شرح الكافي - ج8

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
404 /
1

-

2

<بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*>

(كتاب الايمان و الكفر من كتاب الكافى)

«باب» (طينة المؤمن و الكافر)

[اخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدثنى]

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعيّ بن عبد اللّه، عن رجل، عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق النبيّين من طينة

____________

(1) <قوله>: (كتاب الايمان و الكفر) قدم الايمان لانه الاصل و الاهم و المقصود او لانه وجودى و الكفر عدمى كما قيل، و لم يذكر واسطة ذكرها فيما بعد اما لانه لا يقول بثبوتها لما مر من الوجه الاخير أو لانه أراد بهما أصل الاقرار و الانكار، و لا واسطة بينهما، و انما الواسطة باعتبار أمر آخر و هو أن يراد بالايمان الايمان الكامل المقارن بالاعمال كما هو الشائع عند أهل البيت (عليهم السلام) أو لانه أراد بهما المطلق و الواسطة لا تخلو من أحدهما، و الغرض من هذا الكتاب بيان أصل الانسان و كيفية خلقه و الغرض منه و ما يوجب كفره و ايمانه و بيان مهلكاته و منجياته، و الترهيب من الاولى، و الترغيب في الثانية ليعرف كيفية السلوك و طريق الوصول الى سعادته التى هى قرب الحق و الوصول إليه و التخلص من أهواء النفس و اغواء الشيطان و لا يمكن ذلك الا بمجاهدات نفسانية و رياضات بدنية و روحانية و نيات صادقة قلبية، و همم رفيعة عالية و اللّه ولى التوفيق و إليه سداد الطريق.

(2) <قوله>: (باب طينة المؤمن و الكافر) في النهاية طينة الرجل خلقه و اصله طانه اللّه على طينته أى خلقه على جبلته. و في المصباح الطين معروف و الطينة أخص منه و الطينة الخلقة يقال طانه اللّه على الخير جبله عليه، و انما قدم باب الطينة لانه يذكر فيه أحوالا مشتركة مع أن الطينة و أحوالها بمنزلة المادة و سائر الاحوال بمنزلة الصورة.

(3) <قوله>: (أخبرنا محمد بن يعقوب قال حدثنى) لم يوجد في أكثر النسخ و الوجه على، تقدير وجوده ما ذكرناه في اوّل الكتاب.

(4) <قوله>: (ان اللّه عز و جل خلق النبيين) أى أوجدهم أو قدر وجودهم من طينة الجنة على تفاوت درجاتها، و نبينا (ص) و أوصياؤه (عليهم السلام) خلقوا من طينة أعلاها كما سيجيء و اضافة الطينة اما بتقدير اللام أو في أو من.

3

علّيّين قلوبهم و أبدانهم و خلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة و [جعل] خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك، و خلق الكفّار من طينة سجّين، قلوبهم و أبدانهم فخلط بين الطينتين، فمن هذا يلد المؤمن الكافر و يلد الكافر المؤمن و من هاهنا يصيب المؤمن

____________

(1) <قوله>: (قلوبهم و أبدانهم) بيان أو بدل للنبيين و لعل المراد بالقلب هنا الجسم المعروف (1) الّذي يتعلق به الروح أولا فلا ينافى ما مر في باب خلق أبدان الائمة من أن أجسادهم مخلوقة من طينة عليين و أرواحهم مخلوقة من فوق ذلك و هو نور العظمة كما في حديث آخر على أنه لو اريد به الروح لامكن الجمع بجعل الطينة مبدءا لها مجازا باعتبار القرب و التعلق أو بتخصيص النبيين بغيره (ص)، و يؤيده خبر محمد بن مروان المذكور في ذلك الباب.

(2) <قوله>: (و خلق قلوب المؤمنين) أى خلق قلوب المؤمنين من طينة عليين و هى جنة عدن و خلق أبدانهم من دون ذلك بدرجة و لذلك صارت قلوبهم ألطف و ألين من أبدانهم، و وقع الاقتراب بالاقتفاء و الافتراق في النبوة بينهم و بين النبيين.

(3) <قوله>: (و خلق الكفار) أى خلق الكفار قلوبهم و أبدانهم من طينة جهنم على تفاوت دركاتها باعتبار تفاوت حالاتهم في العتو و الطغيان، و لذلك صارت قلوبهم و قواهم في الغلظة و الكثافة مثل أبدانهم و لم يذكر هنا اتباعهم لان نوع: الكفر يشملهم بخلاف النبوة فانها لا تشمل جميع المؤمنين.

(4) <قوله>: (فخلط بين الطينتين) الظاهر أنه خلق منها آدم (ع) فمن هذا يلد المؤمن الكافر و يلد الكافر المؤمن فيخرج من المؤمن ما كان فيه من طينة سجين و يظهر منه و يخرج من الكافر ما كان فيه من طينة عليين، و هذا معنى قول أبى عبد اللّه (ع): ثم نزع هذه من هذه و هذه من هذه و لو لم يلد المؤمن الّذي فيه شيء من طينة سجين كافرا و لا الكافر الّذي فيه شيء من طينة عليين مؤمنا وقع النزاع يوم القيامة لان طينة النار لا تدخل الجنة و

____________

(1) قوله «و لعل المراد بالقلب هنا الجسم المعروف» أقول و هو بعيد لانه جعل مقابلا للابدان، فالمراد منه الارواح و يدفع المنافاة بين الخبرين بتعميم العليين في الخبر الثانى بان يكون المراد من العليين أعنى ما خلق منه أرواح الائمة في هذا الخبر أعم من العليين الّذي ذكر في الخبر السابق لان عالم العليين عالم طاهر مقدس من أدناس المادة مع أنه ذو مراتب فجسمهم و روحهم كلاهما من عليين الا ان أرواحهم من مرتبة أعلى منه فتارة اطلق عليون على المرتبة الدنيا خاصة و قيل أرواحهم من فوق ذلك و تارة أطلق على جميع المراتب فقيل أرواحهم و أبدانهم من عليين و اللّه العالم. (ش)

4

السيّئة و من هاهنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه و قلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه.

____________

طينة الجنة لا تدخل النار. يدل على هذا ما ذكره الصدوق في آخر العلل في حديث طويل، و لو لا التخليط لما صدر من المؤمن ذنب قطعا و لا من الكافر حسنة اصلا و فيه مصالح جمة منها اظهار قدرته باخراج الكافر من المؤمن و بالعكس دفعا لتوهم استنادهم الى الطبائع كما قال جل شأنه «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ»* و منها ظهور رحمته في فسفة المؤمنين بغفر ذنوبهم و منها تعيش المؤمنين في دولة الكافرين اذ لو لم يكن رابطة الاختلاط و لم يكن لهم رأفة و أخلاق حسنة كانوا كلهم بمنزلة الشياطين فلم يتخلص مؤمن من بطشهم. و منها وقوع المؤمن بين الخوف و الرجاء حيث لا يعلم أن الغالب فيه الخير أو الشر و منها رفع العجب عنه بفعل المعصية و منها الرجوع إليه عز و جل في حفظ نفسه عنها.

(1) <قوله>: (فقلوب المؤمنين تحن) أى تميل قلوب المؤمنين الى عليين و قلوب الكافرين الى سجين لميل كل الى أصله، لا يقال هذا الحديث و مثله يرفع الاختيار و يوجب الجبر (1)

____________

(1) قوله «و مثله يرفع الاختيار و يوجب الجبر» ليس في الباب الاول من هذا الكتاب حديث يعتمد على اسناده بل جميع أخباره ضعيفة بوجه و لكن في بابين بعده أخبارا توصف بالحسن أو التوثيق و لكن مضامينها مخالفة لاصول المذهب و للروايات الآتية في الباب الرابع أعنى باب فطرة الخلق على التوحيد و ذلك لان من أصول مذهبنا العدل و اللطف و ان لم يخلق بعض الناس أقرب الى قبول الطاعة و بعضهم أبعد و التبعيض في خلق المكلفين مخالف لمقتضى العدل لانه تعالى سوى التوفيق بين الوضيع و الشريف مكن اداء المأمور و سهل سبيل اجتناب المحظور، و خلق بعض الناس من طينة خبيثة اما ان يكون ملزما باختيار المعصية جبرا و هو باطل و اما ان يكون أقرب الى قبول المعصية ممن خلق من طينة طيبة و هو تبعيض و ظلم و قلنا انه مخالف للروايات الآتية في الباب الرابع لانها صريحة في أن اللّه تعالى خلق جميع الناس على فطرة التوحيد و ليس في أصل خلقهم تشويه و عيب و انما العيب عارض و هكذا ما نرى من خلق اللّه تعالى فانه خلق الماء صافيا و انما يكدره الارض التربة و كذلك الانسان خلق سالما من الخبائث و أبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه و أيضا القرآن يدل على ان جميع الناس قالوا بلى في جواب أ لست بربكم فالاصل الّذي عليه اعتقادنا أن جميع أفراد الناس متساوية في الخلقة بالنسبة الى قبول الخير و الشر و انما اختلافهم في غير ذلك فان دلت رواية على غير هذا الاصل فهو مطروح أو مؤول بوجه سواء علمنا وجهه أو لم نعلم و من التأويلات التى هى في معنى طرح الروايات تأويل الشارح فان الروايات صريحة في أن الطينة مؤثرة في صيرورة العبد سعيدا أو شقيا و أولها الشارح بأنها غير مؤثرة. (ش)

5

[الحديث الثاني]

2- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن النضر بن شعيب، عن عبد الغفّار الجازيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ اللّه جلّ و عزّ خلق المؤمن من طينه الجنّة و خلق الكافر من طينة النّار؛ و قال: إذا أراد اللّه عزّ و جلّ بعبد خيرا طيّب روحه

____________

و الاضطرار لانا نقول:- و اللّه أعلم- ان اللّه جل شأنه لما خلق الارواح كلها قابلة للخير و الشر و علم أن بعضها يعود الى الخير المحض و هو الايمان، و بعضها يعود الى الشر المحض و هو الكفر باختيارهما و أمرها حين كونها مجردات صرفة بأمر كما سيجيء و وقع معلومه مطابقا لعلمه خلق للاول مسكنا و هو البدن من طينة عليين و خلق للآخر مسكنا من طينة سجين كما خلق للمؤمن جنة و للكافر نارا و ذلك ليستقر كل واحد فيما يناسبه و يعود كل جزء الى كله و كل فرع الى أصله، و من هاهنا ظهر أن الخلق من الطينتين تابع للايمان و الكفر و مسبب عن العمل دون العكس فلا يستلزم الجبر و لا ينافى الاختيار الا ترى أنه تعالى لما علم أن بين النبيين و المؤمنين اتصالا من وجه و انفصالا من وجه آخر لان المؤمنين يوافقونهم في العقائد و يخالفونهم أحيانا في الاعمال لعدم العصمة خلق قلوب المؤمنين من طينة النبيين و خلق أبدانهم من دون ذلك لانحطاط درجتهم و شرفهم، فوضع كلا في درجته و انك اذا قررت لعبدك المطيع بيتا شريفا و لعبدك العاصى بيتا وضيعا صح ذلك عقلا و شرعا و لا يصفك عاقل بالظلم و الجور اذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فهو انما يلزم لو انعكس الامر أو وقع التساوى، و بما قررنا تبين فساد توهم أن الايمان و الفضل و الكمال و أضدادها تابعة لطهارة الطينة و صفاتها، و خباثة الطينة و ظلمتها، و هذا التوهم يوجب الجبر و بطلان الشرائع و التأديب و السياسة و الوعد و الوعيد نعوذ باللّه منه.

(1) <قوله>: (خلق المؤمن من طينة الجنة) قد أشرنا الى أن المراد بالطينة ظاهرها و أن اللّه تعالى لما علم في الازل من روح المؤمن طاعته و من روح الكافر عصيانه خلق بدن كل واحد في هذه النشأة مما يعود إليه في النشأة الآخرة، و قال بعض شراح نهج البلاغة:

الطينة اشارة الى أصولهم و هى الممتزجات المنتقلة في أطوار الخلقة كالنطفة و ما قبلها من موادها مثل النبات و الغذاء و ما بعدها من العلقة و المضغة و العظم و المزاج القابل للنفس المدبرة، و سيجيء توضيح ذلك في حديث المزن.

(2) <قوله>: (و قال اذا أراد اللّه عز و جل بعبد خيرا) ان اريد بالخير توفيقه تعالى و هداياته الخاصة لحسن استعداد العبد فالإرادة على حقيقتها و ان اريد به الايمان و توابعه من الاعمال الصالحة و الاخلاق الفاضلة يرد أنه تعالى أراد خير جميع العباد بهذا المعنى و يمكن دفعه بأن الإرادة حينئذ تعود الى اعتبار كونه عالما بما في العبد من الميل الى الخيرات و العزم على امتثال

6

و جسده فلا يسمع شيئا من الخير إلّا عرفه و لا يسمع شيئا من المنكر إلّا أنكره قال: و سمعته يقول: الطينات ثلاث: طينة الأنبياء و المؤمن من تلك الطينة إلّا أنّ الأنبياء هم من صفوتها، هم الأصل و لهم فضلهم و المؤمنون الفرع مِنْ طِينٍ لٰازِبٍ، كذلك لا يفرّق اللّه عزّ و جلّ بينهم و بين شيعتهم، و قال: طينة النّاصب مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*؛ و أمّا المستضعفون فمن تراب، لا يتحوّل مؤمن عن إيمانه و لا ناصب عن نصبه و

____________

أو امره و الاجتناب عن نواهيه، فاذا علم منه ذلك توجه إليه لطفه فيطيب روحه و نفسه عن الفضائح و يطهر جسده و قواه عن القبائح فلا يسمع شيئا من الخير الا عرفه و صدق به و عمل به و ان كان من العمليات و لا يسمع شيئا من المنكر الا أنكره و عرف قبحه و تركه، و هكذا يفعل اللّه بعباده اذا علم صدق نياتهم و حسن استعدادهم.

(1) <قوله>: (الطينات ثلاث) الاولى طينة الأنبياء و المؤمنين المقرين بهم، و الثانية طينة الكفرة و النواصب المنكرين المعاندين لهم، و الثالثة طينة المستضعفين الذين لا يقرون بهم و لا يعاندونهم، و هذا التقسيم باعتبار المخلوق منها، فلا ينافى ما مر في باب خلق أبدان الائمة من أن الطينات عشرة لان ذلك باعتبار مبدأ الخلق، تأمل تعرف.

(2) <قوله>: (و المؤمن من تلك الطينة) أى قلبه أو الاعم منه و من البدن لان المراد بتلك الطينة طينة الجنة و هى تشملهما الا أن الأنبياء خلقت قلوبهم و أبدانهم من صفوتها، او خالصها، و أما أرواحهم فمن فوق ذلك كما مر، و هم الاصل في الايجاد و المقصودون أصالة في خلق هذا النوع و لهم فضلهم في العلم و العمل و التقدم و التقرب التام بالحق و الارشاد، و المؤمنون فرع الأنبياء و تلوهم في القصد و الايجاد و أبدانهم خلقت من طين لازب و هو ثفل طين الأنبياء سمى به لانه الزق و أصلب من الصفو المذكور، و أما قلوبهم فخلقت مما خلق منه الأنبياء كما مر و كما لم يفرق اللّه تعالى بين الأنبياء و شيعتهم في الخلقة و الطينة كذلك لا يفرق بينهما في الدنيا و الآخرة لان الفرع مع الاصل و التابع مع المتبوع.

(3) <قوله>: (و قال طينة الناصب مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*) الحماء الطين الاسود و المسنون المتغير المنتن و هو طين سجين، و قد روى أن اللّه عز و جل خلق أرضا خبيثة سبخة منتنة، ثم فجر منها ماء اجاجا مالحا فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام حتى طبقها و عمها، ثم نضب ذلك الماء عنها ثم أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة الكفرة و أئمتهم.

(4) <قوله>: (و أما المستضعفون فمن تراب) أى خلقوا من تراب غير ممزوج بماء عذب زلال كما مزجت به طينة الأنبياء و المؤمنين، و لا بماء آسن اجاج كما مزجت به طينة الكافرين، فلا يكونون من هؤلاء و لا من هؤلاء و للّه المشية فيهم ان شاء اللّه أدخلهم في

7

للّه المشيئة فيهم.

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك من أيّ شيء خلق اللّه عزّ و جلّ طينة المؤمن؟ فقال:

من طينة الأنبياء، فلم تنجس أبدا.

[الحديث الرابع]

4- محمّد بن يحيى و غيره، عن أحمد بن محمّد و غيره، عن محمّد بن خلف، عن أبي- نهشل قال: حدّثني محمّد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ اللّه جلّ و عزّ خلقنا من أعلى علّيّين و خلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا منه و

____________

رحمته و ان شاء أخرجهم منها.

(1) <قوله>: (لا يتحول مؤمن عن ايمانه) بيان لحال كل واحد من الاقسام الثلاثة، و لا ينافيه ما قد يقع من التحول لان المتحول من الايمان لم يكن مؤمنا في الحقيقة، و انما اكتسب الايمان بما فيه من رائحة طينة الجنة المكتسبة بالمخالطة، فلما زالت عاد الى ما كان عليه من الكفر في العهد القديم و المتحول من الكفر لم يكن كافرا في الحقيقة، و انما اكتسب الكفر بما فيه من رائحة النار، فلما زالت عاد الى ما كان عليه من الايمان و بالجملة الايمان في الاول حسنة نشأت من التخليط المذكور، و الكفر في الثانى سيئة نشأت منه و التخليط قد يفضى الى اتصاف كل واحد من الفريقين بصفات الاخر لكنه غير مستقر غالبا.

(2) <قوله>: (من أى شيء خلق اللّه عز و جل طينة المؤمن) اريد بالمؤمن من علم اللّه تعالى أزلا ايمانه في عالم الارواح و من كان كذلك فهو مؤمن في عالم الاشباح أيضا و لذلك خلق اللّه قلبه و بدنه من طينة طيبة طاهرة هى طينة الأنبياء، أما قلبه فمن صفوها، و أما مثال بدنه فمن ثفلها فلا جل ذلك لم ينجس المؤمن بالكفر و قد عرفت أن خلقه من تلك الطينة تابع لايمانه و سبب لكماله و هو لطف من اللّه تعالى مبسوط على من من يشاء من عباده.

(3) <قوله>: (خلقنا من أعلى عليين) أى خلق قلوبنا و أبداننا من أعلى أمكنة الجنة و أرفع درجاتها أو من أعلى المراتب و أشرفها و أقربها من اللّه عز و جل على احتمال، و خلق قلوب شيعتنا و تابعينا في العلم و العمل مما خلقنا منه فلذلك يقبل الحق و يستقر فيه، و خلق أبدانهم من دون ذلك لقصور ما في قوتهم العملية و قواهم الجسمانية بالنسبة الى قوتنا و قوانا فوضع كلا في المقام اللائق به، لا يقال خلق قلوب شيعتهم مما خلق قلوبهم منه يقتضي

8

خلق أبدانهم من دون ذلك و قلوبهم تهوي إلينا، لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه، ثمّ تلا هذه الآية كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَ. كِتٰابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ و خلق عدوّنا من سجّين و خلق قلوب شيعتهم ممّا خلقهم منه و أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنّها خلقت ممّا خلقوا منه، ثمّ تلا هذه الآية: كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الفُجّٰارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سِجِّينٌ. كِتٰابٌ

____________

المماثلة في القوة النظرية و ليس كذلك لانا نقول استكمال القوة النظرية كما يكون من جهة التأثر من المفيض كذلك يكون من جهة التأثير في القوى الجسمانية و الادراكات و الصفات الحاصلة للنفس المدبرة من هذه الجهة، و في نفس الشيعة و ان استكملت نقص ما في التأثير بالنسبة الى نفوسهم القدسية الكاملة من كل وجه و النقص فيه يوجب النقص في التأثير أيضا و ذلك يوجب عدم المساواة بينهما في القوة المذكورة.

قوله: (لانها خلقت مما خلقنا)

(1) ضرورة ان تولدها منه و فرعيتها له و ربطها به مقتضية لميلها إليهم و حبها لهم كما يحب الولد والده و يميل إليه.

قوله: (ثم تلا هذه الآية كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ

(2) لعل المراد ان المكتوب للابرار و هم المؤمنون مطلقا من الافعال الخيرية و الاعمال الصالحة لفي عليين و هو ديوان اعمال الصالحين و صحائف أفعال المتقين، ثم قال تفخيما لشأنه «وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَ كِتٰابٌ مَرْقُومٌ» أى مكتوب أو معلم بعلامة يعلم من رآه أن فيه خيرا يشهده المقربون من الملائكة أى يحضرونه و يحفظونه أو يشهدون لهم على ما فيه يوم القيامة، و الغرض من تلاوة الآية هو الاشارة بتعظيم كتابهم الى تعظيم شأنهم، و يحتمل أن يراد بعليين الجنة أو أشرف المراتب و أقربها من اللّه تعالى أو السماء السابعة و حينئذ لا بد من اعتبار الحذف في قولهم له «وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَ» أى ما كتاب عليين. كما يحتمل أن يراد بكتاب الابرار ما كتب و فرض لهم من الطينة و بعليين الجنة مع رعاية الحذف لكن كلا الاحتمالين بعيد و الثانى أبعد.

قوله: (و خلق عدونا من سجين)

(3) عدوهم من أنكر ولايتهم أو ولاية أحدهم أو دفعهم عن مرتبتهم: و المراد بالسجين هنا جهنم أو واد فيها أو حجر في الارض السابعة أو أبعد المراتب من اللّه تعالى، و لما كان عدوهم على صنفين صنف هم المتقدمون في العداوة و الشرور و صنف هم التابعون لهم فيها و كانت أوزار الاولين أكثر و أفخم، و عقوبتهم أشد و أعظم خلق أبدانهم و قلوبهم من أقبح الدركات، و خلق قلوب تابعيهم مما خلقوا منه و أبدانهم دون ذلك لوضع كل واحد في مرتبته.

قوله: (كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الفُجّٰارِ لَفِي سِجِّينٍ)

(4) يظهر معناه بالنظر الى ما سبق لانه يخالفه

9

مَرْقُومٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.

[الحديث الخامس]

5- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و غير واحد، عن الحسين بن الحسن جميعا، عن محمّد بن اورمة، عن محمّد بن عليّ، عن إسماعيل بن يسار، عن عثمان بن يوسف قال: أخبرني عبد اللّه بن كيسان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك أنا مولاك عبد اللّه بن كيسان، قال: أمّا النّسب فأعرفه و أمّا أنت، فلست أعرفك قال: قلت له: إنّي ولدت بالجبل و نشأت في أرض فارس و إنّني أخالط النّاس في التّجارات و غير ذلك، فالخالط الرّجل فأرى له حسن السمت و حسن الخلق و [كثرة] أمانة ثمّ افتّشه فأتبينه عن عداوتكم و اخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق و قلّة أمانة و زعارة ثمّ افتّشه فأتبينه عن ولايتكم، فكيف يكون ذلك؟ فقال لي: أ ما علمت يا ابن كيسان

____________

فيجرى فيه خلاف ما ذكر.

قوله: (اما النسب فأعرفه)

(1) كان المراد بالنسب كيسان، و لعله كيسان بن كليب من أصحاب على و الحسن و الحسين و على بن الحسين و محمد بن على (عليهم السلام) و هو أيضا لقب مختار بن أبى عبيد المنسوب إليه الكيسانية. و المراد بمعرفته معرفته بالرؤية و بعدم معرفة ابنه عبد اللّه عدم معرفته بها، و يؤيده قوله «انى ولدت- الخ» على الظاهر، و يمكن أن يكون كناية عن عدم ايمانه اذ لو كان مؤمنا لعرفه لانهم (عليهم السلام) كانوا يعرفون شيعتهم و أسماءهم و أسماء آبائهم كما دلت عليه الروايات المعتبرة.

قوله: (انى ولدت بالجبل)

(2) قيل المراد بالجبل كردستان بين تبريز و بغداد و همدان و غير ذلك.

قوله: (فارى له حسن السمت)

(3) هو السكينة و الوقار و هيئة أهل الخير و الصلاح يقال:

سمت الرجل سمتا من باب قتل اذا كان ذا سكينة و وقار و هيئة حسنة.

قوله: (و كثرة أمانة)

(4) في أموال الناس و عهودهم و أسرارهم.

قوله: (ثم افتشه فاتبينه عن عداوتكم)

(5) أى متجاوزا عن بدايتها الى نهايتها أو على عداوتكم أو من عداوتكم لان حرف الجر يجيء بعضها بمعنى آخر كما صرح به أئمة اللغة و على التقادير فيه مبالغة في عداوته أما الاول فظاهر و كذا الثانى لان على للاستعلاء، و أما الثالث فلانه يفيدان التفتيش مقارن لوجدان عداوته، و انما يكون ذلك لكمالها فيه.

قوله: (و زعارة)

(6) عطف على قلة أو سوء الخلق، و هى الفساد و الفسق و سوء الخلق و الخبث و الفزع من كل كريهة و الاضطراب منها.

قوله: (فكيف يكون ذلك)

(7) ظن أن وليه طيب و عدوه خبيث، فينبغى أن يكون الامر

10

أنّ اللّه عزّ و جلّ أخذ طينة من الجنّة و طينة من النّار، فخلطهما جميعا، ثمّ نزع هذه من هذه و هذه من هذه فما رأيت من أولئك من الأمانة و حسن الخلق و حسن السّمت فممّا مسّتهم من طينة الجنّة و هم يعودون إلى ما خلقوا منه، و ما رأيت من هؤلاء من قلّة الأمانة و سوء الخلق و الزعارة فممّا مسّتهم من طينة النّار، و هم يعودون إلى ما خلقوا منه.

[الحديث السادس]

6- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن صالح بن سهل قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المؤمنون من طينة الأنبياء؟ قال: نعم.

[الحديث السابع]

7- عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أراد أن يخلق آدم (عليه السلام) بعث جبرئيل (عليه السلام) في أوّل ساعة من يوم الجمعة، فقبض بيمينه قبضة، بلغت قبضته من السّماء السّابعة إلى السّماء الدّنيا و أخذ من كلّ سماء

____________

على عكس ما وجدناه فلما وجد خلافه سأل عن سببه.

قوله: (فخلطهما جميعا)

(1) و بذلك يختلف أحوالهم و صفاتهم في الدنيا كما أشار إليه بقوله «فما رأيت في أولئك» و حاصله أن ما في كل واحد من المؤمن و الكافر من صفات الاخر أمر عرضى حصل له باعتبار مماسة الطينتين و مجاورتهما و رائحتهما لاكتساب طينة الجنة رائحة من طينة النار و بالعكس، و ان الاخلاق الذميمة لا تنافى الايمان و لا تدفعه، و الاخلاق الحسنة لا تنفع مع الكفر و ان كان ذلك موجبا لنقصهما فكل يعود الى ما خلق منه.

قوله: (المؤمنون من طينة الأنبياء)

(2) قد عرفت أن طينة الأنبياء من الجنة و أنهم مخلوقون من صفوها و خالصها، و أن قلوب المؤمنين مخلوقة منه و أبدانهم من ثفلها و هو دون ذلك و لا يلزم منه الجبر و الاضطرار لما مر.

قوله: (في أول ساعة من يوم الجمعة)

(3) يدل على شرافتها و رجحان الشروع في الامر العظيم فيه، و على حدوث آدم بإرادته تعالى و الآيات المتكاثرة و الروايات المتواترة من طرق العامة و الخاصة صريحة فيه، و هو مذهب أصحاب الشرائع كلهم و مذهب جم غفير من منكريها، خلافا للدهرية القائلين بقدم نوع الانسان و أنه ليس ثم انسان أول و انما هو انسان من نطفة و نطفة من انسان لا الى أول و لاصحاب الطبيعة القائلين بأن آدم حدث من تأثير النجوم أو العناصر أو غير ذلك من المزخرفات.

قوله: (و أخذ من كل سماء تربة)

(4) يمكن أن يراد بالسماء الجنة مجازا لكونها من

11

تربة و قبض قبضة اخرى من الأرض السّابعة العليا إلى الارض السّابعة القصوى، فأمر اللّه عزّ و جلّ كلمته فأمسك القبضة الاولى بيمينه و القبضة الاخرى بشماله، ففلق الطين فلقتين فذرا من الأرض ذروا و من السّماوات ذروا فقال للّذي بيمينه: منك الرّسل و الأنبياء و الأوصياء و الصّديقون و المؤمنون و السّعداء و من اريد كرامته، فوجب لهم ما قال كما قال، و قال للّذي بشماله: منك الجبّارون و المشركون و الكافرون و الطواغيت و من اريد هو انه و شقوته، فوجب لهم ما قال كما قال. ثمّ إنّ الطينتين خلطتا جميعا، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اللّٰهَ فٰالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوىٰ

____________

جهة السماء أو حقيقة لان السماء كل عال مظل، و لذلك يقال للسقف و السحاب سماء، و كل درجة من درجات الجنة سماء لعلوها و ارتفاعها بالنسبة الى ما تحتها و حينئذ يراد بالارض السجين و دركاتها فيوافق سائر الروايات و أن يراد بها هذا المحسوس لتبادره و لا يبعد أن يكون فيها تراب من جنس تراب الارض أو غيره أو لنقله إليها للتشريف و التكريم.

قوله: (فامسك القبضة الاولى)

(1) بيمينه هى طينة المؤمن و امساكها بيمينه للتشريف لان اليمين أشرف و للاشعار بكمال القوة الروحانية للمخلوق منها.

قوله: (ففلق الطين)

(2) فلقته فلقا من باب ضرب شققته فانفلق، و فلقته بالتشديد مبالغة.

و ذرأ الشيء تحرك و تفرق سريعا. و المراد بالطين الجنس الشامل للقبضتين، و لما فلقه بفتح القبضة تحرك ما في شماله في الارض و ما في يمينه في السموات فقال اللّه تعالى أو جبرئيل (ع) للذى بيمينه منك الرسل الّذي يأتون بالدين او الكتاب و يشاهدون جبرئيل (عليه السلام) و يسمعون منه و الأنبياء المخبرين عن اللّه تعالى و ان لم يكونوا رسلا و الأوصياء لهم و الصديقون المعصومون أو المصدقون للانبياء و الرسل كثيرا أو المطابق أعمالهم لأقوالهم و المؤمنون المتصفون بالايمان الكامل و المقرون باللّه و اليوم الاخر و السعداء الواصلون الى اللّه بمجاهدات نفسانية و قوة روحانية. و من اريد كرامته في الدنيا بالهدايات و في الآخرة برفع الدرجات فوجب لهم ما قال كما قال من الوعد المذكور أو من قوله عز شأنه، وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خٰالِدِينَ فِيهٰا و قال للذى بشماله منك الجبارون الذين يكسرون قلوب الخلائق و ظهورهم و اعناقهم بالجور و الغلبة، و المشركون باللّه و الكافرون الجاحدون له أو لشيء من أحكامه و اموره الضرورية و الطواغيت المجاوزون عن الحد و المقدار في العصيان، السابقون في طرق الشيطنة و الضلالة و الطغيان و من اريد هو انه و شقوته في الدنيا بسلب التوفيق و الاذلال، و في الآخرة بالاخذ و النكال فوجب لهم ما قال كما قال من الامر المذكور أو من قوله عز شأنه فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ.

قوله: (ثم ان الطينتين خلطتا جميعا و ذلك)

(3) دل على أن الفلق و الذر وقعا

12

فالحبّ طينة المؤمنين الّتي ألقى اللّه عليها محبّته و النّوى طينة الكافرين الذين نأوا عن كلّ خير و إنّما سمّي النّوى من أجل أنّه نأى عن كلّ خير و تباعد عنه و قال اللّه عزّ و جلّ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ فالحيّ، المؤمن الّذي يخرج طينته من طينة الكافر و الميّت الّذي يخرج من الحيّ هو الكافر الّذي يخرج من طينة المؤمن فالحيّ المؤمن، و الميّت الكافر و ذلك قوله عزّ و جلّ: أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر، و كان حياته حين فرّق اللّه عزّ و جلّ بينهما بكلمته كذلك يخرج اللّه عزّ و جلّ المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها

____________

أولا و التخليط وقع بعدهما و ذلك اشارة إليهما بالاعتبار المذكور: و الآية الاولى استشهاد للاول. و الثانية للثانى.

قوله: (فالحب طينة المؤمنين)

(1) كأنه بطن الآية فظهرها حب الزرع و نواة التمر و كلاهما على كمال قدرة الصانع.

قوله: (من أجل أنه نأى عن كل خير و تباعد عنه)

(2) العطف للتفسير و كان عين نأى كانت واوا و يؤيده أن صاحب مصباح اللغة ذكره في باب النون و الواو.

قوله: (فالحى المؤمن)

(3) كما أن الحى و الميت يطلقان على من اتصف بالروح- الحيوانى، و على من زالت عنه، كذلك يطلقان على من اتصف نفسه الناطقة بكمالاتها من الايمان و الاخلاق و غيرها، و على من لم يتصف نفسه بها بل هذا الاطلاق أولى عند أرباب العرفان و أصحاب الايقان لان هذه حياة باقية و تلك حياة فانية.

قوله: (بكلمته)

(4) و هى أمره أو جبرئيل (ع) سمى بها لانه يكلم الناس عن اللّه عز و جل و يبلغ أمره إليهم.

قوله: (كذلك يخرج اللّه عز و جل المؤمن في الميلاد)

(5) أى كما أخرج اللّه المؤمن و الكافر و ميز بينهما حين كونهما طينا، كذلك يخرج المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله الى النور. و يخرج الكافر من النور الى الظلمة بعد دخوله في النور، و الميلاد أخص من المولد لان المولد الموضع للولادة و الوقت، و الميلاد الوقت لا غير، و المراد بالظلمة ظلمة الكفر أو ظلمة طينة سجين، و بالنور الايمان او نور طينة الجنة، و بدخول المؤمن في ظلمة الكفر كونه في أصلاب الاباء الكفرة و أرحام الامهات الكافرات الى أن أخرج اللّه تعالى عنها في وقت ولادته فتخلص من ظلمة الكفر و دخل في نور الايمان، و قس عليه دخول الكافر في نور الايمان و اخراجه منه و يظهر من هذا الحديث ان اخراج المؤمن من الكافر و بالعكس في وقتين وقت تفريق الطين و وقت الولادة لما في طينة أحدهما من

13

إلى النّور، و يخرج الكافر من النّور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النّور و ذلك قوله عزّ و جلّ: لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكٰافِرِينَ.

(باب آخر منه) و فيه زيادة وقوع التكليف الاول

[الحديث الأول]

1- أبو عليّ الأشعري و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن الحكم عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو علم الناس كيف ابتداء الخلق ما اختلف اثنان، إنّ اللّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق الخلق قال: كن

____________

شائبة طينة الاخر.

قوله: (و ذلك قوله عز و جل)

(1) اشارة الى كون المؤمن مؤمنا و كون الكافر كافرا قبل اخراجهما و استشهاد له أى يدل على ذلك قوله تعالى «لِيُنْذِرَ» أى القرآن أو الرسول «مَنْ كٰانَ حَيًّا» بروح الايمان «وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ» أى كلمة العذاب «عَلَى الْكٰافِرِينَ» فان في لفظ كان دلالة على ثبوت الحياة بالايمان و استمرارها في جانب الماضى قبل الانذار، و في لفظ الكافرين اشعار بثبوت الكفر و استمراره كذلك قبله.

قوله: (باب آخر و فيه زيادة وقوع التكليف الاول)

(2) يفهم من الروايات أن التكليف الاول و هو ما وقع قبل التكليف في دار الدنيا بارسال الرسل و انزال الكتب متعدد الاول كان في عالم الارواح الصرفة، الثانى كان وقت تخمير الطينة قبل خلق آدم منها، الثالث كان بعد خلق آدم منها حين اخرجهم من صلبه و هم ذر يدبون يمينا و شمالا و كل من أطاع في هذه التكاليف الثلاثة فهو يطيع في تكليف الدنيا و كل من عصى فيها فهو يعصى فيه و هنا تكليف خامس يقع في القيامة و هو مختص بالاطفال و المجانين و الشيوخ الذين أدركوا النبي و هم لا يعقلون و غيرهم ممن ذكر في محله.

قوله: (لو علم الناس كيف ابتداء الخلق)

(3) خلق اللّه تعالى الارواح بعد توافقها في فطرة الايمان على مراتب متفاوتة في الايمان و الكمال و الادراك، و خلق الاجساد من مواد مختلفة بحسب اختلاف الارواح فيما ذكر، و وضع كل واحد منها فيما يليق به، و لو علم الناس كيفية تلك المراتب و كميتها و تفاوتها في قبول الكمال ما اختلف اثنان و لا يعير صاحب الكمال صاحب النقص (1) و هذا لا ينافي تعبير من بدل فطرته الاصلية و غير استعداده الذاتية بقبح أعماله و سوء أفعاله و ترك السعى فيما خلق له و طلب منه و يليق به، و مذام الشرع كلها من هذا القبيل.

____________

(1) قوله «و لا يعير صاحب الكمال صاحب النقص» ان كان المراد بصاحب النقص أهل المعاصى فأول من عيرهم اللّه تعالى نفسه و لعنهم و بعده الملائكة و الأنبياء و الاولياء في آيات كثيرة و أحاديث متواترة، و لو كان مضمون هذه الرواية حقا لبطل كتاب اللّه تعالى و الاحاديث النبوية و اجماع أهل الحق، و ان كان مخالفة فرعون لموسى (ع) لعيب في طينته و لم يجز تعييره كيف يذمه و يلعنه اللّه و الملائكة و يتبرأ منه أتباع الأنبياء و اليهود و النصارى و المسلمون، قال العلامة المجلسى- (رحمه اللّه)- انها من متشابهات الاخبار و معضلات الآثار و مما يوهم الجبر و نفى الاختيار، و لا صحابنا رضى اللّه عنهم فيها مسالك الاول ما ذهب إليه الاخباريون و هو أنا نؤمن بها مجملا و نعترف بالجهل عن حقيقة معناها، الثانى أنها محمولة على التقية، الثالث أنها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون، الرابع أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم و قابلياتهم و هذا أمر بين لا يمكن انكاره و هذا لا يستلزم سقوط التكليف فان اللّه تعالى كلف النبي (ص) بقدر ما أعطاه من الاستعداد و كلف أبا جهل ما في وسعه و طاقته، الخامس أنه لما كلف اللّه تعالى الارواح أولا في الذر و اخذ ميثاقهم فاختاروا الخير و الشر باختيارهم تفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه. انتهى ملخصا و هو حسن جدا. (ش)

14

ماء عذبا أخلق منك جنّتي و أهل طاعتي، و كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري و أهل معصيتي ثمّ أمرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر و الكافر المؤمن، ثمّ أخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا هم كالذّرّ يدبّون، فقال لأصحاب اليمين: إلى الجنّة بسلام، و قال لأصحاب الشمال: إلى النار و لا أبالي، ثمّ أمر نارا فأسعرت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها، فقال لأصحاب اليمين: ادخلوها فدخلوها، فقال: كُونِي بَرْداً وَ سَلٰاماً فكانت بردا و سلاما، فقال أصحاب الشمال: يا ربّ أقلنا، فقال: قد أقلتكم فادخلوها، فذهبوا

____________

قوله: (قال كن ماء عذبا)

(1) كلمة كن اشارة الى ارادته وجود ما فيه حكمة و مصلحة و قدرته عليه من غير لفظ و لا صوت و لا نداء و يفهم منه ان الماء العذب أصل المؤمن و منه شرافته و لينته و أن الماء الاجاج و هو بالضم الماء الملح الشديد الملوحة أصل الكافر و منه خساسته و غلظته و امتزاج الماءين سبب لتحقق القدرة على الخير و الشر و القوى القابلة للضدين، و تولد المؤمن من الكافر و بالعكس لما في أحدهما من أجزاء الاخر و صفاته و رائحته، و قد مر شيء من سر الامتزاج آنفا و لعل خلق الجنة و النار من الماءين اشارة الى أنهار الجنة و طراوة أشجارها من الماء الاول و مياه النار و نمو أشجارها كالزقوم من الماء الثانى قال اللّه تعالى إِنَّهٰا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهٰا كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّيٰاطِينِ».

قوله: (ثم أخذ طينا من أديم الارض)

(2) المراد بالطين ما امتزج بالماءين و خمر بهما كما سيجيء،

15

فهابوها، فثمّ ثبتت الطاعة و المعصية فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء و لا هؤلاء من هؤلاء.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة أنّ رجلا سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه جلّ و عزّ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ- إلى آخر الآية

____________

و بأديم الارض ما ظهر منها، و بالارض ما يشمل أرض النار و ارض الجنة و الغرض من عركه و دلكه اخراج مادة كل من المؤمن و الكافر عن الاخرى و تميزها عنها و اخراج كل واحد منهما من مادته كما أشار إليه بقوله «فإذا هم كالذر يدبون» وجه التشبيه الصغر و الحركة فقال لاصحاب اليمين الى الجنة أى سيروا الى الجنة متلبسين بسلام منى و بركات أو سالمين من الموت و الافات و قال لاصحاب الشمال الى النار و لا أبالي لعدم الاعتناء بهم، ثم أمر نارا فاسعرت أى اتقدت و اشتعلت فقال لاصحاب الشمال ادخلوها الى آخره.

و الغرض من هذا التكليف ابراز المعلوم و اظهار انطباق علمه به و الممتثل بالتكليف في هذه الدار هو الممتثل بهذا التكليف، و الراد هو الراد. و التطابق بين الامتثالين و عدمها لازم كما أشار إليه بقوله «فثم ثبتت الطاعة و المعصية فلا يستطع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، و لا هؤلاء من هؤلاء، و ليس عدم استطاعتهم نظرا الى ذواتهم بل بالغير فلا ينافى تكليفهم في العالم الشهودى لتكميل الحجة عليهم.

قوله: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)

(1) من ظهورهم بدل من «بنى آدم» بدل البعض من الكل، و المراد بأخذ الذرية من ظهورهم اخراجهم من أصلابهم نسلا بعد نسل و اشهادهم على أنفسهم فان مواد الكل كانت موجودة في صلب آدم على ترتيب وجودهم في هذه النشأة فاخراجهم من ظهور بنى آدم اخراج من ظهر آدم و صلبه فلا ينافى ما دل على أن الاخراج من ظهر آدم و صلبه، و يؤيده ما نقل عن ابن عباس من «أنه تعالى لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة فقال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ فنودى يومئذ جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة» و روى أن الذرية كانت في صورة انسان على مقدار الذر. و قال محمد بن جرير الطبرى: ان آدم لما فرغ من حجه و نام في وادى النعمان و هو واد خلف جبل عرفات أخرج اللّه تعالى ما كان في صلبه من ذريته الى يوم القيامة فرآهم آدم (ع) فمن كان في يمينه كان من أهل الجنة و من كان في يساره كان من أهل النار، و قال جماعة منهم صاحب الكشاف أن قوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و

16

فقال و أبوه يسمع (عليهما السلام): حدّثني أبي أنّ اللّه عزّ و جلّ قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم (عليه السلام) فصب عليها الماء العذب الفرات ثمّ تركها أربعين صباحا

____________

قالوا بلى شهدنا من باب التمثيل و التخييل و معنى ذلك أنه نصب لهم الادلة على ربوبيته و وحدانيته و شهدت بها عقولهم و بصائرهم التى ركبها فيهم و جعلها مميزة بين الضلالة و الهدى فكانه أشهدهم على أنفسهم و قررهم، و قال لهم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و كانهم قالوا بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا و أقررنا بوحدانيتك، و باب التمثيل واسع في كلام اللّه و رسوله و في كلام العرب، و قال بعضهم: ان أخذ الذرية يعود الى احاطة اللوح المحفوظ بما يكون من وجود هذا النوع بأشخاصه و انتقاشه بذلك عن قلم القضاء الالهى و نزل تمكين بنى آدم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل و الاستعداد فيهم و تمكنهم من معرفتها و الاقرار بها منزلة الاشهاد و الاعتراف تمثيلا و تخييلا لا اخراج و لا شهادة و لا قول و لا اقرار ثمة حقيقة و الفرق بين هذين القولين أن الاخراج على سبيل الحقيقة و الاشهاد و الجواب من باب التمثيل في الاول و كليهما من باب التمثيل في الثاني، و الحق أن الاخراج و الاشهاد و الاقرار و اخذ الميثاق بالمعانى المذكورة كلها واقعة لانه تعالى أخرجهم و خاطبهم بقوله «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» و أجابوا ببلى حقيقة و لا بعد فيه نظرا الى قدرته القاهرة و أنه تعالى جعل فيهم قوة يقدرون بها على معرفته و توحيده نظرا في آياته و على الخروج مما فيهم من قوة الكمال و التكميل الى الفعل فكان خلقهم على هذا الوجه مشابها بالاخراج و العهد و الميثاق فحسن اطلاق الاخراج و الميثاق على هذا الوجه على سبيل التمثيل. و هذا هو العهد القديم و العهد الاول بل لا يبعد اطلاق العهد القديم على علمه تعالى بما فيهم من تلك القوة، ثم ان بعضهم بعد الوجود العينى نقضوا الميثاق و أبطلوا تلك القوة و الفطرة، و أنكروا ما أقروا به بلسان تلك القوة بحاضر لذاتهم النفسانية و الوساوس الشيطانية هذا، و تفسيره (ع) يدل ظاهرا على أن اخراج الذرية من الطينة التى هى مبدأ خلق آدم (ع) و في انطباقه على ظاهر الآية خفاء، و يمكن أن يقال: ان بنى آدم كانوا كامنين في طينة آدم فكان إخراجهم منها اخراجا من ظهور بنى آدم و اخراجا من ظهر آدم أيضا، أو يقال للآية ظهر و بطن و ما ذكره (ع) تفسير لبطنها و اللّه يعلم.

قوله: (ان اللّه عز و جل قبض قبضة من تراب التربة)

(1) القابض جبرئيل (ع)، و نسبته الى اللّه تعالى مجاز باعتبار أنه الآمر و التراب مضاف الى التربة أو التربة بدل من قبضه، و لعل المراد بها التربة السماوية و الارضية بدليل ما سبق.

17

ثمّ صبّ عليها الماء المالح الاجاج فتركها أربعين صباحا، فلمّا اختمرت الطينة أخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذّرّ من يمينه و شماله، و أمرهم جميعا أن يقعوا في النار، فدخل أصحاب اليمين، فصارت عليهم بردا و سلاما و أبى أصحاب الشمال أن يدخلوها.

[الحديث الثالث]

3- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان عن محمّد بن عليّ الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أراد أن يخلق آدم (عليه السلام) أرسل الماء على الطين، ثمّ قبض قبضة فعركها ثمّ فرّقها فرقتين بيده ثمّ ذرأهم فإذا هم يدبّون، ثمّ رفع لهم نارا فأمر أهل الشمال أن يدخلوها

____________

قوله: (فعركها عركا شديدا)

(1) عرك ماليدن.

قوله: (فخرجوا كالذر من يمينه و شماله)

(2) تعلقت بأصحاب اليمين الارواح المطيعة على تفاوت درجاتهم في العزم و الطاعة و الانقياد و بأصحاب الشمال الارواح العاصية كذلك فوضع كل روح في موضع يناسبه و لو لم يضع كذلك لوقع الجور و هو منزه عنه.

قوله: (و أمرهم جميعا ان يقعوا في النار)

(3) من امتثل بأمره في ذلك الوقت فهو مؤمن حين كونه في أصلاب الاباء و أرحام الامهات و حين تولده و حين كونه في هذه النشأة و حين موته و بعده أبدا.

بجز راه وفا و عشق نسپرد * * * بر آن زاد و بر آن بود و بر آن مرد

قوله: (أرسل الماء على الطين)

(4) لعل المراد بالماء الماء العذب و الماء الأجاج، و بالطين طين عليين و طين سجين كما مر. قيل تخصيص هذين العنصرين دون ذكر الباقين لانهما الاصل في تكون الاعضاء المشاهدة التى تدور عليها صورة الانسان المحسوسة.

قوله: (ثم فرقها فرقتين بيده)

(5) ذهب أهل الحق الى أنه تعالى ليس بجسم و أنه ليست له يد بمعناها الحقيقى و انه يجب صرف اليد عن ظاهرها المحال عليه، ثم اختلفوا بعد ذلك فمنهم من حمل اليد على صفة لا نعلمها و قالوا يجب الايمان بها و صرف علم حقيقها الى اللّه تعالى و منهم من أولها بالقدرة فالمعنى أنه تعالى فرقها فرقتين بقدرته و كنى عن ذلك باليد لان بها نحن نفعل فخوطب الخلق بما يفهمونه، و اخرج المعقول الى المحسوس ليتمكن المعنى في النفس و هذا الاختلاف يجرى بينهم في كل ما نسب إليه سبحانه مع استحالة إرادة الظاهر منه.

قوله: (فامر أهل الشمال أن يدخلوها)

(6) يحتمل أن يراد بالشمال و اليمين شمال

18

فذهبوا إليها فها بوها فلم يدخلوها. ثمّ أمر أهل اليمين أن يدخلوها فذهبوا فدخلوها فأمر اللّه جلّ و عزّ النار فكانت عليهم بردا و سلاما، فلمّا رأى ذلك أهل الشمال قالوا: ربّنا أقلنا، فأقالهم، ثمّ قال لهم: ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها و لم يدخلوها فأعادهم طينا و خلق منها آدم (عليه السلام). و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء و لا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء. قال: فيرون أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أوّل من دخل تلك النار فلذلك قوله جلّ و عزّ: قُلْ إِنْ كٰانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعٰابِدِينَ.

____________

جبرئيل (ع) و يمينه، و المراد بأهلهما من خلق من الطينة التى كانت في شماله و يمينه يعنى طينة النار و طينة الجنة و أن يراد بهما جهة العلو و السفل على سبيل التمثيل لان العلو أشرف من السفل، كما أن اليمين أشرف من الشمال، فأهل الشمال من دب الى جهة السفل و أهل اليمين من دب الى جهة العلو و أن يراد بهما أهل الاهانة و أهل الكرامة على سبيل التشبيه فان من كان في شمال الملك كان من أهل الاهانة و من كان في يمينه كان من أهل الكرامة و المآل واحد، فان من كان في شمال جبرئيل كانت حركته الى جهة السفل و كان من أهل الاهانة و من كان في يمينه كان بالعكس.

قوله: (فهابوها و لم يدخلوها)

(1) فعاصوا بعد التعلق بالابدان الصغيرة، أو المثالية كما عاصوا قبله في عالم الارواح الصرفة و كما يعصون بعد التعلق بهذه الابدان الكثيفة الجسمية.

قوله: (و خلق منها آدم (ع))

(2) فاسكن الفريقين في صلبة فلذا يخرج منه المؤمن و الكافر و قد يكون للمؤمن الاخلاق الذميمة و الاعمال الباطلة و للكافر الاخلاق الحسنة و الاعمال الصالحة لملابسة طينة كل منهما بالاخرى و اكتساب رائحتها.

قوله: (فلن يستطيع هؤلاء- الخ)

(3) لانه وجب في علم اللّه تعالى انطباق حالهم في هذه العالم على حالهم في ذلك الوقت و العلم تابع للمعلوم بمعنى أنه لما كان هذا كان ذاك دون العكس و هذا معنى استطاعتهم على التبدل و التغير و لا يلزم منه الجبر.

قوله: (إِنْ كٰانَ لِلرَّحْمٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعٰابِدِينَ)

(4) لكونه أول من امتثل بأمره بالدخول في النار و بالاقرار بالربوبية و بكل حق و صدق فوجب أن يكون أول من يعتقد له ولدا لو كان له ولد فلما لم يعتقده بل نفاه علم أنه ليس ولد، و يفهم منه أن جزاء الشرط محذوف و أن المذكور تعليل له قائم مقامه، أى لو كان للرحمن ولد فأنا أول من يقربه

19

(باب آخر منه)

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن داود العجلي، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا و ماء مالحا اجاجا، فامتزج الماء ان، فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا، فقال لأصحاب اليمين و هم كالذرّ يدبّون: إلى الجنّة بسلام و قال لأصحاب الشمال: إلى النار و لا أبالي، ثمّ قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قٰالُوا:

بَلىٰ شَهِدْنٰا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰامَةِ: إِنّٰا كُنّٰا عَنْ هٰذٰا غٰافِلِينَ، ثمّ أخذ الميثاق على النبيّين، فقال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و أنّ هذا محمّد رسولي، و أنّ هذا عليّ أمير- المؤمنين؟ قالوا: بلى، فثبتت لهم النبوّة و أخذ الميثاق على اولى العزم أنّني

____________

لانى أول العابدين.

قوله: (باب آخر منه)

(1) هذا الباب مثل السابق الا أنه يذكر فيه شيئا من تفاصيل التكليف الاول و اختلاف الخلق و حكمة ذلك الاختلاف و غير ذلك مما يظهر بالتأمل.

قوله: (فاخذ طينا من أديم الارض)

(2) أى طينا مخمرا بالماءين و بذلك التخمير يتحقق القدرة على الخير و الشر في الكل كما أشرنا إليه اذ لو وقع التخمير من العذب فقط لم تكن قدرة على الشر و لو وقع من الاجاج فقط لم تكن قدرة على الخير بالجملة في ايجاد هذا النوع و امتحانهم بالتكالف يقتضي التخمير بالماءين.

قوله: (فعركه عركا شديدا)

(3) فخرجوا كالذر يدبون يمينا و شمالا، و حذف لدلالة سوق الكلام عليه.

قوله: (الى الجنة بسلام)

(4) متعلق بقال لا بيدبون و قد مر تفسيره.

قوله: (قٰالُوا بَلىٰ شَهِدْنٰا أَنْ تَقُولُوا)

(5) يلى تصديق بالربوبية و شهادة بالوحدانية و ان تقولوا مفعول له أى فعلنا ذلك من اخراجكم و اشهادكم على أنفسكم و أخذ الميثاق عليكم بالربوبية كراهة أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين. و لم ينبهنا عليه أحد أَوْ تَقُولُوا إِنَّمٰا أَشْرَكَ آبٰاؤُنٰا مِنْ قَبْلُ وَ كُنّٰا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم و تبعنا آثارهم، اذ لا عذر لهم في الاعراض عن التوحيد و التمسك بالتعليل و الاقتداء بالآباء بعد تبيينهم عليه كما لا عذر لآبائهم في الشرك.

قوله: (قالوا بلى)

(6) أى قال النبيون كلهم بلى و أما غيرهم فقال بعضهم بلى في الرسالة و الولاية دون بعض كما دلت عليه الروايات في هذا الكتاب و غيره.

20

ربّكم و محمّد رسولي و عليّ أمير المؤمنين و أوصياؤه من بعده ولاة أمري و خزّان علمي (عليهم السلام) و أنّ المهديّ أنتصر به لديني و اظهر به دولتي و أنتقم به من أعدائي و اعبد به طوعا و كرها، قالوا: أقررنا يا ربّ و شهدنا و لم يجحد آدم و لم يقرّ فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهديّ و لم يكن لآدم عزم على الاقرار به و هو قوله عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قال: إنّما هو فترك ثمّ أمر نارا فاجّجت فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها، و قال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا و سلاما فقال أصحاب الشمال: يا ربّ أقلنا، فقال: قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها، فهابوها، فثمّ ثبتت الطاعة و الولاية و المعصية.

____________

قوله: (فثبتت لهم النبوة)

(1) دل على أن نبوتهم قبل أخذ الميثاق عليهم برسالة محمد (ص) و ولاية أمير المؤمنين (ع) كانت في حيز البداء و صارت حتما بعده بالاقرار.

قوله: (و أخذ الميثاق على اولى العزم)

(2) هم خمسة نوح و ابراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى اللّه عليه و عليهم لتأكد عزمهم في أمر الدين و لمجيء كل لاحق بعزيمة نسخ كتاب سابقه و شريعته، و لعل المراد بهم هنا الاربعة الاول بقرينة أخذ الميثاق عليهم لرسالة خاتم الأنبياء (ص).

قوله: (و اعبد به طوعا و كرها)

(3) كما قال جل شأنه لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* و قال محى الدين في الفتوحات: «اذا ظهر المهدى (ع) يرفع بالمذاهب عن- الارض فلا يبقى الا الدين الخالص، و أعداؤه يدخلون في دينه و تحت حكمه كرها خوفا من سيفه و لو لا أن السيف بيده لافتى الفقهاء بقتله و لكن اللّه يظهره بالسيف و الكرم فيطيعون و يخافون و يقبلون حكمه من غير ايمان و يضمرون خلافه و يعتقدون فيه اذا حكم فيهم بغير مذهب أئمتهم أنه على ضلال. في ذلك كلامه طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

قوله: (و لم يجحد آدم و لم يقر)

(4) أى لم يجحد آدم عهد المهدى (عليهم السلام) قلبا و لم يقربه لسانا بل أقر به قلبا و لم يقربه لسانا لتولهه و تأسفه بضلالة أكثر أولاده. و بما يرد عليهم من القتل و القهر لما بين الأب و أولاد من الروابط العظيمة المقتضية لتأسفه بما يرد عليهم و ان كان راضيا بقضاء اللّه و حكمه، و على هذا كانه لم يكن له عزم تام على الاقرار به اذ لو كان له ذلك العزم كما كان لاولى العزم من الرسل لاقر به كما أقروا، و أما قوله «فَنَسِيَ» معناه فترك الاقرار به لسانا أو فترك العزم على الاقرار به و ليس المراد به معناه الحقيقى فليتأمل.

21

[الحديث الثاني]

2- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن الحسن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا أخرج ذرّيّة آدم (عليه السلام) من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبيّة له و بالنبوّة لكلّ نبيّ فكان أوّل من أخذ له عليهم الميثاق بنبوّته محمّد ابن عبد اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ لآدم: انظر ما ذا ترى، قال: فنظر آدم إلى ذرّيّته و هم ذرّ قد ملئوا السماء، قال آدم (عليه السلام): يا ربّ ما أكثر ذرّيّتي! و لأمر ما خلقتهم؟ فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟ قال اللّه عزّ و جلّ: يَعْبُدُونَنِي لٰا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً و يؤمنون برسلي و يتّبعونهم، قال آدم (عليه السلام): يا ربّ فمالي أرى بعض الذّر أعظم من بعض و بعضهم له نور كثير و بعضهم له نور قليل أو

____________

قوله: (يا رب ما أكثر ذريتى و لأمر ما)

(1) تعجب في كثرتهم مع خفاء سببها و «ما» في «أمر ما» صفة أى لامر أى أمر خلقتهم.

قوله: (قال آدم يا رب فما لى أرى بعض الذر أعظم من بعض)

(2) أى أعظم مقدارا و أعظم قدرا و رتبة فقوله «و بعضهم له نور الى آخره» على الاول كالتأسيس و على الثانى كالتأكيد و مجمل ما في هذا الخبر أن آدم (ع) لما رأى اختلاف ذريته في غاية الكمال بحيث لا يكاد يشترك اثنان منهم في حال من الاحوال و لم يعلم سبب ذلك الاختلاف سأل عن سببه فأجابه عز شأنه بأنه خلقهم كذلك لاجل الابتلاء، ثم عاد (ع) بأن خلقهم كذلك يوجب بينهم التنافر و التباعد و التباغض و التحاسد، و أن اتحادهم في جميع الاحوال يوجب رفع هذه المفاسد و تحقق نظامهم، و السؤال الاول نشأ من روحه القدسية الالهية الناظرة في حقائق الاشياء و صفاتها و منافعها و مضارها، و السؤال الثانى تكلف نشأ من قواه الجسمانية و مواده الطبيعية بتوهمات داثرة و خيالات باطلة، اذ التساوى في الغنى و الفقر أو اللون أو المقدار أو الشكل أو العمر مثلا لا يوجب رفع المفاسد المذكورة بل يوجب رفع الحكمة و التكليف و الابتلاء و ذلك نقص في العلم و التقدير و التدبير في ايجاد هذا النوع و ابتلائهم اذ الابتلاء في صورة الاختلاف أشد و أعظم و الامتثال بالتكليف حينئذ أرفع و أفخم و الثواب المترتب عليهما أجل و أتم ألا يرى أن صبر الفقير على الفقر مع مشاهدة الغنى في غيره أعظم من صبره مع مشاهدة الفقر في جميع بنى نوعه و لذلك قيل «اذا عمت البلية طابت» و ان ابتلاء الغنى بالشكر مع تحقق الفقر في غيره أعظم من ابتلائه مع تحقق الغنى في جميع بنى نوعه أذله على الشكر في الصورة الاولى بواعث شتى و قس عليه جميع الاحوال المتقابلة.

22

بعضهم ليس له نور؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: كذلك خلقتهم لأبلوهم في كلّ حالاتهم قال آدم (عليه السلام): يا ربّ فتأذن لي في الكلام فأتكلّم؟ قال اللّه عزّ و جلّ: تكلّم فإنّ روحك من روحي و طبيعتك [من] خلاف كينونتي، قال آدم: يا ربّ فلو كنت خلقتهم على مثقال واحد و قدر واحد و طبيعة واحدة و جبلّة واحدة و ألوان واحدة و أعمار واحدة و أرزاق سواء لم يبغ بعضهم على بعض و لم يكن بينهم تحاسد و لا تباغض و لا اختلاف في شيء من الأشياء، قال اللّه عزّ و جلّ: يا آدم بروحي نطقت و بضعف

____________

قوله: (كذلك خلقتهم)

(1) أى كون بعض الذر أعظم من بعض الى آخره خلقتهم لأبلوهم و في بعض النسخ «لذلك» أى لان يعبدونى و لا يشركوا بى شيئا أو لاجل الاختلاف خلقتهم كما قال جل شأنه «لٰا يَزٰالُونَ مُخْتَلِفِينَ ... وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ».

قوله: (تكلم فان روحك من روحى)

(2) لعل المراد بالروح الاولى النفس الناطقة الناظرة الى عالم الملك و الملكوت، و بالروح الثانية جبرئيل (ع) لانه روح اللّه الامين و نسبته إليه تعالى ظاهرة و «من» حينئذ ابتدائية أو جود اللّه تعالى و فيضه على آدم و انما كان ذلك روحا لانه مبدأ كل حياة فهو الروح الكلية التى بها قوام كل حياة، و حياة كل موجود و نسبته إليه أيضا ظاهرة و «من» حينئذ للابتداء أو للتبعيض أو ذاته المقدسة و المقصود أنه تعالى خلق روحه من عند ذاته المجردة بمجرد المشية بلا توسط مادة كالتراب و نحوه من المواد الجسمانية، و المراد بالكينونة الوجود و بالطبية المواد الجسمانية مثل الحواس الظاهرة و الباطنة التى جعلت في الانسان ليستعملها على القوانين العدلية و يستعين بها في السير الى حضرة القدس و كونها على خلاف وجوده تعالى ظاهر لتنزهه عن العالم الجسمانى، و فيه تنبيه على أن التكلم قد يكون صوابا اذا كان المقتضى له هو الروح المجردة و قد لا تكون اذا كان المقتضى هو الطبائع الجسمانية فانه قد تقع في الغلط و التوهم الفاسد و قد وقع في السؤال المذكور كلا الامرين.

قوله: (فلو كنت خلقتهم على مثال واحد و قدر واحد)

(3) لعله (ع) علم تفاوت الاعمال و الارزاق بالالهام، و أما ما سواهما من الامور المذكورة علمه بالمشاهدة»

قوله: (و جبلة واحدة)

(4) الجبلة بكسر الجيم و سكون الباء و كسرها و شد اللام الخلقة و منه قوله تعالى «وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ».

قوله: (قال اللّه عز و جل يا آدم بروحى نطقت)

(5) اضافة الروح إليه سبحانه للاختصاص باعتبار أنه من عالم الامر و عالم المجردات الصرفة، و من شأنها التحرك الى طلب المجهولات فلذلك نطقت في هذا المقام عند رؤية الاختلاف العظيم في الذرية مع عدم العلم

23

طبيعتك تكلّفت ما لا علم لك به و أنا الخالق العالم، بعلمي خالفت بين خلقهم و بمشيئتي يمضي فيهم أمري. و إلى تدبيري و تقديري صائرون، لا تبديل لخلقي، إنّما خلقت

____________

بسببه، و أما التكلف في السؤال بأن خلقهم على مثال واحد الى آخر ما ذكره- أنسب بنظامهم و أقرب في رفع الفساد بينهم فمستند الى ضعف طبيعته و معارضة قواه الجسمانية للقوة الروحانية و غلبتها عليها بتوهم أن الاتحاد في الامور المذكورة موجب للاتحاد و الالفة بينهم و هذا أمر مطلوب و الحكمة تقتضى رعايته، و هذا التوهم فاسد لان التماثل في الطبيعة يوجب زوال نظامهم و انقطاع نسلهم لان التماثل يوجب اشتغالهم بصنعة واحدة من الصنائع الجزئية التى لها مدخل في تحقق النظام و بقاء النوع بخلاف الاختلاف فانه يوجب اشتغال كل واحد بما يناسبه؛ و يستعد له من الصناعات فيتحقق النظام المشاهد و بقاء النوع و التماثل في الفقر و الغنى و غيرهما لا يوجب عدم البغى و التحاسد و التباغض و غيرها من المفاسد، و على تقدير ايجابه فهى حكمة لا قدر لها في جنب حكمة الاختلاف و هى ابتلاؤهم في مقام التكليف الموجب لرفعة مقاماتهم في الدار الآخرة.

قوله: (و أنا الخالق العليم)

(1) [كذا] تعريف الخبر باللام يفيد الحصر و فيه تنبيه على أنه لا ينبغى السؤال عنه في خلقه و ايجاده للاشياء على ما هى عليه عند خفاء الحكمة بل يجب الاذعان بأن كل ما خلقه على أى وجه خلقه فهو أحكم و أتقن و أفضل و أحسن من غير ذلك الوجه لكونه خالقا عليما و صانعا حكيما لا يفعل الا ما يقتضيه الحكمة البالغة فالقول بأن في خلافه حكمة فاسد اما باعتبار أن هذه الحكمة حكمة وهمية لا تحقق لها في نفس الامر أو باعتبار أنها حكمة ضعيفة لا قدر لها عند تلك الحكمة البالغة.

قوله: (بعلمى خالفت بين خلقهم)

(2) أى خالفت بين خلق أبدانهم و قلوبهم و طبائعهم و غيرها بسبب علمى بحالهم و بمصالح الاختلاف قبل خلقهم و بعده، و الحاصل أنه سبحانه لما علم أزلا تفاوتهم في الطاعة و العصيان و الكمال و النقصان خلق أبدانهم و صورهم و أشكالهم وقت الميثاق على قدر تفاوتهم و تفاوت مراتبهم فوضع كلا في موضعه و هو العدل الحكيم و يمضى فيهم في هذا العالم و هو عالم الظهور أمره الّذي هو الاختلاف المقدر في ذلك الوقت أو أمره التكوينى على النحو المشاهد بمجرد مشيته و ارادته و هم صائرون الى ما دبر من عاقبة امورهم و الى ما قدر لهم من الجنة و النار لا تبديل لخلق اللّه، فمن حسنت أحواله في ذلك الوقت حسنت أحواله في الدنيا، و من حسنت أحواله في الدنيا حسنت أحواله في الآخرة، و من قبحت أحواله في ذلك الوقت، قبحت أحواله في الموطنين الآخرين لا يتبدل هؤلاء الى هؤلاء و لا هؤلاء الى هؤلاء.

قوله: (و بمشيتى يمضى فيهم أمرى)

(3) أى أمر الاختلاف أو أمر التكوين يمضى فيهم بمجرد المشية

24

الجنّ و الإنس ليعبدون و خلقت الجنّة لمن أطاعني و عبدني منهم و اتّبع رسلي- و لا أبالي خلقت النار لمن كفر بي و عصاني و لم يتّبع رسلي و لا أبالي، و خلقتك و خلقت ذريّتك من غير فاقة بي إليك و إليهم و إنّما خلقتك و خلقتهم لأبلوك و أبلوهم أيّكم أحسن عملا في الدار الدنيا في حياتكم و قبل مماتكم فلذلك خلقت الدّنيا و الآخرة و الحياة و الموت و الطاعة و المعصية و الجنّة و النار، و كذلك أردت في تقديرى و تدبيري، و بعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم و أجسامهم و ألوانهم و

____________

التابعة للحكم و المصالح كما أشرنا إليه.

قوله: (و الى تدبيرى و تقديرى صائرون)

(1) التدبير في الامر أن تنظر الى ما يؤول إليه عاقبته و بالفارسية صلاح انديشيدن در كار. و التقدير اندازه كردن و اندازه چيزى نگاه داشتن و آفريدن و واجب كردن.

قوله: (مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ)

(2) اشارة الى غاية خلق السماوات و الارض و الدنيا و الآخرة و الجنة و النار و هى خلق الثقلين فان غاية خلقهما هى الثواب و العقاب و الاكرام و الاهانة و أن ذلك يتوقف على الطاعة و المعصية و هما يتوقفان على التكليف و الابتلاء. و بين أن التكليف و الابتلاء و كمالهما يتوقفان على الاختلاف المذكور فقد ثبت أن الحكمة تقتضى الاختلاف فليتأمل.

قوله: (من غير فاقة بى أليك و إليهم)

(3) لان الفاقة تابعة للعجز و النقص أو مقتضية لهما، و قدس الحق منزه عنهما.

قوله: (لابلوك و ابلوهم)

(4) أى لا عاملك و اياهم معاملة المختبر فهو من باب التمثيل لقصد الايضاح و التنوير. و

قوله: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)*

(5) مفعول ثان للبلوى باعتبار تضمينه معنى العلم، و النفع و الضر في الاختبار يعودان الى الغير لا إليه سبحانه.

قوله: (و الطاعة و المعصية)

(6) اسناد خلقهم إليه جل شأنه اسناد الى العلة البعيدة أو المراد به جعل المعصية معصية و الطاعة طاعة، أو المراد بالخلق التقدير.

قوله: (و الجنة و النار)

(7) دل على أنهما مخلوقتان الآن، ذهب إليه المحقق في التجريد و هو مذهب الاكثر و الآيات و الروايات شواهد صدق عليه، و ذهب كثير من المعتزلة أنهما غير مخلوقين و انما تخلقان يوم القيامة.

قوله: (و كذلك أردت)

(8) أى كون الغرض من خلقهم هو الابلاء و الاختبار أردت في تقديرى و تدبيرى لهم على النحو المختلف أو للممكنات و حقائقها و صفاتها يعنى أن الغرض

25

أعمارهم و أرزاقهم و طاعتهم و معصيتهم، فجعلت منهم الشقيّ و السعيد و البصير و الأعمى و القصير و الطويل و الجميل و الدميم و العالم و الجاهل و الغنيّ و الفقير و و المطيع و العاصي و الصحيح و السقيم و من به الزّمانة و من لا عاهة به، فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة فيحمدني على عافيته، و ينظر الذي به العاهة إلى الصحيح

____________

في تقديرى الممكنات و تدبيرى فيها هو اختبار الثقلين.

قوله: (فجعلت منهم الشقى و السعيد و البصير و الاعمى)

(1) السعيد من عرف ربه و سلك سبيله حتى وصل إليه، و الوصول هو الغاية العظمى للسعادة بل هو عينها و لا يحصل له ذلك الا بمجاهدته على القوة الشهوية و الغضبية و غلبته على لوازمها من الاخلاق الرذيلة، و الشقى من لم يعرفه و لم ينكره أو أنكره أو عرفه و لم يسلك سبيله سواء وقف فيه أو رجع عنه و جعلها وراء ظهره أو مال عنه يمنة و يسرة فالسعيد صنف واحد و الشقى أصناف لاتحاد طريق الحق و كثرة طرق الباطل و الظاهر أن المراد بالبصير و الاعمى واجد نور الباصرة، و فاقده و يمكن أن يراد بهما واجد نور البصيرة و فاقده.

قوله: (و الجميل و الدهم)

(2) الجميل الحسن الوجه، و الهيئة، و جمل الرجل- بالضم و الكسر- فهو جميل، و امرأة جميلة. و الدهم الاسود القبيح المنظر و الهيئة من الدهمة، و هى السواد و منه الفرس الادهم اذا اشتد سواده حتى ذهب بياضه. [و في بعض النسخ «و الجميل و الدميم»].

قوله: (و من به الزمانة و من لا عاهة به)

(3) الزمانة الآفة و العاهة فعله بفتح العين و عينها ياء. و في المصباح زمن الشخص زمنا و زمانة فهو زمن من باب تعب و هو مرض يدوم زمانا طويلا.

قوله: (فينظر الصحيح الى الّذي به العاهة)

(4) اختبر الصحيح بذى العاهة و بالعكس و لو كانوا كلهم أهل الصحة فاتت الحكمة الاولى و هى الحمد و الحث عليه و لو كانوا كلهم أهل العاهة فاتت الحكمة الثانية و هى الدعاء و الصبر على البلية و الترغيب فيهما بل فاتت الحكمتان في كلتا الصورتين، و ليس المراد بالحمد الحمد القولى فقط بل المراد الحمد مطلقا قولا كان أو فعلا بأن يصرف لسانه في أنواع الثناء و قوته في أنحاء الطاعات و جوارحه في أقسام العبادات، و قلبه في التفكر في اللّه و في مظاهره و آثاره، و كذلك اختبر الغنى بالفقير و بالعكس لينظر الغنى الى الفقير فيحمد اللّه تعالى على ما أعطاه و أنعمه مما منع عنه الفقير و يشكره بالظاهر و الباطن و بأداء الحقوق المالية و ينظر الفقير الى الغنى فيدعو ربه و يسأله أن يعطيه، و الاختلاف في الغنى و الفقير فائدة اخرى هى انتظام امورهم في التمدن و الاجتماع، اذ لو كان كلهم غنيا لما خدم بعضهم بعضا، و لو كان كلهم فقيرا لما حصل

26

فيدعوني و يسألني أن اعافيه و يصبر على بلائي فاثيبه جزيل عطائي، و ينظر الغنيّ إلى الفقير فيحمدني و يشكرني، و ينظر الفقير إلى الغني فيدعوني و يسألني و ينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السرّاء و الضرّاء و فيما اعافيهم و فيما ابتلاهم و فيما اعطيهم و فيما أمنعهم و أنا اللّه الملك القادر و لي أن أمضي جميع ما قدّرت على ما دبّرت و لي أن اغيّر من ذلك ما شئت إلى ما شئت و اقدّم من ذلك ما أخرت و اؤخّر من ذلك ما قدّمت و أنا اللّه الفعّال لما اريد لا

____________

نفع في مقابل الخدمة فيفضى ذلك الى تركها و على التقديرين يلزم بطلان النظام و انقطاع النوع و فساد أسباب الحياة من الزراعة و الخياطة و الحياكة و غيرها من الصناعات الجزئية و كذلك اختبر المؤمن بالكافر و بالعكس لينظر المؤمن الى الكافر فيحمده على ما هداه إليه و وفقه له، و ينظر الكافر الى المؤمن و حسن ظاهره و باطنه فيرجع عن الكفر و يتوب و لم يذكره لعدم الاعتناء بشأنه و لما ذكر جملة من حكمة الابتلاء و الاختبار على سبيل التفصيل أشار الى البواقى على سبيل الاجمال بقوله «فلذلك خلقتهم لابلوهم في السراء و الضراء- الى آخره» لان جلها بل كلها مندرج فيه كما يظهر بالتأمل.

قوله: (و أنا اللّه الملك القادر)

(1) أشار بلفظ اللّه الى أنه كامل من جهة الذات و الصفات الذاتية و الفعلية لدلالته على أن كل ماله من الصفات على وجه الكمال فلا يكون خلقه على وجه الاختلاف عبثا لان العبث نقص و النقص على الكامل من جميع الجهات محال و بلفظ ملك على أنه مسلط على جميع الممكنات فلا يعتريه العجز عن ايجاد ما أراد، فلو كانت الحكمة في غير الاختلاف لاراده بلا مانع و لما لم يرد علم أنها في الاختلاف، و بلفظ القادر الى أنه ليس بموجب لا يقدر على ايجاد الضدين كالفقر و الغنى و الصحة و السقم و غير ذلك، و هذه حكمة اخرى لاختيار الاختلاف و الى أن فعله مسبوق بالارادة، و الفعل الإرادي لا يكون إلا لحكمة و مصلحة و هذا القدر كاف في الإذعان بان الاختلاف في خلقه لا يخلو عن حكمة و ان لم يعلم تفاصيلها.

قوله: (ولى أن أمضى)

(2) اشارة الى أنه يجوز البداء في بعض المقدرات و المدبرات و قد مر في آخر كتاب التوحيد تفسير البداء و مواقع جوازه و هى ما لم يبلغ الامضاء و الحتم مثلا اذا قدر صحة زيد أو سقمه أو غناه أو فقره أو طول عمره أو قصره تقديرا غير حتمى مشروطا بالتصدق أو صلة الرحم أو الدعاء أو بعدمها جاز البداء و التغيير.

قوله: (و انا اللّه الفعال لما اريد)

(3) هو فعال لانه يفعل كل ما يريده على وجه يريد

27

اسأل عمّا أفعل و أنا أسأل خلقي عمّا هم فاعلون.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد اللّه بن محمّد الجعفي و عقبة جميعا، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق الخلق فخلق من أحبّ ممّا أحبّ و كان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة و خلق من أبغض ممّا أبغض و كان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال، فقلت: و أيّ شيء الظلال؟ فقال: أ لم تر إلى ظلّك في الشمس شيئا و ليس بشيء، ثمّ بعث منهم

____________

بلا منازع و لا مدافع على وجه أحسن بحيث لو اجتمع العقلاء على أن يزيدوا أو ينقصوا طلبا لزيادة الحسن لما قدروا. و من توهم امكان الاحسن في بعض أجزاء العالم فهو غافل عن المصالح الكلية و الجزئية، و فيه تنبيه على أن له الامضاء و التغيير و التقديم و التأخير تحقيقا لمعنى المبالغة في الفعل.

قوله: (لا أسأل عما أفعل)

(1) لانه لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة، و الحكيم على الاطلاق لا يسأل عما يفعل بخلاف غيره فانه يسأل عما يفعل هل هو موافق للحكمة أم لا.

قوله: (ان اللّه عز و جل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب)

(2) لعل المراد بالخلق الخلق الجسمانى بقرينة السياق و محبته تعالى للعبد عبارة عن احسانه و اكرامه و افضاله و لطفه و هى تابعة لطاعة العبد اياه، ثم المحبة سبب لزيادة القرب حتى يصير العبد بحيث لا ينظر الا إليه و لا يتكل الا عليه فيصير فعله كفعله كما يدل عليه حديث التقرب بالنوافل، و سيجيء مشروحا ان شاء اللّه تعالى. و من محبته أنه اذا علم طاعة الارواح الانسانية خلق لها ابدانا من طينة الجنة ليكون ذلك معينا لها في الخيرات و هذا بداية التوفيق و الاحسان و من بغضه أنه اذا علم عصيانها خلق لها أبدانا من طينة النار و سلب عنها توفيقه فيبعثها ذلك الى المبالغة في الشرور، و هذا بداية الاضلال و الخذلان.

قوله: (أ لم تر الى ظلك في الشمس شيئا و ليس بشيء)

(3) شبه الظلال بظلك في الشمس و أشار الى وجه التشبيه بانه شيء باعتبار و ليس بشيء باعتبار آخر، و قد ذكرنا سابقا أن التكليف الاول وقع مرتين: مرة في عالم المجردات (1) الصرفة و هو عالم الارواح، و مرة في عالم المثال و هو

____________

(1) قوله «في عالم المجردات الصرفة» ذكر العلامة المجلسى (ره) في مرآة العقول نحوا من عبارة الشارح و كانه مقتبس منها و هو مبنى على مذهب صدر المتألهين في تقسيم العوالم بثلاثة أقسام: الاول عالم المجردات الصرفة و هو عالم العقول و النفوس الناطقة و موجودات ذلك العالم عارية عن المواد و عن المقادير أيضا، و الثانى عالم المثال و هو مشتمل على موجودات مجردة عن المادة دون المقدار، و الثالث عالم الماديات و هو ظاهر.

و أما غير صدر المتألهين فأكثرهم على نفى العالم الاوسط. قال الصدر- (قدس سره)- اعلم أن كثيرا من أهل العلوم و المنتسبين الى الحكمة زعموا أن هذه الصور المرئية و المثل المسموعة امور مرتسمة في الحس المشترك الّذي هو قائم في الجزء المقدم من الدماغ كارتسام الاعراض في موضوعاتها و هذا كله لقصور المعرفة بعالم الملكوت و ضعف الايمان بالملائكة فان هذه الامور موجودات عينية قائمة بذواتها لا في محل و هى أقوى في الموجودية من هذه الاكوان الخارجية الا أن نشأة وجودها نشأة اخرى انتهى ملخصا. و العلامة المجلسى على أن الروح جسم لطيف و الشارح على أنه موجود مجرد صرف و ان أمكن ظهوره في عالم المثال بوجه فيصح توجه التكليف إليه و هو مجرد في الضلال و في عالم المثال أيضا و هو مجرد عن المادة لا عن المقدار و هو عالم الذر. (ش)

28

النبيّين فدعوهم إلى الاقرار باللّه عزّ و جلّ و هو قوله عزّ و جلّ:

____________

عالم الذر المخرج من الطينة، و يمكن أن يكون المراد بالظل هنا هو الاول و لكن لما كان تصور عالم المجرد الصرف صعبا في أكثر الاذهان (1) عبر عنه بالظل لقصد التفهيم و التسهيل مع المشاركة في عدم الكثافة اذ لا كثافة في المجرد الصرف كما لا كثافة في الظل، و يمكن ان يراد به عالم الذر المباين لعالم الاجسام الكثيفة، و هو يحكى عن هذا العالم و يشبهه و ليس منه فهو ظل بالنسبة إليه و هذا أنسب بقوله (ع) «ثم بعثهم في الظلال» فانه يفيد ظاهرا أن بعثهم فيه بعد خلقهم من طينة الجنة و طينة النار، و حمله على الاول يحتاج الى تكلف بعيد فليتأمل.

و اعلم أن الارواح المحبوبة الكاملة الهادية أعنى أرواح خاتم الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) خلقت قبل أرواح سائر البشر و طينتهم كما أشار إليه أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبة «ألا أن الذرية أفنان أنا شجرتها، و دوحة أنا ساقتها، و انى من أحمد بمنزلة الضوء، كنا أظلالا تحت العرش قبل البشر و قبل خلق الطينة التى كان منها البشر أشباحا عالية، لا أجساما نامية» و فيه اشارة الى أن الكمالات التى حصلت لنفسه القدسية بواسطة كمالات نفس النبي (ص) فشبه ذلك بصدور الضوء من الضوء كشعلة مصباح اقتبست من مصباح آخر و من العادة في عرف المجردين تمثيل النفوس الشريفة بالانوار و الاضواء لمكان المشابهة بينهما في حصول الهداية عنها مع لطفها و صفائها و الى كونهم أرواحا قدسية موجودة تحت رحمة الحق أو علمه قبل جميع الخلائق و عبر عن نفوسهم الطاهرة بالاضلال على سبيل الاستعارة للتنبيه على أنهم

____________

(1) قوله «صعبا في أكثر الاذهان» اعتراف من الشارح بان الحجج (عليهم السلام) كانوا يعبرون عن معنى لا يفهمه العامة بلفظ قريب يفهمونه. (ش)

29

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ ثمّ دعوهم إلى الإقرار بالنبيّين فأقرّ بعضهم و أنكر بعض ثمّ دعوهم إلى ولايتنا فاقرّ بها و اللّه من أحبّ و أنكرها من أبغض، و هو قوله:

فَمٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمٰا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): كان التكذيب ثمّ.

(باب) ان رسول الله (ص) أول من أجاب و أقر لله عز و جل بالربوبية

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن- سهل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ بعض قريش قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): بأيّ شيء سبقت الأنبياء و أنت بعثت آخرهم و خاتمهم؟ فقال: إنّي كنت أوّل من آمن

____________

مرجعا لجميع الخلق بعد وجودهم كالاظلال.

قوله: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ)

(1) أى ليقولن خلقنا اللّه أو اللّه خلقنا على اختلاف في تقديم المحذوف و تأخيره، و المشهور الاول يعنى لو سألتهم عن ذلك لاضطروا الى الجواب المذكور بمقتضى العهد و الميثاق.

قوله: (فَمٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمٰا كَذَّبُوا بِهِ)

(2) أى ما كانوا ليؤمنوا في هذه النشأة بعد بعث الرسول إليهم بما كذبوا به من قبل هذه النشأة عند أخر الميثاق اذ التصديق و التكذيب فيها تابعان للتصديق و التكذيب ثم (1) فمن صدق يصدق و من كذب يكذب لا تبديل لخلق اللّه.

____________

(1) قوله «تابعان للتصديق و التكذيب ثم» ظاهر كلام الشارح يوهم الجبر و أنه لم يكن فائدة في بعث الأنبياء و دعوتهم في قبول الناس لكن الشارح برئ من هذه النسبة و قال صدر المتألهين- (قدس سره)- عند ذكر الشيخ الّذي لقى أمير المؤمنين (ع) عند رجوعه من صفين أوائل المجلد الخامس: تزعم انه كانت أفعالنا بقضاء اللّه و قدره يلزم سلب الاختيار عنا في فعلنا فيكون المقضى حتما علينا و المقدر لازما لذاتنا، و لم يبق فرق بين المختار و المضطر ثم بين مفاسد هذا الظن: الاول أنه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب اذ لا أجر و لا عقوبة على الفعل المجبور، الثانى أنه بطل الامر و النهى و الزجر من اللّه تعالى لمن لا اختيار له، الثالث أنه حينئذ سقط معنى الوعد و الوعيد اذ لا فائدة فيهما، الرابع أنه لو كان كذلك لم يكن لائمة للمذنب على ذنبه و لا محمدة لمحسن على احسانه، الخامس أنه على ذلك التقدير كان المذنب أولى بالاحسان من المحسن و لكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب الى آخر ما ذكره و بينه اتم بيان، و قال فيما افاد ان قلت ان اللّه عالم قبل افعال العباد بها فلا يمكن أن يصدر عنهم خلافها، و ذلك يستلزم الجبر؟ قلنا هذا منقوض بافعال اللّه الحادثة فانه كان عالما بها الاول قبل فعلها فلا يمكن عنه صدور خلافها فيكون سبحانه مجبورا فكل ما كان جوابكم فهو جوابنا. (ش)

30

بربّي و أوّل من أجاب حيث أخذ اللّه ميثاق النبيّين و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربّكم، فكنت أنا أوّل نبيّ قال: بلى، فسبقتهم بالإقرار باللّه عزّ و جلّ.

[الحديث الثاني]

2- أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك إنّي لأرى بعض أصحابنا يعتريه النزق و الحدّة و الطيش فاغتمّ لذلك غمّا شديدا و أرى من خالفنا فأراه حسن السمت، قال:

لا تقل حسن السمت فإنّ السمت سمت الطريق و لكن قل حسن السيماء، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: «سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» قال: قلت: فأراه حسن السيماء و له وقار فاغتمّ لذلك، قال: لا تغتمّ لما رأيت من نزق أصحابك و لما رأيت

____________

قوله: (انى كنت أول من آمن بربى و أول من أجاب)

(1) له سبق من حيث الوجود لان روحه خلقت قبل الارواح كلها، و له سبق من جهة الاقرار بالربوبية لانه أقربها حين وجوده منفردا و أقربها قبل الجميع عند أخذ الميثاق، و يظهر مما ذكرنا أن العطف في قوله و أول من أجاب للتأسيس دون التفسير و التأكيد و أما تأخيره في هذه النشأة فلفوائد يعلمها اللّه تعالى و كان منها تعظيمه لان سائر الأنبياء مقدمة له مخبرة لوجوده كالمقدمة للسلطان و منها تكميله للاديان السابقة كما قال «بعثت لاتمم مكارم الاخلاق» و منها تعظيم دينه من جهة نسخه للشرائع السابقة، و منها تعظيم كتابه لذلك و منها أن يكون شاهدا لتبليغ جميع الأنبياء (ع).

قوله: (يعتريه النزق و الحدة و الطيش)

(2) الاعتراء رسيدن و فرا گرفتن، و النزق و النزوق بر جهيدن و چستى نمودن و شتاب كردن و پيشى گرفتن. و الحدة بتشديد الدال تيز شدن و تندى نمودن و الطيش تيز شدن و تندى نمودن و منحرف شدن تير از نشانه.

و هذه المعانى متقاربة كلها من جهة الفساد في القوة الشهوية و الغضبية.

قوله: (قال لا تقل حسن السمت فان حسن السمت سمت الطريق)

(3) في الفائق: السمت أخذ النهج و لزوم المحجة، و سمت فلان الطريق يسمت و يسمت يعنى من باب نصر و ضرب ثم قالوا ما أحسن سمته أى طريقة التى ينتهجها في تحرى الحير و التزيى بزى الصالحين،

31

من حسن سيماء من خالفك، إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا أراد أن يخلق آدم خلق تلك الطينتين، ثمّ فرّقهما فرقتين، فقال لأصحاب اليمين: كونوا خلقا بإذني، فكانوا

____________

و في المصباح السمت الطريق و القصد و السكينة و الوقار و الهيئة، و لما جاء السمت بمعنى الطريق (1) كان كلام السائل يوهم أن من خالفنا حسن مستقيم و ذلك خطأ فلذلك نهاه عن ذلك القول و أمره بما هو أحسن منه لان السيماء صفة لرجل يفرح بها من ينظر إليه سواء كان من أهل الحق أو الباطل.

قوله: (له وقار)

(1) أى سكينة نفسانية و طمأنينة جسمانية.

قوله: (خلق تلك الطينتين)

(2) اشارة الى الطينة المعلومة للمخاطب من سياق الكلام أو

____________

(1) قوله «و لما جاء السمت بمعنى الطريق» الحديث مرسل و توجيه الشارح تكلف و يشبه أن يكون المراد ببعض أصحابنا السيارى أو أحد الاعاجم مثله قليل المعرفة بلسان العرب أو قليل الاهتمام به فزعم أن السمت منحصر في سمت الطريق و هو المعنى المشهور و كان المعنى الاخر غريبا لديه. و اما ما تضمن معناه من اختلاط الطينتين فالكلام فيه ما في أمثاله. و اعلم أن اختلاف النفوس في استعداداتها و صفاتها مما لا ينبغى أن ينكر بل هو محسوس و مروى قال رسول اللّه (ص): «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة» قال صدر- المتألهين (قدس سره) يتفاوت العقول و الادراكات و الاشواق و الارادات بحسب اختلاف الطبائع و القوى و الغرائز و الجبلات فينزع بعضهم بطبعه الى ما ينفر عنه الاخر و يستحسن بعضهم بهواه ما يستقبحه الثانى و العناية الالهية اقتضت نظام الوجود على أحسن ما يتصور و أجود ما يمكن من التمام و لو تساوت الاستعدادات لفات الحسن و الفضل في ترتيب النظام الى آخر ما قال. و لا يخفى أن اختلافهم في ذلك لا ينافى اتفاقهم في قدرة فهم التكاليف و اختيارهم في فعل الخير فهم متفقون فيما هو مناط التكلف و مختلفون في استعداد العلوم و الصنائع و لا يلزم الاختلاف في الاستعداد ظلما و انما يلزم الظلم أن يكونوا متفقين في التكليف مع الاختلاف في الاستعداد و لو فرض أن أحدا بلغ في البلادة الى حد لا يعقل التكليف أصلا التزمنا برفع التكليف عنه كالمجانين. و قال صدر المتألهين في بعض كلامه فمن أساء عمله و أخطأ في اعتقاده فانما ظلم نفسه بظلمة جوهره و سوء استعداده و كان أهلا للشقاوة في معاده، و انما قصر استعداده و أظلم جوهره لعدم كونه أحسن مما وجد كما لا يمكن أن يلد القرد انسانا مثلا في أحسن صورة و أكمل سيرة، أقول بعد ما سبق منه- (قدّس سرّه)- في الحاشية السابقة و غيرها من نفى الجبر و اثبات الاختيار و ان علم الواجب بما سيقع لا يوجب الجبر في فعل الانسان كما لا يوجبه في فعل نفسه تعالى وجب حمل ما ذكره أخيرا من شقاوة قاصرى الاستعداد على النقص اللازم لكل ممكن عن ما فوقه من المراتب كنقص الدواب عن كمال الانسان فانها لا تتالم بهذا النقص اذ لا تدركه و التألم فرع الادراك و ليس عذابا لها جزاء على تقصيرها في امتثال تكاليفها و قد صرح هو بذلك في مواضع من كتبه، و قال أيضا: و كما لا تعترض على اقبح الناس أنه لم لا يكون مثل يوسف في الحسن كأبي جهل فكذلك لا تعترض على شر الناس كأبي جهل مثلا لم لا يكون مثل خير الناس كمحمد (ص) فان اختلاف الغرائز و الشمائل كاختلاف الاشكال و الطبائع الى آخر ما قال، و التمثيل بأبى جهل الحاق في الموضعين و الحق أنه لا يعترض على أبى جهل و أمثاله في نقصه العقلى و عدم وصوله في الكمال الذاتى الى كمال الرسول (ص) و انما يعترض عليه و على أمثاله بانهم تنزلوا عما اعطوه من الفهم و العقل فصاروا كالانعام بل هم أضل بعد أن كان فيهم ما به تفوقوا عليها.

و اعلم أن الاعتقاد بالقدر و أن كل شيء في هذا العالم مطابق لما ثبت في عالم آخر قبله من لوازم الايمان بعالم الغيب و لذلك ترى الماديين و المائلين إليهم ينفونه و قال بعض الملاحدة: القدر للانسان هو الطريقة التى يختارها و كتابه هو الّذي يحويه وجوده و يتتبع بيده اوراقه، و الحق ان لا يتفحص عن سابقة له في عالم غير مرئى بل ليس هناك الا سيره في هذا العالم المحسوس و هذا الّذي ذكره اشنع من اعتقاد أبى جهل. (ش)

32

خلقا بمنزلة الذرّ يسعى، و قال لأهل الشمال: كونوا خلقا بإذني، فكانوا خلقا بمنزلة الذرّ. يدرج، ثمّ رفع لهم نارا: فقال: ادخلوها بإذني، فكان أوّل من دخلها محمّد (صلى اللّه عليه و آله) ثمّ أتبعه أولو العزم من الرّسل و أوصياؤهم و أتباعهم؟ ثمّ قال لأصحاب الشمال: ادخلوها بإذني، فقالوا: ربّنا خلقتنا لتحرقنا؟ فعصوا، فقال لأصحاب اليمين: اخرجوا بإذني من النار، لم تكلم النار منهم كلما، و لم تؤثّر فيهم أثرا؟ فلمّا رآهم أصحاب الشمال، قالوا: ربّنا نرى أصحابنا قد سلموا فأقلنا و مرنا بالدّخول، قال: قد أقلتكم فادخلوها، فلمّا دنوا و أصابهم الوهج،

____________

من قرينة المقام و اريد بتفريقهما بيمينه و شماله على سبيل التمثيل و التخييل أو تفريقهما بيمين جبرئيل و شماله كما في بعض الروايات.

قوله: (فكان اوّل من دخلها محمد (ص))

(1) كما أنه أول من خلقت روحه و أول من خرج من طينة اليمنى و سعى الى الجنة و بالجملة هو كان أول في المواطن كلها و فيض الحق الى الجميع.

قوله: (لم تكلم النار منهم كلما)

(2) الكلم الجرح و فعله من باب ضرب.

33

رجعوا فقالوا: يا ربّنا لا صبر لنا على الاحتراق فعصوا، فأمرهم بالدّخول ثلاثا، كلّ ذلك يعصون و يرجعون و أمر أولئك ثلاثا، كلّ ذلك يطيعون و يخرجون، فقال لهم: كونوا طينا بإذني فخلق منه آدم، قال: فمن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء و من كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء، و ما رأيت من نزق أصحابك و خلقهم فممّا أصابهم من لطخ أصحاب الشّمال و ما رأيت من حسن سيماء من خالفكم و وقارهم فممّا أصابهم من لطخ أصحاب اليمين.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن إسماعيل، عن محمّد بن- إسماعيل، عن سعدان بن مسلم، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بأيّ شيء سبقت ولد آدم، قال: إنّي أوّل من أقرّ بربّي، إنّ اللّه أخذ ميثاق النبيّين و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربّكم قالوا: بلي، فكنت أوّل من أجاب.

(باب) كيف أجابوا و هم ذر

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف أجابوا و هم ذرّ؟ قال: جعل فيهم ما إذا

____________

قوله: (و أصابهم الوهج)

(1) الوهج بالتحريك حر النار.

قوله: (جعل فيهم ما اذا سألهم أجابوه)

(2) «ما» موصولة و العائد محذوف أى أجابوه به و المراد به القوة الاستعدادية للنفس الناطقة القابلة (1) للكمالات و الاعمال الخيرية، و

____________

(1) قوله «و المراد به القوة الاستعدادية للنفس الناطقة» قال العلامة المجلسى- ره- اعلم أن آيات الميثاق و الاخبار الواردة في ذلك يقصر عنه عقول أكثر الخلق و للناس فيها مسالك: الاول طريقة المحدثين و المتورعين، فانهم يقولون نؤمن بظاهرها و لا نخوض فيها و لا نطرق فيها التوجيه و التأويل، و الثانى حملها على الاستعارة و المجاز و التمثيل، و الثالث حملها على أخذ الميثاق في عالم التكليف بعد اكمال العقل بالبرهان و الدليل انتهى.

و هو مشتبه المراد لا أدرى مقصوده- (قدس سره)- الا أن المسلك الثالث يشير الى ما اختاره المفيد و السيد المرتضى و الطبرسى و جماعة من أعاظم الطائفة في تفسير آية «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ آه» و أما كلام الشارح فمعناه معلوم لنا و نشير إليه ان شاء اللّه ببيان أوضح. ثم ان الاستصعاب و الاشكال في هذه الاخبار على ما أتعقله أنها تستلزم الجبر و ليس غيرها من الشبه مما يعتد به و طريقة المحدثين و المتورعين على ما ذكره المجلسى- ره- ان كان بعد القطع ببطلان الجبر كما هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لزم عدم ايمانهم بظاهر هذه الاخبار، فان ظاهرها الجبر و الظلم فلا معنى لقوله- (رحمه اللّه)- نؤمن بظاهرها فلا محيص عن تأويلها و ان أرادوا الايمان بظاهرها و ان لزم الجبر فهو انكار لسائر الاحاديث و الاخبار، و أما الحمل على الاستعارة و المجاز فلم يبين- (رحمه اللّه)- أن أى لفظ استعارة عن أى معنى، يحتمل أن يراد به ما ذكره الشارح أو ما ذكره المفيد عليه الرحمة، و بالجملة ما يدل من الروايات على الجبر فالوجه طرحه أو تأويله و لكن ليس جميعها كذلك فمنها ما لا يستفاد منه الا علمه تعالى بحال عباده و مع قطع النظر عن شبهة الجبر فلا أرى في المعنى المتفق عليه بين أخبار الميثاق و الذر شبهة يصعب حلها مثل ما رووا عن رسول اللّه (ص) «لما خلق اللّه آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته الى يوم القيامة» و ما روى فيها معنى معقول لا استحالة له أصلا بل ليس من الغرائب أيضا فان رؤية الأنبياء بعض ما سيأتى بعدهم في ما يرون من الغيوب أمر معتاد. و قد رأى رسول اللّه (ص) بنى امية في صورة القردة ينزون على منبره يرجعون بالناس القهقرى، فان قيل هذا كان نوما قلنا يتفق للانبياء أن يروا يقظة من الغيوب مثل ما يرى في المنام، قال المفيد (رحمه اللّه) في بعض كلامه فانبأه اللّه يعنى أنبأ اللّه آدم بما يكون من ولده و شبههم بالذر الّذي أخرجهم من ظهره و جعله علامة على كثرة ولده انتهى. و كذلك لا يبعد تمثيلهم بغير صورتهم في الرؤيا و كون بعضهم نورانيا و بعضهم ظلمانيا لان الرواية دلت على أن آدم رأى على بعضهم نورا لا ظلمة فيه و على بعضهم ظلمة لا نور فيه و لا يوجب هذا جبرا كما لا يوجب رؤية نبينا (ص) بنى امية يرجعون بالناس القهقرى جبرا، و أما آية وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ فحمله على مفاد أحاديث الذر خلاف ظاهر الآية بل صريحها و ان كان حديث الذر معقولا صحيحا فانه تعالى قال «مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ» و لم يقل من آدم من ظهره، و معنى الآية أن اللّه تعالى يخلق تدريجا في كل زمان من ظهور الاباء أبناءهم و يعطيهم من العقل و الادراك ما يلتفت به الى وجوده، فان الجنين اذا بلغ مبلغا يدرك نفسه و خرج عن رتبة النباتية الى الحيوانية و له عقل هيولانى في اصطلاح الحكماء جعله اللّه مستعدا لان ينظر في آثار صنعه و يعرف الصانع صدق عليه قوله تعالى «أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ» فالحق مع المفيد و السيد المرتضى و من تبعهما في تفسير الآية. و هاهنا اشكالات اخرى ذكرها الفخر الرازى في تفسيره و هى تشبه أحاديث المجانين يتعجب من صدورها من مثله لا نطيل الكلام بنقلها و لعلنا نشير إليه في موضع آخر أليق ان شاء اللّه تعالى. (ش)

34

سألهم أجابوه، يعني في الميثاق.

____________

النطق بحيث اذا وقع السؤال أجابوا بلسان المقال، و هذا تفسير آخر غير ما ذكرناه سابقا من المعانى الثلاثة ان أريد به وقوع السؤال و الجواب تقديرا و أما ان اريد به وقوعهما تحقيقا كما يشعر به لفظة اذا فهو عين ما ذكرناه أو لا فليتأمل.

35

(باب) فطرة الخلق على التوحيد

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا؟ قال: التوحيد.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا

____________

قوله: (باب فطرة الخلق على التوحيد)

(1) فطرة آفريدن و آفرينش و دين و المراد هنا المعنى الاول و في الاخبار المذكورة المعنى الاخير، و عبر عنه في بعضها بالتوحيد، و في بعضها بالاسلام، و في بعضها بالحنفاء و في بعضها بمعرفة الرب و الخالق و المآل واحد.

قوله: (قلت فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا)

(2) قال التوحيد، الفطرة بالكسر مصدر للنوع من الايجاد و هو ايجاد الانسان على نوع مخصوص من الكمال و هو التوحيد و معرفة الربوبية مأخوذا عليهم ميثاق العبودية و الاستقامة على سنن العدل و ذهب إليه أيضا كثير من العامة، و قال بعضهم: الفطرة ما سبق من سعادة أو شقاوة، فمن علم اللّه تعالى سعادته ولد على فطرة الاسلام، و من علم شقاوته ولد على فطرة الكفر تعلق بقوله تعالى «لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ» و بحديث الغلام الّذي قتله الخضر (ع) «طيع يوم طبع كافرا» (1) فانه يمنع من كون تولده

____________

(1) قوله «طبع يوم طبع كافرا» أقول مفاد أخبار هذا الباب هو الاصل في الاعتقاد الّذي يجب أن يعتمد عليه و يرجع ساير ما ينافيه إليه بالتأويل فانه موافق للعقل و القرآن و مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و ان خالف أكثر ما ورد في الاخبار السابقة و قلنا أنه موافق للعقل فانه يدل على تساوى الناس جميعا بالنسبة الى قبول التوحيد و الاستعداد للمعرفة و التكليف و هو مقتضى العدل و اللطف بخلاف ما مضى مما دل على أن بعض الناس فطروا على الجهل و العناد من طينة خبيثة لن يؤمنوا أبدا، و مع ذلك يعذبون، و قلنا موافق للقرآن لان مضمون الآية أن جميع أولاد آدم قالوا بلى، و مفاد ما سبق من الاخبار أن بعضهم أقر و بعضهم أنكر، و القرآن أولى بالقبول و يرجع ما يخالفه ظاهرا إليه، و قلنا انه موافق لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لان المتواتر الضرورى المعلوم من مذهبهم القول بالعدل و نفى الجبر. و قد ذكر الشارح قريبا أن جميع ذرية آدم أعطوا قوة استعدادية للنفس الناطقة القابلة للكمالات و الاعمال الخيرية، و على هذا فلا فرق بين بنى آدم من هذه الجهة و كلهم مستعدون بفطرتهم لفهم التوحيد و معرفة التكاليف و انما يختلفون فيما سوى ذلك ألا ترى أن كل من يتكلم يستعمل في كلامه ألفاظا تدل على معانى كلية غير مدركة بالحواس بحيث اذا عد كلماته كانت الاسماء الجزئية المحسوسة فيها نادرة و هذا علامة ان المتكلم أدرك الكليات اذ عبر عنها و بذلك الاعتبار سمى النفس المدركة للكليات ناطقة و اذا كان جميع أفراد الانسان مدركين للكليات كانوا عقلاء. و اذا كانوا عقلاء استعدوا لدرك أوائل المعقولات و واضحاتها لا محالة و نحن نعلم أن ادراك الواجب تعالى و معرفة وجوده لا بكنهه من أوائل المعقولات و واضحاتها لا محالة و نحن نعلم أن ادراك الواجب تعالى و معرفة وجوده لا بكنهه من أوائل المعقولات و ان ناقش أحد في كونه من الاوليات فلا محيص عن الاعتراف بكونها بديهية أو قريبة منها بحيث يمكن أن يفهمه الصبى ابن خمس عشرة سنة، و الصبية بنت تسع سنين و من غفل أو أنكر فسببه عدم التوجه و الالتفات، و بينه الغزالى بوجه أبسط نقله عنه الوافى و عن الوافى المجلسى بعنوان بعض المنسوبين الى العلم. (ش)

36

ما تلك الفطرة؟ قال: هي الإسلام، فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، قال:

____________

على فطرة الاسلام و اجيب عن الاول بأن معنى لا تبديل لا تغيير يعنى لا يكون بعضهم على فطرة الكفر و بعضهم على فطرة الاسلام بل كلهم على فطرة الاسلام. و يؤيده ما في رواياتهم عنه (ص) «ما من مولود الا يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه» فان المراد بهذه الفطرة فطرة الاسلام، و عن الثانى بأن المراد بالطبع حالة ثانية طرأت و هى التهيؤ للكفر غير الفطرة التى ولد عليها. و قال بعضهم: المراد بالفطرة كونه خلقا قابلا للهداية و متهيئا لها لما أوجد فيه من القوة القابلة لها لا فطرة الاسلام و صوابها (1) موضوع في العقول، و انما يدفع العقول عن ادراكها تغيير الابوين أو غيرهما. و أجيب عنه بان حمل الفطرة على الاسلام لا يأباه العقل، و ظاهر الروايات من طرق الامة يدل عليه، و حملها على خلاف الظاهر لا وجه له من غير مستند قوى و اللّه أعلم.

قوله: (فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد)

(1) «على» متعلق بفطر كما يشعر به

____________

(1) قوله «لا فطرة الاسلام و صوابها» و قد نقل العلامة المجلسى عبارة الشارح هنا من قوله الفطرة بالكسر مصدر للنوع الى آخر الشرح و أورد الجملة هكذا لان فطرة الاسلام و صوابها موضع في العقول. فبدل لاء النافية بقوله لان و كلتا العبارتين لا تخلوان عن سماجة، و غرض القائل أن الفطرة ليست فطرة الاسلام لان الاسلام أيضا كدين اليهود و النصارى انما يرسخ في قلوب الاطفال بتعليم الاباء و لو فرض أن أحدا نشأ في جزيرة منفردة لا يرى فيها من يعلمه الشهادتين فلن يهتدى لان يقول لا إله الا اللّه محمد رسول اللّه (ص) فليس فطرة الناس على الاسلام بل فطرتهم على قابلية الهداية ان اقيم لهم أدلة رسالة محمد (ص)، و الجواب أن المراد بالاسلام هنا السلام الاعم الّذي كان يدعوا إليه ابراهيم و اسحاق و يعقوب و سائر الأنبياء (عليهم السلام) و هو التسليم لامر اللّه و الاعتراف بالهيته و أن السعادة في امتثال أوامره و نحن ندعى أن المنفرد في جزيرة اذا ترك و عقله هداه عقله الى التوحيد و المعرفة كما في رسالة حي بن يقظان. و ليس المراد الاسلام الفقهى أعنى اظهار الشهادتين لفظا. (ش)

37

«أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» و فيه المؤمن و الكافر.

[الحديث الثالث]

3- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا قال: فطرهم جميعا على التوحيد.

____________

عنوان الباب و آخره فيدل على أن الفطرة ما أخذ عليهم من العهد بالربوبية و الاقرار بها و هم ذر، ثم الولادة يقع على ذلك حتى يقع التغيير من الابوين أو من طغيان النفس الامارة و مزاولة الشهوات و متابعة من الشيطان.

قوله: (و فيه المؤمن و الكافر)

(1) كلام آخر لبيان ما وقع في الميثاق من ايمان بعض و كفر آخرين لان الميثاق كما وقع بالربوبية و أقروا بها كذلك وقع بالنبوة و الولاية فمنهم من آمن بهما و منهم من كفر، ثم الكفر بهما يستلزم الكفر بالربوبية أيضا (1) يدل على جميع ذلك ظاهر كثير من الروايات.

قوله: (فطرهم جميعا على التوحيد)

(2) أى على معرفة الرب و الاقرار بالربوبية و الوحدانية و الكفر به وقع بعد ذلك باحتيال النفس و اغتيال الشيطان.

____________

(1) قوله «يستلزم الكفر بالربوبية» أقول الاولى حمل قوله (ع) «و فيه المؤمن و الكافر» على أنه تعالى أخذ ميثاقهم على التوحيد و جعل فيهم قوة قبوله و استعداد فهمه على ما سبق من الشارح و كان فيهم من آمن بعد ذلك اذ جاء الى الدنيا و فيهم من كفر. و لا ينافى أن يكون فطرة الجميع على التوحيد و المعرفة و لكن ظهر لآدم (ع) حال ذريته في الدنيا و ان بعضهم سيخالفون الفطرة و يكفرون و بعضهم يوافقونها و ظهور حالهم فيما بعد مختلفا بالايمان و الكفر كما في كثير من الروايات لا يناقض كون فطرتهم على التوحيد. (ش)

38

[الحديث الرابع]

4- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ. حُنَفٰاءَ لِلّٰهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ؟

قال: الحنيفيّة من الفطرة الّتي فطر اللّه النّٰاسَ عَلَيْهٰا لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ، قال: فطرهم على المعرفة به، قال زرارة: و سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ- الآية؟ قال:

أخرج من ظهر آدم ذريّته إلى يوم القيامة، فخرجوا كالذرّ فعرّفهم و أراهم نفسه و لو لا ذلك لم يعرف أحد ربّه و قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «كلّ مولود يولد على الفطرة» يعني المعرفة بأنّ اللّه عزّ و جلّ خالقه، كذلك قوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ*.

____________

قوله: (قال الحنيفية من الفطرة الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا)

(1) و هى دين الاسلام و معرفة الرب و الاقرار به، و يؤيده قوله تعالى «غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ» لوقوع الشرك به بعد الفطرة لامر يعتريهم، روى مسلم عن النبي (ص) قال: قال اللّه تعالى انى خلقت عبادى حنفاء كلهم و أنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم و حرمت عليهم ما أحللت لهم و أمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطانا اجتالتهم أى ذهبت بهم و ساقتهم الى ما أرادت من اجتال الشيء ذهب به و ساقه، و قوله: «اجتالتهم عن دينهم» صريح فى أن المراد بالحنيفية دين الاسلام و الاقرار بالرب.

قوله: (لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ)

(2) بأن يكون كلهم أو بعضهم حين الخلق مشركين به بل كلهم مسلمين مقرين به.

قوله: (قال أخرج من ظهر آدم)

(3) أواخر أولاد آدم مثل أوائلهم و أواسطهم كانوا فى ظهر آدم و اللّه سبحانه أخرجهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن و نسلا بعد نسل فخرجوا كالذر فى الصغر و الحجم فعرفهم نفسه و أراهم بالرؤية العقلية الشبيهة بالرؤية العينية فى الظهور ليحصل لهم الربط به و يعرفوه فى دار الغربة و لو لا تلك المعرفة الميثاقية لم يعرف أحد ربه فى هذه الدار التى هى دار الفراق و لو لم يكن رابطة تلك المعرفة و سابقة تلك الرابطة لحصل الفراق الكامل و مع تحقق تلك الرابطة تحقق الفراق الكلى فى أكثر الناس فكيف مع عدمها.

قوله: (قال: قال رسول اللّه (ص): «كل مولود يولد على الفطرة» يعنى المعرفة بان اللّه عز و جل خالقه)

(4) الظاهر بالنظر الى سياق الكلام أن التفسير من كلام أبى جعفر (ع) و هذه المعرفة معنى الفطرة فى الآية المذكورة أولا و جوابهم ببلى منوط بهذه الفطرة المجبولة و التغيير انما يعرض من خارج كاضلال الابوين أو غيرهما، و قال بعض العامة و ذلك كما

39

[الحديث الخامس]

5- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن ابن أبي جميلة، عن محمّد الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا قال: فطرهم على التوحيد.

____________

أن البهيمة تلد بهيمة سالمة من النقص و التغيير و لا يلحقها قطع الاذن و الذنب و الكى و غيرها من المقابح الا بعد الولادة. فكذلك الولد يولد على الفطرة سالما عن الكفر حتى يدخل عليه التغيير من أمر خارج و يحمله على ما سبق عليه فى الكتاب من شقاء، و قال صاحب النهاية: معنى الحديث أن الولد يولد على نوع من الجبلة و هى فطرة اللّه و كونه متهيئا لقبول الحق طبعا و طوعا لو خلته شياطين الانس و الجن ثم ذكر ولد البهيمة نظيرا له. و قال صاحب المصباح قوله (ع) «كل مولود على الفطرة» قيل: معناه الفطرة الاسلامية (1) و الدين الحق و انما أبواه يهودانه و ينصرانه أى ينقلانه الى دينهما و هذا التفسير مشكل أن حمل اللفظ على حقيقته فقط لانه يلزم منه أن لا يتوارث المشركون مع أولادهم الصغار قبل أن يهودوهم و ينصروهم، و اللازم منتف بل الوجه حمله على حقيقته و مجازه معا أما حمله على مجازه فعلى

____________

(1) قوله «قيل معناه الفطرة الاسلامية» أورد عبارة الشارح بعينها المجلسى (رحمه اللّه) فى مرآة العقول الى آخرها الا بعض كلمات سقطت من قلمه أو قلم النساخ. و كان قوله «هذا التفسير مشكل» اعتراض من الشارح على القائل المذكور، و الظاهر أن المجلسى- (رحمه اللّه) أيضا استحسن الاشكال، و لعله من خلط أحكام الفقه بقواعد العقائد و الاصول بالفروع، و الظاهر بالواقع و الدنيا بالاخرة لان أولاد المشركين تابعون لآبائهم فى الدنيا بالنسبة الى فروع الاحكام الفقهيّة، و محكومون بالكفر ظاهرا و ليسوا تابعين فى الآخرة بالنسبة الى العقاب اذ ليسوا كافرين واقعا، و كلامنا هنا فى الاحكام الواقعية الاخروية لا الظاهرية الدنيوية و لا مانع من كون أولاد الكفار على فطرة التوحيد و لا يكونوا يهوديين و لا مشركين و لا نصرانيين واقعا بالنسبة الى أحكام الآخرة، و لكن يكونوا بحكم الكفار فى الدنيا، و الاستشكال من الشارح عجيب و ليس الثواب و العقاب فى الآخرة مترتبين على أحكام الفقه فى الدنيا، فليس كل من يفتى الفقهاء بايمانهم ظاهرا من أهل النجاة فى الآخرة، ربما كانوا منافقين و يعامل معهم معاملة المسلمين فيزوج فيهم و يتمكنون من المساجد و لا يجتنب أسآرهم و هم فى الآخرة فى أسفل درك من النار. و بالعكس و فى الوافى تحقيق فى شرح هذا الباب و أورده المجلسى- ره- فى شرح الحديث الرابع ناقلا عنه بعنوان بعض المحققين لا نطيل الكلام بذكره فمن أراده راجع الوافى او مرآة العقول. (ش)

40

(باب) كون المؤمن فى صلب الكافر

[الحديث الأول]

1- الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن عليّ الوشّاء، عن عليّ بن ميسرة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ نطفة المؤمن لتكون في صلب المشرك، فلا يصيبه من الشرّ شيء، حتّى إذا صار في رحم المشركة لم يصبها من الشرّ شيء، حتّى تضعه فإذا وضعته لم يصبه من الشرّ شيء، حتّى يجري عليه القلم.

[الحديث الثاني]

2- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن يقطين، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: إنّي قد أشفقت من دعوة أبي عبد اللّه (عليه السلام) على يقطين و ما ولد، فقال: يا أبا الحسن ليس حيث تذهب، إنّما المؤمن

____________

ما قبل البلوغ و ذلك أن اقامة الابوين على دينهما سبب يجعل الولد تابعا لهما فلما كانت الاقامة سببا جعلت تهويدا و تنصيرا مجازا، ثم اسند الى الابوين توبيخا لهما و تقبيحا عليهما، فكانه قال: و انما أبواه باقامتهما على الشرك يجعلانه مشركا. و يفهم من هذا أنه لو أقام أحدهما على الشرك و أسلم الاخر لا يكون مشركا بل مسلما، و قد جعل البيهقى هذا معنى الحديث فقال و قد جعل رسول اللّه (ص) حكم الاولاد قبل أن يفصحوا بالكفر و قبل أن يختاروا لانفسهم حكم الاباء فيما يتعلق بأحكام الدنيا. و أما حمله على الحقيقة فعلى ما بعد البلوغ لوجود الكفر من الاولاد.

قوله: (ان نطفة المؤمن لتكون فى صلب المشرك- الخ)

(1) أى النطفة التى يخلق منها المؤمن لا يصيبها شيء من شر الابوين يعنى الكفر و غيره مما ينافى التوحيد. و الحكم عليه بالكفر و النجاسة بالتبعية قبل البلوغ نظرا الى الظاهر لا ينافى ايمانه.

قوله: (قد أشفقت من دعوة أبى عبد اللّه على يقطين و ما ولد)

(2) الاشفاق الخوف و الواو للعطف على يقطين أو بمعنى مع و خوفه من سراية تلك الدعوة الى نفسه فبشره (ع) بأنه ليس من أهلها لكونه مؤمنا صالحا غير راض بفعل أبيه (1) و ما ورد من أن ظلم الرجل يجرى على أعقابه مخصوص بما اذا رضى الولد بفعل أبيه فيؤخذ بظلمه و ظلم أبيه جميعا.

____________

(1) قوله «غير راض بفعل أبيه» قال الشيخ (رحمه اللّه) لم يزل يقطين فى خدمة أبى- العباس و أبى جعفر المنصور و مع ذلك كان يتشيع و يقول بالامامة و كذلك ولده و يحمل الاموال الى جعفر بن محمد و نمى خبره الى المنصور و المهدى فصرف اللّه عنه كيدهما انتهى. و عبارة الشارح تدل على ذم يقطين و كلام الشيخ (رحمه اللّه) أولى بالقبول من كلام الشارح لانه أعرف و أعلم. و أما دلالة هذه الرواية و شهادة على بن يقطين على أبيه و تمثيل نفسه و أبيه بالمؤمن فى صلب الكافر فليس فيها حجة و وصفوا ابراهيم بن هاشم بالحسن لا بالصحة و لكن المجلسى (رحمه اللّه) قال حسن كالصحيح و كان قوله حقا لو كان ابن أبى عمير راويا عن ابراهيم بن هاشم و ليس كذلك بل ابراهيم روى عن ابن أبى عمير و من يدعى تصحيح ما يصح عن ابن أبى عمير انما يدعيه فيما بعده لا فيمن قبله. (ش)

41

في صلب الكافر بمنزلة الحصاة في اللّبنة، يجيء المطر فيغسل اللّبنة و لا يضرّ الحصاة شيئا.

(باب) اذا أراد الله عز و جل أن يخلق المؤمن

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن إبراهيم بن مسلم الحلواني، عن أبي إسماعيل الصيقل الرّازي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ في الجنّة لشجرة تسمّي المزن فإذا أراد اللّه أن يخلق مؤمنا أقطر منها قطرة، فلا تصيب بقلة و لا ثمرة أكل منها مؤمن أو كافر إلّا أخرج اللّه عزّ و جلّ من صلبه مؤمنا.

____________

قوله: (بمنزلة الحصاة فى اللبنة)

(1) اللبنة مثل كلمة ما يبنى به و قوله «يجيء المطر» اشارة الى وجه التشبيه و هو أن ما يضر الكافر لا يضر المؤمن الّذي فيه.

قوله: (الحلوانى)

(2) فى المصباح الحلوان بلد مشهور من سواد العراق و هى آخر مدن العراق و بينها و بين بغداد خمس مراحل، و هى من طرق العراق من شرق و القادسية من طرفه من الغرب، قيل سميت باسم بانيها و هو حلوان بن عمران بن- الحارث بن قضاعة.

قوله: (تسمى المزن)

(3) مزن ابرهاى سفيد و آن جمع مزنة است، و سميت الشجرة المذكورة بها لحملها ماء كثيرا كالسحاب و هذا الحديث كما يناسب (1) ما قيل من أن المراد

____________

(1) قوله «و هذا الحديث كما يناسب» نقله المجلسى (رحمه اللّه) الى آخر الشرح ثم نقل عبارة الوافى بعنوان بعض المحققين و فيها تحقيقات شريفة يليق بأن يتعمق فيها لا نطيل الكلام باعادتها فمن أراد رجع الى الوافى أو مرآة العقول و كلام الشارح لا يخرج عنه، و الّذي يستفاد من هذا الحديث و أمثاله أن الجنة كما هى معاد و علة غائية لاعمال الصالحين و كذلك لها مبدئية و دخل فى عليتها الفاعلية بنحو من الانحاء اذ لماء هذا المزن تأثير فى تربية الصالحين و هذا لا يوجب الجبر كما مر و بهذا يعرف معنى وجود الارواح قبل الاجساد لان الروح قد يطلق على النفوس المنطبعة الحادثة بعد حصول المزاج الخاص و استعداد البدن بأن تصير النطفة علقة و العلقة مضغة الى أن تصير قابلة لان ينشأها اللّه خلقا آخر فيحدث هذه النفس بعد حصول الاستعداد و لم تكن قبل ذلك ثم تتقلب النفس فى مراتبها حتى اذا تجردت بالفعل و صارت عقلا و هو العقل الحادث بعد النفس و بعد تركيب المزاج و ليس هو بقيد الحدوث قبل البدن و الموجود قبله هو علته المفيضة، و لما لم تكن العلة شيئا مباينا فى عرض المعلول نظير المعدات كالاب بالنسبة الى الابن بل هى أصل المعلول و مقومه و القائم عليه فاذا كانت العلة موجودة كان المعلول موجودا حقيقة و عرفا، ألا ترى أنه يسمى صاحب ملكة العلم القادر على تفصيل المسائل عالما بها لاندارجها فى الملكة و لقدرة العالم على استخراجها كلما أراد كذلك المزن الّذي يتقاطر منه الملكات على نفوس الصالحين و تربيها يندرج فيه جميع تلك النفوس بتفاصيلها اندراجا اجماليا، و انما تفصل منه بوجودها الدنيوى ليحصل لها بالفعل ما كان كامنا بالقوة، و لو كانت النفوس على كمالها منفصلة عن علتها موجودة بالفعل لم يكن حاجة الى ارسالها الى الدنيا و انما الدنيا مزرعة الآخرة، و بالجملة كل ما فى هذا العالم عكس من موجود مثالى أو عقلى قبله ينطبع على المواد مطابقا لمثاله أو ظله و شبحه و ما شئت فسمه و أحسن التعبيرات عنه ما فى القرآن حيث قال «فَنَفَخْنٰا فِيهِ مِنْ رُوحِنٰا» «و أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ» و لا يكون النفخ الا من نفس موجود قبله و ان كان حصوله فى الجسم و اتصاف الجسم بالحياة بسببه حادثا. (ش)

42

(باب) فى أن الصبغة هى الاسلام

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ:

صِبْغَةَ اللّٰهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ صِبْغَةً قال: الإسلام، و قال في قوله عزّ و جلّ:

____________

بالطينة الاصول الممتزجات المنتقلة فى أطوار الخلقة كالنطفة و ما قبلها من موادها مثل النبات و الغذاء و ما بعدها من العلقة و المضغة و العظم و المزاج الانسانى القابل للنفس الناطقة المدبرة، كذلك يناسب ما ذكر من أن المراد بالطينة طينة الجنة لان طينة الجنة اختمارها و تربيتها بهذه الفطرة كما أنه بماء العذب الفرات المذكور سابقا. و بالجملة خلقه من طينة الجنة و مزجها بماء الفرات أولا و تربيتها بماء المزن ثانيا لطف منه تعالى بالنسبة الى المؤمن ليحصل له الوصول الى أعلى مراتب القرب.

قوله: (صِبْغَةَ اللّٰهِ)

(1) أى صبغنا اللّه صبغته و هى الاسلام و دينه الحق و انما سمى بها لانه حلية الانسان كما أن الصبغة الحلية المصبوغ أو للمشاكلة لوقوعه فى مقابلة صبغة النصارى

43

«فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ»*؟ قال: هي الايمان باللّه وحده لا شريك له.

[الحديث الثاني]

2- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن عبد اللّه بن فرقد، عن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: صِبْغَةَ اللّٰهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ صِبْغَةً قال: الصبغة هي الاسلام.

[الحديث الثالث]

3- حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: صِبْغَةَ اللّٰهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ صِبْغَةً قال: الصبغة هي الاسلام، و قال في قوله عزّ و جلّ: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ قال: هي الإيمان.

(باب) فى أن السكينة هى الايمان

[الحديث الأول]

1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبي- حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قال: هو الإيمان، قال: و سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ قال: هو الإيمان.

____________

أولادهم فى ماء لهم أصفر، و تفسير الصبغة بما ذكر مذكور فى كلام الاكابر من المفسرين و غيرهم. فالحمل عليه أولى مما قيل من أن المراد بها ابداع الممكنات و اخراجها من العدم الى الوجود و اعطاء كل ما يليق به من الصفات و الغايات و غيرها.

قوله: (وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ صِبْغَةً)

(1) من باب الانكار و المقصود أن صبغته تعالى أحسن من كل صبغة لان أثر الفاعل القوى أكمل و أحسن من أثر غيره و لان كل صبغة غير صبغته تعالى داثرة زائلة بخلاف صبغته تعالى بالايمان فانها باقية أبدا، نافعة دائما.

قوله: (قال هى الايمان باللّه)

(2) اريد بالكفر بالطاغوت الكفر بفلان و بالايمان باللّه الايمان بعلى بن أبى طالب (ع) الا أنه أضيف الى اللّه ما يضاف إليه تعظيما له، فلا يرد أن تفسير العروة الوثقى بالايمان باللّه يوجب التكرار بعد قوله «و يؤمن باللّه».

قوله: (سألته عن قول اللّه عز و جل أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قال هو الايمان)

(3) عبر عن الايمان بالسكينة و الروح لان الايمان يوجب سكون القلب و وقاره و حياته و قد روى

44

[الحديث الثاني]

2- عنه، عن أحمد، عن صفوان، عن أبان، عن فضيل قال: قلت لأبي-

____________

«أن القلب ليرجج (أى يهتز) و يتحرك فيما بين الصدر و الحنجرة حتى يعقد على الايمان فاذا عقد على الايمان قر». و فى رواية اخرى «اطمأن و قر» و لا بد من بيان معنى الايمان لان فيه فوائد كثيرة فنقول الايمان فى اللغة التصديق، و فى الشرع قيل هو كلمتا الشهادة، و قيل الطاعات مطلقا، و قيل الطاعات المفروضة، و قيل التصديق بالجنان و الاقرار باللسان و العمل بالاركان، و قيل التصديق بالجنان مع الشهادتين، و قيل التصديق باللّه و برسوله و جميع ما جاء به- على الاجمال- و الولاية، و هو الحق لدلالة الآيات و الروايات عليه، أما الآيات فمنها «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» و منها «أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ» و منها «وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ» فان اسناد الايمان الى القلوب فى هذه الآيات يدل على أنه أمر قلبى، و منها «وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا» و منها «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ» و منها «الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ» فان اقتران الايمان بالمعاصي فى هذه الآيات يدل على أن العمل غير معتبر فى حقيقته، و منها «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ»* فان الامر بالاطاعة بعد ثبوت الايمان يدل على ذلك أيضا. و أما الروايات فمنها تفسير السكينة التى فى قلوب المؤمنين و الروح بالايمان، و أما تفسير كلمة التقوى بالايمان فلا يدل على أنه كلمتا الشهادة لان اضافة الكلمة بيانية فيحمل التقوى على التصديق القلبى للتوافق بين الاحاديث، و منها قول الصادق (ع) «المؤمن مؤمنان فمؤمن صدق بعهد اللّه و وفى بشرطه، و مؤمن كخامة الزرع يعوج أحيانا و يقوم أحيانا» و منها قوله (ع) «يبتلى المؤمن على قدر ايمانه و حسن عمله و من صح ايمانه اشتد بلاؤه، و من سخف ايمانه و ضعف عمله قل بلاؤه» و منها قوله (ع) «ان القلب لتكون الساعة من الليل و النهار ما فيه كفر و لا ايمان» و منها قوله (ع) «لا يضر مع الايمان عمل، و لا ينفع مع الكفر عمل» و منها قوله (ع) «الايمان وقر فى القلوب و الاسلام ما عليه المناكح» و منها قول رسول اللّه (ص) «يا معشر من أسلم بلسانه و لم يخلص الايمان الى قلبه لا تذموا المسلمين» و منها قول أمير المؤمنين (ع) «أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرفه اللّه نفسه فيقر له بالطاعة، و يعرفه نبيه و يقر له بالطاعة، و يعرفه أمامه و حجته فى أرضه و شاهده على خلقه فيقر له بالطاعة، قيل يا أمير المؤمنين: و ان جهل جميع الاشياء الا ما وصفت؟ قال: نعم اذا امر أطاع و اذا نهى انتهى».

و لا ريب فى أن هذه الاخبار تدل صريحا على أن الايمان هو التصديق وحده من غير دخل لفعل اللسان و الجوارح فيه، على أن كون الايمان عبارة عن التصديق المخصوص المذكور لا يحتاج الى نقله عن معناه اللغوى الّذي هو التصديق مطلقا لان التصديق المخصوص فرد منه

45

عبد اللّه: (عليه السلام) «أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ» هل لهم فيما كتب في قلوبهم صنع؟

قال: لا.

[الحديث الثالث]

3- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن محبوب، عن العلاء عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السكينة الايمان.

[الحديث الرابع]

4- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري و هشام بن سالم و غيرهما، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قال: هو الإيمان.

[الحديث الخامس]

5- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن جميل قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله عزّ و جلّ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قال: هو الإيمان. قال: قلت: «وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» قال: هو الإيمان. و عن قوله:

وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوىٰ قال: هو الإيمان.

____________

بخلاف ما اذا كان المراد منه غيره من المعانى المذكورة.

اذا عرفت هذا فنقول الاخبار الدالة على أن الايمان هو العمل بالاركان و الاقرار باللسان و التصديق بالجنان مثل ما روى عن أبى الحسن الرضا (ع) و غيره محمولة على أن اضافة الفعل الى الايمان لاجل الكمال لا لانه جزء منه أو شرط له أو لاجل أنه دليل عليه و ليس له دليل أعظم منه فكانه صار نفسه على سبيل المبالغة. يدل عليه ما روى عن أبى جعفر (ع) «أن الايمان ما استقر فى القلب و أفضى به الى اللّه عز و جل، و صدقه العمل بالطاعة للّه و التسليم لامر اللّه». و ما روى عن الصادق (ع) قال: «قال أمير المؤمنين (ع): ان لاهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث و أداء الامامة و وفاء بالعهد- الى أن قال- و ما يقرب الى اللّه عز و جل زلفى». و ما روى عن أمير المؤمنين عن رسول اللّه (ص) قال «عشرون خصلة فى المؤمن فان لم تكن فيه لم يكمل ايمانه، ان من أخلاق المؤمن يا على الحاضرون الصلاة، و المسارعون الى الزكاة و المطعمون المسكين- الحديث». و فى هذه الاخبار مع دلالتها على أن الايمان هو التصديق القلبى دلالة واضحة على أن العمل مصدق و مبين و مظهر له و موجب لكماله.

قوله: (هل لهم فيما كتب فى قلوبهم صنع قال لا)

(1) لعل المراد بالايمان هنا نكت الحق و معرفة الرب و ليس للعبد صنع فيه. و انما صنعه فى قبوله، و التكليف انما وقع به و قد روى «أن كل قلب ينكت الحق فيه قبل أو لم يقبل».

46

(باب الاخلاص)

[الحديث الأول]

1- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد اللّه بن مسكان، عن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: «حَنِيفاً مُسْلِماً» قال خالصا مخلصا ليس فيه شيء من عبادة الأوثان.

[الحديث الثاني]

2- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه رفعه إلى أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا أيّها الناس إنّما هو اللّه و الشيطان و الحقّ و الباطل و الهدى و الضّلالة و الرّشد و الغيّ و العاجلة و الاجلة و العاقبة و الحسنات و السيّئات، فما كان من حسنات فللّه، و ما كان من سيّئات فللشيطان لعنه اللّه.

____________

قوله: (باب الاخلاص)

(1) الاخلاص فى العمل تطهيره عن ملاحظة غير وجه اللّه تعالى و رضاه حتى عن الرجاء بالثواب و الخوف من العقاب فضلا عن الرياء و السمعة و حب الجاه و أمثال ذلك فان ذلك شرك خفى قل من نجا منه لخفاء طرقه، و لذلك قال (ص) «دبيب الشرك فى أمتى أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء» و هو أعظم ساد للسالك عن الوصول الى الحق و القرب منه قال اللّه تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و اذا ارتفع ذلك سهل للسالك الوصول إليه، كما يرشد إليه ما روى «من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قبله على لسانه».

قوله: (حنيفا مسلما)

(2) الحنيف المسلم المنقاد و هو المائل الى الدين الحق و هو الدين الخالص، و لذلك فسره (عليه السلام) بقوله «خالصا للّه مخلصا» عبادته عن ملاحظة غيره مطلقا، ثم وصفه على سبيل التأكيد بقوله «ليس فيه شيء من عبادة الاوثان» أى الاوثان المعروفة أو الاعم منها فيشمل عبادة الشياطين فى اغوائها و عبادة النفس فى أهوائها، و قد نهى جل شأنه عن عبادتهما فقال أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ و قال أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ.

قوله: (يا أيها الناس انما هو اللّه و الشيطان)

(3) كان هو راجع الى المقصود بقرينة المقام و الهدى الطريقة الالهية و الشريعة النبوية، و الحسنات و السيئات شاملتان لجميع ما تقدم و لذلك اقتصر بذكرهما فى قوله «فما كان من حسنات فلله» و هو ما اراده اللّه تعالى و وقع له «و ما كان من سيئات فللشيطان» و هو ما نهى اللّه عنه و أمر به و لم يقع له. و فيه ترغيب فى مراقبة النفس فى حركاتها و سكناتها ليمنعها عن السيئات و يحملها على الحسنات و يراعى الاخلاص و التقرب فيها بأن يفعلها لوجه اللّه لا لغيره لئلا تصير سيئات.

47

[الحديث الثالث]

3- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) كان يقول: طوبى لمن أخلص للّه العبادة و الدّعاء و لم يشغل قلبه بما ترى عيناه و لم ينس ذكر اللّه بما تسمع أذناه و لم يحزن صدره بما اعطي غيره.

[الحديث الرابع]

4- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* قال: ليس يعني أكثر عملا و لكن أصوبكم عملا و إنّما الإصابة خشية اللّه و النيّة

____________

قوله: (طوبى)

(1) أى الجنة أو طيبها أو شجرتها أو العيش الطيب أو الخير لمن أخلص للّه العبادة و الدعاء و قصده بهما لا غيره. و لم يشغل قلبه عن اللّه و طاعته بما ترى عيناه من متاع الدنيا و زخارفها الشهية و صورها البهية و لم ينس ذكر اللّه بالقلب و اللسان بما تسمع أذناه من الاصوات الداعية الى الدنيا و الكلمات المحركة عليها و لم يحزن صدره بما اعطى غيره من أسباب العيش و حرم هو، و الاتصاف بهذه الصفات العلية انما يتصور لمن قطع عن نفسه العلائق الدنية، و اللّه هو الموفق.

قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)*

(2) قال اللّه تعالى تَبٰارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وصف نفسه أولا بان التصرف فى الممكنات منوط بيد قدرته الكاملة و ليس لاحد أن يمنعه من ذلك، و ثانيا بان قدرته نافذة فى كل واحد منها، و ليس لشيء منها اباء عن نفاذها، و ثالثا بأنه خلق الموت و و الحياة أى قدرهما أو أوجدهما، و فيه دلالة على أن الموت أمر وجودى، و المراد بالموت الموت الطارئ على الحياة أو العدم الاصلى فانه قد يسمى موتا أيضا، و تقديمه على الاول لانه ادعى الى حسن العمل و أقوى فى ترك الدنيا و لذاتها بالاختيار لملاحظة أن الترك لا بد منه بالاضطرار، و على الثانى ظاهر لتقدمه بحسب التقدير، ثم علل الوصف الاخير بقوله لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* أى ليعاملكم معاملة المختبر مع صاحبه، فهو تمثيل لحاله بحال المشاهد المعلوم منا لزيادة التنوير و الايضاح، و قوله «أيكم» مفعول ثان لفعل البلوى باعتبار تضمينه معنى العلم. و وجه التعليل أن الموت داع الى حسن العمل لكمال الاحتياج إليه بعده و الحياة نعمة تقتضيه و توجب الاقتدار به، و ان اريد به العدم الاصلى فالمعنى أنه نقلكم منه و ألبسكم لباس الحياة لذلك الاختبار، و لما كان اتصافنا بحسن العمل يتحقق بكثرة العمل تارة و باصابته اخرى أشار الى نفى إرادة الاول

بقوله:

(و ليس يعنى أكثر عملا)

(3) يعنى لم يرد جل شأنه بقوله: «أَحْسَنُ عَمَلًا»* أكثر عملا

48

الصادقة و الحسنة، ثمّ قال: الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل، و العمل الخالص: الّذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا اللّه عزّ و جلّ و النيّة أفضل من

____________

لان مجرد كثرة العمل من غير خلوصه و جودته ليس أمرا يعتد به بل هو تضييع للعمر فيما لا ينفع. و الى إرادة الثانى

بقوله:

(و لكن أصوبكم عملا)

(1) لان صواب العمل و جودته و خلوصه من الشوائب الرذيلة يوجب القرب منه تعالى و له درجات متفاوتة يتفاوت القرب بحسبها كلما كان أصوب كان من الرد أبعد و من القبول أقرب، ثم بين الاصابة و حصرها فى أمرين

بقوله: (انما الاصابة خشية اللّه و النية الصادقة و الحسنة)

(2) تنبيها على أن قطع المسافة الى حظائر القدس لا يتصور بدونهما، و ذلك لان قطع المسافة العقلية يحتاج الى آلة و أسباب و دفع موانع كقطع المسافة الحسية فلا بد للسائر الى اللّه تعالى من أمرين أحدهما العمل الصالح و هو بمنزلة المركوب يوصل راكبه الى غاية مناه، و العمل الصالح لا يتحصل و لا يتقوم بدون نية صادقة حسنة، و هى أن يقصد بالعمل وجه اللّه تعالى و التقرب إليه لا غيره اذ لو قصد غيره قيد مركوبه بقيد وثيق يمنعه من الحركة من موضعه فيبقى متحيرا بل قد يرجع قهقرى الى أسفل السافلين باعانة قوم آخرين، و ثانيهما حفظ العمل الصالح عن الاحباط بارتكاب المحارم و ذلك انما يحصل بملكة الخشية و الخوف من اللّه سبحانه و هى حالة تحصل بملاحظة عظمة الحق و هيبته و مشاهدة جلال كبريائه و لذة قربه و قبح مخالفته و شناعة معصيته و سوء عاقبتهما و لذلك قال اللّه تعالى إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ. ثم أشار الى أن اصابة العمل و خلوصه ليس بمجرد وقوعه كذلك بل باعتبار بقائه و استمراره ما دام العمر كذلك أيضا

بقوله:

(الابقاء على العمل حتى يخلص اشد من العمل)

(3) روى المنصف (ره) فى باب الرياء باسناده عن على بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبى جعفر (ع) أنه قال: «الابقاء على العمل أشد من العمل، قال: و ما الابقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة للّه وحده لا شريك له فتكتب له سرا، ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى و تكتب له رياء» و فى الصحاح يقال: أبقيت على فلان اذا رعيت عليه و رحمته، و يحتمل أن يكون المقصود هنا أن رعاية العمل و حفظه عند الشروع فيه و بعده الى الفراغ منه و بعد الفراغ الى الخروج من الدنيا حتى يخلص و يصفو عن الشوائب الموجبة لنقصانه أو فساده أشد من العمل نفسه، و ذلك لان خلوصه و صفاءه لا يتحقق بمجرد أن يقول أصوم مثلا قربة الى اللّه

49

..........

____________

و اخطار معناه بالبال و استعمال الجوارح و الا لكان المنافق باظهار كلمة الشهادة و اخطار معناها مؤمنا بل لا بد مع ذلك من تأثر القلب عن العمل و انقياده الى الطاعة و اقباله إليه جل شأنه و انصرافه عن الدنيا و ما فيها حتى يرى الناس كالاباعر و لا يتحصل ذلك الا بتحصيل الفضائل النفسانية و الملكات الروحانية و الاجتناب عن رذائلها، فان النفس ما دامت عارية عن تلك الملكات و الفضائل و متصفة بالملكات الخبيثة و الرذائل تنبعث الى الفعل و تقصده و تميل إليه و تظهره و لو بعد حين تحصيلا للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب فيها من تلك الصفات الرذيلة و تحصيل هذه الامور مشكل جدا لا يتيسر الوصول إليها الا لذوى الفطرة السليمة و الفكرة المستقيمة، فقد ظهر مما قررنا أن حفظ العمل من موجبات النقص و الفساد أشد و أصعب من نفس العمل. و منه يظهر سر ما رواه العامة و الخاصة عنه (ص) «نية المؤمن خير من عمله»، ثم أشار الى تفسير العمل الخالص و خلاصة القول فيه

بقوله:

(و العمل الخالص الّذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد)

(1) حين العمل و بعده

(الا اللّه تعالى)

(2) تنبيها على أن الرياء و قصد المدحة و السمعة مناف للخلوص و حقيقة الرياء إرادة مدح الناس على العمل و السرور به و التقرب إليهم باظهار الطاعة و طلب المنزلة فى قلوبهم و الميل الى اعظامهم له و توقيرهم اياه و استجلاب تسخيرهم لقضاء حوائجه و قيامهم بمهماته و هو الشرك باللّه العظيم، قال رسول اللّه (ص): «من صلى صلاة يرائى بها فقد أشرك»، ثم قرأ «قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ- الآية» و فى قوله «لا تريد» اشارة الى أنه لو مدحه الناس على عمله من غير ارادته و سروره به لا يقدح ذلك فى خلوص عمله بل هو من جميل صنع اللّه تعالى و لطفه به كما ورد فى بعض وحيه «عملك الصالح عليك ستره و على اظهاره» و أمثال ذلك فى الروايات كثيرة و ان دخله سرور باطلاع الناس و مدحهم فان كان سروره باعتبار ان اللّه تعالى أظهر جميله و شرفه عليهم لا بحمدهم و حصول المنزلة فى قلوبهم، أو باعتبار أنه استدل باظهار جميلة فى الدنيا على اظهار جميله فى الآخرة على رءوس الاشهاد أو باعتبار أنهم يحبون طاعة اللّه تعالى و ميل قلوبهم إليها فلا يقدح ذلك فى الخلوص و ان كان باعتبار رفع منزلته عندهم و تعظيمهم اياه الى غير ذلك من التسويلات النفسانية و التدليسات الشيطانية فهذا رياء و شرك محبط للعمل و ناقل له من كفة الحسنات الى كفة السيئات و من ميزان الرجحان الى ميزان الخسران، و لذلك ورد فى كثير من الروايات الامر باخفاء العمل و استاره حفظا له عن الرياء المنافى لا خلاصه المفسد له بالكلية، و ظاهر هذا التفسير يدل على أن قصد الثواب أو الخلاص من العقاب لا ينافي الخلوص كما يدل عليه كثير من الروايات مثل قوله (ص): «من

50

العمل، ألا و إنّ النيّة هي العمل، ثمّ تلا قوله عزّ و جلّ: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ يعني على نيّته.

[الحديث الخامس]

5- و بهذا الاسناد قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

____________

ترك معصية للّه مخافة اللّه عز و جل أرضاه يوم القيامة» و قوله «قال اللّه تعالى لا يتكلوا العاملون لى على أعمالهم التى يعملونها الثوابى- الحديث و ذهب جماعة من العلماء الى أنه ينافى الاخلاص و يفسد العمل و دليلهم ضعيف و الاحتياط ظاهر.

قوله: (و النية أفضل من العمل)

(1) النية فى اللغة عزم القلب على أمر من الامور، و فى العرف إرادة ايجاد الفعل على الوجه المأمور به شرعا، و تلك الإرادة اذا تحققت فيه تسرى الى الاعضاء و تحركها الى افعالها، و هى أفضل الاعمال، و اذا ضم هذا مع قوله (ع):

«أفضل الاعمال أحمزها» يفيد أن النية أحمزها، و هو كذلك لان النية الخالصة يتوقف على قلع القلب عن حب الدنيا و نزعه عن الميل الى ما سوى اللّه تعالى، و هذا أشق الاشياء على النفس. و لهذا قال (ص): «رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر» حيث عد الجهاد الّذي هو أشق الاعمال البدنية أصغر من جهاد النفس و صرف وجهها عن غير اللّه لانه أشق و الاشق أفضل لما مر. على أن المراد نية المؤمن و هى أدوم و ثمرتها أعظم من الاعمال لان نيته أن لو بقى أبد الآبدين أن يكون مع الايمان باللّه و الطاعة له و هذه النية من لوازم الايمان و دائمة لا تنقطع بخلاف العمل فانه ينقطع و لو بقى الى مائة سنة أو أزيد و ثمرتها الخلود فى الجنة. و الّذي يدل عليه ما روى عن أبى عبد اللّه (ع) «انما خلد أهل النار فى النار لان نياتهم كانت فى الدنيا أن لو بقوا فيها أن يعصوا اللّه أبدا، و انما خلد أهل الجنة فى الجنة لان نياتهم كانت فى الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبدا، فبالنيات خلد هؤلاء و هؤلاء، ثم تلا «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ» قال: «على نيته» فالعمل تابع النية فى الرد و القبول و الكمال و النقصان، و فرع لها و هذا وجه آخر لكونها أفضل من العمل لان الاصل أفضل من الفرع و من أراد أن يعلم وجوها آخر لافضليتها فليرجع الى ما ذكره الشيخ فى الحديث السابع و الثلاثين من الاربعين.

قوله: (ألا و ان النية هى العمل)

(2) لما كان نظام العمل و كماله و نقصانه و قبوله و رده تابعة للنية و مسببة عنها بالغ فى حمل العمل عليها بحرف التنبيه و حرف التأكيد و اسمية الجملة و تعريف الخبر باللام المفيد للحصر، و ضمير الفصل المؤكد له، و يندفع به ما عسى أن يتوهم من أن التفضيل انما يتعارف اذا كان المفضل من جنس المفضل عليه، و النية ليس من جنس العمل.