مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج11

- العلامة المجلسي المزيد...
399 /
1

[تتمة كتاب الإيمان و الكفر]

بَابُ الرِّوَايَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

مَنْ رَوَى عَلَى مُؤْمِنٍ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا شَيْنَهُ

____________

باب الرواية على المؤمن أي ينقل منه شيئا للإضرار عليه الحديث الأول: ضعيف على المشهور.

" من روى على مؤمن" بأن ينقل عنه كلاما يدل على ضعف عقله و سخافة رأيه على ما ذكره الأكثر، و يحتمل شموله لرواية الفعل أيضا" يريد بها شينه" أي عيبه، في القاموس: شانه يشينه ضد زانه يزينه، و قال الجوهري: المروءة الإنسانية و لك أن تشدد، قال أبو زيد: مرأى الرجل صار ذا مروءة انتهى.

و قيل: هي آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف على محاسن الأخلاق و جميل العادات، و قد يتحقق بمجانبة ما يؤذن بخسة النفس من المباحات كالأكل في الأسواق، حيث يمتهن فاعله، قال الشهيد (رحمه الله): المروة تنزيه النفس عن الدنائة التي لا يليق بأمثاله كالسخرية و كشف العورة التي يتأكد استحباب سترها في الصلاة، و الأكل في الأسواق غالبا، و لبس الفقيه لباس الجندي بحيث يسخر منه.

2

وَ هَدْمَ مُرُوءَتِهِ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ وَلَايَتِهِ إِلَى وَلَايَةِ الشَّيْطَانِ فَلَا يَقْبَلُهُ الشَّيْطَانُ

____________

" أخرجه الله من ولايته" في النهاية و غيره: الولاية بالفتح المحبة و النصرة، و بالكسر التولية و السلطان، فقيل: المراد هنا المحبة، و إنما لا يقبله الشيطان لعدم الاعتناء به، لأن الشيطان إنما يحب من كان فسقه في العبادات، و يصيره وسيلة لإضلال الناس، و قيل: السر في عدم قبول الشيطان له أن فعله أقبح من فعل الشيطان لأن سبب خروج الشيطان من ولاية الله هو مخالفة أمره مستندا بأن أصله أشرف من أصل آدم (عليه السلام) و لم يذكر من فعل آدم ما يسوؤه و يسقطه عن نظر الملائكة، و سبب خروج هذا الرجل من ولايته تعالى هو مخالفة أمره عز و جل من غير أن يسندها إلى شبهة إذ الأصل واحد، و ذكره من فعل المؤمن ما يؤذيه و يحقره و ادعاء الكمال لنفسه ضمنا، و هذا إدلال و تفاخر و تكبر، فلذا لا يقبله الشيطان لكونه أقبح فعالا منه، على أن الشيطان لا يعتمد على ولايته له، لأن شأنه نقض الولاية لا عن شيء فلذلك لا يقبله، انتهى.

و لا يخفى ما في هذه الوجوه لا سيما في الأخيرين على من له أدنى مسكة، بل المراد إما المحبة و النصرة، فيقطع الله عنه محبته و نصرته و يكله إلى الشيطان الذي اختار تسويله، و خالف أمر ربه، و عدم قبول الشيطان له لأنه ليس غرضه من إضلال بني آدم كثيرة الاتباع و المحبين، فيودهم و ينصرهم إذا تابعوه، بل مقصوده إهلاكهم و جعلهم مستوجبين للعذاب للعداوة القديمة بينه و بين أبيهم، فإذا حصل غرضه منهم يتركهم و يشمت بهم و لا يعينهم في شيء، لا في الدنيا كما قال سبحانه:" كَمَثَلِ الشَّيْطٰانِ إِذْ قٰالَ لِلْإِنْسٰانِ اكْفُرْ فَلَمّٰا كَفَرَ قٰالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ" و كما هو المشهور من قصة برصيصا و غيره، و لا في الآخرة لقوله:" فَلٰا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ"

3

[الحديث 2]

2

عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ

قُلْتُ لَهُ عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ تَعْنِي سُفْلَيْهِ قَالَ لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ إِنَّمَا هِيَ إِذَاعَةُ سِرِّهِ

[الحديث 3]

3

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُخْتَارٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

فِيمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ قَالَ مَا هُوَ أَنْ يَنْكَشِفَ فَتَرَى مِنْهُ شَيْئاً إِنَّمَا هُوَ أَنْ تَرْوِيَ عَلَيْهِ أَوْ تَعِيبَهُ

____________

و المراد التولي و السلطنة، أي يخرجه الله من حزبه و عداد أوليائه و يعده من أحزاب الشيطان، و هو لا يقبله لأنه يتبرأ منه كما عرفت.

و يحتمل أن يكون عدم قبول الشيطان كناية عن عدم الرضا بذلك منه، بل يريد أن يكفره و يجعله مستوجبا للخلود في النار.

الحديث الثاني: صحيح.

و الضمير في له للصادق (عليه السلام)، و في النهاية العورة كل ما يستحيي منه إذا ظهر، انتهى.

و غرضه (عليه السلام) أن المراد بهذا الخبر إفشاء السر لا أن النظر إلى عورته ليس بحرام، و المراد بحرمة العورة حرمة ذكرها و إفشائها و السفلين العورتين، و كنى عنها لقبح التصريح بهما.

الحديث الثالث: موثق.

" ما هو" ما نافية، و الضمير للحرام أو للعورة بتأويل العضو أو النظر المقدر منه" شيئا" أي من عورتيه" أن تروي عليه" أي قولا يتضرر به" أو تعيبه" بالعين المهملة أي تذكر عيبه، و ربما يقرأ بالغين المعجمة من الغيبة.

4

بَابُ الشَّمَاتَةِ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهُ قَالَ

لَا تُبْدِي الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَ(رحمه الله) وَ يُصَيِّرَهَا بِكَ وَ قَالَ مَنْ شَمِتَ بِمُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِأَخِيهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُفْتَتَنَ

بَابُ السِّبَابِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ

____________

باب الشماتة الحديث الأول: حسن موثق.

و قال الجوهري: الشماتة الفرح ببلية العدو يقال: شمت به بالكسر يشمت شماتة، و قال: كل شيء أبديته و بديته أظهرته، و قال: افتتن الرجل و فتن فهو مفتون، إذا أصابته فتنة فيذهب ماله أو عقله، و كذلك إذا اختبر، و إنما نهى (عليه السلام) عن الإيذاء لأنه قد يوجد ذلك في قلب العدو بغير اختياره، و تكليف عامة الخلق به حرج ينافي الشريعة السمحة.

و الإيذاء يكون بالفعل كإظهار السرور و البشاشة و الضحك عند المصاب و في غيبته، و بالقول مثل الهزء و السخرية به، و عقوبته في الدنيا أن الله تعالى يبتليه بمثله غيرة للمؤمن، و انتصارا له، و أيضا هو نوع بغي و عقوبة البغي عاجلة سريعة.

باب السباب الحديث الأول: ضعيف على المشهور.

و السباب إما بكسر السين و تخفيف الباء مصدر أو بفتح السين و تشديد الباء

5

ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

سِبَابُ الْمُؤْمِنِ كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَكَةِ

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

____________

صيغة مبالغة، و على الأول كان في المشرف مضاف أي كفعل المشرف، و ربما يقرأ المشرف بفتح الراء مصدرا ميميا، و في بعض النسخ كالشرف، و السب الشتم و هو بحسب اللغة يشمل القذف أيضا و لا يبعد شمول أكثر هذه الأخبار أيضا له.

و في اصطلاح الفقهاء هو السب الذي لم يكن قذفا بالزنا و نحوه كقولك: يا شارب الخمر أو يا آكل الربا، أو يا ملعون، أو يا خائن، أو يا حمار، أو يا كلب، أو يا خنزير، أو يا فاسق، أو يا فاجر، و أمثال ذلك مما يتضمن استخفافا أو إهانة، و في المصباح: سبه سبا فهو سباب، و منه يقال للإصبع التي تلي الإبهام سبابة لأنه يشاربها عند السب، و السبة العار و سابه مسابة و سبابا أي بالكسر، و اسم الفاعل منه سب.

و قال: الهلكة مثال القصبة الهلاك، و لعل المراد بها هنا الكفر و الخروج من الدين، و بالمشرف عليها من قرب وقوعه فيها بفعل الكبائر العظيمة، و الساب شبيه بالمشرف و قريب منه، و يحتمل أن تكون الكاف زائدة.

الحديث الثاني: موثق كالصحيح.

و السباب هنا بالكسر مصدر باب المفاعلة و إما بمعنى السب أو المبالغة في السب أو على بابه من الطرفين و الإضافة إلى المفعول أو الفاعل، و الأول أظهر، فيدل على أنه لا بأس بسب غير المؤمن إذا لم يكن قذفا بل يمكن أن يكون المراد بالمؤمن من لا يتظاهر بارتكاب الكبائر و لا يكون مبتدعا مستحقا للاستخفاف، قال المحقق في الشرائع: كل تعريض بما يكرهه المواجه و لم يوضع للقذف لغة و لا عرفا يثبت به التعزير، إلى قوله: و لو كان المقول له مستحقا للاستخفاف فلا حد و لا تعزير، و كذا كل ما يوجب أذى كقوله: يا أجذم أو يا أبرص.

6

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ وَ أَكْلُ لَحْمِهِ مَعْصِيَةٌ وَ حُرْمَةُ

____________

و قال الشهيد الثاني في شرحه: لما كان أذى المسلم الغير المستحق للاستخفاف محرما فكل كلمة يقال له و يحصل له بها الأذى و لم تكن موضوعة للقذف بالزنا و ما في حكمه لغة و لا عرفا يجب بها التعزير بفعل المحرم كغيره من المحرمات، و منه التعيير بالأمراض.

و في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سب رجلا بغير قذف يعرض به هل يجلد؟ قال: عليه التعزير.

و المراد بكون المقول له مستحقا للاستخفاف أن يكون فاسقا متظاهرا بفسقه فإنه لا حرمة له حينئذ، لما روي عن الصادق (عليه السلام): إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة، و في بعض الأخبار عن تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب، و في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيعة و باهتوهم لئلا يطغوا في الفساد في الإسلام، و يحذرهم الناس و لا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات، و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة.

و الفسق في اللغة الخروج عن الطاعة مطلقا لكن يطلق غالبا في الكتاب و السنة.

على الكفر أو ارتكاب الكبائر العظيمة، قال في المصباح: فسق فسوقا من باب قعد:

خرج عن الطاعة و الاسم الفسق، و يفسق بالكسر لغة، و يقال: أصله خروج الشيء على وجه الفساد، و منه فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، و قال الراغب: فسق فلان خرج عن حد الشرع و هو أعم من الكفر و الفسق يقع بالقليل من الذنوب و بالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا و أكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع و أقر به، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه، قال عز و جل:" فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ"

7

مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ

____________

" فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ"" وَ أَكْثَرُهُمُ الْفٰاسِقُونَ"" أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً" فقابل بها الإيمان" وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ"" وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوٰاهُمُ النّٰارُ"" وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيٰاتِنٰا يَمَسُّهُمُ الْعَذٰابُ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ"" وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفٰاسِقِينَ*"" و كَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ" انتهى.

فالفسق هنا ما قارب الكفر لأنه ترقى عنه إلى الكفر، و يظهر منه أن السباب أعظم من الغيبة مع أن الإيذاء فيه أشد إلا أن يكون الغيبة بالسباب فهي داخلة فيه.

" و قتاله كفر" المراد به الكفر الذي يطلق على أرباب الكبائر أو إذا قاتله مستحلا أو لإيمانه، و قيل: كان القتال لما كان من أسباب الكفر أطلق الكفر عليه مجازا أو أريد بالكفر كفر نعمة التآلف، فإن الله ألف بين المؤمنين أو إنكار حق الإخوة فإن من حقها عدم المقاتلة" و أكل لحمه" المراد به الغيبة كما قال عز و جل:

" وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً" شبه صاحب الغيبة بأكل لحم أخيه الميت زيادة في التنفير و الزجر عنها، و قيل: المراد بالمعصية الكبيرة.

" و حرمة ماله كحرمة دمه" جمع بين المال و الدم في الاحترام و لا شك في أن إهراق دمه كبيرة مهلكة، فكذا آكل ماله، و مثل هذا الحديث مروي من طرق العامة، و قال في النهاية: قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلما من غير تأويل،

8

[الحديث 3]

3

عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَتَى النَّبِيَّ(ص)فَقَالَ أَوْصِنِي فَكَانَ فِيمَا أَوْصَاهُ أَنْ قَالَ لَا تَسُبُّوا النَّاسَ فَتَكْتَسِبُوا الْعَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ

[الحديث 4]

4

ابْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى(ع)

فِي رَجُلَيْنِ يَتَسَابَّانِ قَالَ الْبَادِي مِنْهُمَا أَظْلَمُ وَ وِزْرُهُ وَ وِزْرُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْتَذِرْ إِلَى الْمَظْلُومِ

[الحديث 5]

5

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

مَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِكُفْرٍ قَطُّ إِلَّا

____________

و قيل: إنما قال على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الفسق و الكفر، و قال الكرماني في شرح البخاري: هو بكسر مهملة و خفة موحدة أي شتمه أو تشاتمهما و" قتاله" أي مقاتلته" كفر" فكيف يحكم بتصويب المرجئة في أن مرتكب الكبيرة غير فاسق.

الحديث الثالث: صحيح.

و كسب العداوة بالسب معلوم، و هذه من مفاسده الدنيوية.

الحديث الرابع: صحيح.

و قد مر في باب السفه باختلاف في صدر السند، و كان فيه ما لم يتعد المظلوم، و قد مر الكلام فيه، و ما هنا يدل على أنه إذا اعتذر إلى صاحبه و عفا عنه سقط عنه الوزر بالأصالة و بالسببية، و التعزير أو الحد أيضا و لا اعتراض للحاكم، لأنه حق آدمي تتوقف إقامته على مطالبته، و يسقط بعفوه.

الحديث الخامس: ضعيف.

" ما شهد رجل" بأن شهد به عند الحاكم أو أتى بصيغة الخبر نحو أنت كافر، أو بصيغة النداء نحو: يا كافر، و قال الجوهري: قال الأخفش" وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ*" أي رجعوا به أي صار عليهم، انتهى.

9

بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ شَهِدَ بِهِ عَلَى كَافِرٍ صَدَقَ وَ إِنْ كَانَ مُؤْمِناً رَجَعَ الْكُفْرُ عَلَيْهِ فَإِيَّاكُمْ وَ الطَّعْنَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

____________

و في قوله: فإياكم، إشارة إلى أن مطلق الطعن حكمه حكم الكفر في الرجوع إلى أحدهما، و قوله: إن كان، استئناف بياني.

و كفر الساب مع أن محض السب و إن كان كبيرة لا يوجب الكفر، يحتمل وجوها أشرنا إلى بعضها مرارا:" الأول" أن يكون المراد به الكفر الذي يطلق على مرتكبي الكبائر في مصطلح الآيات و الأخبار.

الثاني: أن يعود الضمير إلى الذنب أو الخطإ المفهوم من السياق لا إلى الكفر.

الثالث: عود الضمير إلى التكفير لا إلى الكفر، يعني تكفيره لأخيه تكفير لنفسه، لأنه لما كفر مؤمنا فكأنه كفر نفسه، و أورد عليه أن التكفير حينئذ غير مختص بأحدهما لتعلقه بهما جميعا، و لا يخفى ما فيه و في الثاني من التكلف.

الرابع: ما قيل: أن الضمير يعود إلى الكفر الحقيقي لأن القاتل اعتقد أن ما عليه المقول له من الإيمان كفر" فقد كفر" لقوله تعالى:" وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ" و يرد عليه أن القائل بكفر أخيه لم يجعل الإيمان كفرا بل أثبت له بدل الإيمان كفرا توبيخا و تغيرا له بترك الإيمان، و أخذ الكفر بدلا منه، و بينهما بون بعيد، نعم يمكن تخصيصه بما إذا كان سبب التكفير اعتقاده بشيء من أصول الدين، الذي يصير إنكاره سببا للكفر باعتقاد القائل كما إذا كفر عالم قائل بالاختيار عالما آخر قائلا بالجبر، أو كفر قائل بالحدوث قائلا بالقدم، أو قائل بالمعاد الجسماني منكرا له، و أمثال ذلك، و هذا وجه وجيه و إن كان في التخصيص بعد.

10

..........

____________

و قال الجزري في النهاية: فيه: من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما، لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب، فإن صدق فهو كافر و إن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم، و الكفر صنفان أحدهما الكفر بأصل الإيمان و هو ضده، و الآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإيمان، و قيل: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار بأن لا يعرف الله أصلا و لا يعترف به، و كفر جحود ككفر إبليس يعرف الله بقلبه و لا يقر بلسانه، و كفر عناد و هو أن يعرف بقلبه و يعترف بلسانه و لا يدين به حسدا و بغيا ككفر أبي جهل و أضرابه، و كفر نفاق و هو أن يقر بلسانه و لا يعتقد بقلبه.

قال الهروي: سئل الأزهري عمن يقول بخلق القرآن أ تسميه كافرا؟ فقال:

الذي يقوله كفر، فأعيد عليه السؤال ثلاثا و يقول مثل ما قال، ثم قال في الآخر:

قد يقول المسلم كفرا، و عنه حديث ابن عباس قيل له:" وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ" قال: هم كفرة، و ليسوا كمن كفر بالله و اليوم الآخر، و منه الحديث الآخر: أن الأوس و الخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض السيوف، فأنزل الله تعالى:" وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلىٰ عَلَيْكُمْ آيٰاتُ اللّٰهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ" و لم يكن ذلك على الكفر بالله، و لكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الألفة و المودة.

و منه حديث ابن مسعود: إذا قال الرجل للرجل أنت لي عدو فقد كفر أحدهما بالإسلام، أراد كفر نعمته لأن الله ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا، فمن لم يعرفها فقد كفرها.

و كذلك الحديث: من أتى حائضا فقد كفر، و حديث الأنواء إن الله ينزل الغيث فيصبح به قوم كافرين، يقولون مطرنا بنوء كذا و كذا أي كافرين بذلك دون

11

[الحديث 6]

6

الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

إِنَّ اللَّعْنَةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ فِي صَاحِبِهَا تَرَدَّدَتْ فَإِنْ وَجَدَتْ مَسَاغاً وَ إِلَّا رَجَعَتْ عَلَى صَاحِبِهَا

[الحديث 7]

7

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ

____________

غيره حيث ينسبون المطر إلى النوء دون الله، و منه الحديث: فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن قيل: أ يكفرن بالله؟ قال: لا و لكن يكفرن الإحسان، و يكفرن العشير، أي يجحدون إحسان أزواجهن، و الحديث الآخر: سباب المسلم فسوق و قتاله كفر، و الأحاديث من هذا النوع كثيرة و أصل الكفر تغطية الشيء تستهلكه.

الحديث السادس: ضعيف على المشهور.

و قال في النهاية: في حديث أبي أيوب إذا شئت فاركب، ثم سغ في الأرض ما وجدت مساغا، أي ادخل فيها ما وجدت مدخلا و روي في المصابيح عن رسول الله أنه قال: إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا و شمالا فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان لذلك أهلا و إلا رجعت إلى قائلها.

و في النهاية: اللعن الطرد و الإبعاد من الله تعالى، و من الخلق السب و الدعاء.

و أقول: كان هذا محمول على الغالب، و قد يمكن أن يكون اللاعن و الملعون كلاهما من أهل الجنة كما إذا ثبت عند اللاعن كفر الملعون و استحقاقه اللعن، و إن لم يكن كذلك، فإنه لا تقصير للاعن في اللعن، و قد يمكن أن يجري أكثر من اللعن بسبب ذلك كالحد و القتل و القطع بشهادة الزور، و يحتمل أن يكون المراد بالمساغ محل الجواز و الغدر في اللعن، أو يكون المساغ بالمعنى المتقدم كناية عن ذلك، فإن اللاعن إذا كان معذورا كان مثابا عليه فيصعد لعنه إلى السماء و يثاب عليه.

الحديث السابع: موثق كالصحيح.

12

بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ

إِنَّ اللَّعْنَةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ فِي صَاحِبِهَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ وَجَدَتْ مَسَاغاً وَ إِلَّا رَجَعَتْ عَلَى صَاحِبِهَا

[الحديث 8]

8

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أُفٍّ خَرَجَ مِنْ وَلَايَتِهِ وَ إِذَا قَالَ أَنْتَ عَدُوِّي كَفَرَ أَحَدُهُمَا وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُؤْمِنٍ عَمَلًا وَ هُوَ مُضْمِرٌ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُوءاً

____________

و يمكن إجراء بعض التأويلات السابقة فيه بل كلها و إن كان أبعد.

الحديث الثامن: ضعيف على المشهور.

و لعل في السند تصحيفا أو تقديما و تأخيرا فإن محمد بن سنان ليس هنا موضعه و تقديم محمد بن علي عليه أظهر" خرج عن ولايته" أي محبته و نصرته الواجبتين عليه، و يحتمل أن يكون كناية عن الخروج عن الإيمان لقوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ" ثم قال:" وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ" و قال سبحانه" وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ"" و إذا قال: أنت عدوي كفر أحدهما" لما مر من أنه إن كان صادقا كفر المخاطب، و إن كان كاذبا كفر القائل، و قد مر معنى الكفر.

" و هو مضمر على أخيه المؤمن سوءا" أي يريد به شرا أو يظن به ما هو بريء عنه، أو لم يثبت عنده و ليس المراد به الخطرات التي تخطر في القلب لأن دفعه غير مقدور، بل الحكم به و إن لم يتكلم، و أما مجرد الظن فيشكل التكليف بعدمه مع حصول بواعثه، و أما الظن الذي حصل من جهة شرعيته فالظاهر أنه خارج عن ذلك لترتب كثير من الأحكام الشرعية عليه كما مر، و لا ينافي ما ورد أن الحزم

13

[الحديث 9]

9

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَطْعُنُ فِي عَيْنِ مُؤْمِنٍ إِلَّا مَاتَ بِشَرِّ مِيتَةٍ وَ كَانَ قَمِناً أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى خَيْرٍ

بَابُ التُّهَمَةِ وَ سُوءِ الظَّنِّ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِذَا اتَّهَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ انْمَاثَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ

____________

مساءة الظن لأن المراد به التحفظ و الاحتياط في المعاملات دون الظن بالسوء.

الحديث التاسع: ضعيف على المشهور.

" يطعن في عين مؤمن" أي يواجهه بالطعن و العيب و يذكره بمحضره، قال في المصباح: طعنت عليه من باب قتل و من باب نفع لغة: قدحت و عبت، طعنا و طعانا فهو طاعن و طعان في الأعراض، و في القاموس عين فلانا أخبره بمساويه في وجهه، انتهى.

و الظاهر أنه أعم من أن يكون متصفا بها أم لا، و الميتة بالكسر للهيئة و الحالة، قال الجوهري: الميتة بالكسر كالجلسة و الركبة يقال: مات فلان ميتة حسنة، و المراد بشر الميتة إما بحسب الدنيا كالغرق و الحرق و الهدم و أكل السبع و سائر ميتات السوء، أو بحسب الآخرة كالموت على الكفر أو على المعاصي بلا توبة و في الصحاح أنت قمن أن تفعل كذا، بالتحريك أي خليق و جدير، لا يثني و لا يجمع و لا يؤنث، فإن كسرت الميم أو قلت قمين ثنيت و جمعت.

" إلى خير" أي إلى التوبة و صالح الأعمال أو إلى الإيمان.

باب التهمة و سوء الظن الحديث الأول: حسن كالصحيح.

في القاموس: الوهم من خطرات القلب و هو مرجوح طرفي المتردد فيه، و وهم في الشيء كوعد ذهب و همه إليه، و توهم ظن و اتهمه كافتعله و أوهمه أدخل

14

كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

مَنِ اتَّهَمَ أَخَاهُ فِي دِينِهِ- فَلَا حُرْمَةَ بَيْنَهُمَا وَ مَنْ عَامَلَ أَخَاهُ بِمِثْلِ مَا عَامَلَ بِهِ

____________

عليه التهمة كهمزة أي ما يتهم عليه، فاتهم هو فهو متهم و تهيم، و في المصباح:

اتهمت بكذا ظننته به فهو تهيم، و اتهمته في قوله شككت في صدقه، و الاسم التهمة و زان رطبة و السكون لغة حكاها الفارابي، و أصل التاء واو، و قال: ماث الشيء موثا من باب قال و يميث ميتا من باب باع لغة: ذاب في الماء، و ماثه غيره من باب قال، يتعدى و لا يتعدى، و ماثت الأرض لأنت و سهلت، و في القاموس: ماث موثا و موثانا محركة خلطه و دافه فانماث انمياثا، انتهى.

و كان المراد هنا بالتهمة أن يقول فيه ما ليس فيه مما يوجب شينه، و يحتمل أن يشمل سوء الظن أيضا، و من في قوله" من قلبه" إما بمعنى في كما في قوله تعالى:

" إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ" أو ضمن فيه معنى الذهاب أو الزوال و نحوه، و يحتمل التعليل لأن ذلك بسبب فساد قلبه، و قيل: إنما قال كذلك للتنبيه على فساد قلبه حتى أنه ينافي الإيمان و يوجب فساده.

الحديث الثاني: مرسل مجهول.

و قوله: في دينه، يحتمل تعلقه بالأخوة أو بالتهمة و الأول أظهر كما مر، و على الثاني التهمة بترك شيء من الفرائض أو ارتكاب شيء من المحارم، لأن الإتيان بالفرائض و الاجتناب عن المحارم من الدين كما أن القول الحق و التصديق به من الدين" فلا حرمة بينهما" أي حرمة الإيمان، كناية عن سلبه، و الحاصل أنه انقطعت علاقة الأخوة و زالت الرابطة الدينية بينهما، في القاموس: الحرمة بالضم و بضمتين و كهمزة ما لا يحل انتهاكه، و الذمة و المهابة و النصيب" وَ مَنْ يُعَظِّمْ

15

النَّاسَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا يَنْتَحِلُ

[الحديث 3]

3

عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي كَلَامٍ لَهُ

ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ وَ لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي

____________

حُرُمٰاتِ اللّٰهِ" أي ما وجب القيام به و حرم التفريط فيه.

" بمثل ما عامل به الناس" أي المخالفين أو الأعم منهم و من فساق الشيعة، و ممن لا صداقة و أخوة بينهما" و التسوية في المعاملة" بأن يربح عليهما على حد سواء، و لا يخص أخاه بالرعاية و المسامحة و ترك الربح أو تقليله، و شدة النصيحة و حفظ حرمته في الحضور و الغيبة و المواساة معه، و أمثال ذلك مما هو مقتضى الأخوة كما فصل في الأخبار الكثيرة.

" فهو بريء ممن ينتحل" أي من يجعل هو أو أخوه ولايتهم نحلة و مذهبا و هم الرب سبحانه و رسوله و الأئمة (عليهم السلام)، و الظاهر أن المستتر في ينتحل راجع إلى العامل لا إلى الأخ تعريضا بأنه خارج من الدين فإن الانتحال ادعاء ما ليس له و لم يتصف به، في القاموس: انتحله و تنحله ادعاه لنفسه و هو لغيره، و في أكثر النسخ مما ينتحل و هو أظهر، فالمراد بما ينتحل التشيع أو الأخوة.

الحديث الثالث: مرسل.

" ضع أمر أخيك" أي احمل ما صدر من أخيك من قول أو فعل على أحسن محتملاته و إن كان مرجوحا من غير تجسس حتى يأتيك منه أمر لا يمكنك تأويله فإن الظن قد يخطئ و التجسس منهي عنه كما قال تعالى:" إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" و قال:" وَ لٰا تَجَسَّسُوا".

و قوله: و ما يغلبك، في بعض النسخ بالغين فقوله منه متعلق بيأتيك، أي حتى يأتيك من قبله ما يعجزك و لم يمكنك التأويل، و في بعض النسخ بالقاف من باب

16

الْخَيْرِ مَحْمِلًا

____________

ضرب كالسابق، أو من باب الأفعال فالظرف متعلق بيقلبك و الضمير للأحسن، و قوله (عليه السلام): و لا تظنن، تأكيد لبعض أفراد الكلام أو السابق محمول على الفعل.

و هذه الجملة مروية في نهج البلاغة و فيه: من أحد، و محتملا، و الحاصل أنه إذا صدرت منه كلمة ذات وجهين وجب عليك أن تحملها على الوجه الخير و إن كان معنى مجازيا بدون قرينة أو كناية أو تورية أو نحوها، لا سيما إذا ادعاه القائل و من هذا القبيل ما سماه علماء العربية أسلوب الحكيم، كما قال الحجاج للقبعثري متوعدا له بالقيد: لأحملنك على الأدهم! فقال القبعثرى: مثل الأمير يحمل على الأشهب و الأدهم فأبرز وعيده في معرض الوعد، ثم قال الحجاج للتصريح بمقصوده أنه حديد، فقال القبعثرى: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا.

و قال الشهيد الثاني روح الله روحه و غيره ممن سبقه: اعلم أنه كما يحرم على الإنسان سوء القول في المؤمن و أن يحدث غيره بلسانه بمساوئ الغير، كذلك يحرم عليه سوء الظن و أن يحدث نفسه بذلك، و المراد من سوء الظن المحرم عقد القلب و حكمه عليه بالسوء من غير يقين، فأما الخواطر و حديث النفس فهو معفو عنه كما أن الشك أيضا معفو عنه، قال الله تعالى:" اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، و ما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقيه، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق، و قد قال الله تعالى:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ" فلا يجوز تصديق إبليس، و من هنا جاء في الشرع أن من علمت في فيه رائحة الخمر لا يجوز أن تحكم عليه بشربها و لا يحده عليه لإمكان

17

..........

____________

أن يكون تمضمض به و مجه، أو حمل عليه قهرا و ذلك أمر ممكن، فلا يجوز إساءة الظن بالمسلم، و قد قال (صلى الله عليه و آله و سلم): إن الله تعالى حرم من المسلم دمه و ماله و أن يظن به ظن السوء، فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به الدم أو المال، و هو بعين مشاهدة أو ببينة عادلة، فأما إذا لم يكن ذلك و خطر ذلك سوء الظن فينبغي أن تدفعه عن نفسك و تقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان، فإن ما رأيته فيه يحتمل الخير و الشر.

فإن قلت: فبما ذا يعرف عقد سوء الظن و الشكوك تختلج و النفس تحدث؟

فأقول: أمارة عقد سوء الظن أن تتغير القلب معه عما كان فينفر عنه نفورا لم يعهده و يستثقله و يفتر عن مراعاته و تفقده و إكرامه و الاهتمام بسببه، فهذه أمارات عقد الظن و تحقيقه، و قد قال (عليه السلام): ثلاث في المؤمن لا يستحسن و له منهن مخرج فمخرجه من سوء الظن أن لا يحققه أي لا يحقق في نفسه بعقد و لا فعل لا في القلب و لا في الجوارح، أما في القلب فبتغيره إلى النفرة و الكراهة، و في الجوارح بالعمل بموجبه و الشيطان قد يقرر على القلب بأدنى مخيلة مساءة الناس، و يلقى إليه أن هذا من فطنتك و سرعة تنبهك و ذكائك، و أن المؤمن ينظر بنور الله و هو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان و ظلمته.

فأما إذا أخبرك به عدل فمال ظنك إلى تصديقه كنت معذورا لأنك لو كذبته لكنت جافيا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب، و ذلك أيضا من سوء الظن، فلا ينبغي أن تحسن الظن بالواحد و تسيء بالآخر، نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة و محاسدة و مقت فيتطرق التهمة بسببه؟ و قد رد الشرع شهادة العدو على عدوه للتهمة، فلك عند ذلك أن تتوقف في إخباره و إن كان عدلا و لا تصدقه و لا تكذبه و لكن تقول المستور حاله كان في ستر الله عني، و كان أمره محجوبا و قد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره.

18

..........

____________

و قد يكون الرجل ظاهر العدالة و لا محاسدة بينه و بين المذكور، و لكن يكون من عادته التعرض للناس و ذكر مساويهم، فهذا قد يظن أنه عدل و ليس بعدل، فإن المغتاب فاسق و إذا كان ذلك من عادته ردت شهادته إلا أن الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة و لم يكترثوا بتناول أعراض الخلق، و مهما خطر ذلك خاطر سوء على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته و تدعو له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان و يدفعه عنك، فلا يلقى إليك الخاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء و المراعاة.

و مهما عرفت هفوة مسلم بحجة فانصحه في السر و لا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، و إذا وعظته فلا تعظه و أنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين التعظيم و تنظر إليه بعين الاستصغار، و ترتفع عليه بدلالة الوعظ و ليكن قصدك تخليصه من الإثم و أنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان، و ينبغي أن يكون تركه ذلك من غير نصيحتك أحب إليك من تركه بالنصيحة، و إذا أنت فعلت ذلك لكنت جمعت بين أجر الواعظ و أجر الغم بمصيبته و أجر الإعانة له على دينه.

و من ثمرات سوء الظن التجسس فإن القلب لا يقنع بالظن و بطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس و هو أيضا منهي عنه، قال الله:" وَ لٰا تَجَسَّسُوا" فالغيبة و سوء الظن و التجسس منهي عنها في آية واحدة، و معنى التجسس أنه لا تترك عباد الله تحت ستر الله فتتوصل إلى الاطلاع و هتك الستر حتى ينكشف لك ما لو كان مستورا عنك لكان أسلم لقلبك و دينك، انتهى.

19

بَابُ مَنْ لَمْ يُنَاصِحْ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْأَعْشَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

مَنْ سَعَى فِي حَاجَةٍ لِأَخِيهِ فَلَمْ يَنْصَحْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ فَلَمْ يُنَاصِحْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ وَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ جَمِيعاً عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُصَبِّحِ بْنِ هِلْقَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا اسْتَعَانَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ فِي حَاجَةٍ فَلَمْ يُبَالِغْ فِيهَا بِكُلِّ جُهْدٍ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الْمُؤْمِنِينَ

____________

باب من لم يناصح أخاه المؤمن الحديث الأول: مجهول.

" فلم يناصحه" و في بعض النسخ فلم ينصحه أي لم يبذل الجهد في قضاء حاجته و لم يهتم بذلك و لم يكن غرضه حصول ذلك المطلوب، قال الراغب: النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح صاحبه، انتهى.

و أصله الخلوص و هو خلاف الغش و قد مر تحقيقه مرارا، و يدل على أن خيانة المؤمن خيانة لله و الرسول.

الحديث الثاني: موثق.

الحديث الثالث: مجهول.

و في القاموس: الجهد الطاقة، و يضم و المشقة، و أجهد جهدك أي أبلغ غايتك

20

قَالَ أَبُو بَصِيرٍ قُلْتُ- لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)مَا تَعْنِي بِقَوْلِكَ وَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مِنْ لَدُنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى آخِرِهِمْ

[الحديث 4]

4

عَنْهُمَا جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ ثُمَّ لَمْ يُنَاصِحْهُ فِيهَا كَانَ كَمَنْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ

[الحديث 5]

5

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَنِ اسْتَشَارَ

____________

و جهد كمنع جد كاجتهد، قوله: من لدن أمير المؤمنين، يحتمل أن يكون المراد بهم الأئمة (عليهم السلام) كما مر في الأخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الآيات بهم (عليهم السلام) فإنهم المؤمنون حقا الذين يؤمنون على الله فيجيز أمانهم، و أن يكون المراد ما يشمل سائر المؤمنين، و أما خيانة الله فلأنه خالف أمره و ادعى الإيمان و لم يعمل بمقتضاه و خيانة الرسول و الأئمة (عليهم السلام) لأنه لم يعمل بقولهم، و خيانة سائر المؤمنين لأنهم كنفس واحدة و لأنه إذا لم يكن الإيمان سببا لنصحه فقد خان الإيمان و استحقره و لم يراعه و هو مشترك بين الجميع فكأنه خانهم جميعا.

الحديث الرابع: ضعيف.

" و كان الله خصمه" أي يخاصمه من قبل المؤمن في الآخرة أو في الدنيا أيضا فينتقم له فيهما.

الحديث الخامس: مجهول.

و في المصباح شرت العسل أشوره شورا من باب قال جنيته، و شرت الدابة شورا عرضته للبيع، و شاورته في كذا و استشرته راجعته لأرى فيه رأيه، فأشار علي بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارته حسنة و الاسم المشورة، و فيه لغتان سكون الشين و فتح الواو، و الثانية ضم الشين و سكون الواو و زان معونة، و يقال هي من شار إذا عرضه في المشوار، و يقال: من أشرت العسل، فشبه حسن النصيحة

21

أَخَاهُ فَلَمْ يَمْحَضْهُ مَحْضَ الرَّأْيِ سَلَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَأْيَهُ

[الحديث 6]

6

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَشَى مَعَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ فِي حَاجَةٍ فَلَمْ يُنَاصِحْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ

بَابُ خُلْفِ الْوَعْدِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

عِدَةُ الْمُؤْمِنِ أَخَاهُ نَذْرٌ لَا كَفَّارَةَ لَهُ فَمَنْ أَخْلَفَ فَبِخُلْفِ

____________

بشري العسل، و تشاور القوم و اشتوروا و الشورى اسم منه.

" فلم يمحضه" من باب منع أو من باب الأفعال، في القاموس: المحض اللبن الخالص، و محضه كمنعه سقاه المحض كأمحضه، و أمحضه الود أخلصه كمحضه و الحديث صدقه و الأمحوضة النصيحة الخالصة، و قوله: محض الرأي، إما مفعول مطلق أو مفعول به، و في المصباح الرأي العقل و التدبير، و رجل ذو رأي أي بصيرة.

الحديث السادس: موثق و قد مر باختلاف في أول السند.

باب خلف الوعد الحديث الأول: حسن كالصحيح.

قال الراغب: الوعد يكون في الخير و الشر، يقال: وعدته بنفع و ضر وعدا و موعدا و ميعادا، و الوعيد في الشر خاصة يقال منه: أوعدته، و يقال واعدته و تواعدنا و قال: النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب يقال: نذرت لله نذرا، و قال الجوهري: الوعد يستعمل في الخير و الشر قال الفراء: يقال وعدته خيرا و وعدته شرا، فإذا أسقطوا الخير و الشر قالوا في الخير الوعد و العدة، و في الشر الإيعاد و الوعيد، قال الشاعر

22

اللَّهِ بَدَأَ وَ لِمَقْتِهِ تَعَرَّضَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ-

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ

____________

و إني و إن أوعدته أو وعدته * * * لمخلف إيعادي و منجز موعدي

فإن أدخلوا الباء في الشر جاءوا بالألف، يقال: أوعدني بالسجن، و العدة الوعد و الهاء عوض عن الواو، و يجمع على عدات، و لا يجمع الوعد، انتهى.

فقوله (عليه السلام): نذر أي كالنذر في جعله على نفسه أو في لزوم الوفاء به و هو أظهر، و عدم الكفارة الظاهر أنه للتغليظ كاليمين الغموس أو للتخفيف و هو بعيد.

" فيخلف الله بدءا" لأن الله أخذ على العباد العهد بأن يعملوا بأوامره و ينتهوا عما نهى عنه، و لما أمر بالوفاء بالعهد و نهى عن الخلف عنه فمن أراد خلف العهد خالف الله فيما عاهده عليه، و إن كان معفوا مع عدم الفعل" و لمقته" أي غضبه سبحانه" تعرض".

و أما الآية فقال الطبرسي (ره): قيل إن الخطاب للمنافقين و هو تقريع لهم بأنهم يظهرون الإيمان و لا يبطنونه، و قيل: إن الخطاب للمؤمنين و تعيير لهم أن يقولوا شيئا و لا يفعلونه، قال الجبائي: هذا على ضربين: أحدهما أن يقول سأفعله و من عزمه أن لا يفعل و هو قبيح مذموم، و الآخر أن يقول سأفعل و من عزمه أن يفعله و المعلوم أن لا يفعله فهذا قبيح لأنه لا يدري أ يفعله أم لا، و ينبغي في مثل هذا أن يقرن بلفظ إنشاء الله" كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ". أي كبر هذا القول و عظم مقتا عند الله و هو أن تقولوا ما لا تفعلونه و قيل: معناه كبر أن تقولوا ما لا تفعلونه و تعدوا من أنفسكم ما لا تفون به مقتا عند الله.

و قال البيضاوي: روي أن المسلمين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا و أنفسنا، فأنزل" إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ" قولوا يوم أحد فنزلت:" كَبُرَ مَقْتاً" المقت أشد الغضب و نصبه على التميز للدلالة على أن قولهم

23

..........

____________

هذا مقت خالص كبير عند من يحقر عنده كل عظيم، مبالغة في المنع عنه.

و قال الرازي: منهم من قال هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين و هم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلىٰ تِجٰارَةٍ تُنْجِيكُمْ" الآية،" و إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ" فأحبوا الجهاد و تولوا يوم أحد، فأنزل الله تعالى:" لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ" و قيل: في حق من يقول قاتلت و لم يقاتل، و طعنت و لم يطعن، و فعلت و لم يفعل، و قيل: أنها في حق أهل النفاق في القتال لأنهم تمنوا القتال، فلما أمر الله تعالى به" قٰالُوا رَبَّنٰا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتٰالَ" و قيل: أنها في حق كل مؤمن لأنهم قد اعتقدوا الوفاء بما وعدهم الله من الطاعة و الاستسلام و الخضوع و الخشوع، فإذا لم يوجد الوفاء بما وعدهم الله خيف عليهم، انتهى.

و أقول: الآية تحتمل وجوها بحسب ظاهر اللفظ:

الأول: ما يظهر من هذا الخبر من أنها في التعيير على خلف الوعد من الناس، و يؤيده ما روي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: و الخلف يوجب المقت عند الله و الناس، قال الله سبحانه:" كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ" فيكون على سبيل القلب، و يكون المعنى لم لا تفعلون ما تقولون، أو يقال: النهي المفهوم من الآية يتوجه إلى القيد، و هو عدم الفعل كما إذا قال: لا تأتني راكبا فإن النهي يتوجه إلى الركوب، أو يكون محمولا على وعد لا يكون صاحبه عند الوعد عازما على الفعل، فيكون مشتملا على نوع من التدليس و الكذب، و الأول أظهر و هذا النوع من الكلام شائع.

الثاني: أن يكون المراد بها ذم مخالفة عهود الله و مواثيقه، كما هو ظاهر

24

[الحديث 2]

2

عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ

فَلْيَفِ إِذَا وَعَدَ

____________

بعض ما تقدم من قول المفسرين، و يحتمل أيضا الوجهين السابقين بأن يكون الذم على عدم الفعل أو على القول مع عدم إرادة الفعل، و يؤيده ما ذكر علي بن إبراهيم (ره) حيث قال: مخاطبة لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين وعدوه أن ينصروه و لا يخالفوا أمره، و لا ينقضوا عهده في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فعلم الله أنهم لا يفون بما يقولون، فقال:" لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ" الآية، فقد سماهم الله مؤمنين بإقرارهم و إن لم يصدقوا.

الثالث: أن يكون المراد أعم من عهود الله و عهود الخلق فلا ينافي هذا الخبر، و به يجمع بين الأخبار، و خصوص أخبار النزول لا ينافي عموم الحكم.

الرابع: أن يكون المعنى لم تقولون للناس و تأمرونهم بما لا تعملون به فيكون نظير قوله سبحانه:" أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ" و هذا المعنى ليس ببعيد من الآية، و إن لم يذكره المفسرون و هو أيضا يرجع إلى ذم عدم الفعل لا القول، فإن بذل العلم واجب و العمل به أيضا واجب، فمن تركهما ترك واجبين، و من أتى بأحدهما فقد فعل واجبا، لكن ترك العمل مع القول أقبح و أشنع و قد مر بعض القول فيه.

الحديث الثاني: حسن كالصحيح.

" من كان يؤمن بالله" يحتمل أن يكون على وفق سائر الأوامر و النواهي المتوجهة إلى المؤمنين لكونهم المنتفعين بها، و يمكن أن يكون إشارة إلى أن ذلك مقتضى الإيمان و من لوازمه، فمن لم يفعل ذلك فليس بمؤمن، و قيل: أن إدخال كان على المضارع لإفادة استمراره في الماضي، فيدل على أن خلف الوعد يوجب

25

..........

____________

إبطال الإيمان و كماله فيما سبق.

ثم اعلم أن هذين الحديثين مع قوة سندهما يدلان على وجوب الوفاء بالوعد، و الخبر الأول فيه تهديد شديد، و يدل على نزول الآية في خلف الوعد و هي مشتملة على تأكيدات و مبالغات، فالآية بتوسط الخبر المعتبر تدل أيضا على وجوب الوفاء به.

فإن قيل: الآية لما كانت محتملة لوجوه شتى فالاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الخبر مشكل لا سيما و قد ورد في الأخبار الخاصية و العامية أنها في المنافقين و المخالفين، فالاستدلال إنما هو بالخبر؟

قلت: لا يبعد ادعاء ظهور الآية بإطلاقها أو بعمومها لا سيما مع كون" ما" موصوفة فيما يشمل خلف الوعد أيضا، و قد عرفت أن خصوص سبب النزول لا يصير سببا لخصوص الحكم، فظهر أنه يمكن الاستدلال بالآية مع قطع النظر عن الخبر أيضا، و ظاهر أكثر أصحابنا استحباب الوفاء به إن لم يكن في ضمن عقد لازم، و يدل على الوجوب أيضا ما مر في كثير من الأخبار أنه من صفات الإيمان، و إن خلفه من صفات النفاق.

و قد مر في باب أصول الكفر أنه سئل الصادق (عليه السلام): رجل على هذا الأمر إن حدث كذب و إن وعد أخلف و إن ائتمن خان ما منزلته؟ قال: هي أدنى المنازل من الكفر و ليس بكافر، و في الباب المذكور عنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

ثلاث من كن فيه كان منافقا و إن صام و صلى و زعم أنه مسلم، من إذا ائتمن خان، و إذا حدث كذب، و إذا وعد أخلف، و قد روي أيضا في الموثق و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته و كملت مروته، و ظهر عدله و وجبت إخوته.

فيدل على أن من أخلف الوعد تجوز غيبته، و معلوم أنه ليس تجويز

26

..........

____________

الغيبة هنا إلا من جهة الفسق.

فإن قيل: المترتب على هذه الصفات أربعة أمور مفهومه أن مع عدم كل من تلك الخصال لا تجتمع تلك الأربعة، فلعل ذلك بانتفاء أمر آخر سوى حرمة الغيبة.

قلت: الظاهر من العطف استقلال كل في الحكم، كما إذا قلت جاء زيد و عمرو، كان بمنزلة قولك جاء زيد و جاء عمرو، و كون الواو بمعنى مع نادر.

ثم اعلم أنه لا بد من تقييد الخبر بما إذا لم يرتكب سائر الكبائر، بل المقصود في الخبر إفادة المفهوم لا المنطوق فافهم، و الأخبار في ذلك كثيرة و يستفاد من عموم كثير من الآيات أيضا ذلك نحو قوله سبحانه:" وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلًا" و يشمل بعمومه أو إطلاقه عهود الخلق أيضا، و العهد و الوعد متقاربان، و قوله:" وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا".

و روى الصدوق في الخصال بإسناده عن عنبسة بن مصعب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاثة لم يجعل الله تعالى لأحد فيه رخصة: بر الوالدين برين كانا أو فاجرين، و الوفاء بالعهد للبر و الفاجر، و أداء الأمانة للبر و الفاجر.

و يؤيدها أيضا أخبار كثيرة كما روى الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قال الرجل للرجل هلم أحسن بيعك يحرم عليه الربح، و قد ورد في أخبار صحيحة و غير صحيحة: المسلمون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله، و ليس فيها التقييد بكونها في ضمن العقد، و كذا ما روى الشيخ في التهذيب بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف به، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما.

27

..........

____________

و قد يستدل على الجواز بما رواه الكليني (ره) بإسناده عن الحسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة فأشتري له المتاع مرابحة ثم أبيعه إياه ثم أشتريه منه مكاني؟ قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع و إن شاء لم يبع، و كنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت و إن شئت لم تشتر فلا بأس.

و بإسناده عن خالد بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب و أربحك كذا و كذا، قال: أ ليس إن شاء ترك و إن شاء أخذ؟

قلت: بلى قال: لا بأس به، إنما يحل الكلام و يحرم الكلام.

و بإسناده أيضا عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب مني بيع الحرير و ليس عندي منه شيء فيقاولني عليه و أقاوله في الربح و الأجل حتى نجتمع على شيء، ثم أذهب فأشتري له الحرير فأدعوه إليه؟

فقال: أ رأيت إن وجد بيعا هو أحب إليه مما عندك أ يستطيع أن ينصرف إليه و يدعك أو وجدت أنت ذلك أ تستطيع أن تنصرف إليه و تدعه؟ قلت: نعم قال:

لا بأس.

و روي مثله باختلاف يسير بأسانيد كثيرة.

و وجه الاستدلال بها أنها تدل على أن محض المواعدة بينهما لا يوجب الوفاء من الجانبين ما لم يكن بيعه وكالة عنه.

و الجواب أنه يحتمل أن يكون المعنى أنها ليست مواعدة حتمية بل يقول اشتر لنفسك إن شئت اشتريته منك و إلا فلا، لكنه بعيد.

و أقول: يمكن أن يستدل بما ورد في الأيمان و النذور من أنه مع عدم التلفظ.

بالصيغة بشرائطها لا يلزمه الوفاء بها، و ظاهره شمولها لما إذا وقعت المواعدة بينهما و يمكن أن يستدل عليه بما رواه الكليني (ره) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن

28

..........

____________

إسماعيل بن مرار عن يونس في المدبر و المدبرة يباعان يبيعهما صاحبهما في حياته فإذا مات فقد عتقا، لأن التدبير عدة و ليس بشيء واجب، فإذا مات كان المدبر من ثلثه الذي يتركه، و فرجها حلال لمولاها الذي دبرها، و للمشتري الذي اشتراها حلال بشرائه قبل موته، فإن الظاهر أنه فرع كون عدم الوجوب على كونه عدة فيدل على أنه لا يجب الوفاء بها.

و يرد عليه وجوه من الإيراد: الأول: إن الخبر مجهول بابن مرار فلا يمكن إثبات نفي الوجوب به.

الثاني: أنه موقوف لم يسنده إلى إمام و يشبه أن يكون من اجتهادات يونس و تلفيقاته كما هو دأبه في أكثر المواضع، و لذا كان المحدثون يقدحون فيه مع جلالته بالاجتهاد و الرأي، و تشويش الكلام يدل عليه أيضا.

الثالث: إن ما تضمنه من حكم التدبير خلاف المشهور بين الأصحاب لا سيما المتأخرين.

الرابع: أن قوله: عدة معلوم أنه ليس بمحمول على الحقيقة، بل هو على التشبيه و المجاز، فإن التدبير إما عتق بشرط أو وصية بالعتق باتفاق الخاصة و العامة و ليس شيء منهما وعدا، بل الوعد ما يعده الرجل أن يفعله بنفسه، فيمكن أن يكون التشبيه من جهة أنه لا يترتب عليه حكمه الآن، بل يتوقف على حلول الأجل.

الخامس: سلمنا أن الحمل على الحقيقة لا نسلم كون عدم الوجوب تفريعا بل يمكن أن يكون تقييدا له.

السادس: أنه لو سلمنا أنه تفريع فالتفريع من جهة أنه لا يترتب عليه حكم العتق قبل الأجل و إلا لكان الكلام متناقضا، و نحن لا نقول في الوعد أنه يجب الوفاء به قبل محله بل نرجع و نستدل به على وجوب الوفاء بالوعد لأنه فرع وجوب التدبير و لزومه بعد الموت، على كونه عدة فالوفاء بالوعد بعد حلول الأجل واجب،

29

..........

____________

فظهر أن مفاد كلامه أن التدبير ليس عتقا منجزا لا يمكن التصرف في المدبر، قبل حلول الأجل الذي هو الموت، بل هو عدة أي معلق على شرط و ليس بشيء واجب أي لازم منجز يترتب عليه حكمه عند إيقاعه، بل يتوقف على حصول شرطه فلا دلالة له على عدم وجوب الوفاء بالوعد، بل دلالته على الوجوب أقرب، و بقي في زوايا المقام خبايا أحلناها على فهم المتأمل.

و قد يستدل على عدم الجواز بأنه كذب و هو قبيح و حرام، و عندي فيه نظر لا لما قيل أن الكذب لا يكون إلا في الماضي أو الحال و لا يكون في المستقبل، فإنه سخيف فإن المنكر للمعاد لا ريب أنه كاذب، و المنجم إذا أخبر بوقوع أمر في المستقبل و لم يقع يقال: أنه كاذب، و يصدق عليه تعريف الكذب، بل لأن الوعد ليس من هذا القبيل بل هو معاملة تجري بين المتواعدين، فإن المولى إذا قال لعبده إذا فعلت الفعل الفلاني أعطيتك درهما و إذا فعلت الفعل الفلاني ضربتك سوطا ليس المراد به الإخبار من وقوع أحد الأمرين بل هو إلزام أمر عليه أو على نفسه، و إن علم أنه لا يوقعه كالبيع و الشراء و البيعة، فإنها إنشاء أمر يوجب عليه متابعة من بايعه لا محض الإخبار عن ذلك، فإنا نجد الفرق بين أن يعد زيد عمروا أن يعطيه درهما أو بأن يخبر بأن سيعطيه درهما لكن ليس من إنشاء إلا و يلزمه خبر يجري فيه الصدق و الكذب، فما ورد من نسبة الصدق إلى الوعد من هذا القبيل، كقوله تعالى:" إِنَّهُ كٰانَ صٰادِقَ الْوَعْدِ" فإذا خالف الوعد فليس هذا من الكذب المصطلح في شيء، نعم إذا وعده و كان عازما على عدم الوفاء كان كذبه في لازم الإنشاء، فإن الوعد يدل ضمنا على أنه عازم على عدم الوفاء كان كذبه في لازم الإنشاء، فإن الوعد يدل ضمنا على أن عازم على الوفاء، كما أن أضرب يدل على أنه يريد إيقاع الضرب و ليس مدلول الوعد الإخبار عن أنه عازم على أن يفعل ذلك، و حرمة هذا الكذب الضمني في محل المنع، و كذا شمول الآيات و الأخبار الدالة على حرمة الكذب له ممنوع.

30

..........

____________

و لو سلم فلا يدل على حرمة الخلف مطلقا قال الراغب: الصدق و الكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، و لا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، و لا يكون من القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، و لذلك قال:" وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّٰهِ قِيلًا"" وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّٰهِ حَدِيثاً"" وَ اذْكُرْ فِي الْكِتٰابِ إِسْمٰاعِيلَ إِنَّهُ كٰانَ صٰادِقَ الْوَعْدِ" و قد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام الاستفهام و الأمر و الدعاء و ذلك، نحو قول القائل: أ زيد في الدار؟ فإن في ضمنه أخبارا بكونه جاهلا بحال زيد، و كذا إذا قال. واسني، في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، و إذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه، و قد يستعمل الصدق و الكذب في كل ما يحق و يحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني و كذب، و يستعملان في أعمال الجوارح فيقال: صدق في القتال إذا و في حقه، و فعل على ما يجب و كما يجب، و كذب في القتال إذا كان على خلاف ذلك، قال الله تعالى:" رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ" أي حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، انتهى.

فقد تبين أن للصدق و الكذب معاني غير المعنى المصطلح، فنسبة الصدق و الكذب إلى الوعد محمول على بعض تلك المعاني المجازية، فظهر أن حسن الوفاء بالوعد أو وجوبه ليس من جهة أن مخالفته تستلزم الكذب حتى يقال: أن ذلك يجري في الوعيد أيضا، و يجاب بأن الكذب في المصلحة حسن، بل من جهة أن العقل يحكم بحسن الوفاء بالعهد أو بقبح خلفه، و يحكم في الوعيد بخلاف ذلك، و كذلك

31

..........

____________

الكلام في وعده سبحانه و وعيده، لكن مخالفة الوعد فيه تعالى محال لأخباره بأنه لا يخلف الميعاد، بخلاف الوعيد فإنه لم يقل أنه لا يخلف الوعيد بل وعد عباده بالعفو و الصفح و المغفرة، و ليس ذلك من الكذب في شيء، هذا ما تبين لي في هذا المقام لكن ظاهر المحققين من أصحابنا و المخالفين أن الوعد من نوع الخبر و هو محتمل للصدق و الكذب و كذا الوعيد، مع أن ظاهر أكثر أصحابنا أن الوفاء بالوعد مستحب كما قالوا في كثير من الشروط إذا لم يكن في ضمن العقد اللازم هو وعد يستحب الوفاء به، و لنذكر بعض كلماتهم:

قال السيد الشريف في حاشية شرح التخليص: الخبر إذا قيد حكمه بزمان أو قيد آخر كان صدقه بتحقق حكمه في ذلك الزمان أو مع ذلك القيد، و كذبه بعدمه فيه أو معه، و إذا لم يقيد فصدقه بتحققه في الجملة، و كذبه بمقابله، فإذا قلت أضرب زيدا و أردت الاستقبال فإن تحقق ضربك إياه في وقت من الأوقات المستقبلة كان صادقا و إلا فكاذبا، و كذلك إذا قلت أضربه يوم الجمعة أو قائما فلا بد في صدقه من تحقق ضربك إياه و تحقق ذلك القيد معه، فإن لم يضربه أو ضربه في غير حالة القيام كان كاذبا، و كذلك إذا كان القيد ممتنعا كقولك اضربه في زمان لا يكون ماضيا و لا حالا و لا مستقبلا، فالخبر يكون كاذبا.

و بالجملة انتفاء القيد سواء كان ممتنعا أو غير ممتنع يوجب انتفاء المقيد من حيث هو مقيد فيكذب الخبر الذي يدل عليه، و كيف لا و قولك أضربه يوم الجمعة أو قائما مشتمل على وقوع الضرب منك عليه، و على كون ذلك الضرب واقعا يوم الجمعة أو مقارنا للقيام، فلو فرض انتفاء القيام مثلا لم يكن الضرب المقارن له موجودا فينتفى مدلول الخبر، فيكون كاذبا سواء وجد منك ضرب في حال غير القيام أو لم يوجد، انتهى.

32

..........

____________

و هذا لا دلالة فيه على كون الوعد خبرا بل إنما يدل على أنه يمكن تعلق الخبر بالمستقبل و لا ريب فيه، و إن زعم بعضهم اختصاصه بالماضي و الحال كما عرفت و الخبر عن الآتي لا ينحصر في الوعيد و الوعد، بل يمكن أن يكون الغرض فيه محض الإخبار.

و إنما أوردت ذلك لئلا يتوهم متوهم أنه يمكن الاستدلال به و إن كان لا حجة في قوله، و لتستعين به على فهم بعض ما سيأتي من الوجوه في بعض الآيات.

و قال في شرح المقاصد: تمسك القائلون بجوار العفو عقلا و امتناعه سمعا بالنصوص الواردة في وعيد الفساق و أصحاب الكبائر، فلو تحقق العفو و ترك العقوبة بالنار لزم الخلف في الوعيد و الكذب في الإخبار، و اللازم باطل فكذا الملزوم، و أجيب: بأنهم داخلون في عمومات الوعد بالثواب و دخول الجنة على ما مر، و الخلف في الوعد لؤم لا يليق بالكريم وفاقا، بخلاف الخلف في الوعيد فإنه ربما يعد كرما.

ثم ساق الكلام إلى أن قال: نعم لزوم الكذب بإخبار الله تعالى مع الإجماع على بطلانه و لزوم تبديل القول مع النص الدال على انتفائه مشكل، فالجواب الحق أن من تحقق العفو في حقه يكون خارجا عن عموم اللفظ بمنزلة التائبين.

فإن قيل: صيغة العموم المعرية عن دليل الخصوص يدل على إرادة كل فرد مما يتناوله التنصيص عليه باسم الخاص، فإخراج البعض بدليل متراخ يكون نسخا و هو لا يجري في الخبر للزوم الكذب، و إنما التخصيص هو الدلالة على أن المخصوص غير داخل في العموم و لا يكون ذلك إلا بدليل متصل؟

قلنا: ممنوع بل إرادة الخصوص من العام و التقييد من المطلق شائع من غير دليل متصل، ثم دليل التخصيص و التقييد بعد ذلك و إن كان متراخيا بيان لا نسخ

33

..........

____________

و هذا هو المذهب عند الفقهاء الشافعية و القدماء من الحنفية، و كانوا ينسبون القول بخلاف ذلك إلى المعتزلة، إلا أن المتأخرين منهم تعدون ذلك نسخا و يخصون التخصيص بما يكون دليله متصلا و يجوزون الخلف في الوعيد، و يقولون الكذب يكون في الماضي دون المستقبل، و هذا ظاهر الفساد فإن الأخبار بالشيء على خلاف ما هو كذب، سواء كان في الماضي أو في المستقبل، قال الله تعالى:" أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نٰافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوٰانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لٰا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً" ثم قال:" وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لٰا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لٰا يَنْصُرُونَهُمْ" على أن المذهب عندنا أن أخبار الله تعالى أزلي لا يتعلق بالزمان و لا يتغير المخبر به، على ما سبق في بحث الكلام.

ثم قال: و للإمام الرازي هنا جواب إلزامي و هو أن صدق كلامه لما كان عندنا أزليا امتنع كذبه، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، و أما عندكم فإنما امتنع كذبه لكونه قبيحا، و لم قلتم أن هذا الكذب قبيح و قد توقف عليه العفو الذي هو غاية الكرم، و هذا كمن أخبر أنه يقتل زيدا غدا ظلما، ففي الغد إما أن يكون الحسن قتله و هو باطل، و أما ترك قتله و هو الحق لكنه لا يوجد إلا عند وجود الكذب، و ما لا يوجد الحسن إلا عند وجوده حسن قطعا فهذا الكذب حسن قطعا.

و يمكن دفعه بأن الكذب في إخبار الله تعالى قبيح و إن تضمن وجوها من المصلحة، و توقف عليه أنواع من الحسن لما فيه من مفاسد لا تحصى، و مطاعن في الإسلام لا تخفى، منها مقال الفلاسفة في المعاد، و مجال الملاحدة في العناد، و منها بطلان ما وقع عليه الإجماع من القطع بوجود الكفار في النار، فإن غاية الأمر شهادة النصوص القاطعة بذلك و إذا جاز الخلف لم يبق القطع إلا عند شرذمة لا

34

..........

____________

يجوزون العفو عنهم في الحكمة، على ما يشعر به قوله تعالى:" أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" و غير ذلك من الآيات.

و وجه التفرقة أن المعاصي قلما تخلو عن خوف عقاب و رجاء رحمة و غير ذلك من خيرات تقابل ما ارتكب من المعصية اتباعا للهوى، بخلاف الكافر، و أيضا الكفر مذهب و المذهب يعتقد للأبد و حرمته لا تحتمل الارتفاع أصلا، فكذلك عقوبته بخلاف المعصية فإنها لوقت الهوى و الشهوة، و أما من جوز العفو عقلا و الكذب في الوعيد إما قولا بجواز الكذب المتضمن لفعل الحسن، أو بأنه لا كذب بالنسبة إلى المستقبل، فمع صريح إخبار الله تعالى بأنه لا يعفو عن الكافر، و يخلده في النار، فجواز الخلف و عدم وقوع مضمون هذا الخبر محتمل، و لما كان هذا باطلا علم أن القول بجواز الكذب في إخبار الله تعالى باطل قطعا.

و قال المحقق الدواني في شرح العقائد: لا يجب الثواب عليه تعالى في الطاعة و لا العقاب على المعصية خلافا للمعتزلة و الخوارج، فإنهم أوجبوا عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة على الله تعالى، و حرموا عليه العفو، و استدلوا عليه بأن الله تعالى أوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده و الكذب في خبره، و هما محالان على الله تعالى.

و أجيب عنه: بأن غايته عدم وقوعه و لا يلزم منه الوجوب على الله تعالى، و اعترض عليه الشريف العلامة بأنه حينئذ يلزم جوازهما و هو محال، لأن إمكان المحال محال، و أجاب عنه بأن استحالتهما ممنوعة كيف و هما من الممكنات يشملهما قدرة الله تعالى عليهما.

قلت: الكذب نقص و النقص عليه تعالى محال، فلا يكون من الممكنات و لا يشملهما القدرة كسائر وجوه النقص عليه كالجهل و العجز و نفي صفة الكلام و غيرها

35

..........

____________

من صفات الكمال، بل الوجه في الجواب ما أشرنا إليه سابقا من أن الوعد و الوعيد مشروطتان بقيود و شروط معلومة من النصوص فيجوز التخلف بسبب انتفاء بعض تلك الشروط، و أن الغرض منهما إنشاء الترغيب و الترهيب.

على أنه بعد التسليم إنما يدل علي أن استحالة وقوع التخلف لا على الوجوب عليه، إذ فرق بين استحالة الوقوع و بين الوجوب عليه كما أن إيجاد المحال محال على الله تعالى، و لا يقال: أنه حرام عليه بل الوجوب و الحرمة و نحوهما فرع القدرة على الواجب و الحرام.

و اعلم أن بعض العلماء ذهب إلى أن الخلف في الوعيد جائز على الله تعالى، و ممن صرح به الواحدي في تفسير الوسيط في قوله تعالى في سورة النساء:" وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا" حيث قال: و الأصل في هذا أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد و إن كان لا يجوز أن يخلف الوعد و بهذا وردت السنة، ثم ذكر في ذلك أخبارا.

ثم قال: و قيل: إن المحققين على خلافه كيف و هو تبديل للقول و قد قال الله تعالى:" مٰا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ" قلت: إن حمل آيات الوعيد على إنشاء التهديد، فلا خلاف لأنه حينئذ ليس خبرا بحسب المعنى و إن حمل على الإخبار كما هو الظاهر، فيمكن أن يقال بتخصيص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد بالدلائل المفصلة و لا خلف على هذا التقدير أيضا فلا يلزم تبدل القول، و أما إذا لم نقل بأحد هذين الوجهين فيشكل التفصي عن لزوم التبدل و الكذب، إلا أن تحمل آيات الوعيد على استحقاق ما أوعد به لا على وقوعه بالفعل، و في الآية المذكورة إشارة إلى ذلك حيث قيل" فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا" انتهى.

36

..........

____________

و قال الرازي في تفسير قوله تعالى:" بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ" اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر فمن الناس من قطع بوعيدهم و هم فريقان، منهم من أثبت الوعيد المؤبد و هو قول جمهور المعتزلة و الخوارج، و منهم من أثبت وعيدا منقطعا، و من الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم و هو قول شاذ، و القول الثالث إنا نقطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العصاة و عن بعض المعاصي، لكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا، و نقطع بأنه إذا عذب أحدا منهم فإنه لا يعذبه أبدا بل يقطع عذابه و هو قول أكثر الصحابة و التابعين و أهل السنة و الجماعة و أكثر الإمامية، و بسط الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه و لا يناسب ذكرها في هذا المقام، و يرجع حاصل أجوبته عن دلائل الخصم إلى أن آيات العفو مخصصة و مقيدة لآيات العقاب.

و قال في قوله تعالى:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُخْلِفُ الْمِيعٰادَ*" كلاما طويلا في ذلك ثم قال في آخر كلامه: فأما قولك إنه لو لم يفعل لصار كاذبا أو مكذبا نفسه، فجوابه أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتا جزما من غير شرط، و عندي جميع الوعيدات مشروط بعدم العفو، فلا يلزم من تكره دخول الكذب في كلام الله، انتهى.

و مما يدل على أنهم يعدونه خبرا أنهم يحكمون بوجوب الاستثناء فيما يعده الإنسان أو يخبر بإيقاعه، إما بالقول أو بالضمير، قال السيد المرتضى رضي الله عنه عند تأويل قوله تعالى:" وَ لَقَدْ فَتَنّٰا سُلَيْمٰانَ" الآية، فأما قول بعضهم أن ذنبه من حيث لم يستشهد بمشية الله لما قال: تلد كل واحدة منهن غلاما فهذا غلط، لأنه (عليه السلام) و إن لم يستثن ذلك فقد استثناه ضميرا و اعتقادا، إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول

37

..........

____________

لكان كاذبا، أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا، و ذلك لا يجوز عند من جوز الصغائر على الأنبياء.

و نحوه قال الشيخ الطبرسي (قدس سره) في تأويل تلك الآية، و هذا الكلام و إن كان فيما ظاهره الخبر لكن سيأتي منهما رضي الله عنهما ما يدل على أنهم لا يفرقون في ذلك بين الوعد و الخبر. و أقول: كلام كثير من أصحابنا جار هذا المجرى، و سلموا كون الوعد أو الوعيد خبرا فعلى هذا يشكل القول بجواز مخالفة الوعد من غير عذر و مصلحة، و أما الوعيد فتكون مخالفته من قبيل الكذب المجوز للمصلحة إذ لا خلاف في أن خلف الوعيد ليس بحرام بل هو حسن، فيكون جوازه مشروطا بمصلحة مجوزة للكذب، و القول بهذا أيضا مشكل فإن العبد إذا استحق من المولى تأديبا و أوعده ذلك من غير مصلحة في ذلك الوعيد، ثم عفا عنه يكون كذبا بغير مصلحة و حراما، و لا أظن أحدا قال بذلك إلا أن يقال العفو من الصفات الحسنة و الأفعال الجميلة، فإذا صادف الكذب يصير به حسنا، و فيه بعد.

و أيضا لو كان قبح خلف الوعد من جهة الكذب لزم إذا قال رجل أركب غدا مخبرا بذلك من غير أن يعد أحدا ثم بدا له و لم يركب أن يكون عاصيا، و لعله مما لم يقل به أحد، فالأولى جعلهما من قبيل الإنشاء لا الخبر، فلا يوصفان بالصدق و الكذب، و إطلاقهما عليهما على التوسع و المجاز.

و مما ينبه على ذلك أن الصدق و المكذب إنما يطلقان على ما يتصف بهما حين القول، لا ما يكون تصديقه و تكذيبه باختيار القائل، و ليس هذا دليلا و لكنه منبه و يمكن المناقشة فيه.

فإن قيل: لم لم يعد أهل العربية الوعد من أقسام الإنشاء؟ قلت: مدارهم على ذكر الإطلاقات اللغوية و مصطلحاتهم، و لذا لم يعدوا بعت و اشتريت و أنكحت

38

..........

____________

و آجرت و أمثالها من أنواع الإنشاء، لأنها من الحقائق الشرعية لا من الحقائق اللغوية.

قال الشهيد (قدس سره): الإنشاء أقسام القسم و الأمر و النهي و الترجي و العرض و النداء قيل: و هذه تبنى على كونها إنشاء في الإسلام و الجاهلية، و أما صيغ العقود فالصحيح أنها إنشاء، و قال بعض العامة: هي أخبار على الوضع اللغوي و الشرع قدم مدلولاتها قبل النطق بها لضرورة تصديق المتكلم بها و الإضمار أولى من النقل، و هو تكلف.

ثم اعلم أنه على تقدير القول بالوجوب، فالظاهر أنه يستثنى منه أمور: الأول:

الاستثناء بالمشية، و قول إن شاء الله فإنه يحل النذور و الأيمان المؤكدة كما صرح به في الأخبار و يدل عليه قوله تعالى:" وَ لٰا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ".

قال الطبرسي (قدس سره) قد ذكر في معناه وجوه: أحدها أنه نهي من الله لنبيه عليه و آله السلام أن يقول أفعل شيئا في الغد إلا أن يقيد ذلك بمشية الله تعالى، فيقول: إن شاء الله، قال الأخفش: و فيه إضمار القول، فتقديره إلا أن تقول إن شاء الله، فلما حذف تقول فقل إن شاء الله إلى لفظ الاستقبال، فيكون هذا تأديبا من الله لعباده و تعليما لهم أن يعلقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة حتى يخرج عن حد القطع، فلا يلزمهم كذب أو حنث إذا لم يفعلوا ذلك لمانع، و هذا معنى قول ابن عباس.

و ثانيها: أن قوله أن يشاء الله بمعنى المصدر و تعلق بما تعلق به على ظاهره، و تقديره و لا تقولن إني فاعل شيئا غدا إلا بمشية الله، عن الفراء و هذا وجه حسن يطابق الظاهر، و لا يحتاج فيه إلى بناء الكلام على محذوف، و معناه لا تقل إني

39

..........

____________

أفعل إلا ما يشاء الله و يريده، و إذا كان الله تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال لا تقل إني أفعل إلا الطاعات، و لا يطعن على هذا بجواز الإخبار عما يفعل من المباحات التي لا يشاءها الله تعالى، لأن هذا النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم، بدلالة أنه لو لم يقل ذلك لم يأثم بلا خلاف.

و ثالثها: أنه نهي عن أن يقول الإنسان سأفعل غدا و هو يجوز الاخترام قبل أن يفعل ما أخبر به فلا يوجد مخبره على ما أخبر به فهو كذب، و لا يأمن أيضا أن لا يوجد مخبره بحدوث شيء من فعل الله تعالى نحو المرض و العجز، أو بأن يبدو له هو في ذلك فلا يسلم خبره من الكذب إلا بالاستثناء الذي ذكره الله تعالى، فإذا قال إني صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله أمن من أن يكون خبره هذا كذبا لأن الله إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا حصل المصير إليه منه لا محالة، فلا يكون خبره هذا كذبا و إن لم يوجد المصير منه إلى المسجد لأنه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشية الله تعالى عن الجبائي، و قد ذكرنا فيما قبل ما جاء في الرواية أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سئل عن قصة أصحاب الكهف و ذي القرنين فقال: أخبركم عنه غدا و لم يستثن فاحتبس عنه الوحي أياما حتى شق عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشية الله.

و قوله:" وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ" فيه وجهان أحدهما أنه كلام متصل بما قبله ثم اختلف في ذلك فقيل: معناه وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ الاستثناء ثم تذكرت فقل إنشاء الله، و إن كان بعد يوم أو شهر أو سنة عن ابن عباس، و قد روي ذلك عن أئمتنا (عليهم السلام)، و يمكن أن يكون الوجه فيه أنه إذا استثني بعد النسيان فإنه يحصل له ثواب المستثنى من غير أن يؤثر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام،

40

..........

____________

و في إبطال الحنث و سقوط الكفارة في اليمين و هو الأشبه بمراد ابن عباس في قوله، و قيل: فاذكر الاستثناء ما لم تقم من المجلس عن الحسن و مجاهد، و قيل: فاذكر الاستثناء إذا تذكرت ما لم ينقطع الكلام و هو الأوجه، و قيل: معناه وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ الاستثناء بأن تندم على ما قطعت عليه من الخبر عن الأصم، و الآخر أنه كلام مستأنف.

ثم قال (ره): قال السيد الأجل المرتضى (قدس الله روحه): اعلم أن للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل في الأيمان و الطلاق و العتاق و سائر العقود و ما يجري مجراها من الإخبار، فإذا دخل في ذلك اقتضى التوقف عن إمضاء الكلام و المنع من لزوم ما يلزم به، و لذلك يصير ما يتكلم به كأنه لا حكم له، و كذلك يصح على هذا الوجه أن يستثني الإنسان في الماضي فيقول: قد دخلت الدار إن شاء الله ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزم به حكما، و إنما لم يصح دخوله في المعاصي على هذا الوجه، لأن فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى و المعاصي لا يصح ذلك فيها.

و هذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية، و قد يدخل الاستثناء في الكلام و يراد به اللطف و التسهيل و هذا الوجه يختص بالطاعات، و لهذا جرى في قول القائل لأقضين غدا ما علي من الدين أو لأصلين غدا إنشاء الله مجرى أن يقول إني فاعل إن لطف الله فيه و سهلة، و متى قصد الحالف هذا الوجه لم يحنث إذا لم يقع منه الفعل أن يكون حانثا أو كاذبا لأنه إذا لم يقع منه الفعل علمنا أنه لم يلطف فيه لأنه لا لطف له.

و هذا الوجه لا يصح أن يقال في الآية لأنه يختص الطاعات و الآية تتناول كلما لم يكن قبيحا بدلالة إجماع المسلمين على حسن ما تضمنته في كل فعل لم يكن قبيحا.

41

..........

____________

و قد تدخل الاستثناء في الكلام و يراد به التسهيل و الأقدار و التخلية و البقاء على ما هو عليه من الأحوال، و هذا هو المراد إذا دخل في المباحات.

و هذا الوجه يمكن في الآية، و قد يدخل استثناء المشية في الكلام و إن لم يرد به شيء من المتقدم ذكره، بل يكون الغرض الانقطاع إلى الله من غير أن يقصد به إلى شيء من هذه الوجوه، و يكون هذا الاستثناء أيضا غير معتد به في كونه كاذبا أو صادقا لأنه في الحكم كأنه قال: لا فعلن كذا إن وصلت إلى مرادي مع انقطاعي إلى الله و إظهاري الحاجة إليه.

و هذا الوجه أيضا يمكن في الآية و متى تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف به الجواب عن المسألة التي يسأل عنها من يذهب إلى خلاف العدل من قولهم:

لو كان الله تعالى إنما يريد الطاعات من الأعمال دون المعاصي لوجب إذا قال الذي عليه الدين و طالبه به: و الله لأعطينك حقك غدا إن شاء الله، أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل لأن الله قد شاء ذلك منه عندكم و إن كان لم يقع، و لكان يجب أن تلزمه به الكفارة و أن لا يؤثر هذا الاستثناء في يمينه، و لا يخرجه من كونه حانثا كما أنه لو قال: و الله لأعطينك حقك إن قام زيد فقام و لم يعطه فيكون حانثا، و في التزام هذا الحنث خروج عن الإجماع" انتهى" و سيأتي تمام الكلام فيه في الاستثناء بالمشية إن شاء الله.

و أقول: قد أطبق الأصحاب على أنه يجوز للحالف الاستثناء في يمينه بمشية الله، و المشهور أنه يقتضي عدم انعقاد اليمين، و فصل العلامة في القواعد فحكم بانعقاد اليمين مع الاستثناء إن كان المحلوف عليه واجبا أو مندوبا و إلا فلا، و مستند المشهور و إن كان ضعيفا لكنه منجبر بالشهرة بين الأمة، و أيضا ظاهرا لأكثر عدم الفرق بين قصد التعليق و التبرك، و ربما يقصر الحكم على التعليق، و أيضا المشهور أن الاستثناء إنما يكون باللفظ و استوجه في المختلف الاكتفاء بالنية و فيه نظر،

42

..........

____________

و ورد في الأخبار جواز الاستثناء إلى أربعين يوما، و لعله في العمل بالسنة لا التأثير في اليمين كما ذكره الطبرسي و سيأتي الكلام في جميع ذلك إن شاء الله.

و لا يبعد جريان جميع تلك الأحكام هنا بتقريب ما مر و كما يظهر من كلام السيد رضي الله عنه، و كما يومئ إليه الخبر: الأول: من تشبيهه بالنذر، الثاني: ما إذا كان الأمر الموعود حراما، فإنه لا ريب في عدم جواز الوفاء به و وجوب الخلف.

الثالث: إذا كان الأمر الموعود مرجوحا دينا أو دنيا فإنه لا يبعد جواز الخلف فيه، فإن اليمين و النذر و العهد مع كونها عدة مؤكدة مع الله و عهدا موثقا مقرونا باسمه سبحانه يجوز مخالفته فهذا يجوز الخلف فيه بطريق أولى، و أيضا يشمل تلك الأخبار ما يتضمن عدة لمؤمن أو مؤمنة، و قد ورد في أخبار كثيرة إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها، و في بعضها إذا حلف الرجل على شيء و الذي حلف عليه إتيانه خيرا من يمينك فدعها، و في بعضها إذا حلف الرجل على شيء و الذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير و لا كفارة عليه، و في خبر آخر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فأتى ذلك فهو كفارة يمينه و له حسنة، فعلى هذا لو وعده فيما فعله مكروه أو خلافه مستحب يجوز له الخلف، و أما إذا كان خلافه راجحا بحسب الدنيا، فإن تضمن ضررا بدنيا بالنسبة إلى الواعد أو غيره من المؤمنين أو هتك عرض له بينا بالنسبة إلى الواعد فيجوز الخلف فيه، بل يجب في بعض الصور و إن تضمن ضررا ماليا قليلا لا يضر بحال الواعد، فالظاهر عدم جواز الخلف على تقدير الوجوب و إلا يلزم أن لا يجب الوفاء في الوعد بالمال أصلا.

نعم إذا تضمن تفويت مال بغير جهة شرعية كالسرقة و الغصب و فوت الغريم و نحو ذلك، فلا يبعد القول بالجواز كما جوزوا قطع الصلاة الواجبة له، بل جوز بعض الأصحاب ترك الحج أيضا لذلك، و جوزوا لذلك التيمم و ترك طلب الماء للطهارة.

43

..........

____________

الرابع: ما كان فعله راجحا دينا بحيث لا يصل إلى حد الوجوب و مرجوحا دنيا هل يجوز الخلف فيه؟ ظاهرا لأصحاب عدم جواز الخلف في اليمين، و يظهر من كثير من الأخبار الجواز كقول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: كلما كان لك منفعة في أمر دين أو دنيا فلا حنث عليك، و قول أبي جعفر (عليه السلام) في موثقة زرارة: كل يمين حلفت عليها لك فيها منفعة في أمر دين أو دنيا فلا شيء عليك فيها، و إنما تقع عليك الكفارة فيما حلفت عليه فيما لله فيه معصية أن لا تفعله ثم تفعله، و في الحسن كالصحيح عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي شيء لا نذر في معصية؟ قال: فقال: كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه، فإذا كان في اليمين و النذر كذلك ففي الوعد كذلك، بتقريب ما مر مع ما ورد في الخبر من تشبيهه بالنذر.

الخامس: ما كان مباحا متساوي الطرفين فالمشهور في اليمين الانعقاد، و في النذر عدمه، و ظاهر كثير من الأخبار أن اليمين أيضا لا ينعقد كما روي عن زرارة أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام): أي شيء الذي فيه الكفارة من الأيمان؟ فقال: ما حلفت عليه مما فيه البر فعليك الكفارة إذا لم تف به، و ما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك فيه الكفارة إذا لم تف به، و ما حلفت عليه مما فيه المعصية فليس عليك فيه الكفارة إذا رجعت عنه، و ما كان سوى ذلك مما ليس فيه بر و لا معصية فليس بشيء، و قد ورد مثله بأسانيد جمة فالظاهر بتقريب ما مر عدم الوجوب في الوعد، و يدل عليه أيضا تسميته نذرا في الخبر الأول، إذ قوله (عليه السلام): نذر، الظاهر أن المراد به النذر الشرعي لا اللغوي لقوله: لا كفارة، فلما لم يكن نذرا شرعيا فالغرض التشبيه به في الاشتراك في الأحكام، و قوله: لا كفارة له، بمنزلة الاستثناء إذ هو بقوة إلا أنه لا كفارة له، كما هو الظاهر من السياق، و الاستثناء دليل العموم، فالكلام في قوة أنه بحكم النذر، و مشترك معه في الأحكام إلا في

44

..........

____________

الكفارة، فيجري فيه أحكام النذر.

السادس: أنه لا حكم له مع عدم القصد كالنذر و اليمين.

السابع: أنه لا حكم له مع الجبر و الإكراه و التقية، و حفظ عرض مؤمن أو ماله أو دمه، و كلما يجوز فيه اليمين، و ينحل به النذر كل ذلك بتقريب ما مر، و وجوه أخرى لا تخفى.

الثامن: أن النية فيه على قصد الحق و العبرة به كاليمين.

التاسع: وعد الأهل كما مر في باب الكذب عن عيسى بن حسان عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة، إلى أن قال: أو رجل وعد أهله شيئا و هو لا يريد أن يتم لهم، و يمكن أن يستدل به على السادس و الثامن، و قد مر الكلام في تسميته كذبا، و لو حمل على الحقيقة، و قيل: بأن قبحه للكذب فأخبار جواز الكذب للمصلحة كثيرة، و قد سبق بعضها، و الخبر يومئ إلى جواز الخلف لقليل من المصالح الدنيوية، فكيف الدينية.

ثم اعلم أن كلما ذكرنا فإنما هو في الوعد، و أما الوعيد فلا ريب في حسن الخلف فيه عقلا و نقلا كما مر بعض الكلام فيه في وعيد الله سبحانه، و الأخبار الدالة على الوجوب أو الرجحان إنما هي في الوعد لا الوعيد، و الخبر الأول أيضا ورد بلفظ العدة و قد مر في كلام الجوهري أنها في الوعد بالخير، و الخبر الثاني ظاهر و الأخبار الواردة بحسن العفو عن الوعيد قولا و فعلا عن أئمة الهدى (عليهم السلام) أكثر من أن تحصى.

و اعلم أيضا أن الوعد على تقدير القول بوجوب الوفاء به الظاهر أنه لا يوجب شغل ذمة للواعد و لا حقا لازما للموعود له يمكنه الاستعداء به و الأخذ منه قهرا، بل الأظهر عندي في اليمين أيضا كذلك، بل حق لله عليه يلزمه الوفاء به، و بهذا يظهر الفرق بين ما إذا كان في ضمن عقد لازم أو لم يكن، و يمكن حمل كلام بعض

45

بَابُ مَنْ حَجَبَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ

[الحديث 1]

1

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

أَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ حِجَابٌ ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

____________

الأصحاب حيث حكموا بالفرق على هذا الوجه أيضا و إن كان بعيدا، و الله تعالى يعلم حقائق الأحكام و حججه الكرام عليهم الصلاة و السلام.

و قد أطنبنا الكلام في هذا المقام لأنه مما يعم به البلوى، و لم أر من الأصحاب من تصدى لتحقيقه، و في بالي إن وفقني الله تعالى أن أكتب فيه رسالة مفردة و الله الموفق.

باب من حجب أخاه المؤمن الحديث الأول: ضعيف.

" كان بينه و بين مؤمن حجاب" أي مانع من الدخول عليه إما بإغلاق الباب دونه أو إقامة بواب على بابه يمنعه من الدخول عليه، و قال الراغب: الضرب إيقاع شيء على شيء، و لتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد و العصا و نحوهما، و ضرب الأرض بالمطر، و ضرب الدراهم اعتبارا بضربه بالمطرقة، و قيل له الطبع اعتبارا بتأثير السكة فيه، و ضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة و تشبيها بضرب الخيمة قال:" ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ*" أي التحفتهم الذلة التحاف الخيمة لمن ضربت عليه و منه أستعير:" فَضَرَبْنٰا عَلَى آذٰانِهِمْ فِي الْكَهْفِ" و قال:

" فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ" إلى آخر ما قال في ذلك.

46

بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ سُورٍ مَا بَيْنَ السُّورِ إِلَى السُّورِ مَسِيرَةُ أَلْفِ عَامٍ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ

كُنْتُ عِنْدَ الرِّضَا(ص)فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَتَى وَاحِدٌ مِنْهُمُ الثَّلَاثَةَ وَ هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي مَنْزِلِ أَحَدِهِمْ فِي مُنَاظَرَةٍ بَيْنَهُمْ فَقَرَعَ الْبَابَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ فَقَالَ أَيْنَ مَوْلَاكَ فَقَالَ لَيْسَ هُوَ فِي الْبَيْتِ فَرَجَعَ الرَّجُلُ وَ دَخَلَ الْغُلَامُ إِلَى مَوْلَاهُ فَقَالَ لَهُ مَنْ كَانَ الَّذِي قَرَعَ الْبَابَ قَالَ كَانَ فُلَانٌ فَقُلْتُ لَهُ لَسْتَ فِي الْمَنْزِلِ فَسَكَتَ وَ لَمْ يَكْتَرِثْ

____________

" مسيرة ألف عام" أي من أعوام الدنيا، و يحتمل عام الآخرة، ثم الظاهر منه إرادة هذا العدد حقيقة، و يمكن حمله على المجاز و المبالغة في بعده عن الرحمة و الجنة، أو على أنه لا يدخلها إلا بعد زمان طويل تقطع فيه تلك المسافة البعيدة، و على التقادير لعله محمول على ما إذا كان الاحتجاب للتكبر و الاستهانة بالمؤمن و تحقيره، و عدم الاعتناء بشأنه لأنه معلوم أنه لا بد للمرء من ساعات في اليوم و الليلة يشتغل فيها الإنسان بإصلاح أمور نفسه و معاشه و معاده، لا سيما العلماء لاضطرارهم إلى المطالعة و التفكر في المسائل الدينية و جمعها و تأليفها و تنقيحها، و جمع الأخبار و شرحها و تصحيحها و غير ذلك من الأمور التي لا بد لهم من الخوض فيها و الاعتزال عن الناس و التخلي في مكان لا يشغله عنها أحد، و الأدلة في مدح العزلة و المعاشرة متعارضة و سيأتي تحقيقها إنشاء الله، و قد يقال المراد بالجنة جنة معينة يدخل فيها من لم يحجب المؤمن.

الحديث الثاني: ضعيف.

" كان فلان" قيل: كان تامة أو فلان كناية عن اسم غير منصرف كأحمد، و أقول: يحتمل تقدير الخبر أي كان فلان قارع الباب، و في القاموس: ما اكترث له ما أبالي به.

47

وَ لَمْ يَلُمْ غُلَامَهُ وَ لَا اغْتَمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِرُجُوعِهِ عَنِ الْبَابِ وَ أَقْبَلُوا فِي حَدِيثِهِمْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ بَكَّرَ إِلَيْهِمُ الرَّجُلُ فَأَصَابَهُمْ وَ قَدْ خَرَجُوا يُرِيدُونَ ضَيْعَةً لِبَعْضِهِمْ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَ قَالَ أَنَا مَعَكُمْ فَقَالُوا لَهُ نَعَمْ وَ لَمْ يَعْتَذِرُوا إِلَيْهِ وَ كَانَ الرَّجُلُ مُحْتَاجاً ضَعِيفَ الْحَالِ فَلَمَّا كَانُوا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ إِذَا غَمَامَةٌ قَدْ أَظَلَّتْهُمْ فَظَنُّوا أَنَّهُ مَطَرٌ فَبَادَرُوا فَلَمَّا اسْتَوَتِ الْغَمَامَةُ عَلَى رُءُوسِهِمْ إِذَا مُنَادٍ يُنَادِي مِنْ جَوْفِ الْغَمَامَةِ أَيَّتُهَا النَّارُ خُذِيهِمْ وَ أَنَا جَبْرَئِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا نَارٌ مِنْ جَوْفِ الْغَمَامَةِ قَدِ اخْتَطَفَتِ الثَّلَاثَةَ النَّفَرِ وَ بَقِيَ الرَّجُلُ مَرْعُوباً يَعْجَبُ مِمَّا نَزَلَ بِالْقَوْمِ وَ لَا يَدْرِي مَا السَّبَبُ فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ(ع)فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَ مَا رَأَى وَ مَا سَمِعَ فَقَالَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ(ع)أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ سَخِطَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَنْهُمْ رَاضِياً وَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِمْ بِكَ فَقَالَ وَ مَا فِعْلُهُمْ بِي فَحَدَّثَهُ يُوشَعُ فَقَالَ الرَّجُلُ فَأَنَا أَجْعَلُهُمْ فِي حِلٍّ وَ أَعْفُو عَنْهُمْ قَالَ لَوْ كَانَ هَذَا قَبْلُ لَنَفَعَهُمْ

____________

" فلما كان من الغد" قيل: كان تامة و المستتر راجع إلى أمر الدهر و من بمعنى في، و في القاموس: بكر عليه و إليه و فيه بكورا و بكر و ابتكر و أبكر و باكره أتاه بكرة، و كل من بادر إلى شيء فقد أبكر إليه في أي وقت كان، و قال: الضيعة العقار و الأرض المغلة.

" و لم يعتذروا إليه" ربما يفهم منه أنه عرف أنهم كانوا في البيت و لم يأذنوا له، و فيه نظر بل الظاهر من آخر الخبر خلافه، و يدل على أنه لو صدر عن أحد مثل هذه البادرة كان عليه أن يبادر إلى الاعتذار و أنه مع رضاه يسقط عنهم الوزر.

" ضعيف الحال" أي قليل المال" قد أظلتهم" أي قربت منهم، أو الشمس لما كانت في جانب المشرق وقعت ظلها عليهم قبل أن تحاذي رؤوسهم" فظنوا أنه" أي سبب حدوث الغمامة" مطر، فبادروا" ليصلوا إلى الضيعة قبل نزول المطر، و النفر لما كان في معنى الجمع جعل تميزا للثلاثة" و أما الساعة فلا" أي لا ينفعهم ليردوا إلى الدنيا" و عسى أن ينفعهم" أي في البرزخ و القيامة.

48

فَأَمَّا السَّاعَةَ فَلَا وَ عَسَى أَنْ يَنْفَعَهُمْ مِنْ بَعْدُ

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُفَضَّلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

أَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ حِجَابٌ ضَرَبَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ سُورٍ غِلَظُ كُلِّ سُورٍ مَسِيرَةُ أَلْفِ عَامٍ مَا بَيْنَ السُّورِ إِلَى السُّورِ مَسِيرَةُ أَلْفِ عَامٍ

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا تَقُولُ فِي مُسْلِمٍ أَتَى مُسْلِماً زَائِراً أَوْ طَالِبَ حَاجَةٍ وَ هُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَتَى مُسْلِماً زَائِراً أَوْ طَالِبَ حَاجَةٍ وَ هُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَاسْتَأْذَنَ لَهُ وَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ لَمْ يَزَلْ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ حَتَّى يَلْتَقِيَا فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ حَتَّى يَلْتَقِيَا قَالَ نَعَمْ يَا أَبَا حَمْزَةَ

____________

الحديث الثالث: ضعيف، و قد مر مثله إلا أنه لم يكن فيه" غلظ السور".

الحديث الرابع: مجهول.

" أيما مسلم" قيل: أي مبتدأ و ما زائدة بين المضاف و المضاف إليه، و أتى مسلما خبره، و الجملة شرطية و جملة لم يزل جزائية، و الضمير راجع إلى المسلم الثاني، و لو كان أتي صفة و لم يزل خبرا لم يكن للمبتدإ عائدا، و لعل المراد بالالتقاء الاعتذار أو معه و هو محمول على ما مر من عدم العذر أو الاستخفاف.

49

بَابُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِ أَخُوهُ فَلَمْ يُعِنْهُ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ وَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ سَعْدَانَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ أَمِينٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

مَنْ بَخِلَ بِمَعُونَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَ الْقِيَامِ لَهُ فِي حَاجَتِهِ إِلَّا ابْتُلِيَ بِمَعُونَةِ مَنْ يَأْثَمُ عَلَيْهِ وَ لَا يُؤْجَرُ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ شِيعَتِنَا أَتَى رَجُلًا مِنْ إِخْوَانِهِ

____________

باب من استعان به أخوه فلم يعنه الحديث الأول: ضعيف.

و قوله: و القيام إما عطف تفسير للمعونة، أو المراد بالمعونة ما كان من عند نفسه، و بالقيام ما كان من غيره" إلا ابتلي" كذا في أكثر النسخ، فكلمة إلا إما زائدة أو المستثنى منه مقدر أي ما فعل ذلك إلا ابتلي، و قيل: من للاستفهام الإنكاري، و في بعض النسخ ابتلي بدون كلمة إلا موافقا لما في المحاسن و ثواب الأعمال و هو أظهر، و ضمير عليه راجع إلى من بتقدير مضاف أي على معونته، و فاعل يأثم راجع إلى من بخل، و يحتمل أن يكون راجعا إلى من في من يأثم، و ضمير عليه للباخل، و التعدية بعلى لتضمين معنى القهر، أو على بمعنى في أي بمعونة ظالم يأخذ منه قهرا و ظلما، و يعاقب على ذلك الظلم و قوله: و لا يؤجر أي الباخل على ذلك الظلم لأنه عقوبة، و على الأول قوله: و لا يؤجر إما تأكيد أو لدفع توهم أن يكون آثما من جهة و مأجورا من أخرى.

الحديث الثاني: صحيح.

50

فَاسْتَعَانَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ فَلَمْ يُعِنْهُ وَ هُوَ يَقْدِرُ إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِأَنْ يَقْضِيَ حَوَائِجَ غَيْرِهِ مِنْ أَعْدَائِنَا يُعَذِّبُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ

[الحديث 3]

3

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ الْخَطَّابِ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ سَدِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

لَمْ يَدَعْ رَجُلٌ مَعُونَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَتَّى يَسْعَى فِيهَا وَ يُوَاسِيَهُ إِلَّا ابْتُلِيَ بِمَعُونَةِ مَنْ يَأْثَمُ وَ لَا يُؤْجَرُ

[الحديث 4]

4

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مُسْتَجِيراً بِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ فَلَمْ يُجِرْهُ بَعْدَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَطَعَ وَلَايَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

____________

و الاستثناء يحتمل الوجوه الثلاثة المتقدمة، و قوله: يعذبه الله صفة حوائج و ضمير عليها راجع إلى الحوائج، و المضاف محذوف، أي علي قضائها، و يدل على تحريم قضاء حوائج المخالفين، و يمكن حمله على النواصب أو على غير المستضعفين جمعا بين الأخبار و حمله على الإعانة في المحرم بأن يكون يعذبه الله قيدا احترازيا بعيد.

الحديث الثالث: ضعيف.

" حتى يسعى" متعلق بالمعونة فهو من تتمة مفعول يدع، و الضمير في يأثم راجع إلى الرجل، و العائد إلى من محذوف، أي على معونته.

الحديث الرابع: ضعيف على المشهور.

" مستجيرا به" أي لدفع ظلم أو لقضاء حاجة ضرورية" فقد قطع ولاية الله" أي محبته لله أو محبة الله له أو نصرة الله له أو نصرته لله، أو كناية عن سلب إيمانه فإن الله ولي الذين آمنوا، و الحاصل أنه لا يتولى الله أموره و لا يهديه بالهدايات الخاصة و لا يعينه و لا ينصره.