بزيد أى خذه

قوله: أ ترى اللّه)

(4) الاستفهام على حقيقته أو للانكار و «هو» يكره» حال من فاعل أحل أى لا ينبغى أن يظن منه ذلك لانه كالجمع بين النقيضين.

قوله: انت أهون على اللّه من ذلك)

(5) كان المراد أنك أهون و أخف من كل شيء خفيف هين على اللّه من أجل ذلك و هو ان ترى اللّه يكره أخذك من الطيبات بعد ما أحلها لك أو المراد أنك أهون على اللّه من ذلك أى من أن يكره أخذك منها و انما يكره ذلك لولاة الامر ليقتدى بهم الفقراء و اللّه أعلم.

قوله: أو ليس اللّه يقول)

(6) الاستفهام لتقريره على الاثبات و اعترافه بان الارض المدحوة و ما فيها من ضروب الفواكه و الحبوبات مثل الحنطة و الشعير و الارز و سائر ما ينتفع به كالخوان الموضوع للانام و انتفاعهم ليعلم أن الاخذ منها أحسن عند الكريم من تركها كما يحكم به التجربة فى ضيافة الكرماء و قد رغب أكرم الاكرمين فى الاخذ و التناول منها بقوله «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً» و قوله «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» و قوله «وَ كُلُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ حَلٰالًا طَيِّباً» و قوله «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ» و قوله «وَ مٰا لَكُمْ أَلّٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ» و قوله

44

أو ليس [اللّه] يقول: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيٰانِ. بَيْنَهُمٰا بَرْزَخٌ لٰا يَبْغِيٰانِ- إلى قوله- يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجٰانُ» فباللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: «وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» فقال

____________

«هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» الى غير ذلك من الآيات التى لا تحصى.

قوله: أو ليس اللّه يقول مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ)

(1) المرج الارسال من مرجت الناقة ان ارسلتها و البحران البحر الملح و البحر العذب و البرزخ الحاجز اى ارسل البحرين يَلْتَقِيٰانِ يتماسان سطوحهما بينهما حاجز من قدرة اللّه لا يبغيان اى لا يبغى احدهما على الاخر بالممازجة هكذا ذكره بعض المفسرين و فيه اقوال اخر.

قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجٰانُ)

(2) اللؤلؤ كبار الدر و المرجان صغاره و الخرز الاحمر. قيل الدر يخرج من المالح لا من العذب فما وجه قوله يخرج منهما؟ اجيب بان المراد أنه يخرج من مجتمعها أو من أحدهما و هو الملح الا أنه لما اجتمع مع العذب حتى صار كالشيء الواحد كان المخرج من أحدهما كالمخرج منهما و لا يبعد أن يقال أنه يخرج من العذب أيضا بتأثير المجاور و ان كان خروجه منه أقل من خروجه من الملح و الغرض من ذكرهما أن اللّه تعالى أخرجهما لانتفاع الخلق فلا وجه لتحريمهم على أنفسهم ما أحل اللّه لهم و لا لتنزههم عن ذلك مع القدرة و فيه مبالغة عظيم فى مدح الدنيا و الطلب لحلالها و التوجه الى اكتساب طيباتها و استعمالها سيما لمن له أهل و عيال و اتفق عليه علماء العامة و الخاصة قال أبو عبد اللّه الابى ذم رجل الدنيا بحضرة على رضى اللّه عنه فقال على (ع) ما لك و لذمها و هى دار غنى لمن تزود منها و دار عظة لمن فهم عنها، ذكرت بسرورها السرور، و ببلائها البلاء و هى مهبط وحى اللّه و مصلى ملائكته و مسجد أنبيائه و متجر أوليائه، اكتسبوا فيها الحسنات و أكلوا فيها الطيبات و شكروا لمنعمها» و فى الحديث «اذا قال الرجل لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه» و فى آخر «لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن هى بها يبلغ الخير و عليها ينجو من الشر».

قوله: فباللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال)

(3) أقسم بالقسم البار على ابتذال نعم اللّه تعالى و استعمالها يعنى اظهارها و تشهيرها بالفعال و هو الشكر الفعلى أحب إلى اللّه من ابتذالها بالمقال و هو الشكر القولى و قد صرح بعض المحققين ان الشكر الفعلى أقوى دلالة على تعظيم المنعم من الشكر القولى.

قوله: و قد قال اللّه تعالى وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)

(4) حال عن فاعل أحب و المقصود أنه تعالى أمر بتحديث نعمته أداء لشكرها فاظهارها بالفعال أولى بالامر به لكونه أحب و أقوى.

45

عاصم: يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة و في ملبسك على الخشونة؟ فقال: ويحك إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره، فألقى عاصم بن زياد العباء و لبس الملاء.

[الحديث الرابع]

4 عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى الخزّاز، عن حمّاد بن عثمان قال: حضرت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و قال له رجل أصلحك اللّه ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن. يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك و نرى عليك اللّباس الجديد، فقال له: إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (عليه السلام) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر [عليه] و لو لبس مثل ذلك اليوم شهر به، فخير لباس كلّ زمان لباس أهله، غير أنّ قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) إذا قام لبس ثياب عليّ (عليه السلام) و سار بسيرة عليّ (عليه السلام).

«باب نادر»

[الحديث الأول]

1 الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه، عن أيّوب

____________

<قوله>: فقال عاصم يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت)

(1) يعنى اذا كان ابتذال نعم اللّه و اظهارها بالفعال أحب إليه فعلى أى شيء و أى سبب اقتصرت فى مطعمك على الاطعمة الجشوية الغليظة و فى لبسك على الثياب الخشونة الخشنة.

قوله: فقال ويحك)

(2) فيه جواز ان يقول الرجل لغيره ويحك و قد يقال ويلك قال:

عياض «و يملك» كلمة يقال لمن وقع فى هلكة «ويحك» زجر لمن أشرف على الهلكة و قال الفراء ويح بمعنى ويل و قيل ويح لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فيرثى له من غير ترحم عليه و ويل بضدها و قيل: لا يراد بهما حقيقة الدعاء و انما يراد بهما المدح و التعجب.

قوله: أن يقدروا انفسهم بضعفة الناس)

(3) قدرت الشيء بالشيء قسته به و جعلته على مثاله و اعتبرته على مقداره.

قوله: كيلا يتبيغ بالفقير فقره)

(4) التبيغ بالتاء الفوقانية و الباء الموحدة و الياء و التحتانية التهيج، و قيل أصل يتبيغ يتبغى من البغى مجاوزة الحد فغلب مثل جبذ و جذب و الاول الوجه أى فرض ذلك كيلا يتهيج بالفقير فقره فيهلكه فانه حينئذ يقيس نفسه بامامه و يقتدى به و يرضى بالفقر و يصبر على شدائده.

قوله: شهر به)

(5) أى شهر بلبس مثل ذلك الثوب شهرة و فضاحة و شناعة كما يشهد به التجربة فيمن ترك زى أهل زمانه.

46

ابن نوح قال: عطس يوما و أنا عنده، فقلت: جعلت فداك ما يقال للامام إذا عطس؟ قال: يقولون: صلّى اللّه عليك.

[الحديث الثاني]

2 محمّد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الدينوري عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل عن القائم يسلّم عليه بامرة المؤمنين؟ قال: لا، ذاك اسم سمّى اللّه به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يسمّ به أحد قبله و لا يتسمّى به بعده إلّا كافر، قلت: جعلت فداك كيف يسلّم عليه؟ قال: يقولون السلام عليك يا بقيّة اللّه، ثمّ قرأ «بَقِيَّتُ اللّٰهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».

[الحديث الثالث]

3 الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عمر قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) لم سمّي أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: لأنّه يميرهم العلم، أما

____________

<قوله>: عن أيوب بن نوح)

(1) وثقه أصحاب الرجال و عدوه من أصحاب الرضا و الجواد و الهادى و العسكرى (عليهم السلام) و نقل أنه كان وكيلا للهادي و العسكرى (عليهما السلام) و كان عظيم المنزلة عندهما مأمونا شديد الورع كثير العبادة و على هذا فاعل عطس يحتمل أن يكون كل واحد من الائمة المذكورين (عليهم السلام).

قوله: لم يسم به أحد قبله و لا يتسمى به بعده إلا كافر)

(2) لم ينقل ان أحدا سمى بأمير المؤمنين قبله (؟) و أما بعده فقد سمى به بعض جبابرة هذه الامة و لعل المراد بالكافر هنا ضد المؤمن و هو من لم يؤمن باللّه و برسوله فضلا عما جاء به الرسول ان اعتقد جواز ذلك شرعا أو مطلقا كمن سمى نفسه باسم اللّه أو نبى اللّه أو رسول اللّه و يحتمل أن يراد بالكفر كفر النعمة بتغيرها و وضعها فى غير موضعها أو تغطية الحق و اصل الكفر هو التغطية و المتصف بهما يسمى كافرا و ان لم يكن خارجا عن الايمان و اللّه أعلم.

قوله: قال يقولون السلام عليك يا بقية اللّه)

(3) الاضافة فى بقية اللّه لامية كبيت اللّه و طاعة اللّه، و بقية الشيء ما بقى منه و البقية أيضا ما ينتظر وجوده و يترقب ظهوره من بقيت الرجل أبقيته اذا انتظرته و رقبته و انما سمى الصاحب (ع) بذلك لانه بقية الأنبياء و الأوصياء السابقين و ينتظر وجوده و يترقب ظهوره.

قوله: ثم قرأ بَقِيَّتُ اللّٰهِ خَيْرٌ لَكُمْ)

(4) أى خليفة اللّه الباقى و انتظار ظهوره خير لكم ان كنتم مؤمنين به، و هذا التفسير أحسن مما قيل من ان المراد ببقية اللّه طاعته و انتظار ثوابه و الحالة الباقية لكم من الخير أو ما بقى لكم من الحلال.

قوله: قال لانه يميرهم العلم)

(5) الميرة بكسر الميم و سكون الياء الطعام يمتاره الانسان و يجلبه للبيع و غيره تقول مار أهله يميرهم ميرا اذا اتاهم بالميرة و اعطاهم اياها

47

سمعت في كتاب اللّه «وَ نَمِيرُ أَهْلَنٰا».

و في رواية أخرى قال: لأنّ ميرة المؤمنين من عنده، يميرهم العلم.

[الحديث الرابع]

4 عليّ بن إبراهيم، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي الرّبيع القزّاز عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: لم سمّي أمير المؤمنين؟ قال:

اللّه سمّاه، و هكذا أنزل في كتابه: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» و أن محمّدا رسولي و أنّ عليّا أمير المؤمنين.

(باب) (فيه نكت و نتف من التنزيل فى الولاية)

[الحديث الأول]

1 عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض

____________

و قد شبه العلم بالطعام فى الاغتذاء به لان احدهما غذاء روحانى و الاخر غذاء جسمانى، قال الفاضل الأسترآبادي من المعلوم ان الامير مهموز الفاء (1) و ان يمير اجوف و لك ان تقول قصده (ع) ان تسميته بأمير المؤمنين ليس لاجل انه مطاعهم بحسب الدنيا، بل لاجل انه مطاعهم بحسب العلم اى الاحكام الالهية، فعبر (ع) عن هذا المعنى بلفظ مناسب فى الحروف للفظ الامير.

قوله: أ ما سمعت فى كتاب اللّه «وَ نَمِيرُ أَهْلَنٰا»)

(1) اى نعطيهم الميرة، و لعل الغرض من ذكره هو التنبيه على انه يفهم منه وجه التسمية بأدنى تأمل فليتأمل.

قوله: قال لان ميرة المؤمنين من عنده)

(2) اى طعامهم الروحانى و هو العلم من عنده كما اشار إليه بقوله يميرهم العلم.

قوله: عن ابى الربيع القزاز)

(3) لم اجده بهذا الوصف فى كتب الرجال و بدونه مجهول.

قوله: (قال اللّه تعالى سماه)

(6) السائل سأل عن سبب التسمية و هو (ع) اجاب بها من باب تلقى المخاطب بغير ما يترقبه للتنبيه بأن الاهم له ان يعرف التسمية و يصدق بها و الجهل لسببها لا يضره.

قوله: و ان محمّدا رسولى)

(4) اشاره الى ان هذا كان منزلا حذفه المحرفون (2) المنافقون حسدا و عنادا.

قوله: باب فيه نكت و نتف من التنزيل)

(5) النكت جمع النكتة و المراد بها

____________

(1) قوله «ان الامير مهموز الفاء» و الاولى فى توجيه الرواية أن امير صيغة المتكلم من مار يمير أو يقال هى ضعيفة و لا يحتاج الى تكلف التصحيح. (ش)

(2) قوله «حذفه المحرفون» الخبر ضعيف فى الغاية و لو فرض صحته اسنادا لكان اشتماله متنه على امر محال كافيا فى رده لعدم امكان صدوره من المعصوم (ع). (ش)

48

أصحابنا عن حنان بن سدير، عن سالم الحنّاط قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

أخبرني عن قول اللّه تبارك و تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» قال: هي الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام).

[الحديث الثاني]

2 محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين. عن إسحاق ابن عمّار، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: «إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا» قال: هي ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).

[الحديث الثالث]

3 محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر، عن الحسن بن موسى الخشّاب،

____________

هنا الوجوه الخفية المستنبطة من القرآن الدالة على الولاية، و النتف كصرد جمع النتفة بالضم و السكون و هى هنا عبارة عن وجوه متنزعة من التنزيل دالة على الولاية من قولهم نتف الشعر و الريش اذا نزعه.

قوله: قال هى الولاية لامير المؤمنين (ع))

(1) اعلم ان فى القرآن ظاهرا و باطنا و مجملا و مؤولا و محكما و متشابها و انهم (ع) اعلم الامة بجميع ذلك و ان ظاهر هذه الآية هو ان الضمير فى «به» راجع الى القرآن و ما بعده بيان لمآله و غايته و لكنه (ع) ارجعه الى الولاية باعتبار المنزل و أوله بأن معناه نزل بها الروح الامين و هو جبرئيل (ع) على قلبك يا محمد لتكون من المنذرين عن مخالفة ولى امرك بلسان عربى مبين واضح الدلالة على المقصود كيلا يقولوا يوم القيامة على سبيل المعذرة ما كنا نفهم لسانك و تبليغك فى وليك و فى رواية على بن ابراهيم أيضا تصريح بذلك فانه قال فى تفسيره حدثنى ابن عن حنان عن ابى عبد اللّه (ع) فى قوله تعالى «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعٰالَمِينَ (1) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ» قال الولاية نزلت لامير المؤمنين (ع) يوم الغدير.

قوله: قال هى ولاية أمير المؤمنين (ع))

(2) كان المراد إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ التى هى ولاية أمير المؤمنين على الاجرام المذكورة بعد خلق الفهم و الاختيار فيها او عرضناها على اهلها من الملائكة و الحيوانات الانسية و الوحشية و اظهرناها عليهم و اقدرناهم على غصبها من على (ع) فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ و هو الاول إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً على

____________

(1) قوله «الولاية نزلت لامير المؤمنين» لعل معناه أن ولاية أمير المؤمنين (ع) يدخل فى المراد. (ش) و قوله «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» لان ولايته أيضا مما نزل فى القرآن. (ش)

49

عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه

____________

نفسه و على من تبعه، جهولا بعاقبة أمره و شناعة خيانته، و فى كلام الفاضل الأسترآبادي دلالة عليه حيث قال فابين ان يدعينها او يغصبنها اهلها وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ، الاول إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا و يقرب منه كلام على بن ابراهيم حيث قال في تفسير الامانة هى الامامة و الامر و النهى و الدليل على أن الامانة هى الامانة قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا يعنى الامامة و الامانة و الامامة عرضت على السماوات و الارض و الجبال فأبين أن يحملنها قال أبين أن يدعونها و يغصبوها أهلها و أشفقن منها و حملها الانسان الاول» كذا فى تفسير على بن ابراهيم «إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا» و المشهور عند المفسرين (7) أن المراد بالامانة التكليف مطلقا و أن هذه الاجرام أشفقن من حملها خوفا من المخالفة و استحقاق العقوبة.

____________

(7) قوله «و المشهور عند المفسرين» حكى عنهم فى تفسير الامانة امور يرجع جميعها الى وجه واحد و هى الخاصة المميزة للانسان عن ساير الموجودات و هذه الخاصة اصلها ادراك الكليات و التمييز بين الحسن و القبح أعنى العقل النظرى و العملى و يتفرع على هذا الاصل فروع منها التكليف و الامر و النهى و منها خلافة اللّه فى الارض و تفوقه على ساير الموجودات و كونها مسخرة بأمره. و منها اطاعة اللّه تعالى اختيارا و هى فرع قبول التكليف و غير ذلك، و أما كيفية عرض الامانة على الجمادات و نسبة الاباء و الخشية إليها مع عدم شعورها فبعضهم تكلف فيها و قال: المراد من السموات و الارض اهلها غير الانسان و هذا غير معقول لان الاهل ان كان المراد منه الحيوان فهو كالجماد فى عدم قابلية الخطاب و ان كان الملائكة فانهم لا يخشون من الخيانة فى الامانة و يفعلون ما يؤمرون، و وصف جبرئيل بانه الروح الامين و بعضهم تكلف أشد من هذا و التزم بانه تعالى خلق فيهم الشعور و كلمهم و قال بعضهم ان هذا تمثيل و تعبير عن عظمة أمر الامانة و انه بحيث لا يحتملها الجبال كما هو عادة الفصحاء يقال: لو حمل ما بى من الغم على الصخور لاذا بها، و احسن الوجوه أنه بيان لاستعداد الانسان لقبول التكاليف و عدم استعداد غيره من هذه الاجسام الكبيرة كما قال تعالى «ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ» و أما تفسير الامانة بالولاية فهى من قبيل بيان أهم المصاديق و أعظم موارد التكاليف لان العقل و التكليف و أى معنى مثلهما لا يمكن أن ينفك عن ولايته (ع) و المعرض عنها خائن فى أمانة اللّه قطعا اذ لم يعمل بعقله و لم يمتثل تكليفه و لا فائدة فى عقل لا يهدى الانسان الى الاعتراف بانه (ع) الغاية القصوى فى الكمال الممكن لغير واجب الوجود تعالى.

و وصف الانسان بانه ظلوم جهول ليس ذما و تنقيصا بل عطف و ترحم و الا فقد قال اللّه تعالى فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلًا» و لو كان وصفه بالجهول الظلوم تنقيصا لزم تفضيل ساير الخلق على الانسان. (ش)

50

عزّ و جلّ: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ» قال: بما جاء به محمّد (صلى اللّه عليه و آله) من الولاية و لم يخلّطوها بولاية فلان و فلان، فهو الملبس بالظلم.

[الحديث الرابع]

4 محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن نعيم الصحّاف قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: فمنكم مؤمن و منكم كافر فقال: عرف اللّه إيمانهم بولايتنا و كفرهم بها، يوم أخذ عليهم الميثاق

____________

قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ)

(1) تقول لبست الامر بالفتح البسه بالكسر اذا خلطت بعضه ببعض و قوله بما جاء متعلق بآمنوا يعنى الذين آمنوا بما جاء به محمد (ص) من الولاية لعلى ابن أبى طالب (ع) و لم يخلطوا ولايته بولاية فلان و فلان اولئك لهم الأمن من العذاب و هم مهتدون الى طريق الحق، فقد فسر الظلم فى هذه الآية بظلم مخصوص و معصية معينة و هى الخلط المذكور، و فسره أكثر المفسرين بالشرك و بعضهم بالمعصية مطلقا و تفسيرهم شامل لما نحن فيه.

قوله: فهو الملبس بالظلم)

(2) ضمير هو راجع الى أمر معلوم و هو الّذي خلط الولاية النبوية بالولاية الثنوية، و الملبس بكسر الباء المشددة قال الجوهرى التلبيس كالتدليس و التخليط شدد للمبالغة و رجل لباس و لا تقل ملبس و يفهم من هذا الحديث بطلان قوله و لا تقل ملبس و ارجاعه الى الولاية أو الى خلطها و قراءة الملبس بفتح الباء بعيد جدا.

قوله: فمنكم مؤمن و منكم كافر)

(3) فى سورة التغابن هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ قدم المؤمن لكونه أكثر، و «عرف» اما من المعرفة أو من التعريف و الثانى أنسب و لعل السائل سأل عن وقت الايمان و الكفر، و عن سببهما جميعا و ذلك أجاب (ع) عنها بقوله عرف اللّه ايمانهم بولايتنا و كفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق على ولايتنا فى صلب آدم و هم ذر و الذر واحدتها الذرة و هى تطلق على النملة الصغيرة و على ما يرى فى شعاع الشمس الداخل فى النافذة و كلاها محتمل، و بناء الاول على التشبيه فى الصغر و الدبيب، توضيح ذلك نسل آدم كانوا كامنين فى صلبه فلما أراد اللّه تعالى أن يأخذ منهم الميثاق على الربوبية و الرسالة و الولاية تعلق نور ارادته و قدرته بآدم فانتقل كل من كان فيه من حد الكمون الى حد الظهور على مثال الذر مع العقل و الفهم فاخذ منهم الاقرار بالولاية فمنهم من أقربها و آمن و منهم من أنكرها و كفر فيومئذ كان الايمان و الكفر و امتاز المؤمن من الكافر، فان قلت قوله (ع) فى صلب آدم. ينافى قوله «و هم ذر» لانهم ان كانوا ذرا لم يكونوا فى صلب آدم بل كانوا خارجين منه و ان كانوا