مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج5

- العلامة المجلسي المزيد...
373 /
1

[تتمة كتاب الحجة]

بَابٌ فِيهِ نُكَتٌ وَ نُتَفٌ مِنَ التَّنْزِيلِ فِي الْوَلَايَةِ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ سَالِمٍ الْحَنَّاطِ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى

نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ

قَالَ هِيَ الْوَلَايَةُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع

____________

باب فيه نكت و نتف من التنزيل في الولاية أقول: النكت جمع نكتة بالضم و هي النقط كناية عن اللطائف و الأسرار، و النتف أيضا كصرد جمع نتفة بالضم و هي ما أخذته بإصبعك من النبت و الشعر و غيرهما قال الجوهري: النتفة من النبات القطعة و الجمع نتف كغرفة و غرف، و أفاده نتفة من علم، أي شيئا نفيسا منه، انتهى.

و المراد بهما الأخبار المتفرقة الواردة في تفسير الآيات بالولاية، لا تجمع بعضها مع بعض في عنوان، فهو شبيه بباب النوادر.

الحديث الأول: مرسل.

" قال هي الولاية" أقول: ظاهر الآية رجوع الضمير إلى القرآن كما ذكره

2

..........

المفسرون، و تأويله (عليه السلام) يحتمل وجهين: الأول: أن المراد به الآيات النازلة في الولاية أو هي عمدتها لأن أكثر القرآن نزل فيهم و في أعدائهم، الثاني: أن يكون المراد أن الإنذار الكامل بالقرآن إنما يتم بنصب الإمام لأنه الحافظ للفظه المفسر لمعناه، كما قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، و يؤيد الأول ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن حسان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى:

" وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعٰالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ" قال: الولاية نزلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير.

و قال بعض الأفاضل: لما أراد الله سبحانه أن يعرف نفسه لعباده ليعبدوه و كان لا يتيسر معرفته كما أراد على سنة الأسباب إلا بوجود الأنبياء و الأوصياء إذ بهم تحصل المعرفة التامة و العبادة الكاملة دون غيرهم، و كان لم يتيسر وجود الأنبياء و الأوصياء إلا بخلق سائر الخلق ليكونوا أنسا لهم و سببا لمعاشهم، فلذلك خلق سائر الخلق ثم أمرهم بمعرفة أنبيائه و أوليائه و ولايتهم و التبري من أعدائهم و مما يصدهم عن ذلك ليكونوا ذوات حظوظ من نعيمهم فوهب الكل معرفة بنفسه على قدر معرفتهم الأنبياء و الأوصياء إذ بمعرفتهم لهم يعرفون الله، و بولايتهم لهم يتولون الله فكلما ورد من البشارة و الإنذار و الأوامر و النواهي و النصائح و المواعظ من الله سبحانه إنما هو لذلك، و لما كان نبينا (صلى الله عليه و آله و سلم) سيد الأنبياء و وصيه (صلوات الله عليه) سيد الأوصياء لجمعهما كمالات سائر الأنبياء و الأوصياء و مقاماتهم مع ما لهما من الفضل عليهم، و كان كل منهما نفس الآخر صح أن ينسب إلى أحدهما ما ينسب إليهم لاشتماله على الكل و جمعه لفضائل الكل و لذلك خص تأويل الآيات بهما و بأهل البيت (عليهم السلام) الذين هم منها ذرية بعضها من بعض، و جيء بالكلمة الجامعة التي هي الولاية فإنها مشتملة على المعرفة و المحبة و المتابعة و سائر ما لا بد منه في ذلك.

3

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا

قَالَ هِيَ وَلَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع

____________

الحديث الثاني: مرسل" إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ" هذه الآية من المتشابهات و قد اختلف في تأويله المفسرون و الروايات على وجوه:

الأول: أن المراد بالأمانة التكليف بالأوامر و النواهي، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال العرض على أهلها و عرضها عليهم هو تعريفه إياهم إذ في تضييع الأمانة الإثم العظيم، و كذلك في ترك أوامر الله تعالى و أحكامه، فبين سبحانه جرأة الإنسان على المعاصي و إشفاق الملائكة من ذلك، فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات و الأرض و الجبال من الملائكة و الإنس و الجن" فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا" أي فأبى أهلهن أن يحملوا تركها و عقابها، و المأثم فيها" وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا" أي أشفقن أهلهن من حملها" وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً" لنفسه بارتكاب المعاصي" جَهُولًا" بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها، فالمراد بحمل الأمانة تضييعها، قال الزجاج: كل من خان الأمانة فقد حملها، و من لم يحمل الأمانة فقد أداها.

و الثاني: أن معنى عرضنا عارضنا و قابلنا، فإن عرض الشيء على الشيء و معارضته به سواء، و المعنى أن هذه الأمانة في جلالة موقعها و عظم شأنها لو قيست السماوات و الأرض و الجبال و عورضت بها لكانت هذه الأمانة أرجح و أثقل وزنا، و معنى قوله:

فأبين أن يحملنها، ضعفن عن حملها، كذلك و أشفقن منها لأن الشفقة ضعف القلب، و لذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب، ثم قال: إن هذه الأمانة التي من صفتها أنها أعظم من هذه الأشياء العظيمة تقلدها الإنسان فلم يحفظها بل حملها و ضيعها لظلمة على نفسه، و لجهله بمبلغ الثواب و العقاب.

4

..........

____________

و الثالث: ما ذكره البيضاوي حيث قال تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، و سماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء، و المعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام و كانت ذات شعور و إدراك لأبين أن يحملنها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ مع ضعف بنيته و رخاوة قوته لا جرم فإن الراعي لها و القائم بحقوقها بخير الدارين إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً حيث لم يف بها و لم يراع حقها، جَهُولًا بكنه عاقبتها، و هذا وصف للجنس باعتبار الأغلب، انتهى.

و قال الطبرسي (قدس سره) أنه على وجه التقدير أجرى عليه لفظ الواقع لأن الواقع أبلغ من المقدر معناه لو كانت السماوات و الأرض و الجبال عاقلة، ثم عرضت عليها الأمانة و هي وظائف الدين أصولا و فروعا عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدتها و قوتها، و لامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها، ثم حملها الإنسان مع ضعف جسمه، و لم يخف الوعيد لظلمة و جهله و على هذا يحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات و الأرض فامتنعت من حملها.

و الرابع: أن معنى العرض و الإباء ليس هو على ما يفهم بظاهر الكلام، بل المراد تعظيم شأن الأمانة لا مخاطبة الجماد، و العرب تقول: سألت الربع و خاطبت الدار فامتنعت عن الجواب، و إنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب و السؤال، و تقول: أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال، و قال سبحانه:" فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ" و خطاب من لا يفهم لا يصح، فالأمانة على هذا ما أودع الله سبحانه السماوات و الأرض و الجبال من الدلائل على وحدانيته و ربوبيته فأظهرتها و الإنسان الكافر كتمها و جحدها لظلمة و يرجع إليه ما قيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية و الاختيارية، و بعرضها استدعاؤها

5

..........

____________

الذي يعم طلب الفعل من المختار و إرادة صدوره من غيره، و بحملها الخيانة فيها و الامتناع عن أدائها، و منه قولهم: حامل الأمانة و محتملها لمن لا يؤديها و تبرأ ذمته فيكون الإباء منه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منها و الظلم و الجهالة للخيانة و التقصير.

و الخامس: ما قيل: إنه تعالى لما خلق الله هذه الأجرام خلق فيها فهما و قال لها: إني قد فرضت فريضة و خلقت جنة لمن أطاعني فيها، و نارا لمن عصاني فقلن:

نحن مسخرات على ما خلقنا لا نحتمل فريضة و لا نبتغي ثوابا و لا عقابا، و لما خلق آدم (عليه السلام) عرض عليه مثل ذلك فتحمله، و كان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها، جهولا بوخامة عاقبته.

و السادس: ما قيل: إن المراد بالأمانة العقل و التكليف، و بعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، و بآبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة و الاستعداد، و بحمل الإنسان قابليته و استعداده لها، و كونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية و الشهوية، و على هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه، فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدي و مجاوزة الحد، و معظم مقصود التكليف تعديلهما و كسر سورتهما.

و السابع: أن المراد بالأمانة أداء الأمانة ضد الخيانة أو قبولها، و تصحيح تتمة الآية على أحد الوجوه المتقدمة.

و الثامن: أن المراد بالأمانة و الخلافة الكبرى، و حملها ادعاؤها بغير حق، و المراد بالإنسان أبو بكر، و قد وردت الأخبار الكثيرة في ذلك أوردتها في كتاب الإمامة و غيرها من كتاب بحار الأنوار، كما يدل عليه هذا الخبر، و قد روي بأسانيد عن الرضا (عليه السلام) قال: الأمانة الولاية من ادعاها بغير حق كفر، و قال علي بن إبراهيم الأمانة هي الإمامة و الأمر و النهي، عرضت على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن

6

..........

____________

يحملنها قال: أبين أن يدعوها أو يغصبوها أهلها، و أشفقن منها و حملها الإنسان الأول إنه كان ظلوما جهولا، و عن الصادق (عليه السلام): الأمانة الولاية و الإنسان أبو الشرور المنافق، و عن الباقر (عليه السلام): هي الولاية أبين أن يحملنها كفرا و حملها الإنسان و الإنسان أبو فلان.

و مما يدل على أن المراد بها التكليف ما روي أن عليا كان إذا حضر وقت الصلاة تغير لونه فسئل عن ذلك فقال: حضر وقت أمانة عرضها الله على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها.

و مما يدل على كون المراد بها الإمامة المعروفة ما في نهج البلاغة في جملة وصاياه للمسلمين: ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها، أنها عرضت على السماوات المبنية و الأرض المدحوة، و الجبال ذات الطول المنصوبة، فلا أطول و لا أعرض و لا أعظم منها، و لو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن و لكن أشفقن من العقوبة و عقلن ما جهل من هو أضعف منهن و هو الإنسان إنه كان ظلوما جهولا.

و عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول: ابتع لي ثوبا فيطلب في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده، قال:

لا يقربن هذا و لا يدنس نفسه إن الله عز و جل يقول إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ" الآية".

و الحق أن الجميع داخل في الآية بحسب بطونها كما قيل: إن المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها، و التقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبد بحسب استعداده لها، و أعظمها الخلافة الإلهية لأهلها ثم تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها، و عدم ادعاء منزلتها لنفسه، ثم سائر التكاليف، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال النظر إلى استعدادهن لذلك، و بآبائهن الإباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة، و تحمل الإنسان إياها تحمله لها من غير استحقاق تكبرا على أهلها أو مع تقصيره بحسب وصف الجنس باعتبار الأغلب، و هذه معانيها

7

..........

____________

الكلية، و كل ما ورد في تأويلها في مقام يرجع إلى هذه الحقائق كما يظهر عند التدبر و التوفيق من الله سبحانه.

قال السيد المرتضى رضي الله عنه في أجوبة المسائل العكبرية حيث سئل عن تفسير هذه الآية: إنه لم يكن عرض في الحقيقة على السماوات و الأرض و الجبال بقول صريح أو دليل ينوب مناب القول، و إنما الكلام في هذه الآية مجاز أريد به الإيضاح عن عظم الأمانة، و ثقل التكليف بها و شدته على الإنسان، و إن السماوات و الأرض و الجبال لو كانت مما تقبل لأبت حمل الأمانة و لم يؤد مع ذلك حقها، و نظير ذلك قوله تعالى:" تَكٰادُ السَّمٰاوٰاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبٰالُ هَدًّا" و معلوم أن السماوات و الأرض و الجبال جماد لا تعرف الكفر من الإيمان، و لكن المعنى في ذلك إعظام ما فعله المبطلون و تفوه به الضالون و أقدم به المجرمون من الكفر بالله تعالى، و أنه من عظمه جار مجرى ما يثقل باعتماده على السماوات و الأرض و الجبال و أن الوزر به كذلك، و كان الكلام في معناه ما جاء به التنزيل مجازا و استعارة كما ذكرناه، و مثل ذلك قوله تعالى:" وَ إِنَّ مِنَ الْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهٰارُ" الآية و معلوم أن الحجارة جماد لا يعلم فيخشى أو يحذر أو يرجو و يؤمل و إنما المراد بذلك تعظيم الوزر في معصية الله تعالى و ما يجب أن يكون العبد عليه من خشية الله و قد بين الله ذلك بقوله في نظير ما ذكرناه:" وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبٰالُ" الآية، فبين بهذا المثل عن جلالة القرآن و عظم قدره و علو شأنه، و أنه لو كان كلام يكون به ما عده و وصفه لكان بالقرآن لعظم قدره على سائر الكلام.

و قد قيل: إن المعنى في قوله:" إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ" عرضها على أهل السماوات و أهل الأرض و أهل الجبال، و العرب تخبر عن أهل الموضع بذكر الموضع و يسميهم

8

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي زَاهِرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ

الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ

قَالَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ص

____________

باسمه قال الله تعالى:" وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّٰا فِيهٰا وَ الْعِيرَ" يريد أهل القرية و أهل العير، و كان العرض على أهل السماوات و أهل الأرض، و أهل الجبال قبل خلق آدم، و خيروا بين التكليف لما كلفه آدم و بنوه فأشفقوا من التفريط فيه و استعفوا منه فاعفوا، فتكلفه الإنسان ففرط فيه، و ليست الآية على ما ظنه السائل أنها هي الوديعة و ما في بابها و لكنها التكليف الذي وصفناه، و لقوم من أصحاب الحديث الذاهبين إلى الإمامة جواب تعلقوا به من جهة بعض الأخبار و هي أن الأمانة هي الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و إنما عرضت قبل خلق آدم على السماوات و الأرض و الجبال ليأتوا بها على شروطها فأبين من حملها على ذلك خوفا من تضييع الحق فيها، و كلفها الناس فتكلفوها و لم يود أكثرهم حقها، انتهى.

و أقول: إذا عرفت هذه المعاني و أحطت بما حققنا سابقا يمكن حمل الخبر على أن المراد مطلق التكليف، و إنما خص (عليه السلام) الولاية بالذكر لأنها هي العمدة في التكاليف و الشرط في صحة باقيها و صونها و حفظها و الله يعلم.

الحديث الثالث: ضعيف.

و الآية في سورة الأنعام و تمامها:" أُولٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ" و قال الطبرسي (ره): الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم، معناه عرفوا الله تعالى و صدقوا به و بما أوجبه عليهم و لم يخلطوا ذلك بظلم و الظلم هو الشرك عن ابن عباس و أكثر المفسرين، و روي عن أبي بن كعب أنه قال: أ لم تسمع قوله سبحانه:" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" و هو المروي عن سلمان و حذيفة، و روي عن ابن مسعود قال

9

مِنَ الْوَلَايَةِ وَ لَمْ يَخْلِطُوهَا بِوَلَايَةِ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ فَهُوَ الْمُلَبَّسُ بِالظُّلْمِ

____________

لما نزلت هذه الآية شق على الناس و قالوا: يا رسول الله و أينا لم يظلم نفسه؟ فقال (عليه السلام): ليس الذي تعنون أ لم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح:" يٰا بُنَيَّ لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" و قال الجبائي و البلخي: يدخل في الظلم كل كبيرة تحط ثواب الطاعة" أُولٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ" من الله بحصول الثواب و الأمان من العقاب" وَ هُمْ مُهْتَدُونَ" أي محكوم لهم بالاهتداء إلى الحق و الدين و قيل: إلى الجنة، انتهى.

و اختلف في تأويلها في أخبارنا فعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت:

" الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ" الزنا منه؟ قال: أعوذ بالله من أولئك، لا و لكنه ذنب إذا تاب تاب الله عليه، و قال: مدمن الزنا و السرقة و شارب الخمر كعابد الوثن.

و عن يعقوب بن شعيب عنه (عليه السلام) قال: الضلال فما فوقه، و عن أبي بصير عنه (عليه السلام) قال:" بِظُلْمٍ" أي بشك، و يظهر من بعضها أن المراد جميع المعاصي و يمكن حمله في الخبر على جميع ما يخرج من الدين، و يكون تخصيص الولاية لأنها العمدة و الأهم و المختلف فيه بين المسلمين.

قوله: و هو الملبس بكسر الباء المشددة فالضمير راجع إلى الرجل الذي خلط ولاية الحق بالباطل أو بفتحها، فالضمير راجع إلى الإيمان الملبس، و في القاموس:

لبس عليه الأمر يلبسه خلطه و ألبسه غطاه و أمر ملبس و ملتبس مشتبه، و التشبيه، التخليط و التدليس و لا تقل ملبس، انتهى.

و يظهر من الخبر أنه يأتي الملبس على بعض الوجوه، و قال بعضهم: الملبس بكسر الميم و سكون اللام اسم آلة و المراد أن قوله لم يلبسوا من قبيل الكناية، فإن الخلط آلة اللبس و ملزوم له، و لا يخفى بعده.

10

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ نُعَيْمٍ الصَّحَّافِ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع- عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ

فَقَالَ عَرَفَ اللَّهُ إِيمَانَهُمْ بِوَلَايَتِنَا وَ كُفْرَهُمْ بِهَا يَوْمَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي صُلْبِ آدَمَ(ع)وَ هُمْ ذَرٌّ

[الحديث 5]

5

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ

____________

الحديث الرابع: حسن و الآية في سورة التغابن هكذا:" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ" و التقديم إما من النساخ أو كان في مصحفهم (عليهم السلام) هكذا، و نقل بالمعنى من الراوي، و سيأتي هذا الخبر بعينه بهذا السند في أواخر الباب مع زيادة موافقا لما في المصاحف، فالظاهر أنه هنا من النساخ، و قيل: إنما قدم الكافر لأنهم أكثر و المعنى أنه يصير كافرا أو في علم الله أنه كافر و الظاهر أن تأويله (عليه السلام) يرجع إلى الثاني أي في تكليفهم الأول و هم ذر كان يعرف من يؤمن و من لا يؤمن فكيف عند خلق الأجساد، و على هذا يقرأ عرف على بناء المجرد، و يمكن أن يقرأ على بناء التفعيل فالمراد بالخلق خلق الأجساد، فالمعنى أنه حين خلقكم كان بعضكم كافرا لكفره في الذر و بعضكم مؤمنا لإيمانه في الذر، و الذر بالفتح جمع ذرة صغار النمل مائة منها بوزن حبة شعير، و يطلق على ما يرى في شعاع الشمس النافذة من الكوة.

قوله: في صلب آدم، أي حين كونهم أجزاء من صلب آدم و إن خرجوا منه حين الميثاق، و كما سيأتي في كتاب الإيمان و الكفر و إن احتمل أن يكون الميثاق مرتين، مرة حين كونها في الصلب و مرة بعد خروجها.

الحديث الخامس: مجهول.

" يُوفُونَ بِالنَّذْرِ" قال في القاموس: نذر على نفسه ينذر و ينذر نذرا و نذورا

11

الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَلَايَتِنَا

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقٰامُوا التَّوْرٰاةَ

____________

أوجبه، و النذر ما كان وعدا على شرط، و ما ذكره (عليه السلام) من تأويل الإيفاء بالنذر بالوفاء في عالم الأجساد بما أوجب على نفسه من ولاية النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) في الميثاق بطن من بطون الآية، فلا ينافي ظاهره من الوفاء بالنذر و العهود المعهود في الشريعة، و ما ورد أنها نزلت في نذر أهل البيت (عليهم السلام) الصوم لشفاء الحسنين (عليهما السلام) كما رواه الصدوق في مجالسه و غيره.

و يمكن أن يكون المراد بالنذر مطلق العهود مع الله أو مع الخلق أيضا و خصوص سبب النزول لا يصير سببا لخصوص الحكم و المعنى، و اكتفى (عليه السلام) هنا بذكر الولاية لكونها الفرد الأخفى و يؤيده أن سابق الآية مسوقة لذكر مطلق الأبرار و إن كان المقصود الأصلي منها الأئمة الأطهار.

و أقول: سيأتي في آخر الباب رواية كبيرة عن محمد بن الفضيل باختلاف في أول السند، قلت: قوله:" يُوفُونَ بِالنَّذْرِ"؟ قال: يوفون لله بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا، فهنا إما سقط أو اختصار مخل.

الحديث السادس: مجهول كالصحيح.

و الآية في المائدة هكذا:" وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتٰابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنٰا عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ لَأَدْخَلْنٰاهُمْ جَنّٰاتِ النَّعِيمِ، وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقٰامُوا التَّوْرٰاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ" و إقامة التوراة و الإنجيل ترك تحريفهما لفظا و معنى، و إذاعة ما فيهما من البشارة بالرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و غير ذلك و القيام بأحكامهما، و ما أنزل إليهم قبل يعني سائر الكتب المنزلة، فإنها من حيث إنهم مكلفون بالإيمان بها كالمنزل إليهم القرآن.

و قوله (عليه السلام): الولاية، الظاهر أنه تفسير لما أنزل إليهم، و على الثاني ظاهر

12

وَ الْإِنْجِيلَ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ

قَالَ الْوَلَايَةُ

[الحديث 7]

7

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ مُثَنًّى عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ

قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ ع

____________

فإن الولاية داخلة فيما أنزل إليهم في القرآن بل أكثره فيها كما مر أو هو تفسير لإقامة ما أنزل إليهم فإن إقامة القرآن لفظا و معنى لا يتم إلا بولاية الأئمة (عليهم السلام) لأنهم الحافظون له و العالمون بمعناه، و على الأول أيضا صحيح لأن ولاية الرسول و أهل بيته (عليهم السلام) داخلة فيما أنزل الله على جميع الرسل كما ورد في أخبار كثيرة، و على هذا الوجه يمكن أن يكون تفسيرا لإقامة التوراة و الإنجيل أيضا.

و أما الأكل من فوقهم و من تحت أرجلهم فقيل: المعنى لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات السماء و الأرض أو يكثر ثمرة الأشجار و غلة الزرع أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجتنونها من رأس الشجر و يلتقطون ما تساقط على الأرض.

و أقول: يمكن أن يراد به الأغذية الروحانية مما نزل من السماء، و مما يستنبطونه بأفكارهم من المعارف، كما مر في قوله تعالى:" فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسٰانُ إِلىٰ طَعٰامِهِ" قال (عليه السلام): علمه الذي يأخذه عمن يأخذه.

الحديث السابع: ضعيف على المشهور.

" قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ" قد مر الكلام في هذه الآية و أنها نازلة في مودتهم (عليهم السلام)، و قد اعترف المخالفون أيضا بذلك، قال البيضاوي:

" قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ" أي على ما تعاطاه من التبليغ و البشارة" أَجْراً" نفعا منكم" إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ" أن تودوني لقرابتي منكم أو تودوا قرابتي، و قيل: الاستثناء منقطع، و المعنى لا أسألكم أجرا قط و لكن أسألكم المودة و" فِي الْقُرْبىٰ" حال منها، روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء؟ قال: علي و فاطمة و ابناهما

13

..........

____________

ثم قال:" وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً" و من يكتسب طاعة سيما حب آل الرسول.

و روى الفخر الرازي إمامهم أخبارا كثيرة في ذلك قد أسلفنا بعضها في باب نص الرسول على الأئمة واحدا بعد واحد، و ذكر دلائل كثيرة على أن المراد بذوي القربى علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، ثم قال: و روى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم فقال: علي و فاطمة و ابناهما.

ثم قال: فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و إذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم و يدل عليه وجوه:

الأول: قوله تعالى:" إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ" و وجه الاستدلال به ما سبق.

الثاني: لما ثبت أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يحب فاطمة، قال (عليه السلام): فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، و ثبت بالنقل المتواتر عن محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه كان يحب عليا و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و إذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله تعالى:" وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" و لقوله تعالى:" فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ" و لقوله تعالى:" قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ" و لقوله:" لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ".

الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم، و لذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلوات، و هو قوله: اللهم صلى على محمد و آل محمد و ارحم محمدا و آل محمد، و هذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب.

و قال الشافعي:

يا راكبا قف بالمحصب من منى * * * و اهتف بساكن خيفها و الناهض

14

[الحديث 8]

8

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ

فِي وَلَايَةِ عَلِيٍّ وَ وَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ

فَقَدْ فٰازَ فَوْزاً عَظِيماً

هَكَذَا نَزَلَتْ

[الحديث 9]

9

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ رَفَعَهُ إِلَيْهِمْ

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّٰهِ

فِي عَلِيٍّ وَ الْأَئِمَّةِ-

كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسىٰ فَبَرَّأَهُ اللّٰهُ مِمّٰا قٰالُوا

____________

متنحرا إذا فاض الحجيج إلى منى * * * فيضا كملتطم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد * * * فليشهد الثقلان أني رافضي

الحديث الثامن: ضعيف على المشهور.

" هكذا نزلت" ظاهره أن الآية كانت هكذا، و ربما يأول بأن معناه ذلك أو هي العمدة في ذلك، إذ الإطاعة في سائر الأمور لا تتم إلا بذلك، و يؤيده أنها وردت بعد قوله سبحانه:" وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ*" و قد مر أنها في الإمامة.

الحديث التاسع: ضعيف على المشهور.

و ضمير" إليهم" راجع إلى الأئمة (عليهم السلام) و هذا كأنه نقل للآية بالمعنى، لأنه قال تعالى في سورة الأحزاب:" وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّٰهِ وَ لٰا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً" و قال بعد ذلك بفاصلة:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسىٰ فَبَرَّأَهُ اللّٰهُ مِمّٰا قٰالُوا" فجمع (عليه السلام) بين الاثنين و أفاد مضمونها، و يحتمل أن يكون في مصحفهم (عليهم السلام) كذلك لكنه بعيد، و يمكن أن يكون إيذاء موسى أيضا لوصيه هارون، قال البيضاوي" فَبَرَّأَهُ اللّٰهُ مِمّٰا قٰالُوا" فأظهروا براءته من

15

[الحديث 10]

10

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ السَّيَّارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ

سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى

فَمَنِ اتَّبَعَ هُدٰايَ فَلٰا يَضِلُّ وَ لٰا يَشْقىٰ

قَالَ مَنْ قَالَ بِالْأَئِمَّةِ وَ اتَّبَعَ أَمْرَهُمْ وَ لَمْ يَجُزْ طَاعَتَهُمْ

[الحديث 11]

11

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

لٰا أُقْسِمُ بِهٰذَا الْبَلَدِ. وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهٰذَا الْبَلَدِ. وَ وٰالِدٍ وَ مٰا وَلَدَ

قَالَ

____________

مقولهم يعني مؤداه و مضمونه، و ذلك أن قارون عرض امرأة على قذفه بنفسها، فعصمه الله تعالى كما مر، و اتهمه ناس بقتل هارون لما خرج معه إلى الطور فمات هناك فحملته الملائكة و مروا بهم حتى رأوه غير مقتول، و قيل: أحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءته أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة لفرط تستره حياءا فأطلعهم الله على أنه بريء منه.

الحديث العاشر: كالسابق.

و الضمير كأنه للجواد أو الهادي (عليهما السلام)، و الآية في سورة طه هكذا:" قٰالَ اهْبِطٰا مِنْهٰا جَمِيعاً. فَإِمّٰا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدٰايَ فَلٰا يَضِلُّ وَ لٰا يَشْقىٰ" فالمراد بالهدي الرسول و الكتاب النازلان في كل أمة، و اتباع الهداية إنما يكون بمتابعة أوصيائهم و مصداقه في هذه الأمة الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) و متابعتهم، فمن قال بهم و اتبع أمرهم و لم يتجاوز عن طاعتهم فلا يضل في الدنيا عن طريق الحق، و لا يشقي في الآخرة باستحقاق العقوبة، و الهدى مصدر بمعناه أو بمعنى الفاعل للمبالغة و يستوي فيه الواحد و الجمع.

الحديث الحادي عشر: كالسابق.

" لٰا أُقْسِمُ بِهٰذَا الْبَلَدِ" قيل: لا للنفي إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أو أقسم و لا مزيدة للتأكيد، أو لأنا أقسم فحذف المبتدأ و أشبع فتحة لام الابتداء، أو" لا" رد لكلام يخالف المقسم عليه، قال البيضاوي: أقسم سبحانه بالبلد الحرام

16

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا وَلَدَ مِنَ الْأَئِمَّةِ ع

[الحديث 12]

12

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى-

وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ

قَالَ

____________

و قيده بحلول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فيه إظهارا لمزيد فضله و إشعارا بأن شرف المكان لشرف أهله، و قيل: حل مستحل بعرضك فيه كما يستحل بعرض الصيد في غيره، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار فهو وعد بما أحل له عام الفتح" وَ وٰالِدٍ" عطف على هذا البلد، و الوالد آدم أو إبراهيم (عليهما السلام)" وَ مٰا وَلَدَ" ذريته أو محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و التنكير للتعظيم و إيثار" ما" على" من" بمعنى التعجب كما في قوله تعالى:" وَ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا وَضَعَتْ" انتهى.

و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كانت قريش تعظم البلد و تستحل محمدا فيه، فقال: لا أقسم بهذا البلد و أنت حل بهذا البلد، يريد أنهم استحلوك فيه فكذبوك و شتموك، و كانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه و يتقلدون لحاء شجر الحرام فيأمنون بتقليدهم إياه، فاستحلوا من رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ما لم يستحلوا من غيره، فعاب الله ذلك عليهم.

و عنه (عليه السلام) في قوله:" وَ وٰالِدٍ" آدم" وَ مٰا وَلَدَ" من الأنبياء و الأوصياء و أتباعهم و أول (عليه السلام) الوالد في هذا الخبر بأمير المؤمنين (عليه السلام)، و ما ولد بالأئمة (عليهم السلام) و هو أحد محامل الآية و بطونها، أقسم بهم لبيان تشريفهم و تعظيمهم.

الحديث الثاني عشر: ضعيف.

" وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ" قيل: المراد به غنائم دار الحرب، و قيل:

يدخل فيه كل فائدة من أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات فإن الغنيمة اسم

17

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةُ ع

[الحديث 13]

13

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

وَ مِمَّنْ خَلَقْنٰا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ

____________

للفائدة و قد دلت عليه أخبار كثيرة، و تفصيله مذكور في محله، و قوله: من شيء، بيان لما للتعميم" فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ" قيل: مبتدأ خبره محذوف أي فثابت أن لله خمسه.

و المشهور بين أصحابنا أنه يقسم ستة أقسام ثلاثة للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هي سهم الله و سهم رسوله و سهم ذي القربى و بعده (صلى الله عليه و آله و سلم) السهام الثلاثة للإمام، و حكي قول نادر عن بعض الأصحاب بأنه يقسم خمسة أقسام سهم الله لرسوله و سهم ذي القربى لهم، و الثلاثة الباقية ليتامى بني هاشم و مساكينهم و أبناء سبيلهم، و هو مذهب أكثر العامة و ذهب ابن الجنيد إلى عدم اختصاص سهم ذي القربى بالإمام، بل هو لجميع بني هاشم و هو نادر، و سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى.

الحديث الثالث عشر: ضعيف على المشهور.

" يَهْدُونَ بِالْحَقِّ" أي يهدون الخلق بالحق الذي هو دين الإسلام و حدوده و أحكامه و" بِهِ" أي بدين الحق" يَعْدِلُونَ" أي يحكمون بالعدل و القسط" قال هم الأئمة" قال الطبرسي (ره) في تفسير هذه الآية: روى ابن جريج عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: هو لأمتي بالحق يأخذون و بالحق يعطون، و قد أعطي القوم بين أيديكم مثلها" وَ مِنْ قَوْمِ مُوسىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ" و قال الربيع بن أنس: قرأ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هذه الآية فقال: إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم.

و روى العياشي بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: و الذي نفسي بيده لتفترقن هذه الأمة على ثلاث و سبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة" وَ مِمَّنْ خَلَقْنٰا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ" فهذه التي تنجو، و روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله

18

وَ بِهِ يَعْدِلُونَ

قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ

[الحديث 14]

14

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الْأَئِمَّةُ-

وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ

قَالَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ-

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ

أَصْحَابُهُمْ وَ أَهْلُ

____________

(عليهما السلام) أنهما قالا: نحن هم، انتهى.

و استدل بها على حجية الإجماع و لا يخفى ما فيه، بل يدل على أنه في كل عصر إمام عالم بجميع الأحكام عامل بها و هو الإمام (عليه السلام)، أو هو و أتباعه التابعون له قولا و فعلا، و أما الإجماع فلا دليل على تحققه في كل عصر، و لو سلم فيكون أهل الإجماع محقين فيما أجمعوا عليه لا في جميع أمورهم، و ظاهر سياق الآية عموم الأحوال و الأحكام و الأمور.

الحديث الرابع عشر: ضعيف.

و لعل المراد أن ما نزل في أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأئمة (عليهم السلام) من الآيات محكمات، و الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابهات من الآيات فيأولونها في أئمتهم مع أن تأويل المتشابهات لا يعلمه إلا الله و الراسخون في العلم، و هم الأئمة (عليهم السلام) أو يكون في هذا البطن من الآية ضمير منه راجعا إلى من يتبع الكتاب أو المذكور فيه، أو يكون كلمة من ابتدائية أي حصل بسبب الكتاب و نزوله الفريقان، فيحتمل حينئذ أن يكون ضمير تأويله راجعا إلى الموصول في قوله:" مٰا تَشٰابَهَ" أي يأولون أعمالهم القبيحة و أفعالهم الشنيعة، و لا يبعد أيضا أن يكون المراد تشبيه الأئمة بمحكمات الآيات و شيعتهم بمن يتبعها، و أعدائهم بالمتشابهات لاشتباه أمرهم على الناس، و أتباعهم بمن يتبعها طلبا للفتنة و متاع الدنيا، و طلبا لتأويل قبائح أعمالهم، و لعل

19

وَلَايَتِهِمْ

فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الْأَئِمَّةُ ع

[الحديث 15]

15

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ مُثَنًّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمّٰا يَعْلَمِ اللّٰهُ الَّذِينَ جٰاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ لٰا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً

يَعْنِي بِالْمُؤْمِنِينَ الْأَئِمَّةَ(ع)لَمْ يَتَّخِذُوا الْوَلَائِجَ مِنْ دُونِهِمْ

____________

الأول أظهر الوجوه و هو من متشابهات الأخبار و لا يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم.

الحديث الخامس عشر: ضعيف على المشهور.

و قال في القاموس: وليجة الرجل بطانته و دخلاؤه و خاصته و من تتخذه معتمدا عليه من غير أهلك، و قال الطبرسي (ره): الوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم و البطانة مثله، و وليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس، الواحد و الجمع فيه سواء أي و لم يعلم الله الذين لم يتخذوا سوى الله و رسوله و المؤمنون بطانة و أولياء يوالونهم و يفشون إليهم أسرارهم، انتهى.

و لا يخفى أن تأويله (عليه السلام) أوفق بالآية إذ ضم المؤمنين إلى الله و الرسول يدل على أن المراد بالوليجة أمر عظيم من أمور الدين من الموالاة و المتابعة، و ليس أهل ذلك إلا الأئمة (عليهم السلام) و هم الكاملون في الإيمان و المستحقون لهذه الصفة على الحقيقة و قال البيضاوي:" أَمْ حَسِبْتُمْ" خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال، و قيل: للمنافقين و" أم" منقطعة و معنى همزتها التوبيخ على الحسبان" أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمّٰا يَعْلَمِ اللّٰهُ الَّذِينَ جٰاهَدُوا مِنْكُمْ" و لم يتبين المخلص منكم و هم الذين جاهدوا من غيرهم، نفي العلم و أراد نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث أن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه" وَ لَمْ يَتَّخِذُوا" عطف على جاهدوا و داخل في الصلة، و ما في لما في معنى التوقع منيه على أن تبين ذلك متوقع.

20

[الحديث 16]

16

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا

قَالَ قُلْتُ مَا السَّلْمُ قَالَ الدُّخُولُ فِي أَمْرِنَا

[الحديث 17]

17

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ

قَالَ يَا زُرَارَةُ أَ وَ لَمْ تَرْكَبْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ فِي أَمْرِ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ

____________

الحديث السادس عشر: ضعيف.

" وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ" الجنوح الميل، يقال: جنح فلان إذا مال و يعدى باللام و بإلى، و السلم بالكسر و الفتح الصلح، و تأنيث الضمير باعتبار أن السلم يذكر و يؤنث كما صرح به في المغرب، و قال في القاموس: السلم بالكسر السالم و الصلح يفتح و يؤنث و السلم و الإسلام، و قيل: تأنيثه بحمل السلم على نقيضه فيه و هو الحرب، و قيل: هي من الآيات المنسوخة و قيل: ليست بمنسوخة، و لكنها في موادعة أهل الكتاب، و على تأويله (عليه السلام) يمكن أن يكون الضمير راجعا إلى المنافقين أي إن قبل المنافقون المنكرون لولاية علي (عليه السلام) ولايته ظاهرا فاقبل منهم و إن علمت من باطنهم النفاق و البغض له (عليه السلام)، و لا ينافي ذلك كون الآية في سياق آيات أحوال المشركين فإن ذلك في الآيات كثير، مع أنه من بطون الآيات.

الحديث السابع عشر: صحيح.

" أو لم تركب" الهمزة للاستفهام الإنكاري، و الواو للعطف على مقدر" طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ" أي كانت ضلالتهم بعد نبيهم مطابقة لما صدر من الأمم السابقة من ترك الخليفة و اتباع العجل و السامري و أشباه ذلك، كما قال علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية: يقول حالا بعد حال، يقول: تركبن سنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة لا تخطئون طريقتهم و لا يخطئ شبر بشبر و ذراع بذراع و باع بباع،

21

[الحديث 18]

18

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ لَقَدْ وَصَّلْنٰا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

قَالَ إِمَامٌ إِلَى إِمَامٍ

____________

حتى أن لو كان من قبلكم دخل حجر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود و النصارى تعني يا رسول الله؟ قال: فمن أعني لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فيكون أول ما تنقضون من دينكم الأمانة و آخر الصلاة.

و يحتمل أن يكون المراد تطابق أحوال خلفاء الجور في الشدة و الفساد، قال البيضاوي طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ، أي حالا بعد حال مطابقة لأختها في الشدة أو مراتب الشدة بعد المراتب.

الحديث الثامن عشر: ضعيف.

" وَ لَقَدْ وَصَّلْنٰا لَهُمُ الْقَوْلَ" قال الطبرسي (ره): أي فصلنا لهم القول و بينا عن ابن عباس، و معناه آتينا بآية بعد آية، و بيان بعد بيان و أخبرناهم بأخبار المهلكين من أممهم لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، أي ليتذكروا أو يتفكروا فيعلموا الحق و يتفطنوا، و قال البيضاوي: أي أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال ليتصل التذكير أو في النظم، ليتقرر الدعوة بالحجة و المواعظ بالمواعيد، و النصائح بالعبر.

و أقول: على تأويله (عليه السلام) يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المعنى قول إمام في حق إمام آخر، و نصه عليه، فقوله: إلى إمام، يعني مفوضا أمره إلى إمام آخر و الثاني: أن يكون المراد بالقول الحكم و الأحكام و المعارف، أي وصلناها لهم بنصب إمام بعد إمام، فالمعنى موصلا إلى إمام من لدن آدم إلى انقراض الدنيا، فيكون مناسبا لما مر من قصص الأنبياء (عليهم السلام)، و يؤيده ما رواه علي بن إبراهيم بسند آخر عنه (عليه السلام) و فيه قال: إمام بعد إمام.

و يحتمل أن يكون المراد بالقول القول بالإمامة أي كلما مضى إمام لا بد لهم من القول بإمامة إمام آخر، أو المراد قوله تعالى:" إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"

22

[الحديث 19]

19

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَلَّامٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا

قَالَ إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ عَلِيّاً(ع)وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ جَرَتْ بَعْدَهُمْ فِي الْأَئِمَّةِ(ع)ثُمَّ يَرْجِعُ الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَقَالَ

فَإِنْ آمَنُوا

يَعْنِي النَّاسَ

____________

أي هذا الوعد و التقدير متصل إلى آخر الدهر.

الحديث التاسع عشر: مجهول.

" في قوله تعالى" الآية في سورة البقرة هكذا:" وَ قٰالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا وَ مٰا أُنْزِلَ إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطِ وَ مٰا أُوتِيَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ وَ مٰا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لٰا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مٰا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمٰا هُمْ فِي شِقٰاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّٰهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" و ذكر المفسرون أن الخطاب في قوله:" قُولُوا" للمؤمنين لقوله: فإن آمنوا بمثل آمنتم به، و ضمير آمنوا لليهود و النصارى" بِمِثْلِ مٰا آمَنْتُمْ بِهِ" قال البيضاوي: من باب التعجيز و التبكيت كقوله تعالى:" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" إذ لا مثل لما آمن به المسلمون، و لا دين كدين الإسلام، و قيل: الباء للآلة دون التعدية، و المعنى أن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأتي بطرق متعددة أو مزيدة للتأكيد كقوله:" وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا" و المعنى فإن آمنوا بالله إيمانا مثل أيمانكم أو المثل مقحم كما في قوله:" وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ عَلىٰ مِثْلِهِ" أي عليه" وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمٰا هُمْ فِي شِقٰاقٍ" أي إن أعرضوا من الإيمان أو عما تقولون لهم فما هم إلا في شقاق الحق، و هي المناواة و المخالفة، فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر، انتهى.

23

بِمِثْلِ مٰا آمَنْتُمْ بِهِ

يَعْنِي عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ الْأَئِمَّةَ ع

فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمٰا هُمْ فِي شِقٰاقٍ

[الحديث 20]

20

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ مُثَنًّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ

____________

و تأويله (عليه السلام) يرجع إلى ذلك لكن خص الخطاب بكل المؤمنين الموجودين في ذلك الزمان، ثم من كان بعدهم من أمثالهم كما في سائر الأوامر المتوجهين إلى الموجودين في زمن الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) الشاملة لمن وجد بعدهم و هو أظهر من توجه الخطاب إلى جميع المؤمنين، لقوله:" وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا" لأن الإنزال ابتداء حقيقة على من كان في بيت الوحي و أمر بتبليغه، و لأنه قرن بما أنزل على إبراهيم و إسماعيل و سائر النبيين، فكما أن المنزل إليهم في قرينه هم النبيون و المرسلون، ينبغي أن يكون المنزل إليهم أولا أمثالهم و أضرابهم من الأوصياء و الصديقين، فضمير آمنوا راجع إلى سائر الناس غيرهم من أهل الكتاب و قريش و غيرهم، فظهر أن ما ذكره (عليه السلام) أظهر مما ذكره المفسرون.

و الظاهر أن المشار إليه بذلك الخطاب بقوله: قولوا و إن سقط من الخبر، لما رواه العياشي بإسناده عن المفضل بن صالح عن بعض أصحابه في قوله: قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلى إبراهيم، الآية، أما قوله: قولوا فهم آل محمد (عليهم السلام) لقوله فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، و على ما في هذه الرواية يحتمل أن يكون المراد إنما عنى بضميري آمنا و إلينا و المآل واحد، ثم على تفسيره (عليه السلام) يدل على إمامتهم و جلالتهم (عليهم السلام)، و كون المعيار في الاهتداء متابعتهم في العقائد و الأعمال و الأقوال، و أن من خالفهم في شيء من ذلك فهو شقاق و نفاق.

الحديث العشرون: ضعيف على المشهور.

" إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ" أي أحق الناس بالانتساب به و كونه على ملته

24

اتَّبَعُوهُ وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا

قَالَ هُمُ الْأَئِمَّةُ(ع)وَ مَنِ اتَّبَعَهُمْ

[الحديث 21]

21

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ مَالِكٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ

قَالَ مَنْ بَلَغَ أَنْ يَكُونَ إِمَاماً مِنْ

____________

الحنيفية و متابعته في التوحيد الخالص، و قال الطبرسي (ره) أي أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة للذين اتبعوه في وقته و زمانه، و تولوه بالنصرة على عدوه حتى ظهر أمره و علت كلمته" وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا" يتولون نصرته بالحجة لما كان عليه من الحق و تنزيه كل عيب عنه، أي هم الذين ينبغي أن يقولوا إنا على دين إبراهيم و لهم ولايته" وَ اللّٰهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ" لأنه يتولى نصرتهم و إنما أفرد الله النبي بالذكر تعظيما لأمره و إجلالا لقدره، و في الآية دلالة على أن الولاية تثبت بالدين لا بالنسب، و يعضد ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم، بما جاءوا به، ثم تلا هذه الآية فقال: إن ولي محمد من أطاع الله و إن بعدت لحمته و إن عدو محمد من عصى الله و إن قربت قرابته، انتهى.

و قال البيضاوي إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ، أي أخصهم به و أقربهم منه من الولي و هو القرب" لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ" من أمته" وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا" لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة، و قرئ و هذا النبي بالنصب عطفا على الهاء في اتبعوه، و بالجر عطفا على إبراهيم، انتهى.

قوله (عليه السلام): هم الأئمة و من اتبعهم، لا ريب في أن المؤمن لا يطلق إلا عليهم و على من اتبعهم و سائر الفرق منافقون بل مشركون.

الحديث الحادي و العشرون: كالسابق.

" وَ مَنْ بَلَغَ" أكثر المفسرين جعلوه معطوفا على ضمير المخاطب في قوله:

" لِأُنْذِرَكُمْ" و وجهوا الخطاب إلى الحاضرين أو الموجودين، و فسروا من بلغ بمن

25

آلِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ يُنْذِرُ بِالْقُرْآنِ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص

[الحديث 22]

22

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً

قَالَ عَهِدْنَا إِلَيْهِ فِي مُحَمَّدٍ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ فَتَرَكَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ أَنَّهُمْ هَكَذَا وَ إِنَّمَا سُمِّيَ أُولُو الْعَزْمِ أُوْلِي الْعَزْمِ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ وَ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَ الْمَهْدِيِّ وَ سِيرَتِهِ وَ أَجْمَعَ عَزْمُهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَ الْإِقْرَارِ بِهِ

____________

بلغه من الغائبين أو المعدومين، و على تفسيره (عليه السلام) في موضع رفع عطفا على الضمير المرفوع" في أنذركم" و يجوز الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه، و قيل: هو مبتدأ بتقدير من بلغ فهو ينذركم، فيكون من عطف الجملة على الجملة، و المراد بمن بلغ حينئذ من كمل أو وصل حد الإنذار و صار أهلا له.

الحديث الثاني و العشرون: ضعيف.

قوله: فترك، تفسير للنسيان بالترك كما فسر به أكثر المفسرون أيضا، قال الطبرسي (ره) في تفسير هذا الآية: أمرناه و أوصينا إليه أن لا يقرب الشجرة و لا يأكل منها فترك الأمر عن ابن عباس" وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" ثابتا و قيل: معناه فنسي من النسيان الذي هو السهو، و لم نجد له عزما على الذنب لأنه أخطأ و لم يتعمد، و قيل: و لم نجد له حفظا لما أمر به، انتهى.

و لم يكن له عزم، كأنه محمول على أنه لم يكن له اهتمام تام و سرور بهذا الأمر و مزيد تذكر له و تبجج به كما كان لغيره من أولي العزم و كان اللائق بحاله ذلك فترك الأولى و إلا فعصمته (عليه السلام) و نبوته و جلالته تمنع من أن ينسب إليه عدم قبول ما أوحى الله إليه، و عدم الرضا بقضائه تعالى، و قيل: أي ترك التوسل بهم (عليهم السلام) بعد ارتكاب الخطيئة حتى ألهمه الله ذلك.

26

[الحديث 23]

23

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْقُمِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِهِ

وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ

كَلِمَاتٍ فِي مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ(ع)مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ

فَنَسِيَ

هَكَذَا وَ اللَّهِ نَزَلَتْ عَلَى مُحَمَّدٍ ص

[الحديث 24]

24

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَادٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ ص-

فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ

قَالَ إِنَّكَ

____________

الحديث الثالث و العشرون ضعيف.

" هكذا و الله نزلت" ظاهر بل صريح في التنزيل، و تأويله بالتأويل بأن يكون المعنى قال جبرئيل (عليه السلام) عند نزوله أن معناه هذا في غاية البعد.

الحديث الرابع و العشرون مجهول.

و الأخبار في تفسير الصراط بالأئمة (عليهم السلام) و ولايتهم كثيرة، و الصراط ما يؤدي الناس إلى مقصودهم، و هم صراط الله المستقيم الذي لا يوصل إلى الله و طاعته و قربه و رضوانه إلا بولايتهم، و القول بإمامتهم و طاعتهم، و صراط الآخرة صورة هذا الصراط فمن استقام على هذا الصراط في الدنيا يجوز صراط الآخرة آمنا إلى الجنة كما روى الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن المفضل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصراط فقال: هو الطريق إلى معرفة الله عز و جل، و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الآخرة فأما الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا و اقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، و من لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم، فقوله تعالى:" فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ" أي بجميعها الذي عمدتها ولاية علي و سائر الأئمة (عليهم السلام)، فإن بها يتم و يعرف ما سواها قولا و عملا و تبليغا، فإنك على الدين الحق الذي عمدتها الولاية فلا تقصر في تبليغها و دعوة الناس إليها خوفا من المنافقين.

27

عَلَى وَلَايَةِ عَلِيٍّ وَ عَلِيٌّ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ

[الحديث 25]

25

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُنَخَّلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

نَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ(ص)هَكَذَا-

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمٰا

____________

قال ابن شهرآشوب (ره) في المناقب بعد إيراد هذه الرواية: معنى ذلك أن علي بن أبي طالب الصراط إلى الله كما يقال فلان باب السلطان إذا كان يوصل به إلى السلطان، ثم الصراط الذي عليه علي (عليه السلام) يدلك وضوحا على ذلك قوله: صراط الذين أنعمت عليهم، يعني نعمة الإسلام، لقوله" وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ" و العلم:

" وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ" و الذرية الطيبة" إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً" الآية و إصلاح الزوجات لقوله:" فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ وَهَبْنٰا لَهُ يَحْيىٰ وَ أَصْلَحْنٰا لَهُ زَوْجَهُ" فكان علي (عليه السلام) في هذه النعم في أعلى ذراها.

الحديث الخامس و العشرون ضعيف.

" بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ" الآية هكذا:" بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ فَبٰاؤُ بِغَضَبٍ عَلىٰ غَضَبٍ وَ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰابٌ مُهِينٌ" قال البيضاوي: ما نكرة بمعنى شيء مميزة لفاعل بئس المستكن" و اشتروا" صفة و معناه باعوا أو شروا بحسب ظنهم فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا" أَنْ يَكْفُرُوا بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ" هو المخصوص بالذم" بَغْياً" طلبا لما ليس لهم و حسدا، و هو صلة يكفروا دون اشتروا للفصل" أَنْ يُنَزِّلَ اللّٰهُ" أي لأن ينزل أي حسدوه على أن ينزل الله من فضله يعني الوحي" عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ" على من اختاره للرسالة، انتهى.

و الآية في سياق ذكر أحوال اليهود، فلو كان قوله في علي تنزيلا يكون ذكر

28

أَنْزَلَ اللّٰهُ

فِي عَلِيٍّ

بَغْياً

[الحديث 26]

26

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُنَخَّلٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ

نَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ هَكَذَا

وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي

____________

ذلك بين أحوال اليهود لبيان أن المنكرين لولاية علي (عليه السلام) بمنزلة اليهود في إنكار ما أنزل الله، و لو كان تأويلا يحتمل وجهين:

الأول: أن عمدة ما أنزل الله الولاية كما عرفت.

و الثاني: أن ظهر الآية في اليهود و بطنه في أضرابهم من المنكرين لما أنزل الله في علي، فإن الآية النازلة في جماعة لا تختص بهم بل تجري في أمثالهم، و أشباههم إلى يوم القيامة.

الحديث السادس و العشرون كالسابق.

و كان الأولى و بهذا الإسناد عن جابر، و لعله إشارة أنه أخذ من كتاب ابن سنان.

" وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا" قال البيضاوي: إنما قال مِمّٰا نَزَّلْنٰا لأن نزوله نجما فنجما بحسب الوقائع كما يري عليه أهل الشعر و الخطابة مما يريبهم كما حكى الله عز و جل عنهم" وَ قٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لٰا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وٰاحِدَةً" فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزاحة للشبهة، و إلزاما للحجة، و أضاف العبد إلى نفسه تنويها بذكره و تنبيها على أنه مختص به منقاد لحكمه، و السورة: الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات" مِنْ مِثْلِهِ" صفة سورة أي بسورة كائنة من مثله، و الضمير لما نزلنا، و من للتبعيض أو للتبيين، و زائدة عند الأخفش أي بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة و حسن النظم أو لعبدنا و من للابتداء أي بسورة كائنة ممن هو على حاله مع كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب و لم يتعلم العلوم أو صلة فأتوا و الضمير للعبد، و الرد إلى المنزل أوجه لأنه المطابق لسائر الآيات، انتهى.

و تتمة الآية:" وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ" أي ادعوا لمعارضة من

29

رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا

فِي عَلِيٍّ

فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ

[الحديث 27]

27

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُنَخَّلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

نَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)عَلَى مُحَمَّدٍ(ص)بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ آمِنُوا بِمٰا نَزَّلْنٰا

فِي عَلِيٍّ

نُوراً مُبِيناً

____________

حضركم أو من رجوتم معونته من جنكم و إنسكم و آلهتكم غير الله إن كنتم صادقين أنه من كلام البشر، و الرواية تدل على أن شكهم كان فيما يتلوه (صلى الله عليه و آله و سلم) في شأن علي (عليه السلام) فرد الله عليهم بأن القرآن معجز لا يمكن أن يكون من عند غيره سبحانه، فما نزل فيه (عليه السلام) من عنده سبحانه، و ظاهر الخبر أنه تنزيل و أول بالتأويل كما مر.

الحديث السابع و العشرون كالسابق.

و ليس في المصحف هكذا، بل صدر الآية في أوائل سورة النساء هكذا:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ آمِنُوا بِمٰا نَزَّلْنٰا مُصَدِّقاً لِمٰا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهٰا عَلىٰ أَدْبٰارِهٰا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمٰا لَعَنّٰا أَصْحٰابَ السَّبْتِ وَ كٰانَ أَمْرُ اللّٰهِ مَفْعُولًا" و آخرها في أواخر تلك السورة هكذا:" يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ قَدْ جٰاءَكُمْ بُرْهٰانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً" و كأنه سقط من الخبر شيء، و كان (عليه السلام) ذكر اسمه (عليه السلام) في الموضعين فسقط آخر الآية الأولى و اتصلت بآخر الآية الثانية لتشابه الآيتين، و كثيرا ما يقع ذلك، و يحتمل أن يكون في مصحفهم (عليهم السلام) إحدى الآيتين هكذا و على الأول ظاهره التنزيل و يحتمل التأويل أيضا كما عرفت مرارا.

و لا يتوهم أن قوله في الآية الأولى" مُصَدِّقاً" لِمٰا مَعَكُمْ ينافي ذلك على الاحتمال الأول، لأن معاداة أهل الكتاب لأمير المؤمنين (عليه السلام) كانت أشد منها لغيره لأنه (عليه السلام) قتل كثيرا منهم بيده، فيحتمل أن يكون الخطاب إليهم و قوله: مصدقا لما معكم لأنه كان اسمه (عليه السلام) كاسم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مثبتا عندهم في كتبهم كما دلت عليه الأخبار الكثيرة، و كذا قوله: أوتوا الكتاب، و إن احتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن.

30

[الحديث 28]

28

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ بَكَّارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مٰا يُوعَظُونَ بِهِ

فِي عَلِيٍّ

لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ

[الحديث 29]

29

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ إِنَّهُ لَكُمْ

____________

الحديث الثامن و العشرون مجهول.

و الآية في سورة النساء و قبلها:" وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّٰهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً، فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وَ لَوْ أَنّٰا كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيٰارِكُمْ مٰا فَعَلُوهُ إِلّٰا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مٰا يُوعَظُونَ بِهِ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً" و قد مر في باب التسليم أن الخطاب في قوله تعالى: جاءوك، و يحكموك، و قضيت، لأمير المؤمنين (عليه السلام) فيحتمل أن يكون" مٰا يُوعَظُونَ" به في علي إشارة إلى هذا و يحتمل التنزيل و التأويل كما مر.

الحديث التاسع و العشرون ضعيف على المشهور.

و السلم الإسلام أو الاستسلام و الانقياد، و الولاية داخلة فيهما بل أعظم أجزائهما، قال الطبرسي (ره): ادخلوا في السلم أي في الإسلام، و قيل: الطاعة و هذا أعم و يدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية كافة أي ادخلوا جميعا في الاستسلام و الطاعة، و لا تتبعوا خطوات الشيطان أي آثاره و نزغاته لأن ترككم شيئا من شرائع الإسلام اتباع للشيطان.

و روى العياشي في تفسيره بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة و لا تتبعوا خطوات الشيطان، قال

31

عَدُوٌّ مُبِينٌ

قَالَ فِي وَلَايَتِنَا

[الحديث 30]

30

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَوْلُهُ جَلَّ وَ عَزَّ-

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا

قَالَ وَلَايَتَهُمْ

وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ

قَالَ وَلَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع-

إِنَّ هٰذٰا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولىٰ. صُحُفِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ

[الحديث 31]

31

أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ مُنَخَّلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ أَ فَكُلَّمٰا جٰاءَكُمْ

مُحَمَّدٌ

بِمٰا

____________

أ تدري ما السلم؟ قال: أنت أعلم، قال: ولاية علي و الأئمة و الأوصياء من بعده (عليهم السلام) قال: و خطوات الشيطان و الله ولاية فلان و فلان.

الحديث الثلاثون ضعيف على المشهور.

" قال: ولايتهم" عبر عن ولايتهم بالحياة الدنيا لأنها سبب لجمعها و حيازتها، و لهذا اختارها الأشقياء على ولاية إمام الحق لأنه (عليه السلام) كان يقسم بالسوية، و هم كانوا يؤثرون الكبراء و الأشراف فمالوا إليهم و قووا بذلك، و كذا عبر عن ولايته (عليه السلام) بالآخرة، لأنها سبب للحياة الأبدية الأخروية، ثم رغب في اختيار الآخرة باختيار ولايته بأنها خير و أبقى، ثم قال" إِنَّ هٰذٰا" أي كون الآخرة خيرا و أبقى أو كون ولاية علي سببا لحصول ما هو خير و أبقى، أو أصل الولاية" لَفِي الصُّحُفِ الْأُولىٰ" مذكورة فيها ثم بين الصحف الأولى بأنها صحف إبراهيم و موسى، و في بعض النسخ بدل ولايتهم ولاية شبويه، بالباء الموحدة ثم المثناة التحتانية نسبة إلى شبوة و هي العقرب أو إبرتها كأنه (عليه السلام) شبه الجائر بالعقرب.

الحديث الحادي و الثلاثون ضعيف.

" جاءكم محمد" الآية في سورة البقرة هكذا:" وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسَى الْكِتٰابَ وَ قَفَّيْنٰا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّمٰا جٰاءَكُمْ

32

لٰا تَهْوىٰ أَنْفُسُكُمُ

بِمُوَالاةِ عَلِيٍّ فَ

اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً

مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ

كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ

[الحديث 32]

32

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الرِّضَا ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ

بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ

مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ

يَا مُحَمَّدُ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ مَخْطُوطَةٌ

____________

رَسُولٌ بِمٰا لٰا تَهْوىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ" و الخطاب ظاهرا إلى اليهود فلو كان ما ذكره (عليه السلام) تنزيلا كان وجه توجه الخطاب إليهم ما تقدم ذكره من شدة عداوتهم له (عليه السلام) و كونه (عليه السلام) حاميا للدين و حافظا للملة التي كانوا يريدون إزالتها، و لو كان تأويلا فيحتمل ذلك و يحتمل كون المراد جريان حكم الآية في كل من عارض الحق بهواه، و أشدهم في ذلك الناصبون المنكرون للإمامة.

قال البيضاوي بِمٰا لٰا تَهْوىٰ أَنْفُسُكُمُ، بما لا تحبه، يقال: هوى بالكسر هوى إذا أحب، و هوى بالفتح هويا بالضم سقط، و سقطت الهمزة بين الفاء و ما تعلقت به توبيخا لهم على تعقيبهم ذاك بهذا، و تعجيبا من شأنهم، و يحتمل أن يكون استينافا و الفاء للعطف على مقدر" اسْتَكْبَرْتُمْ" عن الإيمان و اتباع الرسل" فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ" كموسى و عيسى، و الفاء للسببية أو التفصيل" وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ" كزكريا و يحيى، و إنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضارا لها في النفوس فإن الأمر فظيع و مراعاة للفواصل، أو للدلالة على أنكم بعد فيه، فإنكم حول قتل محمد لو لا أني أعصمه منكم و لذلك سحرتموه و سممتم له الشاة، انتهى.

و أقول: على تأويله (عليه السلام) لا يحتاج إلى تكلف.

الحديث الثاني و الثلاثون ضعيف على المشهور.

" مخطوطة" أي مكتوبة و هو صريح في التنزيل و حمله على التأويل بأن يكون المراد أنها مخطوطة شرحا و تفسيرا للآية، أو كون المراد أنها مكتوبة في الكتاب من الكتب التي عندهم لا القرآن بعيد.

33

[الحديث 33]

33

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي السَّفَاتِجِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ-

الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ

فَقَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُعِيَ بِالنَّبِيِّ(ص)وَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ بِالْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ(ع)فَيُنْصَبُونَ لِلنَّاسِ فَإِذَا رَأَتْهُمْ شِيعَتُهُمْ قَالُوا

الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ

يَعْنِي هَدَانَا اللَّهُ فِي وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ ع

[الحديث 34]

34

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى

عَمَّ يَتَسٰاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ

قَالَ النَّبَأُ الْعَظِيمُ الْوَلَايَةُ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ-

هُنٰالِكَ

____________

الحديث الثالث و الثلاثون ضعيف.

و قالوا الحمد لله، في الأعراف هكذا:" وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهٰارُ وَ قٰالُوا الْحَمْدُ لِلّٰهِ" إلخ، و اللام في لنهتدي لتوكيد النفي و جواب لو لا محذوف دل عليه ما قبله، و ضمير قالوا راجع إلى الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ليس المؤمن إلا الشيعة، و لا تقبل الأعمال الصالحة إلا منهم" فينصبون للناس" أي لحساب.

الخلق و شفاعتهم، و قسمة الجنة و النار بينهم كما سيأتي في خطبة الوسيلة في الروضة و سائر الأخبار التي أوردناها في الكتاب الكبير مشحونة بذلك، فإذا رأوا أئمتهم و شفعاءهم بتلك المنزلة الرفيعة قالوا تبجحا و شكرا الحمد لله إلخ" في ولاية أمير المؤمنين" أي لها أو للآيات النازلة فيها، أو التقدير نزلت فيها تأكيدا أو في سببية أي هدانا إلى هذه المنزلة و الكرامة بسبب ولايته (عليه السلام).

الحديث الرابع و الثلاثون كالسابق، و الظاهر عبد الرحمن بن كثير كما سيأتي بعينه في الثاني و الخمسين من الباب.

" عَمَّ يَتَسٰاءَلُونَ" عم أصله عما حذف الألف لاتصال ما بحرف الجر، قال الطبرسي (قدس سره): قالوا لما بعث رسول الله و أخبرهم بتوحيد الله و بالبعث بعد الموت

34

..........

____________

و تلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم، أي يسأل بعضهم بعضا على طريق الإنكار و التعجب، فيقولون: ما ذا جاء به محمد و ما الذي أتى به؟ فأنزل الله تعالى:" عَمَّ يَتَسٰاءَلُونَ" أي عن أي شيء يتساءلون؟ قال الزجاج: اللفظ لفظ استفهام و المعنى تفخيم القصة كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت شأنه، ثم ذكر أن تسائلهم عما ذا؟ فقال عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ و هو القرآن، و معناه الخبر العظيم الشأن لأنه ينبئ عن التوحيد و تصديق الرسول، و الخبر عما يجوز و عما لا يجوز، و عن البعث و النشور و قيل: يعني نبأ يوم القيامة و قيل: النبإ العظيم ما كانوا يختلفون فيه من إثبات الصانع و صفاته و الملائكة و الرسل و البعث و الجنة و النار و الرسالة و الخلافة، فإن النبإ معروف يتناول الكل" الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ" فمصدق به و مكذب" كَلّٰا" أي ليس الأمر كما قالوا" سَيَعْلَمُونَ" عاقبة تكذيبهم حتى ينكشف الأمور" ثُمَّ كَلّٰا سَيَعْلَمُونَ" هذا وعيد على أثر وعيد، و قيل كلا أي حقا سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم و سيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم، و قيل: كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب.

و روى السيد ابن طاوس رضي الله عنه في الطرائف عن محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسيره بإسناده عن السدي قال: أقبل صخر بن حرب حتى جلس إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: يا محمد هذا الأمر بعدك لنا أم لمن؟ قال: يا صخر الأمر من بعدي لمن هو مني بمنزلة هارون من موسى، فأنزل الله تعالى عَمَّ يَتَسٰاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، منهم المصدق بولايته و خلافته، و منهم المكذب بهما، ثم قال:

كلا، و هو رد عليهم، سيعلمون خلافته بعدك أنها حق ثم كلا سيعلمون، يقول:

يعرفون ولايته و خلافته إذ يسألون عنها في قبورهم فلا يبقى ميت في شرق و لا غرب و لا بحر و لا بر إلا و منكر و نكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الموت

35

الْوَلٰايَةُ لِلّٰهِ الْحَقِّ

قَالَ وَلَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع

____________

يقولون: للميت من ربك و ما دينك و من نبيك و من إمامك؟ و الأخبار في ذلك كثيرة من طرق الخاصة و العامة أوردتها في الكتاب الكبير.

" هُنٰالِكَ الْوَلٰايَةُ لِلّٰهِ الْحَقِّ" الآية في سورة الكهف، و قبلها قصة الأخوين اللذين أحدهما مؤمن و الآخر كافر، و كان للكافر جنتان و كفر بالبعث فأرسل الله عليهما عذابا من السماء حيث قال:" وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنٰا لِأَحَدِهِمٰا جَنَّتَيْنِ" إلى قوله تعالى:" وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلىٰ مٰا أَنْفَقَ فِيهٰا وَ هِيَ خٰاوِيَةٌ عَلىٰ عُرُوشِهٰا وَ يَقُولُ يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً، وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ مٰا كٰانَ مُنْتَصِراً، هُنٰالِكَ الْوَلٰايَةُ لِلّٰهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوٰاباً وَ خَيْرٌ عُقْباً" قال البيضاوي:

هُنٰالِكَ أي في ذلك المقام، و في تلك الحال الْوَلٰايَةُ لِلّٰهِ الْحَقِّ: النصرة له وحده، و لا يقدر عليها غيره.

أقول: على تأويله (عليه السلام) لعل المعنى أن الأمثال التي يضربها الله لهذه الأمة ليس الغرض منها محض الحكاية و القصة، بل لتنبيه هذه الأمة و تذكيرهم لاجتناب سوء أعمالهم و اقتفاء حسن آثارهم، و المصداق الأعظم لهذا المثل و موردها الأكبر قصة غصب الخلافة و اختيار الغاصبين و أعوانهم الدنيا على الآخرة إما لإنكارهم البعث حقيقة غصب الخلافة و اختيار الغاصبين و أعوانهم الدنيا على الآخرة إما لإنكارهم البعث حقيقة كالخلفاء الثلاثة و بعض أتباعهم، أو لعدم يقينهم كما هو حقه بالآخرة. و إن كانوا يعتقدونها في الجملة كما في بعض أتباعهم، و الأخ المؤمن مثل لأمير المؤمنين و أتباعهم، فإنهم وعظوا هؤلاء و زجروهم فلم ينزجروا حتى نزل بهم عذاب الله في الدنيا و الآخرة، و لم ينتفعوا كثيرا بدنياهم، فالمراد بقوله ولاية أمير المؤمنين أن مورد المثل ولايته (عليه السلام) لا أن المراد بالولاية ولايته (عليه السلام) مع أنه يحتمل ذلك أيضا بأن يكون المراد بالولاية ولايته (عليه السلام) في بطن الآية، لأنه مورد المثل فالمعنى أن الولاية الخالصة لله الحق الذي لا تغيير في ذاته و صفاته، هي ولايته (عليه السلام)، و ولاية المعارضين له لمحض الدنيا، أو نسب ولاية علي (عليه السلام) إلى نفسه مبالغة و كناية لتلازمهما كقوله تعالى:" مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ

36

[الحديث 35]

35

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً

قَالَ هِيَ الْوَلَايَةُ

[الحديث 36]

36

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَمَذَانِيِّ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى-

وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ

قَالَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ ع

____________

فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ" و قوله:" إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ" و أمثاله كثيرة.

الحديث الخامس و الثلاثون: مجهول.

" فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ" قال الطبرسي (ره): أي أقم قصدك للدين، و المعنى كن معتقدا للدين، و قيل: معناه أثبت و دم على الاستقامة و قيل: معناه و أخلص دينك، و قيل: معناه سدد عملك، فإن الوجه ما يتوجه إليه، و عمل الإنسان و دينه ما يتوجه الإنسان إليه لتسديده و إقامته" حَنِيفاً" أي مائلا إليه ثابتا عليه مستقيما فيه لا ترجع عنه إلى غيره، انتهى.

و الحاصل أنه أمر بالتوجه التام إلى الدين القويم، و الاعتراض عن جميع الأديان الباطلة و الآراء الفاسدة، و لا ريب أنه ولاية أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم السلام) أعظم أجزائه، بل لا يعرف غيرها إلا به و تأنيث الضمير باعتبار الخبر.

الحديث السادس و الثلاثون: مرفوع.

" وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ" قال البيضاوي: أي العدل يوزن بها صحائف الأعمال و قيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي و الجزاء على حسب الأعمال بالعدل، و إفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة" لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ" لجزاء يوم القيامة أو لأهله أو فيه كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر، انتهى.

37

..........

____________

و فسر (عليه السلام) الميزان بالأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، و قد وردت الأخبار الكثيرة بذلك و اختاره الصدوق (ره) في رسالة العقائد، و أكثر المتكلمين على أن لله في القيامة ميزانا ذا كفين توزن به صحائف الأعمال، و يعطي الله الصحائف خفة و ثقلا بحسب ما كتب فيه، و لا تنافي بينهما فإن الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) هم الحاضرون عند الميزان، و إليهم إياب الخلق و عليهم حسابهم.

قال الصدوق (قدس سره) في رسالة العقائد: اعتقادنا في الحساب أنه حق منه ما يتولاه الله عز و جل و منه ما يتولاه حججه (عليهم السلام) فحساب الأنبياء و الأئمة (صلوات الله عليهم) يتولاه الله عز و جل و يتولى كل نبي حساب أوصيائه و يتولى الأوصياء حساب الأمم فالله عز و جل الشهيد على الأنبياء و الرسل، و هم الشهداء على الأئمة، و الأئمة الشهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا، و قوله عز و جل:" أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ" يعني بالشاهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قوله عز و جل:

" إِنَّ إِلَيْنٰا إِيٰابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا حِسٰابَهُمْ" و سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز و جل:

" وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ فَلٰا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً" قال: الموازين الأنبياء و الأوصياء، و من الخلق من يدخل الجنة بغير حساب.

و قال الشيخ المفيد نور الله ضريحه في شرح هذا الكلام: الحساب هو المقابلة بين الأعمال و الجزاء عليها و الموافقة للعبد على ما فرط منه و التوبيخ له على سيئاته و الحمد على حسناته و معاملته في ذلك باستحقاقه، و ليس هو كما ذهبت العامة إليه من مقابلة الحسنات بالسيئات و الموازنة بينهما على حسب استعداد الثواب و العقاب عليهما إذا كان التحابط بين الأعمال غير صحيح، و مذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت، و ما تعتمد الحشوية في معناه غير معقول و الموازين هي التعديل بين الأعمال و الجزاء عليها،

38

..........

____________

و وضع كل جزاء في موضعه و إيصال كل ذي حق إلى حقه، فليس الأمر في معنى ذلك ما ذهب إليه أهل الحشو من أن في القيامة موازين كموازين الدنيا لكل ميزان كفتان توضع الأعمال فيها، إذ الأعمال أعراض و الأعراض لا يصح وزنها، و إنما توصف بالثقل و الخفة على وجه المجاز، و المراد بذلك أن ما ثقل منها هو ما كثر و استحق عليه عظيم الثواب، و ما خف منها ما قل قدره و لم يستحق عليه جزيل الثواب، و الخبر الوارد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأئمة من ذريته (عليهم السلام) هم الموازين، فالمراد أنهم المعدلون بين الأعمال فيما يستحق عليها و الحاكمون فيها بالواجب و العدل، و يقال:

فلان عندي في ميزان فلان و يراد به نظيره، و يقال: كلام فلان عندي أوزن من كلام فلان، و المراد به أن كلامه أعظم و أفضل قدرا، و الذي ذكره الله تعالى في الحساب و الخوف منه إنما هو المواقفة على الأعمال، لأن من وقف على أعماله لم يتخلص من تبعاتها و من عفا الله عنه في ذلك فاز بالنجاة، و من ثقلت موازينه بكثرة استحقاق الثواب فأولئك هم المفلحون، و من خفت موازينه بقلة أعمال الطاعات فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، و القرآن إنما أنزل بلغة العرب و حقيقة كلامها و مجازه، و لم ينزل على ألفاظ العامة و ما سبق إلى قلوبها من الأباطيل، انتهى.

و قال بعض المحققين: ميزان كل شيء هو المعيار الذي به يعرف قدر ذلك الشيء فميزان يوم القيامة للناس ما يوزن به قدر كل إنسان و قيمته على حساب عقائده و أخلاقه و أعماله، لتجزي كل نفس بما كسبت، و ليس ذلك إلا الأنبياء و الأوصياء، إذ بهم و باقتفاء آثارهم و ترك ذلك و القرب من طريقتهم و البعد عنها يعرف مقدار الناس و قدر حسناتهم و سيئاتهم، فميزان كل أمة هو نبي تلك الأمة و وصي نبيها، و الشريعة التي أتى بها فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، و من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم.

أقول: و قد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب بحار الأنوار.

39

[الحديث 37]

37

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى-

ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذٰا أَوْ بَدِّلْهُ

قَالَ قَالُوا أَوْ بَدِّلْ عَلِيّاً ع

____________

الحديث السابع و الثلاثون: ضعيف.

" بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذٰا" الآية في سورة يونس هكذا:" وَ إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُنٰا بَيِّنٰاتٍ قٰالَ الَّذِينَ لٰا يَرْجُونَ لِقٰاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذٰا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقٰاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخٰافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" و قال الطبرسي (قدس سره):" وَ إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُنٰا" المنزلة في القرآن" بَيِّنٰاتٍ" أي واضحات في الحلال و الحرام و سائر الشرائع، و هي نصب على الحال" قٰالَ الَّذِينَ لٰا يَرْجُونَ لِقٰاءَنَا" أي لا يؤمنون بالبعث و النشور و لا يخشون عذابنا و لا يطمعون في ثوابنا" ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذٰا" الذي تتلوه علينا" أَوْ بَدِّلْهُ" فاجعله على خلاف ما تقرؤه و الفرق بينهما أن الإتيان بغيره قد يكون معه و تبديله لا يكون إلا برفعه، و قيل: معنى قوله بدله غير أحكامه من الحلال و الحرام، أرادوا بذلك زوال الخطر عنهم و سقوط الأمر منهم، و أن يخلي بينهم و بين ما يريدونه" قُلْ" يا محمد" مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقٰاءِ نَفْسِي" أي من جهة نفسي لأنه معجز لا أقدر على الإتيان بمثله" إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ" أي ما أتبع إلا الذي أوحي إلى، انتهى. و أقول: تأويله (عليه السلام) ليس ببعيد من ذلك، لأن عمدة ما كان يكرهه المشركون و المنافقون ولاية علي (عليه السلام) لما قتل و أسر منهم من الجم الغفير، كما ورد في تأويل قوله تعالى:" سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ" إنه لما بلغ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بغدير خم ما بلغ و شاع ذلك في البلاد أتى الحارث بن نعمان الفهري فقال: يا محمد أمرتنا بشهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و بالصلاة و الصوم و الحج و الزكاة فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا و قلت: من كنت مولاه فعلي

40

[الحديث 38]

38

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْحَسَنِ الْقُمِّيِّ عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

سَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ-

مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ

قَالَ عَنَى بِهَا لَمْ نَكُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ

____________

مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): و الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله فولى الحارث يريد راحلته و هو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته و خرج من دبره فقتله، و أنزل الله تعالى:" سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ" و روى هذا أبو عبيد و الثعلبي و النقاش و سفيان بن عيينة و الرازي و النيسابوري و الطبرسي و القزويني و الطوسي في تفاسيرهم.

فالمراد بقوله (عليه السلام): أو بدل عليا بدل الآيات التي نزلت فيه و في إمامته، و ولايته (عليه السلام)، مع كون سائر القرآن بحاله، أو أترك هذا القرآن و أت بقرآن لا يكون فيه ذكره (عليه السلام).

و يحتمل أن يكون المراد بالآيات الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) كما مر أنهم آيات الله، أي إذا يتلى عليهم في القرآن ذكرهم (عليهم السلام) و فضلهم قالوا ائت بقرآن لا يكون فيه ذكرهم، أو بدل من هذا القرآن الآيات الدالة على إمامة علي (عليه السلام)، و الأول أوفق بظاهر الآية، و على التقديرين قوله: ما يكون لي أن أبدله، يرجع إلى أنه ليست الإمامة و الخلافة بيدي و باختياري حتى يمكنني أن أبدله من قبل نفسي، بل أتبع في ذلك ما يوحى إلى و إن عصيته في ذلك إني أخاف عذاب يوم عظيم.

الحديث الثامن و الثلاثون: ضعيف على المشهور.

" مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ" قال الطبرسي (ره) هذا سؤال توبيخ أي يطلع أهل الجنة على أهل النار فيقولون لهم: ما أوقعكم في النار؟ قالوا: لم نك من المصلين، أي كنا

41

الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِيهِمْ-

وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ. أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

أَ مَا تَرَى النَّاسَ يُسَمُّونَ الَّذِي يَلِي السَّابِقَ فِي الْحَلْبَةِ مُصَلِّي فَذَلِكَ الَّذِي عَنَى حَيْثُ قَالَ-

____________

لا نصلي الصلوات المكتوبة على ما قررها الشرع، و في هذا دلالة على أن الإخلال بالواجب يستحق به الذم و العقاب، لأنهم علقوا استحقاقهم العقاب بالإخلال بالصلاة و فيه دلالة أيضا على أن الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية، انتهى.

و قال البيضاوي: سقر علم لجهنم، و لذلك لم يصرف، من سقرته النار و صقرته إذا لوحته، انتهى.

و قيل: اسم عجمي لنار الآخرة، و قال البيضاوي: أيضا في قوله تعالى:" وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ" أي الذين سبقوا إلى الإيمان و الطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم و توان، أو سبقوا في حيازة الفضائل و الكمالات، أو الأنبياء فإنهم مقدموا أهل الإيمان هم الذين عرفت رأيهم و عرفت ما لهم كقول أبي النجم

أنا أبو النجم و شرعي شعري

أو الذين سبقوا إلى الجنة أولئك المقربون في جنات النعيم، و الذين قربت درجاتهم في الجنة و أعليت مراتبهم، انتهى.

و الحلبة بفتح الحاء المهملة و سكون اللام ثم الباء الموحدة الدفعة من الخيل في الرهان، و خيل تجمع للسباق من كل أوب لا تخرج من إصطبل واحد، و هي عندهم عشرة، لها عشرة أسماء فالسابق هو المقدم على الجميع عند السباق و يقال له المجلي لأنه جلي نفسه أي أظهرها و جلي عن صاحبه و أظهر فروسيته أو جلي همه حيث سبق و الثاني المصلي لأنه يحاذي رأسه صلوي السابق و هما العظمان النابتان عن يمين الفرس و شماله و الثالث التي لأنه تلاه، و الرابع البارع لأنه برع المتأخر عنه أي فاقة، و الخامس المرتاح كأنه نشط فلحق بالسوابق، و السادس الحظي لأنه حظي عند صاحبه حيث لحق بالسوابق أي صار ذا حظوة عنده أي نصيب، أو في مال الرهان، و السابع العاطف لأنه عطف إلى السوابق أي مال إليها، أو كر عليها فلحقها، و الثامن المؤمل لأنه

42

لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ

لَمْ نَكُ مِنْ أَتْبَاعِ السَّابِقِينَ

____________

يؤمل اللحوق بالسوابق، و التاسع اللطيم لأنه يلطم إذا أراد الدخول إلى الحجرة الجامعة للسوابق، و العاشر السكيت مصغرا مخففا و يجوز تشديده لسكوت صاحبه إذا قيل: لمن هذا؟ أو لانقطاع العذر عنده، و يقال له الفسكل بكسر الفاء و الكاف أو بضمهما و قيل: هو غير العشرة يجيء آخر الخيل كلها و ما ذكره (عليه السلام) من تفسير المصلي تفسير متين وجيه لأن نسبتهم العذاب إلى الإخلال بأصول الدين التي هي العمدة في الإيمان أولى من نسبتهم إلى الإخلال بالفروع، و قوله:" وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ" أيضا في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) يؤول إلى ذلك، أي لا نؤدي حقوقهم من الخمس و غيره، فالمعنى لم نكن نتبع الأئمة و لا نعنيهم كما قال علي بن إبراهيم: لم نك من المصلين، أي لم نك من أتباع الأئمة، و لم نك نطعم المسكين، قال: حقوق آل رسول الله من الخمس لذوي القربى و اليتامى و ابن السبيل، و هم آل رسول الله (عليهم السلام)، انتهى.

و يؤيده ما ذكره الراغب في المفردات، و الصلاة التي هي العبادة المخصوصة أصلها الدعاء و سميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه و قال بعضهم:

أصل الصلاة من الصلا، قال: و معنى صلى الرجل أي أنه أزال عن نفسه بهذه العبادة الصلاة الذي هو نار الله الموقدة و بناء صلى كبناء مرض لإزالة المرض، ثم قال: و كل موضع مدح الله بفعل الصلاة أو حث عليه ذكر بلفظ الإقامة، نحو:" وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلٰاةَ"" و أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ*"" و أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ*" و لم يقل المصلين إلا في المنافقين نحو قوله:" فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ"" و لٰا يَأْتُونَ الصَّلٰاةَ إِلّٰا وَ هُمْ كُسٰالىٰ" و إنما خص لفظة الإقامة تنبيها على أن المقصود من فعلها توفية حقوقها و شرائطها لا الإتيان بهيئتها فقط، و لهذا روي أن المصلين كثير، و المقيمين لها قليل.

و قوله:" لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ" أي من أتباع النبيين،

43

[الحديث 39]

39

أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

وَ أَنْ لَوِ اسْتَقٰامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنٰاهُمْ مٰاءً غَدَقاً

يَقُولُ لَأَشْرَبْنَا قُلُوبَهُمُ الْإِيمَانَ وَ الطَّرِيقَةُ هِيَ وَلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْأَوْصِيَاءِ ع

____________

و قوله" فَلٰا صَدَّقَ وَ لٰا صَلّٰى" تنبيها على أنه لم يك ممن يصلي أي يأتي بهيئتها فضلا عمن يقيمها.

الحديث التاسع و الثلاثون: ضعيف على المشهور و قد مضى بعينه مع الخبر الآتي في باب قبل باب أن الأئمة (عليهم السلام) معدن العلم.

و قال البيضاوي:" وَ أَنْ لَوِ اسْتَقٰامُوا" أي أن الشأن لو استقام الجن أو الإنس أو كلاهما عَلَى الطَّرِيقَةِ المثلي" لَأَسْقَيْنٰاهُمْ مٰاءً غَدَقاً" لوسعنا عليهم الأرزاق، و تخصيص الماء الغدق و هو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش و السعة، و عزة وجوده بين العرب، انتهى.

و معلوم أن الطريقة المثلي التي تجب الاستقامة عليها مشتملة على الولاية و هي من عمدتها، و استعارة الماء للإيمان و العلم شائع، لكونهما سببان لحياة الأرواح كما أن الماء سبب الحياة الأبدان، و قال الطبرسي (ره): في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قول الله:" إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا" قال: هو و الله ما أنتم عليه، و لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا، و عن بريد العجلي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: معناه لأفدناه علما كثيرا يتعلمونه من الأئمة و روى محمد بن العباس بن ماهيار بإسناده عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

في قول الله عز و جل لَوِ اسْتَقٰامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ، قال: استقاموا على الولاية في الأصل عند الأظلة حين أخذ الله عليه الميثاق على ذرية آدم لأسقيناهم ماء غدقا يعني لأسقيناهم من الماء العذب.

44

[الحديث 40]

40

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا

فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)اسْتَقَامُوا عَلَى الْأَئِمَّةِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ-

تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلٰائِكَةُ أَلّٰا تَخٰافُوا وَ لٰا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ

[الحديث 41]

41

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى-

قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ

____________

أقول: و هذا تأويل آخر أي سببنا على طينتهم الماء العذب الفرات، لا الماء الملح الأجاج كما سيأتي في أخبار الطينة إنشاء الله.

الحديث الأربعون: كالسابق" إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ" أي وحدوا الله بلسانهم و اعترفوا به و صدقوا أنبياءه ثُمَّ اسْتَقٰامُوا قال المفسرون: على التوحيد أو على طاعته و الاستقامة إنما يستقيم بالولاية و إنكارها بمنزلة الشرك" تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلٰائِكَةُ" عند الموت كما في تفسير الإمام و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا، و قيل:

تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم بالبشارة من الله، و قيل: عند الموت و في القبر و عند البعث.

أقول: و يحتمل أن يكون في الدنيا أيضا ليعلموا ذلك بخبر الصادقين (عليهم السلام) فتحصل لهم البشارة و في بعض الأخبار أنه مختص بالأئمة (عليهم السلام)، يسمعون ذلك منهم" أَلّٰا تَخٰافُوا" العقاب" وَ لٰا تَحْزَنُوا" على فوت الثواب، أو لا تخافوا مما أمامكم و لا تحزنوا على ما خلفتم من أهل و مال و ولد كما في تفسير الإمام (عليه السلام).

الحديث الحادي و الأربعون: ضعيف على المشهور.

و روى محمد بن العباس في تفسيره عن أحمد بن محمد النوفلي عن يعقوب بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل:" قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ

45

فَقَالَ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ(ع)هِيَ الْوَاحِدَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى

إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ

____________

أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ" قال: بالولاية، قلت: و كيف ذاك؟ قال: إنه لما نصب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) للناس، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اغتابه رجل و قال: إن محمدا ليدعو كل يوم إلى أمر جديد و قد بدأ بأهل بيته يملكهم رقابنا فأنزل الله عز و جل على نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) بذلك قرآنا فقال:" قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ" فقد أديت إليكم ما افترض ربكم عليكم، قلت: فما معنى قوله أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ؟ فقال: أما مثنى يعني طاعة رسول الله و طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أما فرادى فيعني طاعة الأئمة من ذريتهما من بعدهما، و لا و الله يا يعقوب ما عنى غير ذلك، و رواه فرات بن إبراهيم أيضا بإسناده عن عمرو بن يزيد عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام).

و روى ابن شهرآشوب في المناقب عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) في قوله تعالى:

" قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ" قال: الولاية" أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ" قال: الأئمة من ذريتهما، و قال البيضاوي قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ، أرشدكم و أنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دل عليه أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ و هو القيام من مجلس رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و الانتصاب في الأمر خالصا لوجه الله تعالى معرضا عن المراء و التقليد" مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ" متفرقين اثنين اثنين و واحدا واحدا، فإن الازدحام يشوش الخاطر و يخلط القول" ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا" في أمر محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و ما جاء به لتعلموا حقيقته" مٰا بِصٰاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ" فتعلموا ما به من جنون يحمله على ذلك، أو استئناف على أن ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه.

فإنه لا يدعه أن يتصدى لادعاء أمر خطير و خطب عظيم من غير تحقق و وثوق ببرهان، فيفضح على رؤوس الأشهاد، و يسلم و يلقي نفسه إلى الهلاك، كيف و قد انضم إليه معجزات كثيرة، و قيل: ما استفهامية و المعنى ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون، انتهى.

46

[الحديث 42]

42

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ وَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدٰادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ

____________

و أما التأويل الوارد في تلك الأخبار فهي من متشابهات التأويلات التي لا يعلمها إلا الله و الراسخون في العلم إن صح صدورها عنهم (عليهم السلام)، و يمكن تطبيقه على ما في الكتاب على الآية بأن الجنة هي التي كانوا ينسبونها إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في أمر أمير المؤمنين حيث كانوا يقولون إنه لمجنون في حبه (عليه السلام) كما روي في تفسير قوله تعالى:" وَ إِنْ يَكٰادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ" إلى قوله" وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ" و المعنى قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أي بسبب خصلة واحدة هي الولاية، و أن تقوموا مفعول ثان لأعظكم أي تقوموا و تتفكروا في أمري فتعلموا أني لست بمجنون في محبته و إنما أنا مأمور بتبليغ ولايته (عليه السلام) بغاية الجهد.

و يحتمل أيضا أن يكون أن تقوموا بدل واحدة بدل اشتمال أي أعظكم بالولاية بأن تتفكروا في أمري فتعلموا أني لست بمجنون في تبليغها، و يحتمل أن يكون التفسير بالولاية لبيان حاصل المعنى، فإن هذه إنما كانت لقبول ما أرسل به (صلى الله عليه و آله و سلم) و كانت العمدة و الأصل فيها الولاية.

و على ما في سائر الروايات يحتمل أن يكون المعنى إنما أعظكم بخصلة واحدة و بطريقة واحدة للرد على من نسب إليه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه يأتي كل يوم بأمر غريب موهما أن الأمور التي يأتي بها متخالفة، و قوله: أن تقوموا بدل من الواحدة، و لعل قوله مثنى و فرادى حينئذ منصوبان بنزع الخافض أي للإتيان بما هو مثنى و فرادى، أو صفتان المصدر محذوف أي قياما مثنى و فرادى بناء على أن المراد بالقيام الطاعة و الاهتمام بها.

الحديث الثاني و الأربعون ضعيف.

و الآية في سورة النساء هكذا:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ

47

تَوْبَتُهُمْ

____________

كَفَرُوا ثُمَّ ازْدٰادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لٰا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، بَشِّرِ الْمُنٰافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً" و ليس فيها" لن تقبل توبتهم" نعم في سورة آل عمران:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمٰانِهِمْ ثُمَّ ازْدٰادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الضّٰالُّونَ" و لعله (عليه السلام) أو الراوي ذكر آية النساء و ضم إليها بعض آية آل عمران للتنبيه على أن مورد الذم في الآيتين واحد، و أن كل واحدة منهما مفسرة للأخرى لأن قوله:" لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ" وقع في موقع" لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ" لإفادته مفاده.

و اختلف المفسرون في مورد نزول الآية الأولى، فقيل: هم الذين آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل و غير ذلك ثم آمنوا بعيسى ثم كفروا به ثم ازدادوا كفرا بمحمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و قيل: المراد آمنوا بموسى ثم كفروا بعده ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و قيل: عنى به طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فكانوا يظهرون الإيمان بحضرتهم ثم يقولون عرضت لنا شبهة في أمره و نبوته فيظهرون الكفر ثم ازدادوا كفرا بالثبات عليه إلى الموت، و قيل: أن المراد به المنافقون، آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم، و قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في البر و البحر.

أقول: و يدل عليه قوله تعالى فيما بعد:" بَشِّرِ الْمُنٰافِقِينَ" و قال الطبرسي (ره)" لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ" بإظهارهم الإيمان فلو كانت بواطنهم كظواهرهم في الإيمان لما كفروا فيما بعد، وَ لٰا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا إلى الجنة، و قال البيضاوي لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لٰا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا إذ يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر و يثبتوا على الإيمان، فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر و بصائرهم عميت عن الحق لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم تقبل منهم و لم يغفر لهم.

48

قَالَ نَزَلَتْ فِي فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ

آمَنُوا

بِالنَّبِيِّ(ص)فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَ

كَفَرُوا

حَيْثُ عُرِضَتْ عَلَيْهِمُ الْوَلَايَةُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ

ثُمَّ آمَنُوا

بِالْبَيْعَةِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع

ثُمَّ كَفَرُوا

حَيْثُ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَلَمْ يَقِرُّوا بِالْبَيْعَةِ

ثُمَّ ازْدٰادُوا كُفْراً

بِأَخْذِهِمْ مَنْ بَايَعَهُ بِالْبَيْعَةِ لَهُمْ فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ

[الحديث 43]

43

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى-

إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى

فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ ارْتَدُّوا عَنِ

____________

قوله (عليه السلام): آمنوا بالنبي في أول الأمر المراد بالإيمان في الموضعين الإقرار باللسان فقط، و بالكفر الإنكار باللسان أيضا.

قال علي بن إبراهيم في تفسيره: نزلت في الذين آمنوا برسول الله إقرارا لا تصديقا، ثم كفروا لما كتبوا الكتاب فيما بينهم أن لا يردوا الأمر إلى أهل بيته أبدا فلما نزلت الولاية و أخذ رسول الله الميثاق عليهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) آمنوا إقرارا لا تصديقا، فلما مضى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كفروا و ازدادوا كفرا" لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لٰا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلّٰا طَرِيقَ جَهَنَّمَ" بأخذهم من بائعه بالبيعة لهم، المستتر في بايعه راجع إلى الموصول و البارز إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، أي أخذوا الجماعة الذين بايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير بالبيعة لأبي بكر و أخويه عليهم اللعنة، و يحتمل أن يكون المراد بالموصول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيكون المستتر راجعا إلى أبي بكر و البارز إلى الموصول، أي أخذوا من بائعه أبو بكر يوم الغدير بأن يبايع لهم و هو بعيد، و لو كان بايعوه كما في تفسير العياشي لكان هذا أظهر.

الحديث الثالث و الأربعون كالسابق.

" إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى" تمامها في سورة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم):" الشَّيْطٰانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلىٰ لَهُمْ، ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ

49

الْإِيمَانِ فِي تَرْكِ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى

ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ

قَالَ نَزَلَتْ وَ اللَّهِ فِيهِمَا وَ فِي أَتْبَاعِهِمَا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جَبْرَئِيلُ(ع)عَلَى مُحَمَّدٍ ص

ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ

فِي عَلِيٍّ ع

سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ

قَالَ دَعَوْا بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى مِيثَاقِهِمْ أَلَّا يُصَيِّرُوا الْأَمْرَ فِينَا بَعْدَ النَّبِيِّ(ص)وَ لَا يُعْطُونَا مِنَ الْخُمُسِ

____________

اللّٰهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِسْرٰارَهُمْ" قال البيضاوي إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ إلى ما كانوا عليه من الكفر مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى بالدلائل الواضحة و المعجزات الظاهرة" الشَّيْطٰانُ سَوَّلَ لَهُمْ" سهل لهم اقتراف الكبائر" وَ أَمْلىٰ لَهُمْ" و مد لهم في الآمال و الأماني، أو أمهلهم الله و لم يعاجلهم بالعقوبة" ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ" أي قال اليهود الذين كفروا بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد ما تبين لهم الهدى للمنافقين، أو المنافقون لهم، أو أحد الفريقين للمشركين" سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ" أي في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالعقود عن الجهاد، و الموافقة في الخروج معهم أن أخرجوا و التظافر علي الرسول" وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِسْرٰارَهُمْ" و منها قولهم هذا الذي أفشاه الله عليهم، انتهى.

" فلان و فلان" هذه الكنايات تحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد بها بعض بني أمية كعثمان و أبي سفيان و معاوية فالمراد بالذين كرهوا ما أنزل الله أبو بكر و عمر و أبو عبيدة إذ ظاهر السياق أن فاعل قالوا الضمير الراجع إلى الذين ارتدوا، الثاني:

أن يكون المراد بهذه الكنايات أبو بكر و عمر و أبا عبيدة، و ضمير" قالوا" راجعا إلى بني أمية، و المراد بالذين كرهوا الذين ارتدوا فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، و يؤيده عدم وجود الكناية الثالثة في بعض النسخ. قوله (عليه السلام): نزلت و الله فيهما، أي في أبي بكر و عمر و هو تفسير للدين كرهوا و قوله: و هو قول الله تفسير لما نزل الله أو بيان لأن الآية نزلت هكذا، و ضمير دعوا راجع إليهما و أتباعهما، و قوله: أن لا يصيروا بدل ميثاقهم" و قالوا" أي أبو بكر و عمر

50

شَيْئاً وَ قَالُوا إِنْ أَعْطَيْنَاهُمْ إِيَّاهُ لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى شَيْءٍ وَ لَمْ يُبَالُوا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِمْ فَقَالُوا سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ الَّذِي دَعَوْتُمُونَا إِلَيْهِ وَ هُوَ الْخُمُسُ أَلَّا نُعْطِيَهُمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ قَوْلُهُ

كَرِهُوا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ

وَ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ مَا افْتَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ كَانَ مَعَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ كَانَ كَاتِبَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ

أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً

____________

و أتباعهما" أن لا يكون الأمر فيهم" كذا في بعض النسخ" و فيه دلالة على كمال عداوتهم لأهل البيت (عليهم السلام) حيث قصدوا مع غصب الخلافة منهم كسر قلوبهم بضيق المعيشة و في بعضها و لم يبالوا إلا أن يكون الأمر فيهم، أي كانت همتهم حينئذ مقصورة في أخذ الخلافة لحصول أسبابه لهم لأن الناس يرغبون إلى الأموال لا سيما إذا كانت مجتمعة مع النص و القرابة و الفضل و سائر الجهات" فقالوا" أي بنو أمية و إنما خصوا الإطاعة بمنع الخمس لأنهم لم يجتروا على أن يبايعوهم في منع الولاية أو كانوا آيسين من ذلك للنص الصريح أو لأنهم علموا أنهم لا يفوضونها إليهم و يتصرفون فيها، و أما الخمس فكانوا يعلمون أن يعطوا حصته منه، و على جميع الوجوه ثم بعد ذلك أطاعوهم في الأمرين جميعا لما عرض من الأمور التي صارت أسبابا لطمعهم في الخلافة بعد هؤلاء و لا يبعد أن تكون كلمة في على هذا التأويل للسببية أي نطيعكم بسبب الخمس لتعطونا منه شيئا.

و قوله: كرهوا ما نزل الله، إعادة للكلام السابق لبيان أن ما أنزل الله في علي هو الولاية إذ لم يظهر ذلك مما سبق صريحا، و لعله زيدت الواو في قوله: و الذي من النساخ، و قيل: قوله، بالرفع عطف على قول الله، من قبيل عطف التفسير، فإنه لا تصريح في المعطوف عليه بأن النازل فيهما و في أتباعهما" كرهوا" أم" قالوا".

و أبو عبيدة هو عامر بن عبد الله بن الجراح من رؤساء المنافقين، و كان كاتب الصحيفة الملعونة التي كتبوها و دفنوها في الكعبة، و كان فيها ميثاقهم أن لا يصيروا الأمر في علي بعد النبي، و هذا هو المراد بإبرامهم أمرا، و الآية في سورة الزخرف و ما قبلها هكذا:" إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ لٰا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ