مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج12

- العلامة المجلسي المزيد...
583 /
1

كِتَابُ الدُّعَاءِ

بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ وَ الْحَثِّ عَلَيْهِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ

____________

كتاب الدعاء باب فضل الدعاء و الحث عليه قال في المصباح: دعوت الله أدعوه دعاء ابتهلت إليه بالسؤال، و رغبت فيما عنده من الخير، و دعوت زيدا ناديته و طلبت إقباله، انتهى.

و قد يطلق الدعاء على الذكر أيضا كما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أفضل الدعاء الحمد لله، قال الطيبي: لأنه سؤال لطيف يدق مسلكه، و منه قول أمية: إذا أثنى عليك المرء يوما كفاك من تعرضه الثناء، و يمكن أن يراد به اهدنا الصراط، انتهى.

و قال في النهاية في حديث عرفة أكثر دعائي و دعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير، إنما سمي التهليل و التحميد و التمجيد دعاء لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله و جزائه كالحديث الآخر: إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلون.

الحديث الأول: حسن كالصحيح.

2

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ-

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ

قَالَ هُوَ الدُّعَاءُ وَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الدُّعَاءُ قُلْتُ إِنَّ

____________

و قال الله تعالى في سورة المؤمن:" وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" قال الطبرسي (ره): يعني إذا اقتضت المصلحة أجابتكم و كل من يسأل الله تعالى شيئا و يدعوه فلا بد أن يشترط المصلحة في ذلك إما لفظا أو إضمارا، و إلا كان قبيحا، لأنه ربما كان داعيا بما تكون فيه مفسدة و لا يشترط انتفاؤها فيكون قبيحا، و قيل:

معناه وحدوني و اعبدوني أثبكم عن ابن عباس، و يدل عليه قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم):

الدعاء هو العبادة و لما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة لتجانس اللفظ.

" إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي" و دعائي" سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ" أي صاغرين ذليلين.

و قال البيضاوي ادْعُونِي اعبدوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ أثب لكم لقوله إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي، و إن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلته للمبالغة، و المراد بالعبادة الدعاء فإنه من أبوابها انتهى.

و الخبر يدل على أن المراد بها المعنى الأخير، و ضمير هو راجع إلى العبادة لكونه مصدرا أو لتذكير الخير، و عبر عن الدعاء بالعبادة للإشعار بفضله، و أنه من جملة العبادات و إيماء إلى أنه ينبغي أن يدعو الإنسان و إن لم تدع إليه حاجة ضرورية، و لا يكون غرضه منحصرا في الإجابة، بل يكون عمدة غرضه في الدعاء التقرب إليه تعالى و إطاعة أمره، و لا يترك الدعاء مع إبطاء الإجابة.

فإن قيل: فعلى هذا يلزم وجوب الدعاء و كونه من الفرائض، و كون تركه من الكبائر لوعيد النار عليه؟

قلت: لا استبعاد في ذلك فإن الدعاء في الجملة واجب، و أقله في سورة الحمد

3

إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ

قَالَ الْأَوَّاهُ هُوَ الدَّعَّاءُ

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَ ابْنِ مَحْبُوبٍ جَمِيعاً عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)أَيُّ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ فَقَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَنْ يُسْئَلَ وَ يُطْلَبَ مِمَّا عِنْدَهُ وَ مَا أَحَدٌ أَبْغَضَ

____________

فترك الدعاء رأسا من الكبائر، على أن الوعيد مترتب على الاستكبار و هو في درجة الكفر، و يؤيد الأول قول سيد الساجدين (صلوات الله عليه) في الصحيفة الكاملة:

فسميت دعاءك عبادة و تركه استكبارا و توعدت على تركه دخول جهنم داخرين.

" إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ" قال الطبرسي (ره): أي دعاء كثير الدعاء و البكاء عن ابن عباس و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل: الأواه الرحيم بعباد الله، و قيل:

هو الذي إذا ذكره النار قال أوه، و قيل: الأواه المؤمن بلغة الحبشة و قيل: الموقن المستيقن، و قيل: العفيف، و قيل: هو الراجع عن كل ما يكره الله، و قيل: هو الخاشع المتضرع، و رواه عبد الله بن شداد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قيل: هو المسبح الكثير الذكر لله، و عن أبي عبيدة هو المتأوه شفقا و فرقا المتضرع يقينا بالإجابة و لزوما للطاعة.

قال الزجاج: و قد انتظم قول أبي عبيدة أكثر ما روى في الأواه" حَلِيمٌ" يقال بلع من حلم إبراهيم (عليه السلام) أن رجلا قد أذاه و شتمه فقال له: هداك الله، و قيل:

الحليم السيد عن ابن عباس، و أصله أنه الصبور على الأذى الصفوح عن الذنوب.

الحديث الثاني: حسن موثق.

" و يطلب مما عنده" الظرف متعلق بالفعلين، و إنما أتى بمن التبعيضية لأن طلب جميع ما عنده اعتداء في الدعاء، بل طلب للمحال" عن عبادته" أي عن الدعاء الذي هو من أعظم العبادات، و قوله: و لا يسأل كأنه بيان للاستكبار، و إشارة إلى أن المراد بالاستكبار في الآية ترك السؤال و عدم الاهتمام فيه، و إلا فحقيقته لا يكاد يوجد من أحد.

4

إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِمَّنْ يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ لَا يَسْأَلُ مَا عِنْدَهُ

[الحديث 3]

3

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مُيَسِّرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ لِي

يَا مُيَسِّرُ ادْعُ وَ لَا تَقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ إِنَّ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْزِلَةً لَا تُنَالُ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ وَ لَوْ أَنَّ عَبْداً سَدَّ فَاهُ

____________

و هذه الأخبار يدفع أقوال الصوفية القائلين بأن ترك الدعاء أحسن مطلقا أو في بعض الأحوال، قال الطيبي في شرح المشكاة: دلت الأحاديث الصحيحة على استحباب الدعاء و الاستعاذة، و عليه أجمع العلماء و أهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، و ذهب طائفة من الزهاد و أهل المعارف إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلاما للقضاء، و قال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن و إن خص نفسه فلا، و منهم من قال: إن وجد في نفسه باعثا للدعاء استحب و إلا فلا، و دليل الفقهاء ظواهر القرآن و السنة في الأمر بالدعاء و الأخبار عن الأنبياء (صلوات الله عليهم أجمعين).

الحديث الثالث: صحيح.

" و لا تقل إن الأمر قد فرغ منه" الأمر حدوث الحوادث و تدبيره، و فرغ على بناء المجهول، و الظرف قائم مقام الفاعل، و النهي عن هذا القول يحتمل، وجهين:

أحدهما: بطلانه فإن هذا قول اليهود و بعض الحكماء، بل لا بد من الإيمان بالبداء، و الله سبحانه كل يوم في شأن، و يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب، فالقدر و القضاء لا يمنعان الدعاء لأنه يمكن تغيير ما قدر في لوح المحو و الإثبات، مع أن الدعاء أيضا من أسباب القضاء، و كذا الأمر بالدعاء أيضا منها.

و الثاني: أن يكون المراد بالفراغ من الأمر تعلق علمه سبحانه بما هو كائن، و ثبوت جميع ذلك في اللوح المحفوظ، فمن علم الله أنه يموت في سنة كذا يستحيل أن يموت قبلها أو بعدها، و إلا لزم أن يكون علمه تعالى جهلا، فهذا الكلام صحيح لكن ذلك لا يمنع الأمر بالدعاء و الإتيان به، و ترتب الفائدة عليه، فالمراد بالنهي عن القول النهي عن جعل ذلك مانعا عن الدعاء و سببا للاعتقاد بعدم فائدته كما

5

وَ لَمْ يَسْأَلْ لَمْ يُعْطَ شَيْئاً فَسَلْ تُعْطَ يَا مُيَسِّرُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابٍ يُقْرَعُ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ

____________

مر تحقيقه في كتاب العدل.

و نذكر ههنا أيضا مجملا، و حاصل الخبر أنه (عليه السلام) أجاب عن ذلك بوجهين:

أحدهما: أن الدعاء في نفسه مطلوب لأنه عبادة جليلة تؤدي إلى منزله رفيعة عند الله تعالى، لا تنال تلك المنزلة إلا بمسألة و دعاء و تضرع.

و الثاني: أن الكائن قد يزيد و ينقص و يمحو إذا كان مشروطا بشرط مثلا يقدر عمره بثلاثين سنة إن لم يصل رحمه، و بستين إن وصلها، و يقدر رزقه يوم كذا بدرهم إن لم يدع و لم يطلب الزيادة، و بدرهمين إن دعاها و طلبها و هكذا سائر المطالب.

و الحاصل أن لوجود الكائنات و عدمها شروطا و أسبابا، و أبي الله سبحانه أن يجري الأشياء إلا بالأسباب، و من جملة الأسباب لبعض الأمور الدعاء، فما لم يدع لم يعط ذلك الشيء، و أما علمه سبحانه فهو تابع للمعلوم و لا يصير سببا لحصول الأشياء و قضاؤه تعالى و قدره ليسا قضاء لازما و قدرا حتما، و إلا لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي كما مر عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال الغزالي: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، و الدعاء سبب لرد البلاء، و وجود الرحمة كما أن الترس سبب لدفع السلاح، و الماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان كذلك الدعاء و البلاء، و ليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، و قد قال تعالى:" وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ" فقدر الله تعالى الأمر و قدر سببه، و في الدعاء من الفوائد ما ذكرنا من حضور القلب و الافتقار و هما نهاية العبادة و المعرفة، انتهى.

6

[الحديث 4]

4

حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْخَشَّابِ عَنِ ابْنِ بَقَّاحٍ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ جُمَيْعٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدِ افْتَقَرَ

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

ادْعُ وَ لَا تَقُلْ قَدْ فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ إِنَّ اللَّهَ

____________

و قيل: هذه الشبهة ترد على من يزعم أنه لا فاعل إلا الله و لا مؤثر سواه، و أنه يفعل بلا شرط و لا سبب و لا غرض، و كما ترد عليهم هذه الشبهة ترد عليهم أن لا فائدة في السعي إلى جميع الأعمال، مثل الصوم و الصلاة و الحج و الزكاة و غيرها، لأن كل مقدر كائن قطعا، و لا مدخل لسعي العباد فيه، و هم أجابوا عنها بتكلفات فقال السمعاني: معرفة هذا الباب التوقيف لا النظر، فمن نظر ضل و حار و هذا لا يزيل الشبهة بل هو اعتراف بورودها، و قال الآبي: و القضاء و إن سبق بمكان كل ما هو كائن لكن استحقاق العبد للثواب و حصول المطالب ليس بذاته، بل موقوف على العمل و الدعاء، بمعنى أن الفائز بالمقاصد مسير للدعاء و العمل، و المحروم مسير لتركهما، كما قال (عليه السلام): كل مسير لما خلق له، و قال محيي الدين البغوي: و الكحل و إن كان مفروغا منه، إلا أن الله تعالى أمر بالصلاة و الصوم، و وعد بأنها نجا من النار، و الدعاء بالنجاة مثلا من جملة تلك العبادات، فكما لا يحسن ترك الصلاة اتكالا على ما سبق من القدر، فكذلك لا يترك الدعاء بالمعافاة انتهى.

و سيأتي بعض القول فيه في الأخبار الآتية إنشاء الله.

الحديث الرابع: ضعيف، و يدل على اشتراط سعة الرزق بالدعاء للمؤمنين أو مطلقا و الأول أظهر.

الحديث الخامس: حسن كالصحيح.

" فإن الدعاء هو العبادة" روي في المشكاة نقلا عن أحمد و الترمذي و أبي داود و النسائي و ابن ماجد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الدعاء هو

7

عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ-

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ

وَ قَالَ

ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

____________

العبادة، ثم قرأ:" وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" و قال الطيبي: أتى بضمير الفصل و الخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، و إن العبادة ليست غير الدعاء.

ثم قال: قال البيضاوي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى معرض عما سواه، لا يرجو و لا يخاف إلا منه استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة، و ترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، و المسبب على السبب، و ما كان كذلك كان أتم العبادات و أكملها.

و أقول: يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التذلل و الافتقار، و الاستكانة قال الله تعالى:" يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ إِلَى اللّٰهِ وَ اللّٰهُ هُوَ الْغَنِيُّ" الجملتان واردتان على الحصر و ما شرعت العبادات إلا للخضوع عند الباري، و إظهار الافتقار إليه، و ينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوة" إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ" حيث عبر عن عدم الافتقار و التذلل بالاستكبار و وضع عبادتي موضع دعائي، و جعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار و الهوان، انتهى.

و أقول: سياق هذا الخبر الذي نقلوه، و المراد به ما مر أن الدعاء في نفسه عبادة حيث سماه في هذه الآية عبادة و أمر الله بها، فعلى تقدير عدم الإجابة أيضا ينبغي الإيقان به إطاعة لأمره تعالى كسائر العبادات، و تركه موجب للذل و الصغار، و دخول النار كما دلت عليه الآية، مع أنه سبحانه وعد الإجابة و لا يخلف الله في وعده.

و لا ينافي ذلك التقدير فإن الدعاء أيضا مقدر و ترتب الحصول على الدعاء أيضا مقدر، فظهر وجه تغيير الترتيب في الآية، و قيل: فإن الدعاء نقض إجمالي

8

[الحديث 6]

6

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ سَيْفٍ التَّمَّارِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّكُمْ لَا تَقَرَّبُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَا تَتْرُكُوا صَغِيرَةً لِصِغَرِهَا أَنْ تَدْعُوا بِهَا إِنَّ صَاحِبَ الصِّغَارِ هُوَ صَاحِبُ الْكِبَارِ

[الحديث 7]

7

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ-

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي

الْآيَة ادْعُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا تَقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ قَالَ زُرَارَةُ إِنَّمَا يَعْنِي لَا يَمْنَعْكَ إِيمَانُكَ بِالْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ أَنْ تُبَالِغَ بِالدُّعَاءِ وَ تَجْتَهِدَ فِيهِ أَوْ كَمَا قَالَ

____________

بدليل نقلي، و المعنى أن المراد بالعبادة في قوله تعالى:" يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي" ليس إلا الدعاء، و قوله: و قال، جملة حالية بتأويل قد، أي صدر الآية تدل على أن المراد بالعبادة الدعاء.

الحديث السادس: صحيح.

" و إن تدعو بها" بدل اشتمال لصغيرة و الصغيرة الحاجات الحقيرة السهلة الحصول، و الغرض رفع توهم أن الإنسان مستقل في الحاجات الصغيرة و يمكنه تحصيلها بدون تقديره، و تيسيره تعالى، و يدل على أن الدعاء أعظم وسائل القرب إليه تعالى.

الحديث السابع: مجهول مرسل.

" لا يمنعك" في بعض النسخ لا يملك من الإملال أي لا يجعلك ملولا ذا سأمة، و الحاصل أنه لا منافاة بين الأمر بالدعاء و القضاء و القدر كما عرفت، لأنه يجوز المحو و الإثبات قبل الإمضاء مع أن الدعاء أيضا من أسباب القضاء و هو أيضا مقدر و قوله: أو كما قال من كلام عبيد، شك في أن زرارة قال هذا الكلام بعينه أو ما يؤدي معناه.

9

[الحديث 8]

8

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَرْضِ الدُّعَاءُ وَ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعَفَافُ قَالَ وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)رَجُلًا دَعَّاءً

____________

الحديث الثامن: ضعيف، و المراد بالعفاف إما العفة عن السؤال عن المخلوقين أو عفة البطن و الفرج عن الحرام، أو مطلق العفة عن الحرام، و الأوسط أظهر، و على الأول يرجع إلى الدعاء، و على الأخيرين ربما يتوهم التنافي بينه و بين كون الدعاء أحب الأعمال إذ لا فرق بين الأحبية و الأفضلية بحيث رفع به التنافي.

و يمكن أن يجاب بوجوه: الأول أن الدعاء أفضل الأعمال الوجودية و العفاف أفضل التروك، الثاني: أن تكون أفضلية كل منهما بالنسبة إلى غير الآخر، الثالث: أن تكون أفضلية كل منهما من جهة خاصة، فإن لكل منهما تأثيرا خاصا لا يقوم الآخر مقامه، كما أن للماء تأثيرا في قوام البدن لا يقوم غيره مقامه، و كذا الخبز و اللحم و غيرهما، فيصح أن يقال كل منهما أفضل من غيره من هذه الجهة.

و بمثل تلك الوجوه يمكن الجمع بين هذه الأخبار و بين ما ورد في أفضلية غيرهما من الأعمال، و في خصوص الصلاة و الحج و أمثالهما يمكن الجمع بوجه آخر من حيث اشتمالها على الدعاء فتأمل.

و قيل: يمكن تقدير المضاف في العبادة أي أفضل شرائط العبادة و لا يخفى بعده،" و الدعاء" بالفتح و التشديد صيغة مبالغة أي كثير الدعاء.

10

بَابُ أَنَّ الدُّعَاءَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ وَ عَمُودُ الدِّينِ وَ

نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ

[الحديث 2]

2

وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

الدُّعَاءُ مَفَاتِيحُ النَّجَاحِ

____________

باب أن الدعاء سلاح المؤمن الحديث الأول: ضعيف على المشهور.

" سلاح المؤمن" أي حربته لدفع الأعادي الظاهرة و الباطنة" عمود الدين" أي بالدعاء يوفق الله المؤمنين و به يهتدي إلى الدين القويم، كما قال تعالى:" اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ" كما أن الصلاة المشتمل عليه عمود الدين و قيل: أي هو عمدة العبادات و نور السماوات و الأرض أي منورهما إذ به يظهر آثار الخير فيهما أو به اهتدى أهلهما، و وفقوا لمعرفته تعالى و معرفة أوليائه، أو المعنى أن نظامهما و وجودهما و بقائهما بالدعاء، إذ هو من عمدة العبادات، و هي سبب لإيجاد المخلوقات كما قال تعالى:" وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ" و قال سبحانه:" قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ" و لو لم يخلقوا لم يخلق السماوات و الأرض.

الحديث الثاني: كالسابق.

و في المصباح أنجحت الحاجة إنجاحا و أنجح الرجل أيضا إذا قضيت له الحاجة و الاسم النجاح بالفتح، و قال: الإقليد: المفتاح لغة يمانية و أصله بالرومية أقليدس و الجمع أقاليد و المقاليد الخزائن، و في القاموس الإقليد المفتاح كالمقلاد و المقلد

11

وَ مَقَالِيدُ الْفَلَاحِ وَ خَيْرُ الدُّعَاءِ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرٍ نَقِيٍّ وَ قَلْبٍ تَقِيٍّ وَ فِي الْمُنَاجَاةِ سَبَبُ النَّجَاةِ وَ بِالْإِخْلَاصِ يَكُونُ الْخَلَاصُ فَإِذَا اشْتَدَّ الْفَزَعُ فَإِلَى اللَّهِ الْمَفْزَعُ

[الحديث 3]

3

وَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)

أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى سِلَاحٍ يُنْجِيكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَ يُدِرُّ أَرْزَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ تَدْعُونَ رَبَّكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَإِنَّ سِلَاحَ الْمُؤْمِنِ الدُّعَاءُ

[الحديث 4]

4

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ

____________

و كسكيت و مصباح الخزانة، و ضاقت مقاليده ضاقت عليه أموره، و كمبر مفتاح كالمنجل، و قال: الفلاح الفوز و النجاة و البقاء في الخير و حمل الجمع على المفرد باعتبار اشتماله على أنواع كثيرة بحسب مراتبها و ما يتعلق بها من المطالب.

و فيه إشعار بأن الدعاء مفتاح لجميع المقاصد الأخروية و الدنيوية" عن صدر نقي" أي عن الحسد و الغل و الكبر و سائر الصفات الذميمة" و قلب تقي" أي متق عن الشهوات المهلكة و إرادة المحرمات، و إنما نسب التقوى إلى القلب للإشعار بأن التقوى الكامل ما صدر عن القلب لا عن الجوارح فقط كما قال تعالى:" وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ" و فيه إشارة إلى بعض شرائط الدعاء.

" سبب النجاة" أي من مكاره الدنيا و شدائد الآخرة، و بالإخلاص في الدعاء أو في جميع العبادات بخلوصها عن شوائب الرياء و الأغراض الدنية يكون الخلاص من المهالك الدنيوية و الأخروية، و قيل: الوصول إلى الله تعالى أو إلى المطلوب.

قال في النهاية: خلص فلان إلى فلان وصل إليه، و خلص أيضا سلم و نجا" فإذا اشتد الفزع" أي الخوف من البلايا و الأعداء و شدائد الدنيا و الآخرة" فإلى الله المفزع" مصدر ميمي بمعنى الاستغاثة و الاستعانة.

الحديث الثالث: كالسابق أيضا و الإدرار الإكثار، و الدر اللبن و يستعار للخير، و يقال: در اللبن إذا كثر و سأل، و في النهاية: و منه أدروا لقحة المسلمين

12

ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

الدُّعَاءُ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ وَ مَتَى تُكْثِرْ قَرْعَ الْبَابِ يُفْتَحْ لَكَ

[الحديث 5]

5

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الرِّضَا(ع)أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ

عَلَيْكُمْ بِسِلَاحِ الْأَنْبِيَاءِ فَقِيلَ وَ مَا سِلَاحُ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ الدُّعَاءُ

[الحديث 6]

6

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَجَلِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

إِنَّ الدُّعَاءَ أَنْفَذُ مِنَ السِّنَانِ

[الحديث 7]

7

عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

الدُّعَاءُ أَنْفَذُ مِنَ السِّنَانِ الْحَدِيدِ

بَابُ أَنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ الْبَلَاءَ وَ الْقَضَاءَ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ

____________

أراد فيئهم و خراجهم فاستعار له اللقحة و الدرة، قيل: و يفهم منه أن الدعاء و إن لم يشتمل على طلب دفع العدو و كثرة الرزق سبب لهما.

الحديث الرابع: ضعيف.

الحديث الخامس: مرسل.

الحديث السادس: مجهول.

الحديث السابع: حسن كالصحيح.

" من السنان الحديد" أي إلحاد النافذ قال الجوهري: و قد حد السيف يحد حدة أي صار حادا و حديدا.

باب أن الدعاء يرد البلاء و القضاء الحديث الأول: كالصحيح.

و في المصباح: نقضت البناء هدمته، و نقضت الحبل أيضا حللت برمة، و منه

13

قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ

إِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ يَنْقُضُهُ كَمَا يُنْقَضُ السِّلْكُ وَ قَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً

[الحديث 2]

2

عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع)يَقُولُ

إِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ مَا قَدْ قُدِّرَ وَ مَا لَمْ يُقَدَّرْ قُلْتُ وَ مَا قَدْ قُدِّرَ عَرَفْتُهُ فَمَا لَمْ يُقَدَّرْ قَالَ حَتَّى لَا يَكُونَ

[الحديث 3]

3

أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ بِسْطَامَ الزَّيَّاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ وَ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ

____________

يقال: نقضت ما أبرم إذا أبطلته و أنقض هو بنفسه، و قال: أبرمت العقد إبراما أحكمته فانبرم هو و أبرمت الشيء دبرته و السلك بالكسر الخيط.

و قوله: يرد بصيغة المضارع فقوله ينفضه استئناف بياني أو خبر بعد خبر أو حال و ربما يقرأ برد بالباء الموحدة و صيغة المصدر فيكون متعلقا بالدعاء، فقوله:

ينقضه، خبر و هو تكلف و قوله: ينقض على بناء المجهول، و من قرأ على بناء المعلوم و قال المستتر راجع إلى الموصول في كما فقد بالغ في التعسف، و المستتر في أبرم على المجهول إما راجع إلى السلك أو إلى القضاء، و إبرامه تسبب أكثر أسبابه، فهو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس.

الحديث الثاني: كالسابق.

" ما قدر قدر" أي كتب في لوح المحو و الإثبات، أو في ليلة القدر أو تسبب أسبابه القريبة" عرفته" أي فائدة الدعاء و تأثيره، فما لم يقدر ما فائدة الدعاء و تأثيره فيه لم أعرفه حتى لا يكون الضمير راجع إلى التقدير، أي لا يحصل التقدير، و قيل: إيجاده تعالى للشيء يتوقف على علمه بذلك الشيء و مشيته و إرادته، و تقديره و قضائه و إمضائه و في مرتبة المشية إلى الإمضاء تجري البداء فيمكن الدفع بالدعاء.

الحديث الثالث: صحيح.

و لعل المراد بنزوله من السماء أخبار الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) به، أو نزول الملك

14

وَ قَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً

[الحديث 4]

4

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي هَمَّامٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هَمَّامٍ عَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)

إِنَّ الدُّعَاءَ وَ الْبَلَاءَ لَيَتَرَافَقَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ الدُّعَاءَ لَيَرُدُّ الْبَلَاءَ وَ قَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً

[الحديث 5]

5

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ

الدُّعَاءُ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ النَّازِلَ وَ مَا لَمْ يَنْزِلْ

____________

لإجرائه أو إحداث الأسباب الأرضية لحدوثه أو نزول آلة العذاب كما في قوم يونس.

الحديث الرابع: صحيح.

" ليترافقان" كذا في أكثر النسخ بالراء ثم القاف، أي هما متلازمان قررهما الله تعالى معا ليكون البلاء داعيا إلى الدعاء، و الدعاء صارفا للبلاء فكأنهما رفيقان، أو من الرفق و اللطف و الاستعانة فكان البلاء يرفق بالدعاء و يدعوه، و يعينه و الدعاء يرفق بالبلاء فيزيله، و في بعض النسخ ليتوافقان بالواو ثم القاف ثم الفاء و هو أظهر أي يتدافعان و يتخاصمان و يتقاتلان.

في القاموس: المواقفة أي أن تقف معه و يقف معك في حرب أو خصومة و تواقفا في القتال، انتهى.

و يؤيده ما رواه العامة من النبي أن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان في الهواء رواه الزمخشري في الفائق، و قال: يعتلجان أي يصطرعان، فيتدافعان و في عدة الداعي فيتوافقان بتقديم الفاء على القاف و هو القاف و هو قريب من النسخة الأولى.

الحديث الخامس: ضعيف على المشهور.

و روي في المشكاة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: لا يرد القضاء إلا الدعاء، و قال الطيبي في الشرح: القضاء الأمر المقدر.

و في تأويل الحديث وجهان: أحدهما: أن يراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول

15

[الحديث 6]

6

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

قَالَ لِي أَ لَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قُلْتُ بَلَى قَالَ الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ وَ قَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً وَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ

[الحديث 7]

7

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ بَعْدَ مَا أُبْرِمَ إِبْرَاماً فَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ رَحْمَةٍ وَ نَجَاحُ كُلِّ حَاجَةٍ وَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَ إِنَّهُ لَيْسَ بَابٌ يُكْثَرُ قَرْعُهُ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ

____________

المكروه و يتوقاه، فإذا وافق الدعاء دفع الله عنه فيكون تسميته بالقضاء على المجاز، و ثانيهما: أن يراد به الحقيقة فيكون معنى رد الدعاء بالقضاء تهوينه و تيسير الأمر فيه، حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل به، و يؤيده الحديث أن الدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل أما نفعه مما نزل فصبره عليه و تحمله له و رضاه به حتى لا يكون في نزوله متمنيا خلاف ما كان، و أما نفعه مما لم ينزل فهو أن يصرفه عنه أو يمده قبل النزول بتأييده من عنده، حتى يخف معه أعباء ذلك إذا نزل به.

الحديث السادس: حسن كالصحيح.

" لم يستثن" أي لم يقل إنشاء الله لانحلال الوعد و عدم لزوم العمل به كما مر في باب الوعد، أو لم يستثن فردا منه و ضم الأصابع إلى الكف لبيان شدة الإبرام كما هو الشائع في العرف، و قيل: لعل المراد بالقضاء المبرم هو الحكم بالتيام أجزاء المقضي و انضمام بعضها ببعض، كما يرشد إليه ضم الأصابع.

الحديث السابع: ضعيف على المشهور.

و نجاح بالكسر عطف على الكل، أو بالرفع عطفا على مفتاح، فالحمل للمبالغة" و لا ينال ما عند الله" قيل: كأنه يعني به إذا أشكل الأمر و اعتاض الخطب فإنه من علامات كونه منوطا بالدعاء و أنه لا يحصل إلا به، و فيه ما فيه.

16

[الحديث 8]

8

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى(ع)

عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَ الطَّلَبَ إِلَى اللَّهِ يَرُدُّ الْبَلَاءَ وَ قَدْ قُدِّرَ وَ قُضِيَ وَ لَمْ يَبْقَ إِلَّا إِمْضَاؤُهُ- فَإِذَا دُعِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُئِلَ صَرَفَ الْبَلَاءَ صَرْفَةً

[الحديث 9]

9

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيَدْفَعُ بِالدُّعَاءِ الْأَمْرَ الَّذِي عَلِمَهُ أَنْ يُدْعَى لَهُ فَيَسْتَجِيبُ وَ لَوْ لَا مَا

____________

الحديث الثامن: صحيح.

و الإمضاء مقارن للحصول فلا يمكن دفعه.

الحديث التاسع: مرفوع" أن يدعى له" على بناء المجهول، و أن إما مصدرية و هو بدل اشتمال لضمير علمه، و قوله فيستجيب عطف على ليدفع أي فيستجيب الدعاء الآتي في هذا الوقت، أو مخففة عن المثقلة و اسمه ضمير الشأن المحذوف و يدعى خبره، و الضمير المستتر نائب الفاعل، و راجع إلى الله، و ضمير له راجع إلى الأمر، و أن يدعى له منصوب محلا بدل اشتمال لضمير علمه، و قوله: فيستجيب مرفوع و معطوف على يدعى.

و حاصله أنه سبحانه يدفع البلاء الذي استحق العبد نزوله إذا علم أن العبد يدعو الله لكشفه بعد ذلك، فلا ينزله لما سيقع منه من الدعاء فيؤثر الدعاء قبل وقوعه في دفع البلاء، و قيل: لعل الغرض في توجيه ذلك الأمر و هو البلاء إلى العبد مع علمه بأنه يدفعه بالدعاء هو تحريك العبد إليه في جميع الأوقات، فإنه يجوز في كل وقت أن يكون البلاء متوجها إليه و يبعثه على الدعاء، انتهى.

و لا يخفى أنه على ما قررنا لا حاجة إلى هذا التكلف.

" و لو لا ما وفق العبد" ما موصولة"، و وفق بالتشديد على بناء المفعول و العائد محذوف، أي وفق له، و من البيان الموصول أو مصدرية و وفق على المعلوم أو المجهول، و من بمعنى اللام صلة وفق و الأول أظهر" لأصابه منه" أي من الأمر

17

وُفِّقَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءِ لَأَصَابَهُ مِنْهُ مَا يَجُثُّهُ مِنْ جَدِيدِ الْأَرْضِ

بَابُ أَنَّ الدُّعَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَلَاءِ بْنِ كَامِلٍ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

عَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ

____________

الذي هو بمعنى البلاء، أو من الله أو من العبد بسبب سوء أعماله، فعلى الأول من للتبعيض، و على الأخيرين للابتداء و التعليل.

و في القاموس: الجث القطع و انتزاع الشيء من أصله، و قال الجوهري:

اجتثه اقتلعه، و قال: الجديد: وجه الأرض انتهى.

و قال تعالى:" كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ" و قال في الوافي: أشار بهذا الحديث إلى السر في دفع البلاء بالدعاء، و أنه كيف يجتمع مع الإبرام فبين (عليه السلام) أن الدعاء و الاستجابة أيضا من الأمر المقدر المعلوم إذا وقعا.

باب أن الدعاء شفاء من كل داء الحديث الأول: مجهول.

" من كل داء" أي من الأدواء الجسمانية و الروحانية و الصعبة و السهلة و لبعضها أدعية مأثورة و الحمل للمبالغة.

18

بَابُ أَنَّ مَنْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

الدُّعَاءُ كَهْفُ الْإِجَابَةِ كَمَا أَنَّ السَّحَابَ كَهْفُ الْمَطَرِ

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا أَبْرَزَ عَبْدٌ يَدَهُ إِلَى اللَّهِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ

____________

باب أن من دعا استجيب له الحديث الأول: مجهول.

" الدعاء كهف الإجابة" أي مخزن الإجابة و محلها و مظنها كما أن السحاب محل المطر و مظنته، و في المصباح: الكهف بيت منقور في الجبل و الجمع كهوف، و فلان كهف لأنه يلجأ إليه كالبيت على الاستعارة، و في القاموس: الكهف كالبيت المنقور في الجبل و الوزر و الملجإ، انتهى.

و قيل: شبه بالسحاب إشارة إلى أنه محل المطر إلا أنه قد لا ينزل لعدم المصلحة، و كذلك الدعاء قد لا يستجاب في الدنيا لعدم المصلحة و يعطى عوضه في الآخرة.

الحديث الثاني: ضعيف.

و الحياء انقباض النفس عن القبيح خوفا من الذم و إذا نسب إليه تعالى يراد به الترك اللازم الانقباض، و قيل: أستعير الاستحياء للمنافاة لعظمته و قدرته و عزته تعالى. و قال الطيبي: الحياء تغير و انكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به و يذم و هو على الله محال فيحمل على التمثيل مثل تركه تعالى تخييب العبد و إنه لا يرد

19

إِلَّا اسْتَحْيَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَرُدَّهَا صِفْراً حَتَّى يَجْعَلَ فِيهَا مِنْ فَضْلِ رَحْمَتِهِ مَا يَشَاءُ فَإِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَرُدَّ يَدَهُ حَتَّى يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِهِ وَ رَأْسِهِ

____________

يده صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك إذ المحتاج إليه حياء منه، و قال: صفر الشيء بالكسر أي خلا و المصدر صفر بالتحرك و يستوي فيه المذكر و المؤنث و التثنية و الجمع، و في المصباح بيت صفر وزان حمل أي خال من المتاع، و هو صفر اليدين ليس فيهما شيء مأخوذ من الصفر و هو الصوت الخالي من الحروف، و صفر الشيء من باب تعب إذا خلا فهو صفر و أصفر بالألف لغة.

و في القاموس: الصفر مثلثة و ككتف و زبر: الخالي. و فيه إشعار بأنه تعالى إما يستجيب هذه الحاجة إن علم صلاحه فيه أو يجعل في يده ما هو خير له من تلك الحاجة، و يدل على استحباب مسح الرأس و الوجه باليدين بعد رفعهما بالدعاء، و قد ورد النهي عنه في صلاة الفريضة فهو محمول على غيره.

و لندفع هنا شبهة تحظر ببال أكثر الناس أنه سبحانه وعد إجابة الدعاء و خلف الوعد عليه تعالى محال كما عرفت، و أيضا ورد ذلك في كثير من الآيات و الأخبار و يمتنع صدور الكذب عنه تعالى و عن حججه (عليهم السلام).

و يمكن الجواب عنه بوجوه: الأول: أن الوعد مشروط بالمشية أي أجيب إن شئت، و يدل عليه قوله:" فَيَكْشِفُ مٰا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شٰاءَ".

الثاني: ما قيل: إنه أراد بالإجابة لازمها و هو السماع فإنه من لوازم الإجابة فإنه يجيب دعوة المؤمن في الحال و يؤخر إعطاءه ليدعوه و يسمع صوته فإنه يحبه.

الثالث: أنها مشروطة بكونها مصلحة و خيرا إذ الحكيم لا يترك ما هو موجب لصلاح أحوال العباد بما هو مقتضى شهواتهم كما قال سيد الساجدين (صلوات الله عليه):

يا من لا تبدل حكمته الوسائل، و ذلك كما إذا قال كريم أنا لا أرد سائلا ثم أتى

20

..........

____________

سفيه و طلب منه ما يعلم أنه يقتله و السائل لم يعلم ذلك أو أتى صبي جاهل و طلب أفعى لحسن نقشه و نعومته و لا يعلم أنه يقتله و لا يبالي بذلك فالحكمة و الجود يقتضيان منعهما لا إعطاءهما، و لو أعطاهما ذمه العقلاء.

فظهر أنه لا بد أن يكون هذا الوعد من الحكيم مشروطا و منوطا بالمصلحة، فإن قيل: فإذا كان هكذا فما فائدة الدعاء فإن ما كان صلاح العباد فيه يأتي أمنه لا محالة. قلت: يمكن أن يكون مع الدعاء الصلاح في الإعطاء و مع عدمه الصلاح في منعه.

فعلى هذا المطالب ثلاثة أقسام:

الأول: أن تكون المصلحة في الإعطاء على كل حال كالرزق الضروري و أمثاله.

الثاني: أن لا تكون المصلحة في الإعطاء بوجه.

الثالث: أن تكون المصلحة في العطاء مع الدعاء و في العدم مع عدمه.

و إنما يظهر أثر الدعاء في الثالث، و لما لم يكن لعامة الخلق التميز بين تلك الأقسام فلذا أمروا بالدعاء عموما فيما لم يكن عدم المصلحة فيه ظاهرا و لم يكن ممتنعا عقلا أو عادة أو محرما شرعا ليحصل بذلك القرب و الثواب، فإن لم يستجب ينبغي أن لا ييأس و يعلم أنه سبحانه إنما لم يستجب لما علم أنه ليس له في ذلك مصلحة، أو لإخلاله ببعض شرائط الدعاء أو غير ذلك.

الرابع: أن لكل عبادة شرائط لحصولها و موانع عن قبولها، فلما لم تتحقق الشرائط و لم ترتفع الموانع لم يترتب عليها آثارها الدنيوية و الأخروية كالصلاة إذا ورد فيها: من صلى دخل الجنة، أو زيد في رزقه مثلا، فإذا صلى بغير وضوء أو فعل ما يبطلها أو يحبطها لم تترتب عليها آثارها الدنيوية و الأخروية، و إذا قال الطبيب:

السقمونيا مسهل، فإذا شرب الإنسان معه ما يبطل عمله كالأفيون فهو لا يبطل قول الطبيب و لا ينافي حكمه في ذلك.

21

بَابُ إِلْهَامِ الدُّعَاءِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

هَلْ تَعْرِفُونَ طُولَ الْبَلَاءِ مِنْ قِصَرِهِ قُلْنَا لَا قَالَ إِذَا أُلْهِمَ

____________

فكذا الدعاء استجابتها و قبولها و ترتب الأثر عليها مشروطة بشرائط فإذا أخل بشيء منها لم تترتب عليه الاستجابة، و قد وردت أخبار كثيرة في شرائط الدعاء و منافياته كما مر بعضها و سيأتي، فقد يكون سبب عدم الإجابة ذلك، و قد قال سبحانه:

" أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ".

الخامس: أن الإجابة لا تلزم أن تكون معجلة فيمكن أن يستجاب الدعاء و يتأخر ظهور أثره إلى زمان طويل لبعض المصالح، إذ قد ورد أنه كان بين قوله تعالى:

" قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمٰا" و بين غرق فرعون أربعين سنة و سيأتي أن الله يؤخر إجابة دعاء المؤمن لحبه استماع صوته، إلى غير ذلك من الوجوه و المصالح.

السادس: أنه قد يعطي الله تعالى لمن لا يعلم صلاحه في إعطاء ما سأله أضعاف تلك الحاجة في الدنيا و الآخرة حتى إذا رأى في الآخرة ما عوضه الله لذلك تمنى أنه لم يستجب له حاجة في الدنيا، فيصدق أنه استجاب دعاءه على الوجه الأكمل كما إذا طلب أحد من ملك شيئا يسيرا علم أنه يضره فيمنعه ذلك و أعطاه جوهرة يسوي عشرة آلاف دينار فلا يقال حينئذ أنه لم يقض حاجته، بل يقال أنه أعطاه مسئوله على أتم وجه. و قد بسطنا الكلام في ذلك في كتاب عين الحياة.

باب الهام الدعاء الحديث الأول: حسن كالصحيح.

" من قصره" من للتمييز بين الضدين أي مميزا من قصره، و إلهام الدعاء إخطاره

22

أَحَدُكُمُ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْبَلَاءِ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبَلَاءَ قَصِيرٌ

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي وَلَّادٍ قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى(ع)

مَا مِنْ بَلَاءٍ يَنْزِلُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فَيُلْهِمُهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الدُّعَاءَ إِلَّا كَانَ كَشْفُ ذَلِكَ الْبَلَاءِ وَشِيكاً وَ مَا مِنْ بَلَاءٍ يَنْزِلُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فَيُمْسِكُ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ طَوِيلًا فَإِذَا نَزَلَ الْبَلَاءُ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ وَ التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ

بَابُ التَّقَدُّمِ فِي الدُّعَاءِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَنْ تَقَدَّمَ فِي الدُّعَاءِ اسْتُجِيبَ لَهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتٌ مَعْرُوفٌ وَ لَمْ يُحْجَبْ عَنِ السَّمَاءِ وَ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ ذَا الصَّوْتَ لَا نَعْرِفُهُ

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَنْ تَخَوَّفَ مِنْ بَلَاءٍ يُصِيبُهُ فَتَقَدَّمَ فِيهِ بِالدُّعَاءِ لَمْ يُرِهِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ الْبَلَاءَ أَبَداً

[الحديث 3]

3

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ

____________

بباله و توفيقه لإتيانه بشرائطه.

الحديث الثاني: صحيح، و في النهاية: الوشيك السريع و القريب.

باب التقدم في الدعاء الحديث الأول: صحيح.

الحديث الثاني: ضعيف على المشهور.

الحديث الثالث: موثق" يستخرج الحوائج" أي من القوة إلى الفعل.

23

عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ يَسْتَخْرِجُ الْحَوَائِجَ فِي الْبَلَاءِ

[الحديث 4]

4

عَنْهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ فِي الشِّدَّةِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ

[الحديث 5]

5

عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ غَوَّاصٍ الطَّائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ كَانَ جَدِّي يَقُولُ

تَقَدَّمُوا فِي الدُّعَاءِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ دَعَّاءً فَنَزَلَ بِهِ الْبَلَاءُ فَدَعَا قِيلَ صَوْتٌ مَعْرُوفٌ وَ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَعَّاءً فَنَزَلَ بِهِ بَلَاءٌ فَدَعَا قِيلَ أَيْنَ كُنْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ

[الحديث 6]

6

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ

الدُّعَاءُ بَعْدَ مَا يَنْزِلُ الْبَلَاءُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ

بَابُ الْيَقِينِ فِي الدُّعَاءِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سُلَيْمٍ الْفَرَّاءِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِذَا دَعَوْتَ فَظُنَّ أَنَّ حَاجَتَكَ بِالْبَابِ

____________

الحديث الرابع: كالسابق، و الرخاء بالفتح سعة العيش.

الحديث الخامس: مرسل، و مضمونه قريب من الأول.

الحديث السادس: ضعيف على المشهور. و هو محمول على ما إذا لم يتعود بالدعاء قبله، و كان المعنى عدم الانتفاع التام.

باب اليقين في الدعاء الحديث الأول: مرسل و قد يعد حسنا لكون الإرسال بعد ابن أبي عمير.

" فظن أن حاجتك" حمل الكليني الظن على اليقين لما سيأتي في الحديث الأول من

24

بَابُ الْإِقْبَالِ عَلَى الدُّعَاءِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً بِظَهْرِ قَلْبٍ سَاهٍ فَإِذَا دَعَوْتَ فَأَقْبِلْ بِقَلْبِكَ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ بِالْإِجَابَةِ

____________

الباب الآتي، و يمكن حمله على معناه الظاهر فإن اليقين بالإجابة مشكل، إلا أن يقال: المراد اليقين بما وعد الله من إجابة الدعاء إذا كان مع شرائط و أعم من أن يعطيه أو عوضه في الآخرة.

باب الإقبال على الدعاء الحديث الأول: ضعيف.

قوله (عليه السلام): بظهر قلب، المشهور أن الظهر هنا زائد مقحم، قال في المغرب:

في الحديث: لا صدقة عن ظهر غنى، أي صادرة عن غنى، فالظهر فيه مقحم كما في ظهر القلب، و قال في النهاية: فيه خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى، و قيل: أراد ما فضل عن العيال، و الظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام و تمكينا، كان صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال، انتهى.

و هيهنا يحتمل أن يكون المراد عن ظاهر القلب دون باطنه و صميمه.

قوله: ساه، أي غافل عن المقصود و عما يتكلم به غير مهتم به أو غافل عن عظمة الله و جلاله و رحمته، غير متوجه إليه بشراشره و عزمه و همته.

أقول: و روي في المشكاة عن الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة، و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه، و قال بعضهم: في قوله: و أنتم موقنون فيه وجهان:

أحدهما: أن يقال كونوا أو أن الدعاء على حالة تستحقون منها الإجابة

25

[الحديث 2]

2

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ص)

لَا يَقْبَلُ اللَّهُ

____________

و ذلك بإتيان المعروف و اجتناب المنكر و غير من مراعاة أركان الدعاء و آدابه حتى تكون الإجابة على قلبه أغلب من الرد.

و ثانيهما أن يقال: ادعوه معتقدين لوقوع الإجابة لأن الداعي إذا لم يكن متحققا في الرجاء لم يكن رجاؤه صادقا و إذا لم يكن الرجاء صادقا لم يكن الدعاء خالصا و الداعي مخلصا فإن الرجاء هو الباعث على الطلب و لا يتحقق الفرع إلا يتحقق الأصل.

و قيل: المعنى ليكن الداعي ربه على يقين بأنه تعالى يجيبه لأن رد الدعاء إما لعجزه في إجابته أو لعدم كرم في المدعو أو لعدم علم المدعو بدعاء الداعي، و هذه الأشياء منفية عنه تعالى، فليكن الداعي موقنا بالإجابة.

و قال الطيبي: قيد الأمر بالدعاء باليقين و المراد النهي عن التعرض لما هو مناف للإيقان من الغفلة و اللهو و الأمر بضدهما من إحضار القلب و الجد في الطلب بالعزم في المسألة، فإذا حصلا حصل اليقين، و نبه (صلى الله عليه و آله و سلم) على هذا التنبيه بقوله: و اعلموا، و نظيره في الكتاب قوله تعالى:" وَ لٰا تَمُوتُنَّ إِلّٰا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" انتهى.

و أقول: كل ما ذكروه لا يجدي نفعا في حصول اليقين بالإجابة، فإنه يحتمل أن يكون عدم الإجابة لعدم صلاح السائل فيها فكيف يحصل اليقين بالإجابة إلا أن يقال: الإجابة أعم من أن يعطى ما سأله أو عرضه و أفضل منه كما أشرنا إليه، و يؤيده ما رواه في المشكاة أيضا من مسند أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله تعالى بها إحدى ثلاث إما أن يجعل له دعوته و إما أن يذخرها له في الآخرة، و إما أن يصرف من السوء مثلها، و روي عن الترمذي عن جابر مثله.

الحديث الثاني: ضعيف على المشهور.

26

عَزَّ وَ جَلَّ دُعَاءَ قَلْبٍ لَاهٍ وَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)يَقُولُ إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ لِلْمَيِّتِ فَلَا يَدْعُو لَهُ وَ قَلْبُهُ لَاهٍ عَنْهُ وَ لَكِنْ لِيَجْتَهِدْ لَهُ فِي الدُّعَاءِ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ سُلَيْمٍ الْفَرَّاءِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِذَا دَعَوْتَ فَأَقْبِلْ بِقَلْبِكَ وَ ظُنَّ حَاجَتَكَ بِالْبَابِ

[الحديث 4]

4

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً بِظَهْرِ قَلْبٍ قَاسٍ

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

لَمَّا اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ سُقِيَ النَّاسُ

____________

" دعاء قلب لاه" أي غافل أو مشتغل باللهو و الخيالات الباطلة، قال الراغب:

اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه و لهمه يقال: لهوت عنه بكذا و لهيت عن كذا اشتغلت عنه بلهو، و قوله تعالى:" لٰاهِيَةً قُلُوبُهُمْ" أي ساهية مشتغلة بما لا يعينها.

" إذا دعا أحدكم للميت" التخصيص بالميت لأنه أحوج إلى الدعاء، و لأنه قد شاع أن الناس يأتون للتعزية و الزيارة و يدعون للميت على سبيل التعارف من غير عزم و اهتمام، و قوله: فلا يدعو نهي في صورة الخبر أو هو بمعناه، و الغرض بيان أن الدعاء على هذا الوجه ليس دعاء للميت و الأول أظهر.

الحديث الثالث: مرسل.

الحديث الرابع: كالسابق، و قساوة القلب غلظته و شدته و عدم تأثره عن الحق، و بعده عن التضرع و الرقة.

الحديث الخامس: حسن كالصحيح.

و في النهاية في حديث الاستسقاء اللهم حوالينا لا علينا، يقال: رأيت الناس حوله و حواليه أي مطيفين به من جوانبه، يريد اللهم أنزل الغيث في مواضع النبات

27

حَتَّى قَالُوا إِنَّهُ الْغَرَقُ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِيَدِهِ وَ رَدَّهَا اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَ لَا عَلَيْنَا قَالَ فَتَفَرَّقَ السَّحَابُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقَيْتَ لَنَا فَلَمْ نُسْقَ ثُمَّ

____________

لا في مواضع إلا بغية، و قال الجوهري: يقال قعدوا حوله و حواليه، و لا تقل حواليه بكسر اللام، و كذا الكلام للفيروزآبادي و غيره يدل على أن حواليه بفتح اللام.

و قال بعضهم: الفتح لمناسبة علينا نظير التنوين في سلاسلا و أغلالا، و الحوالي جمع حول كالبراري جمع بر و سكون الياء في حوالينا مبني عليه بتقدير على حوالينا لقرينة و لا علينا، و يجوز حذف حرف الجر و إبقاء أثره مثل خير و الحمد لله في جواب كيف أصبحت لأنه بتقدير بخير.

و الواو في قوله: و لا علينا، عاطفة و لا ناهية، و التقدير اللهم أنزل الغيث على حوالينا و لا تنزله علينا" و ليس لي في ذلك نية" أي اهتمام و عزم، و لعله (صلى الله عليه و آله و سلم) كان أولا متوقفا في وجود المصلحة في طلبه من الله سبحانه السقي فلم يعزم عليه في الدعاء، و إنما دعا ليطيب به قلوب أصحابه، ثم لما رأى المصلحة في ذلك ثانيا عزم عليه.

و تصحيح إعراب الخبر هو أن جواب لما قال إني دعوت إلى آخر الكلام، و ضمير إنه راجع إلى مصدر سقي المبني للمفعول.

" و قال رسول الله" أقول: هذا الكلام يحتمل وجوها.

أحدها: أن مفعول القول اللهم" إلخ" و قوله: بيده حال أي مشيرا بيده، و قوله: و ردها أيضا حال أي و قد ردها عن السماء بعد ما رفعها إليها للدعاء.

الثاني: أن يكون القول بمعنى الفعل، أي حرك يده يمينا و شمالا مشيرا إلى تفرق السحاب، و كشفها عن المدينة و قد ردها سابقا عن الدعاء، و يقدر القول قبل اللهم كما هو الشائع في الآيات و الأخبار و قيل: الباء في قوله: بيده للاستعانة، إذ القول على وجه الكمال لا يتأنى إلا برفع اليد للدعاء و جملة و ردها حالية أي و قد ردها، و المراد بردها قلبها و جعل ظهرها إلى السماء كما سيأتي في الرهبة، و الوجهان الأولان اللذان خطرا ببالي عندي أظهر، و كان الحامل له على ذلك ما رواه

28

اسْتَسْقَيْتَ لَنَا فَسُقِينَا قَالَ إِنِّي دَعَوْتُ وَ لَيْسَ لِي فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ ثُمَّ دَعَوْتُ وَ لِيَ فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ

بَابُ الْإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ وَ التَّلَبُّثِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الطَّوِيلِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا دَعَا لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي حَاجَتِهِ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ

____________

العامة عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه عند الاستسقاء أشار بظهر كفيه إلى السماء، و بعضهم نفى ذلك و أوله كما سيأتي إنشاء الله تعالى.

قوله: قال فتفرق السحاب، قيل: هذا كلام الراوي و توسطه في أثناء الجملة الشرطية غير مناسب، و أقول: يمكن أن يكون قوله فتفرق جزاء الشرط" و قال" تأكيدا لقوله: قال أولا و إن لم يكن جزاء يحتمل أن يكون قال تأكيدا أو لعله زيد من النساخ.

باب الإلحاح في الدعاء و التلبث في القاموس: ألح في السؤال ألحف، و السحاب دام مطره، و قال: التلبث التوقف.

الحديث الأول: مجهول بسنديه.

" في حاجته" أي في تقديره و تيسيره و تسبيب أسبابه" ما لم يستعجل" أي ما لم يطلب العجلة فيه فييأس إذا أبطأت حاجته فيعرض عن الله تعالى زاعما أنه لا يستجيبه لإبطائه في حقه أو المعنى أنه استعجل في الدعاء و لم يهتم به و قام لحاجته قبل المبالغة، و الإلحاح في الدعاء كما هو ظاهر الخبر الثاني و الأول أظهر.

و يمكن حمل الخبر الآتي أيضا عليه أي ييأس بإبطاء الإجابة و يترك الدعاء و يقوم لحاجته، و الحاصل أنه لا بد للداعي من أن يبالغ في الدعاء و يحسن الظن

29

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الطَّوِيلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)

مِثْلَهُ

____________

برب الأرض و السماء، و لا ييأس من رحمة الله بتأخر الإجابة فإنه يمكن أن يكون لحب صوته أو لعدم مصلحته في وصول الحاجة إليه عاجلا و لا يستعجل في ذلك، فإن العجلة من الشيطان و قد ذمها الله تعالى في مواضع من القرآن.

قال الراغب: العجلة طلب الشيء و تحريه قبل أوانه، و هي من مقتضى الشهوة و لذلك صارت مذمومة في عامة القرآن حتى قيل: العجلة من الشيطان، قال تعالى:

" سَأُرِيكُمْ آيٰاتِي فَلٰا تَسْتَعْجِلُونِ"" وَ لٰا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ"" وَ مٰا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يٰا مُوسىٰ"" أَتىٰ أَمْرُ اللّٰهِ فَلٰا تَسْتَعْجِلُوهُ"" وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذٰابِ*" و قٰالَ يٰا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ" و قال" خُلِقَ الْإِنْسٰانُ مِنْ عَجَلٍ"" وَ كٰانَ الْإِنْسٰانُ عَجُولًا" و مثله كثير.

و يؤيده ما رواه في المشكاة عن مسلم عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: قال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله و ما الاستعجال؟

قال: يقول قد دعوت و قد دعوت و لم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك و يدع الدعاء، و نقل الطيبي في شرحه عن بعضهم من كان له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاؤه لأن

30

[الحديث 2]

2

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ وَ غَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَجَّلَ فَقَامَ لِحَاجَتِهِ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَ مَا يَعْلَمُ عَبْدِي أَنِّي أَنَا اللَّهُ الَّذِي أَقْضِي الْحَوَائِجَ

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ الْهَجَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ

وَ اللَّهِ لَا يُلِحُّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي حَاجَتِهِ إِلَّا قَضَاهَا لَهُ

[الحديث 4]

4

عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ حَسَّانَ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَرِهَ إِلْحَاحَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي

____________

الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة و تأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقتها فإن لكل شيء وقتا، و إما لأنه لم يقدر في أول الأمر قبول دعائه في الدنيا ليعطى عوضه في الآخرة، و إما أن يؤخر القبول ليلح و يبالغ فيها، فإن الله تعالى يجب الإلحاح في الدعاء.

الحديث الثاني: صحيح.

" إذا عجل" أي في تعقيب الصلاة فتركه أو اكتفى فيه بقليل للتوجه إلى حوائجه فقام إليها أو اقتصر بقليل من الدعاء ثم توجه إلى الحاجة التي يدعو لها، أو المراد به ما ذكرناه في الخبر السابق، أي يئس للإبطاء في الإجابة و ترك الدعاء و توجه إلى الحاجة ليحصلها به بسعيه و الأول هنا أظهر، و ترتب الجزاء على جميع المحتملات ظاهر.

الحديث الثالث: مجهول، و محمول على الغالب أو على ما إذا تحققت الشرائط كما مر.

الحديث الرابع: مجهول، و يمكن عده صحيحا على نسخة حسان و موثقا على نسخة حنان.

31

الْمَسْأَلَةِ وَ أَحَبَّ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَ يُطْلَبَ مَا عِنْدَهُ

[الحديث 5]

5

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

لَا وَ اللَّهِ لَا يُلِحُّ عَبْدٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ

[الحديث 6]

6

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً طَلَبَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَاجَةً فَأَلَحَّ فِي الدُّعَاءِ اسْتُجِيبَ لَهُ أَوْ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ وَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ-

____________

" ما عنده" أي ما هو تحت قدرته و يحصل بقضائه و قدره، لكن بشرط أن يكون مشروعا.

الحديث الخامس: مرسل.

الحديث السادس: ضعيف.

و قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) حيث قال مخاطبا لقومه:" وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مٰا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ" قال الطبرسي (ره) أي و أتنحى منكم جانبا و اعتزل عبادة ما تدعون من دون الله" وَ أَدْعُوا رَبِّي" قال أي أعبد ربي" عَسىٰ أَلّٰا أَكُونَ بِدُعٰاءِ رَبِّي شَقِيًّا" كما شقيتم بدعاء الأصنام، و إنما ذكر عسى على وجه الخضوع و قيل: معناه لعله قبل طاعتي و عبادتي و لا أشقى بالرد فإن المؤمن بين الخوف و الرجاء، و قال البيضاوي شَقِيًّا أي خائبا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم، انتهى.

و لنذكر معنى الخبر و سبب الاستشهاد بالآية قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): استجيب له أي سريعا و لم يستجيب أي كذلك أو لم يستجب في حصول المطلوب، لكن عوض له في الآخرة، و الحاصل أنه لا يترك الإلحاح لبطء الإجابة فالاستشهاد بالآية لأن إبراهيم (عليه السلام)، أظهر الرجاء بل الجزم إذا لظاهر أن عسى موجبه في عدم شقائه

32

وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسىٰ أَلّٰا أَكُونَ بِدُعٰاءِ رَبِّي شَقِيًّا

بَابُ تَسْمِيَةِ الْحَاجَةِ فِي الدُّعَاءِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَّاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا يُرِيدُ الْعَبْدُ إِذَا دَعَاهُ وَ لَكِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ تُبَثَّ إِلَيْهِ الْحَوَائِجُ فَإِذَا دَعَوْتَ فَسَمِّ حَاجَتَكَ

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَعْلَمُ حَاجَتَكَ وَ مَا تُرِيدُ وَ لَكِنْ يُحِبُّ أَنْ تُبَثَّ إِلَيْهِ الْحَوَائِجُ

____________

بدعاء الرب سبحانه، و عدم كونه خائبا ضائع السعي كما خابوا و ضل سعيهم في دعاء آلهتهم كما ذكره المفسرون، و يحتمل أن يكون في الكلام تقدير أي فرضي بعد الإلحاح سواء استجيب له أم لم يستجب، و لم يعترض على الله تعالى لعدم الإجابة و لم يسيء ظنه به فالاستشهاد بالآية بحملها على أن المعنى عسى أن لا يكون دعائي سببا لشقاوتي و ضلالتي.

و يحتمل أن يكون ذكر الآية لمحض بيان فضل الدعاء.

باب تسمية الحاجة في الدعاء الحديث الأول: حسن و قد يعد مجهولا و آخره مرسل.

الحديث الثاني:" أن يبث إليه الحوائج" أي تذكر و تظهر فإنها إذا ذكرت انتشرت لأنه يسمعها الملائكة و غيرهم و التعدية بإلى لتضمين معنى التوجه أو التضرع، قال الجوهري: بث الخبر و أبثه نشره يقال: أبثثتك سري أي أظهرته لك، و البث الحال و الحزن، يقال: أبثثتك أي أظهرت لك بثي.

33

بَابُ إِخْفَاءِ الدُّعَاءِ

[الحديث 1]

1

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي هَمَّامٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)قَالَ

دَعْوَةُ الْعَبْدِ سِرّاً دَعْوَةً وَاحِدَةً تَعْدِلُ سَبْعِينَ دَعْوَةً عَلَانِيَةً

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى دَعْوَةٌ تُخْفِيهَا أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَبْعِينَ دَعْوَةً تُظْهِرُهَا

بَابُ الْأَوْقَاتِ وَ الْحَالاتِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ

____________

باب إخفاء الدعاء الحديث الأول: صحيح و آخره مرسل.

و يدل على أن الإخفاء في الدعاء أفضل من الإعلان، و الحكم بالمساواة في الخبر الأول و الأفضلية في الثاني إما باختلاف مراتب الإخفاء و الإعلان، أو المراد بالأول الإخفاء عند الدعاء و بالثاني الإخفاء بعده، فيدل على أن الثاني أهم و أفضل، و أما الجمع بينهما و بين ما ورد من فضل الاجتماع في الدعاء فسيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى.

ثم الظاهر أن هذه النسبة إنما هي إذا لم يكن الإعلان مشوبا بالرياء و السمعة، و إلا فلا نسبة بينهما.

باب الأوقات و الحالات التي ترجى فيها الإجابة الحديث الأول: صحيح.

و المراد بزوال الأفياء أول وقت الزوال كما تدل عليه الأخبار الآتية و عبر هكذا إلى تسميته المسبب باسم المسبب، أي زوال الشمس عن دائرة نصف النهار،

34

أَبِي الْبِلَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

اطْلُبُوا الدُّعَاءَ فِي أَرْبَعِ سَاعَاتٍ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَ زَوَالِ الْأَفْيَاءِ وَ نُزُولِ الْقَطْرِ وَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِ الْقَتِيلِ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفَتَّحُ عِنْدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ

[الحديث 2]

2

عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ وَ غَيْرِهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ فَضْلٍ الْبَقْبَاقِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)

يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ فِي الْوَتْرِ وَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَ

____________

أو زوال الأفياء من جهة المغرب، و ميلها إلى جهة المشرق، أو بناء على أن في بلاد الحجاز لقربها من خط الاستواء في أكثر الأوقات شيء ظلي، و الأوسط أظهر.

قال في المصباح: فاء الظل يفيء فيئا رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق و الجمع فيوء و أفياء، و قال: قال ابن قتيبة: يذهب الناس إلى أن الظل و الفيء بمعنى واحد و ليس كذلك، بل الظل يكون غدوة و عشية، و الفيء بمعنى واحد، و ليس كذلك بل الظل يكون غدوة و عشية و الفيء لا يكون إلا بعد الزوال فلا يقال لما قبل الزوال فيء، و إنما يقال بعد الزوال فيئا لأنه ظل فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، و الفيء الرجوع فقال ابن السكيت: الظل من الطلوع إلى الزوال و الفيء من الزوال إلى الغروب، و قال ثعلب: الظل للشجر و غيرها بالغداة، و الفيء بالعشي. انتهى.

ثم اعلم أنه لم يعلم مقدار تلك الساعة، و روي في عدة الداعي عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء و أبواب الجنان و قضيت الحوائج العظام، فقال الراوي: من أي وقت؟ قال: بمقدار ما يصلي الرجل أربع ركعات مترسلا.

و" أول" عطف على القطر، و القطر: المطر، و فتح أبواب السماء إما حقيقة، أو كناية عن قرب الاستجابة و فتح أبواب الرحمة.

الحديث الثاني: مجهول.

و الظاهر أن الثلاثة الأخيرة المراد بها بعد الصلوات لا بعد دخول أول الأوقات،

35

بَعْدَ الظُّهْرِ وَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ

[الحديث 3]

3

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)

اغْتَنِمُوا الدُّعَاءَ عِنْدَ أَرْبَعٍ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَ عِنْدَ الْأَذَانِ وَ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ وَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ لِلشَّهَادَةِ

[الحديث 4]

4

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

كَانَ أَبِي إِذَا كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ طَلَبَهَا

____________

فبعد الظهر هنا غير زوال الأفياء المذكور في الخبر المتقدم.

الحديث الثالث: ضعيف على المشهور.

" عند قراءة القرآن" يحتمل أن يكون المراد بعده لئلا ينافي وجوب الإنصات أو رجحانه إذا قرأ غيره و إذا قرأ هو نفسه لا ينافي القراءة أو المراد سؤال الرحمة بعد تلاوة آياتها و الاستعادة من العقوبات بعد قراءة آياتها، و لكل منهما شواهد من الأخبار، و إن أمكن أن يكون السؤال بالقلب لا باللسان.

و كذا عند الأذان يمكن أن يكون المراد الدعاء بعده لما ورد من استجابة الدعاء بين الأذان و الإقامة، و إن أمكن أن يكون المراد عند سماع أذان المؤذن لورود الأخبار في الدعاء عنده و لا ينافي استحباب الحكاية لا مكان الجمع بينهما.

" و عند التقاء الصفين للشهادة" ظاهر استجابة الدعاء من ابتداء تقابل الصفين إلى انقضاء الأمر، و لا ينافي ذلك ما مر في الخبر الأول لاحتمال كون الدعاء عند شهادة الشهيد أقرب إلى الإجابة من سائر أوقات التقاء الصفين، و ما قيل: إن اللام في قوله: للشهادة لام العاقبة و المراد عند انصباب دم المؤمن تكلف مستغنى عنه.

الحديث الرابع: مجهول.

و المراد بزوال الشمس ميل مركزها عن دائرة نصف النهار، قال الكرماني في شرح البخاري: زاغت الشمس مالت و زالت عن أعلى درجات ارتفاعها، و هو ثلاث: زوال يعرفه الله، و زوال يعرفه الملك، و زوال يعرفه الناس، فورد أنه سأل

36

فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَعْنِي زَوَالَ الشَّمْسِ

[الحديث 5]

5

عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِذَا رَقَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَدْعُ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَا يَرِقُّ حَتَّى يَخْلُصَ

[الحديث 6]

6

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)

خَيْرُ وَقْتٍ دَعَوْتُمُ

____________

جبرئيل هل زالت؟ فأجاب بلا نعم، و قال: قطعت الشمس بين قولي لا و نعم مسيرة خمسمائة عام.

الحديث الخامس: حسن موثق.

" إذا رق أحدكم" أي قلب أحدكم و الرقة ضد القساوة و علامتها البكاء و الدمعة، و الرقة أيضا الرحمة، في المصباح: رق الشيء يرق من باب ضرب خلاف غلظ، و في القاموس: الرقة بالكسر الرحمة رققت له أرق و الاستحياء و الدقة، و ترقق له رق له قلبه.

و قال الجوهري: خلص الشيء بالفتح يخلص خلوصا أي صار خالصا و خلص إليه الشيء وصل، و الإخلاص أيضا في الطاعة ترك الرياء، و قد أخلصت الله الدين، انتهى.

و الحاصل أن الرقة علامة خلوص القلب من الغدر و الحسد و الأفكار الباطلة و الخيالات الشاغلة، و توجهه إلى الله و إعراضه عما سواه أو الوصول إليه تعالى و إلى قربه، و الخلوص علامة الإجابة و سببها.

الحديث السادس: ضعيف.

و قال الجوهري: السحر قبيل الصبح، و كذا ذكر الفيروزآبادي و غيره أيضا، و قد جوز بضمتين أيضا.

37

اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ الْأَسْحَارُ وَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ ع-

سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي

وَ قَالَ أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ

____________

و قال الطبرسي (ره) في قوله تعالى:" وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحٰارِ" الأسحار جمع سحر و هو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر، و أصله الخفاء لخفاء الشخص في ذلك الوقت، انتهى.

و قال الراغب: السحر و السحرة اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، و جعل اسما كذلك الوقت، و يقال: لقيته بأعلى سحرين.

و أقول: وردت أخبار كثيرة في قوله تعالى:" وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحٰارِ" أنه الاستغفار في صلاة الوتر، فيومئ إلى امتداده بامتداد وقت الوتر لكنه إيماء خفي و يشير إلى الأول قوله تعالى:" إِلّٰا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنٰاهُمْ بِسَحَرٍ" ثم قال بعد ذلك:

" وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذٰابٌ مُسْتَقِرٌّ" و قال البيضاوي في هذه الآية: أخره إلى السحر أو إلى صلاة الليل أو إلى ليلة الجمعة تحريا لوقت الإجابة أو إلى أن يستحل لهم من يوسف، أو يعلم أنه عفا عنهم، فإن عفو المظلوم شرط المغفرة، و يؤيده ما روي أنه استقبل قائما يدعو و قام يوسف خلفه يؤمن و قاموا خلفهما أذلة خاشعين حتى نزل جبرئيل و قال: إن الله قد أجاب دعوتك و عقد مواثيقهم بعدك على النبوة.

و قال الطبرسي (ره) إنما لم يستغفر لهم في الحال لأنه أخرهم إلى سحر ليلة الجمعة عن ابن عباس، و طاوس و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل:

أخرهم إلى وقت السحر لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء عن ابن مسعود و غيره، و روي أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل: إنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف و عشرين سنة عن وهب، و قيل: إنه كان يقوم و يصف أولاده خلفه عشرين سنة

38

[الحديث 7]

7

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

كَانَ أَبِي إِذَا طَلَبَ الْحَاجَةَ طَلَبَهَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ- فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ قَدَّمَ شَيْئاً فَتَصَدَّقَ بِهِ وَ شَمَّ شَيْئاً مِنْ طِيبٍ وَ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ دَعَا فِي حَاجَتِهِ بِمَا شَاءَ اللَّهُ

[الحديث 8]

8

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ رَفَعَهُ

____________

يدعو و يؤمنون على دعائه و استغفاره لهم حتى نزل قبول توبتهم، و روي أن جبرئيل علمه دعاء فاستجيب لهم.

الحديث السابع: مجهول.

و يمكن أن يعد حسنا لأن سعدان له أصل و يدل على أشياء من شرائط الدعاء و دواعي الإجابة.

الأول: كونه عند زوال الشمس عن وسط السماء.

الثاني: التصدق قبل الدعاء و لو بقليل.

الثالث: استعمال الطيب و كان الشم هنا كناية عن استعمال قليل من الطيب و التطيب به لا الاكتفاء بمحض الشم و نظيره حديث أم عطية الخافضة، قال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أشمي و لا تنهكي شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة و النهك بالمبالغة فيه، أي اقطعي بعض النواة و لا تستأصليها، كذا في النهاية.

الرابع: كون الدعاء في المسجد، و يمكن أن يكون المراد هنا مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و قوله:" و دعا في حاجته بما شاء الله" أي من التحميد و الثناء و الصلاة فهذا أيضا يدل على كثير من الآداب إجمالا.

الحديث الثامن: سنده الأول ضعيف و الثاني صحيح.

و سعيد هو ابن يسار، و رواه الصدوق في الخصال في باب الثلاثة عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن الحسين بن إسحاق التاجر عن علي بن مهزيار عن علي بن حديد مثله، إلا أنه زاد بعد قوله: و دمعت عيناك، و وجل قلبك فدونك و دونك

39

إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُكَ وَ دَمَعَتْ عَيْنَاكَ فَدُونَكَ دُونَكَ فَقَدْ قُصِدَ قَصْدُكَ

قَالَ وَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ سَعِيدٍ مِثْلَهُ

[الحديث 9]

9

عَنْهُ عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ صَنْدَلٍ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ

____________

اسم فعل بمعنى خذ قال الجوهري: يقال في الإغراء بالشيء دونكه، قال تميم للحجاج أقبرنا صالحا و كان قد صلبه و قال: دونكموه، و قال: القصد إتيان الشيء تقول قصدته و قصدت له و قصدت إليه بمعنى، و قصدت قصده نحوت نحوه، و في القاموس:

القصد استقامة الطريق و الاعتماد و الأم قصده، و له و إليه و ضد الإفراط، و في المصباح قصدت الشيء و له و إليه قصدا من باب ضرب طلبته بعينه و إليه قصدي و مقصدي و قصد في الأمر قصدا توسط و طلب الأسد، و لم يجاوز الحد.

و هو على قصد أي رشد و طريق سهل، و قصدت قصده أي نحوه.

إذا عرفت هذا فالظاهر أن قصد على بناء المفعول و قصدك مفعول مطلق نائب الفاعل و الإضافة إلى المفعول إذا ظهرت تلك العلامات فعليك بطلب الحاجات و الاهتمام في الدعاء للمهمات فقد أقبل الله عليك بالرحمة و توجه نحوك للإجابة، أو أقبلت الملائكة إليك للشفاعة أو لقضاء الحاجة بأمره سبحانه.

و قيل: القصد بمعنى المقصود أي أقبل الله و الملائكة إلى مقصودك و ربما يقرأ أقصد بصيغة المعلوم، و قال: قصدك مرفوع بالفاعلية و الإضافة إلى الفاعل أي استقام قصدك إلى المطلوب و لا يخفى بعدهما و ظهور الأول.

الحديث التاسع: ضعيف.

" و هي السدس الأول من أول النصف" أي النصف الثاني و ظاهره أن المراد سدس النصف لا سدس الكل، و سيأتي هذا الخبر في كتاب الصلاة في باب

40

الْمُؤْمِنِينَ كُلَّ عَبْدٍ دَعَّاءٍ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي السَّحَرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُفَتَّحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ تُقَسَّمُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ وَ تُقْضَى فِيهَا الْحَوَائِجُ الْعِظَامُ

[الحديث 10]

10

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً مَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ ثُمَّ يُصَلِّي وَ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهَا إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ وَ أَيُّ سَاعَةِ هِيَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ وَ هِيَ السُّدُسُ الْأَوَّلُ مِنْ أَوَّلِ النِّصْفِ

____________

صلاة النوافل بهذا السند إلا أن فيه عن عمر بن أذينة عن عمر بن يزيد و هو أظهر، و في متنه هكذا إذا مضى نصف الليل في السدس الأول من النصف الباقي، لكن رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن عمر ابن يزيد مثله، إلى قوله: قال إذا مضى نصف الليل إلى الثلث الباقي، و روي أيضا عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن أبي أيوب الخراز عن عبيدة النيسابوري، قال، قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إن الناس يروون عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أن في الليل لساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن بدعوة إلا استجيب له، قال: نعم، قلت: متى هي؟

قال: ما بين نصف الليل إلى الثلث الباقي قلت: ليلة من الليالي أو كل ليلة؟ فقال:

كل ليلة، فهذان الخبران يدلان على أن المراد سدس الكل.

41

بَابُ الرَّغْبَةِ وَ الرَّهْبَةِ وَ التَّضَرُّعِ وَ التَّبَتُّلِ وَ الِابْتِهَالِ وَ الِاسْتِعَاذَةِ وَ الْمَسْأَلَةِ

[الحديث 1]

1

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ

____________

باب الرغبة و الرهبة و التضرع و التبتل و الاستعاذة و المسألة قال في النهاية: في حديث الدعاء رغبة و رهبة إليك، يقال: رغب يرغب رغبة إذا حرص على الشيء و طمع فيه، و الرغبة السؤال و الطلب، و الرهبة الخوف و الفزع أعمل لفظ الرغبة وحدها و لو أعملها معا قال رغبة إليك و رهبة منك، و لكن لما جمعهما في النظم حمل أحدهما على الآخر، و قال: التضرع التذلل و المبالغة في السؤال: و الرغبة، يقال: ضرع يضرع بالكسر و الفتح و تضرع إذا خضع و ذل، و قال: يقال تبله يبتله تبلا إذا قطعه، و فيه لا رهبانية و لا تبتل، التبتل الانقطاع عن النساء و ترك النكاح، و امرأة بتول منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم، و بها سميت مريم أم عيسى (عليه السلام) و سميت فاطمة البتول لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا و دينا و حسبا، و قيل: لانقطاعها إلى الله تعالى.

و قال و في حديث الدعاء و الابتهال أن تمد يديك جميعا و أصله التضرع و المبالغة في الدعاء.

و قال الجوهري: تضرع إلى الله أي ابتهل، قال الفراء: جاء فلان يتضرع و يتعرض بمعنى إذا جاء يطلب إليك الحاجة، و قال: التبتل الانقطاع عن الدنيا إلى الله، و كذلك التبتيل و منه قوله تعالى:" وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا" و قال:

الابتهال التضرع و يقال في قوله تعالى" ثُمَّ نَبْتَهِلْ" أي نخلص في الدعاء.

الحديث الأول: صحيح على الظاهر إذ الأظهر أن أبا إسحاق هو ثعلبة بن

42

عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

الرَّغْبَةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِبَطْنِ كَفَّيْكَ إِلَى السَّمَاءِ وَ الرَّهْبَةُ أَنْ تَجْعَلَ ظَهْرَ كَفَّيْكَ إِلَى السَّمَاءِ

____________

ميمون.

قوله:" الرغبة" هذا و نظائره يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المعنى أنه إذا كان الغالب عليه في حال الدعاء الرغبة و الرجاء ينبغي أن يفعل هكذا، فإنه يظن أن يد الرحمة انبسطت فيبسط يده ليأخذه، و إذا كان الغالب عليه الخوف و عدم استئهاله للإجابة يجعل ظهر كفيه إلى السماء إشارة إلى أنه لكثرة خطاياه مستحق للحرمان و إن كان مقتضى كرمه وجوده الفضل و الإحسان.

الثاني: أن يكون المعنى أنه إذا كان مطلوبه طلب منفعة ينبغي أن يبسط بطن كفيه إلى السماء لما مروان كان مطلوبه دفع ضرر و بلاء يخاف نزوله من السماء يجعل ظهرها إليها كأنه يدفعها بيديه، و لا يخفى أن فيما عدا الأولين الأول أنسب، و الخبر الخامس يؤيد الثاني.

و يمكن الجمع بين المعنيين بحمل الأولين على الثاني و البقية على الأول، و يحتمل حمل الأولين على المطالب الدنيوية و ما بعدهما على المناجاة، و المطالب الأخروية و الحمل إما بتقدير مضاف أي أدب الرغبة مثلا أو هذه الأسماء صارت في عرف الشرع أسماء لتلك الأفعال أو أطلق عليها مجازا لدلالتها عليها.

و قوله:" وَ تَبَتَّلْ" قال الدعاء أي إشارة إليه أو التقدير مدلول قوله، و قوله:

" قال" كلام الراوي اعترض بين المبتدأ و الخبر.

و قال الطبرسي (ره): التبتل الانقطاع إلى عبادة الله و إخلاص العمل له و أصله من بتلت الشيء قطعته و منه البتول (عليها السلام) لانقطاعها إلى عبادة الله عز و جل، ثم قال: و المعنى أخلص له إخلاصا عن ابن عباس و غيره يعني في الدعاء و العبادة و قيل: انقطع إليه انقطاعا و قيل: توكل إليه توكلا، و قيل: تفرغ لعبادته و روى محمد بن مسلم و زرارة و حمران عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) إن التبتل هنا

43

وَ قَوْلُهُ

وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا

قَالَ الدُّعَاءُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ تُشِيرُ بِهَا وَ التَّضَرُّعُ تُشِيرُ بِإِصْبَعَيْكَ وَ تُحَرِّكُهُمَا وَ الِابْتِهَالُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ وَ تَمُدُّهُمَا وَ ذَلِكَ عِنْدَ الدَّمْعَةِ ثُمَّ ادْعُ

____________

رفع اليدين في الصلاة، و في رواية أبي بصير هو رفع يدك إلى الله و تضرعك إليه، انتهى.

و أقول: يحتمل أن يكون المعنى أن هذا أفضل أنواع التبتل الذي ذكره الله عز و جل، و الإشارة يحتمل الرقع و الخفض و التحريك يمينا و شمالا، و الخبر الثالث يدل على الأول، و على الأول اليد اليسرى أنسب، و على الثاني اليمنى كما سيأتي.

و المراد بالإصبعين الجمع بينهما، و قيل: الرفع و الخفض إشارة إلى أنه لا أدري أ ترفعني أم تضعني و كذا التحريك يمينا و شمالا إشارة إلى أنه لا يدري أنه من أصحاب اليمين أو من أصحاب الشمال، و قيل: الرفع و الخفض إشارة إلى أن الروح يجرني إليك، و التعلق الجسماني يجرني إلى السفل و لا يمكنني الانقطاع إليك إلا بجذباتك.

و أقول: يحتمل أن يكون الأول إلحاحا في الطلب كما هو دأب الملحين من السائلين لا سيما إذا كان السائل لا يقدر على النطق، و في عدة الداعي كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يرفع يديه إذا ابتهل و دعا، كما يستطعم المسكين، و فيما أوحى الله إلى موسى (عليه السلام) ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل البعد المستصرخ إلى سيده، فإذا فعل ذلك رحمته و أنا أكرم القادرين.

و الثاني إشارة إلى التحير في أمره، و ذلك عند تعارض آيات الخوف و الرجاء، و النظر إلى بعده عن درجة القبول و الكمال، و شدة كرم مولاه الذي هو منتهى الآمال، فإذا أقبلت الدمعة و اشتد الرجاء فالمناسب له أن يمد يديه إلى القبلة أو إلى السماء لأخذ العطاء، و المد هنا يحتملها.

44

[الحديث 2]

2

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

فَمَا اسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ

فَقَالَ الِاسْتِكَانَةُ هُوَ الْخُضُوعُ وَ التَّضَرُّعُ هُوَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ وَ التَّضَرُّعُ بِهِمَا

[الحديث 3]

3

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ وَ الْحُسَيْنِ بْنِ

____________

و قوله (عليه السلام):" ثم ادع" عطف على مقدر أي أفعل ما ذكرت في الأخير أو في جميع المراتب المتقدمة ثم ادع.

الحديث الثاني: حسن كالصحيح.

و الآية في سورة المؤمنين هكذا:" وَ إِنَّ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرٰاطِ لَنٰاكِبُونَ وَ لَوْ رَحِمْنٰاهُمْ وَ كَشَفْنٰا مٰا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيٰانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَ لَقَدْ أَخَذْنٰاهُمْ بِالْعَذٰابِ" قال في مجمع البيان: معناه إنا أخذنا هؤلاء الكفار بالجدب و ضيق الرزق و القتل بالسيف" فَمَا اسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ" أي ما تواضعوا و ما انقادوا" وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ" أي و ما يرغبون إلى الله في الدعاء، و قال أبو عبد الله (عليه السلام) الاستكانة في الدعاء و التضرع رفع اليد في الصلاة، انتهى.

و قيل: استكان من باب الافتعال و أصله افتعل من السكون، فالمد شاذ حصل بالإشباع، و قيل: من باب الاستفعال و أصله استغفل من كان فالمد قياس و وجه بأنه يقال استكان إذا ذل و خضع، أي صار له كون خلاف كونه الأول كما يقال:

استحال إذا تغير من حال إلى حال إلا أن استحال عام في كل حال، و استكان خاص هو الخضوع، و تذكير الضمير باعتبار الخير أو لأنه مصدر و التضرع بهما أي بالإشارة بالإصبعين و تحريكما كما مر أو الأعم منها و من الابتهال.

الحديث الثالث: مرسل.

و الضمير في قال للراوي، و في ذكر للإمام، و هكذا الرهبة أيضا كلام الراوي أو هو كلام الإمام بتقدير القول، أي قال و هكذا الرهبة، و يؤيده أن السيد بن

45

سَعِيدٍ جَمِيعاً عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي خَالِدٍ عَنْ مَرْوَكٍ بَيَّاعِ اللُّؤْلُؤِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

ذَكَرَ الرَّغْبَةَ وَ أَبْرَزَ بَاطِنَ رَاحَتَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ هَكَذَا الرَّهْبَةُ وَ جَعَلَ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ هَكَذَا التَّضَرُّعُ وَ حَرَّكَ أَصَابِعَهُ يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ هَكَذَا التَّبَتُّلُ وَ يَرْفَعُ أَصَابِعَهُ مَرَّةً وَ يَضَعُهَا مَرَّةً وَ هَكَذَا الِابْتِهَالُ وَ مَدَّ يَدَهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَ لَا يَبْتَهِلُ حَتَّى تَجْرِيَ الدَّمْعَةُ

____________

طاوس روى هذا الخبر مرسلا عن سعيد بن يسار قال قال الصادق (عليه السلام) هكذا الرغبة، و أبرز راحتيه إلى السماء إلى آخر الخبر مثله، إلا أنه قال في التبتل يرفع إصبعه مرة.

قوله (عليه السلام):" و يرفع" كان العدول هنا إلى المضارع لإفادة التكرار، و لا يبتهل على بناء المجهول أو المعلوم نفيا أو نهيا، و المراد بالأصابع إما سبابتا اليدين مجازا أو مجموع الأصابع و هو بعيد.

ثم إن الاختلاف الذي يتراءى في هذه الأخبار يمكن رفعه بحمل بعضها على بعض أو القول بتعدد أنواع كل منها، و أقول: روي في المشكاة نقلا من مسند أبي داود بإسناده عن ابن عباس قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، و الاستغفار إن تشير بإصبع واحدة و الابتهال أن تمد يديك جميعا و في رواية قال:

و الابتهال هكذا و رفع يديه و جعل ظهورهما مما يلي وجهه، و عن أحمد بإسناده عن ابن عمر أنه يقول: إن رفعكم أيديكم بدعة ما زاد رسول الله على هذا يعني إلى الصدر، و قال الطيبي: المسألة مصدر بمعنى السؤال، و المضاف محذوف ليصح الحمل أي أدب السؤال، و طريقه رفع اليدين و أدب الاستغفار الإشارة بالسبابة سبا للنفس الأمارة و الشيطان و التعوذ منهما إلى الله تعالى، و لعل المراد من الابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب فيجعل يديه كالترس ليستره عن المكروه.

و قال بعضهم: العادة فيمن طلب شيئا أن يبسط الكف إلى المدعو متواضعا

46

[الحديث 4]

4

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ

مَرَّ بِي رَجُلٌ وَ أَنَا أَدْعُو فِي صَلَاتِي بِيَسَارِي فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِيَمِينِكَ فَقُلْتُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَقّاً عَلَى هَذِهِ كَحَقِّهِ عَلَى هَذِهِ وَ قَالَ الرَّغْبَةُ تَبْسُطُ يَدَيْكَ وَ تُظْهِرُ بَاطِنَهُمَا وَ الرَّهْبَةُ تَبْسُطُ يَدَيْكَ وَ تُظْهِرُ

____________

متخاشعا، و فيمن أراد كف مكروه أن يرفع ظهر كفه إشارة إلى الدافع.

الحديث الرابع: صحيح.

" في صلاتي بيساري" أي برفع يساري مع اليقين أو بدونها، كما ورد في صلاة الوتر أنه يرفع اليسرى و يعد باليمين أو بالتضرع و تحريك الأصابع بيساري و كان السائل الجاهل نظر إلى أن اليمين أشرف و غفل عن أن لجميع البدن قسطا من العذاب و الاستعاذة منه، و لكلها حاجة إلى الرب في الوجود و البقاء و التربية، بل الشمال أنسب في هذا المقام، إذ كاتب السيئات في جهة الشمال و المعاصي كلها تأتي من جهة شمال النفس و هي جهة الميل إلى الشهوات و اللذات و الأعمال الدنية الخسيسة ترتكب بها و جوابه (عليه السلام) كان بعد الصلاة.

و يحتمل أن يكون المراد بقوله (عليه السلام)" في صلاتي" في تعقيب صلاتي و يؤيده ما سيأتي في باب الدعاء في أدبار الصلوات من قال بعد كل صلاة و هو أخذ بلحيته بيده اليمنى" يا ذا الجلال و الإكرام ارحمني من النار" ثلاث مرات و يده اليسرى مرفوعة بطنها إلى ما يلي السماء إلى آخر الخبر و كثير من هذه الآداب مذكورة فيه فارجع إليه.

و روى السيد في كتاب الإقبال من أدعية كل يوم من رجب و ذكر الدعاء قال: ثم مد (عليه السلام) يده اليسرى فقبض على لحيته و دعا بهذا الدعاء و هو يلوذ بسبابته اليمنى إلى آخر الخبر.

" و الرغبة تبسط" أي أن تبسط و في القاموس الرسل بالكسر الرفق و التؤدة

47

ظَهْرَهُمَا وَ التَّضَرُّعُ تُحَرِّكُ السَّبَّابَةَ الْيُمْنَى يَمِيناً وَ شِمَالًا وَ التَّبَتُّلُ تُحَرِّكُ السَّبَّابَةَ الْيُسْرَى تَرْفَعُهَا فِي السَّمَاءِ رِسْلًا وَ تَضَعُهَا وَ الِابْتِهَالُ تَبْسُطُ يَدَيْكَ وَ ذِرَاعَيْكَ إِلَى السَّمَاءِ وَ الِابْتِهَالُ حِينَ تَرَى أَسْبَابَ الْبُكَاءِ

[الحديث 5]

5

عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

سَأَلْتُهُ عَنِ الدُّعَاءِ وَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فَقَالَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا التَّعَوُّذُ فَتَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِبَاطِنِ كَفَّيْكَ وَ أَمَّا الدُّعَاءُ فِي الرِّزْقِ فَتَبْسُطُ كَفَّيْكَ وَ تُفْضِي

____________

كالرسلة و الترسل، و بالفتح السهل من السير انتهى.

فيمكن أن يقرأ هنا بالكسر أي برفق و تأن و بالفتح بأن يكون صفة مصدر محذوف أي رفعا رسلا، و ذراعك بالنصب عطفا على يدك أو بالرفع و الجملة حالية و هذا الخبر كالتفسير للأخبار السابقة.

الحديث الخامس: مرسل.

و الظاهر أن المراد بالتعوذ التحرز من شر الأعادي، و يمكن تعميمه بحيث يشمل شر الأعادي الباطنة أيضا من النفس و الشيطان، بل من العقوبات الأخروية و الدنيوية و هي حالة غاية الاضطرار فإن من رأى حجرا أو سيفا أو سنانا أو شبهها يتترس بيديه هكذا لدفعها عن كرائم بدنه.

و يحتمل أن ذكر الرزق في الثاني على المثال و التخصيص لكون غالب رغبات عامة الخلق له، و تقضى بباطنها إلى السماء أي تجعل، باطنهما نحوها، في المصباح الفضاء بالمد المكان الواسع، و أفضى الرجل بيده إلى الأرض مسها بباطن راحته و أفضيت إلى الشيء وصلت إليه انتهى. و يقال: أفضي إليه بسره أي أظهره له و كأنه هنا أنسب.

قوله (عليه السلام):" مما يلي وجهك" ظاهره الدفع و الخفض و هو مخالف لما مر في الخبر السابق و هو بعينه ما مر في التبتل، و كأنه لهذا عدها أربعا، و المراد أنها مترادفان فهذا اصطلاح آخر، و قيل: المراد تحريك السبابة يمينا و شمالا

48

بِبَاطِنِهِمَا إِلَى السَّمَاءِ وَ أَمَّا التَّبَتُّلُ فَإِيمَاءٌ بِإِصْبَعِكَ السَّبَّابَةِ وَ أَمَّا الِابْتِهَالُ فَرَفْعُ يَدَيْكَ تُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَكَ وَ دُعَاءُ التَّضَرُّعِ أَنْ تُحَرِّكَ إِصْبَعَكَ السَّبَّابَةَ مِمَّا يَلِي وَجْهَكَ وَ هُوَ دُعَاءُ الْخِيفَةِ

[الحديث 6]

6

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

فَمَا اسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ

قَالَ الِاسْتِكَانَةُ هِيَ الْخُضُوعُ وَ التَّضَرُّعُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ وَ التَّضَرُّعُ بِهِمَا

[الحديث 7]

7

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ زُرَارَةَ قَالا

قُلْنَا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَيْفَ الْمَسْأَلَةُ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ تَبْسُطُ كَفَّيْكَ قُلْنَا كَيْفَ الِاسْتِعَاذَةُ قَالَ تُفْضِي بِكَفَّيْكَ وَ التَّبَتُّلُ الْإِيمَاءُ بِالْإِصْبَعِ

____________

قريبا من وجهه، و لذا لم يعده من أقسام الرفع فأنواع الرفع أربعة و التضرع خارجة منها و له وجه.

و يحتمل أن يكون المراد بقوله مما يلي وجهه أن يستر وجهه بهما، و هو يناسب الخيفة، و في أكثر نسخ العدة فقال على خمسة أوجه، و كأنه جعله كذلك ليطابق الأقسام، و يحتمل أن تكون نسخته هكذا.

الحديث السادس: صحيح و قد مر في الثاني باختلاف في أول السند و كأنه أخذ هذا من كتاب ابن محبوب و ما مر من كتاب ابن أبي عمير، و قال في العدة و في حديث آخر الاستكانة في الدعاء أن يضع يديه على منكبيه، و في فلاح السائل و في حديث آخر عن الصادق (عليه السلام) أن الاستكانة في الدعاء أن يضع يديه على منكبيه حين دعائه.

الحديث السابع: حسن كالصحيح.

" تفضي بكفيك" أي تجعل باطنهما نحو الفضاء، كما يفضي الرجل باطن كفيه إلى الجدار، و الحاصل تجعل باطن كفيك مقابل القبلة كما مر.

49

وَ التَّضَرُّعُ تَحْرِيكُ الْإِصْبَعِ وَ الِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعاً

____________

فائدة قال العارف الرباني في العدة هذه الهيئات المذكورة إما تعبد لعلة لا نعلمها أو لعل المراد ببسط كفيه في الرغبة كونه أقرب إلى حال الراغب في بسط آماله و حسن ظنه بإفضاله و رجائه لنواله، فالراغب يسأل بالأمان فيبسط كفيه لما يقع فيهما من الإحسان.

و المراد في الرهبة بجعل ظهر الكفين إلى السماء، كون العبد يقول بلسان الذلة و الاحتقار لعالم الخفيات و الأسرار آنا ما أقدم على بسط كفى إليك و قد جعلت وجههما إلى الأرض ذلا و خجلا بين يديك، و المراد في التضرع بتحريك الأصابع يمينا و شمالا أنه تأسى بالثاكل عند المصاب الهائل، فإنها تقلب يديها و تنوح بهما إقبالا و إدبارا و يمينا و شمالا، و المراد بالتبتل برفع الأصابع مرة و وضعها أخرى بأن معنى التبتل الانقطاع فكأنه يقول بلسان حاله لمحقق رجائه و آماله: انقطعت إليك وحدك كما أنت أهله من الإلهية فيشير بإصبعه وحدها من دون الأصابع على سبيل الوحدانية.

و المراد في الابتهال بمد يديه تلقاء وجهه إلى القبلة أو مد يديه و ذراعيه إلى السماء، أو رفع يديه و تجاوزهما رأسه بحسب الروايات أنه نوع من أنواع العبودية و الاحتقار و الذلة و الصغار، أو كالغريق الرافع يديه الحاسر عن ذراعيه المتشبث بأذيال رحمته و المتعلق بذوائب رأفته التي أنجت الهالكين و أغاثت المكروبين و وسعت العالمين و هذا مقام جليل فلا يدعيه العبد إلا عند العبرة و تزاحم الأنين و الزفرة و وقوفه موقف العبد الذليل و اشتغاله بخالقه الجليل عن طلب الآمال و التعرض للسؤال.

و المراد في الاستكانة برفع يديه على منكبيه أنه كالعبد الجاني إذا حمل إلى

50

بَابُ الْبُكَاءِ

[الحديث 1]

1

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ

مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَ لَهُ كَيْلٌ وَ وَزْنٌ إِلَّا الدُّمُوعُ فَإِنَّ الْقَطْرَةَ تُطْفِئُ بِحَاراً مِنْ نَارٍ فَإِذَا اغْرَوْرَقَتِ الْعَيْنُ بِمَائِهَا لَمْ يَرْهَقْ

____________

مولاه و قد أوثقه قيد هواه، و قد تصفد بالأثقال و ناخ بلسان الحال هذه يداي قد عللتها بين يديك بظلمي و جرأتي عليك.

و أقول: أخذه (ره) من كتاب فلاح السائل الجليل قدوة العارفين رضي الدين علي بن طاوس نور الله ضريحه بتغيير يسير في وسطه.

باب البكاء الحديث الأول: مجهول.

" إلا و له كيل و وزن" لعل المراد أن ثواب العبادات و إن كان كلها يجري على جهة التفضل و زائدا على ما يظن أنه يستحقه لكن يناسبه في ميزان العقل و القياس بحسب كثرة العمل و قلته و سهولته و صعوبته و غير ذلك، بخلاف البكاء فإن القليل منه يترتب عليه آثار عظيمة و مثوبات جسمية لا يحيط بها ميزان العقل و مكيال القياس، و قيل: الكيل و الوزن إما مصدر أن يقال كال الطعام يكيله كيلا و وزنه يزنه وزنا إذا قاسه بالمكيال و الميزان، أو اسم لما يكال به الطعام.

و للعبارة وجهان: الأول أن كل عبادة يعتبر كيلها و وزنها و يجزي على وجه الاستحقاق بمثلها كيلا بكيل و وزنا بوزن و إن وقعت الزيادة فهي تفضل إلا الدمع فإنه و إن كان خفيفا قليلا يستحق صاحبه أجرا جزيلا لا يعلم قدره إلا الله عز و جل.

الثاني: أن الدمع لكونه عظيما لا يحيط به الكيل و الوزن، و لا يمكن