مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج2

- العلامة المجلسي المزيد...
449 /
1

[تتمة كتاب التوحيد]

بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجِسْمِ وَ الصُّورَةِ

[الحديث 1]

1

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَرْوِي عَنْكُمْ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ صَمَدِيٌّ نُورِيٌّ مَعْرِفَتُهُ ضَرُورَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ فَقَالَ(ع)سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

لَا يُحَدُّ

____________

باب النهي عن الجسم و الصورة الحديث الأول: موثق.

قوله: معرفته ضرورة: أي تقذف في القلب من غير اكتساب أو تحصل بالرؤية تعالى الله عن ذلك، و قد يؤول كلامه بأن مراده بالجسم الحقيقة العينية القائمة بذاتها لا بغيرها و بالصمدي ما لا يكون خاليا في ذاته عن شيء فيستعد أن يدخل هو فيه، أو مشتملا على شيء يصح عليه خروجه عنه، و بالنوري ما يكون صافيا عن ظلم المواد و قابلياتها، بل عن المهية المغايرة للوجود و قابليتها.

قيل: و لما كان السائل فهم من هذا الكلام ما هو الظاهر و لم يحمله على ما ذكر، أجاب (عليه السلام) لا بتخطئة إطلاق الجسم بل بنفي ما فهمه عنه سبحانه، فقال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، أي ليس لأحد أن يصفه بصفة يعرفها من صفات ذاته الفانية و صفات أشباهه من الممكنات، فإنه لا يكون معرفة شيء منها معرفة" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" أي لا بآلة و قوة و هو" لا يحد" و كل جسم محدود متناه" و لا يجس" أي لا يمس و كل جسم يصح عليه أن يمس" و لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ" أي الأوهام، و لا الحواس الظاهرة و الجسم يدرك بالحواس الباطنة و الظاهرة" و لا

2

وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ

لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ

وَ لَا الْحَوَاسُّ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ وَ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا تَخْطِيطٌ وَ لَا تَحْدِيدٌ

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)أَسْأَلُهُ عَنِ الْجِسْمِ وَ الصُّورَةِ فَكَتَبَ سُبْحَانَ مَنْ

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ

وَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ

جِئْتُ إِلَى الرِّضَا(ع)أَسْأَلُهُ عَنِ التَّوْحِيدِ فَأَمْلَى عَلَيَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ إِنْشَاءً وَ مُبْتَدِعِهَا ابْتِدَاعاً بِقُدْرَتِهِ وَ حِكْمَتِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ فَيَبْطُلَ الِاخْتِرَاعُ وَ لَا لِعِلَّةٍ فَلَا يَصِحَّ الِابْتِدَاعُ خَلَقَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ مُتَوَحِّداً بِذَلِكَ لِإِظْهَارِ حِكْمَتِهِ وَ حَقِيقَةِ رُبُوبِيَّتِهِ لَا تَضْبِطُهُ الْعُقُولُ وَ لَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ وَ

لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ

وَ لَا يُحِيطُ بِهِ مِقْدَارٌ عَجَزَتْ دُونَهُ الْعِبَارَةُ وَ كَلَّتْ دُونَهُ الْأَبْصَارُ وَ ضَلَّ فِيهِ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ احْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجُوبٍ وَ اسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ مَسْتُورٍ عُرِفَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ وَ وُصِفَ بِغَيْرِ صُورَةٍ وَ نُعِتَ بِغَيْرِ جِسْمٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ

____________

يحيط به شيء" إحاطة عقلية أو وهمية أو حسية" و لا جسم" لأن معناه حقيقة مقتدر محدود" و لا صورة و لا تخطيط" أي تشكل كيف، و الصورة و التشكل لا ينفك عن التحديد و لا تحديد.

الحديث الثاني: ضعيف و آخره مرسل و محمد بن أبي عبد الله هو محمد بن جعفر ابن عون.

قوله: لم يسم الرجل أي الراوي.

الحديث الثالث: ضعيف.

قوله: بقدرته و حكمته، متعلق بالابتداع أو به و بالفطر و الإنشاء و قد مر شرح تلك الفقرات في شرح خطبة الكتاب.

3

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ

وَصَفْتُ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)قَوْلَ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيِّ وَ حَكَيْتُ لَهُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ جِسْمٌ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ أَيُّ فُحْشٍ أَوْ خَناً أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَصِفُ خَالِقَ الْأَشْيَاءِ بِجِسْمٍ أَوْ صُورَةٍ أَوْ بِخِلْقَةٍ أَوْ بِتَحْدِيدٍ وَ أَعْضَاءٍ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ الرُّخَّجِيِّ قَالَ

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)أَسْأَلُهُ عَمَّا قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ فِي الْجِسْمِ وَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ فِي الصُّورَةِ فَكَتَبَ دَعْ عَنْكَ حَيْرَةَ الْحَيْرَانِ وَ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ لَيْسَ الْقَوْلُ مَا قَالَ الْهِشَامَانِ

____________

الحديث الرابع: مرسل و الجواليقي بائع الجواليق و هو جمع جولق معرب جوال، و الخنى: الفحش و الفساد.

قوله: أو بخلقة، أي مخلوقية أو بأعضاء كأعضاء المخلوقين.

الحديث الخامس: مرفوع و لا ريب في جلالة قدر الهشامين و براءتهما عن هذين القولين، و قد بالغ السيد المرتضى (قدس الله روحه) في براءة ساحتهما عما نسب إليهما في كتاب الشافي مستدلا عليها بدلائل شافية، و لعل المخالفين نسبوا إليهما هذين القولين معاندة كما نسبوا المذاهب الشنيعة إلى زرارة و غيره من أكابر المحدثين، أو لعدم فهم كلامهما، فقد قيل إنهما قالا بجسم لا كالأجسام، و بصورة لا كالصور فلعل مرادهم بالجسم الحقيقة القائمة بالذات، و بالصورة المهية و إن أخطئا في إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى.

قال المحقق الدواني: المشبهة منهم من قال: أنه جسم حقيقة ثم افترقوا فقال بعضهم: إنه مركب من لحم و دم، و قال بعضهم: هو نور متلألئ كالسبيكة البيضاء، طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، و منهم من قال: أنه على صورة إنسان، فمنهم من يقول:

إنه شاب أمرد جعد قطط، و منهم من قال: إنه شيخ أشمط الرأس و اللحية، و منهم من قال: هو من جهة الفوق مماس للصفحة العليا من العرش، و يجوز عليه الحركة

4

..........

____________

و الانتقال، و تبدل الجهات، و تأط العرش تحته أطيط الرحل الجديد تحت الراكب الثقيل، و هو يفصل عن العرش بقدر أربع أصابع، و منهم من قال: هو محاذ للعرش غير مماس له و بعده عنه بمسافة متناهية، و قيل: بمسافة غير متناهية، و لم يستنكف هذا القائل عن جعل غير المتناهي محصورا بين حاصرين، و منهم من تستر بالبلكفة فقال: هو جسم لا كالأجسام و له حيز لا كالأحياز، و نسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها، و هكذا ينفي جميع خواص الجسم عنه حتى لا يبقى إلا اسم الجسم و هؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية" انتهى".

قال الشهرستاني: حكى الكعبي عن هشام بن الحكم أنه قال: هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، و لكن لا يشبه شيئا من المخلوقات و لا تشبهه، و نقل عنه أنه قال: هو سبعة أشبار بشبر نفسه، و أنه في مكان مخصوص، و جهة مخصوصة و أنه يتحرك و حركته فعله، و ليست من مكان إلى مكان، و قال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدر، و حكي عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: أن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل عنه شيء من العرش، و لا يفصل عنه شيء، و قال هشام بن سالم: أنه تعالى على صورة إنسان أعلاه مجوف و أسفله مصمت، و هو نور ساطع يتلألأ، و له حواس خمس و يد و رجل و أنف و إذن، و عين، و فم، و له وفرة سوداء، هو نور أسود لكنه ليس بلحم و لا دم، ثم قال: و غلا هشام بن الحكم في حق علي (عليه السلام)، حتى قال: إنه إله واجب الطاعة، و هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإن الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، و دون ما يظهره من التشبيه و ذلك أنه ألزم العلاف، فقال: إنك تقول إن الباري تعالى عالم بعلم، و علمه ذاته فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم و يباينها في أن علمه ذاته فيكون عالما لا كالعالمين، فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام، و صورة لا كالصور، و أنه قدرة لا كالأقدار إلى غير ذلك.

5

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ ظَبْيَانَ يَقُولُ

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ يَقُولُ قَوْلًا عَظِيماً إِلَّا أَنِّي أَخْتَصِرُ لَكَ مِنْهُ أَحْرُفاً فَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لِأَنَّ

____________

أقول: فظهر أن نسبة هذين القولين إليهما إما لتخطئة رواة الشيعة و علمائهم لبيان سفاهة آرائهم، أو أنهم لما ألزموهم في الاحتجاج أشياء إسكاتا لهم، نسبوها إليهم، و الأئمة (عليهم السلام) لم ينفوها عنهم إبقاء عليهم، أو لمصالح أخر، و يمكن أن يحمل هذا الخبر على أن المراد: ليس القول الحق ما قال الهشامان بزعمك أو ليس هذا القول الذي تقول، ما قال الهشامان بل قولهما مباين لذلك، و يحتمل أن يكون هذان مذهبهما قبل الرجوع إلى الأئمة (عليهم السلام)، و الأخذ بقولهم، فقد قيل: إن هشام بن الحكم قبل أن يلقي الصادق (عليه السلام) كان على رأي جهم بن صفوان، فلما تبعه (عليه السلام) تاب و رجع إلى الحق، و يؤيده ما ذكره الكراجكي في كنز الفوائد من الرد على القائلين بالجسم بمعنييه، حيث قال: و أما موالاتنا هشاما (ره) فهي لما شاع عنه و استفاض من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره، و رجوعه عنه و إقراره بخطائه فيه و توبته منه، و ذلك حين قصد الإمام جعفر بن محمد (عليهما السلام) إلى المدينة فحجبه و قيل له:

إنه أمرنا أن لا نوصلك إليه ما دمت قائلا بالجسم، فقال: و الله ما قلت به إلا لأني ظننت أنه وفاق لقول إمامي (عليه السلام)، فأما إذا أنكره علي فإنني تائب إلى الله منه فأوصله الإمام (عليه السلام) إليه، و دعا له بخير، و حفظ عن الصادق (عليه السلام) أنه قال لهشام: إن الله تعالى لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء، و كل ما وقع في الوهم فهو بخلافه، و روي عنه أيضا أنه قال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير لا يحد و لا يحس و لا تدركه الأبصار، و لا يحيط به شيء، و لا هو جسم و لا صورة و لا بذي تخطيط و لا تحديد.

الحديث السادس: ضعيف.

6

الْأَشْيَاءَ شَيْئَانِ جِسْمٌ وَ فِعْلُ الْجِسْمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّانِعُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَ يَجُوزُ

____________

قوله: جسم و فعل الجسم، هذا الكلام يحتمل وجهين" الأول" أن يكون مبنيا على ما يذهب إليه و هم أكثر الناس من أن الموجود منحصر في المحسوس و ما في حكمه و كل ما لا وضع له و لا إشارة حسية إليه، فعندهم فرض وجوده مستحيل، فالشيء عندهم إما جسم و إما عرض قائم بالجسم و هو المراد بفعل الجسم لأنه تابع له في الوجود.

الثاني: أن يكون أراد بالجسم الحقيقة القائمة بذاتها المغايرة للأفعال من غير اعتبار التقدر و التحدد كما مرت الإشارة إليه، فالمراد بقوله (عليه السلام): أ ما علم أن الجسم محدود، أنه مخطئ في إطلاق الجسم على كل حقيقة قائمة بالذات، و على التقديرين قوله: فإذا احتمل، استدلال على نفي جسميته سبحانه بأنه لو كان جسما لكان محدودا بحدود متناهيا إليها لاستحالة لا تناهي الأبعاد و كل محتمل للحد قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم و الحد، فله حقيقة كلية غير متشخصة بذاتها و لا موجودة بذاتها أو هو مركب من أجزاء، حال كل واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقا أو بأن كل جسم متناه، و إذا كان متناهيا كان محدودا بحد واحد معين أو حدود معينة فيكون مشكلا، فذلك الحد المعين و الشكل المخصوص إما أن يكون من جهة طبيعة الجسمية بما هي جسمية، أو لأجل شيء آخر، و الأول باطل، و إلا لزم كون جميع الأقسام محدودة بحد واحد و شكل واحد، لاشتراكها في معنى الجسمية بل يلزم أن يكون مقدار الجزء و الكل و شكلهما واحد، فيلزم أن لا جزء و لا كل و لا تعدد في الأجسام و هو محال، و الثاني أيضا باطل، لأن ذلك الشيء إما جسم أو جسماني أو مفارق عنهما، و الكل محال، لأنه إن كان جسما آخر فيعود المحذور و يلزم التسلسل و إن كان جسمانيا فيلزم الدور إذ وجوده لكونه جسمانيا يتوقف على تحدد ذلك الجسم، لأن الجسم ما لم يتحدد لم يوجد، و إذا كان وجود ذلك الجسم و تحدده متوقفين عليه كان وجوده متوقفا على ما يتوقف عليه وجوده، فيتوقف وجود ذلك الشيء على وجوده، و كان تحدد الجسم متوقفا على ما يتوقف على تحدده، فيتوقف

7

أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَيْحَهُ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ مُتَنَاهٍ وَ الصُّورَةَ مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ فَإِذَا احْتَمَلَ الْحَدَّ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ النُّقْصَانَ وَ إِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ النُّقْصَانَ كَانَ مَخْلُوقاً قَالَ قُلْتُ فَمَا أَقُولُ قَالَ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ هُوَ مُجَسِّمُ الْأَجْسَامِ وَ مُصَوِّرُ الصُّوَرِ لَمْ يَتَجَزَّأْ وَ لَمْ يَتَنَاهَ وَ لَمْ يَتَزَايَدْ وَ لَمْ يَتَنَاقَصْ لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْخَالِقِ وَ الْمَخْلُوقِ فَرْقٌ وَ لَا بَيْنَ الْمُنْشِئِ وَ الْمُنْشَإِ لَكِنْ هُوَ الْمُنْشِئُ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَ صَوَّرَهُ وَ أَنْشَأَهُ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَ لَا يُشْبِهُ هُوَ شَيْئاً

[الحديث 7]

7

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمَّانِيِّ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ هِشَامَ

____________

تحدد ذلك الجسم على تحدده، فيلزم تقدم الشيء على نفسه و هذا محال، و إن كان أمرا خارجا عن الأجسام و الجسمانيات فيلزم كون الجسم المفروض إلها مفتقرا في وجوده إلى أمر مفارق لعالم الأجسام، فيكون هو إلا له لا الجسم، و قد فرض الجسم إلها و هذا خلف، على أنه عين المطلوب، و هو نفي كونه جسما و لا صورة في جسم.

ثم استدل (عليه السلام) بوجه آخر و هو ما يحكم به الوجدان: من كون الموجد أعلى شأنا و أرفع قدرا من الموجد، و عدم المشابهة و المشاركة بينهما، و إلا فكيف يحتاج أحدهما إلى العلة دون الآخر، و كيف صار هذا موجدا لهذا بدون العكس، و يحتمل أن يكون المراد عدم المشاركة و المشابهة فيما يوجب الاحتياج إلى العلة فيحتاج إلى علة أخرى.

قوله: فرق، بصيغة المصدر أي الفرق حاصل بينه و بين من صوره، و يمكن أن يقرأ على الماضي المعلوم، أي فرق بين من جسمه و صوره، و بين من لم يجسمه و لم يصوره، أو بين كل ممن جسمه و غيره من المجسمات، و قوله: إذ كان لا يشبهه شيء أي من غير مشابهة شيء له، أو مشابهته لشيء أو المراد أنه لما لم يكن بينه و بين الأشياء المفرقة مشابهة صح كونه فارقا بينها.

الحديث السابع: ضعيف.

8

بْنَ الْحَكَمِ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

عَالِمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ نَاطِقٌ وَ الْكَلَامُ وَ الْقُدْرَةُ وَ الْعِلْمُ يَجْرِي مَجْرَى وَاحِدٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مَخْلُوقاً فَقَالَ قَاتَلَهُ اللَّهُ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ وَ الْكَلَامَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ مَعَاذَ اللَّهِ وَ أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا تَحْدِيدٌ وَ كُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ مَخْلُوقٌ إِنَّمَا تُكَوَّنُ الْأَشْيَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَ مَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ وَ لَا تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ

[الحديث 8]

8

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ

وَصَفْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)قَوْلَ هِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ وَ مَا يَقُولُ فِي الشَّابِّ الْمُوفِقِ

____________

قوله: ليس كمثله شيء، يومئ إلى أنه لم يقل بالجسمية الحقيقية، بل أخطأ في إطلاق لفظ الجسم عليه تعالى، و نفي عنه صفات الأجسام كلها، و يحتمل أن يكون مراده أنه لا يشبهه شيء من الأجسام، بل هو نوع مباين لسائر أنواع الأجسام فعلى الأول نفي (عليه السلام) إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى، بأن الجسم إنما يطلق على الحقيقة التي يلزمهما التقدر و التحدد فكيف يطلق عليه تعالى.

و قوله: يجري مجرى واحد، إشارة إلى عينية الصفات و كون الذات قائمة مقامها، فنفى (عليه السلام) كون الكلام كذلك و لم ينفه من سائر الصفات، ثم نبه على بطلان ما يوهم كلامه من كون الكلام من أسباب وجود الأشياء، فلفظة" كُنْ*" في الآية الكريمة كناية عن تسخيره للأشياء، و انقيادها له من غير توقف على التكلم بها، كما قال سيد الساجدين (عليه السلام):" فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة، و بإرادتك دون نهيك منزجرة" على أقرب الاحتمالين، ثم نفي (عليه السلام) كون الإرادة على نحو إرادة المخلوقين من خطور بال أو تردد في نفس، و يحتمل أن يكون المقصود بما نسب إلى هشام: كون الصفات كلها مع زيادتها مشتركة في عدم الحدوث و المخلوقية فنفاه (عليه السلام) بإثبات المغايرة أولا، ثم بيان أن كل ما سواه مخلوق، و الأول أظهر، و قوله: تكون يمكن أن يقرأ على المعلوم من المجرد أو المجهول من بناء التفعيل.

الحديث الثامن: مجهول.

9

وَ وَصَفْتُ لَهُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ

بَابُ صِفَاتِ الذَّاتِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَبَّنَا وَ الْعِلْمُ ذَاتُهُ وَ لَا مَعْلُومَ وَ السَّمْعُ ذَاتُهُ وَ لَا مَسْمُوعَ وَ الْبَصَرُ ذَاتُهُ وَ لَا مُبْصَرَ وَ الْقُدْرَةُ ذَاتُهُ وَ لَا مَقْدُورَ فَلَمَّا أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وَ كَانَ الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ وَ السَّمْعُ عَلَى

____________

باب صفات الذات الحديث الأول: مجهول.

قوله: وقع العلم منه على المعلوم، أي وقع على ما كان معلوما في الأزل و انطبق عليه، و تحقق مصداقه، و ليس المقصود تعلقه به تعلقا لم يكن قبل الإيجاد أو المراد بوقوع العلم على المعلوم العلم به على أنه حاضر موجود، و كان قد تعلق العلم به قبل ذلك على وجه الغيبة، و أنه سيوجد و التغير يرجع إلى المعلوم لا إلى العلم و تحقيق المقام: أن علمه تعالى بأن شيئا وجد هو عين العلم الذي كان له تعالى بأنه سيوجد، فإن العلم بالقضية إنما يتغير بتغيرها، و هو إما بتغير موضوعها أو محمولها، و المعلوم هيهنا هي القضية القائلة بأن زيدا موجود في الوقت الفلاني، و لا يخفى أن زيدا لا يتغير معناه بحضوره و غيبته، نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصة بالموجود حين وجوده و لا يمكن في غيره، و تفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية، و نفس تفاوت الإشارة راجع إلى تغير المعلوم لا العلم.

و أما الحكماء فذهب محققوهم إلى أن الزمان و الزمانيات كلها حاضرة عنده تعالى، لخروجه عن الزمان كالخيط الممتد من غير غيبة لبعضها دون بعض، و على هذا فلا إشكال لكن فيه إشكالات لا يسع المقام إيرادها.

10

الْمَسْمُوعِ وَ الْبَصَرُ عَلَى الْمُبْصَرِ وَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَقْدُورِ قَالَ قُلْتُ فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَحَرِّكاً قَالَ فَقَالَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إِنَّ الْحَرَكَةَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ بِالْفِعْلِ قَالَ قُلْتُ فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّماً قَالَ فَقَالَ إِنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ لَيْسَتْ بِأَزَلِيَّةٍ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا مُتَكَلِّمَ

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِمَا يَكُونُ فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ كَوْنِهِ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْكَاهِلِيِّ

____________

ثم اعلم أن صفاته سبحانه على ثلاثة أقسام منها سلبية محضة كالقدوسية و الفردية و منها إضافية محضة كالمبدئية و الخالقية و الرازقية، و منها حقيقية سواء كانت ذات إضافة كالعالمية و القادرية أو لا، كالحياة و البقاء، و لا شك أن السلوب و الإضافات زائدة على الذات، و زيادتها لا توجب انفعالا و لا تكثرا، و قيل: إن السلوب كلها راجعة إلى سلب الإمكان، و الإضافات راجعة إلى الموجدية، و أما الصفات الحقيقية فالحكماء و الإمامية على أنها غير زائدة على ذاته تعالى، و ليس عينيتها و عدم زيادتها بمعنى نفي أضدادها عنه تعالى، حتى يكون علمه سبحانه عبارة عن نفي الجهل ليلزم التعطيل، فقيل: معنى كونه عالما و قادرا أنه يترتب على مجرد ذاته ما يترتب على الذات و الصفة، بأن ينوب ذاته مناب تلك الصفات، و الأكثر على أنه تصدق تلك الصفات على الذات الأقدس، فذاته وجود و علم و قدرة و حياة و سمع و بصر، و هو أيضا موجود عالم قادر حي سميع بصير، و لا يلزم في صدق المشتق قيام المبدأ به، فلو فرضنا بياضا قائما بنفسه لصدق عليه أنه أبيض.

الحديث الثاني: صحيح.

الحديث الثالث: حسن.

11

قَالَ

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)فِي دُعَاءٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ فَكَتَبَ إِلَيَّ لَا تَقُولَنَّ مُنْتَهَى عِلْمِهِ فَلَيْسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهًى وَ لَكِنْ قُلْ مُنْتَهَى رِضَاهُ

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ

أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع)يَسْأَلُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَ كَانَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَ كَوَّنَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَتَّى خَلَقَهَا وَ أَرَادَ خَلْقَهَا وَ تَكْوِينَهَا فَعَلِمَ مَا خَلَقَ عِنْدَ مَا خَلَقَ وَ مَا كَوَّنَ عِنْدَ مَا كَوَّنَ فَوَقَّعَ بِخَطِّهِ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كَعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ بَعْدَ مَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ

كَتَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ(ع)أَسْأَلُهُ أَنَّ مَوَالِيَكَ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً قَبْلَ فِعْلِ الْأَشْيَاءِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَقُولُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً لِأَنَّ مَعْنَى يَعْلَمُ يَفْعَلُ

____________

قوله فليس لعلمه: أي لمعلوماته عدد متناه، فلا يكون لعلمه عدد ينتهي إلى حد أو ليس لعلمه بحمده نهاية بانتهاء حمده إلى حد لا يتصور فوقه حمد، و لكن للرضاء نهاية بالمعنيين، فإن لرضاه بحمد العبد منتهى عددا أو لرضاه بحمد العبد حدا لا يتجاوزه.

الحديث الرابع: صحيح.

الحديث الخامس: ضعيف.

قوله: لأن معنى يعلم يفعل، أي يفعل العلم و يوجده، على أن العلم إدراك و الإدراك فعل، و قال بعض المحققين: هذا الكلام يحتمل وجهين:

أحدهما أن تعلق علمه بشيء يوجب وجود ذلك الشيء و تحققه، فلو كان لم يزل عالما كان لم يزل فاعلا فكان معه شيء في الأزل في مرتبة علمه أعني ذاته، أو غير مسبوق بعدم زماني، و هذا على تقدير كون علمه فعليا.

و ثانيهما أن تعلق العلم بشيء يستدعي انكشاف ذلك الشيء و انكشاف الشيء يستدعي نحو حصول له، و كل حصول و وجود لغيره سبحانه مستند إليه سبحانه فيكون

12

فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْعِلْمَ فَقَدْ أَثْبَتْنَا فِي الْأَزَلِ مَعَهُ شَيْئاً فَإِنْ رَأَيْتَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا أَقِفُ عَلَيْهِ وَ لَا أَجُوزُهُ فَكَتَبَ(ع)بِخَطِّهِ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ سُكَّرَةَ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعَلِّمَنِي هَلْ كَانَ اللَّهُ جَلَّ وَجْهُهُ يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَنَّهُ وَحْدَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَوَالِيكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ كَانَ يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنْ خَلْقِهِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا مَعْنَى يَعْلَمُ يَفْعَلُ فَهُوَ الْيَوْمَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا غَيْرُهُ قَبْلَ فِعْلِ الْأَشْيَاءِ فَقَالُوا إِنْ أَثْبَتْنَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِأَنَّهُ لَا غَيْرُهُ فَقَدْ أَثْبَتْنَا مَعَهُ غَيْرَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ فَإِنْ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي أَنْ تُعَلِّمَنِي مَا لَا أَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ فَكَتَبَ(ع)مَا زَالَ اللَّهُ عَالِماً تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ذِكْرُهُ

____________

من فعله، فيكون معه في الأزل شيء من فعله فأجاب (عليه السلام) بأنه لم يزل عالما و لم يلتفت إلى بيان فساد متمسك نافيه، لأنه أظهر من أن يحتاج إلى البيان، فإنه على الأول مبني على كون العلم فعليا و هو ممنوع، و لو سلم فلا يستلزم فعلية العلم عدم انفكاك المعلوم عنه عينا بمعنى عدم مسبوقيته بعدم زماني، أو كون المعلوم في مرتبة العالم و على الثاني مبني على كون الصور العلمية صادرة عنه صدور الأمور العينية، فيكون من أقسام الموجودات العينية و من أفعاله سبحانه و هو ممنوع، فإن الصور العلمية توابع غير عينية لذات العالم و لا تحصل لها عدا الانكشاف لدى العالم، و لا حظ لها من الوجود و الحصول العيني أصلا، و لا مسبوقية لها إلا بذات العالم، لكنها ليست في مرتبة ذاته، و لا يجب فيها نحو التأخر الذي للأفعال الصادرة عن المبدأ بالإيجاد.

الحديث السادس: ضعيف.

13

بَابٌ آخَرُ وَ هُوَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ

فِي صِفَةِ الْقَدِيمِ إِنَّهُ وَاحِدٌ صَمَدٌ أَحَدِيُّ الْمَعْنَى لَيْسَ بِمَعَانِي كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَزْعُمُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِغَيْرِ الَّذِي يُبْصِرُ وَ يُبْصِرُ بِغَيْرِ الَّذِي يَسْمَعُ قَالَ فَقَالَ كَذَبُوا وَ أَلْحَدُوا وَ شَبَّهُوا تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ بِمَا يُبْصِرُ وَ يُبْصِرُ بِمَا يَسْمَعُ قَالَ قُلْتُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ بَصِيرٌ عَلَى مَا يَعْقِلُونَهُ قَالَ فَقَالَ تَعَالَى اللَّهُ إِنَّمَا يَعْقِلُ مَا كَانَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ وَ لَيْسَ اللَّهُ كَذَلِكَ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ

____________

باب آخر و هو من الباب الأول الحديث الأول: صحيح، و لعل المراد بوحدته أنه لا يشاركه غيره في حقيقته لتشخصه بذاته، و بصمديته كونه غير محتمل لأن يحله غيره، و لا يصح عليه الخلو عما يمكن أن يدخل فيه، و بأحديته أن لا يصح عليه الائتلاف من معان متعددة، أو الانحلال إليها، و قوله: ليس بمعان كثيرة، تفسير لإحدى المعنى، و يحتمل أن يكون تفسيرا لكل واحد من الثلاثة.

قوله: على ما يعقلونه، أي من الإبصار بآلة البصر فيكون نقلا لكلام المجسمة أو باعتبار صفة زائدة قائمة بالذات، فيكون نقلا لمذهب الأشاعرة، و الجواب أنه إنما يعقل بهذا الوجه من كان بصفة المخلوق، أو المراد: تعالى الله أن يتصف بما يحصل و يرتسم في العقول و الأذهان، و الحاصل أنهم يثبتون لله تعالى ما يعقلون من صفاتهم و الله منزه عن مشابهتهم و مشاركتهم في تلك الصفات الإمكانية.

الحديث الثاني: مجهول، و قد مر الكلام فيه، و يدل على نفي زيادة الصفات

14

فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَ تَقُولُ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ وَ بَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ وَ يُبْصِرُ بِنَفْسِهِ وَ لَيْسَ قَوْلِي إِنَّهُ سَمِيعٌ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْءٌ وَ النَّفْسُ شَيْءٌ آخَرُ وَ لَكِنِّي أَرَدْتُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِي إِذْ كُنْتُ مَسْئُولًا وَ إِفْهَاماً لَكَ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا فَأَقُولُ يَسْمَعُ بِكُلِّهِ لَا أَنَّ كُلَّهُ لَهُ بَعْضٌ لِأَنَّ الْكُلَّ لَنَا لَهُ بَعْضٌ وَ لَكِنْ أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ وَ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِي وَ لَيْسَ مَرْجِعِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَالِمُ الْخَبِيرُ بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ وَ لَا اخْتِلَافِ مَعْنًى

____________

أي نفي صفات موجودة زائدة على ذاته سبحانه، و أما كونها عين ذاته تعالى بمعنى أنها تصدق عليها أو أنها قائمة مقام الصفات الحاصلة في غيره تعالى أو أنها أمور اعتبارية غير موجودة في الخارج، واجبة الثبوت لذاته تعالى فلا نص فيه و في أمثاله على شيء منها، و إن كان ظاهر أكثرها أحد الأولين.

قال المحقق الدواني: لا خلاف بين المتكلمين كلهم، و الحكماء، في كونه تعالى عالما قديرا مريدا متكلما، و هكذا في سائر الصفات، و لكنهم تخالفوا في أن الصفات عين ذاته أو غير ذاته أو لا هو و لا غيره، فذهبت المعتزلة و الفلاسفة إلى الأول و جمهور المتكلمين إلى الثاني، و الأشعري إلى الثالث، و الفلاسفة حققوا عينية الصفات بأن ذاته تعالى من حيث أنه مبدء لانكشاف الأشياء عليه علم، و لما كان مبدء الانكشاف عين ذاته كان عالما بذاته، و كذا الحال في القدرة و الإرادة و غيرهما من الصفات قالوا:

و هذه المرتبة أعلى من أن تكون تلك الصفات زائدة عليه، فإنا نحتاج في انكشاف الأشياء علينا إلى صفة مغايرة عنا قائمة بنا، و الله تعالى لا يحتاج إليه بل بذاته ينكشف الأشياء عليه، و لذلك قيل محصول كلامهم نفي الصفات و إثبات نتائجها و غاياتها، و أما المعتزلة فظاهر كلامهم أنها عندهم من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الخارج" انتهى".

15

بَابُ الْإِرَادَةِ أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ وَ سَائِرِ صِفَاتِ الْفِعْلِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَهْوَازِيِّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قُلْتُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيداً قَالَ إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ- لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً قَادِراً ثُمَّ أَرَادَ

____________

باب الإرادة أنها من صفات الفعل و سائر صفات الفعل الحديث الأول: صحيح، و اعلم أن إرادة الله سبحانه عند متكلمي الإمامية هي العلم بالخير و النفع و ما هو الأصلح و لا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئا، و لعل المراد بتلك الأخبار الدالة على حدوث الإرادة هو أنه يكون في الإنسان قبل حدوث الفعل اعتقاد النفع فيه، ثم الرؤية، ثم الهمة، ثم انبعاث الشوق منه، ثم تأكده حتى يصير إجماعا باعثا على الفعل، و ذلك كله فينا إرادة متوسطة بين ذاتنا و بين الفعل و ليس فيه سبحانه بعد العلم القديم بالمصلحة من الأمور المقارنة سوى الأحداث و الإيجاد فالإحداث في الوقت الذي تقتضي المصلحة صدور الفعل فيه قائم مقام ما يحدث من الأمور في غيره تعالى، فالمعنى أن ذاته تعالى بصفاته الكمالية الذاتية كافية في حدوث الحادث من غير حاجة إلى حدوث أمر في ذاته عند حدوث الفعل.

قوله (عليه السلام): إلا لمراد معه: قال بعض المحققين أي لا يكون المريد بحال إلا حال كون المراد معه، و لا يكون مفارقا من المراد، و حاصله أن ذاته تعالى مناط لعلمه و قدرته، أي صحة الصدور و اللاصدور بأن يريد فيفعل، و أن يريد فيترك، فهو بذاته مناط لصحة الإرادة و صحة عدمها، فلا يكون بذاته مناطا للإرادة و عدمها، بل المناط فيها الذات مع حال المراد، فالإرادة أي المخصصة لأحد الطرفين لم يكن من صفات الذات فهو بذاته عالم قادر مناط لهما، و ليس بذاته مريدا مناطا لها، بل بمدخلية مغاير متأخر عن الذات، و هذا معنى قوله: لم يزل عالما قادرا ثم أراد.

16

[الحديث]

2

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)عِلْمُ اللَّهِ وَ مَشِيئَتُهُ هُمَا مُخْتَلِفَانِ أَوْ مُتَّفِقَانِ فَقَالَ الْعِلْمُ لَيْسَ هُوَ الْمَشِيئَةَ أَ لَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ لَا تَقُولُ سَأَفْعَلُ كَذَا إِنْ عَلِمَ اللَّهُ فَقَوْلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ فَإِذَا شَاءَ كَانَ الَّذِي شَاءَ كَمَا شَاءَ وَ عِلْمُ اللَّهِ السَّابِقُ لِلْمَشِيئَةِ

[الحديث 3]

3

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ(ع)أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ وَ مِنَ الْخَلْقِ قَالَ فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ وَ أَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ

____________

الحديث الثاني: ضعيف و لعل المراد المشية المتأخرة عن العلم، الحادثة عند حدوث المعلوم، و قد عرفت أنه في الله تعالى ليس سوى الإيجاد، و مغايرته للعلم ظاهر، و يحتمل أن يكون المقصود بيان عدم اتحاد مفهوميهما، إذ ليست الإرادة مطلق العلم، إذ العلم يتعلق بكل شيء، بل هي العلم بكونه خيرا و صلاحا و نافعا و لا يتعلق إلا بما هو كذلك، و فرق آخر بينهما، و هو أن علمه تعالى بشيء لا يستدعي حصوله بخلاف علمه به على النحو الخاص، فالسبق على هذا يكون محمولا على السبق الذاتي الذي يكون للعام على الخاص، و الأول أظهر كما عرفت.

قوله (عليه السلام) و علم الله السابق المشية: بنصب المشية ليكون معمولا للسابق، أو بجرها بإضافة السابق إليه، و ربما يقرأ بالرفع ليكون خبرا، و يكون السابق صفة للعلم، و لا يخفى بعده، و في التوحيد سابق للمشية.

الحديث الثالث: صحيح، قال بعض المحققين في شرح هذا الخبر: الظاهر أن المراد بالإرادة مخصص أحد الطرفين و ما به يرجح القادر أحد مقدورية على الآخر لا ما يطلق في مقابل الكراهة، كما يقال يريد الصلاح و الطاعة، و يكره الفساد و المعصية.

و حاصل الجواب: أن الإرادة من الخلق الضمير، أي أمر يدخل في خواطرهم

17

لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَ هِيَ صِفَاتُ الْخَلْقِ فَإِرَادَةُ اللَّهِ الْفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَ لَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَ لَا هِمَّةٍ وَ لَا تَفَكُّرٍ وَ لَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ

____________

و أذهانهم، و يوجد في نفوسهم و يحل فيها، بعد ما لم يكن فيها، و كانت هي خالية عنه، و قوله: و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، يحتمل أن يكون جملة معطوفة على الجملة السابقة و الظرف خبرا للموصول، و يحتمل أن يكون الموصول معطوفا على قوله الضمير، و يكون قوله من الفعل بيانا للموصول، و المعنى على الأول أن الإرادة من الخلق الضمير و الذي يكون لهم بعد ذلك من الفعل، لا من إرادتهم، و على الثاني أن إرادتهم مجموع ضمير يحصل في قلبهم و ما يكون لهم من الفعل المترتب عليه، فالمقصود هنا من الفعل ما يشمل الشوق إلى المراد و ما يتبعه من التحريك إليه و الحركة، و أما الإرادة من الله فيستحيل أن يكون كذلك فإنه يتعالى أن يقبل شيئا زائدا على ذاته، بل إرادته المرجحة للمراد من مراتب الأحداث لا غير ذلك، إذ ليس في الغائب إلا ذاته الأحدية، و لا يتصور هناك كثرة المعاني و لا له بعد ذاته و ما لذاته بذاته إلا ما ينسب إلى الفعل، فإرادة الله سبحانه من مراتب الفعل المنسوب إليه لا غير ذلك.

أقول: و يحتمل على الاحتمال الأول أن يكون المراد بالضمير تصورا لفعل و بما يبدو بعد ذلك اعتقاد النفع و الشوق و غير ذلك، فقوله: من الفعل، أي من أسباب الفعل أو من جهة الفعل، و قوله (عليه السلام): و لا كيف لذلك، أي لا صفة حقيقية لقوله ذلك و إرادته كما أنه لا كيف لذاته، أو لا يعرف كيفية إرادته على الحقيقة، كما لا يعرف كيفية ذاته و صفاته بالكنه.

و قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه): إن الإرادة من الله جل اسمه نفس الفعل و من الخلق الضمير و أشباهه مما لا يجوز إلا على ذوي الحاجة و النقص، و ذلك لأن العقول شاهدة بأن القصد لا يكون إلا بقلب، كما لا تكون الشهوة و المحبة إلا لذي

18

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ

____________

قلب، و لا تصح النية و الضمير و العزم إلا على ذي خاطر يضطر معها في الفعل الذي يغلب عليه إلى الإرادة له، و النية فيه و العزم، و لما كان الله تعالى يجل عن الحاجات و يستحيل عليه الوصف بالجوارح و الأدوات، و لا يجوز عليه الدواعي و الخطرات بطل أن يكون محتاجا في الأفعال إلى القصود و العزمات، و ثبت أن وصفه بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد، و أنها نفس فعله الأشياء، و بذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى ثم أورد هذه الرواية، ثم قال: نص على اختياري في الإرادة، و فيه نص على مذهب لي آخر، و هو أن إرادة العبد تكون قبل فعله، و إلى هذا ذهب البلخي، و القول في تقدم الإرادة للمراد كالقول في تقدم القدرة للفعل، و قوله (عليه السلام): إن الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد الفعل، صريح في وجوب تقدمها للفعل، إذا كان الفعل يبدو من العبد بعدها، و لو كان الأمر فيها على مذهب الجبائي لكان الفعل باديا في حالها و لم يتأخر بدوه إلى الحال التي هي بعد حالها.

الحديث الرابع: حسن و يحتمل وجوها من التأويل:

الأول: أن لا يكون المراد بالمشية الإرادة بل إحدى مراتب التقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشيء كالتقدير في اللوح، مثلا و الإثبات فيه، فإن اللوح و ما أثبت فيه لم يحصل بتقدير آخر في لوح سوى ذلك اللوح، و إنما وجد سائر الأشياء بما قدر في ذلك اللوح، و ربما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار كما سيأتي في كتاب العدل، و على هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير.

الثاني: أن يكون خلق المشية بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقفة على تعلق إرادة أخرى بها، فيكون نسبة الخلق إليها مجازا عن تحققها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقف على مشية أخرى أو أنه كناية عن أنه اقتضى علمه الكامل، و حكمته الشاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح، فالمعنى أنه

19

..........

____________

لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلا على الوجه الأصلح و الأكمل، فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلا بإرادته المقتضية لذلك.

الثالث: ما ذكره السيد الداماد (قدس الله روحه): أن المراد بالمشية هنا مشية العباد لأفعالهم الاختيارية لتقدسه سبحانه عن مشية مخلوقة زائدة على ذاته عز و جل و بالأشياء أفاعيلهم المترتب وجودها على تلك المشية، و بذلك تنحل شبهة ربما أوردت هاهنا و هي أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى، و تسلسلت الإرادات لا إلى نهاية.

الرابع: ما ذكره بعض الأفاضل و هو أن للمشية معنيين" أحدهما" متعلق بالشائي و هي صفة كمالية قديمة هي نفس ذاته سبحانه و هي كون ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير و الصلاح.

" و الآخر" يتعلق بالمشيء و هو حادث بحدوث المخلوقات لا يتخلف المخلوقات عنه و هو إيجاده سبحانه إياها بحسب اختياره، و ليست صفة زائدة على ذاته عز و جل و على المخلوقات، بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعيتها المنتسبين معا فنقول: إنه لما كان هيهنا مظنة شبهة هي أنه إن كان الله عز و جل خلق الأشياء بالمشية فبم خلق المشية؟ أ بمشية أخرى فيلزم أن تكون قبل كل مشية مشية إلى ما لا نهاية له، فأفاد الإمام (عليه السلام) أن الأشياء مخلوقة بالمشية، و أما المشية نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشية أخرى، بل هي مخلوقة بنفسها لأنها نسبة و إضافة بين الشائي و المشي تتحصل بوجوديهما العيني و العلمي، و لذا أضاف خلقها إلى الله سبحانه لأن كلا الوجودين له و فيه و منه، و في قوله (عليه السلام) بنفسها دون أن يقول بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك، نظير ذلك ما يقال: إن الأشياء إنما توجد بالوجود، فأما الوجود نفسه فلا يفتقر إلى وجود آخر، بل إنما يوجد بنفسه.

الخامس: ما ذكره بعض المحققين بعد ما حقق أن إرادة الله [المتحققة]

20

[الحديث 5]

5

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْمَشْرِقِيِّ حَمْزَةَ بْنِ الْمُرْتَفِعِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ

كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى

وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ

مَا ذَلِكَ الْغَضَبُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)هُوَ الْعِقَابُ يَا عَمْرُو إِنَّهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَالَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ فَقَدْ وَصَفَهُ صِفَةَ مَخْلُوقٍ وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَسْتَفِزُّهُ شَيْءٌ فَيُغَيِّرَهُ

____________

المتجددة هي نفس أفعاله المتجددة الكائنة الفاسدة، فإرادته لكل حادث بالمعنى الإضافي يرجع إلى إيجاده، و بمعنى المرادية ترجع إلى وجوده، قال: نحن إذا فعلنا شيئا بقدرتنا و اختيارنا فأردناه أولا ثم فعلناه بسبب الإرادة، فالإرادة نشأت من أنفسنا بذاتها لا بإرادة أخرى، و إلا لتسلسل الأمر لا إلى نهاية، فالإرادة مرادة لذاتها، و الفعل مراد بالإرادة، و كذا الشهوة في الحيوان مشتهاة لذاتها، لذيذة بنفسها، و سائر الأشياء مرغوبة بالشهوة، فعلى هذا المثال حال مشية الله المخلوقة، و هي نفس وجودات الأشياء، فإن الوجود خير و مؤثر لذاته، و مجعول بنفسه، و الأشياء بالوجود موجودة، و الوجود مشيئ بالذات و الأشياء مشيئة بالوجود و كما أن الوجود حقيقة واحدة متفاوتة بالشدة و الضعف و الكمال و النقص، فكذا الخيرية و المشيئية، و ليس الخير المحض الذي لا يشوبه شر إلا الوجود البحث الذي لا يمازجه عدم و نقص، و هو ذات الباري جل مجده، فهو المراد الحقيقي. إلى آخر ما حققه، و الأوفق بأصولنا هو الوجه الأول، و الله يعلم.

الحديث الخامس: ضعيف.

قوله (عليه السلام): هو العقاب، أي ليس فيه سبحانه قوة تغير عن حالة إلى حالة تكون إحداهما رضاه و الأخرى غضبه، إنما أطلق عليه الغضب باعتبار صدور العقاب عنه، فليس التغير إلا في فعله صفة مخلوق من إضافة المصدر إلى المفعول" لا يستفزه" أي لا يستخفه و لا يزعجه، و قيل: أي لا يجده خاليا عما يكون قابلا له فيغيره للحصول له تغير الصفة لموصوفها.

21

[الحديث 6]

6

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ

فِي حَدِيثِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَكَانَ مِنْ سُؤَالِهِ أَنْ قَالَ لَهُ فَلَهُ رِضًا وَ سَخَطٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)نَعَمْ وَ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ وَ ذَلِكَ أَنَّ الرِّضَا حَالٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فَتَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ أَجْوَفُ مُعْتَمِلٌ مُرَكَّبٌ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَ خَالِقُنَا لَا مَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ وَاحِدِيُّ الْمَعْنَى فَرِضَاهُ ثَوَابُهُ وَ سَخَطُهُ عِقَابُهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَتَدَاخَلُهُ فَيُهَيِّجُهُ وَ يَنْقُلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْعَاجِزِينَ الْمُحْتَاجِينَ

____________

الحديث السادس: مجهول.

قوله: و ذلك أن الرضا حال.

في التوحيد و ذلك لأن الرضا و الغضب دخال، و الحاصل أن عروض تلك الأحوال و التغيرات إنما يكون لمخلوق أجوف له قابلية ما يحصل فيه و يدخله" معتمل" بالكسر أي يعمل بأعمال صفاته و آلاته، أو بالفتح أي مصنوع ركب فيه الأجزاء و القوي، و الأول أولى، ليكون تأسيسا مركب من أمور مختلفة للأشياء من الصفات و الجهات و الآلات فيه مدخل، و خالقنا تبارك اسمه لا مدخل للأشياء فيه لاستحالة التركب في ذاته فإنه واحدي الذات واحدي المعنى فأذن لا كثرة فيه لا في ذاته و لا في صفاته الحقيقية، و إنما الاختلاف في الفعل فيثيب عند الرضا و يعاقب عند السخط من غير مداخلة شيء فيه، يهيجه و ينقله من حال إلى حال، لأن ذلك ينافي وجوب الوجود، فلا يكون من صفاته سبحانه، بل من صفات المخلوقين العاجزين، قال السيد الداماد (قدس سره): المخلوق أجوف لما قد برهن و استبان في حكمة ما فوق الطبيعة أن كل ممكن زوج تركيبي، و كل مركب مزوج الحقيقية فإنه أجوف الذات لا محالة، فما لا جوف لذاته على الحقيقة هو الأحد الحق سبحانه لا غير، فإذا الصمد الحق ليس هو إلا الذات الأحدية الحقة من كل جهة، فقد تصحح من هذا الحديث الشريف تأويل الصمد بما لا جوف له، و لا مدخل لمفهوم من المفهومات و شيء من الأشياء في ذاته أصلا.

22

[الحديث 7]

7

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

الْمَشِيئَةُ مُحْدَثَةٌ

جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي صِفَاتِ الذَّاتِ وَ صِفَاتِ الْفِعْلِ إِنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ وَصَفْتَ اللَّهَ بِهِمَا وَ كَانَا جَمِيعاً فِي الْوُجُودِ فَذَلِكَ صِفَةُ فِعْلٍ وَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّكَ تُثْبِتُ فِي الْوُجُودِ مَا يُرِيدُ وَ مَا لَا يُرِيدُ وَ مَا يَرْضَاهُ وَ مَا يُسْخِطُهُ وَ مَا يُحِبُّ وَ مَا يُبْغِضُ فَلَوْ كَانَتِ الْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ مِثْلِ الْعِلْمِ وَ الْقُدْرَةِ كَانَ مَا لَا يُرِيدُ نَاقِضاً لِتِلْكَ الصِّفَةِ وَ لَوْ كَانَ مَا يُحِبُّ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ كَانَ مَا يُبْغِضُ نَاقِضاً لِتِلْكَ الصِّفَةِ أَ لَا تَرَى أَنَّا لَا نَجِدُ فِي الْوُجُودِ مَا لَا يَعْلَمُ وَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَ كَذَلِكَ صِفَاتُ ذَاتِهِ الْأَزَلِيِّ لَسْنَا نَصِفُهُ بِقُدْرَةٍ وَ عَجْزٍ وَ عِلْمٍ وَ جَهْلٍ وَ سَفَهٍ وَ حِكْمَةٍ وَ خَطَإٍ وَ عِزٍّ وَ ذِلَّةٍ وَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يُحِبُّ مَنْ أَطَاعَهُ وَ يُبْغِضُ مَنْ عَصَاهُ وَ يُوَالِي مَنْ أَطَاعَهُ وَ يُعَادِي مَنْ عَصَاهُ وَ إِنَّهُ

____________

الحديث السابع: صحيح.

قوله: جملة القول.

هذا التحقيق للمصنف (ره) و ليس من تتمة الخبر و غرضه الفرق بين صفات الذات و صفات الفعل، و أبان ذلك بوجوه:

الأول: أن كل صفة وجودية لها مقابل وجودي فهي من صفات الأفعال لا من صفات الذات، لأن صفاته الذاتية كلها عين ذاته، و ذاته مما لا ضد له، ثم بين ذلك في ضمن الأمثلة و أن اتصافه سبحانه بصفتين متقابلتين ذاتيتين محال.

و الثاني: ما أشار إليه بقوله: و لا يجوز أن يقال يقدر أن يعلم.

و الحاصل: أن القدرة صفة ذاتية تتعلق بالممكنات لا غير، فلا تتعلق بالواجب و لا بالممتنع، فكل ما هو صفة الذات فهو أزلي غير مقدور، و كلما هو صفة الفعل فهو ممكن مقدور، و بهذا يعرف الفرق بين الصفتين، و قوله: و لا يقدر أن لا يعلم، الظاهر أن لا لتأكيد النفي السابق، أي لا يجوز أن يقال يقدر أن لا يعلم، و يمكن أن يكون من مقول القول الذي لا يجوز، و توجيهه: أن القدرة لا ينسب إلا إلى الفعل نفيا أو إثباتا، فيقال: يقدر أن يفعل أو يقدر أن لا يفعل، و لا ينسب إلى ما لا

23

يَرْضَى وَ يَسْخَطُ وَ يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِّي وَ لَا تَسْخَطْ عَلَيَّ وَ تَوَلَّنِي وَ لَا تُعَادِنِي وَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْلَمَ وَ لَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَعْلَمَ وَ يَقْدِرُ أَنْ يَمْلِكَ وَ لَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَمْلِكَ وَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ عَزِيزاً حَكِيماً وَ لَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَكُونَ عَزِيزاً حَكِيماً وَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ جَوَاداً وَ لَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَكُونَ جَوَاداً وَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ غَفُوراً وَ لَا يَقْدِرُ أَنْ لَا يَكُونَ غَفُوراً وَ لَا يَجُوزُ أَيْضاً أَنْ يُقَالَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ رَبّاً وَ قَدِيماً وَ عَزِيزاً وَ حَكِيماً

____________

يعتبر الفعل فيه لا إثباتا و لا نفيا، فما يكون من صفات الذات التي لا شائبة للفعل فيها كالعلم و القدرة و غيرهما، لا يجوز أن ينسب إليها القدرة، فإن القدرة إنما يصح استعمالها مع الفعل و الترك، فلا يقال يقدر أن يعلم و لا يقال و لا يقدر أن لا يعلم، لأن العلم لا شائبة فيه من الفعل.

أقول: و يحتمل أن يكون الواو للحال، و الحاصل: أن من لا يقدر أن لا يعلم كيف يصح أن يقال له يقدر أن يعلم، إذ نسبة القدرة إلى طرفي الممكن على السواء و أما الجود و الغفران فيحتمل أن يكونا على سياق ما تقدم بأن يكون المراد بالجواد ذات يليق به الجود، و بالغفور من هو في ذاته بحيث يتجاوز عن المؤاخذة لمن يشاء، فمرجعه إلى خيريته و كماله و قدرته، لا فعل الجود و المغفرة حتى يكونا من صفات الفعل، و يحتمل أن يكونا مقطوعين عن السابق، لبيان كون الجود و فعل المغفرة مقدورين.

الثالث: ما أشار إليه بقوله: و لا يجوز أن يقال أراد أن يكون ربا.

و الحاصل: أن الإرادة لما كانت فرع القدرة فما لا يكون مقدورا لا يكون مرادا، و قد علمت أن الصفات الذاتية غير مقدورة فهي غير مرادة أيضا، و لكونها غير مرادة وجه آخر و هو قوله: لأن هذه من صفات الذات" إلخ" و معناه أن الإرادة لكونها من صفات الفعل فهي حادثة، و هذه الصفات يعني الربوبية و القدم و أمثالهما لكونها من صفات الذات فهي قديمة، و لا يؤثر الحادث في القديم فلا تعلق للإرادة بشيء منها، و قوله: أ لا ترى توضيح لكون الإرادة لا تتعلق بالقديم بأن إرادة شيء

24

وَ مَالِكاً وَ عَالِماً وَ قَادِراً لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَ الْإِرَادَةُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ أَرَادَ هَذَا وَ لَمْ يُرِدْ هَذَا وَ صِفَاتُ الذَّاتِ تَنْفِي عَنْهُ بِكُلِّ صِفَةٍ مِنْهَا ضِدَّهَا يُقَالُ حَيٌّ وَ عَالِمٌ وَ سَمِيعٌ وَ بَصِيرٌ وَ عَزِيزٌ وَ حَكِيمٌ غَنِيٌّ مَلِكٌ حَلِيمٌ عَدْلٌ كَرِيمٌ فَالْعِلْمُ ضِدُّهُ الْجَهْلُ وَ الْقُدْرَةُ ضِدُّهَا الْعَجْزُ وَ الْحَيَاةُ ضِدُّهَا الْمَوْتُ وَ الْعِزَّةُ ضِدُّهَا الذِّلَّةُ وَ الْحِكْمَةُ ضِدُّهَا الْخَطَأُ وَ ضِدُّ الْحِلْمِ الْعَجَلَةُ وَ الْجَهْلُ وَ ضِدُّ الْعَدْلِ الْجَوْرُ وَ الظُّلْمُ

بَابُ حُدُوثِ الْأَسْمَاءِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

- إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ

____________

مع كراهة ضده و القديم لا ضد له كما قيل، أو المعنى أن القديم واجب الوجود و الإرادة متعلقة الحادث الممكن، ثم رجع إلى أول الكلام لمزيد الإيضاح فقال:

و صفات الذات إلى آخره.

باب حدوث الأسماء الحديث الأول: مجهول و هو من متشابهات الأخبار و غوامض الأسرار التي لا يعلم تأويلها إلا الله و الراسخون في العلم، و السكوت عن تفسيره و الإقرار بالعجز عن فهمه أصوب و أولى و أحوط و أحرى، و لنذكر وجها تبعا لمن تكلم فيه على سبيل الاحتمال.

فنقول:" أسماء" في بعض النسخ بصيغة الجمع، و في بعضها بصيغة المفرد و الأخير أظهر، و الأول لعله مبني على أنه مجزأ بأربعة أجزاء، كل منها اسم، فلذا أطلق عليه صيغة الجمع.

و قوله" بالحروف غير متصوت" و في أكثر نسخ التوحيد غير منعوت و كذا ما بعده من الفقرات تحتمل كونها حالا عن فاعل خلق، و عن قوله أسماء، و يؤيد الأول ما في أكثر نسخ التوحيد خلق أسماء بالحروف، و هو عز و جل بالحروف غير منعوت

25

وَ تَعَالَى خَلَقَ اسْماً بِالْحُرُوفِ غَيْرَ مُتَصَوِّتٍ وَ بِاللَّفْظِ غَيْرَ مُنْطَقٍ وَ بِالشَّخْصِ غَيْرَ مُجَسَّدٍ وَ بِالتَّشْبِيهِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ وَ بِاللَّوْنِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْأَقْطَارُ مُبَعَّدٌ عَنْهُ الْحُدُودُ مَحْجُوبٌ عَنْهُ حِسُّ كُلِّ مُتَوَهِّمٍ مُسْتَتِرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ فَجَعَلَهُ كَلِمَةً تَامَّةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مَعاً لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدٌ قَبْلَ الْآخَرِ فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ لِفَاقَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهَا وَ حَجَبَ مِنْهَا وَاحِداً وَ هُوَ الِاسْمُ الْمَكْنُونُ الْمَخْزُونُ فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي ظَهَرَتْ فَالظَّاهِرُ هُوَ

____________

فيكون المقصود بيان المغايرة بين الاسم و المسمى بعدم جريان صفات الاسم بحسب ظهوراته النطقية و الكتبية فيه تعالى، و أما على الثاني فلعله إشارة إلى حصوله في علمه تعالى فيكون الخلق بمعنى التقدير و العلم، و هذا الاسم عند حصوله في العلم الأقدس، لم يكن ذات صوت و لا ذات صورة و لا ذا شكل و لا ذا صبغ، و يحتمل أن يكون إشارة إلى أن أول خلقه كان بالإضافة على روح النبي (صلى الله عليه و آله) و أرواح الأئمة (عليهم السلام) بغير نطق و صبغ و لون و خط بقلم، و لنرجع إلى تفصيل كل من الفقرات و توضيحها، فعلى الأول قوله غير متصوت إما على البناء للفاعل، أي لم يكن خلقها بإيجاد حرف و صوت، أو على البناء للمفعول أي هو تعالى ليس من قبيل الأصوات و الحروف، حتى يصلح كون الاسم عينه تعالى.

و قوله (عليه السلام): و باللفظ غير منطق بفتح الطاء أي ناطق، أو أنه غير منطوق باللفظ كالحروف ليكون من جنسها، أو بالكسر أي لم يجعل الحروف ناطقة على الإسناد المجازي كقوله تعالى" هٰذٰا كِتٰابُنٰا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" و هذا التوجيه يجري في الثاني من احتمالي الفتح و تطبيق تلك الفقرات على الاحتمال الثاني، و هو كونها حالا عن الاسم بعد ما ذكرنا ظاهر، و كذا تطبيق الفقرات الآتية على الاحتمالين.

قوله (عليه السلام): مستتر غير مستور، أي كنه حقيقته مستور عن الخلق مع أنه من حيث الآثار أظهر من كل شيء، أو مستتر بكمال ذاته من غير ستر و حاجب أو أنه غير مستور [عن الخلق] بل هو في غاية الظهور، و النقص إنما هو من قبلنا، و يجري

26

اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ سَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رُكْناً ثُمَّ خَلَقَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اسْماً فِعْلًا مَنْسُوباً إِلَيْهَا فَهُوَ

الرَّحْمٰنُ

____________

نظير الاحتمالات في الثاني، و يحتمل على الثاني أن يكون المراد أنه مستور عن الخلق غير مستور عنه تعالى، و أما تفصيل الأجزاء و تشعب الأسماء فيمكن أن يقال إنه لما كان كنه ذاته تعالى مستورا عن عقول جميع الخلق فالاسم الدال عليه ينبغي أن يكون مستورا عنهم، فالاسم الجامع هو الاسم الذي يدل على كنه الذات مع جميع الصفات الكمالية، و لما كانت أسماؤه تعالى ترجع إلى أربعة لأنها إما أن تدل على الذات أو الصفات الثبوتية الكمالية أو السلبية التنزيهية أو صفات الأفعال، فجرى ذلك الاسم الجامع إلى أربعة أسماء جامعة، واحد منها للذات فقط، فلما ذكرنا سابقا استبد تعالى به و لم يعطه خلقه و ثلاثة منها تتعلق بالأنواع الثلاثة من الصفات فأعطاها خلقه ليعرفوه بها بوجه من الوجوه، فهذه الثلاثة حجب و وسائط بين الخلق و بين هذا الاسم المكنون، إذ بها يتوسلون إلى الذات و إلى الاسم المختص بها إذ في التوحيد" بهذه الأسماء" و هو أظهر، و لما كانت تلك الأسماء الأربعة مطوية في الاسم الجامع على الإجمال لم يكن بينها تقدم و تأخر، و لذا قال: ليس منها واحد قبل الآخر، و يمكن أن يقال على بعض المحتملات السابقة: أنه لما كان تحققها في العلم الأقدس، لم يكن بينها تقدم و تأخر، أو يقال أن إيجادها لما كان بالإفاضة على الأرواح المقدسة و لم يكن بالتكلم لم يكن بينها و بين أجزائها تقدم و تأخر في الوجود، كما يكون في تكلم الخلق، و الأول أظهر ثم بين الأسماء الثلاثة.

و هنا اختلاف بين نسخ الكافي و التوحيد، ففي أكثر نسخ الكافي فالظاهر هو الله تبارك و تعالى، و سخر لكل اسم، فعلى ما في الكافي يحتمل أن يكون فالظاهر هو الله و تبارك و سبحانه لكل اسم، فعليما في الكافي يحتمل أن يكون المعنى أن الظاهر بهذه الأسماء هو الله تعالى و هذه الأسماء إنما جعلها ليظهر بها على

27

الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الْخٰالِقُ الْبٰارِئُ الْمُصَوِّرُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

الْحَكِيمُ

الْعَزِيزُ الْجَبّٰارُ الْمُتَكَبِّرُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ

الْمُقْتَدِرُ الْقَادِرُ

السَّلٰامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ

الْبَارِئُ الْمُنْشِئُ

____________

الخلق، فالمظهر هو الاسم، و الظاهر به هو الرب سبحانه.

و يحتمل أن يكون بيانا للأسماء الثلاثة، و يؤيده نسخة الواو، و ما في التوحيد فأولها" الله" و هو الدال على النوع الأول لكونه موضوعا للذات مستجمعا للصفات الذاتية الكمالية، و الثاني" تبارك" لأنه من البركة و النمو و هو إشارة إلى أنه معدن الفيوض و منبع الخيرات التي لا تتناهى، و هو رئيس جميع الصفات الفعلية من الخالقية و الرازقية و المنعمية و سائر ما هو منسوب إلى الفعل، كما أن الأول رئيس الصفات الوجودية من العلم و القدرة و غيرهما، و لما كان المراد بالاسم كل ما يدل على ذاته و صفاته تعالى أعم من أن يكون اسما أو فعلا أو جملة لا محذور في عد" تبارك" من الأسماء.

و الثالث هو" سبحان" الدال على تنزيهه تعالى عن جميع النقائص، فيندرج فيه و يتبعه جميع الصفات السلبية و التنزيهية، هدا على نسخة التوحيد، و على ما في الكافي الاسم الثالث" تعالى" لدلالته على تعاليه سبحانه عن مشابهة الممكنات و ما يوجب نقصا أو عجزا، فيدخل فيه جميع صفات التنزيهية، ثم لما كان لكل من تلك الأسماء الثلاثة الجامعة شعب أربع ترجع إليها، جعل لكل منها أربعة أركان، هي بمنزلة دعائمه، فأما" الله" فلدلالته على الصفات الكمالية الوجودية له أربع دعائم هي وجوب الوجود المعبر عنه بالصمدية و القيومية، و العلم و القدرة و الحياة، أو مكان الحياة اللطف، أو الرحمة أو العزة، و إنما جعلت هذه الأربعة أركانا لأن سائر الصفات الكمالية إنما يرجع إليها كالسميع و البصير و الخبير مثلا، فإنها راجعة إلى العلم، و العلم يشملها و هكذا، و أما" تبارك" فله أركان أربعة: هي الإيجاد، و التربية في الدارين، و الهداية في الدنيا، و المجازاة في الآخرة، أي الموجد أو الخالق

28

الْبَدِيعُ الرَّفِيعُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّازِقُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْبَاعِثُ الْوَارِثُ فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ وَ مَا كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى حَتَّى تَتِمَّ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَ سِتِّينَ اسْماً فَهِيَ

____________

و الرب و الهادي و الديان، و يمكن إدخال الهداية في التربية و جعل المجازاة ركنين الإثابة و الانتقام، و لكل منها شعب من أسماء الله الحسنى كما لا يخفى بعد التأمل و التتبع.

و إما" سبحان" أو" تعالى" فلكل منهما أربعة أركان لأنه إما تنزيه الذات عن مشابهة الممكنات، أو تنزيهه عن إدراك الحواس و الأوهام و العقول، أو تنزيه صفاته عما يوجب النقص، أو تنزيه أفعاله عما يوجب الظلم و العجز و النقص، و يحتمل وجها آخر و هو تنزيهه عن الشريك و الأضداد و الأنداد، و تنزيهه عن المشاكلة و المشابهة، و تنزيهه عن إدراك العقول و الأوهام، و تنزيهه عما يوجب النقص و العجز من التركب و الصاحبة و الولد، و التغيرات و العوارض و الظلم و الجور و الجهل و غير ذلك، و ظاهر أن لكل منها شعبا كثيرة، فجعل (عليه السلام) شعب كل منها ثلاثين و ذكر بعض أسمائه الحسنى على التمثيل و أجمل الباقي.

و يحتمل على ما في الكافي على الاحتمال الأول أن تكون الأسماء الثلاثة ما يدل على وجوب الوجود و العلم و القدرة، و الاثنا عشر ما يدل على الصفات الكمالية و التنزيهية التي تتبع تلك الصفات، و المراد بالثلاثين صفات الأفعال التي هي آثار تلك الصفات الكمالية، و يؤيده قوله: فعلا منسوبا إليها، و على الأول يكون المعنى أنها من توابع تلك الصفات، فكأنها من فعلها.

هذا ما خطر ببالي في حل هذا الخبر، و إنما أوردته على سبيل الاحتمال من غير تعيين لمراد المعصوم (عليه السلام)، و لعله أظهر الاحتمالات التي أوردها أقوام على وفق مذاهبهم المختلفة، و طرائقهم المتشتتة.

و إنما هداني إلى ذلك ما أورده ذريعتي إلى الدرجات العلى، و وسيلتي إلى مسالك الهدى بعد أئمة الورى (عليهم السلام) أعني والدي العلامة (قدس الله روحه) في

29

نِسْبَةٌ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ وَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ وَ حَجَبَ الِاسْمَ الْوَاحِدَ الْمَكْنُونَ الْمَخْزُونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ

____________

شرح هذا الخبر على ما في الكافي حيث قال:

الذي يخطر بالبال في تفسير هذا الخبر على الإجمال، هو أن الاسم الأول كان اسما جامعا للدلالة على الذات و الصفات، و لما كان معرفة الذات محجوبة عن غيره تعالى، جزء ذلك الاسم على أربعة أجزاء، و جعل الاسم الدال على الذات محجوبا عن الخلق، و هو الاسم الأعظم باعتبار، و الدال على المجموع اسم أعظم باعتبار آخر، و يشبه أن يكون الجامع هو الله و الدال على الذات فقط هو، و تكون المحجوبية باعتبار عدم التعيين كما قيل: إن الاسم الأعظم داخل في جملة الأسماء المعروفة و لكنها غير معينة لنا، و يمكن أن يكونا غيرهما و الأسماء التي أظهرها الله للخلق على ثلاثة أقسام، منها ما يدل على التقديس مثل العلي العظيم العزيز الجبار المتكبر، و منها ما يدل على علمه تعالى، و منها ما يدل على قدرته تعالى، و انقسام كل واحد منها إلى أربعة أقسام بأن يكون التنزيه إما مطلقا أو للذات أو للصفات أو الأفعال، و يكون ما يدل على العلم إما لمطلق العلم أو للعلم بالجزئيات كالسميع و البصير أو الظاهر أو الباطن، و ما يدل على القدرة إما للرحمة الظاهرة أو الباطنة أو الغضب ظاهرا أو باطنا، أو ما يقرب من ذلك التقسيم، و الأسماء المفردة على ما ورد في القرآن و الأخبار يقرب من ثلاثمائة و ستين اسما ذكرها الكفعمي في مصباحه، فعليك بجمعها و التدبر في ربط كل منها بركن من تلك الأركان." انتهى كلامه رفع الله مقامه".

أقول: و بعض الناظرين في هذا الخبر جعل الاثني عشر كناية عن البروج الفلكية و الثلاثمائة و ستين عن درجاتها، و لعمري لقد تكلف بأبعد مما بين السماء و الأرض، و منهم من جعل الاسم كناية عن مخلوقاته تعالى، و الاسم الأول الجامع عن أول مخلوقاته، و بزعم القائل هو العقل، و جعل ما بعد ذلك كناية عن كيفية تشعب

30

وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى-

قُلِ ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ أَيًّا مٰا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ

[الحديث 2]

2

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ مُوسَى بْنِ عُمَرَ وَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)هَلْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَارِفاً بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ يَرَاهَا وَ يَسْمَعُهَا قَالَ مَا كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهَا وَ لَا يَطْلُبُ مِنْهَا هُوَ نَفْسُهُ وَ نَفْسُهُ هُوَ قُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ فَلَيْسَ يَحْتَاجُ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ وَ لَكِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً لِغَيْرِهِ يَدْعُوهُ بِهَا لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْعَ بِاسْمِهِ لَمْ يُعْرَفْ فَأَوَّلُ مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ

____________

المخلوقات، و تعدد العوالم، و كفى ما أومأنا إليه للاستغراب، و ذكرها بطولها يوجب الإطناب.

قوله: و ذلك قوله عز و جل، استشهاد لأن له تعالى أسماء حسنى، و أنه إنما وضعها ليدعوه الخلق بها، فقال تعالى: قل ادعوه تعالى بالله أو بالرحمن أو بغيرهما فالمقصود واحد، و هو الرب، و له أسماء حسنى كل منها يدل على صفة من صفاته المقدسة فأيا ما تدعو فهو حسن، قيل: نزلت الآية حين سمع المشركون رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: يا الله، يا رحمن، فقالوا: إنه ينهانا أن نعبد إلهين و هو يدعو إلها آخر؟ و قالت اليهود: إنك لتقل ذكر الرحمن و قد أكثره الله في التوراة، فنزلت الآية ردا لما توهموا من التعدد، أو عدم الإتيان بذكر الرحمن.

الحديث الثاني: ضعيف على المشهور.

قوله: و يسمعها، على بناء المجرد أي بأن يذكر اسم نفسه و يسمعه، أو على بناء الأفعال لأن المخلوق يعرفه تعالى بأسمائه و يدعوه بها، فزعم أن الخالق أيضا كذلك لأنه أعلى الأشياء، أي إنما سمي بالعلي لأنه أعلى الأشياء ذاتا، و بالعظيم لأنه أعظمها صفاتا، فهذان اسمان جامعان يدلان على تنزهه تعالى عن مناسبة المخلوقات و مشابهتها بالذات و الصفات، فمعناه" الله" أي مدلول هذا اللفظ، و يدل على أنه أخص الأسماء بالذات المقدس، بل على أنه اسم بإزاء الذات لا باعتبار صفة من

31

الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ

لِأَنَّهُ أَعْلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا فَمَعْنَاهُ اللَّهُ وَ اسْمُهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ هُوَ أَوَّلُ أَسْمَائِهِ عَلَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

[الحديث 3]

3

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ

سَأَلْتُهُ عَنِ الِاسْمِ مَا هُوَ قَالَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

اسْمُ اللَّهِ غَيْرُهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَا خَلَا اللَّهَ فَأَمَّا مَا عَبَّرَتْهُ الْأَلْسُنُ أَوْ عَمِلَتِ الْأَيْدِي فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ اللَّهُ غَايَةٌ مِنْ غَايَاتِهِ

____________

الصفات" علا على كل شيء" أي علا الاسم على كل الأسماء الدالة على الصفات، أو هو تفسير للاسم تأكيدا لما سبق.

الحديث الثالث: ضعيف على المشهور.

قوله (عليه السلام): صفة لموصوف، أي سمة و علامة تدل على ذات فهو غير الذات، أو المعنى أن أسماء الله تعالى تدل على صفات تصدق عليه، أو المراد بالاسم هنا ما أشرنا إليه سابقا، أي المفهوم الكلي الذي هو موضوع اللفظ.

الحديث الرابع: ضعيف.

قوله (عليه السلام): اسم شيء، أي لفظ الشيء أو هذا المفهوم المركب و الأول أظهر، ثم بين المغايرة بأن اللفظ الذي يعبر به الألسن و الخط الذي تعمله الأيدي فظاهر أنه مخلوق.

قوله: و الله غاية من غاياه، اعلم أن الغاية تطلق على المدى و النهاية، و على امتداد المسافة و على الغرض و المقصود من الشيء، و على الراية و العلامة، و هذه العبارة تحتمل وجوها

32

وَ الْمُغَيَّا غَيْرُ الْغَايَةِ وَ الْغَايَةُ مَوْصُوفَةٌ وَ كُلُّ مَوْصُوفٍ مَصْنُوعٌ وَ صَانِعُ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ

____________

الأول: أن تكون الغاية بمعنى الغرض و المقصود، أي كلمة الجلالة مقصود من جعله مقصودا، و ذريعة من جعله ذريعة، أي كل من كان له مطلب و عجز عن تحصيله بسعيه يتوسل إليه باسم الله، و المغيى بالغين المعجمة و الياء المثناة المفتوحة أي المتوسل إليه بتلك الغاية غير الغاية، أو بالياء المكسورة أي الذي جعل لنا الغاية غاية هو غيرها، و في بعض النسخ و المعنى بالعين المهملة و النون، أي المقصود بذلك التوسل، أو المعنى المصطلح، غير تلك الغاية التي هي الوسيلة إليه.

الثاني: أن يكون المراد بالغاية النهاية، و بالله: الذات لا الاسم أي الرب تعالى غاية آمال الخلق يدعونه عند الشدائد بأسمائه العظام، و المغيى بفتح الياء المشددة المسافة ذات الغاية، و المراد هنا الأسماء فكأنها طرق و مسالك توصل الخلق إلى الله في حوائجهم، و المعنى أن العقل يحكم بأن الوسيلة غير المقصود بالحاجة، و هذا لا يلائمه قوله و الغاية موصوفة إلا بتكلف تام.

الثالث: أن يكون المراد بالغاية العلامة و صحفت غاياه بغاياته، و كذا في بعض النسخ أيضا، أي علامة من علاماته، و المعنى أي المقصود، أو المغيى أي ذو العلامة غيرها.

الرابع: أن يكون المقصود أن الحق تعالى غاية أفكار من جعله غاية و تفكر فيه، و المعنى المقصود أعني ذات الحق غير ما هو غاية أفكارهم، و مصنوع عقولهم، إذ غاية ما يصل إليه أفكارهم و يحصل في أذهانهم موصوف بالصفات الزائدة الإمكانية و كل موصوف كذلك مصنوع.

الخامس: ما صحفه بعض الأفاضل حيث قرأ: عانة من عاناه أي الاسم ملابس من لابسه، قال في النهاية: معاناة الشيء ملابسته و مباشرته، أو مهم من اهتم به من قولهم عنيت به فأنا عان، أي اهتممت به و اشتغلت أو أسير من أسره، و في النهاية العاني الأسير، و كل من ذل و استكان و خضع فقد عنا يعنو فهو عان، أو محبوس من حبسه، و في النهاية و عنوا بالأصوات أي احبسوها، و المعنى أي المقصود بالاسم غير

33

بِحَدٍّ مُسَمًّى لَمْ يَتَكَوَّنْ فَيُعْرَفَ كَيْنُونِيَّتُهُ بِصُنْعِ غَيْرِهِ وَ لَمْ يَتَنَاهَ إِلَى غَايَةٍ إِلَّا كَانَتْ غَيْرَهُ لَا يَزِلُّ مَنْ فَهِمَ هَذَا الْحُكْمَ أَبَداً وَ هُوَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ فَارْعَوْهُ وَ صَدِّقُوهُ

____________

العانة أي غير ما نتصوره و نعقله.

ثم اعلم أنه على بعض التقادير يمكن أن يقرأ و الله بالكسر، بأن يكون الواو للقسم.

قوله: غير موصوف بحد، أي من الحدود الجسمانية أو الصفات الإمكانية، أو الحدود العقلية، و قوله: مسمى صفة لحد، للتعميم كقوله تعالى" لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً" و يحتمل أن يكون المراد أنه غير موصوف بالصفات التي هي مدلولات تلك الأسماء، و قيل: هو خبر بعد خبر أو خبر مبتدإ محذوف.

قوله: لم يتكون فيعرف كينونته بصنع غيره.

قيل: المراد أنه لم يتكون فيكون محدثا بفعل غيره، فتعرف كينونته و صفات حدوثه بصنع صانعه كما تعرف المعلولات بالعلل.

أقول: لعل المراد أنه غير مصنوع حتى يعرف بالمقايسة إلى مصنوع آخر، كما يعرف المصنوعات بمقايسة بعضها إلى بعض، فيكون الصنع بمعنى المصنوع و غيره صفة له، أو أنه لا يعرف بحصول صورة هي مصنوعة لغيره، إذ كل صورة ذهنية مصنوعة للمدرك، معلولة له.

قوله: و لم يتناه، أي هو تعالى في المعرفة أو عرفانه أو العارف في عرفانه إلى نهاية إلا كانت تلك النهاية غيره تعالى و مباينة له غير محمولة عليه.

قوله (عليه السلام): لا يزل، في بعض النسخ بالذال، أي ذل الجهل و الضلال من فهم هذا الحكم و عرف سلب جميع ما يغايره عنه، و علم أن كلما يصل إليه أفهام الخلق فهو غيره تعالى.

34

وَ تَفَهَّمُوهُ بِإِذْنِ اللَّهِ- مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ بِحِجَابٍ أَوْ بِصُورَةٍ أَوْ بِمِثَالٍ فَهُوَ مُشْرِكٌ لِأَنَّ حِجَابَهُ وَ مِثَالَهُ وَ صُورَتَهُ غَيْرُهُ وَ إِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ مُتَوَحِّدٌ فَكَيْفَ يُوَحِّدُهُ مَنْ زَعَمَ

____________

قوله (عليه السلام): من زعم أنه يعرف الله بحجاب.

أي بالأسماء التي هي حجب بين الله و بين خلقه، و وسائل بها يتوسلون إليه، بأن زعم أنه تعالى عين تلك الأسماء أو الأنبياء أو الأئمة (عليهم السلام)، بأن زعم أن الرب تعالى اتحد بهم أو بالصفات الزائدة فإنها حجب عن الوصول إلى حقيقة الذات الأحدية أو بأنه ذو حجاب كالمخلوقين" أو بصورة" أي بأنه ذو صورة كما قالت المشبهة، أو بصورة عقلية زعم أنها كنه ذاته و صفاته تعالى" أو بمثال" أي خيالي أو بأن جعل له مماثلا و مشابها من خلقه" فهو مشرك" لما عرفت مرارا من لزوم تركبه تعالى و كونه ذا حقائق مختلفة، و ذا أجزاء، تعالى الله عن ذلك.

و يحتمل أن يكون إشارة إلى أنه لا يمكن الوصول إلى حقيقته تعالى بوجه من الوجوه لا بحجاب و رسول يبين ذلك، و لا بصورة عقلية و لا خيالية، إذ لا بد بين المعرف و المعرف من مماثلة و جهة اتحاد، و إلا فليس ذلك الشيء معرفا أصلا، و الله تعالى مجرد الذات عن كل ما سواه، فحجابه و مثاله و صورته غيره من كل وجه، إذ لا مشاركة بينه و بين غيره في جنس أو فصل أو مادة أو موضوع أو عارض، و إنما هو واحد موحد فرد عما سواه، فإنما يعرف الله بالله إذا نفي عنه جميع ما سواه، و كلما وصل إليه عقله كما مر أنه التوحيد الخالص.

و قال بعض المحققين: من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال أي بحقيقة من الحقائق الإمكانية كالجسم و النور أو بصفة من صفاتها التي هي عليها كما أسند إلى القائلين بالصورة أو بصفة من صفاتها عند حصولها في العقل كما في قول الفلاسفة في رؤية العقول المفارقة فهو مشرك، لأن الحجاب و الصورة و المثال كلها مغايرة له غير محمولة عليه، فمن عبد الموصوف بها عبد غيره، فكيف يكون موحدا له عارفا به، إنما عرف الله من عرفه بذاته و حقيقته المسلوب عنه جميع ما يغايره، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنما يكون يعرف غيره.

35

أَنَّهُ عَرَفَهُ بِغَيْرِهِ وَ إِنَّمَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ عَرَفَهُ بِاللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِهِ فَلَيْسَ يَعْرِفُهُ إِنَّمَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ لَيْسَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَ الْمَخْلُوقِ شَيْءٌ وَ اللَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ

____________

أقول: لا يخفى أن هذا الوجه و ما أوردته سابقا من الاحتمالات التي سمحت بها قريحتي القاصرة لا يخلو كل منها من تكلف، و قد قيل فيه وجوه أخر أعرضت عنها صفحا، لعدم موافقتها لأصولنا، و الأظهر عندي أن هذا الخبر موافق لما مر، و سيأتي في كتاب العدل أيضا من أن المعرفة من صنعه تعالى و ليس للعباد فيها صنع، و أنه تعالى يهبها لمن طلبها و لم يقصر فيما يوجب استحقاق إفاضتها، و القول بأن غيره تعالى يقدر على ذلك نوع من الشرك في ربوبيته و إلهيته، فإن التوحيد الخالص هو أن يعلم أنه تعالى مفيض جميع العلوم و الخيرات، و المعارف و السعادات كما قال تعالى:

" مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ" فالمراد بالحجاب إما أئمة الضلال و علماء السوء الذين يدعون أنهم يعرفونه تعالى بعقولهم و لا يرجعون في ذلك إلى حجج الله تعالى، فإنهم حجب يحجبون الخلق عن معرفته و عبادته تعالى، فالمعنى أنه تعالى إنما يعرف بما عرف نفسه للناس لا بأفكارهم و عقولهم، أو أئمة الحق أيضا فإنه ليس شأنهم إلا بيان الحق للناس فأما إفاضة المعرفة و الإيصال إلى البغية فليس إلا من الحق تعالى كما قال سبحانه:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" و يجري في الصورة و المثال ما مر من الاحتمالات، ف قوله (عليه السلام): ليس بين الخالق و المخلوق شيء، أي ليس بينه تعالى و بين خلقه حقيقة أو مادة مشتركة حتى يمكنهم معرفته من تلك الجهة، بل أوجدهم لا من شيء كان، و يؤيد هذا المعنى ما ذكره في التوحيد تتمة لهذا الخبر:" و الأسماء غيره و الموصوف غير الواصف، فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة، لا يدرك مخلوق شيئا إلا بالله، و لا يدرك معرفة الله إلا بالله، و الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه، و إذا أراد شيئا كان كما أراد بأمره من غير نطق، لا ملجأ لعباده مما قضى، و لا حجة لهم فيما ارتضى

36

وَ اللَّهُ يُسَمَّى بِأَسْمَائِهِ وَ هُوَ غَيْرُ أَسْمَائِهِ وَ الْأَسْمَاءُ غَيْرُهُ

____________

لم يقدروا على عمل و لا معالجة مما أحدث في أبدانهم المخلوقة إلا بربهم، فمن زعم أنه يقوى على عمل لم يرده الله عز و جل فقد زعم أن إرادته تغلب إرادة الله تَبٰارَكَ اللّٰهُ رَبُّ الْعٰالَمِينَ*" و وجه التأييد ظاهر لمن تأمل فيها.

تذييل: اعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن الاسم هل هو عين المسمى أو غيره، فذهب أكثر الأشاعرة إلى الأول و الإمامية و المعتزلة إلى الثاني، و قد وردت هذه الأخبار ردا على القائلين بالعينية و أول بعض المتأخرين كلامهم لسخافته و إن كانت كلماتهم صريحة فيما نسب إليهم.

قال شارح المقاصد: الاسم هو اللفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعم أنواع الكلمة، و قد يقيد بالاستقلال و التجرد عن الزمان، فيقابل الفعل و الحرف على ما هو مصطلح النحاة، و المسمى هو المعنى الذي وضع الاسم بإزائه، و التسمية هو وضع الاسم للمعنى و قد يراد بها ذكر الشيء باسمه كما يقال يسمى زيدا و لم يسم عمروا، فلا خفاء في تغاير الأمور الثلاثة، و إنما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أن الاسم نفس المسمى، و فيما ذكره الشيخ الأشعري من أن أسماء الله تعالى ثلاثة أقسام ما هو نفس المسمى مثل" الله" الدال على الوجود، أي الذات، و ما هو غيره كالخالق و الرازق و نحو ذلك مما يدل على فعل، و ما لا يقال إنه هو و لا غيره كالعالم و القادر و كل مما يدل على الصفات، و أما التسمية فغير الاسم و المسمى.

و توضيحه: أنهم يريدون بالتسمية اللفظ و بالاسم مدلوله كما يريدون بالوصف قول الواصف، و بالصفة مدلوله، و كما يقولون: أن القراءة حادثة و المقر و قديم، إلا أن الأصحاب اعتبروا المدلول المطابقي فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمى للقطع بأن مدلول الخالق شيء ماله الخلق لا نفس الخلق، و مدلول العالم شيء ما له العلم لا نفس العلم، و الشيخ أخذ المدلول أعم، و اعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة،

37

بَابُ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَ اشْتِقَاقِهَا

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ تَفْسِيرِ

____________

فزعم أن مدلول الخالق الخلق و هو غير الذات، و مدلول العالم العلم و هو لا عين و لا غير" انتهى".

باب معاني الأسماء و اشتقاقها الحديث الأول: ضعيف.

قوله (عليه السلام): الباء بهاء الله، يظهر من كثير من الأخبار أن للحروف المفردة أوضاعا و معاني متعددة لا يعرفها إلا حجج الله (عليه السلام)، و هذه إحدى جهات علومهم و استنباطهم من القرآن، و قد روت العامة في" الم" عن ابن عباس أن الألف آلاء الله و اللام لطفه و الميم ملكه، و البهاء الحسن، و السناء بالمد: الرفعة، و المجد: الكرم و الشرف.

و أقول: يمكن أن يكون هذا مبنيا على الاشتقاق الكبير و المناسبة الذاتية بين الألفاظ و معانيها، فالباء لما كانت مشتركة بين المعنى الحرفي و بين البهاء فلا بد من مناسبة بين معانيهما، و كذا الاسم و السناء لما اشتركا في السين فلذا اشتركا في معنى العلو و الرفعة، و كذا الاسم لما اشترك مع المجد و الملك فلا بد من مناسبة بين معانيها، و هذا باب واسع في اللغة يظهر ذلك للمتتبع بعد تتبع المباني و المعاني، فالمراد بقوله (عليه السلام) و السين سناء الله، أن هذا الحرف في الاسم مناط لحصول هذا المعنى فيه، و كذا البواقي، و التأمل في ذلك يكسر سورة الاستبعاد عن ظاهر هذا الكلام، و هذا مما خطر بالبال في هذا المقام.

و لعله أقرب مما أفاده بعض الأعلام، حيث قال: لما كان تفسيره بحسب معنى حرف الإضافة، و لفظ الاسم غير محتاج إلى البيان للعارف باللغة أجاب (عليه السلام) بالتفسير

38

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ-

قَالَ الْبَاءُ بَهَاءُ اللَّهِ وَ السِّينُ سَنَاءُ اللَّهِ وَ الْمِيمُ مَجْدُ اللَّهِ وَ رَوَى بَعْضُهُمْ الْمِيمُ مُلْكُ اللَّهِ وَ اللَّهُ إِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ الرَّحْمَنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ وَ الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً

____________

بحسب المدلولات البعيدة، أو لأنه لما صار مستعملا للتبرك مخرجا عن المدلول الأول ففسره بغيره مما لوحظ في التبرك، و المراد بهذا التفسير إما أن هذه الحروف لما كانت أوائل هذه الألفاظ الدالة على هذه الصفات أخذت للتبرك أو أن هذه الحروف لها دلالة على هذه المعاني إما على أن للحروف مناسبة مع المعاني بها وضعت لها، و هي أوائل هذه الألفاظ فهي أشد حروفها مناسبة و أقواها دلالة لمعانيها أو لأن الباء لما دلت على الارتباط و الانضياف و مناط الارتباط و الانضياف إلى شيء وجدان حسن مطلوب للطالب، ففيها دلالة على حسن و بهاء مطلوب لكل طالب، و بحسبها فسرت ببهاء الله، و لما كان الاسم من السمو الدال على الرفعة و العلو و الكرم و الشرف، فكل من الحرفين بالانضمام إلى الآخر دال على ذلك المدلول فنسبت الدلالة على السناء بحسب المناسبة إلى السين، و فسرها بسناء الله و الدلالة على المجد أو الملك بحسبها إلى الميم، و فسرها بالمجد أو الملك على الرواية الأخرى" و الله إله كل شيء" أي مستحق للعبودية لكل شيء و الحقيق بها، و الرحمن لجميع خلقه.

اعلم أن الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، و ذلك إنما يعبر تارة باعتبار الكمية و أخرى باعتبار الكيفية، فعلى الأول قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن و الكافر، و رحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن و على الثاني قيل: يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما بتخصيص الأول بجلائل النعم و الثاني بغيرها، و الثاني أيضا يحتمل أن يكون محمولا على الوجه الأول، أي رحمن الدارين بالنعم العامة، و الرحيم فيهما بالنعم الخاصة بالهداية و التوفيق في الدنيا و الجنة و درجاتها في الآخرة، و الأخير في هذا الخبر أظهر.

39

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ

أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَ اشْتِقَاقِهَا اللَّهُ مِمَّا هُوَ مُشْتَقٌّ فَقَالَ يَا هِشَامُ اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَ إِلَهٌ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً وَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَ لَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً وَ مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَ الْمَعْنَى فَقَدْ أَشْرَكَ وَ عَبَدَ اثْنَيْنِ وَ مَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ قَالَ قُلْتُ زِدْنِي قَالَ لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَ تِسْعُونَ اسْماً فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى لَكَانَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا إِلَهاً وَ لَكِنَّ اللَّهَ مَعْنًى يُدَلُّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَ كُلُّهَا غَيْرُهُ يَا هِشَامُ الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ وَ الْمَاءُ اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ وَ الثَّوْبُ اسْمٌ لِلْمَلْبُوسِ وَ النَّارُ اسْمٌ لِلْمُحْرِقِ أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ فَهْماً تَدْفَعُ بِهِ وَ تُنَاضِلُ بِهِ أَعْدَاءَنَا الْمُتَّخِذِينَ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ غَيْرَهُ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ نَفَعَكَ اللَّهُ بِهِ وَ ثَبَّتَكَ يَا هِشَامُ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا قَهَرَنِي أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ حَتَّى قُمْتُ مَقَامِي هَذَا

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

سُئِلَ عَنْ مَعْنَى

____________

الحديث الثاني: حسن و قد مر بعينه متنا و سندا في باب المعبود فلا نعيد شرحه.

الحديث الثالث: ضعيف.

قوله (عليه السلام): استولى، لعله من باب تفسير الشيء بلازمه، فإن معنى الإلهية يلزمه الاستيلاء على جميع الأشياء دقيقها و جليلها، و قيل: السؤال إنما كان عن مفهوم الاسم و مناطه، فأجاب (عليه السلام) بأن الاستيلاء على جميع الأشياء مناط المعبودية بالحق لكل شيء.

أقول: الظاهر أنه سقط من الخبر شيء، لأنه مأخوذ من كتاب البرقي و روي في المحاسن بهذا السند بعينه عن القاسم عن جده الحسن عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) و سئل عن معنى قول الله" عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ" فقال: استولى على

40

اللَّهِ فَقَالَ اسْتَوْلَى عَلَى مَا دَقَّ وَ جَلَّ

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ

- سَأَلْتُ الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ

اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ

فَقَالَ هَادٍ لِأَهْلِ السَّمَاءِ وَ هَادٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَ فِي رِوَايَةِ الْبَرْقِيِّ هُدَى مَنْ فِي السَّمَاءِ وَ هُدَى مَنْ فِي الْأَرْضِ

[الحديث 5]

5

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ

- سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ

وَ قُلْتُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ وَ أَمَّا الْآخِرُ فَبَيِّنْ لَنَا تَفْسِيرَهُ فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا يَبِيدُ أَوْ يَتَغَيَّرُ أَوْ يَدْخُلُهُ التَّغَيُّرُ وَ الزَّوَالُ أَوْ يَنْتَقِلُ مِنْ لَوْنٍ إِلَى لَوْنٍ وَ مِنْ هَيْئَةٍ إِلَى هَيْئَةٍ وَ مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ وَ مِنْ زِيَادَةٍ إِلَى نُقْصَانٍ وَ مِنْ

____________

ما دق و جل، و روى الطبرسي في الاحتجاج أيضا هكذا، فلا يحتاج إلى هذه التكلفات إذ أكثر المفسرين فسروا الاستواء بمعنى الاستيلاء، و قد حققنا في مواضع من كتبنا أن العرش يطلق على جميع مخلوقاته سبحانه و هذا أحد إطلاقاته لظهور وجوده و علمه و قدرته في جميعها، و هذا من الكليني غريب و لعله من النساخ.

الحديث الرابع: ضعيف على المشهور و آخره مرسل.

قوله (عليه السلام): هاد لأهل السماء.

أقول: النور ما يكون ظاهرا بنفسه و سببا لظهور غيره، و الله سبحانه هو الموجود بنفسه، الموجد لغيره، و العالم بذاته المفيض للعلوم على من سواه، فهو هاد لأهل السماء و أهل الأرض، و هدى لهم بما أوجد و أظهر لهم من آيات وجوده و علمه و قدرته، و بما أفاض عليهم من العلوم و المعارف.

الحديث الخامس: صحيح.

قوله (عليه السلام): يبيد، أي يهلك، و الرفات: المتكسر من الأشياء اليابسة، و الرميم ما بلى من العظام، و البلح محركة بين الخلال و البسر، قال الجوهري: البلح قبل البسر لأن أول التمر طلع، ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب. أقول: الغرض أن

41

نُقْصَانٍ إِلَى زِيَادَةٍ إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ بِحَالَةٍ وَاحِدَةٍ هُوَ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْآخِرُ عَلَى مَا لَمْ يَزَلْ وَ لَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ وَ الْأَسْمَاءُ كَمَا تَخْتَلِفُ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ تُرَاباً مَرَّةً وَ مَرَّةً لَحْماً وَ دَماً وَ مَرَّةً رُفَاتاً وَ رَمِيماً وَ كَالْبُسْرِ الَّذِي يَكُونُ مَرَّةً بَلَحاً وَ مَرَّةً بُسْراً وَ مَرَّةً رُطَباً وَ مَرَّةً تَمْراً فَتَتَبَدَّلُ عَلَيْهِ الْأَسْمَاءُ وَ الصِّفَاتُ وَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ بِخِلَافِ ذَلِكَ

[الحديث 6]

6

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مَيْمُونٍ الْبَانِ قَالَ

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ الْأَوَّلِ وَ الْآخِرِ فَقَالَ الْأَوَّلُ لَا عَنْ أَوَّلٍ قَبْلَهُ وَ لَا عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وَ الْآخِرُ لَا عَنْ نِهَايَةٍ كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَ لَكِنْ قَدِيمٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزُولُ بِلَا بَدْءٍ وَ لَا نِهَايَةٍ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ وَ لَا يَحُولُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ

خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

[الحديث 7]

7

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ

كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ

____________

دوام الجنة و النار و أهلهما و غيرها لا ينافي آخريته تعالى و اختصاصها به فإن هذه الأشياء دائما في التغير و التبدل و بمعرض الفناء و الزوال، و هو سبحانه باق من حيث الذات و الصفات، أزلا و أبدا بحيث لا يعتريه تغير أصلا، فكل شيء هالك و فإن إلا وجهه تعالى، و قيل: آخريته سبحانه باعتبار أنه تعالى يفنى جميع الأشياء قبل القيامة ثم يعيدها كما يدل عليه ظواهر بعض الآيات و صريح بعض الأخبار، و قد بسطنا القول في ذلك في الفرائد الطريفة في شرح الدعاء الأول.

الحديث السادس: مجهول و مضمونه قريب من الخبر السابق.

" لا عن أول قبله" أي سابق عليه بالزمان أو علة" و لا عن بدء" بالهمز أي ابتداء أو بدئ على فعيل أي علة" لا عن نهاية" أي من حيث الذات و الصفات كما مر" لا يقع عليه الحدوث" ناظر إلى الأولية" و لا يحول" ناظر إلى الآخرية.

الحديث السابع: مرفوع.

42

الثَّانِي(ع)فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُ أَسْمَاءٌ وَ صِفَاتٌ فِي كِتَابِهِ وَ أَسْمَاؤُهُ وَ صِفَاتُهُ هِيَ هُوَ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ لِهَذَا الْكَلَامِ وَجْهَيْنِ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ هِيَ هُوَ أَيْ إِنَّهُ ذُو عَدَدٍ وَ كَثْرَةٍ فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَ الْأَسْمَاءُ لَمْ تَزَلْ فَإِنَّ لَمْ تَزَلْ مُحْتَمِلٌ مَعْنَيَيْنِ فَإِنْ قُلْتَ لَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ فِي عِلْمِهِ وَ هُوَ مُسْتَحِقُّهَا فَنَعَمْ وَ إِنْ كُنْتَ تَقُولُ لَمْ يَزَلْ تَصْوِيرُهَا وَ هِجَاؤُهَا وَ تَقْطِيعُ

____________

قوله: له أسماء و صفات: الظاهر أن المراد بالأسماء ما دل على الذات من غير ملاحظة صفة، و بالصفات ما دل على الذات مع ملاحظة الاتصاف بصفة فأجاب (عليه السلام) بالاستفسار عن مراد السائل و ذكر محتملاته و هي ثلاثة، و ينقسم بالتقسيم الأول إلى احتمالين، لأن المراد به إما معناه الظاهر أو مأول بمعنى مجازي، لكون معناه الظاهر في غاية السخافة، فالأول و هو معناه الظاهر: أن يكون المراد كون كل من تلك الأسماء و الحروف المؤلفة المركبة عين ذاته تعالى، و حكم بأنه تعالى منزه عن ذلك لاستلزامه تركبه و حدوثه و تعدده تعالى الله عن ذلك.

الثاني: أن يكون قوله:" هي هو" كناية عن كونها دائما معه في الأزل فكأنها عينه و هذا يحتمل معنيين:

" أحدهما" أن يكون المراد أنه تعالى كان في الأزل مستحقا لإطلاق تلك الأسماء عليه، و كون تلك الأسماء في علمه تعالى من غير تعدد في ذاته تعالى و صفاته و من غير أن يكون معه شيء في الأزل فهذا حق.

" و ثانيهما" أن يكون المراد كون تلك الأسماء و الحروف المؤلفة دائما معه في الأزل فمعاذ الله أن يكون معه غيره في الأزل، و هذا صريح في نفي تعدد القدماء و لا يقبل تأويل القائلين بمذاهب الحكماء، و قوله (عليه السلام): تصويرها، أي إيجادها بتلك الصور و الهيئات، و هجاؤها، أي التكلم بها، و في القاموس: الهجاء ككساء تقطيع اللفظ بحروفها، و هجيت الحروف و تهجيته" انتهى".

فقوله: و تقطيع حروفها، كالتفسير له، ثم أشار (عليه السلام) إلى حكمة خلق الأسماء

43

حُرُوفِهَا فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ بَلْ كَانَ اللَّهُ وَ لَا خَلْقَ ثُمَّ خَلَقَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ يَتَضَرَّعُونَ بِهَا إِلَيْهِ وَ يَعْبُدُونَهُ وَ هِيَ ذِكْرُهُ وَ كَانَ اللَّهُ وَ لَا ذِكْرَ وَ الْمَذْكُورُ بِالذِّكْرِ هُوَ اللَّهُ الْقَدِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ الْأَسْمَاءُ وَ الصِّفَاتُ مَخْلُوقَاتٌ وَ الْمَعَانِي وَ الْمَعْنِيُّ بِهَا هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ الِاخْتِلَافُ وَ لَا الِائْتِلَافُ وَ إِنَّمَا يَخْتَلِفُ وَ يَأْتَلِفُ الْمُتَجَزِّئُ

____________

و الصفات بأنها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرعون بها إليه و يعبدونه،" و هي ذكره" بالضمير أي يذكر بها، و المذكور بالذكر قديم، و الذكر حادث، و منهم من قرأ بالتاء قال الجوهري: الذكر و الذكرى نقيض النسيان، و كذلك الذكرة.

قوله (عليه السلام): و الأسماء و الصفات مخلوقات، أقول: ههنا اختلفت نسخ الحديث ففي توحيد الصدوق مخلوقات المعاني، أي معانيها اللغوية و مفهوماتها الكلية مخلوقة و في احتجاج الطبرسي ليس لفظ المعاني أصلا، و في الكتاب و المعاني بالعطف، فالمراد إما مصداق مدلولاتها، و يكون قوله و المعنى بها عطف تفسير له، أو هي معطوفة على الأسماء، أي و المعاني و هي حقائق مفهومات الصفات مخلوقة، أو المراد بالأسماء الألفاظ و بالصفات ما وضع أسماؤها له، و قوله: مخلوقات و المعاني خبران للأسماء و الصفات، أي الأسماء مخلوقات و الصفات هي المعاني و المعنى بها هو الله أي المقصود بها المذكور بالذكر، و مصداق تلك المعاني المطلوب بها هو ذات الله تعالى، و المراد بالاختلاف تكثر الأفراد أو تكثر الصفات، أو الأحوال المتغيرة أو اختلاف الأجزاء و تباينها بحسب الحقيقة، أو الانفكاك و التحلل و بالائتلاف التركب من الأجزاء أو اتفاق الأجزاء في الحقيقة، و حاصل الكلام أن ذات الله سبحانه ليس بمؤتلف و لا مختلف لأنه واحد حقيقي، و كل ما يكون واحدا حقيقيا لا يكون مؤتلفا و لا مختلفا، أما أنه واحد حقيقي فلقدمه، و وجوب وجوده لذاته.

و أما أن الواحد لا يصح عليه الائتلاف و الاختلاف، لأن كل متجزء أو متوهم بالقلة و الكثرة مخلوق، و لا شيء من المخلوق بواحد حقيقي لمغايرة الوجود و المهية و للتحلل إلى المهية و التشخص، فلا شيء من الواحد بمتجزي و لا شيء من

44

فَلَا يُقَالُ اللَّهُ مُؤْتَلِفٌ وَ لَا اللَّهُ قَلِيلٌ وَ لَا كَثِيرٌ وَ لَكِنَّهُ الْقَدِيمُ فِي ذَاتِهِ لِأَنَّ مَا سِوَى الْوَاحِدِ مُتَجَزِّئٌ وَ اللَّهُ وَاحِدٌ لَا مُتَجَزِّئٌ وَ لَا مُتَوَهَّمٌ بِالْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ وَ كُلُّ مُتَجَزِّئٍ أَوْ مُتَوَهَّمٍ بِالْقِلَّةِ وَ الْكَثْرَةِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ دَالُّ عَلَى خَالِقٍ لَهُ فَقَوْلُكَ إِنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ- خَبَّرْتَ أَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَنَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْعَجْزَ وَ جَعَلْتَ الْعَجْزَ سِوَاهُ وَ كَذَلِكَ قَوْلُكَ عَالِمٌ إِنَّمَا نَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْجَهْلَ وَ جَعَلْتَ الْجَهْلَ سِوَاهُ وَ إِذَا أَفْنَى اللَّهُ الْأَشْيَاءَ أَفْنَى الصُّورَةَ وَ الْهِجَاءَ وَ التَّقْطِيعَ وَ لَا يَزَالُ مَنْ لَمْ يَزَلْ عَالِماً

____________

المتجزى بواحد، و قوله (عليه السلام): فقولك إن الله قدير، بيان لحال توصيفه سبحانه بالصفات كالقدرة و العلم، و أن معانيها مغايرة للذات، فمعنى قولك: أن الله قدير خبرت بهذا القول إنه لا يعجزه شيء، فمعنى القدرة فيه نفي العجز عنه لا صفة و كيفية موجودة، فجعلت العجز مغايرا له منفيا عنه، و نفي المغاير للشيء مغاير له كالمنفي عنه، و كذا العلم و سائر الصفات.

و قوله (عليه السلام): فإذا أفنى الله الأشياء استدلال على مغايرته تعالى للأسماء و هجائها و تقطيعها، و المعاني الحاصلة منها من جهة النهاية، كما أن المذكور سابقا كان من جهة البداية.

و الحاصل أن علمه تعالى ليس عين قولنا عالم، و ليس اتصافه تعالى به متوقفا على التكلم بذلك، و كذا الصور الذهنية ليست عين حقيقة ذاته و صفاته تعالى، و ليس اتصافه تعالى بالصفات متوقفا على حصول تلك الصور إذ بعد فناء الأشياء تفنى تلك الأمور مع بقائه تعالى متصفا بجميع الصفات الكمالية، كما أن قبل حدوثها كان متصفا بها، و هذا الخبر مما يدل على أنه سبحانه يفنى جميع الأشياء قبل القيامة.

ثم اعلم أن المقصود بما ذكر في هذا الخبر و غيره من أخبار البابين هو نفي تعقل كنه ذاته و صفاته تعالى، و بيان أن صفات المخلوقات مشوبة بأنواع النقص و العجز و الله تعالى متصف بها، معرى عن جهات النقص و العجز، كالسمع فإنه فينا العلم بالمسموعات بالحاسة المخصوصة، و لما كان توقف علمنا على الحاسة لعجزنا و كان حصولها لنا من

45

فَقَالَ الرَّجُلُ فَكَيْفَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا سَمِيعاً فَقَالَ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَسْمَاعِ وَ لَمْ نَصِفْهُ بِالسَّمْعِ الْمَعْقُولِ فِي الرَّأْسِ وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ بَصِيراً لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَبْصَارِ مِنْ لَوْنٍ أَوْ شَخْصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَ لَمْ نَصِفْهُ بِبَصَرِ لَحْظَةِ الْعَيْنِ وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ لَطِيفاً لِعِلْمِهِ بِالشَّيْءِ اللَّطِيفِ مِثْلِ الْبَعُوضَةِ وَ أَخْفَى مِنْ ذَلِكَ وَ مَوْضِعِ

____________

جهة تجسمنا و إمكاننا و نقصنا، و أيضا ليس علمنا من ذاتنا لعجزنا و علمنا حادث لحدوثنا، و ليس علمنا محيطا بحقائق ما نسمعه كما هي، لقصورنا عن الإحاطة، و كل هذه نقائص شابت ذلك الكمال، فلذا أثبتنا له سبحانه ما هو الكمال، و هو أصل العلم و نفينا عنه جميع تلك الجهات التي هي سمات النقص و العجز، و لما كان علمه سبحانه غير متصور لنا بالكنه، و رأينا الجهل فينا نقصا فنفيناه عنه، فكأنا لم نتصور من علمه تعالى إلا عدم الجهل، فإثباتنا العلم له تعالى إنما يرجع إلى نفي الجهل، لأنا لم نتصور علمه تعالى إلا بهذا الوجه، و إذا وفيت في ذلك حق النظر وجدته نافيا لما يدعيه القائلون بالاشتراك اللفظي في الوجود و سائر الصفات لا مثبتا له، و قد عرفت أن الأخبار الدالة على نفي التعطيل ينفي هذا القول.

قوله (عليه السلام): بالسمع المعقول في الرأس، أي الذي نتعقله في الرأس و نحكم بأنه فيه، و اللطيف قد يكون بمعنى رقيق القوام أو عديم اللون من الأجسام أو صغير الجسم، و فيه سبحانه لا يتصور هذه الأمور لكونها من لوازم الأجسام، فقد يراد به التجرد مجازا أو بمعنى لطيف الصنعة أو العالم بلطائف الأمور كما فسر به في هذا الخبر.

و موضع النشو منها، أي المواد التي جعلها في أبدانها و بها ينمو و موضع نمو كل عضو و قدر نموها بحيث لا يخرج عن التناسب الطبيعي بين الأعضاء، و النشوء بالهمزة: النمو، و ربما يقرأ بكسر النون و الواو خبرا بمعنى شم الريح، جمع نشوة أي يعلم محل القوة الشامة منها، و في التوحيد: موضع الشبق أي شهوة الجماع، و في الاحتجاج: موضع المشي و العقل، أي موضع قواها المدركة، و الحدب محركة التعطف، و يمكن عطفه على موضع النشو و على النشو.

46

النُّشُوءِ مِنْهَا وَ الْعَقْلِ وَ الشَّهْوَةِ لِلسِّفَادِ وَ الْحَدَبِ عَلَى نَسْلِهَا وَ إِقَامِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَ نَقْلِهَا الطَّعَامَ وَ الشَّرَابَ إِلَى أَوْلَادِهَا فِي الْجِبَالِ وَ الْمَفَاوِزِ وَ الْأَوْدِيَةِ وَ الْقِفَارِ فَعَلِمْنَا أَنَّ خَالِقَهَا لَطِيفٌ بِلَا كَيْفٍ وَ إِنَّمَا الْكَيْفِيَّةُ لِلْمَخْلُوقِ الْمُكَيَّفِ وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا قَوِيّاً لَا بِقُوَّةِ الْبَطْشِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ لَوْ كَانَتْ قُوَّتُهُ قُوَّةَ الْبَطْشِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَخْلُوقِ لَوَقَعَ التَّشْبِيهُ وَ لَاحْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَ مَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصَانَ وَ مَا كَانَ نَاقِصاً

____________

و إقام بعضها، الإقام مصدر بمعنى الإقامة كقوله تعالى" أَقٰامَ الصَّلٰاةَ*" حذفت التاء المعوضة عن العين [الساقطة من إقوام] و أقيمت الإضافة مقامها، و يمكن عطف هذه الفقرة على علمه و على المعلومات، و الفقرات الآتية تؤيد الثاني، و القفار جمع القفر و هو مفازة لا نبات فيها و لا ماء.

قوله (عليه السلام): لوقع التشبيه.

قال بعض الأفاضل: أبطل كون قوته قوة البطش المعروف من المخلوقين بوجهين:

" أحدهما" لزوم وقوع التشبيه و كونه ماديا مصورا بصورة المخلوق" و ثانيهما" لزوم كونه سبحانه محتملا للزيادة لأن الموصوف بمثل هذه الكيفية لا بد لها من مادة قابلة لها متقومة بصورة جسمانية، موصوفة بالتقدر بقدر، و التناهي و التحدد بحد لا محالة فيكون لا محالة حينئذ موصوفا بالزيادة على ما دونه من ذوي الأقدار و كل موصوف بالزيادة الإضافية موصوف بالنقصان الإضافي لوجهين:

" أحدهما" أن المقادير الممكنة لأحد لها تقف عنده في الزيادة، كما لأحد لها في النقصان، فالمتقدر بمقدار متناه يتصف بالنقص الإضافي بالنسبة إلى بعض الممكنات، و إن لم يدخل في الوجود.

" و ثانيهما" أنه يكون حينئذ لا محالة موصوفا بالنقص الإضافي بالنسبة إلى مجموع الموصوف بالزيادة الإضافية، و المقيس إليه، فيكون أنقص من مجموعهما، و ما كان ناقصا بالنسبة إلى غيره من الممكنات لا يكون قديما واجب الوجود لذاته

47

كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ وَ مَا كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ كَانَ عَاجِزاً فَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا شِبْهَ لَهُ وَ لَا ضِدَّ وَ لَا نِدَّ وَ لَا كَيْفَ وَ لَا نِهَايَةَ وَ لَا تَبْصَارَ بَصَرٍ وَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْقُلُوبِ أَنْ تُمَثِّلَهُ وَ عَلَى

____________

لأنه علة و مبدء لكل ما يغايره، و المبدأ المفيض أكمل و أتم من المعلول الصادر عنه المفاض عليه منه، فكل ناقص إضافي أحق بالمعلولية من المبدئية لما هو أكمل و أزيد منه، و هذا ينافي ربوبيته و يتم به المطلوب لكنه لما أراد إلزام ما هو أظهر فسادا و هو لزوم عجزه عن قوته ضم إليه قوله: و ما كان غير قديم كان عاجزا، لأنه كان معلولا لعلته و مبدئه، مسخرا له غير قوي على مقاومته.

إذا عرفت ذلك فربنا تبارك و تعالى لا شبه له لأن شبه الممكن ممكن، و لا ضد له لأن الشيء لا يضاد علته، و مقتضى العلية و المعلولية الملازمة و الاجتماع في الوجود، فلا يجامع المضادة و لا ند له، لأن المثل المقاوم لا يكون معلولا و لا قديم سواه بدليل التوحيد، و لا كيف له لكونه تاما كاملا في ذاته، غير محتمل لما يفقده و لا نهاية له لتعاليه عن التقدر و القابلية لما يغايره.

و لا يبصار بصر، و في بعض النسخ و لا تبصار بالتاء، أي التبصر بالبصر، و محرم على القلوب أن تمثله أي أن يجعل حقيقته موجودا ظليا مثاليا، و يأخذ منه حقيقة كلية معقولة لكونه واجب الوجود بذاته لا تنفك حقيقته عن كونه موجودا عينيا شخصيا، و على الأوهام أن تحده لعجزها عن أخذ المعاني الجزئية عما لا يحصل في القوي و الأذهان، و لا يحاط بها فلا تأخذ منه صورة جزئية، و على الضمائر أن تكونه الضمير السر و داخل الخاطر و البال، و يطلق على محله كما أن الخاطر في الأصل ما يخطر بالبال و يدخله، ثم أطلق على محله، و التكوين التحريك، و المعنى أنه محرم على ما يدخل الخواطر أن يدخله، و ينقله من حال إلى حال، لاستحالة قبوله لما يغايره، أو المراد بالضمائر خواطر الخلق و قواهم الباطنة، و أنه يستحيل أن يخرجه من الغيبة إلى الحضور و الظهور عليهم، أي ليس لها أن تجعله بأفعالها متنزلا إلى مرتبة الحضور عندهم.

48

الْأَوْهَامِ أَنْ تَحُدَّهُ وَ عَلَى الضَّمَائِرِ أَنْ تُكَوِّنَهُ جَلَّ وَ عَزَّ عَنْ أَدَاةِ خَلْقِهِ وَ سِمَاتِ بَرِيَّتِهِ وَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً

[الحديث 8]

8

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فَقَالَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)حَدَّدْتَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ كَيْفَ أَقُولُ قَالَ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ

[الحديث 9]

9

وَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَرْوَكِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع

أَيُّ شَيْءٍ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ

____________

أقول: و يحتمل أن يكون دليلا على امتناع حصوله في المعقول و الضمائر، لأنه يلزم أن يكون حقيقته سبحانه مكونة مخلوقة و لو في الوجود الذهني، و هو متعال عن ذلك" عن أداة خلقه" أي آلتهم التي بها يفعلون و يحتاجون في أفعالهم إليها و" سمات بريته" أي صفاتهم.

الحديث الثامن: ضعيف على المشهور.

قوله (عليه السلام): من أي شيء، هذا استعلام عن مراد القائل أنه هل أراد اتصافه سبحانه بالشدة أو الزيادة في الكبر الذي يعقل في المخلوقين، فيلزم اتصافه بالكبر الإضافي أو أراد نفي اتصافه سبحانه بما يعقل عن الصفات في المخلوقات، و لما أجاب القائل بقوله: من كل شيء، علم أنه أراد الأول فنبه على فساده بقوله حددته، لأن المتصف بصفات الخلق محدود بحدود الخلق، غير خارج عن مرتبتهم، فلما علم القائل خطاءه قال: كيف أقول؟ فأجاب (عليه السلام) بقوله: قل: الله أكبر من أن يوصف، و معناه اتصافه بنفي صفات المخلوقات عنه و تعاليه عن أن يتصف بها.

الحديث التاسع: مجهول.

قوله (عليه السلام): أي شيء الله أكبر؟ أي ما المراد به و ما معناه؟

49

كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ وَ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ فَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ فَقُلْتُ وَ مَا هُوَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ

[الحديث 10]

10

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ أَنَفَةٌ لِلَّهِ

[الحديث 11]

11

أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى طِرْبَالٍ عَنْ هِشَامٍ الْجَوَالِيقِيِّ قَالَ

- سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

سُبْحٰانَ اللّٰهِ

مَا يُعْنَى بِهِ قَالَ تَنْزِيهُهُ

[الحديث 12]

12

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى جَمِيعاً عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ

- سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الثَّانِيَ(ع)مَا مَعْنَى الْوَاحِدِ فَقَالَ إِجْمَاعُ الْأَلْسُنِ عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ

____________

قوله (عليه السلام): و كان ثم شيء؟ استفهام للإنكار أي أ كان في مرتبة تداني مرتبته سبحانه، و يصح فيها النسبة بينه و بين غيره شيء، و الحاصل أنه يضمحل في جنب عظمته و جلاله كل شيء، فلا وجه للمقايسة، أو المعنى أنه لم يكن في الأزل شيء، و كانت هذه الكلمة صادقة في الأزل، و الأول أعلى و أظهر.

الحديث العاشر: صحيح.

قوله (عليه السلام): أنفة لله، أي براءة و تعال و تنزه له سبحانه عن صفات المخلوقات و نصب سبحان على المصدر، أي أسبح الله سبحانا يليق به و يقال: أنف منه أي استنكف.

الحديث الحادي عشر: ضعيف.

الحديث الثاني عشر: صحيح.

قوله (عليه السلام): إجماع الألسن، أي معنى الواحد في أسمائه و صفاته سبحانه ما أجمع عليه الألسن من وحدانيته و تفرده بالخالقية و الألوهية، كقوله:" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ*" أي جميع الخلق إذا راجعوا إلى أنفسهم و جانبوا الأغراض الفاسدة التي صرفتهم

50

مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ

بَابٌ آخَرُ وَ هُوَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً وَ هُوَ الْفَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَ أَسْمَاءِ الْمَخْلُوقِينَ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُخْتَارِ الْهَمْدَانِيِّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ جَمِيعاً عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

الْوَاحِدُ الْأَحَدُ

الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ

لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ لَمْ يُعْرَفِ

____________

عن مقتضى عقولهم، أو المراد به مشركو مكة، فإن شركهم كان في المعبودية لا الخالقية، و يحتمل أن يكون الواحد في الله سبحانه موضوعا شرعا لهذا المعنى، أي من أجمعت الألسن على وحدانيته.

باب آخر و هو من الباب الأول إلا أن فيه زيادة، و هو الفرق ما بين المعاني تحت أسماء الله و أسماء المخلوقين.

الحديث الأول: مجهول، و أبو الحسن (عليه السلام) يحتمل الثاني و الثالث (عليهما السلام) قال ابن الغضائري: اختلفوا في أن مسئول فتح بن يزيد هو الرضا (عليه السلام) أم الثالث، و صرح الصدوق بأنه الرضا (عليه السلام).

قوله (عليه السلام): لم يعرف الخالق، في التوحيد هكذا" وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، منشئ الأشياء و مجسم الأجسام و مصور الصور، و لو كان كما يقولون لم يعرف" و هو أصوب، و المعنى أنه لو كان قول المشبهة حقا لم يتميز الخالق من المخلوق، لاشتراكهما في الصفات الإمكانية، و على ما في الكتاب: المعنى: لا يمكن معرفة الخالق من المخلوق، و بالمقايسة إليه، إذ ليس المخلوق ذاتيا لخالقه و لا مرتبطا به