شرح الكافي - ج12

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
554 /
1

-

2

[تتمة كتاب الروضة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

حديث الرياح

63- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ ابن رئاب، و هشام بن سالم، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن الرّياح الاربع: الشمال و الجنوب و الصبا و الدّبور و قلت: إنّ النّاس يذكرون (1) أنّ الشمال

____________

قوله (حديث الرياح)

(1) الريح الهواء المسخر بين الارض و السماء من حيث أنه متحرك و هو مؤنثة على الاكثر فيقال هى الريح و قد يذكر بمعنى الهواء فيقال هو الريح نقله أبو زيد و قال ابن الانبارى الريح مؤنثة لا علامة فيها و كذلك سائر أسمائها الا الاعصار فانه مذكر كذا فى المصباح

(قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرياح الاربع الشمال)

(2) و مهبها الجدى الى مغرب

____________

(1) قوله «ان الناس يذكرون». هذا حديث صحيح من جهة الاسناد قريب من جهة الاعتبار منبه على طريقتهم (عليهم السلام) فى أمثال هذه المسائل الكونية. و المعلوم من سؤال السائل و قول الناس ان ذهنهم متوجه الى السبب الطبيعى الموجب لوجود الرياح و منشأها و علة اختلافها فى البرودة و الحرارة و غيرها و غاية ما وصل إليه فكرهم أن الشمال لبرودتها من الجنة و الجنوب لحرارتها من النار فصرف الامام ذهنهم عن التحقيق لهذا الغرض اذ ليس المقصود من بعث الأنبياء و الرسل و انزال الكتب كشف الامور الطبيعية و لو كان المقصود ذلك لبين ما يحتاج إليه الناس من أدوية الامراض كالسل و السرطان و خواص المركبات و المواليد و لذكر فى القرآن مكررا علة الكسوف و الخسوف كما تكرر ذكر الزكاة و الصلاة و توحيد اللّه تعالى و رسالة الرسل و لورد ذكر الحوت فى الروايات متواترا كما ورد ذكر الامامة و الولاية و المعاد و الجنة و النار و كذلك ما يستقر عليه الارض و ما خلق منه الماء مع أنا لا نرى من أمثال ذلك شيئا فى الكتاب و السنة المتواترة الا بعض أحاديث ضعيفة غير معتبرة أو بوجه يحتمل التحريف و السهو و المعهود فى كل ما هو مهم فى الشرع و يجب على الناس معرفته ان يصر الامام بل النبي (صلى اللّه عليه و آله) على تثبيته و تسجيله و بيانه بطرق عديدة غير محتملة للتأويل حتى لا يغفل عنه أحد.

و بالجملة لما رأى الامام (عليه السلام) اعتناء الناس بالجهة الطبيعية صرفهم بان الواجب على الناظر فى امر الرياح و المتفكر فيها ان يعتنى بالجهة الالهية و كيفية الاعتبار بها و الاتعاظ بما يترتب عليها من الخير و الشر سواء كانت من الجنة او من الشام أو من افريقية و اليمن فأول ما يجب أن يعترف بأن جميع العوامل الطبيعية مسخرة بأمر اللّه تعالى و على كل شيء ملك موكل به و ان الجسم الملكى تحت سيطرة المجرد الملكوتى المفارق عن الماديات كما ثبت فى محله ان المادة قائمة بالصورة و الصورة قائمة بالعقل المفارق و هذا اهم ما يدل عليه هذا الحديث الّذي يلوح عليه اثر الصدق و صحة النسبة الى المعصوم (عليه السلام).

ثم بعد هذا الاعتراف يجب الاعتبار بما وقع من العذاب على الامم السالفة بهذه الرياح و ما يترتب من المنافع على جريانها و هذا هو الواجب على المسلم من جهة الدين اذا نظر الى الامور الطبيعية. (ش)

3

من الجنّة و الجنوب من النار؟ فقال. إنّ للّه عزّ و جلّ جنودا من رياح يعذّب بها من يشاء ممّن عصاه و لكلّ ريح منها ملك موكّل بها فاذا أراد اللّه عزّ و جلّ أن يعذّب قوما بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكّل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذّبهم بها قال: فيأمرها الملك فيهيج كما يهيج الاسد المغضب، قال: و لكلّ ريح منهنّ اسم أ ما تسمع قوله تعالى: كَذَّبَتْ عٰادٌ فَكَيْفَ كٰانَ عَذٰابِي وَ نُذُرِ.

إِنّٰا أَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ و قال: الرِّيحَ الْعَقِيمَ و قال رِيحٌ فِيهٰا عَذٰابٌ أَلِيمٌ و قال فَأَصٰابَهٰا إِعْصٰارٌ فِيهِ نٰارٌ فَاحْتَرَقَتْ و ما ذكر من الرياح التي يعذّب اللّه بها من عصاه، قال: و للّه عزّ ذكره رياح رحمة لواقح و

____________

الاعتدال و فى المصباح و فيها خمس لغات الاكثر بوزن سلام و نقل عياض عن صاحب العين أنّه قال الشمال بفتح الشين و الميم و الشمأل بسكون الميم و فتح الهمزة و الشأمل بتقديم الهمز و الشمل بفتح الميم من غير همز و الشمول بفتح الشين و ضم الميم

(و الجنوب)

(1) من القطب الجنوبى الى مشرق الاعتدال تقابل الشمال و هو مراد من قال من مطلع سهيل الى مطلع الثريا.

(و الصبا)

(2) بوزن العصا من مشرق الاعتدال الى الجدى و هو مراد من قال من مطلع الثريا الى بنات النعش

(و الدبور)

(3) بوزن الرسول من مغرب الاعتدال الى القطب الجنوبى

(فتهيج كما يهيج الاسد المغضب)

(4) هاج الشيء يهيج اذا ثار و وثب و المغضب بفتح الضاد من أغضبته فهو مغضب

(فَكَيْفَ كٰانَ عَذٰابِي وَ نُذُرِ)

(5) أى انذارى لهم قبل نزول العذاب أو لمن بعدهم فى تعذيبهم

(إِنّٰا أَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً)

(6) أى شديدة الصوت أو البرد

(فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ)

(7) أى يوم شوم استمر شومه او استمر عليهم حتى هلكوا أو على جميعهم كبيرهم و صغيرهم ذكورهم و إناثهم فلم يبق منهم أحدا و اشتدت مرارته و كان يوم الاربعاء آخر الشهر كذا ذكره المفسرون

(و الريح العقيم)

(8) ريح لا تلقح كريح الخريف

(و قال فَأَصٰابَهٰا إِعْصٰارٌ فِيهِ نٰارٌ فَاحْتَرَقَتْ)

(9) فى المصباح الاعصار ريح ترتفع بتراب بين السماء و الارض و تستدير كانها عمود و فى القاموس أو التى فيها نار و قيل هى ريح تثير سحابا ذات رعد و برق فيها نار

(و للّه تعالى رياح رحمة لواقح و غير ذلك)

(10) الاضافة لامية كما يدل عليه قوله «ينشرها بين يدى

4

غير ذلك ينشرها بين يدي رحمته، منها ما يهيج السحاب للمطر و منها رياح تحبس السحاب بين السماء و الارض، و رياح تعصر السحاب فتمطره باذن اللّه، و منها رياح ممّا عدّد اللّه في الكتاب فأمّا الرياح الاربع: الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور فانّما هي أسماء الملائكة الموكّلين بها فاذا أراد اللّه أن يهبّ شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الشمال حيث يريد اللّه من البرّ و البحر و إذا أراد اللّه أن يبعث جنوبا أمر الملك الّذي اسمه الجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح- الجنوب في البرّ و البحر حيث يريد اللّه و اذا أراد اللّه أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الصبا حيث يريد اللّه جلّ و عزّ في البرّ و البحر و إذا أراد اللّه أن يبعث دبورا أمر الملك الذي اسمه الدّبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الدبور حيث يريد اللّه من البرّ و البحر، ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): أ ما تسمع لقوله: ريح الشمال و ريح الجنوب و ريح الدّبور و ريح الصبا، إنّما تضاف إلى الملائكة الموكّلين بها.

[إنّ للّه عزّ و جلّ رياح رحمة و رياح عذاب.]

64- عنه، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن معروف ابن خرّبوذ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ للّه عزّ و جلّ رياح رحمة و رياح عذاب

____________

رحمته» لما كان نشر الرياح شيئا عظيما من أسباب بقاء الحيوان و النبات و استعداد الامزجة و للصحة و النمو و غيرهما حتى قال كثير من الاطباء انها تستحيل روحا حيوانيا و كانت عناية اللّه و رحمته شاملة للعالم و هى مستند كل موجود لا جرم نشرها برحمته و من أظهر آثار الرحمة بنشر الرياح حملها للسحاب المترع بالماء و أثارتها على وفق الحكمة ليصيب الارض الميتة فينبت بها الزرع و تملا الضرع كما قال عز و جل وَ أَرْسَلْنَا الرِّيٰاحَ لَوٰاقِحَ فَأَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَسْقَيْنٰاكُمُوهُ و المراد تنبيه الغافلين على ضروب نعم اللّه بذكر هذه النعمة الجليلة ليستديموها بدوام شكره و المواظبة على طاعته

(فانما هى أسماء الملائكة الموكلين بها)

(1) سميت الرياح بهذه الاسماء على نحو من التجوز و الاتساع

(انما تضاف الى الملائكة الموكلين بها)

(2) فالاضافة بتقدير اللام لا بيانية و ما قد تذكر الشمال او اخواته و يراد بها الريح فمن باب الاتساع

قوله (ان للّه عز و جل رياح رحمة و رياح عذاب)

(3) دل على بطلان ما قيل من أن العرب يستعمل الرياح فى الرحمة و الريح فى العذاب و أيده بقوله تعالى بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عٰاتِيَةٍ و قوله تعالى

5

فان شاء اللّه (1) أن يجعل العذاب من الرّياح رحمة فعل، قال: و لن يجعل الرحمة من الرّيح عذابا، قال: و ذلك أنّه لم يرحم قوما قطّ أطاعوه و كانت طاعتهم إيّاه

____________

يُرْسِلَ الرِّيٰاحَ مُبَشِّرٰاتٍ و فى معارج النبوة ان كل واحدة من رياح الرحمة و رياح العذاب أربعة أما رياح الرحمة فاولها باشرات قال اللّه تعالى وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيٰاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ و ثانيها مبشرات وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيٰاحَ مُبَشِّرٰاتٍ و ثالثها ناشرات وَ النّٰاشِرٰاتِ نَشْراً و رابعها ذاريات وَ الذّٰارِيٰاتِ ذَرْواً و أما رياح العذاب فأولها صرصر وَ أَمّٰا عٰادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ و ثانيها عقيم وَ فِي عٰادٍ إِذْ أَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ و ثالثها قاصف فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قٰاصِفاً مِنَ الرِّيحِ و رابعها عاصف جٰاءَتْهٰا رِيحٌ عٰاصِفٌ و كذا توجد الرياح الثمانية فى ذات العبد أما رياح الرحمة و مهبها السعادة فأولها ريح المحبة و هى فى التائبين إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ- التَّوّٰابِينَ و ريح المودة و هى للصالحين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدًّا و ريح القربة و هى للسابقين وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ و ريح الوصلة و هى للمشتاقين، و أما رياح العذاب و مهبها الشقاوة فريح الغفلة وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ و ريح الفرقة إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كٰانُوا شِيَعاً و ريح السخط سَخِطَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ و ريح القطيعة فَقُطِعَ دٰابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا.

(فان شاء اللّه عز و جل أن يجعل العذاب من الرياح رحمة فعل و لن يجعل الرحمة من- الريح عذابا)

(1) لعل المراد أن من استحق العذاب بسبب خصلة قبيحة ربما يستحق الرحمة بازالة تلك الخصلة و كسب خصلة حسنة فلا يصل إليه العذاب بخلاف من استحق الرحمة و الاحسان بسبب خصلة حسنة فانه تصل إليه الرحمة و ان زالت عنه تلك الخصلة لان اللّه لا يضيع عمل عامل أو المراد أنه اذا ارسل ريح العذاب يجعله رحمة بزوال سبب العقاب و أما اذا أرسل ريح الرحمة فلا يجعلها عذابا بزوال سبب الرحمة و حدوث سبب العذاب و منه يظهر سر سبق رحمته على غضبه

(و ذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه و كانت طاعتهم اياه

____________

(1) قوله رياح رحمة هذا حديث صحيح من جهة الاسناد و ليس فيه ضعف من جهة المعنى الا قوله فعتت على خزانها فخرج على مقدار منخر الثور لان ضعف الملائكة المأمورين من جانب اللّه على ما شاء من المصلحة عن ضبط الطبائع المقهورة المسخرة غير معقول عندنا و لا نعتقد فى الطبائع قوة أشد من الملائكة الموكلين بها و لا نرى أن يأمر اللّه تعالى ملائكته بأمر يعلم عجزهم و على كل حال فالظاهر من الرواية أن الريح التى اهلكت قوم عاد كانت من البخارات المحتبسة فى أعماق الارض خرجت دفعة من ثقبة حدثت فى قشر الارض بدفعها كما يخرج من البراكين و اللّه اعلم. (ش)

6

وبالا عليهم إلّا من بعد تحوّلهم عن طاعته قال: و كذلك فعل بقوم يونس لمّا آمنوا (رحمهم اللّه) بعد ما كان قدّر عليهم العذاب و قضاه ثمّ تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدّر عليهم رحمة فصرفه عنهم و قد أنزله عليهم و غشيهم و ذلك لمّا آمنوا به و تضرّعوا إليه. قال: و أمّا الريح العقيم فانّها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الأرحام و لا شيئا من النبات و هي ريح تخرج من تحت الارضين السبع و ما خرجت منها ريح قطّ إلّا على قوم عاد حين غضب اللّه عليهم فأمر الخزّان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم، قال: فعتت على الخزّان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيّظا منها على قوم عاد،

____________

وبالا عليهم الا من بعد تحولهم من طاعته)

(1) ذلك اشارة الى المذكور و هو جعل العذاب رحمة و أطاعوه صفة لقوما و الواو فى قوله «و كانت» للحال بتقدير قد، و الوبال الشدة و المصيبة و سوء العاقبة و العمل السيئ و الطاعة لا على وجه مطلوب وبال على صاحبه كطاعة أهل الخلاف و فيه دلالة على أن هذه الطاعة و ان كانت معصية استحقوا به العذاب الا انهم لو تحولوا عنها ادركتهم الرحمة و لم يعذبهم بها و انما ذكر هذه المعصية ليقاس عليها غيرها

(بعد ما قد كان قدر عليهم العذاب و قضاه)

(2) أى قضاه قضاء غير محتوم و لم يبلغ حد الامضاء اذ لا دافع بعده

(فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم و قد أنزله عليهم و غشيهم اه)

(3) قال بعض المفسرين روى أن يونس (عليه السلام) بعث الى أهل نينوى و هى بكسر الاول قرية بالموصل فكذبوه و أصروا عليه فوعدهم العذاب الى ثلاث و قيل الى أربعين فذهب عنهم مغاضبا فلما دنا الوعد غامت السماء غيما اسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشى مدينتهم و تسود سطوحهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه فلبسوا المسوح و برزوا الى الصعيد بأنفسهم و نسائهم و صبيانهم و دوابهم و فرقوا بين النساء و الصبيان و بين الدواب و أولادها فحن بعضها الى بعض و علت الاصوات و العجيج و أظهروا الايمان و التوبة و أخلصوا و تضرعوا الى اللّه فرحمهم و كشف عنهم و كان يوم عاشورا يوم الجمعة

(فانها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الحيوان و لا شيئا من النبات)

(4) فلا ينتفع منها النفس الحيوانية و النفس النباتية لشدة حرارتها من فيح جهنم و اشتمالها على النار المهلكة لهما

(فامر الخزان ان يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم)

(5) لعل هذا أعلى المقادير المقدرة لخروج الريح المهلكة لعاد و ادناها مثل خرق الابرة ثم خرجت بعد العتو على مقدار الادنى فلا ينافى ما فى الفقيه حيث قال قال (عليه السلام) «ما خرجت ريح قط الا بمكيال الا زمن عاد فانها عتت على خزانها فخرجت فى مثل خرق الابرة فاهلكت قوم عاد

(فخرج على مقدار منخر الثور)

(6) المنخر بفتح الميم و الخاء و تكسر و ضمهما و كمجلس الانف و خرقه

(تغيظا منها على قوم عاد)

(7) دل على أن لها شعورا و ادراكا و لا يبعد من قدرة اللّه تعالى

7

قال: فضجّ الخزّان إلى اللّه عزّ و جلّ من ذلك فقالوا ربّنا إنّها قد عتت عن أمرنا إنّا نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك و عمّار بلادك، قال: فبعث اللّه عزّ و جلّ إليها جبرئيل (عليه السلام) فاستقبلها بجناحيه فردّها إلى موضعها و قال لها: اخرجي على ما امرت به، قال: فخرجت على ما امرت به و أهلكت قوم عاد و من كانت بحضرتهم.

[علاج الهمّ و الفقر و السقم.]

65- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي- عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر «الحمد للّه» و من كثرت همومه فعليه بالاستغفار و من ألحّ عليه الفقر فليكثر من قول:

«لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم» ينفي عنه الفقر، و قال: فقد النبي (صلى اللّه عليه و آله) رجلا من الأنصار، فقال ما غيّبك عنّا؟ فقال: الفقر يا رسول اللّه و طول السقم، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ألا اعلّمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر و السقم؟ فقال: بلى يا رسول اللّه، فقال: إذا أصبحت و أمسيت فقل: «لا حول و لا قوّة إلّا باللّه [العليّ

____________

أن يجعل لها مشاعر و مدارك فلا حاجة الى التأويل فى نسبة التغيظ و العتو إليها و لا فى نسبة الخطاب و الامر إليها باعتبار انها جماد و الجماد لا يتصف بهذه الصفات و لا يؤمر بشيء كما- زعمه بعض الناس و قال التغيظ و العتو لاهلها و الامر للدلالة على التسخير و مما يؤيد ما قلناه ما رواه فى الفقيه من ان للريح وجها و جناحين

(و أهلكت قوم عاد و من كان بحضرتهم)

(1) أى فى فنائهم و قربهم و هذه الريح سخرها اللّه تعالى عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيٰالٍ وَ ثَمٰانِيَةَ أَيّٰامٍ حُسُوماً أى دائمة متتابعة فلما رأوها جمعوا نسائهم و صبيانهم و أموالهم فى شعب و أحاطوا حولهم آخذين بأيديهم و قد كانوا عظيم الجثة، طويل القامة، عريض البدن كثيرا القوة، شديد البطش كان أطولهم ثلاثمائة ذراع و أقصرهم مائة ذرع فقالوا ما تفعل هذه الريح بنا فاخذت الريح أولا محصوريهم و أطارتهم فى الهواء و اهلكتهم ثم أخذتهم و رفعتهم و أهلكتهم و من لم يخرج منهم الى الشعب و تحصنوا فى بيوتهم هدمت الريح بيوتهم عليهم و اخرجت بعضهم من البيت و رفعته و أهلكته.

قوله (من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر الحمد للّه)

(2) و هو قيد للواصل و جذب لغير الحاصل مع ما فيه من الفضل المذكور فى كتاب الدعاء

(و من كثرت همومه فعليه بالاستغفار)

(3) بأن يقول استغفر اللّه أو أستغفر اللّه ربى و أتوب إليه و كلاهما مروى

(و من ألح عليه الفقر فليكثر من قول لا حول و لا قوة الا باللّه العلى العظيم)

(4) روى عن الباقر (عليه السلام) ان الحول هنا بمعنى التحول و الانتقال، أى لا حول لنا عن المعاصى الا بعون اللّه و لا قوة لنا على الطاعات الا بتوفيقه، و فيه اظهار كمال الخضوع و المسكنة و الحاجة إليه تعالى فى طلب الخيرات و دفع المكاره و معنى العلى العظيم أنه العلى عن الاشباه و الانداد الرفيع عن التشابه بالممكنات، العظيم المفتقر إليه

8

العظيم] توكّلت على الحيّ الذي لا يموت و الحمد للّه الذي لم يتّخذ ولدا و لم يكن له شريك في الملك و لم يكن له وليّ من الذّلّ و كبّره تكبيرا» فقال الرّجل: فو اللّه ما قلته إلّا ثلاثة أيّام حتّى ذهب عنّي الفقر و السقم.

[في معنى ذوي القربى.]

66- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن إسماعيل ابن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لأبي جعفر الأحوال و أنا أسمع:

أتيت البصرة؟ فقال: نعم، قال: كيف رأيت مسارعة النّاس إلى هذا الأمر و دخولهم فيه؟ قال: و اللّه إنّهم لقليل و لقد فعلوا و إنّ ذلك لقليل، فقال: عليك بالأحداث فانّهم أسرع إلى كلّ خير، ثمّ قال: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية، «قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ»؟ قلت: جعلت فداك إنّهم يقولون:

إنّها لأقارب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: كذبوا إنّما نزلت فينا خاصّة في أهل البيت في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين أصحاب الكساء (عليهم السلام).

[حديث الرّجل الشامي مع أبي جعفر (عليه السلام) و ما سأله عنه] حديث اهل الشام

67- عنه، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن داود، عن محمّد بن عطيّة قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) من أهل الشام من علمائهم فقال: يا أبا-

____________

كل من عداه المستحقر لديه كل من سواه

(توكلت عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لٰا يَمُوتُ)

(1) أى توكلت على- المدرك الدائم بلا زوال، و فيه تفويض الامور كلها إليه و اظهار العجز بأنه ليس له قدرة على تحصيل أمر من أموره و رمز لطيف بانه يتوقع منه تعالى جلب النفع و سلب الفقر و السقم و ساير المكاره عنه

الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً)

(2) تنزيه له تعالى عن الصاحبة و الشهوة الحيوانية ورد على اليهود و النصارى

(وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)

(3) فيه اقرار بالتوحيد و تنزيه له عن النقص

(وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)

(4) أى ناصر مانع له من الذل لكونه عزيزا على الاطلاق، أو لم يوال أحدا من أجل ذل به ليدفعه بموالاته

(وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً)

(5) أى قل هذا اللفظ بعينه و نقل عن بعض الافاضل أنه قال قل اللّه اكبر اللّه اكبر و هذا غريب.

قوله (فقال عليك بالاحداث)

(6) أى ألزمهم فى الدعاء الى هذا الامر و الاحداث الشبان الذين لم يطعنوا فى السن فانهم أسرع الى كل خير لرقة قلوبهم و صفاء أذهانهم فى الجملة و عدم تمكن الجهل المركب فى نفوسهم بعد كما تمكن فى نفوس الشيوخ

(انهم يقولون انها لاقارب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله))

(7) قد مرّ آنفا أن جماعة منهم يقولون المراد بهم بنو هاشم و بنو عبد المطلب كلهم و جماعة يقولون بنو هاشم وحدهم و جماعة يقولون قريش كلهم.

9

جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت عليّ أن أجد أحدا يفسّرها و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كلّ صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الاخر فقال له أبو جعفر (عليه السلام) ما ذاك؟ قال: فانّي أسألك عن أوّل ما خلق اللّه من خلقه (1) فانّ بعض

____________

(حديث أهل الشام عنه عن أحمد بن محمد)

(1) فى مرجع الضمير خفاء و عوده الى محمد بن يحيى خلاف المتعارف و كانه يعود الى أحمد بن محمد بن عيسى و يكون المراد بأحمد بن محمد أبو جعفر البرقى

(قد أعيت على ان أجد)

(2) أعيته أعجزته و وصف المسألة بالاعياء من جهة اشكالها و عسر جوابها

(و قد سألت عنها ثلاثة أصناف)

(3) لعل المراد بهم أهل الاسلام و الحكماء و المتكلمون أو أهل الاسلام و اليهود و النصارى

(فانى أسألك عن أول ما خلق اللّه من خلقه)

(4) رده (عليه السلام)

____________

(1) قوله «عن أول ما خلق اللّه من خلقه» المستفاد من جواب الامام المعصوم العالم بادواء النفوس و علاجها و المطلع على اسرار الضمائر و كوامن القلوب ان هذا السائل كان مبتلى كسائر العوام بالعجز عن بيان ما يختلج بباله من الاشكال و ان اصل اضطراب قلبه و تردده فى كيفية خلق الاشياء المادية من العدم و الراسخ فى ذهنه أن كل مصنوع لا بدّ أن يصنع من مادة سابقة عليه فسأل عن المادة الاولى التى خلق كل شيء منها و كان الجواب الّذي سمعه ممن سمعه غير مقنع له اذ لا معنى لكون المصنوعات جميعا مخلوقة من القضاء و القدر و لا من القلم و لا من الروح اذ لا يكون شيء من هذه الامور مادة لصنع الاشياء و لم يكن سؤاله عن العلل الفاعلية بل عن العلل المادية التى لا بد أن تكون مقدمة على صنعة الصانع على ما كان يراه من عمل امثال النجار و البناء حيث يعملون ما يعملون فى الخشب و الطين و الحجر فابتدأ (عليه السلام) بازالة وهمه و بين ان اللّه تعالى لا يجوز أن يصنع الاشياء من شيء موجود قبله أو معه و انما يحتاج الى المواد، الفاعل الصانع البشرى و اللّه تعالى هو خالق المواد و لو كان ايجاد كل مصنوع متوقفا على شيء سابق عليه و ذلك على شيء آخر و هكذا ذهب الامر الى غير النهاية و وجب اثبات شيء غير مخلوق مع اللّه أزلى بازليته و الامام (عليه السلام) رأى أنه ان لم يبدأ بازالة وهمه هذا و اكتفى بان المخلوق الاول هو الماء لسأل السائل عن الماء مم خلق فان قيل خلق من جوهرة خضراء لسأل مم خلق الجوهرة الخضراء و هكذا ثم اجاب بما اجاب.

و مراده (عليه السلام) من تضعيف قول من قال ان اوّل ما خلق اللّه الروح أو القلم أو القدر انه لم يقع موقعه من السؤال و الا فجميع هذه أيضا مروية و قد سبق فى أول الكتاب ان أول ما خلق اللّه العقل و روى أن أول ما خلق نور رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لكن لم يكن سؤال السائل إلا عن المادة الاولى للاجسام و كم من كلام صحيح لا يمكن أن يقع جواب سائل مثل قوله قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ فى جواب من سأل عن نصاب الزكاة. (ش)

10

من سألته قال: القدر و قال بعضهم: القلم و قال بعضهم الرّوح فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما قالوا شيئا، اخبرك أنّ اللّه تبارك و تعالى كان و لا شيء غيره. و كان عزيزا و لا أحد كان قبل عزّه و ذلك قوله «سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ و كان

____________

الاجوبة المذكورة بقوله ما قالوا شيئا أخبرك الى آخره دل على أن «من» ابتدائية و أن مراد السائل بخلقه المثال أو الماهية النوعية القديمة أو المادة القديمة الازلية و قد ذهب الى الاول من قال أنه تعالى لم يخلق الا باحتذاء مثال و الى الثانى من قال ان الاشياء محدثة بعضها من بعض على سبيل التعاقب و التسلسل مع قدم النوع و الى الثالث من قال أن خلق الاشياء من أصل قديم و قد مرّ بطلان هذه الاقوال فى باب جوامع التوحيد و غيره و أوضحناه هناك

(فان بعض من سالته قال القدر و قال بعضهم القلم و قال بعضهم الروح)

(1) القدر عبارة عما قضاه اللّه تعالى و حكم به من الامور و قد يراد به تقدير الاشياء و القلم يطلق تارة على كل ما يكتسب به و تارة على ما كتب به اللوح المحفوظ و هو المراد هنا قال بعض العامة أول ما خلقه اللّه القلم ثم النون و هو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن و ما كان الى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلا ينطق الى يوم القيامة و اختلفوا فى المأمور بالكتابة فقيل هو صاحب القلم بعد خلقه و قيل القلم نفسه لاجرائه مجرى أولى العلم و اقامته مقامه و أشار القاضى أيضا الى هذين الوجهين فى تفسير قوله تعالى ن وَ الْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ و الروح ما يقوم به الجسد و تكون به الحياة و قد يطلق على القرآن و على جبرئيل (عليه السلام) اذا عرفت هذا أقول لعل القائل الاول نظر الى أن القضاء و التقدير مقدم على وجودات الاشياء فحكم بانه الاول، و القائل الثالث نظر الى أن الروح اشرف الاشياء و يتوقف عليه الكتابة فى اللوح فحكم بأنه الاول و الكل معترف بأن ما ذهبوا إليه نشأ من مثال سابق و هذا باطل

(فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما قالوا شيئا)

(2) لانهم أخطئوا فى تعيين الاول و تسليم قول السائل بأن الاول مخلوق من شيء أما الاول فلان الثلاثة المذكورة متوقفة على العزم المتوقف على الإرادة كما مر فى كتاب التوحيد و أما الثانى فلما أشار إليه (عليه السلام) بقوله

(اخبرك ان اللّه تبارك و تعالى كان)

(7) فى الازل

(و لا غيره شيء و كان عزيزا)

(3) غالبا على جميع الاشياء

(و لا أحد كان قبل عزه)

(4) فلو كان أول ما خلقه من أصل قديم فان كان ذلك الاصل منه تعالى لزم أن يكون معه شيء و ان كان من غيره لزم أن يكون قبل عزه أحد أعز منه و هو تعالى يتبع أثره و كلاهما باطل و ذلك قوله

(سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ)

(5) اضافة الرب الى العزة المطلقة تفيد اختصاصها به و عدم حصولها لغيره و تنزيهه عن كل وصف لا يليق به يفيد ثبوت كل كمال له و سلب كل نقص عنه تعالى و كل واحد منهما يستلزم توحيده و عدم مشاركة الغير معه فى القدم و العزة المطلقة

(و كان الخالق قبل المخلوق)

(6) قبلية زمانية متوهمة و إلا لزمت المشاركة

11

الخالق قبل المخلوق و لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا و لم يزل اللّه إذا و معه شيء ليس هو يتقدّمه و لكنّه كان إذ لا شيء غيره و خلق الشيء الذي جميع الاشياء منه و هو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه و خلق الرّيح من الماء ثمّ

____________

المذكورة الموجبة للنقص و فيه تنبيه على أنه أنشأ الخلق على سبيل القدرة و الاختيار لا على سبيل الايجاب و الاضطرار لانه قديم و خلقه حادث و صدور الحادث عن القديم انما يتصور بطريق القدرة و الاختيار دون الايجاب و الاضطرار و الا لزم تخلف المعلول عن تمام علته حيث وجدت العلة فى الازل دون المعلول و بعد تمهيد هذه المقدمات الحقة أشار الى جواب السائل

بقوله (و لو كان أول ما خلق اللّه من خلقه الشيء من الشيء)

(1) المتوقف عليه خلق ذلك الشيء

(اذا لم يكن له انقطاع أبدا)

(2) اذ يعود الكلام الى الشيء الاول فيحتاج هو أيضا الى مثال متقدم

(و لم يزل اللّه اذا و معه شيء ليس هو يتقدمه)

(3) سواء كان ذلك الشيء من صنعه أو من صنع غيره و ان كان المفروض هو الاول لعدم القائل بالثانى و التالى باطل كما أشار إليه

بقوله (و لكنه كان اذ لا شيء غيره)

(4) تحقيقا لمعنى القدرة و الاختيار و رفعا لمعنى النقص و الايجاب و الاضطرار ثم بين ان الاول فى عالم الخلق و هو عالم الجسم و الجسمانيات خلق من باب الاختراع لا من شيء سابق و مثال متقدم و اذا ثبت ذلك ثبت أن الاول فى عالم الامر و هو عالم الروح و الروحانيات خلق كذلك لان الصانع اذا كان قادرا مختارا عالما بوجوه المصالح يحيل الاشياء الى أوقاتها باختياره و يوجد كلا فى وقته من غير حاجة الى شيء سابق و مثال متقدم فقال

(و خلق الشيء الّذي جميع الاشياء منه)

(5) فى عالم الاجسام

(و هو الماء الّذي خلق الاشياء منه فجعل نسب كل شيء الى الماء و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه)

(6) هذا و غيره من الروايات صريح فى أن الماء أول صنع فى عالم الخلق و أنه لم يخلق من شيء فبطل ما ذهب إليه علماء العامة مثل القرطبى و غيره و نطقت به رواياتهم من أن الاول جوهرة أو ياقوتة خضراء فنظر إليها الجبار بالهيبة فانذابت و صارت ماء و تسخنت فارتفع منه دخان و زبد فخلق من الدخان السماء و من الزبد الارض» لا يقال الماء محتاج الى المكان فكيف يكون هو الاول لانا نقول المكان عدمى و هو البعد الموهوم كما صرح به بعض المحققين ثم حصل له تميز عن مطلق الموهومات و تعين بسبب خلق الماء فكان تميزه تعينه تابعا لخلق الماء و بما ذكرنا فى حل هذا الحديث ظهر أنه لا ينافى ما مر فى كتاب الاصول فى باب مولد النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال «قال اللّه تعالى يا محمد انى خلقتك و عليا نورا

(يعنى روحا) بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي و ارضى و عرشى و بحرى فلم تزل تهللنى و تمجدنى- الحديث» و ما روى عنه (صلى اللّه عليه و آله)

12

سلّط الريح علي الماء فشققت الريح متن الماء حتّى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء

____________

قال «أول ما خلق اللّه روحى» و عنه أيضا «أول ما خلق اللّه العقل» و لا منافاة بين هذه الروايات لان هذه الثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالحيثيات اذ هذا المخلوق الاول من حيث أنه ظاهر بذاته و مظهر لظهور (1) وجودات غيره و فيضان الكمالات من المبدأ عليها سمى نورا و من حيث أنه حي و بسببه حياة كل موجود سمى روحا و من حيث أنه عاقل لذاته و صفاته و ذوات سائر

____________

(1) قوله «من حيث أنه ظاهر بذاته و مظهر لظهور- اه» كلام دقيق مبنى على اصول عقلية و نقلية و حاصله أن أول صادر من الواجب تعالى فى السلسلة الطولية أعنى العلل و المعلولات أشرف المخلوقات مطلقا لكونه أقرب الى الواجب تعالى و ليس الا روح خاتم الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) و هو نور لتحقق معناه فيه و كونه ظاهرا بذاته و مظهرا لغيره و هو عقل لتقدم العقل على الجسم فى مذهب الالهيين بخلاف الماديين فان العقل عندهم فرع الجسم اذ ليس الادراك و الشعور عندهم الا عرضا من عوارض المادة و تركيب العناصر فلا بد عندهم من وجود الجمادات مقدما على العقل و لو لا تركيب الابدان و وجود الدماغ لم يكن فكر و لا عقل عندهم و أما عند الالهيين فالموجودات العاقلة مستقلة عن الجسم قائمة بذاتها و الجسم مركب محتاج الى موجود عاقل غير جسمانى يحفظ أجزاءه و يقيمها كما ثبت فى محله و اما كون الماء اوّل المخلوقات فالمراد منه أول موجود جسمانى لا أول الموجودات مطلقا كما علم مما مر و اعلم أن الامام (عليه السلام) جرى هاهنا على اصطلاح الناس فى ذلك العصر فان العناصر عندهم كانت منحصرة فى أربعة الماء و الهواء أى الريح، و النار، و الارض و بين (عليه السلام) أن الاصل هو- الماء و الثلاثة الاخرى مولدة منه و هو رأى ثاليس الملطى من قدماء اليونانيين و قال بعضهم ان الاصل هو الهواء و بعض انه النار و بعض انه الارض و مقتضى كلام غيرهم أن العناصر الاربعة كل أصل بنفسه لم يكن احد منها مشتقا من الاخر لمناسبات و استحسانات رأوها أحسن و لم يدع احد منهم الظفر بما يوجب اليقين و سلكوا فى عددها مسلك الفقهاء حيث ينفون ما لم يثبت دليل على وجوده بأصالة العدم و استصحاب العدم الازلى مثلا قالوا لم يتبين لنا كون الماء مركبا من عناصر مختلفة فالاصل عدمها فيكون الماء عنصرا بسيطا و لم يتبين لنا وجود عنصر بسيط غير الاربعة فالاصل عدم بسيط غيرها و كذلك فى زماننا يعدون عناصر كثيرة لم يظهر لهم تركيبها فالتزموا ببساطتها و عددها نحو من مائة عنصر كلما ظفروا بعنصر جديد زادوه عليها و لا فائدة دينية فى تحقيق ذلك و تشخيصها الا أن يعلم بوجه كلى أن كل شيء انما يوجد بتأثير مشيئة اللّه و قدرته و كون العنصر الاصلى اوسط فى القوام أظهر فى العقل لان الجامد كالارض لا يسهل تشكله بالصور المختلفة و الفلزات لا يصنع الا بعد الذوب و الريح مائلة الى الحركة و التفرق و لا يقبل التشكل و الضبط و الاولى بقبول التغير و حفظ الشكل فى الجملة هو المائع و هذا المقدار يكفى فى تصور تغيير الاشياء من صورة الى صورة و ليس المقام لتحقيق الامور الطبيعية حتى يحتاج الى تفصيل اكثر و الانسان مفطور على ارجاع الكثرات الى الواحد ليكون أول صادر من الواجب واحدا كما قالوا الواحد لا يصدر منه الا الواحد يعنى فى المرة الاولى لذلك اطمئن السائل لما سمع من الامام ارجاع كل المواليد الى واحد هو الماء (ش).

13

أن يثور فخلق من ذلك الزّبد أرضا بيضاء نقيّة ليس فيها صدع و لا نقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة، ثمّ طواها فوضعها فوق الماء، ثمّ: خلق اللّه النار من الماء فشققت النار متن الماء حتّى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللّه أن يثور فخلق من ذلك الدّخان سماء صافية نقيّة ليس فيها صدع و لا نقب و ذلك قوله: السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا

____________

الموجودات و صفاتها سمى عقلا، نعم هذه الروايات ظاهرا تنافى ما روى «أن أول ما خلق اللّه القلم» و يمكن أن يقال القلم أيضا عبارة عما ذكر من حيث أن نقوش العلوم و الكائنات فى اللوح المحفوظ بتوسطه فهو بهذا الاعتبار سمى قلما فالمعنى فى الجميع واحد و العبارات مختلفة و هذا التوجيه مذكور فى كتاب معارج النبوة و كتاب شواهد النبوة

(و خلق الريح من الماء)

(1) لتحركه حركة عنيفة و اضطرابه اضطرابا شديدا فحدثت منه الريح

(ثم سلط الريح على- الماء)

(2) فحركت ذلك الماء و أثارت أمواجا كامواج البحار

(فشققت الريح متن الماء)

(3) و حركته تحريكا كتحريك ما فى القربة و السقاء حتى جعلت أسفله أعلاه و أعلاه أسفله

(حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور)

(4) و اقتضت الحكمة فى كمية الارض و ايجادها على- الحجم و البسط المعروفين

(فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع)

(5) أى شق

(و لا نقب)

(6) بالنون و فى بعض النسخ بالثاء المثلثة

(و لا صعود و لا هبوط)

(7) الصعود بالفتح العقبة و الهبوط بالفتح الخدود

(و لا شجرة)

(8) أراد بالشجرة مطلق النباتات و انما حدثت هذه الاشياء بعد ذلك بالارادة و الاسباب المقتضية لها

(ثم طواها فوضعها فوق الماء)

(9) تحت الكعبة كما دل عليه بعض الروايات

(ثم خلق اللّه النار من الماء)

(10) لا يبعد من القدرة القاهرة أن تحدث النار من حركات الماء و صدماته كما يحدث البرق من صدمات السحاب الماطر عند بعض و كما تحدث من الشجر الاخضر قال اللّه تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ فمن قدر على احداث النار من الشجر الاخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها كان قادرا على احداث النار من الماء فلا تنظر الى من استبعد ذلك و قال لا نار هنالك

(فشققت النار متن الماء)

(11) و سخنته تسخينا شديدا حتى ثار من الماء دخان و ارتفع فى جو متوهم و خلاء متسع ارتفاعا تقتضيه الحكمة البالغة

(على قدر ما شاء اللّه أن يثور)

(12) و يصلح لخلق السموات من غير زيادة و نقصان

(فخلق من ذلك الدخان سماء صافيه نقية)

(13) و بسط ذلك الدخان بسطا مخصوصا و ركبه

14

رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا. وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا قال: و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب، ثمّ طواها فوضعها فوق الأرض ثمّ نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الارض فذلك قوله عزّ ذكره: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا يقول: بسطها، فقال له الشاميّ: يا أبا جعفر قول اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا فقال له أبو جعفر (عليه السلام): فلعلّك تزعم أنّهما كانتا رتقا

____________

تركيبا معلوما و ضم إليه الجزء الصورى الحافظ لذلك التركيب الى ما شاء اللّه

(ليس فيها صدع و لا نقب)

(1) بالنون أو الثاء المثلثة و اعلم أن ظاهر هذا الحديث و الّذي يأتى بعده و ظاهر قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ وَ هِيَ دُخٰانٌ ناطق بان السماء مخلوقة من دخان و أن المراد بالنار و الدخان معناهما الحقيقى و قيل المراد بالدخان هنا البخار المتصاعد عن وجه الماء الحادث بسبب حركته بتحريك الريح له و ليس محمولا على حقيقته لانه انما يكون عن النار و لا نار هنالك و انما سمى البخار دخانا من باب الاستعارة للتشابه بينهما فى الصورة لان البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرارة النار و ذلك

قوله (أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا)

(2) أى رفع سقفها عن الارض على قدر تقتضيه الحكمة و قد ذكر الصادق (عليه السلام) بعض تلك الحكمة فى توحيد المفضل

(فَسَوّٰاهٰا)

(3) تسوية موجبة لكمالها من غير نقص فيها

(وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا)

(4) أى أظلمه

(وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا)

(5) أى ضوءها و هو النهار و انما اضافهما إليها لانهما يحدثان بحركتها

(قال و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب)

(6) حين خلق السماء من الدخان و انما حدثت هذه الاشياء بعده لمصالح الخلق و منافعهم

(ثم طواها و وضعها فوق الارض)

(7) على مقدار من الارتفاع المحسوس ثم نسب الخليفتين أى جاء بواحدة منهما فى أثر الاخر

(فرفع السماء قبل الارض)

(8) أى رفعها بالبسط المعلوم قبل بسط الارض

(فذلك قوله عز ذكره وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا يقول بسطها)

(9) على قدر معلوم لتكون مهدا للانسان و مرعى للحيوان، و اعلم أن ظاهر هذا الخبر و غيره و ظاهر القرآن لما دل على كون الماء أصلا تكونت منه السموات و الارض، و ثبت أن الترتيب المذكور أمر ممكن فى نفسه، و ثبت أن البارى تعالى فاعل مختار قادر على جميع الممكنات، ثم لم يقم دليل عقلى يمنع من اجراء هذه الظواهر على ما دلت عليه بظاهرها وجب علينا القول بمقتضاها و لا حاجة بنا الى التأويل الّذي ذكره بعض الناس و نحن تركناه لطوله و لا يضرنا ما ذهب إليه الحكماء من تأخر وجود العناصر عن وجود السموات لان أدلتهم مدخولة

(فقال الشامى يا أبا جعفر أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً)

(10) أى ذات رتق أو مرتوقتين

(فَفَتَقْنٰاهُمٰا)

(11) الرتق ضد الفتق و هو الشق فالرتق الضم و الالتحام و المراد

15

ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الاخرى؟ فقال: نعم، فقال أبو جعفر (عليه السلام):

استغفر ربّك فانّ قول اللّه جلّ و عزّ: كٰانَتٰا رَتْقاً يقول كانت السماء رتقا لا تنزل المطر و كانت الارض رتقا لا تنبت الحبّ فلمّا خلق اللّه تبارك و تعالى الخلق و بثّ فيها من كلّ دابّة فتق السماء بالمطر و الأرض بنبات الحبّ فقال الشاميّ أشهد أنّك من ولد الأنبياء و أنّ علمك من علمهم.

[كان كلّ شيء ماء و عرشه تعالى على الماء]

68- محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد ابن مسلم و الحجّال، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام):

كان كلّ شيء ماء و كان عرشه على الماء فأمر اللّه عزّ ذكره الماء فاضطرم نارا ثمّ أمر النّار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق اللّه السماوات من ذلك الدّخان و خلق الارض من الرّماد ثمّ اختصم الماء و النّار و الرّيح فقال الماء: أنا

____________

بالرؤية الرؤية القلبية و هى العلم و الفكرة و ان لم يعلموا ذلك لكنهم كانوا متمكنين من العلم به نظرا و من الاستدلال به على وجود الصانع

(فقال أبو جعفر (عليه السلام) فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان إحداهما من الاخرى (1) فقال نعم)

(1) فسره بذلك بعض مفسرى العامة و قال بعضهم كانت الافلاك واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكا و كانت الا رضوان واحده ففتقت باختلاف كيفياتها و أحوالها طبقات و أقاليم

(فقال أبو جعفر (عليه السلام) استغفر ربك)

(2) هذا صريح فى ان ما زعمه ليس بمراد من الآية فان قول اللّه عز و جل كٰانَتٰا رَتْقاً الى آخره بذلك فسره أيضا بعض المفسرين قال القاضى فيكون المراد بالسماوات سماء الدنيا و جمعها باعتبار الآفاق أو السموات بأسرها على أن لها مدخلا ما فى الامطار

(فقال الشامى أشهد أنك من ولد الأنبياء و أن علمك من علمهم)

(3) الظاهر أنه آمن به و القول بان لفظ الشهادة ليس نصا فى الايمان حتى يعتقد و يستسلم و ليس ذلك بمعلوم بعيد.

قوله (كان كل شيء ماء)

(4) أى نسب كل شيء الى الماء و ليس للماء نسب يضاف إليه لانه اوّل حادث من اجرام هذا العالم

(وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ)

(5) قيل كان فوقه لا على أن يكون موضوعا على متنه و استدل به على امكان الخلاء، و قال ابن عباس فوقه و قوله يحتمل الامرين و قال الابى فى كتاب اكمال الاكمال أقوال المفسرين فيه كثيرة و اللّه أعلم بحقيقة ذلك و المقطوع به أنه سبحانه و تعالى قديم بصفاته ليس بجسم و جسمانى و لا أول لوجوده و كان و لا شيء معه انتهى. أقول يحتمل أن يراد بالعرش هنا العلم و قد جاء تفسيره به فى كثير من الاخبار و كان علمه المتعلق بالموجود من الاجرام على الماء فقط اذ لم يكن غيره موجودا و اللّه يعلم

(فأمر اللّه عز و جل الماء فاضطرم نارا)

(6) اضطرمت النار اشتعلت و أضرمها أو قدها فاضطرمت أى توقدت و اشتعلت

(و خلق الارض من الرماد)

(7) هذا

____________

(1) كذا.

16

جند اللّه الاكبر و قالت الريح: أنا جند اللّه الاكبر، و قالت النّار أنا جند اللّه الاكبر فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلي الريح: أنت جندي الأكبر.

[حديث الجنان و النوق]

69- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْداً فقال: يا عليّ إنّ الوفد لا يكونون إلّا ركبانا اولئك رجال اتّقوا اللّه فأحبّهم اللّه و اختصّهم و رضي أعمالهم فسمّاهم المتقين، ثمّ قال له:

____________

لا ينافى ما مر من أنها خلقت من زبد الماء لان الرماد زبد سمى رمادا باعتبار أنه بقى بعد تأثير النار فيه و خروج اجزاء مائيته و تصاعدها من تأثير النار

(فاوحى اللّه الى الريح أنت جندى الاكبر)

(1) كل ناصر لدين اللّه و غالب على عدوه و نافع لخلقه فهو جند اللّه كما قال عز و جل وَ لِلّٰهِ جُنُودُ- السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ* و قال وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا أيده بالملائكة و الريح فهزموا الاحزاب و قال وَ إِنَّ جُنْدَنٰا لَهُمُ الْغٰالِبُونَ و من البين أن الاكبرية باعتبار القوة و الغلبة و الضر و النفع و ان لكل واحد من الماء و النار و الريح هذه الاوصاف الا انها فى الريح أقوى و أشد من الماء و النار اذ طبعهما لا يقتضي الا أمرا واحدا بخلاف الريح فانها مع اتحاد جوهرها مصدر لآثار مختلفة كايقاد النار و اخمادها و أثارة السحاب و جمعها و تفريقها و تنفية الحبوب و ترويج النفوس و تلقيح الازهار و تربية الاثمار و تلطيف الاهوية و تكثيفها و تحريك السفن و تسكينها بالاحاطة عليها و سرعة السير الى جهات مختلفة و قوة الحركة الى أمكنة متباعدة الى غير ذلك من خصالها التى لا تحصى و يكفى فى ذلك أنه انفتحت السماء بماء منهمر و انفجرت العيون و جرت المياه من كل جانب لاهلاك قوم نوح و خرجت الريح على مقدار حلقة خاتم أو خرقة أبرة لاهلاك قوم عاد و لو خرجت على مقدار منخر ثور لاهلكت البلاد كلها.

قوله (حديث الجنان و النوق)

(2) الجنان ككتاب جمع الجنة و هى الحديقة ذات النخل و الشجر، ثم غلب اطلاقها على الجنة التى اعدت للمتقين، و النوق جمع الناقة

(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ)

(3) هم الذين حبسوا أنفسهم على الحق و رفضوا عنهم الميل الى الباطل و طهروا ظاهرهم و باطنهم عن الرذائل

(إِلَى الرَّحْمٰنِ وَفْداً)

(4) جمع وافد أى وافدين عليه كما يفد الوافدون على الملوك الكرام منتظرين للاحسان و الانعام و انما ذكر الرحمن هنا لانه أنسب بالمقام لكونه مشعرا بصدور أنواع من الرحمة و الاكرام

(ان الوفد لا يكونون الا ركبانا)

(5) الركبان جمع الراكب للبعير خاصة و قد يكون للخيل و الركوب معتبر فى الوفد غزوا

(و اختصهم)

(6) اختصهم بالشيء اى خصهم به فاختصوا به لازم و متعد، و المعنى خصهم بذاته المقدسة فاختصوا به و

17

يا عليّ أما و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة انّهم ليخرجون من قبورهم و انّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ عليها رحال الذّهب مكلّلة بالدّرّ و الياقوت و جلائلها الاستبرق و السندس و خطمها جدل الارجوان، تطير بهم إلى المحشر مع كلّ رجل منهم ألف ملك من قدّامه و عن يمينه و عن شماله يزفّونهم زفّا حتّى ينتهوا بهم الى باب الجنّة الاعظم و على باب الجنّة شجرة انّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من الناس و عن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكية قال: فيسقون منها شربة فيطهّر اللّه بها قلوبهم من الحسد و يسقط من أبشارهم الشعر و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً من تلك العين المطهّرة.

قال: ثمّ ينصرفون إلى عين اخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها و هي عين الحياة فلا يموتون أبدا، ثمّ يوقف بهم قدّام العرش و قد سلموا من الافات و الاسقام و الحرّ و البرد أبدا، قال: فيقول الجبّار جلّ ذكره للملائكة الذين معهم احشروا أوليائي إلى الجنّة و لا توقفوهم مع الخلائق فقد سبق رضاي عنهم و وجبت

____________

صرفوا وجوه قلوبهم إليه و عكفوا على ما فيه رضاه بين يديه و رفضوا ما يشغلهم عنه بغيره

(بنوق من نوق العز عليها رحال الذهب)

(1) اضافة النوق الى العز لامية باعتبار أنها معدة لمن أراد اللّه تعالى عزته فى ذلك اليوم و الرحال جمع رحل و هو مركب للبعير كالسرج للفرس

(مكللة بالدر و الياقوت)

(2) فى الفائق تكليلها أن يحوطها كالاكليل للرأس و منه جفنة مكللة و روضة مكللة

(و جلايلها الاستبرق و السندس)

(3) جلائل جمع جلال جمع جل و هو بالضم و الفتح ما تلبسه الدابة لتصان به، و السندس مارق من الديباج، و الاستبرق ما غلظ منه معرب أو هو استفعل من البريق

(و خطمها جدل الارجوان)

(4) الخطم جمع الخطام كالكتب جمع الكتاب و الجدل كالكتب جمع- الجديل و هو الزمام المجدول أى المفتول للبعير و الارجوان معرب أرغوان و هو شجر له نور أحمر و كل نور يشبهه فهو أرجوان و قيل هذه الكلمة عربية و الألف و النون زائدتان

(يطير بهم الى المحشر)

(5) شبه سيرها بالطيران فى السرعة ففيه استعارة تبعية مع احتمال إرادة الحقيقة

(حتى ينتهوا بهم الى باب الجنة الاعظم و على باب الجنة شجرة)

(6) لعل المراد الى قريب من باب الجنة و على قرب منه شجرة فلا ينافى ما سيجيء من قوله فيسوقهم الملائكة الى الجنة اذا انتهوا بهم الى باب الجنة فليتأمل

(فيسقون منها شربة فيطهر اللّه بها قلوبهم من الحسد)

(7) لئلا يحسد بعضهم بعضا فى درجات الجنة و يحتمل أن يراد به الحسد الّذي كان بينهم فى الدنيا لان الجنة لا يدخلها الا طاهر من جميع الرذائل

(و لا توقفوهم مع الخلائق)

(8) الظاهر أن الخلائق

18

رحمتي لهم و كيف اريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات و السّيئات، قال: فتسوقهم الملائكة إلى الجنّة، فاذا انتهوا بهم إلى باب الجنّة الأعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة فتصرّ صريرا يبلغ صوت صريرها كلّ حوراء أعدّها اللّه عزّ و جلّ لأوليائه في الجنان فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة فيقول بعضهنّ لبعض: قد جاءنا أولياء اللّه. فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنّة و تشرف عليهم أزواجهم من الحور العين و الآدميّين فيقلن: مرحبا بكم فما كان أشدّ شوقنا إليكم و يقول لهنّ أولياء اللّه مثل ذلك، فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه أخبرنا عن قول اللّه جلّ و عزّ: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهٰا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بما ذا بنيت يا رسول اللّه؟ فقال: يا عليّ تلك غرف بناها اللّه عزّ و جلّ لأوليائه بالدرّ و الياقوت و الزّبرجد، سقوفها الذّهب محبوكة بالفضّة، لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب، على كلّ باب منها ملك موكّل به فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير و الدّيباج بألوان مختلفة و حشوها المسك و الكافور و العنبر و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إذا ادخل المؤمن إلى منازله في الجنّة، وضع على رأسه تاج- الملك و الكرامة و البس حلل الذّهب و الفضّة و الياقوت و الدرّ المنظوم في الاكليل تحت التاج. قال: و البس سبعين حلّة حرير بألوان مختلفة و ضروب مختلفة منسوجة

____________

فى المحشر للحساب لا فى مقامهم فلعل المراد لا توقفوهم مع وقوف الخلائق انتظارا لفراغتهم من الحساب

(تصر صريرا)

(1) صر يصر صرا و صريرا صوت و صاح شديدا

(و تشرف عليهم أزواجهم من الحور العين و الآدميين)

(2) أى تشرف عليهم من الغرف من أشرف عليه اذا اطلع من فوق أو ترفع عليهم أبصارهن للنظر إليهم أو تخرج من قولهم استشرفوك اذا خرجوا الى لقائك و فيه دلالة على أن النساء الصالحات يدخلن الجنة قبل الرجال الصالحين

(محبوكة بالفضة)

(3) الحبك الشد و الاحكام و تحسين أثر الصنعة فى الثوب و نحوه و التحبيك التوثيق و التخليط

(فيها فرض مرفوعة بعضها فوق بعض)

(4) الظاهر أنه تفسير لمرفوعة و يحتمل أن يكون وصفا آخر لفرش و حينئذ يمكن أن يراد بمرفوعة أنها رفيعة القدر كما قيل و قيل الفرش النساء و هى مرفوعة على الارائك و أيده بقوله تعالى إِنّٰا أَنْشَأْنٰاهُنَّ إِنْشٰاءً فَجَعَلْنٰاهُنَّ أَبْكٰاراً و هذا القول على التفسير المذكور منقطع عن السابق لبيان وصف نساء أهل الجنة و مرجع الضمير معلوم بحسب المقام مع امكان الاتصال أيضا بأن يراد بقوله (عليه السلام) «بعضها فوق بعض» أن كل واحدة عند الناظر أحسن من الاخرى للمبالغة فى عدم وجود النقص فيهن و اللّه يعلم

(و الدر منظوم فى الاكليل تحت التاج)

(5) الاكليل التاج و شبه عصابة تزين بالجوهر

19

بالذّهب و الفضّة و اللّؤلؤ و الياقوت الأحمر فذلك قوله عزّ و جلّ يُحَلَّوْنَ فِيهٰا مِنْ أَسٰاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِبٰاسُهُمْ فِيهٰا حَرِيرٌ*.

فاذا جلس المؤمن على سريره اهتزّ سريره فرحا فاذا استقرّ لوليّ اللّه جلّ و عزّ منازله في الجنان استأذن عليه الملك الموكّل بجنانه ليهنّئه بكرامة اللّه عزّ و جلّ إيّاه فيقول له خدّام المؤمن من الوصفاء و الوصائف: مكانك فانّ وليّ اللّه قد اتّكأ على أريكته و زوجته الحوراء تهيّأ له فاصبر لوليّ اللّه.

قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشي مقبلة و حولها وصائفها و عليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت و اللّؤلؤ و الزّبرجد و هي من مسك و عنبر و على رأسها تاج الكرامة و عليها نعلان من ذهب مكلّلتان بالياقوت و اللّؤلؤ، شراكهما ياقوت أحمر، فاذا دنت من وليّ اللّه فهمّ أن يقوم إليها شوقا فتقول له: يا وليّ اللّه ليس هذا يوم تعب و لا نصب فلا تقم أنا لك و أنت لي.

____________

و لعل المراد به الثانى و ان أريد به الاول كان المراد بتحت التاج حواشيه

(يُحَلَّوْنَ فِيهٰا مِنْ أَسٰاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ)*

(1) من الاولى ابتدائية و الثانية للبيان و أساور جمع أسورة جمع سوار بكسر السين و ضمها و هو حلى معروف

(فاذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا)

(2) بصعود المؤمن عليه و حمله له و كل من خف لامر و ارتاح عنه فقد اهتز له

(فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء و الوصائف مكانك)

(3) فى النهاية الوصيف العبد و الامة و صيفة و جمعهما و صفاء و وصايف و فى القاموس الوصيف الخادم و الخادمة و الجمع و صفاء كالوصيفة و جمع الجمع وصائف

(فان ولى اللّه قد اتكأ على أريكته)

(4) كهيئة المتنعم قال اللّه تعالى مُتَّكِئِينَ فِيهٰا عَلَى الْأَرٰائِكِ نِعْمَ الثَّوٰابُ أى الجنة و نعيمها «وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً» أى حسنت الارائك متكأ، و الاريكة سرير مزين فى قبة أو بيت و الجمع أرائك

(و زوجته الحوراء تهنأ له فاصبر لولى اللّه)

(5) تهنأ فى بعض النسخ بالنون بعد الهاء من التهنية و فى بعضها بالياء بعدها من التهيئة، و اعلم أنه لم يذكر الاذن فى الدخول لهذا الملك العظيم الشأن و لا يبعد أن يكون اذنه عند اذن ألف ملك يأتى ذكرهم

(قال فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها)

(6) وجود الخيمة فى الجنة ثبت من طرق العامة أيضا ففى كتاب مسلم عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) «قال ان للمؤمن فى الجنة لخيمة عن لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا» و فيه روايات اخرى كلها بهذا المعنى، قال عياض الخيمة بيت مستديرة كبيوت الاعراب و انما لا يرون لبعدها و طول أقطارها، و قال المازرى اذا كان طولها فى السماء ستون ميلا فما ظنك

20

قال: فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدّنيا لا يملّها و لا تملّه، قال:

فاذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها فاذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر وسطها لوح صفحته درّة مكتوب فيها: أنت يا وليّ اللّه حبيبي و أنا الحوراء حبيبتك، إليك تناهت نفسي و إليّ تناهت نفسك، ثمّ يبعث اللّه إليه ألف ملك يهنّئونه بالجنّة و يزوّجونه بالحوراء.

قال: فينتهون إلى أوّل باب من جنانه فيقولون للملك الموكّل بأبواب جنانه استأذن لنا على وليّ اللّه فانّ اللّه بعثنا إليه نهنّئه، فيقول لهم الملك: حتّى أقول للحاجب فيعلمه بمكانكم قال: فيدخل الملك إلى الحاجب و بينه و بين الحاجب ثلاث جنان حتّى ينتهى إلى أوّل باب فيقول للحاجب: إنّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين تبارك و تعالى ليهنّئوا وليّ اللّه و قد سألوني أن آذن لهم عليه فيقول الحاجب إنّه ليعظم عليّ أنّ أستأذن لأحد على وليّ اللّه و هو مع زوجته الحوراء قال: و بين الحاجب و بين وليّ اللّه جنّتان.

قال: فيدخل الحاجب إلى القيّم فيقول له: إنّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العزّة يهنّئون ولىّ اللّه فاستأذن لهم فيتقدّم القيّم إلى الخدّام فيقول لهم: إنّ رسل الجبّار على باب العرصة و هم ألف ملك أرسلهم اللّه يهنّئون وليّ اللّه فأعلموه بمكانهم قال: فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على وليّ اللّه و هو في الغرفة و لها ألف باب و على كلّ باب من أبوابها ملك موكّل به فاذا أذن للملائكة بالدخول على وليّ اللّه فتح كلّ ملك بابه الموكّل به قال: فيدخل القيّم كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة قال: فيبلّغونه رسالة الجبّار جلّ و عزّ و ذلك قول اللّه تعالى وَ الْمَلٰائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بٰابٍ (من أبواب الغرفة) سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ- إلى آخر

____________

بطولها و عرضها فى الارض الا أن فى الرواية الاخرى و عرضها ستون ميلا فطولها و عرضها متساويان انتهى

(نظر الى عنقها فاذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر)

(1) القصب محركة ما كان مستطيلا من الجوهر (فيبلغونه رسالة الجبار)

(2) ذكر الجبار هنا لانه أنسب لدلالته على أنه جبر نقائص الخلائق حتى بلغوا هذه المراتب

(سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ)

(3) أى قائلين «سلام عليكم بِمٰا- صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّٰارِ» فهو حال عن فاعل يدخلون و الباء متعلق بعليكم أو بمحذوف أى هذا

21

الآية-». قال: و ذلك قوله جلّ و عزّ: وَ إِذٰا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً يعني بذلك وليّ اللّه و ما هو فيه من الكرامة و النعيم و الملك العظيم الكبير، إنّ الملائكة من رسل اللّه عزّ ذكره يستأذنون [في الدخول] عليه فلا يدخلون عليه إلّا باذنه فلذلك الملك العظيم الكبير، قال: و الانهار تجري من تحت مساكنهم و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهٰارُ* و الثمار دانية منهم و هو قوله عزّ و جلّ:

وَ دٰانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلٰالُهٰا وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُهٰا تَذْلِيلًا من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه و هو متّكئ و إنّ الانواع من الفاكهة ليقلن لوليّ اللّه:

يا وليّ اللّه كلنى قبل أن تأكل هذا قبلي.

قال: و ليس من مؤمن في الجنّة إلّا و له جنان كثيرة معروشات و غير معروشات و أنهار من خمر و أنهار من ماء و أنهار من لبن و أنهار من عسل فاذا دعا وليّ اللّه بغذائه اتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء من غير أن يسمّى شهوته قال: ثمّ يتخلّى مع إخوانه و يزور بعضهم بعضا و يتنعّمون في جنّاتهم في ظلّ ممدود في مثل ما بين طلوع

____________

بما صبرتم و الباء للسببية أو البدلية

(و ذلك قوله عز و جل)

(1) ذلك اشارة الى ما ذكر من منازل المؤمن فى الجنة و حالاته فيها و اذن الملائكة للدخول عليه

(وَ إِذٰا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً)

(2) قال القاضى ليس له مفعول ملفوظ و لا مقدر لانه عام و المعنى أن بصرك أينما وقع رأيت نعيما

(وَ مُلْكاً كَبِيراً)

(3) واسعا و فى الحديث «ان لاهل الجنة منزلة ينظر فى ملكه مسيرة الف عام يرى اقصاه كما يرى أدناه»

(و هو قوله عز و جل وَ دٰانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلٰالُهٰا)

(4) لتوسطها بين غاية الارتفاع و الانخفاض و هو دليل على دنو الاثمار و سهولة تناولها، و ضمير التأنيث راجع الى الجنة

(وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُهٰا تَذْلِيلًا)

(5) قطف العنب يقطفه جناه و قطعه، و القطف بالكسر العنقود و الجمع القطوف

(يتناول المؤمن من النوع الّذي يشتهيه من الثمار بفيه)

(6) حقيقة أو هو كناية عن نهاية قربها و كونها بحذاء الوجه و قد أجمع أهل الاسلام على أن أهل الجنة يتنعمون فيها كتنعمهم فى الدنيا فيأكلون و يشربون و يتناكحون و لا يتغوطون و لا يبولون

(و أن الانواع من الفاكهة ليقلن لولى اللّه يا ولى اللّه كلنى قبل أن تأكل هذا قبلى)

(7) يمكن أن يكون ذلك القول بايجاد النطق المعروف فيها و أن يكون بلسان الحال و يفهم ذلك ولى اللّه بالالهام

(و ليس من مؤمن فى الجنة الا و له جنان كثيرة مَعْرُوشٰاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشٰاتٍ)

(8) قال القاضى جنات من الكروم معروشات مرفوعات على ما يحملها و غير معروشات ملقيات على وجه الارض

(و يتنعمون فى جناتهم فى ظل ممدود)

(9) غير منقطع أبدا

(فى مثل ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس)

(10) فى اللطافة و الرقة

22

الشمس و أطيب من ذلك لكلّ مؤمن سبعون زوجة حوراء، و أربع نسوة من الآدميين و المؤمن ساعة مع الحوراء و ساعة مع الآدميّة و ساعة يخلو بنفسه على الأرائك متّكئا، ينظر بعضهم إلى بعض، و إنّ المؤمن ليغشاه شعاع نور و هو على أريكته و يقول لخدّامه: ما هذا الشعاع اللّامع؟ لعلّ الجبّار لحظني، فيقول له خدّامه: قدّوس قدّوس جلّ جلال اللّه بل هذه حوراء من نسائك ممّن لم تدخل بها بعد قد أشرفت عليك من خيمتها شوقا إليك و قد تعرّضت لك و أحبّت لقاءك فلمّا أن رأتك متّكئا على سريرك تبسّمت نحوك شوقا إليك فالشعاع الذي رأيت و النّور الذي غشيك هو من بياض ثغرها، و صفائه و نقائه و رقّته.

____________

و الاعتدال لا حار محم و لا بارد مؤذ و هو قوله عز و جل لٰا يَرَوْنَ فِيهٰا شَمْساً وَ لٰا زَمْهَرِيراً و الظاهر أن «ذلك» فى

قوله (و أطيب من ذلك)

(1) اشارة الى تفصيل ذلك الظل على ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس و تعلقه بما بعده بعيد

(لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء و أربع نسوة من الآدميين)

(2) لعل هذا أقل المراتب لما رواه فى الفقيه من أن لكل مؤمن ألف نسوة من الآدميين و قيل فيه دلالة على أن صنف النساء فى الجنة اكثر من صنف الرجال و أنه ينافى ما دل عليه بعض الاخبار من أن أكثر أهل النار النساء أقول المنافاة انما يتم لو ثبت أن عدد النساء مساو لعدد الرجال أو أنقص و أنه ممنوع لجواز أن يكون أزيد و لو سلم فنقول أكثريتهن فى الجملة لا يستلزم أكثريتهن دائما لجواز الخروج من النار بالشفاعة و نحوها فيكون للمؤمن هذا العدد من الآدميين بعد الخروج لا ابتداء

(و يقول لخدامه ما هذا الشعاع اللامع لعل الجبار لحظنى)

(3) لحظه و لحظه إليه أى نظر إليه بمؤخر عينه و اللحاظ بالفتح مؤخر العين و أمثال هذه الافعال اذا نسبت إليه تعالى يراد بها المعانى المجازية المناسبة بها فيراد هنا التجلى كما تجلى لموسى على نبينا و (عليه السلام) فان قلت قول الخدام قدوس قدوس جل جلال اللّه دل على أن المراد هنا هو المعنى الحقيقى لانه الّذي وجب تنزيهه عنه دون المعنى المجازى، قلت لا دلالة له على ذلك بل قالوا ذلك لانهم لما سمعوا اسم الجبار جل شأنه نزهوه تنزيها و هذا كما يقول أحدنا يا اللّه فيقول الحاضرون جل جلاله و عظم شأنه نعم لفظة له يشعر بما ذكر و الامر فيه بعد وضوح المقصود هين

(فيقول له خدامه قدوس قدوس جل جل اللّه)

(4) قيل يجوز فى القاف الضم و الفتح، و نقل المازرى عن ثعلب أن كل اسم على فعول فهو مفتوح الاول الا سبوحا و قدوسا فالضم فيهما أكثر و هى مرفوع على الخبر أى هو قدوس و بناؤه للمبالغة من التقديس و المعنى ان الجبار تعالى شأنه مطهر منزه عن صفات المخلوقين، و قد يقع منصوبا باضمار فعل أى اقدسه قدوسا، و قال بعض الافاضل انه اسم بمعنى المقدس كما هو مذكور فى الاسماء

(هو من بياض

23

قال: فيقول وليّ اللّه: ائذنوا لها فتنزل إليّ فيبتدر إليها ألف وصيف و ألف وصيفة يبشّرونها بذلك فتنزل إليه من خيمتها و عليها سبعون حلّة منسوجة بالذّهب و الفضّة، مكلّلة بالدرّ و الياقوت و الزّبرجد صبغهنّ المشك و العنبر بألوان مختلفة، يرى مخّ ساقها من وراء سبعين حلّة طولها سبعون ذراعا و عرض ما بين منكبيها عشرة أذرع فاذا دنت من وليّ اللّه أقبل الخدّام بصحائف الذّهب و الفضّة فيها الدّر و الياقوت و الزّبرجد فينثرونها عليها ثمّ يعانقها و تعانقه فلا يملّ و لا تملّ.

قال: ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): أما الجنان المذكورة في الكتاب فانّهنّ جنّة عدن و جنّة الفردوس و جنّة نعيم و جنّة المأوى، قال: و إنّ للّه عزّ و جلّ جنانا محفوفة بهذه الجنان و إنّ المؤمن ليكون له من الجنان ما أحبّ و اشتهى، يتنعّم فيهنّ كيف [ي] شاء و إذا أراد المؤمن شيئا أو اشتهى إنّما دعواه فيها إذا أراد أن يقول

____________

ثغرها)

(1) الثغر الاسنان أو مقدمها أو ما دامت فى منابتها

(ثم يعانقها و تعانقه فلا يمل و لا تمل)

(6) مللته و منه بالكسر مللا و ملة و ملالة سئمته

(ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) اما الجنان المذكورة فى- الكتاب فانهن جنة عدن)

(2) قال اللّه تعالى جَنّٰاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمٰنُ عِبٰادَهُ بِالْغَيْبِ قال القاضى أى وعدها اياهم و هى غائبة عنهم أو و هم غائبون عنها أو وعدهم بايمانهم الغيب، قيل جنة عدن اسم لمدينة الجنة و هى مسكن الأنبياء و العلماء و الشهداء و أئمة العدل و الناس سواهم فى جنات حواليها، و قيل هى اسم مركب اضافى فالجنة البستان و اختلف فى عدن فقيل قصر لا يدخله الا نبى أو صديق أو شهيد أو امام عدل، و قيل هو نهر على حافتيه جنات و بساتين و قيل عدن اسم للاقامة من عدن بالمكان اذا أقام به، و ربما يرجح ذلك بان اللّه تعالى وعدها المؤمنين و المؤمنات بقوله وَعَدَ اللّٰهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ مَسٰاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّٰاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اللّٰهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

(و جنة الفردوس)

(3) قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ كٰانَتْ لَهُمْ جَنّٰاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا قال القاضى: الفردوس أعلى درجات الجنة و أصله البستان الّذي يجمع الكرم و النخل و فى القاموس الفردوس الاودية التى تنبت ضروبا من النبت و البستان يجمع كل ما يكون فى البساتين تكون فيه الكروم و قد يؤنث عربية أو رومية أو سريانية. و فى الفائق عن الفراء الفردوس هو البستان الّذي فيه الكرم بلغة العرب

(و جنة نعيم)

(4) قال اللّه تعالى أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ انكارا لقولهم لو صح ما تقوله لتكون فيها أفضل حظا منهم كما فى الدنيا كذا فى تفسير القاضى

(و جنة المأوى)

(5) قال اللّه تعالى وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ فهى منزل

24

سبحانك اللهمّ فاذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: دَعْوٰاهُمْ فِيهٰا سُبْحٰانَكَ اللّٰهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهٰا سَلٰامٌ يعني الخدّام. قال: وَ آخِرُ دَعْوٰاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ يعني بذلك عند ما يقضون من لذّاتهم من الجماع و الطعام و الشراب، يحمدون اللّه عزّ و جلّ عند فراغتهم و أمّا قوله: أُولٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ قال: يعلمه الخدّام فيأتون به أولياء اللّه قبل أن يسألوهم إيّاه و أمّا قوله عزّ و جلّ: فَوٰاكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ قال: فانّهم لا يشتهون شيئا في الجنّة إلّا اكرموا به.

[كلامهم (عليهم السلام) على سبعين وجها لهم منها المخرج]

70- الحسين بن محمّد الاشعري، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: قيل لابي جعفر (عليه السلام) و أنا عنده: إنّ سالم بن أبي حفصة و أصحابه يروون عنك أنّك تكلّم على سبعين وجها لك منها المخرج؟ فقال: ما يريد سالم منّي أ يريد أن أجيء بالملائكة و اللّه ما جاءت بهذا النبيّون و لقد قال إبراهيم

____________

من خاف المقام بين يدى الرب و صرف النفس عن هواها و زجرها عن مقتضاها

(سبحانك اللهم)

(1) أى اللهم انا نسبحك تسبيحا و ننزهك تنزيها من كل ما لا يليق بك

(من غير أن يكون طلبه منهم أو امر به)

(2) لان الطلب و لو من الخدم نقص و اللّه سبحانه أكرمهم و نزههم منه و فهمهم من هذه الكلمة الشريفة مقصده اما بتكرارها أو بالالهام أو لدلالة تنزيه الرب الى حاجته الى الطعام

(تحيتهم فيها سلام يعنى الخدام)

(3) أشار إلى أن ضمير الجمع راجع الى الخدام أى يحيونهم بهذا القول و هو السلامة من الافات و الفوز بالسعادات و الأمن من الزوال و الفناء و البشارة بالدوام و البقاء، و التحية تفعلة من الحياة ادغمت الياء فى الياء و الهاء لازمة و التاء زائدة و «أن» فى قولهم «أن الحمد للّه» مخففة من المثقلة و ينبغى أن يعلم أن تسبيح أهل الجنة مما أجمع عليه الامة و دلت عليه الآيات و الروايات من طرق الخاصة و العامة و هذا التسبيح ليس عن تكليف لان الجنة ليست دار تكليف و لا مشقة عليهم فيه لان النفس من الضروريات للانسان و لا مشقة عليه فيه فكذلك تسبيحه تعالى فى الجنة لا مشقة فيه أصلا بل هو من أعظم اللذات و سر ذلك أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته و محبته و أبصارهم برؤية جلاله و عظمته و من أحب شيئا وجد فى نفسه لذة بذكره فهو تسبيح تنعم و التذاذ.

(قوله (ان سالم بن أبى حفصة و أصحابه)

(4) زيدى بترى من رؤسائهم لعنه الصادق (عليه السلام) و كذبه و كفره مات سنة سبع و ثلاثين و مائة فى حياته (عليه السلام)

(يروون عنك أنك تكلم على سبعين وجها لك منها المخرج)

(5) يعنى يقولون انك تكذب فى مطلب واحد كثيرا و كان ذكر هذا العدد للمبالغة فى كثرة الخلاف

(فقال ما يريد سالم منى أ يريد أن أجئ بالملائكة)

(6) ليشهدوا

25

(عليه السلام): «إِنِّي سَقِيمٌ» و ما كان سقيما و ما كذب و لقد قال إبراهيم (عليه السلام):

«بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا» و ما فعله و ما كذب، و لقد قال يوسف (عليه السلام):

____________

على أنى لا أكذب

(و اللّه ما جاءت بهذا النبيون)

(1) لاثبات صدقهم فيما يقولون و ما رووه عنى لا يقدح فى لان للكلام وجوها مختلفة منها أن يقصد المتكلم الاخبار عن الواقع و منها أن ينوى التقية و منها أن ينوى التورية و منها أن ينوى التعريض و منها أن ينوى اصلاح ذات البين الى غير ذلك من الوجوه التى لا يعلمها الا العالم الكامل الماهر و لا يستعملها فى مواردها الا الفاضل البارع الماهر، ثم استشهد لذلك بقول الأنبياء فقال

(و لقد قال ابراهيم (عليه السلام) إِنِّي سَقِيمٌ و ما كان سقيما و ما كذب)

(2) اعتذر (عليه السلام) حين دعوه للخروج معهم لعيدهم فقال إِنِّي سَقِيمٌ و ما كان معه سقم معروف عند الناس و ما كذب لانه ورى بهذا القول و اراد خلاف ما فهموا منه ليتخلف منهم و يخلو بأصنامهم و يكسرها كما فعل. و فى تقدير توريته وجوه فقيل يعنى أنه سقيم بحسب القابلية و الاستعداد لان الانسان معرض للسقم فورى بهذا اللفظ هذا المعنى المحتمل و قيل سقيم لما قدر له من الموت و ما يتبعه من مشاهدة أحوال الآخرة و قيل سقيم القلب بما شاهد من كفرهم و ترك عبادة الخالق و الاشتغال بعبادة الاصنام و قيل كانت الحمى يأخذه عند طلوع نجم معلوم فلما رآه اعتذر بعادته و هو معنى قوله تعالى فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ و قيل عرّض بسقم حجته عليهم و ضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التى كانوا يشتغلون بها و يعتقدون أنها تضر و تنفع و لهذا كرر نظره فى ذلك و يحتمل أن يراد به سقم قلبه خوفا من أن لا تؤثر حجته فى قلوبهم كما قال سبحانه فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسىٰ و ان يراد به ما طرأ عليه بإرادة كسر آلهتهم من الخوف فى مآل أمره و الاصوب أن يراد به سوء حاله و انكسار قلبه لما رأى من ملاحظة النجوم ما يرد على الحسين (عليه السلام) من المصائب و البلايا روى ذلك على ابن محمد رفعه عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) فى قول اللّه تعالى فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ قال حسب فرأى ما يحل بالحسين (عليه السلام) فقال انى سقيم لما يحل بالحسين (عليه السلام)

(و لقد قال ابراهيم (عليه السلام) بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا و ما فعله و ما كذب)

(3) ظن الجاهلون أنه (عليه السلام) كذب و ما كذب لانه لما كسر الاصنام ترك كبيرهم لينسب إليه كسرها ليقطعهم بالحجة فلما رجعوا من عيدهم وجدوها مكسورة فقالوا مَنْ فَعَلَ هٰذٰا بِآلِهَتِنٰا فقال بعضهم سَمِعْنٰا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقٰالُ لَهُ إِبْرٰاهِيمُ و المراد بذكره قوله تَاللّٰهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنٰامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فلما أحضروه قٰالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هٰذٰا بِآلِهَتِنٰا يٰا إِبْرٰاهِيمُ قٰالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلىٰ أَنْفُسِهِمْ» أى رجع بعض الى بعض رجوع المنقطع عن حجته لحجة خصمه فَقٰالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّٰالِمُونَ أى فى عبادتكم من لا يقدر أن يدفع عن

26

«أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ و اللّه ما كانوا سارقين و ما كذب.

حديث أبى بصير مع المرأة

71- أبان، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخلت علينا أمّ خالد الّتي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ يسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: و أجلسني معه على- الطنفسة قال: ثمّ دخلت فتكلّمت فاذا امرأة بليغة فسألته عنهما، فقال لها: تولّيهما!

____________

نفسه فكيف يدفع عن غيره ثُمَّ نُكِسُوا عَلىٰ رُؤُسِهِمْ أى رجعوا الى جهالتهم و ضلالتهم ف قٰالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ- الآية» و وجه عدم الكذب فى قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ انه من باب التورية و المعاريض حيث علق خبره على شرط نطقه كانه قال ان كان ينطق فهو فعله على وجه التبكيت لهم و هذا ليس بكذب و داخل فى باب المعاريض التى جعله الشرع مباحة للتخليص من المكروه و الحرام الى الجائز اصلاحا بين الناس و رفعا لما يضر و انما الباطل التحيل فى ابطال حق أو تمويه باطل و قد ذكرنا زيادة التوضيح فى باب الكذب

(و لقد قال يوسف (عليه السلام) أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ)

(1) العير بالكسر القافلة مؤنثة و هذا القول و ان كان من مناديه (عليه السلام) الا أنه لما كان بأمره نسب إليه

(و اللّه ما كانوا سارقين و ما كذب)

(2) لانه قال ذلك لارادة الاصلاح هكذا قالوا، و دلت عليه الرواية عن أبى جعفر عليه السالم و يمكن أن يكون من باب التورية بأن يراد بالسارق ضعيف العقل او الّذي خفى عن البصر من سرقت مفاصله كفرح اذا ضعفت أو من سرق الشيء كفرح اذا خفى لا يقال قوله (عليه السلام) «ما كذب» فى المواضع الثلاثة ينافى ما مر فى باب الكذب من قول الصادق (عليه السلام) «ان اللّه أحب اثنين و أبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين و أحب الكذب فى الاصلاح و أبغض الخطر فى الطرقات و أبغض الكذب فى غير الاصلاح، ان ابراهيم (عليه السلام) قال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا إرادة الاصلاح و دلالة على أنهم لا يفعلون و قال يوسف (عليه السلام) إرادة الاصلاح يعنى قال يوسف (عليه السلام) أيتها العير انكم لا يفعلون و قال يوسف (عليه السلام) إرادة الاصلاح يعنى قال يوسف (عليه السلام) أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ لارادة الاصلاح» و وجه المنافات نفى الكذب فى أحدهما و اثباته فى الاخر الا أنه بين أن هذا النحو من الكذب لا يضر لانا نقول اطلاق الكذب عليه انما هو بحسب الظاهر من الكلام لغة و نفيه باعتبار أن له غرضا صحيحا غير ظاهر يتوجه القصد إليه

قوله (التى قطعها يوسف بن عمر)

(5) هو كان والى العراق بعد الحجاج و قاتل زيد بن على (عليه السلام)

(فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أ يسرك أن تسمع كلامها)

(3) رغبة فى سماع كلامها لان فيه مصلحة عظيمة كما تظهر فى آخر الحديث

(و اجلسنى معه على الطنفسة)

(4) ليظهر على أم خالد أنه معظم موقر عنده (عليه السلام) و الطنفسة بكسر الطاء و الفاء و بفتحهما و ضمهما و بكسر الطاء و فتح الفاء و

27

قالت: فأقول لربّي إذا لقيته: إنّك أمرتني بولايتهما؟ قال نعم، قالت: فانّ هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما و كثير النوا يأمرني بولايتهما فأيّهما خير و أحبّ إليك؟ قال: هذا و اللّه أحبّ إليّ من كثير النوا و أصحابه، إنّ هذا يخاصم فيقول: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ.

[الناصب لأهل البيت شرّ من تارك الصلاة]

72- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال عن عليّ بن عقبة، عن عمر بن أبان، عن عبد الحميد الوابشيّ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ لنا جارا ينتهك المحارم كلّها حتّى أنّه ليترك الصلاة فضلا عن غيرها؟ فقال سبحان اللّه و أعظم ذلك أ لا اخبركم بمن هو شرّ منه؟ قلت: بلى قال:

الناصب لنا شرّ منه، أما إنّه ليس من عبد يذكر عنده أهل البيت فيرقّ لذكرنا إلّا مسحت الملائكة ظهره و غفر له ذنوبه كلّها إلّا أن يجيء بذنب يخرجه من الايمان، و إنّ الشفاعة لمقبولة و ما تقبل في ناصب و إنّ المؤمن ليشفّع لجاره و ماله حسنة

____________

بالعكس البسط و الثياب و حصير من سعف عرضه ذراع و فى كنز اللغة گرد بالش كه بر او نشينند

(فسألته عنهما)

(1) عن الاول و الثانى

(فقال لها توليهما)

(2) قال ذلك تقية منها لكونها فصيحة متكلمة مع أهل العلم من الخاصة و العامة

(و كثير النوى يأمرنى بولايتهما)

(3) قيل انه عامى و قيل زيدى و ينسب إليه الفرقة البترية من الزيدية لكونه أبتر اليد فسمى التابعون له بترية و هم قائلون بخلافة الثلاثة

(ان هذا يخاصم فيقول وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ اه)

(4) يعنى يخاصم أبو بصير علماء العامة بأن منطوق الآيات المذكورة دل على أن من حكم حكما ما فى قضية من القضايا بغير ما أنزل اللّه فهو كافر ظالم فاسق فكيف من حكم بغيره فى وقائع متكثرة و أفتى بالاهواء و الآراء كالشيوخ و الخلفاء و تابعيهم من العلماء و مفهومها دل على أنه وجب أن يكون بين الخلق دائما عالم بجميع ما أنزل اللّه، حاكم به فى كل واقعة، غنى عن الاجتهاد و أسبابه و ليس ذلك بالاتفاق غير على (عليه السلام).

قوله (فقال سبحان اللّه و اعظم ذلك)

(5) سبحان اللّه مصدر فعل محذوف و كثيرا ما يقال للتعجب من استماع أمر عظيم و أعظم فعل ماض يقال عظمه و أعظمه اذا فخمه أى عد ترك الصلاة و غيرها أمرا عظيما شنيعا و حمله على اسم التفضيل غير مناسب كما لا يخفى

(و ان الشفاعة لمقبولة و ما تقبل فى ناصب)

(6) شفاعة الاخراج من النار جائزة عقلا و دلت عليه الاحاديث و الآيات مثل قوله تعالى وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ و غيرها و منعها الخوارج و حكموا بخلود العاصين فى النار لان المعصية عندهم كفر و احتجوا عليه بقوله تعالى «فَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ الشّٰافِعِينَ، و بقوله

28

فيقول: يا ربّ جاري كان يكفّ عنّي الاذى فيشفّع فيه فيقول اللّه تبارك و تعالى:

أنا ربّك و أنا أحقّ من كافأ عنك فيدخله الجنّة و ماله من حسنة و إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا فعند ذلك يقول أهل النار: «فَمٰا لَنٰا مِنْ شٰافِعِينَ وَ لٰا- صَدِيقٍ حَمِيمٍ».

[من استخف بمؤمن فيهم و من ذب عنهم ع]

73- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لنفر عنده و أنا حاضر: ما لكم تستخفّون بنا؟ قال: فقام إليه رجل من خراسان فقال: معاذ لوجه اللّه أن نستخفّ بك أو بشيء من أمرك فقال: بلى إنّك أحد من استخفّ بي، فقال معاذ- لوجه اللّه أن أستخفّ بك، فقال له: ويحك أ و لم تسمع فلانا و نحن بقرب الجحفة و هو يقول لك: احملني قدر ميل فقد و اللّه أعييت، و اللّه ما رفعت به رأسا و لقد استخففت به و من استخفّ بمؤمن فبنا استخفّ و ضيّع حرمة اللّه عزّ و جلّ.

____________

تعالى مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ الآية» و حملوا الآيات و الاحاديث الدالة على الشفاعة على أنها فى رفع الدرجات و لا دلالة فيها على ما ذكروه و الآيتان عندنا فى الكفار و المعصية ليست بكفر وفد دلت عليه تصريح الآيات و الروايات، و اعلم أن الشفاعات على ما نقله بعضهم خمس.

الاولى لتعجيل الحساب، الثانية للادخال فى الجنة بغير حساب، الثالثة لمنع قوم من النار بعد أن استوجبوها، الرابعة لاخراج العاصى من النار، الخامسة لرفع الدرجات. و الظاهر من رواياتنا أنه يجوز للمؤمن الشفاعة فى جميع تلك المراتب و لا دلالة فى آخر هذا الحديث على تخصيصها بالقسم الرابع، و قال بعض العامة الاوليان خاصتان بالنبى (صلى اللّه عليه و آله)

(فعند ذلك يقول أهل النار فَمٰا لَنٰا مِنْ شٰافِعِينَ)

(1) يقولون ذلك تحسرا و تحزنا

قوله (ما لكم تستخفون بنا)

(2) هذا من حسن عشرته (عليه السلام) و رفقه بالاصحاب فى أنه لم يواجه ابتداء أحدا باللوم و العيب فقال ما لكم و أما تصريحه ثانيا فلان الخراسانى عرض نفسه فى معرض اللوم و فيه تغيير المنكر و الحث على الاحسان بالمؤمن و ان الاستخفاف به استخفاف بالأئمة (عليهم السلام) و الاستخفاف بهم استخفاف باللّه تعالى

(فقام إليه رجل من خراسان فقال معاذ لوجه اللّه ان نستخف بك)

(3) معاذ مصدر بمعنى الالتجاء و هو فى أكثر النسخ مرفوع و اللام بمعنى «الى» و فى بعضها منصوب و اللام بمعنى الباء أى لنا التجاء الى وجه اللّه و ذاته أو أعوذ بوجه اللّه معاذا من أن نستخف بك

(و من استخف بمؤمن فبنا استخف)

(4) قال الفاضل الأسترآبادي لا يقال يلزم من ذلك ان يستخف باللّه فيلزم الكفر لانا نقول المراد بالاستخفاف أن لا يعده عظيما كما

29

[حديث عبد الرحمن مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)]

74- الحسين بن محمّد الاشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ منّ علينا بأن عرّفنا توحيده، ثمّ منّ علينا بأن أقررنا بمحمد (صلى اللّه عليه و آله) بالرّسالة ثمّ اختصّنا بحبّكم أهل البيت نتولاكم و نتبرّأ من عدوّكم و إنّما نريد بذلك خلاص أنفسنا من النّار، قال: و رقّقت فبكيت، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) سلني فو اللّه لا تسألني عن شيء إلّا أخبرتك به، قال فقال له عبد الملك بن أعين: ما سمعته قالها لمخلوق قبلك، قال: قلت: خبّرني عن الرّجلين؟ قال: ظلمانا حقّنا في كتاب اللّه عزّ و جلّ و منعا فاطمة (صلوات اللّه عليها) ميراثها من أبيها و جرى ظلمهما إلى اليوم، قال- و أشار إلي خلفه- و نبذا كتاب اللّه وراء ظهورهما.

[مدح لحسّان بن ثابت و ذمّ لبعض الصحابة]

75- و بهذا الاسناد، عن أبان، عن عقبة بن بشير الاسدي، عن الكميت بن زيد الاسدي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: و اللّه يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك منه و لكن لك ما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لحسّان بن ثابت لن يزال معك

____________

يعد شرب الخمر عظيما و المتقى هو الّذي يعد الكل عظيما لان حاكم الكل هو اللّه تعالى

قوله (فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) سلنى فو اللّه لا تسألني عن شيء الا اخبرتك به)

(1) فيه اشارة الى كمال علمه (عليه السلام) و تكرمه لعبد الرحمن قال الفاضل المذكور لما علم (عليه السلام) أن قصده من اظهار الاخلاص ظهور الاذن منه بالسؤال و أن يجيبه من غير تقية قال (عليه السلام) سلنى

(و نبذا كتاب اللّه وراء ظهورهما)

(2) لا يبعد أن يكون هذا كناية عن بعدهما من كتاب اللّه و عدم العمل بما فيه و التوجه إليه لان من جعل شيئا وراء ظهره يلزمه أن لا يكون متوجها إليه و أن يبعد عنه.

قوله (و لكن لك ما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لحسان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا)

(3) ظاهره ان روح القدس قد ينبعث فى بعض الاوقات فى روع غير الائمة (عليهم السلام) و كان كميت شاعرا فصيحا مادحا للائمة (عليهم السلام) كما كان حسان مادحا للنبى (صلى اللّه عليه و آله) و هو حسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن النجار الانصارى يكنى أبا الوليد و قيل أبا عبد الرحمن و قيل أبا الحسام قال أبو عبيدة فضل حسان الشعراء بثلاث كان شاعر الانصار فى الجاهلية و شاعر رسول اللّه فى النبوة و شاعر العرب كلها فى الاسلام و قال أيضا اجتمعت العرب كلها على أنه أشعر أهل المدن و قال الاصمعى حسان أشعر أهل الحضر و قيل لحسان لان شعرك فى الاسلام يا أبا الحسام فقال ان الاسلام يحجز عن الكذب يعنى ان الشعر لا يحسنه الا الافراط فى الكذب و التزيين به و الاسلام يمنع من ذلك و قال أيضا ما يجود شعر من يتقى الكذب توفى سنة أربعين فى خلافة على (عليه السلام) و قيل سنة خمسين و قيل أربع

30

روح القدس ما ذببت عنّا، قال: قلت: خبّرني عن الرّجلين قال: فأخذ الوسادة فكسرها في صدره ثمّ قال: و اللّه يا كميت ما اهريق محجمة من دم و لا اخذ مال من غير حلّه و لا قلب حجر عن حجر إلّا ذاك في أعناقهما.

[ما قال عمر لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في بني اميّة]

76- و بهذا الاسناد، عن أبان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبى العباس المكّيّ قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ عمر لقى عليّا (صلوات اللّه عليه) فقال له: أنت الذي تقرأ هذه الآية بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ و تعرّض بي و بصاحبي؟ قال: فقال له:

أ فلا اخبرك بآية نزلت في بني اميّة: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ فقال: كذبت بنو اميّة أو صل للرّحم منك و لكنّك أبيت إلّا

____________

و خمسين و لم يختلفوا أنه عاش مائة و عشرين سنة ستين فى الجاهلية و ستين فى الاسلام و كذلك عاش أبوه وجده و أدرك النابغة الجعدى و الاعشى و أنشدهما من شعره و كلاهما استجاد اشعره و معنى الذب الدفع و قد كان نفر من قريش يهجون النبي (صلى اللّه عليه و آله) كابن الزبعرى و أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و عمرو بن العاص و ضرار بن الخطاب و كان حسان يدفعهم و يرد عليهم فتركوا هجوه خوفا منه فكان هو ناصر النبي (صلى اللّه عليه و آله) بالسنان و اللسان و المراد بروح القدس جبرئيل (عليه السلام) و المراد بكونه معه ما دام الذب على سبيل الامداد بالالهام و التذكير و الاعانة

(و اللّه يا كميت ما اهريق محجمة من دم- اه)

(1) المحجم و المحجمة بكسرهما ما يحجم به و حرفته الحجامة بالكسر و لعل المراد اهراق مقدارها من الدم ظلما و تغليب حجر عن حجر كناية عن الشدائد، أو عن ازالة الحق عن مركزه و المقصود أن جميع- المفاسد الى يوم القيامة فى أعناقهما لانهما منشأ لها و لو لا فسادهما فى الدين لشاع العدل و ارتفع الجور و استقام نظام الخلق.

قوله (ان عمر لقى عليا (عليه السلام) فقال له انت الّذي تقرأ هذه الآية) فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)

(2) أى ايكم فتن بالسفاهة و الجهالة و انكار الحق قال القاضى أيكم فتن بالجنون و الباء زائدة أو بأيكم الجنون على ان المفتون مصدر كالمقتول و المجلود أو بأى الفريقين منكم الجنون أ بفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين أى فى أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم

(تعرض بى و بصاحبى)

(3) التعريض خلاف التصريح تقول عرضت لفلان و بفلان اذا قلت قولا و أنت تعنيه فكانك أشرت الى جانب و تريد جانبا آخر.

(فقال أ فلا أخبرك باية نزلت فى بنى امية)

(4) أى فى ذم أعمالهم و أفعالهم و تقبيح عقايدهم و أحوالهم صريحا

(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ)

(5) عسى للترجى و الحاق الضمير به جائز عند أهل الحجاز و أن تفسدوا خبره وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ اعتراض أى فهل يتوقع منكم ان توليتم أمور الناس و تأمرتم عليهم او ان توليتم و أعرضتم عن الاسلام أن تفسدوا

31

عداوة لبني تيم و بني عدي و بني اميّة.

[في قوله تعالى: «الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ كُفْراً»]

77- و بهذا الاسناد، عن أبان بن عثمان، عن الحرث النصريّ قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ كُفْراً قال: ما تقولون في ذلك؟ قلت: نقول: هم الافجران من قريش بنو اميّة و بنو المغيرة، قال: ثمّ قال:

هي و اللّه قريش قاطبة إنّ اللّه تبارك و تعالى خاطب نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال إنّي فضّلت قريشا على العرب و أتممت عليهم نعمتي و بعثت إليهم رسولي فبدّلوا نعمتي كفرا و أحلّوا قومهم دار البوار.

[نزول قوله تعالى: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ»]

78- و بهذا الاسناد، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا: إنّ الناس لمّا كذبوا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) همّ اللّه تبارك و تعالى بهلاك أهل-

____________

فى الارض و تقطعوا أرحامكم تشاجرا على الولاية و تجاذبا لها أو رجوعا الى ما كنتم فى الجاهلية من مقاتلة الاقارب و غيرها و المعنى أنكم لضعفكم فى الدين و حرصكم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منكم من عرف حالكم كذا ذكره القاضى و غيره

(فقال كذبت بنو أمية أوصل للرحم منك)

(1) تكذيب الفاسق له باعتبار أنه (عليه السلام) قتل كثيرا من أقاربه فى الجهاد.

قوله (قلت تقول هم الافجران من قريش)

(2) الظاهر أن المراد بهما الاول و الثانى

(و أن قوله بنى امية و بنو المغيرة)

(3) خبر بعد خبر بلا عاطف و كونه بدلا بعيد

(ثم قيل هى و اللّه قريش قاطبة)

(4) أى جميعهم و نصبها على المصدر أو الحال و المراد بقريش من لم يؤمن منهم

(فقال انى فضلت قريشا على العرب)

(5) و مما يؤيد ذلك ما رواه مسلم عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال «الناس تبع لقريش فى الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم و كافرهم تبع لكافرهم و عنه «أيضا» الناس تبع لقريش فى الخير و الشر» قال بعضهم أنهم كانوا فى الجاهلية رؤساء العرب و أصحاب حرم اللّه و كانت الجاهلية تنتظر اسلامهم كلما أسلموا اتبعهم الناس و جاء وفود العرب من كل جهة و كذلك حكمهم فى الاسلام فى تقديمهم للخلافة و هذا هو الحكم ما بقى من الدنيا و بقى من الناس و من قريش اثنان هذا كلامه. أقول يدل على هذا أيضا ما رواه مسلم عنه (صلى اللّه عليه و آله) «لا يزال هذا الامر فى قريش ما بقى من الناس اثنان» ثم عين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن على بن أبى طالب (عليه السلام) وصيه و خليفته و الاحاديث الدالة على ذلك من الطرفين أكثر من أن تحصى و هم مع ذلك بدلوا نعمة اللّه كفرا و أحلوا قومهم دار البوار جهنم لما أحدثوا يوم السقيفة كما أشار إليه بقوله

(فبدلوا نعمتى كفرا)

(6) النعمة الرسالة و الولاية و تبديل كل واحدة منهما بالكفر مستلزم لتبديل الاخرى به

(وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دٰارَ الْبَوٰارِ)

(7) بار الشى يبور بورا بالضم هلك و البوار الهلاك

قوله (قالا ان الناس لما كذبوا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله))

(8) أى بما جاء به أو الباء

32

الأرض إلّا عليّا فما سواه بقوله فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ ثمّ بدا له فرحم المؤمنين، ثمّ قال لنبيّه (صلى اللّه عليه و آله): وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ».

[أحوال يوم القيامة و بعث الخلائق]

79- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت عليّ بن الحسين (عليهما السلام) يحدّث في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: حدّثني أبي أنّه سمع أباه عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) يحدّث النّاس قال: إذا كان يوم القيامة بعث اللّه تبارك و تعالى الناس من حفرهم غرلا بهما جردا مردا فى صعيد واحد يسوقهم النور و تجمعهم الظلمة

____________

زائدة يقال كذب بالامر تكذيبا أنكره و كذب فلانا جعله كاذبا

(هم اللّه تبارك و تعالى)

(1) أى أراد إرادة غير حتمية

(بهلاك أهل الارض)

(2) ممن بلغت إليه الدعوة أو مطلقا

(الا عليا فما سواه)

(3) ممن آمن كخديجة حيث لم يؤمن غيرهما قريبا من خمس سنين، و جعل ما سواه تفسيرا للمستثنى منه مبالغة فى شمول الهلاك لغير على (عليه السلام) بعيد لفظا و معنى

ب قوله (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)

(4) اى فاعرض عنهم بعد ما بلغت و أصروا على الانكار

(فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ)

(5) على الاعراض عنهم بعد بذل الجهد فى التبليغ و الامر بالاعراض ليس الا للغضب عليهم و إرادة هلاكهم

(ثم بدا له فرحم المؤمنين)

(6) الذين علم اللّه تعالى انهم يؤمنون به و البداء فى حقه تعالى عبارة عن إرادة حادثة و فى حق غيره عبارة عن ظهور الشيء بعد الخفاء، و بالجملة المنكرون استحقوا الهلاك بسبب الاصرار على الانكار و استحقوا البقاء لمن فى أصلابهم ممن قدر اللّه تعالى ايمانه فرجح الثانى ترحما على المؤمنين

(ثم قال لنبيه (صلى اللّه عليه و آله) وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)

(7) الذين علم اللّه تعالى ايمانهم الى قيام الساعة

قوله (قال اذا كان يوم القيامة بعث اللّه تعالى الناس من حفرهم غرلا بهما جردا مردا)

(8) روى من طريق العامة عنه (عليه السلام) أيضا أنه «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما جردا مردا قال الابى فى كتاب اكمال الاكمال الاظهر أن مقام التكرمة يقتضي عدم حشر الأنبياء كذلك انتهى و قد ذكر (عليه السلام) هنا لاهل المحشر أربع صفات الاولى أنهم غرل بالراء المهملة بعد الغين المعجمة المضمومة جمع أغرل قال عياض و ابن الاثير الاغرل الاغلف و الغرلة الغفلة و قال المازرى الاغلف غير المختون و الغلفة الجلدة التى تزال فى الختان و المعنى أنهم يحشرون غير مختونين و القصد أنهم يحشرون كما خلقوا أولا لا يفقدون شيئا حتى الغلفة تكون معهم انتهى، و يمكن أن يقرأ عزلا بالزاى المعجمة بعد العين المهملة جمع أعزل و هو المنفرد المنقطع و القصد انهم يحشرون فريدا وحيدا، الثانية

33

حتّى يقفوا على عقبة المحشر فيركب بعضهم بعضا و يزدحمون دونها فيمنعون من المضيّ، فتشتدّ أنفاسهم و يكثر عرقهم و تضيق بهم امورهم و يشتدّ ضجيجهم و

____________

أنهم بهم قال ابن الاثير فيه» يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة بهما» البهم جمع بهيم و هو فى الاصل الّذي لا يخالط لونه لون سواه يعنى ليس فيهم شيء من العاهات و الاعراض التى تكون فى الدنيا كالعمى و العور و العرج و غير ذلك و انما هى أجساد مصححة لخلود الابد فى الجنة أو النار و قال بعضهم روى فى تمام الحديث «قيل و ما البهم قال ليس معهم شيء» يعنى من أعراض الدنيا و هذا يخالف الاول من حيث المعنى، الثالثة و الرابعة أنهم جرد مرد جمع أجرد و أمرد و الاجرد الّذي لا شعر على بدنه و الامرد الّذي لا شعر على وجهه

(فى صعيد واحد)

(1) قيل الصعيد ما استوى من الارض و عن الفراء هو التراب و عن ثعلب هو وجه الارض و المراد به هنا الارض المستوية التى لا عوج فيها و لا أمتا

(يسوقهم النور و يجمعهم الظلمة)

(2) كان المراد بالنور الايمان و توابعه من العبادات لانها أنوار تسعى بين يدى صاحبها يوم القيامة و هم يمشون على أثرها و بالظلمة الكفر و الشرك و لواحقهما من المعاصى و نسب الجمع الى الظلمة لانها سبب لحيرتهم و اجتماعهم فكانها جمعتهم كما هو شأن الضالين عن الطريق يتحيرون و يجتمعون، و يمكن أن يراد بالنور معناه الحقيقى و بالظلمة زوال النور فاذا ظهر النور مشوا و اذا زال اجتمعوا و سكنوا

(حتى يقفوا على عقبة المحشر)

(3) فى المحشر عقبات مخوفة و منازل مهولة هى عقبات الفرائض و منازل الاخلاق سمى عقبة لشدة المرور عليها و التخلص من شدائدها و إليها أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله «و انقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فان أمامكم عقبة كئودا (أى شاقة) و منازل مخوفة لا بد من الورود عليها و الوقوف عندها» أراد بها (عليه السلام) منازل الآخرة و مقامات النفوس فى السعادة و الشقاوة و الاهوال الاخروية و ظاهر أنه لا بدّ من ورود تلك المنازل و الوقوف عندها الى حين عبورها خصوصا أصحاب الاعمال القبيحة و الملكات الردية و العلائق البدنية فان وقوفهم بها أطول و شدائدهم فيها أهول و مرورهم عليها أشق و أشكل، و لعل المراد بتلك العقبة عقبة الايمان و مظالم الخلق كما يرشد إليه قوله فيما بعد «يقول الكافر هٰذٰا يَوْمٌ عَسِرٌ» و قوله «و لا يجوز هذه العقبة اليوم عندى ظالم و لاحد عنده مظلمة» فالكفار فى هذه العقبة يسلكون طريق جهنم و من عنده من المسلمين مظلمة لاحد و لم يقع العفو من المظلوم لم يدخل الجنة حتى يخرج من عهدتها عند الحساب كما سيصرح به و منه يظهر سر ما مر من أن نشر الدواوين و نصب الموازين انما هو لاهل الاسلام دون المشركين

(فيركب بعضهم بعضا)

(4) لكثرتهم و ضيق مسلكهم

(و يزدحمون دونها)

(5) أى يدفع بعضهم بعضا.

يقال زحمه الناس اذا دفعوه فى مضيق

(فيمنعون من المضى)

(6) لازدحامهم عما هو المطلوب منهم فى تلك العقبة فيمنعون

(فتشتد أنفاسهم و يكثر عرقهم)

(7) فى كتاب مسلم عن المقداد بن الاسود

34

ترتفع أصواتهم قال: و هو أوّل هول من أهوال يوم القيامة، قال: فيشرف الجبّار تبارك و تعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة فيأمر ملكا من الملائكة فينادي فيهم: يا معشر الخلائق أنصتوا و استمعوا منادي الجبّار، قال: فيسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك و تخشع أبصارهم و تضطرب فرائصهم و تفزع قلوبهم و يرفعون رءوسهم إلى ناحية الصوت «مُهْطِعِينَ إِلَى الدّٰاعِ» قال: فعند

____________

قال سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق كمقدار ميل فيكون للناس على قدر أعمالهم فى العرق فمنهم من يكون الى كعبيه و منهم من يكون الى ركبتيه و منهم من يكون الى حقويه و منهم من يلجمه العرق الجاما و أشار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الى فيه» و فى رواية اخرى قال «ان العرق ليذهب فى الارض سبعين باعا و انه ليبلغ الى أفواه الناس أو الى اذانهم قال «عياض يحتمل أنه عرق نفسه بقدر خوفه لما شاهد من الاهوال و يحتمل أنه عرق نفسه و عرق غيره يختلط و يصير لكل بقدر عمله و هذا الازدحام و انضمام بعضهم الى بعض حتى يصير العرق بينهم سائحا على وجه الارض.

و قال القرطبى العرق للزحام و دنو الشمس حتى تغلى منها الرءوس و حرارة الانفاس فان قيل لزم أن يسبح الجميع فيه سبحا واحدا و لا يتفاضلون فى القدر قيل يزول هذا الاستبعاد بأن يخلق اللّه تعالى فى الارض التى تحت كل أحد ارتفاعا بقدر عمله فيرتفع العرق بقدر ذلك، و جواب ثان و هو أن يحشر الناس جماعات متفرقة فتحشر من بلغ كعبيه الى جهة و من بلغ حقويه فى جهة انتهى

(قال فيشرف الجبار تبارك و تعالى عليهم من فوق عرشه فى ظلال من الملائكة)

(1) العرش يطلق على معان و لعل المراد منه الجسم المحيط أو العرش الّذي هو مطاف الملائكة، و الظلال جمع الظل و هو من كل شيء شخصه و من بيان لها، و الاشراف على- الشيء الاطلاع عليه من فوق و هو يستلزم العلم به على وجه الكمال و اذا نسب إليه تعالى يراد به هذا اللازم او هو تمثيل و كونه فوق العرش و فى ظلال من الملائكة صحيح لانه فوق كل شيء بالعلية و الشرف و الرتبة و الاستيلاء و فى كل شيء بالعلم المحيط به لا كدخول غيره فى شيء و خصهما بالذكر لشرفهما و دلالتهما على العلو و اشعارهما بان امره تعالى جاء من الاعلى الى الاسفل كما هو مقتضى العادة

(و تخشع أبصارهم)

(2) بغضها و ارخاء أجفانها

(و تضطرب فرائصهم)

(3) فى النهاية الفريصة اللحمة التى بين جنب الدابة و كتفها لا تزال ترعد و اراد بها أصل الرقبة و عروقها لانها هى التى تثور عند الغضب و الخوف و فى الفائق الفريصة لحمة عند منبض القلب ترتعد و تثور عند الفزع و الخوف و الغضب

(مُهْطِعِينَ إِلَى الدّٰاعِ)

(4) الاهطاع الاسراع فى العدو

35

ذلك يقول الكافر هٰذٰا يَوْمٌ عَسِرٌ قال: فيشرف الجبّار عزّ و جلّ الحكم العدل عليهم فيقول: أنا اللّه لا إله إلّا أنا الحكم العدل الذي لا يجوز، اليوم أحكم بينكم بعدلي و قسطي لا يظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القويّ بحقّه و لصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات و السيّئات و اثيب على الهبات و لا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم و لأحد عنده مظلمة إلّا مظلمة يهبها صاحبها و اثيبه عليها و آخذ له بها عند الحساب، فتلازموا أيّها الخلائق و اطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها فى الدّنيا و أنا شاهد لكم عليهم و كفى بى شهيدا.

قال: فيتعارفون و يتلازمون فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حقّ إلّا لزمه

____________

و أهطع أيضا اذا مد عنقه و صوب رأسه أى نكسه

(يَقُولُ الْكٰافِرُونَ هٰذٰا يَوْمٌ عَسِرٌ)

(1) عَلَى الْكٰافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (1)»

(فيقول انا اللّه لا إله الا انا الحكم العدل الّذي لا يجوز)

(2) الموصول صفة للكشف و الايضاح مع احتمال الاحتراز لان العدل من الناس قد يجوز و لعل الغرض من هذا القول مع وضوحه فى ذلك اليوم هو التصريح بانه لا حكم فيه الا هو و التنبيه بزهوق الهة اتخذوها فى الدنيا و قطع طمعهم عن ملجإ سواه و به يحصل زيادة انبساط للمؤمن و زيادة اغتمام للكافر

(اليوم احكم بينكم بعدلى و قسطى)

(3) القسط بالكسر العدل فالعطف للتأكيد و التقرير و الاضافة للدلالة على كمال المضاف و تخصيص اليوم بالذكر مع أنه سبحانه حاكم عادل ازلا و ابدا لزيادة الاعتناء باظهار العدل فيه و لان آثار العدل فى ذلك اليوم أظهر و أقوى من آثاره فى غيره اذ ربما يخطر فى قلب بعض الظلمة و الفسقة انتفاء عدله فى الاحكام الدنيوية لعدم علمهم بالمصالح الكلية و الجزئية بخلاف الحكم الاخروى فانه فى الظهور الى حد يعرف كل أحد أنه حق

(و لصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات و السيئات)

(4) ينتقل حسنات الظالم الى المظلوم و سيئات المظلوم الى الظالم حتى يتم الوفاء كما سيجيء و المظلمة بكسر اللام ما تطلبه عند الظالم و هو اسم ما أخذ منك

(و اثيب على الهبات)

(5) فيه ترغيب فى الهبة و التجاوز عن جرائم صاحبه و فيه رجاء تام لمن قصر فى حقوقه تعالى

(و لاحد عنده مظلمة)

(6) الظاهر أنه حال عن ظالم و جعله وصفا له و الواو لزيادة الارتباط و الاتصال بعيد

(الا مظلمة يهبها صاحبها و أثيبه عليها)

(7) أى أثيب الصاحب على الهبة

(و اخذ له بها عند الحساب)

(8) الظاهر أن قوله و اخذ عطف على يهبها لا على أثيبه اذ لا اخذ بعد- الهبة و لعل المراد انه لا يجوز هذه العقبة ظالم الا اذا وهب له المظلوم أو استحق دخول الجنة بعد الاخذ منه عند الحساب و اما غيرهما فيسلك هناك مسلك النار

(فيتعارفون و يتلازمون)

(9) اما

____________

(1) «يَقُولُ الْكٰافِرُونَ هٰذٰا يَوْمٌ عَسِرٌ» فى سورة القمر: 8 و «عَلَى الْكٰافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ» فى سورة المدثر: 10».

36

بها، قال: فيمكثون ما شاء اللّه فيشتدّ حالهم و يكثر عرقهم و يشتدّ غمّهم و ترتفع أصواتهم بضجيج شديد فيتمنّون المخلص منه بترك مظالمهم لاهلها، قال: و يطلع اللّه عزّ و جلّ على جهدهم فينادي مناد من عند اللّه تبارك و تعالى- يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم-: يا معشر الخلائق أنصتوا لداعي اللّه تبارك و تعالى و اسمعوا إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول [لكم]: أنا الوهّاب إن أحببتم أن تواهبوا فتواهبوا و إن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم قال: فيفرحون بذلك لشدّة جهدهم و ضيق مسلكهم و تزاحمهم قال: فيهب بعضهم مظالمهم رجاء أن يتخلّصوا ممّا هم فيه و يبقى بعضهم فيقول: يا ربّ مظالمنا أعظم من أن نهبها قال: فينادي مناد من تلقاء العرش أين رضوان خازن الجنان- جنان الفردوس- قال: فيأمره اللّه عزّ و جلّ أن يطلع من الفردوس قصرا من فضّة بما فيه من الأبنية و الخدم. قال: فيطلعه عليهم و في حفافة القصر الوصائف و الخدم قال:

فينادي مناد من عند اللّه تبارك و تعالى: يا معشر الخلائق ارفعوا رءوسكم فانظروا إلى هذا القصر، قال: فيرفعون رءوسهم فكلّهم يتمنّاه. قال: فينادي مناد من عند اللّه تعالى: يا معشر- الخلائق هذا الكلّ من عفا عن مؤمن؟ قال: فيعفون كلّهم إلّا القليل، قال: فيقول اللّه عزّ و جلّ لا يجوز إلى جنّتي اليوم ظالم و لا يجوز إلى ناري اليوم ظالم و لاحد من المسلمين عنده مظلمة حتّى يأخذها منه عند الحساب أيّها الخلائق استعدّوا للحساب.

قال: ثمّ يخلّى سبيلهم فينطلقون إلى العقبة يكرد بعضهم بعضا حتّى ينتهوا

____________

لانهم متقاربون فى ذلك المكان فيحصل التعارف و التلازم بسهولة أو لان التباعد فى ذلك اليوم لا يمنع منهما

(فلا يبقى احد له عند احد مظلمة او حق إلا لزمه بها)

(1) هكذا فى بعض النسخ و فى اكثرها «فلا يبقى لاحد» و الظاهر ان اللام زائدة او أن مظلمة فاعل لقوله «فلا يبقى» على سبيل التنازع بينه و بين الابتداء فليتامل

(ان اللّه تبارك و تعالى يقول أنا الوهاب)

(2) فى وصف نفسه بهذه الصفة تنبيه على كمالها و ترغيب للناس فى اختيارها ليتصفوا بها و يتوقعوا أهبته عما قصروه فى حقه

(قال فيامره اللّه عز و جل أن يطلع من الفردوس قصرا)

(3) أى يظهره من اشراف الى انحدار من طلع الكوكب و الشمس اذا ظهر، و حفافة القصر بالكسر جانبه

(حتى يأخذها منه عند الحساب)

(4) فاذا بقى بعده حسنات دخل الجنة

(ايها الخلائق استعدوا للحساب)

(5) يحتمل ان يكون من كلامه عز و جل فى ذلك المقام و ان يكون من كلامه (عليه السلام) أمر بالاستعداد فى الدنيا لحساب الآخرة فان ذلك يوجب سلب المفاسد و جلب المنافع حتى يرد على القيامة و لا حساب عليه اذ أدى حسابه فى الدنيا

(فينطلقون الى العقبة)

(6) الظاهر أنها العقبة المذكورة

(يكرد بعضهم بعضا)

(7) الكرد السوق

37

إلى العرصة و الجبّار تبارك و تعالى على العرش قد نشرت الدواوين و نصبت الموازين و احضر النبيّون و الشهداء و هم الأئمّة يشهد كلّ إمام على أهل عالمه بأنّه قد قام فيهم بأمر اللّه عزّ و جلّ و دعاهم إلى سبيل اللّه قال: فقال له رجل من قريش يا ابن رسول اللّه إذا كان للرّجل المؤمن عند الرّجل الكافر مظلمة، أي شيء يأخذ من الكافر و هو من أهل النّار؟ قال: فقال له عليّ بن الحسين (عليهما السلام): يطرح عن المسلم من سيّئاته بقدر ماله على الكافر فيعذّب الكافر بها مع عذابه بكفره عذابا بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة قال: فقال له القرشيّ: فاذا كانت المظلمة للمسلم عند مسلم كيف تؤخذ مظلمته من المسلم؟ قال: يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حقّ المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم، قال: فقال له القرشيّ: فان لم يكن للظالم حسنات؟ قال:

إن لم يكن للظالم حسنات فانّ للمظلوم سيّئات يؤخذ من سيّئات المظلوم فتزاد على سيّئات الظالم.

____________

و الطرد و فى النهاية كرد القوم صرفهم وردهم و فى الكنز كرد راندن

(حتى ينتهوا الى العرصة)

(1) عرصة الدار ساحتها و هى البقعة الواسعة التى ليس فيها بناء و الجمع عرصات و المراد بها هنا عرصة القيامة و هى عرصة يجتمع فيها الخلائق للحساب

(و الجبار تبارك و تعالى على العرش اه)

(2) قد مرّ تفسيره سابقا و يمكن أن يراد به هنا العلم بجميع الموجودات سمى عرشا لاستقرارها فيه و الغرض من ذكره هو الاشعار بانه تعالى عالم بجميع الاشياء لا يخفى عليه شيء منها و انما نشر الدواوين و نصب الموازين و شهادة الأنبياء و الأوصياء ليظهر على الخلق حالاتهم التى كانوا عليها حتى لا يكون لهم حجة و لا معذرة و لا محل انكار و مر أيضا تفسير الدواوين و الموازين سابقا

(فيعذب الكافر بها)

(3) دل على أن الكافر معذب بالفروع أيضا

(قال يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم)

(4) هذا الظالم على نفسه و على غيره هو المفلس و الفقير فى الحقيقة كما دلت عليه الرواية و فيه دلالة على عدم الاحباط لانه أثبت ان له حسنات مع اقترافه المظالم و المعاصى اللهم الا أن يقال احبطت سيئاته من حسناته بقدر ما يقابلها فبقى الباقى من الحسنات بلا معارض لا يقال قوله «تؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم» مناف لقوله تعالى وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ* لانا نقول هذا غلط و جهالة بينة لانه انما عوقب بفعله و وزره لان العدل يقتضي وقوع المقابلة و الموازنة بين الظالم و المظلوم فاخذ الحسنات و طرح السيئات نوع من الموازنة و نحو من المعاوضة و العقوبات للظالمين و زيادة فى ثواب المظلومين و ليس من باب أنه مأخوذ و معذب بذنب لم يعمله من ذنوب غيره و لم يكن مستحقا له أصلا و يقرب ما روى من أن «من ابتدع بدعة فعليه وزرها و وزر من عمل بها» و قوله تعالى حكاية

38

[من أحبّ أهل البيت (عليهم السلام) كان معهم يوم القيامة]

80- أبو عليّ الاشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي اميّة يوسف بن ثابت بن أبي سعيدة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّهم قالوا حين دخلوا عليه: إنّما أحببناكم لقرابتكم من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لما أوجب اللّه عزّ و جلّ من حقّكم، ما أحببناكم للدّنيا نصيبها منكم إلّا لوجه اللّه و الدّار الآخرة و ليصلح لامرئ منّا دينه.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): صدقتم صدقتم، ثمّ قال: من أحبّنا كان معنا أو جاء معنا يوم القيامة هكذا- ثمّ جمع بين السبّابتين- ثمّ قال: و اللّه لو أنّ رجلا صام النهار و قام اللّيل ثمّ لقي اللّه عزّ و جلّ بغير ولايتنا أهل البيت للقيه و هو عنه غير راض أو ساخط عليه. ثمّ قال: و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مٰا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقٰاتُهُمْ إِلّٰا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لٰا يَأْتُونَ الصَّلٰاةَ إِلّٰا وَ هُمْ كُسٰالىٰ وَ لٰا يُنْفِقُونَ إِلّٰا وَ هُمْ كٰارِهُونَ فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ» ثمّ قال: و كذلك الايمان لا يضرّ معه العمل و كذلك الكفر

____________

«إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ» فليتأمل.

قوله (فى حب الائمة (عليهم السلام)) [عنوان و] ليس هذا فى اكثر النسخ

(ثم قال و ذلك)

(1) أى عدم قبول العمل و السخط على العامل و عدم الرضا عنه اذا لم يكن من أهل الولاية و الايمان

(قول اللّه عز و جل)

(2) حيث دل على أن كل من دخل فى الدين و كفر باللّه و برسوله بانكار أمر من امور الدين و حكم من أحكامه كان مسخوطا و عمله غير مقبول و اعظم ذلك الامر هو الامر بالولاية

(وَ مٰا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقٰاتُهُمْ إِلّٰا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ بِرَسُولِهِ)

(3) دل على أن كفرهم بهما مانع من قبول نفقاتهم

(وَ لٰا يَأْتُونَ الصَّلٰاةَ إِلّٰا وَ هُمْ كُسٰالىٰ)

(4) أى متثاقلين فى فعلها لعدم اعتقادهم بفضلها

(وَ لٰا يُنْفِقُونَ إِلّٰا وَ هُمْ كٰارِهُونَ)

(5) لانهم يعدونه بمنزلة الاتلاف و لا- يعتقدون بفضل الانفاق فلا يرجون بفعله ثوابا و لا يخافون بتركه عقابا

(فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ)

(6) فانها وبال عليهم و اختبار و استدراج ليكمل بها عقولهم عن الآخرة فيأخذهم بغتة كما

قال (إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا)

(7) بسبب ما يتحملون لجمعها و حفظها من المتاعب و ما يرون فيها من الشدائد و المصائب

(وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ)

(8) باللّه و رسوله و اليوم الاخر، و الزهوق الخروج بصعوبة كذا ذكر القاضى و غيره

(و كذلك الايمان لا يضر معه العمل و كذلك الكفر لا ينفع معه العمل)

(9) مر تفسير هذا بعينه فى آخر كتاب الايمان و الكفر، و لعل المراد بالعمل الاول العمل الحقير القليل و بالعمل الثانى العمل العظيم الكثير فان قليل العمل مع الايمان مقبول و كثير العمل مع الكفر غير مقبول، و يحتمل أن يراد بالضرر الضرر الموجب

39

لا ينفع معه العمل ثمّ قال: إن تكونوا وحدانيّين فقد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) وحدانيّا يدعو الناس فلا يستجيبون له و كان أوّل من استجاب له عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

[ردّ على من زعم أنّ الكمال كلّه في عفة البطن و الفرج]

81- عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال: قال

____________

للخلود فى النار و بالنفع النفع الموجب للدخول فى الجنة و مما يدل على أنه لا بد فى هذا الخبر من التأويل ما روى عن محمد بن مارد قال «قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام) حديث روى لنا أنك قلت اذا عرفت «يعنى الولاية» فاعمل ما شئت، فقال قد قلت ذلك قال قلت و ان زنوا و سرقوا أو شربوا الخمر فقال إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ ما أنصفونا أن يكون أخذنا بالعمل و وضع عنهم انما قلت اذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير و كثيره فانه يقبل منك»

(ثم قال ان تكونوا وحدانيين فقد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) وحدانيا يدعو الناس فلا يستجيبون له)

(1) فى النهاية الوحدانى المفارق للجماعة المنفرد بنفسه و هو منسوب الى الوحدة الانفراد بزيادة الألف و النون أى ان تكونوا منفردين قليلين فاصبروا و لا تحزنوا فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مع شرف ذاته و كمال صفاته كان وحدانيا يدعو الناس الى الحق بالبراهين الساطعة و المعجزات اللامعة فلا يستجيبون له جهالة أو حسدا أو حبا للدنيا و فيه تسلية للشيعة فى قلتهم و دفع لتوهم من ضعف عقله أن الحق مع الكثرة لعدم تفطنه بأن أكثر الناس فى أكثر الازمنة كافرين خارجين عن دين الحق و قد مر التصريح بذلك فى اوّل كتاب الاصول

(و لان اوّل من استجاب له على بن أبى طالب (عليه السلام))

(2) أشار الى أنه (عليه السلام) أول من أسلم من الذكور و الروايات عندنا و عندهم فى ذلك متظافرة و الظاهر أنه لا ينكره أحد الا أن بعض النواصب قال اسلامه لم يكن معتبرا لكونه قبل البلوغ و أجيب عنه أولا بأنا لا نسلم ذلك و مستنده وجوه منها رواية شداد بن اوس قال سألت خباب بن الارت عن سن على بن أبى طالب يوم أسلم قال أسلم و هو ابن خمسة عشر سنة و هو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ، و منها ما رواه أبو قتادة عن الحسن أن أول من أسلم على بن أبى طالب و هو ابن خمسة عشر سنة، و لو سلم فلا يتصور الكفر فى حقه اذ كان مولودا على الفطرة فمعنى الاسلام اذن دخوله فى طاعة اللّه و رسوله و الاستسلام لاوامرهما فالايمان الحاصل له وارد على نفس قدسية لم يتدنس بأدناس جاهلية و عبادة الاصنام و العقائد الباطلة المتضادة للحق التى صارت ملكات فى نفس من أسلم بعد علو السن و شرب الخمر و الشرك باللّه فكان اسلامه أشرف و أكمل من اسلام غيره و كانت غاية حال الغير أن يمحوا بالرياضة من نفوسهم الآثار الباطلة و الملكات الردية فأين أحدهما من الاخر

(و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبى بعدى)

(3) دليل على أنه (عليه السلام) وزيره و خليفته بلا فصل فى حياته و بعد وفاته و أن له

40

أبو عبد اللّه (عليه السلام) لعباد بن كثير البصري الصوفيّ: ويحك يا عباد غرّك أن عفّ بطنك و فرجك إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ اعلم أنّه لا يتقبّل اللّه منك شيئا حتّى تقول قولا عدلا.

[إنّ للّه عزّ و جلّ في بلاده خمس حرم]

82- يونس، عن عليّ بن شجرة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: للّه عزّ و جلّ في بلاده خمس حرم: حرمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و حرمة آل رسول اللّه صلّى اللّه عليهم و حرمة كتاب اللّه عزّ و جلّ و حرمة كعبة اللّه و حرمة المؤمن.

[إذا بلغ المؤمن أربعين سنة]

83- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نجران، عن محمّد بن القاسم، عن عليّ بن المغيرة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إذا بلغ المؤمن أربعين سنة آمنه اللّه من الأدواء الثلاثة: البرص و الجذام و الجنون، فاذا بلغ الخمسين

____________

جميع خصال هارون بالنسبة الى موسى بقرينة استثناء خصلة واحدة و هى النبوة فالقول بالفصل و تخصيص خلافته بحال حياة النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا وجه له و قد مرّ توضيح ذلك. آنفا قوله

(ويحك يا عباد غرك ان عف بطنك و فرجك)

(1) فظننت انك من أهل النجاة و عفتهما هى التحرز عن الحرام أو الاكتفاء بقدر الضرورة أو ما دونه من الحلال و هى لا تنفع الا مع الاقرار بالولاية لاهلها كما أشار إليه

بقوله (ان اللّه عز و جل يقول فى كتابه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ)

(2) فى فعل المنهيات كلها

(وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً)

(3) هو القول الحق المعرى عن الباطل

(يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ)

(4) بقبولها و الاثابة عليها

(اعلم انه لا يتقبل اللّه عز و جل منك شيئا)

(5) من الاعمال و ان اشتملت على جهات الكمال

(حتى تقول قولا عدلا)

(6) لما كانت لفظات لسان العباد و أغلاط اقواله كثيرة منها انكار الولاية للائمة الطاهرين (عليهم السلام) نبهه (عليه السلام) بان تزهده و اعماله لا تنفعه بدون ان يستقيم لسانه و يقول قولا عدلا مستقيما و هو الاقرار بالولاية

قوله (قال: للّه عز و جل فى بلاده خمس حرم- الخ)

(7) الحرمة بالضم و بضمتين و كهمزة ما لا يحل انتهاكه و الذمة و المهابة و النصيب و من يعظم حرمات اللّه اى ما وجب القيام به و هى الحقوق المقررة شرعا و من حقوق الرسول على الامة هو التصديق به و بما جاء به و الحب له الى غير ذلك و من حقوق آل الرسول أن يؤمن بهم و بولايتهم و الاتباع لهم فى العقائد و الاعمال و الاقوال و أن يحبهم و قس عليه البواقى فان تفصيل الحرمات و الحقوق يوجب الاطناب

قوله (اذا بلغ المؤمن أربعين سنة آمنه اللّه)

(8) أى غالبا

(من الادواء الثلاثة البرص و الجذام و الجنون)

(9) البرص بياض يظهر فى ظاهر البدن لفساد- المزاج، و الجذام كغراب علة تحدث من انتشار السوداء فى البدن كله فتفسد مزاج الاعضاء أو هيئاتها و ربما انتهى الى أكلها و سقوطها و الجنون معروف سمى به لانه يستر العقل و يزيله

41

خفّف اللّه عزّ و جلّ حسابه، فاذا بلغ ستّين سنة رزقه اللّه الانابة، فاذا بلغ السبعين أحبّه أهل السماء، فاذا بلغ الثمانين أمر اللّه عزّ و جلّ باثبات حسناته و إلقاء سيّئاته فاذا بلغ التسعين غفر اللّه تبارك و تعالى له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر و كتب أسير اللّه في أرضه، و في رواية اخرى:- فاذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر.

[إنّ المؤمن لفي وسعة من غفران اللّه تعالى حتّى إذا بلغ الأربعين]

84- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن داود، عن سيف، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ العبد لفي فسحة من أمره ما بينه و بين أربعين سنة فاذا بلغ أربعين سنه أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى ملكية قد عمّرت

____________

(فاذا بلغ الخمسين خفف اللّه تعالى حسابه)

(1) أى يسامحه فى حساب يوم القيامة و يساهله فى كثير من اموره و لا يشدد عليه

(فاذا بلغ ستين سنة رزقه اللّه الإنابة)

(2) أى الرجوع الى اللّه فيرغب فى الطاعة و يندم من المعصية و يداوم ذكر اللّه تعالى قال أمير المؤمنين (عليه السلام) «العمر الّذي أعذر اللّه تعالى فيه ابن آدم ستون سنة» يقال أعذر إليه أى بلغ به أقصى العذر قيل معناه من عمره اللّه تعالى ستين سنة لم يبق له عذر فى الرجوع الى اللّه سبحانه بطاعته فى مدة هذه المهلة و ما يشاهد فيها من الآيات و العبرة مع ما ارسل إليه من الانذار و التذكير و قد روى عنه (صلى اللّه عليه و آله) أنه «لينادى مناد من قبل اللّه عز و جل أبناء الستين أو لم يعمركم ما يتذكر فيه من تذكر و جاءكم النذير» (فاذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء)

(3) فيذكرون له بالخير و يدعون له و يستغفرون لذنوبه

(فاذا بلغ الثمانين أمر اللّه تعالى باثبات حسناته و القاء سيئاته)

(4) لا يخفى أن الاتيان فى هذا السن بالسيئات أشنع و المخالفة للرب أقبح و أفظع و لكنه تعالى يرحمه لضعفه و عجزه فيأمر بإلقاء سيئاته لئلا يخجله على رءوس الاشهاد و لا يشهره عند المقربين تفضلا عليه، و لعل هذا فى بعض الاشخاص أو فى بعض السيئات و الا فقد مر فى كتاب الاصول «ان اللّه تعالى لا ينظر يوم القيامة الى شيخ زان»

(فاذا بلغ التسعين غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر)

(5) كان المراد بالذنوب الصغائر من حق اللّه تعالى مع احتمال الكبائر أيضا و بالمتأخر الذنب الّذي يفعله فى هذا السن

(و كتب أسير اللّه فى ارضه)

(6) سمى أسيرا لانه أسره قضاء اللّه فأخرجه من موطنه الاصلى و حبسه فى دار الغربة مدة طويلة و عذبه بهواء النفس و اغواء الشيطان فهو محل الترحم

(و فى رواية اخرى فاذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر)

(7) للعمر و هو زمان بقاء كل شخص مراتب فى القوة و الضعف و التوسط و أضعف المراتب و أرذلها مائة سنة فصاعدا لان العمر حال الطفولية و ان كان ضعيفا لكنه فى مقام الترقى لقبول الكمال بخلاف مائة سنة فانه فى غاية الضعف و مقام التنزل حتى تبلغ حدا لا يدرى ما يقول و ما يفعل

قوله (ان العبد لفى فسحة من أمره- إلخ)

(8) الفسحة بالضم السعة أى هو فى سعة من أمره التكليفى أو فى فعله للمساهلة معه فى كثير من اموره لشدة شهوته و

42

عبدي هذا عمرا فغلّظا و شدّدا و تحفّظا و اكتبا عليه قليل عمله و كثيره و صغيره و كبيره.

[في جواز الفرار من الوباء]

85- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان.

عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحوّل الرّجل إلى ناحية اخرى أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره

____________

كمال قوته المقتضية للطغيان و ضعف عقله المانع من العصيان و ليس فيه ما ينافى الحديث السابق اذ ليس فى السابق حكم ما دون الاربعين و أما ما فى السابق من رفع الدواء الثلاثة عن صاحب- الاربعين فلا ينافى التشديد عليه فى أمره و لكن لا بد من تقييد التشديد بالبلوغ الى الخمسين لان الخمسين يوجب التخفيف كما مر أو القول بأن التخفيف من باب التفضل لمن يشاء اللّه فقد يخفف لصاحب الخمسين و قد يشدد عليه

قوله (سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوباء- اه)

(1) الوباء يقصر و يمد و جمع المقصور أوباء و جمع الممدود أوبية، و قد وبئت الارض توبأ وباء فهى موبوءة اذا أكثر مرضها و كذلك وبئت توبأ وباءة فهى وبئة و وبيئة على فعلة و فعيلة و فيه لغة ثالثة أوبأت و هى موئبة و هو مرض عام يكون عند الموت العام و قد سمى بالطاعون و هما بمعنى واحد و قال الجوهرى الطاعون الموت المسبب من الوباء فيفهم منه أن الطاعون نفس الموت المسبب من الوباء و قيل الطاعون مرض مخصوص و هو غدة كغدة البعير تخرج فى المراق و الآباط غالبا و قد تخرج فى الايدى و الاصابع و غيرها من الاعضاء حيث شاء اللّه تعالى فعلى هذا كل طاعون وباء و لا ينعكس، و قال القرطبى هو نقمة يرسلها اللّه على من شاء من عصاة عبيده و كفرتهم، و رحمة و شهادة للصالحين من عباده، و قال عياض انه عذاب يبعثه اللّه تعالى على من شاء ثم يجعله رحمة للمؤمنين و فيه جواز الفرار منه و الخروج من الارض الموبوءة الى غيرها لان فى المقام فيها ايقاع النفس الى التهلكة و الاوهام المشوشة لها و سر ذلك على ما أشار إليه الغزالى فى آخر كتاب التوكل من الاحياء أن سبب الوباء عند الاطباء هو عفونة الهواء و الهواء لا يؤثر باول ملاقات الجسد بل حتى يدوم الاستنشاق فاذا دام استنشاقه وصل الى الرية و القلب و باطن الاحشاء فيؤثر فيها فاذا خرج سلم الا اذا تعلق المشيئة بموته. و من طرق العامة روايات متكثرة للمنع من الدخول فى أرض الوباء و الخروج منها روى مسلم منها خمسة عشر منها ما رواه عن اسامة بن زيد قال قال النبي (صلى اللّه عليه و آله) «الطاعون رجز ارسل على بنى- اسرائيل او على من كان قبلكم فاذا سمعتم به بارض فلا تقدموا عليه و اذا وقع بارض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» و البواقى كلها بهذا المضمون و هم قد اختلفوا فأخذ أكثرهم بتلك الروايات فمنعوا الفرار منه و القدوم عليه حتى قال بعضهم الفرار منه كالفرار من الزحف و بعضهم

43

فقال: لا بأس إنّما نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك لمكان ربئة كانت بحيال العدوّ، فوقع فيهم الوباء فهربوا منه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): الفارّ منه كالفارّ من الزّحف كراهية أن يخلو مراكزهم.

[ثلاثة لم ينج منها نبيّ فمن دونه]

86- عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي مالك الحضرميّ، عن حمزة ابن حمران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ثلاثة لم ينج منها نبيّ فمن دونه، التفكّر في الوسوسة في الخلق و الطيرة و الحسد الا أنّ المؤمن لا يستعمل حسده.

____________

أجاز الامرين و قال بعضهم لم ينه عن الخروج خوف أن يهلك قبل أجله و لا عن الدخول خوف أن يصيبه غير ما كتب اللّه له و لكن خوف فتنة الحى بظن أن هلاك من دخل لدخوله و نجاة من خرج لخروجه، و نقل عن ابن مسعود أن الطاعون فتنة على المقيم و الفار يقول المقيم أقمت فمت و يقول الفار فررت فنجوت و انما فر من لم يحضر أجله و أقام من جاء أجله فمات

(انما نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك لمكان ربئة)

(1) هى بفتح الراء و كسر الباء الموحدة و فتح الهمزة طليعة يقال ربأهم و لهم كمنع صار ربئة لهم أى طليعة. و المركز موضع الرحل و محله و حيث امر الجند أن يلزموه.

قوله (قال ثلاثة لم ينج منها نبى فمن دونه التفكر فى الوسوسة فى الخلق و الطيرة و الحسد)

(2) الوسوسة بالفتح و الوسواس بالكسر مصدران بمعنى الافكار و حديث النفس و الشيطان بما لا نفع و لا خير فيه و رجل موسوس على صيغة المفعول اذا غلب عليه الوسوسة و الوسواس بالفتح الاسم و هو ما خطر فى القلب من شر و مرض يحدث من غلبة السوداء و لا يضر اذا لم يتمكن فيه سواء كان متعلقا بالاصول أم بغيرها مثل أن يخطر بقلب رجل كيف خلق اللّه الاشياء بلا مادة أو لم خلق بعضها أو كيف يكون هو موجودا بلا موجد و أمثال ذلك و قد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «جاء رجل الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال يا رسول اللّه هلكت فقال له أتاك الخبيث فقال لك من خلقك؟ فقلت اللّه، فقال لك: اللّه من خلقه؟ فقال أى و الّذي بعثك بالحق لكان كذا فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذلك: و اللّه محض الايمان، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) انه انما قال هذا و اللّه محض الايمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض ذلك فى قلبه» و روى «انكم اذا وجدتم مثل ذلك قولوا لا إله الا اللّه» و روى أيضا «قولوا آمنا باللّه و برسوله و لا حول و لا قوة الا باللّه». و الطيرة بفتح الياء كعنبة التشاؤم و هى مصدر يطير طيرة كيخير خيرة قال عياض لم يأت من المصادر على هذا الوزن غيرهما و بعضهم يقول طيرة بسكون الياء و قال الزجاج اشتقاق الطيرة اما من الطيران لان الانسان اذا تشأم بشيء كرهه تباعد عنه فشبه سرعة اعراضه عنه بالطيران و أما من الطير لانهم كانوا يستعملونه من زجر الطير و يتشأمون ببعضها و قال صاحب المصباح الطيرة

44

[معالجة الحمّى بالماء البارد و الدّعاء]

87- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم ابن محمّد الجوهريّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قال لي: إنّي لموعوك منذ سبعة أشهر و لقد وعك ابني اثني عشر شهرا و متى تضاعف علينا أشعرت أنّها لا تأخذ في الجسد كلّه و ربّما أخذت في أ علي الجسد و لم تأخذ في أسفله و ربما أخذت في أسفله و لم تأخذ في أعلى الجسد كلّه؟ قلت جعلت فداك إن أذنت لي حدّثتك بحديث عن أبي بصير، عن جدّك (عليه السلام) أنّه كان إذا وعك استعان بالماء البارد فيكون

____________

وزان عنبة هى التشاؤم و كانت العرب اذا أرادت المضى لمهم مرت بمجاثم الطير و أثارتها ليستفيد هل تمضى او ترجع فنهى الشارع عن ذلك «و قال: «لا هام و لا طيرة» و قال و اقروا الطير فى وكناتها اى على مجاثمها و قال المازرى كانوا يتطيرون بالسوارح و البوارح و كانوا ينشرون الطير و الظباء فاذا اخذ ذات اليمين تبركوا و مضوا لحاجتهم و اذا اخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم و حوائجهم فكان ذلك يطردهم فى كثير من الاوقات عن مقاصدهم و هذا أمر وهمى أبطله الشرع بقوله و لا طيرة و أخبر أن ذلك لا يجلب نفعا و لا يدفع ضرا و سيجيء نفى الطيرة ان شاء اللّه تعالى، و الحسد أن يرى الرجل لاخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه و تكون له دونه أو تزول عنه مطلقا

(الا ان المؤمن لا يستعمل حسده)

(1) أى لا يستعمله قولا و فعلا و قلبا بالتفكر فى كيفية اجرائه على المحسود و ازالة نعمه و فيه دلالة على أن هذه الامور لا اثم بها و قد مر توضيح ذلك فى آخر كتاب الاصول.

قوله (انى لموعوك)

(2) الوعك الحمى و قيل المها و قد وعكه المرض وعكا و وعك فهو موعوك

(أشعرت أنها لا تأخذ فى الجسد كله)

(3) من الشعور و هو العلم يقال شعر به كنصر و كرم شعورا علم به و فطن له و عقله

(أنه اذا كان وعك استعان بالماء البارد)

(4) نظيره كثير من طرق العامة روى مسلم تسعة منها ما رواه عن ابن عمر عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء»، و منها ما رواه أن أسماء كانت توتى بالمرأة الموعوكة فتدعو بالماء فتصبها فى جيبها و تقول ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال «أبردوها» بالماء و قال انها من فيح جهنم» و الفيح شدة حرها، قال محيى الدين البغوى بعض من فى قلبه مرض من جهلة الاطباء يتلاعب و يكثر من ذكر هذه الاحاديث استهزاء ثم يشنع و يقول الاطباء مجمعون على أن اغتسال المحموم بالماء البارد مهلك لانه يجمع المسام و يحقن البخار المتحلل فتنعكس الحرارة الى داخل الجسم فتهلك و هذا تعيير فيما لم يقله (عليه السلام) فانه (عليه السلام) قال «أبردوها» فمن أين لهم أنه أراد الانغماس فيحمل على أنه أراد بالابراد أدنى استعمال الماء البارد على وجه ينفع و لا يبعد أن يراد به أن يرش بعض الجسد بالماء كما دل عليه حديث أسماء فلا يبقى للملحد مطعن و أيضا الاطباء يسقون صاحب الحمى الصفراوية الماء الشديد البرد و يسقونه الثلج و يغسلون أطرافه بالماء البارد

45

له ثوبان: ثوب في الماء البارد و ثوب على جسده يراوح بينهما ثمّ ينادي حتّى يسمع صوته على باب الدار يا فاطمه بنت محمّد، فقال: صدقت، قلت: جعلت فداك فما وجدتم للحمّى عندكم دواء؟ فقال: ما وجدنا لها عندنا دواء الّا الدّعاء و الماء البارد إنّي اشتكيت فأرسل إليّ محمّد بن إبراهيم بطبيب له فجاءني بدواء فيه قي فأبيت أن أشربه لأنّي إذا قييت زال كلّ مفصل منّي.

[دعاء و رقية للحمّى]

88- الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن محمّد بن إسحاق الاشعريّ، عن بكر بن محمّد الأزديّ قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): حمّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فعوّذه فقال: بسم اللّه أرقيك يا محمّد، و بسم اللّه أشفيك، و بسم اللّه من كلّ داء يعنيك،

____________

فغير بعيد أن يكون (عليه السلام) أراد هذا النوع من الحمى و هذا النحو من الغسل على ما قالوه أو قريبا منه و قال القرطبى ان صدر هذا الطعن عمن ارتاب فى صدقه (عليه السلام) اقيم عليه الدليل الدال على صدقه فى جميع ما يخبر به من المعجزات و غيرها فان أناب و الا فيفعل بالسيف ما لا يفعل بالبرهان و ان صدر من فهمه بالابراد الانغماس فليس هو الّذي أراد و انما أراد استعمال الماء على وجه ينفع فيجب أن يبحث عنه و لا يبعد أنه أراد أن يرش بعض بدنه أو يفعل به ما كانت أسماء تفعل

(انى اشتكيت)

(1) أى مرضت اشتكى فلان اذا مرض

(فارسل الى محمد بن ابراهيم اه)

(2) كانه العباسى الهاشمى المدنى الملقب بابن الامام و هو محمد بن ابراهيم الامام بن محمد بن على بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب.

قوله (فاتاه جبرئيل (عليه السلام) فعوذ فقال بسم اللّه ارقيك يا محمد)

(3) رقاه الراقى رقية و رقيا عوذه و نفث فى عوذته من باب ضرب كذا فى المغرب

(بسم اللّه ارقيك) معناه بسم اللّه أعوذك لا بغيره، و المراد بالاسم هنا المسمى كما قال «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ» و الاسم هو الكلمة الدالة على المسمى الا انه قد يتسع فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة و يحتمل حمله على ظاهره أيضا لان اسم اللّه تبارك و تعالى مبارك و له فضيلة عظيمة و خاصية جزيلة لا يحيط العقل بكنهها و فضائل الاسم الاعظم أكثر من أن تعد و تحصى و فيه دلالة على استحباب الرقية بأسماء اللّه تعالى و التعوذ بالقرآن العظيم و بعض سوره و آياته مشهورة و فى الاخبار و مؤلفات القوم مذكور و لا خلاف فى شيء من ذلك بين العامة و الخاصة و لا ينافى ذلك التوكل و ما ورد فى النهى عن الرقية فانما هى الرقية بغير ما مر من الاسماء التى لا يعرف معناها خوف أن يكون كفرا أو قريبا منه و أما رقية أهل الكتاب مثل اليهود و النصارى فلم يحضرنى من الاخبار و أقوال الاصحاب ما يدل على تجويزها أو منعها و أما العامة فقد اختلفوا فيها فجوزها بعضهم

46

بسم اللّه و اللّه شافيك، بسم اللّه خذها فلتهنّيك، بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فلا اقسم بمواقع النجوم لتبر أنّ باذن اللّه، قال بكر: و سألته عن رقية الحمّى فحدّثني بهذا.

[دعاء الخنق و غيرها]

89- أبو عليّ الاشعريّ، عن محمّد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من قال:

«بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم» ثلاث مرّات كفاه اللّه عزّ و جلّ تسعة و تسعين نوعا من أنواع البلاء أيسرهنّ الخنق.

[غزوة احد و مؤاساة أمير المؤمنين مع رسول اللّه (عليهما السلام)]

90- حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد الكنديّ، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن أبان بن عثمان، عن نعمان الرّازيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: انهزم النّاس يوم احد عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فغضب غضبا شديدا، قال: و كان إذا غضب انحدر عن جبينيه مثل اللّؤلؤ من العرق، قال: فنظر فاذا عليّ (عليه السلام) إلى جنبه فقال: له الحق ببني أبيك مع من انهزم عن رسول اللّه، فقال: يا رسول اللّه لي بك اسوة قال:

فاكفني هؤلاء، فحمل فضرب أوّل من لقى منهم فقال جبرئيل (عليه السلام): إنّ هذه

____________

و منعها مالك خوف أن يكون بما بدلوه و اجيب عنه بانه يبعد أن يكون مما بدلوه لانه لا غرض لهم فى تبديلها، ثم انه لا خلاف بيننا و بينهم فى جواز المسح باليد على المرقى و الروايات من طرقنا و طرقهم متكثرة و أما النفث و التفل و النفخ فلم أجد من رواياتنا ما يدل علينا و هى مذكورة فى رواياتهم قال القرطبى التفل و النفث سنة فى الرقى عند المالك و الطبرى و جماعة من الصحابة و التابعين و أنكره بعضهم و أجازوا فيه النفخ و اختلف فى التفل و النفث و قيل هما بمعنى واحد و هما نفخ يسير معه يسير ريق و قال أبو عبيد الريق مع التفل لا مع النفث و قيل بالعكس و قال بعضهم التفل بالفتح البصاق نفسه

(و بسم اللّه أشفيك)

(1) أى أبرئك من المرض أو اعالجك بهذا الاسم فوضع الشفا موضع العلاج و المداواة

(و بسم اللّه من كل داء يعنيك)

(2) أى يقصدك يقال عنيت فلانا عينا اذا قصدته و قيل معناه من كل داء يشغلك يقال هذا الامر لا يعنينى أى لا يشغلنى

(بسم اللّه خذها فلتهنيك)

(3) هنأني الطعام يهنئنى و يهنأنى من باب ضرب و منع و كل امر يأتيك بلا تعب و لا مشقة و هو حسن العاقبة فهى هنىء لك و لعل ضمير التأنيث راجع الى هذه الكلمات الشريفة او العوذة

قوله (أيسرهن الخنق)

(4) خنقه يخنقه من باب قتل خنقا ككتف اذا عصر حلقه حتى يموت فهو خانق و مخنوق و الخناق ككتاب الحبل يخنق به و كغراب داء يمتنع معه نفوذ النفس الى الرية و القلب.

(قوله (فقال له الحق ببنى أبيك)

(5) هذا الامر اما للرخصة أو للاختبار

(فقال يا رسول اللّه لى بك اسوة)

(6) هى بضم الهمزة و كسرها القدوة و تأسيت به اقتديت

(فقال فاكفنى هؤلاء)

(7) اشارة الى

47

لهي المواساة يا محمّد فقال: إنّه منّي و أنا منه، فقال جبرئيل (عليه السلام) و أنا منكما يا محمّد، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فنظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى جبرئيل (عليه السلام) علي كرسيّ من ذهب بين السّماء و الأرض و هو يقول: لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا عليّ.

[أكرم و أعزّ و أذلّ وقعة كانت في العرب]

91- حميد بن زياد، عن عبيد اللّه بن أحمد الدّهقان، عن عليّ بن الحسن الطاطري، عن محمّد بن زياد بن عيسى بيّاع السابري، عن أبان بن عثمان قال: حدّثني فضيل البرجمي قال: كنت بمكّة و خالد بن عبد اللّه أمير و كان في المسجد عند زمزم فقال ادعوا لي قتادة قال: فجاء شيخ أحمر الرّأس و اللّحية فدنوت لأسمع، فقال خالد: يا قتادة أخبرني بأكرم وقعة كانت في العرب و أعزّ وقعة كانت في العرب و أذلّ وقعة كانت فى العرب، فقال: أصلح اللّه الامير اخبرك باكرم وقعة كانت في العرب و أعزّ وقعة كانت في العرب، و أذلّ وقعة كانت في العرب، واحدة قال:

خالد: ويحك واحدة! قال: نعم أصلح اللّه الأمير قال: أخبرني؟ قال: بدر، قال: و كيف ذا؟ قال: أنّ بدرا أكرم وقعة كانت في العرب بها أكرم اللّه عزّ و جلّ الإسلام و أهله و هي أعزّ وقعة كانت في العرب بها أعزّ اللّه الاسلام و أهله و هي أذلّ وقعة كانت في العرب، فلمّا قتلت قريش يومئذ ذلّت العرب.

____________

جماعة حملوا عليه قال شارح النهج انه لما هزمت الصحابة يوم احد و نادى الناس قتل محمد و كان حيا صريعا بين القتلى حملت عليه فرق من المشركين فقال (صلى اللّه عليه و آله) اكفنى هذه فحمل عليها و هزمها و قتل رئيسها ثم صمدت إليه اخرى فقال يا على اكفنى هذه فحمل عليها فهزمها و قتل رئيسها ثم صمدت إليه اخرى فقال يا على اكفنى هذه فحمل عليها فهزمها و قتل رئيسها ثم صمدت إليه ثالثه و كذلك و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بعد ذلك يقول قال لى جبرئيل يا محمد هذه المواسات فقلت و ما يمنعه هو منى و أنا منه فقال جبرئيل و أنا منكما.

و روى المحدثون أيضا أن المسلمين سمعوا ذلك اليوم هاتفا من قبل السماء ينادى لا سيف الا ذو الفقار و لا فتى الا على فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ألا تسمعون هذا صوت جبرئيل و كذلك ثبت معه حنين فى نفر يسير من بنى هاشم بعد أن ولى المسلمين الادبار و حمى عنه. أقول و فى قول جبرئيل و أنا منكما دلالة على أنهما أشرف منه حيث طلب أن يكون له منزلة من اللّه مثل منزلتهما،

قوله (حدثنى فضيل البرجمى)

(1) بالضم منسوب الى البراجم و هم قوم من أولاد حنظلة بن مالك

(فقال ادعوا لى قتادة)

(2) كانه قتادة بن النعمان من أصحاب الرسول (صلى اللّه عليه و آله)

(فلما قتلت قريش يومئذ ذلت العرب)

(3) لذهاب رؤسائهم و شرفائهم

(فقال له خالد كذبت

48

فقال له خالد: كذبت لعمر اللّه إن كان في العرب يومئذ من هو أعزّ منهم ويلك يا قتادة أخبرني ببعض أشعارهم؟ قال: خرج أبو جهل يومئذ و قد أعلم ليرى مكانه و عليه عمامة حمراء و بيده ترس مذهّب و هو يقول:

ما تنقم الحرب الشموس منّي * * * بازل عامين حديث السنّ

لمثل هذا ولدتني أمّي

فقال: كذب عدوّ اللّه إن كان ابن أختي لأفرس منه يعني خالد بن الوليد- و كانت أمّه قسريّة- ويلك يا قتادة من الذي يقول: «أوفي بميعادي و أحمي عن حسب»! فقال: أصلح اللّه الامير ليس هذا يومئذ، هذا يوم احد خرج طلحة بن أبي طلحة و هو ينادي من يبارز؟ فلم يخرج إليه أحد فقال: إنّكم تزعمون أنّكم تجهّزونا

____________

لعمر اللّه)

(1) أى لبقاء اللّه قسمى

(ان كان فى العرب)

(2) ان مخففة من المثقلة

(يومئذ من هو أعز منهم)

(3) زعم أن قبيلة القسرية أعز من قريش تعصبا و حمية

(و قد أعلم ليرى مكانه)

(4) أى أعلم فرسه بأن علق على عنقه ثوبا ملونا أو أعلم نفسه بأن و سمها بسيماء الحرب و زينها بآلاته ليرى مكانه و منزلته بين الابطال و الشجعان

(و هو يقول ما تنقم الحرب الشموس منى)

(5) النقمة بالكسر و الفتح و كفرحة المكافاة بالعقوبة و منه الانتقام و النقمة أيضا العيب و الكراهة نقمت عليه أمره و نقمت منه من باب ضرب اذا عتبه و كرهه أشد الكراهة لسوء فعله، و الشموس بالضم مصدر معناه بالفارسية بىقرار و بدخو شدن اسب، و بالفتح صفة يعنى بدخو يقال شمس الفرس شموسا و شماسا منع ظهره فهو شامس و شموس، و وصف الحرب به من باب التشبيه فى الاهلاك أو الاضطراب أو الشدة أو عدم أمن صاحبه من المكاره

(بازل عامين حديث السن)

(6) الظاهر أن بازل عامين بالجر بدل عن ضمير المتكلم فى منى و نصبه على الحال محتمل و البازل من الابل الّذي تم له ثمانى سنين و دخل فى التاسعة و حينئذ تطلع نابه و تكمل قوته يقال له بعد ذلك بازل عام و بازل عامين يقول أنا مجتمع الشباب مستكمل القوة

(فقال كذب عدو اللّه ان كان ابنى اختى لا فرس منه)

(7) فلان أفرس من فلان أشجع منه من فرس الاسد فريسته اذا دق عنقها و جعله للمبالغة و الزيادة فى الفارس بمعنى راكب الفرس فيرجع مآله الى ما ذكر بعيد كما يبعد جهله للمبالغة فى الفراسة بالكسر و هى تعرف أحوال الشخص و الامور بالظن الصائب و الرأى الثاقب ليكون اشارة الى كمال معرفته بأحوال الابطال و امور الحرب فليتأمل

(يعنى خالد بن الوليد)

(8) و هو كان مشركا حاضرا مع المشركين فى حرب بدر و نجى بالفرار منها و أسلم بعد فتح مكة

(و كانت أمه قسرية)

(9) قال- الجوهرى قسر بطن من بجيلة و هم رهط خالد بن عبد اللّه القسرى و هو بتلك النسبة تفاخر

49

بأسيافكم إلى النّار و نحن نجهّزكم بأسيافنا إلى الجنّة فليبرزنّ إليّ رجل يجهّزني بسيفه إلى النّار و اجهزّه بسيفي إلى الجنّة، فخرج إليه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و هو يقول:

أنا ابن ذي الحوضين عبد المطّلب * * * و هاشم المطعم في العام السغب

أوفي بميعادي و أحمي عن حسب

فقال خالد لعنه اللّه: كذب لعمري و اللّه أبو تراب ما كان كذلك، فقال الشيخ:

أيّها الامير ائذن لي في الانصراف، قال: فقام الشيخ يفرج الناس بيده و خرج و هو يقول: زنديق و ربّ الكعبة. (1)

____________

بخالد، و فى بعض النسخ «قشرية» بالشين المعجمة منسوبة الى قشير بوزن رجيل أبو قبيلة و هو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن و الظاهر أنها تصحيف

(خرج طلحة بن أبى طلحة و هو ينادى من يبارز)

(1) قيل هو طلحة بن أبى طلحة العبدرى من بنى عبد الدار قتله أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم احد و المبارزة فى القتال الظهور من الصف

(فقال انكم تزعمون انكم تجهزونا بأسيافكم الى النار- اه)

(2) ترغيب لهم فى المبارزة أو توبيخ على تركها و جهاز الميت و العروس و المسافر ما يحتاجون إليه تقول جهزت فلانا تجهيزا اذا هيأت جهاز سفره

(و هو يقول أنا ابن ذى الحوضين عبد المطلب)

(3) فى القاموس الحوض معروف و ذى- الحوضين عبد المطلب و اسمه شيبة أو عامر بن هاشم فقوله عبد المطلب بدل من ذى الحوضين، و

(قوله (و هاشم المطعم فى العام السغب)

(4) عطف على ذى الحوضين و السغب المجاعة سغب كفرح و نصر سغبا و سغبا جاع أو لا يكون الا مع تعب فهو ساغب و سغبان و سغب و فى وصف العام به مبالغة فى شيوع الجوع و القحط فيه. و فى معارج النبوة كان اسم هاشم بن عبد مناف عبد الاعلى أو عمرو ثم لقب بهاشم لانه كان يهشم الخبز و يكسره و يجعله ثريدا للفقراء، بيان ذلك أنه وقع فى مكة قحط عظيم و كان لهاشم دقيق كثير فخبزه و ذبح فى كل صباح و فى كل مساء ابلا و طبخه و أطعم المحتاجين فى كل يوم خبزا و لحما و ثريدا فاشتهر بهاشم

(أو فى بميعادى و أحمى عن حسب)

(5) الموعد و الميعاد محل أو وقت وعد ايقاع الفعل فيه كالحضور و القتال و نحوهما فكانه

____________

(1) « (زنديق و رب الكعبة)» يعنى خالد بن عبد اللّه القسرى زنديق لانه لو كان مسلما لاستبشر بذكر بدر و غلبة المسلمين على قريش و ذل قريش بهم و لم يتبجح بشعر أبى جهل و لم يستحسنه و هكذا فى كل زمان اذا رأينا من يتأسف من ظفر العرب على العجم و زوال ملكهم بجنود العرب و يستبشر بعود الجاهلية على ما كان علم أن صاحبه غير مسلم و الا لكان مسرورا بزوال ملك المجوس و انتقال ملكهم الى الاسلام. (ش)

50

حديث آدم (عليه السلام) مع الشجرة [و قصص قابيل و هبة الله و ذكر الأنبياء بعد نوح و أمره سبحانه رسوله بالوصية لعلي (ع) و ...]

92- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن اللّه تبارك و تعالى عهد إلى آدم (عليه السلام) أن لا يقرب هذه الشجرة فلمّا بلغ الوقت الذي كان في علم اللّه أن يأكل منها نسي فأكل منها و هو قول اللّه عزّ و جلّ وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً

____________

(عليه السلام) قدر فى نفسه الحضور و القتال فى كل مكان أو وقت طلب فيه البطل مبارزا و ألزم على نفسه القدسية الوفاء به، و المراد بالحسب اما الدين أو القدر و الشرف أو ما يعد من مفاخر الاباء و حماية كل واحد بدفع النقص و العار عنه لازمة على ذمة العقلاء و أهل الكمال.

قوله (حديث آدم (عليه السلام) مع الشجرة)

(1) قال القاضى و غيره الشجرة هى الحنطة أو الكرمة أو التينة أو شجرة من أكل منها أحدث و الاولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين فى الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه

(قال ان اللّه تعالى عهد الى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة)

(2) نهى عن القرب للمبالغة فى ترك التناول منها و للتنبيه على أن القرب من المنهى عنه قد يوجب الدخول فيه و اختلفت الامة فى هذا النهى فقال علماؤنا انه نهى تنزيه فيكون لتناوله منها فاعلا لما يكون تركه أولى و لا ينافيه نسبة العصيان و الغواية إليه بقوله عز و جل عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ بناء على أن المتصف بهما من فعل كبيرة أو صغيرة بدليل قوله تعالى وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ و قوله تعالى إِلّٰا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغٰاوِينَ فان متابعة الشيطان كبيرة أو صغيرة لان حصر- العصيان و الغواية فى الكبيرة و الصغيرة ممنوع اذ كما انهما يتحققان بفعل القبيح و الحرام كذلك يتحققان بترك الاولى و المندوب و أمّا العصيان و الغواية فى الآية فانما يراد بهما ما حصل بفعل محرم الا ترى أنك اذا قلت لرجل على سبيل التنزيه لا تفعل كذا فان الخير فى خلافه ففعله صح لك أن تقول عصانى و خالفنى فغوى أى خاب عن ذلك الخير. و قال بعض أصحابنا ان الغواية المنسوبة الى آدم بمعنى الخيبة عن التواب العظيم المترتب على ترك التناول

(فلما بلغ الوقت الّذي كان فى علم اللّه أن يأكل منها نسى فأكل منها)

(3) (1) قد تقرر فى كتاب التوحيد أن علمه تعالى بأفعال العباد تابع للمعلوم لا علة له نعم لما علم أكله أراد أكله ليطابق علمه بالمعلوم إرادة تخيير

____________

(1) « (نسى فاكل منها)» النسيان هنا بمعنى الترك و ان كان ظاهر الرواية أنه بالمعنى المعروف و ان آدم كان معذورا بنسيانه. و لو كان معذورا لم يعاتب على الاكل من- الشجرة و لا يجوز عندنا النسيان و السهو على الأنبياء بحيث يوجب ترك الواجب و فعل الحرام سهوا و الامر سهل فان الرواية قاصرة عن الحجية، لا يعتمد فى امثالها الا على ما علم صحته من دليل آخر عقلى او نقلى. (ش)