معتصم الشيعة في أحكام الشريعة - ج2

- الفيض الكاشاني المزيد...
406 /
7

القول في التيمّم

2- 3 [67]

[1]

مسألة [أحكام التيمّم]

[شرائط وجوب التيمّم]

يجب التيمّم على كلّ مكلّف محدث بما يوجب الوضوء أو الغسل من الأحداث، مع عدم تمكّنه منهما و تمكّنه منه و شغل ذمّته بشيء ممّا يجبان له من العبادات، و على كلّ محتلم في أحد المسجدين لخروجه منه، و كلّ مكلّف ملتزم له.

[وجوب التيمّم على المحدث و الاستدلال عليه بالآية و الروايات]

أمّا وجوبه على المحدث في الجملة فهو ثابت بإجماع المسلمين، بل هو من ضروريّات الدين، و يدلّ عليه الكتاب و السنّة:

أمّا الكتاب فقوله تعالى: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيٖداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْديٖكُمْ مِنْهُ» (1).

ذكر جمع من المفسّرين أنّ «أو» في قوله «أَوْ جٰاءَ» بمعنى الواو كقوله تعالى: «وَ أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزيٖدُونَ» (2)، يعني: و جاء أحد منكم

____________

(1). المائدة/ 6.

(2). الصافات/ 147.

8

من الغائط، لأنّ المجيء من الغائط ليس من جنس المرض و السفر حتّى يصحّ عطفه عليهما؛ فإنّهما سبب لإباحة التيمّم، و المجيء من الغائط سبب لإيجاب الطهارة.

و أمّا السنّة فمتواترة، و ستطّلع على كثير منها.

[إجزاء التيمّم عن الطهارة المائيّة]

و أمّا وجوبه بما يوجب إحدى الطهارتين مع عدم التمكّن منهما، فلأنّه بدل منهما و قائم مقامهما؛ فكلّ ما يوجبهما اختياراً يوجبه اضطراراً، و هذا ممّا لا خلاف فيه.

و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة كما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال:

«الصَّعِيدُ الطَّيبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَ إِنْ لَمْ يَجِد المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» (1).

و صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ التُّرَابَ طَهُوراً كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ طَهُوراً» (2).

و صحيحة حمّاد بن عثمان عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ الْمَاءَ، أَ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ» (3).

و صحيحة محمّد بن مسلم عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَجْنَبَ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَ صَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، قَالَ: لَا يُعِيدُ، إِنَّ رَبَّ الْمَاءِ رَبُّ الصَّعِيدِ، فَقَدْ فَعَلَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ» (4) إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1). سنن الترمذي، ج 1، ص 81، ح 124؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 84، ح 333؛ السنن الكبرى، ج 1، ص 217.

(2). الفقيه، ج 1، ص 109، ح 224؛ التهذيب، ج 1، ص 404، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 385، ح 3934.

(3). التهذيب، ج 1، ص 200، ح 55؛ الاستبصار، ج 1، ص 163، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 385، ح 3935.

(4). الاستبصار، ج 1، ص 161، ح 2؛ التهذيب، ج 1، ص 197، ح 45؛ الوسائل، ج 3، ص 370، ح 3895.

9

[مسوغات التيمم التي لا يمكن فيها تحصيل الطهارة المائيّة]

و أسباب فقد التمكّن من الطهارتين أمور:

منها فقد الماء، و يدلّ على جواز التيمّم معه مضافاً إلى الإجماع، الآية الشريفة و الأخبار الصحيحة المستفيضة كصحيحة حمّاد المتقدّمة (1) و صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام)؛ قال سمعته يقول:

«إِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ طَهُوراً وَ كَانَ جُنُباً فَلْيَمْسَحْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لْيُصَلِّ؛ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَ قَدْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ الَّتِي صَلَّى» (2).

و صحيحة جميل بن درّاج عنه (عليه السلام): «إنّهُ سَأَلَهُ عَنْ إِمَامِ قَوْمٍ أَجْنَبَ وَ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِلْغُسْلِ وَ مَعَهُمْ مَا يَتَوَضَّئُونَ بِهِ (3)، يَتَوَضَّأُ بَعْضُهُمْ وَ يَؤُمُّهُمْ؟

قَالَ: لَا، وَ لَكِنْ يَتَيَمَّمُ الْإِمَامُ وَ يَؤُمُّهُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ التُّرَابَ (4) طَهُوراً كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ طَهُوراً» (5)، و غيرها من الأخبار.

[لا فرق بين من لم يجد الماء أصلًا أو لا يكفيه للطهارة في كونهما مصداقاً لعدم التمكّن من تحصيل الطهارة المائية الموجب للتيمّم]

و لا فرق بين عدم الماء أصلًا و وجود ما لا يكفيه لطهارته، إذ التكليف بالطهارة إنّما يتوجّه مع التمكّن منها، و هو إنّما يتحقّق بالتمكّن من جميع أجزائه.

و يؤيّده صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «فِي رَجُلٍ أَجْنَبَ فِي سَفَرٍ وَ مَعَهُ مَاءٌ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَ لَا يَتَوَضَّأُ» (6). و مثلها صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (7).

____________

(1). الاستبصار، ج 1، ص 161، ح 2؛ التهذيب، ج 1، ص 197، ح 45؛ الوسائل، ج 3، ص 370، ح 3895.

(2). التهذيب، ج 1، ص 197، ح 46؛ الاستبصار، ج 1، ص 161، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 368، ح 3887. و في الكافي (ج 3، ص 63، ح 3) بإسناده عن الحلبي.

(3). المصدر: «ماء يتوضّئون به».

(4). المصدر: «الأرض».

(5). الفقيه، ج 1، ص 382، ح 1123. و في الفقيه (ج 1، ص 109، ح 224)، و التهذيب (ج 1، ص 404، ح 2)، و الاستبصار (ج 1، ص 425، ح 5)، و الوسائل (ج 3، ص 386، ح 3941) عن محمّد بن حمران و جميل مع تفاوت.

(6). التهذيب، ج 1، ص 405، ح 10؛ الوسائل، ج 3، ص 387، ح 3943.

(7). التهذيب، ج 1، ص 405، ح 11.

10

فسقط ما قيل (1) من وجوب صرف الماء على الجنب إلى بعض أعضائه- لجواز حصول ما يكمل به الغسل لسقوط الموالاة فيه-، إذ لو كان كذلك لبيّنه (عليه السلام).

[القول بوجوب التيمّم عند فقدان الماء الكافي مع وجود الماء المشتبه بالنجس و المناقشة فيه]

و كذا لا فرق بين عدم الماء أصلًا و وجود المشتبه بالنجس عند الأصحاب، لموثّقة الساباطي عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَعَهُ إِنَاءَانِ فِيهِمَا مَاءٌ، وَقَعَ فِي أَحَدِهِمَا قَذَرٌ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ، وَ لَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى مَاءٍ غَيْرِهِ، قَالَ: يُهَرِيقُهُمَا وَ يَتَيَمَّمُ» (2).

و لي في هذا الحكم تأمّل، لمخالفته الأصول المقرّرة و القواعد المعلومة عندهم، و معارضته الأخبار الصحيحة المستفيضة كقوله (عليه السلام): «لَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّك» (3) و نحوه ممّا يفيد مفاده في موارد مخصوصة، و قد مرّ شطر منها، و سيجيء طرف آخر؛ فليتأمّل.

على أنّه يمكن أن يتطهّر بالماء المتيقّن الطهارة في الصورة المذكورة، بأن يتطهّر أوّلًا بأحد الماءين، ثمّ يغسل مواضع الطهارة بحصّة من الماء

____________

(1). نهاية الإحكام، ج 1، ص 186.

(2). التهذيب، ج 1، ص 248، ح 43؛ الوسائل، ج 3، ص 345، ح 3823. و رواه في الكافي (ج 3، ص 10، ح 6)، و التهذيب (ج 1، ص 249، ح 44)، و الاستبصار (ج 1، ص 21، ح 3) بالإسناد عن سماعة.

(3). التهذيب، ج 1، ص 8، ح 11؛ الوسائل، ج 1، ص 245، ح 631.

11

الآخر و يتطهّر ببقيّته ثانياً، و حينئذٍ فإن كان النجس هو الأوّل فقد تطهّر بالماء الثاني المتيقّن الطهارة بعد تطهير البدن، و إن كان هو الثاني فقد تطهّر أوّلًا بالماء الطاهر و إن تنجّس بدنه بالثاني فلا ضير؛ فإنّ رفع الحدث أهمّ من إزالة الخبث (1).

[إن قيل لا بدّ من الجزم بصحّة العبادة حين فعلها ليخرج عن العهدة، و لا جزم بالصحّة في شيء من الطهارتين، قلنا: إن أريد اشتراط الجزم في النيّة ابتداءً فممنوع إذ لا دليل عليه، و إن أريد اشتراطه في الجملة و لو بعد الفراغ فهو حاصل. نعم، في جواز تنجيس البدن مع العلم بعدم قدرته على الإزالة اليقينيّة المشروطة في العبادة نظر] (2).

[الاستدلال على وجوب الطهارة لفاقد الماء الذي يتمكن من ذلكَ]

و المتمكّن من استعمال الثلج بحيث يبلّ جسده ممّا يسمّى غسلًا غير فاقد، لصحيحة محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) «إِنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يُجْنِبُ فِي السَّفَرِ لَا يَجِدُ إِلَّا الثَّلْجَ، قَالَ: يَغْتَسِلُ بِالثَّلْجِ أَوْ مَاءِ النَّهَرِ» (3).

و حسنة عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ الْجُنُبِ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ مَاءٌ، وَ هُوَ يُصِيبُ ثَلْجاً وَ صَعِيداً، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ أَ يَتَيَمَّمُ أَمْ يَمْسَحُ بِالثَّلْجِ وَجْهَهُ؟ قَالَ: الثَّلْجُ إِذَا بَلَّ رَأْسَهُ وَ جَسَدَهُ أَفْضَلُ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ فَلْيَتَيَمَّمْ» (4).

و رواية معاوية بن شُريح عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَألَهُ رَجُل وَ أنَا عِنْدَهُ، قَالَ: يُصِيبُنَا الدَّمَقُ وَ الثَّلْجُ وَ نُرِيدُ أَنْ نَتَوَضَّأَ، وَ لَا نَجِدُ إِلَّا مَاءً جَامِداً، فَكَيْفَ

____________

(1). في «ج» هنا زيادة «و فيه ما فيه».

(2). ما بين المعقوفتين ليس في «ج».

(3). التهذيب، ج 1، ص 191، ح 24؛ الاستبصار، ج 1، ص 157، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 356، ح 3857.

(4). التهذيب، ج 1، ص 192، ح 28؛ الاستبصار، ج 1، ص 158، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 357، ح 3859.

12

أَتَوَضَّأُ، أَدْلُكُ بِهِ جَسَدِي (1)؟ قَالَ: نَعَمْ» (2).

[توجيه الروايات الدالّة على وجوب التيمّم على فاقد الماء الذي يتمكن من التوضؤ بالثلج]

و أمّا صحيحة محمّد بن مسلم عنه (عليه السلام)- قال: «سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَجْنَبَ فِي السَّفَرِ، وَ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الثَّلْجَ أَوْ مَاءً جَامِداً، فَقَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّرُورَةِ؛ يَتَيَمَّمُ، وَ لَا أَرَى أَنْ يَعُودَ إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي تُوبِقُ دِينَهُ» (3).

و صحيحة رِفاعة بن موسى عنه (عليه السلام)؛ قال: «فَإِنْ كَانَ فِي ثَلْجٍ فَلْيَنْظُرْ لِبْدَ سَرْجِهِ؛ فَلْيَتَيَمَّمْ مِنْ غُبَارِهِ أَوْ شَيْءٍ مُغْبَرٍّ» (4)- فمحمولتان على عدم التمكّن من الاستعمال، إمّا لشدّة البرودة كما هو الغالب في مثل تلك المواضع، أو غير ذلك، جمعاً بين الأدلّة.

[اشتراط جواز التيمّم لفاقد الماء، بالفحص و الطلب في سعة الوقت]

و يشترط في جواز التيمّم عند فقد الماء طلبه إذا لم يتيقّن عدمه إجماعاً منّا و أكثر العامّة- قاله في المعتبر (5) و المنتهى (6)-، لظاهر قوله تعالى: «فَلَمْ تَجِدُوا» (7)؛ فإنّ عدم الوجدان لا يتحقّق عرفاً إلّا بعد الطلب أو تيقّن عدم الإصابة.

و لحسنة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ فَلْيَطْلُبْ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ؛ فَإِذَا خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوَقْتُ فَلْيَتَيَمَّمْ وَ لْيُصَلِّ فِي آخِرِ الْوَقْتِ؛ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَ لْيَتَوَضَّأْ لِمَا يَسْتَقْبِلُ» (8).

و يستفاد منها أنّ وجوب الطلب مختصّ بسعة الوقت، و هو كذلك، لأنّ فعل

____________

(1). المصدر: «جلدي».

(2). التهذيب، ج 1، ص 191، ح 26؛ الاستبصار، ج 1، ص 157، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 357، ح 3858.

(3). الكافي، ج 3، ص 67، ح 1؛ التهذيب، ج 1، ص 191، ح 27؛ الاستبصار، ج 1، ص 158؛ ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 355، ح 3854.

(4). التهذيب، ج 1، ص 189، ح 20؛ الاستبصار، ج 1، ص 158، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 354، ح 3849.

(5). المعتبر، ج 1، ص 392.

(6). المنتهى، ج 3، ص 43.

(7). النساء/ 43؛ المائدة/ 6.

(8). الكافي، ج 3، ص 63، ح 2؛ التهذيب، ج 1، ص 192، ح 29؛ الاستبصار، ج 1، ص 165، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 366، ح 3883.

13

الصلاة متعيّن مع الضيق و تحصيل الطهارة المائيّة متعذّر، فجاز التيمّم القائم مقامها، و لأنّه لو جاز تأخير الصلاة حتّى تصير قضاءً لتحصيل الطهارة المائيّة لاطّرد. و ربّما يفرّق بين ما إذا سبق التمكّن و بين ما لم يسبق، و الحقّ عدم الفرق.

[كيفيّة الفحص عن الماء و حدّه]

و اختلفوا في كيفيّة الطلب و حَدُّه، و المشهور أنّه يضرب غلوة سهم في الحزنة و سهمين في السهلة من كلّ جهة، لرواية السكوني عن الصادق عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام)؛ قال: «يُطْلَبُ الْمَاءُ فِي السَّفَرِ: إِنْ كَانَتِ الْحُزُونَةُ فَغَلْوَةً، وَ إِنْ كَانَتْ سُهُولَةٌ فَغَلْوَتَيْنِ، لَا يُطْلَبُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (1).

و هي ضعيفة؛ فالأقرب عدم التحديد، بل يكفي تحقّق عدم الماء عنده عرفاً مثل رحله و حواليه من كلّ جهة يرجو فيها الإصابة، وفاقاً للسيّد (2) و الشيخ (3) و المحقّق (4) في أحد قوليهم و بعض المتأخّرين (5).

[عدم التمكّن من الوصول إلى الماء لفقد الآلة التي تستخرجه أو لضعف أو خوف أو فقد الثمن أو غير ذلكَ]

و منها فقد الوصلة إلى الماء، إمّا لفقد الآلة أو الضعف عن الحركة أو الخوف على النفس أو المال أو البضع، أو فقد الثمن، أو تضرّر الشراء بحاله، أو الخوف من الزحام يوم الجمعة و عرفة و نحوهما، أو غير ذلك.

[جواز التيمّم فيما إذا استلزم تحصيل الماء العسر و الحرج]

و يدلّ على جواز التيمّم في هذه المواضع لزوم الحرج و العسر المنفيّين لولاه، و صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «فِي الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالرَّكِيَّةِ وَ لَيْسَ مَعَهُ دَلْوٌ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ الرَّكِيَّةَ، لِأَنَّ رَبَّ الْمَاءِ هُوَ رَبُّ الْأَرْضِ؛ فَلْيَتَيَمَّمْ» (6).

____________

(1). الاستبصار، ج 1، ص 165، ح 1؛ التهذيب، ج 1، ص 202، ح 60؛ الوسائل، ج 3، ص 341، ح 3815.

(2). جمل العلم و العمل، ص 52.

(3). الجمل و العقول، ص 53.

(4). المعتبر، ج 1، ص 393.

(5). الجامع للشرائع، ص 46.

(6). الفقيه، ج 1، ص 105، ح 214؛ الوسائل، ج 3، ص 343، ح 3819. و رواه في الكافي (ج 3، ص 64، ح 7)، و التهذيب (ج 1، ص 184، ح 1) بالإسناد عن ابن أبي العلاء.

14

و صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور و عَنبسة بن مُصعَب عنه (عليه السلام)؛ قال: «إِذَا أَتَيْتَ الْبِئْرَ وَ أَنْتَ جُنُبٌ فَلَمْ تَجِدْ دَلْواً وَ لَا شَيْئاً تَغْتَرِفُ بِهِ، فَتَيَمَّمْ؛ فَإِنَّ رَبَّ الْمَاءِ رَبُّ الصَّعِيدِ، وَ لَا تَقَعْ فِي الْبِئْرِ، وَ لَا تُفْسِدْ عَلَى الْقَوْمِ مَاءَهُمْ» (1).

و رواية داود الرقّيّ عنه (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: أَكُونُ فِي السَّفَرِ وَ تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَ لَيْسَ مَعِي مَاءٌ، وَ يُقَالُ: إِنَّ الْمَاءَ قَرِيبٌ مِنَّا، فَأَطْلُبُ الْمَاءَ وَ أَنَا فِي وَقْتٍ يَمِيناً وَ شِمَالًا؟ قَالَ: لَا تَطْلُبِ الْمَاءَ وَ لَكِنْ تَيَمَّمْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ التَّخَلُّفَ عَنْ أَصْحَابِكَ؛ فَتَضِلَّ وَ يَأْكُلَكَ السَّبُعُ» (2).

و رواية يعقوب بن سالم عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَألْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ مَعَهُ مَاءٌ، وَ الْمَاءُ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَ يَسَارِهِ غَلْوَتَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ: لَا آمُرُهُ أَنْ يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ؛ فَيَعْرِضَ لَهُ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ» (3).

[وجوب شراء الماء و لو بزيادة من الثمن لتحصيل الطهارة المائية]

و لو لم يتضرّر الشراء بحاله وجب و إن زاد عن ثمن المثل على المشهور، لأنّه واجد للماء، لقدرته عليه بالثمن المتمكّن منه، فلا يَسُغ له التيمّم.

و لصحيحة صفوان عن الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «سَألْتُهُ عَنْ رَجُلٍ احْتَاجَ إِلَى الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ وَ هُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَوَجَدَ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ (4) وَ هُوَ لَهَا، يَشْتَرِي وَ يَتَوَضَّأُ، أَوْ يَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَشْتَرِي، وَ قَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ ذَلِكَ، فَاشْتَرَيْتُ وَ تَوَضَّأْتُ، وَ مَا يُشْتَرَى بِذَلِكَ مَالٌ كَثِيرٌ» (5).

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 185، ح 9؛ الكافي، ج 3، ص 65، ح 9؛ الاستبصار، ج 1، ص 127، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 344، ح 3820.

(2). التهذيب، ج 1، ص 185، ح 10؛ الكافي، ج 3، ص 64، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 342، ح 3816.

(3). الكافي، ج 3، ص 65، ح 8؛ التهذيب، ج 1، ص 184، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 342، ح 3817.

(4). «ج»: «ألف درهم».

(5). التهذيب، ج 1، ص 406، ح 14؛ الكافي، ج 3، ص 74، ح 17؛ الوسائل، ج 3، ص 389، ح 3948.

15

و ربّما يخصّص بعدم الإجحاف، للحرج و تسويغ التيمّم عند خوف لصّ يضرّ بماله (1) [، و هو اجتهاد في مقابلة النّص و قياس مع الفارق. نعم، إن ثبت كونه حرجاً فذاك، إذ هو رجوع من عموم الخبر إلى خصوص الكتاب] (2).

و قال ابن الجنيد (3): «إذا كان الثمن غالياً تيمّم و صلّى، و أعاد إذا وجد الماء»، و هو ضعيف.

[عدم التمكن من الوصول إلى الماء لخوف أو عطش أو مرض أو غير ذلكَ و الاستدلال عليها بالروايات]

و منها الخوف من استعمال الماء. و يندرج فيه خوف العطش إن استعمله في الحال أو المآل، على نفسه أو أخيه المؤمن، و خوف المرض و الجرح و القرح و الشين، سواء خاف حدوثها أو زيادتها أو بطء برئها، و سواء كانت شاملة لجميع البدن أو مختصّة بعضو، و سواء كان الخوف بسبب أو لمجرد الجبن. صرّح بهذا التعميم بعضهم (4).

و يدلّ على جواز التيمّم في هذه الصور- مضافاً إلى بعض ما مرّ- قوله تعالى: «وَلٰا تُلْقُوا بِأَيْديٖكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (5)، و قوله عزّ و جلّ: «وَ إِنْ كُنْتُمْ

____________

(1). في «ج» هنا زيادة «و هو حسن».

(2). ما بين المعقوفتين ليس في «ج».

(3). نقله عنه في المعتبر، ج 1، ص 369.

(4). منهم ابن البرّاج في المهذّب (ج 1، ص 47)، و العلّامة في التذكرة (ج 2، ص 155) و المنتهى (ج 3، ص 21)، و الشهيد الثاني في روض الجنان (ج 1، ص 315) و المسالكَ (ج 1، ص 111).

(5). البقرة/ 195.

16

مَرْضىٰ» (1).

و صحيحة محمّد الحلبي عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: الْجُنُبُ يَكُونُ مَعَهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ، فَإِنْ هُوَ اغْتَسَلَ بِهِ خَافَ الْعَطَشَ، أَ يَغْتَسِلُ بِهِ أَوْ يَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: بَلْ يَتَيَمَّمُ، وَ كَذَا إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ» (2).

و صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام): «فِي الرَّجُلِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ وَ بِهِ قُرُوحٌ أَوْ جُرُوحٌ أَوْ يَخَافُ (3) عَلَى نَفْسِهِ الْبَرْدَ، قَالَ: لَا يَغْتَسِلُ، يَتَيَمَّمُ» (4). و مثلها صحيحة داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (5)، و قريب منهما صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (6).

و يدلّ عليه أيضاً صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام): «فِي الرَّجُلِ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فِي السَّفَرِ وَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مَاءٌ قَلِيلٌ، يَخَافُ إِنْ هُوَ اغْتَسَلَ أَنْ يَعْطَشَ، قَالَ: إِنْ خَافَ عَطَشاً فَلَا يُهْرِقْ مِنْهُ قَطْرَةً، وَ لْيَتَيَمَّمْ بِالصَّعِيدِ [فَإِنَّ الصَّعِيدَ] (7) أَحَبُّ إِلَيَّ» (8).

و حسنة محمّد بن سُكَين و غيره عنه (عليه السلام)؛ قال: «قِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَاناً أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَ هُوَ مَجْدُورٌ فَغَسَّلُوهُ فَمَاتَ، فَقَالَ: قَتَلُوهُ أَلَّا سَأَلُوا، أَلَّا يَمَّمُوا (9)؛ إِنَّ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ» (10).

و موثّقة سماعة عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَألْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَهُ الْمَاءُ فِي السَّفَرِ، فَيَخَافُ قِلَّتَهُ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ وَ يَسْتَبْقِي الْمَاءَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَهُمَا طَهُوراً؛ الْمَاءَ وَ الصَّعِيدَ» (11)، و غير ذلك من الأخبار.

____________

(1). النساء/ 43؛ المائدة/ 6.

(2). التهذيب، ج 1، ص 406، ح 13؛ الوسائل، ج 3، ص 388، ح 3945.

(3). المصدر: «يكون يخاف».

(4). التهذيب، ج 1، ص 196، ح 40؛ الوسائل، ج 3، ص 347، ح 3830.

(5). التهذيب، ج 1، ص 185، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 348، ح 3831.

(6). الفقيه، ج 1، ص 107، ح 217؛ الوسائل، ج 3، ص 348، ح 3834.

(7). ما بين المعقوفتين من المصدر.

(8). الكافي، ج 3، ص 65، ح 1؛ التهذيب، ج 1، ص 404، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 388، ح 3944.

(9). المصدر: «ألّا يمّموه».

(10). الكافي، ج 3، ص 68، ح 5؛ التهذيب، ج 1، ص 184، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 346، ح 3824. و رواه الصدوق مرسلًا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم). (الفقيه، ج 1، ص 107، ح 219)

(11). التهذيب، ج 1، ص 405، ح 12؛ الوسائل، ج 3، ص 388، ح 3946.

17

و يدلّ على جوازه مع الخوف على أخيه المسلم- مضافاً إلى ما مرّ- أنّ حفظ المسلم أهمّ في نظر الشارع من الصلاة فضلًا عن الوضوء لها، و لهذا يجب قطعها لحفظه عن العطب، و إن ضاق الوقت.

و ربّما يلحق به الخوف على الدوابّ، لأنّه خوف على المال، و معه يجوز التيمّم كما مرّ.

و فيه إشكال ينشأ من أنّ مطلق ذهاب المال غير مسوّغ له، و لهذا يجب صرف المال الكثير الذي لا يضرّ فوته في شراء الماء، و على هذا فلا يبعد القول بوجوب ذبح الدابّة و استعمال الماء سيّما إذا أمكن الانتفاع به بعد الذبح، لأنّه واجد غير مضطرّ إليه.

[رجوع المريض في معرفة التضرّر بالماء إلى الظنّ الحاصل له أو إخبار العارف به]

و يرجع المريض في معرفة التضرّر باستعمال الماء إلى الظنّ الحاصل من التجربة أو إخبار العارف و إن كان فاسقاً، إذ غاية ما يقيّد به الآية الشريفة اعتبار الظنّ بالضّرر، فيكفي حصوله بأيّ وجه اتّفق.

[لا فرق بين متعمّد الجنابة و غيره في جواز التيمّم لهما إذا تعذّر تحصيل الماء]

ثمّ إطلاق النصوص و كلام أكثر الأصحاب يقتضي عدم الفرق في هذا الحكم بين متعمّد الجنابة و غيره، و يؤيّده أنّ الجنابة على هذا التقدير غير محرّم إجماعاً كما نقله في المعتبر (1)، فلا يترتّب على فاعله عقوبة، و ارتكاب التغرير بالنفس عقوبة.

و قال الشيخان (2): إن أجنب نفسه مختاراً لم يجز له التيمّم و إن خاف التلف أو الزيادة في المرض.

و استدلّ عليه في الخلاف (3) بصحيحة عبد اللّه بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) في رجل تخوّف أن يغتسل فيصيبه عنت من الغسل؛ قال:

____________

(1). المعتبر، ج 1، ص 397.

(2). المقنعة، ص 60؛ الخلاف، ج 1، ص 156.

(3). الخلاف، ج 1، ص 157.

18

«يَغْتَسِلُ وَ إِنْ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ» (1).

و صحيحة محمّد بن مسلم عنه (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة؛ قال: «اغْتَسَلَ عَلَى مَا كَانَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْغُسْلِ» (2).

و الجواب أنّهما متروكتا الظاهر، إذ لا تقييد فيهما بتعمّد الجنابة، و لا قائل بمضمونهما على الإطلاق؛ فيجب حملهما على البرد القليل و المشقّة اليسيرة؛ فإنّ العقل قاض بوجوب دفع الضرر المظنون الذي لا يسهل تحمّله.

نعم، يمكن أن يستأنس لهما بمرفوعة علي بن أحمد عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَألْتُهُ عَنْ مَجْدُورٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، قَالَ: إِنْ كَانَ أَجْنَبَ هُوَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَ إِنْ كَانَ احْتَلَمَ فَلْيَتَيَمَّمْ» (3). و قريب منها مرفوعة علي بن إبراهيم (4)، لكنّهما ضعيفتا السند لا تصلحان لمعارضة الدليل القطعي و عموم نفي الحرج و العسر.

[اشتراط وجوب التيمّم بالتمكّن منه و اشتغال الذمّة بالعبادة]

و أمّا اشتراط وجوب التيمّم بالتمكّن منه فظاهر، لأنّه لولاه للزم تكليف ما لا يطاق؛ و على هذا فلو لم يتمكّن منه سقط عنه العبادة المشروطة به، لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط، و قد مرّ بيان ذلك في أوائل الكتاب.

و أمّا اشتراطه بشغل الذمّة بعبادة في الجملة فقد مرّ في مباحث الوضوء و الغسل ما يدلّ عليه.

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 198، ح 49؛ الاستبصار، ج 1، ص 162، ح 8؛ الوسائل، ج 3، ص 373، ح 3903.

(2). التهذيب، ج 1، ص 198، ح 50؛ الاستبصار، ج 1، ص 163، ح 9؛ الوسائل، ج 3، ص 374، ح 3904.

(3). الكافي، ج 3، ص 68، ح 3؛ التهذيب، ج 1، ص 198، ح 48؛ الاستبصار، ج 1، ص 162، ح 7؛ الوسائل، ج 3، ص 373، ح 3901. و رواه الصدوق مرسلًا (الفقيه، ج 1، ص 107، ح 220).

(4). الكافي، ج 3، ص 67، ح 2؛ التهذيب، ج 1، ص 197، ح 47؛ الاستبصار، ج 1، ص 162، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 373، ح 3902.

19

[وجوب التيمّم في جميع موارد وجوب الطهارة المائية باقتضاء البدليّة]

و أمّا وجوبه لما تجب له الطهارتان، فلتحقيق البدليّة المستفادة من الروايات السابقة، و لا غبار عليه بالنسبة إلى ما يتوقّف على مطلق الطهارة، و أمّا ما يتوقّف على نوع خاصّ منه- كالغسل في صوم الجنب مثلًا- فقد توقّف فيه بعضهم (1)، لعدم الملازمة بينهما، و الوجوب أظهر.

[قول فخر المحقّقين بعدم استباحة اللبث في المساجد و مسّ القرآن بالتيمّم للجنب و الرد عليه]

و منع فخر المحقّقين (2) من استباحة اللبث في المساجد بالتيمّم للجنب، مستدلّاً بقوله تعالى: «وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرٖي سَبيٖلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا» (3) حيث جعل نهاية التحريم الغسل؛ فلا يستباح بغيره و إلّا لم يكن الغاية غاية. و ألحق به مسّ كتابة القرآن، لعدم فرق الأمّة بينهما.

و لزمه عدم استباحة الطواف به أيضاً، لعدم كون الدخول للطواف عبوراً، بل قراءة العزائم أيضاً، لعدم حصول رفع الحدث به، و الحكم منوط بالجنب.

و يدفعه الأخبار السابقة حيث دلّت على عموم البدليّة و عدم الفرق بين العبادات. و أيضاً، فإنّ احترام المساجد إنّما هو لكونها مواضع الصلاة؛ فإذا أباح التيمّم الدخول فيها فليبح (4) الدخول فيها بطريق أولى.

و أيضاً، فإنّ أدلّة أفضليّة الصلاة في المسجد مطلقة. و أيضاً، فإنّه يلزم عدم وجوب الطواف على الجنب، أو عدم تحلّله حتّى يتمكّن من الغسل، و هو حرج منفيّ بالعقل و النقل.

[الاستدلال على وجوب التيمّم للمحتلم في المسجدين]

و أمّا وجوب التيمّم على المحتلم في أحد المسجدين فهو قول أكثر علمائنا، و يدلّ عليه صحيحة أبي حمزة الثمالي عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «قَالَ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ نَائِماً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ (صلى الله عليه و آله و سلم) فَاحْتَلَمَ فَأَصَابَتْهُ

____________

(1). المدارك، ج 1، ص 24.

(2). إيضاح الفوائد، ج 1، ص 66.

(3). النساء/ 43.

(4). «ج»: «أباح».

20

جَنَابَةٌ فَلْيَتَيَمَّمْ، وَ لَا يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا مُتَيَمِّماً» (1). و نقل عن ابن حمزة (2) القول بالاستحباب، و هو ضعيف.

[القول بوجوب التيمّم على الحائض في المسجدين و المناقشة فيه]

و ربّما يلحق به الحائض، لمرفوعة محمّد بن يحيى عن أبي حمزة عن الباقر (عليه السلام) حيث قال فيها بعد أن ذكر تيمّم المحتلم للخروج: «وَ كَذَلِكَ الْحَائِضُ إِذَا أَصَابَهَا الْحَيْضُ تَفْعَلُ ذَلِكَ» (3).

و أنكر في المعتبر (4) ذلكَ، لقطع الرواية، و لأنّه لا سبيل لها إلى الطهارة بخلاف الجنب، ثمّ حكم بالاستحباب. و كان وجهه تسامحهم في أدلّة السنن، و لا بأس به.

و أمّا وجوب التيمّم بالالتزام فلمثل ما مرّ في أخويه، و يشترط فيه ما اشترطنا فيهما من الرجحان.

[68]

[2]

مسألة [موارد استحباب التيمّم]

يستحبّ التيمّم في مواضع:

[التيمّم فيما يستحبّ فيه الطهارة المائية مع تعذّرها]

منها ما يستحبّ فيه إحدى الطهارتين المائيّتين مع تعذّرهما على الأظهر، لعموم البدليّة كما دلّ عليه بعض الأخبار السابقة. و قيل (5): بل يختصّ بما كان المبدل منه رافعاً أو مبيحاً، و أمّا ما عداه، فإن ورد به نصّ أو

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 407، ح 18؛ الوسائل، ج 2، ص 206، ح 1936.

(2). الوسيلة، ص 70.

(3). الكافي، ج 3، ص 73، ح 14؛ الوسائل، ج 2، ص 205، ح 1933.

(4). المعتبر، ج 1، ص 222.

(5). جامع المقاصد، ج 1، ص 79.

21

ذكره من يوثق به من الأصحاب- كالتيمّم بدلًا من وضوء الحائض للذكر- فكذلك، و إلّا فلا إلى أن يثبت بدليل (1).

[إجزاء كل الأغسال عن الوضوء

[] أقول: و على ما اخترناه من سقوط الوضوء مع جميع الأغسال لا يكون غسل غير رافع أو غير مبيح، و لا يرد علينا سقوط الوضوء مع التمكّن منه فيما إذا تيمّم بدلًا من غسل الجمعة مثلًا إذا لم يمكنه الغسل، لأنّ البدل لا يلزم أن يكون مثل المبدل في جميع الأحكام.

[إجزاء التيمّم بدل غسل الجنابة عن الوضوء إن كان بدلًا عن غسل الجنابة و الاستدلال عليه بالرواية]

إن قيل: فيلزمكم وجوب الوضوء مع التيمّم البدل عن غسل الجنابة إن يمكّن منه و إلّا فتيمّم آخر، قلنا: ذلك منفيّ بالنصّ في مثل ما رواه محمّد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام): «فِي رَجُلٍ أَجْنَبَ فِي سَفَرٍ وَ مَعَهُ مَاءٌ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَ لَا يَتَوَضَّأُ» (2).] (3)

[التيمّم لصلاة الجنازة]

و منها ما إذا أراد المحدث صلاةً على جنازةٍ- و لو كان الماء موجوداً- إجماعاً. قاله الشيخ (4).

و يدلّ عليه حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ تُدْرِكُهُ الْجِنَازَةُ وَ هُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؛ فَإِنْ ذَهَبَ يَتَوَضَّأُ فَاتَتْهُ الصَّلاةُ عَلَيْهَا، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَ يُصَلِّي» (5).

و موثّقة سماعة؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ وَ هُوَ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ (6)، قَالَ: يَضْرِبُ يَدَيْهِ عَلَى حَائِطِ اللَّبِنِ فَيَتَيَمَّمُ» (7).

____________

(1). في «ج» هنا زيادة «و لا يخلو من قوّة».

(2). التهذيب، ج 1، ص 405، ح 10؛ الوسائل، ج 3، ص 387، ح 3943.

(3). ما بين المعقوفتين ليس في «ج».

(4). الخلاف، ج 1، ص 724، المسألة 545.

(5). الكافي، ج 3، ص 178، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 111، ح 3163.

(6). الكافي: «على غير وضوء».

(7). التهذيب، ج 3، ص 203، ح 24؛ الكافي، ج 3، ص 178، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 111، ح 3162.

22

و قيّده في المعتبر (1) بما إذا خشي فوت الصلاة مع الطهارة المائية كما تضمّنته الرواية الأولى، و طعن في الإجماع بعدم ثبوته، و في الرواية الثانية بعدم صراحتها في الجواز مع وجود الماء. و هو المنقول عن ابن الجنيد (رحمه الله) (2)، و هو أحوط.

[التيمّم للنوم]

و منها ما إذا أراد النوم و لو مع وجود الماء. قاله الأصحاب، و لعلّ مستندهم ما رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «مَنْ تَطَهَّرَ ثُمَّ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ بَاتَ وَ فِرَاشُهُ كَمَسْجِدِهِ؛ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وُضُوءٍ فَلْيَتَيَمَّمْ مِنْ دِثَارِهِ» (3).

[تجديد التيمّم لكلّ صلاة حتّى يوجد الماء]

و منها تجديده بحسب الصلوات- قاله جماعة-، لصحيحة أبي همّام عن الرضا (عليه السلام)؛ قال: «يُتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يُوجَدَ الْمَاءُ» (4). و إنّما حمل على الاستحباب، للإجماع و الأخبار المستفيضة الدالّة على الاكتفاء بتيمّم واحد لصلوات متعدّدة كما مرّ بعضها و سيجيء طرف آخر، و حمْلها على التقيّة أيضاً ممكن. [التيمّم للحائض إذا أرادت الخروج من المسجدين]

و منها ما إذا أرادت الحائض الخروج من أحد المسجدين لما مرّ.

____________

(1). المعتبر، ج 1، ص 405.

(2). نقله عنه في المعتبر، ج 1، ص 404.

(3). الفقيه، ج 1، ص 469، ح 1350؛ الوسائل، ج 1، ص 378، ح 1001. و رواه الشيخ مرسلًا (التهذيب، ج 2، ص 116، ح 202).

(4). التهذيب، ج 1، ص 201، ح 57؛ الاستبصار، ج 1، ص 163، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 379، ح 3919.

23

[69]

[3]

مسألة [تعيين ما يصحّ التيمّم به]

[الأقوال في ما يصحّ التيمّم به]

اختلف الأصحاب في ما يتيمّم به، لاختلاف أهل اللغة في الصعيد؛ هل هو وجه الأرض أو التراب الخالص؟

فالأكثر على جوازه بما ليس تراب من الأرض كالحجر و الجصّ و النورة و نحوها، و يؤيّده بعض الروايات السابقة حيث عبّر عنه بالأرض.

لكن الأولى الاقتصار على المتيقّن كما ذهب إليه السيّد (رحمه الله) (1) و جماعة (2). و يؤيّده اشتراط العلوق- كما سيجيء- و قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَ تُرَابُهَا طَهُوراً» (3). قاله في معرض التسهيل و الامتنان، و لو كان غير التراب من أجزاء الأرض طهوراً لكان ذكر التراب لغواً و توسيطه في البين مخلّاً.

[جواز التيمّم بالتراب و مع فقده بالغبار و الطين]

و كيف كان فلا كلام لغير ابن الجنيد (4) في جوازه بغير التراب الصرف من أجزاء الأرض و غبار الثوب و نحوه، مع فقده أو عدم التمكّن من استعماله، لصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: أَ رَأَيْتَ الْمُوَاقِفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وُضُوءٍ كَيْفَ يَصْنَعُ وَ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّزُولِ؟ قَالَ: تَيَمَّمَ مِنْ لِبْدِ سَرْجِهِ أَوْ مَعْرَفَةِ دَابَّتِهِ؛ فَإِنَّ فِيهَا غُبَاراً، وَ يُصَلِّي» (5)، و المُواقف المحارب وزناً و معناً.

____________

(1). نقله عنه في المعتبر، ج 1، ص 372.

(2). منهم أبو الصلاح في الكافي في الفقه (ص 136).

(3). المعتبر، ج 1، ص 452؛ الوسائل، ج 5، ص 118، ح 6086.

(4). حيث اشترط علوق شيء من التراب بالكفّين كما يأتي.

(5). التهذيب، ج 1، ص 189، ح 18؛ الاستبصار، ج 1، ص 157، ح 5؛ الكافي، ج 3، ص 459، ح 6؛ الفقيه، ج 1، ص 466، ح 1345؛ الوسائل، ج 3، ص 353، ح 3846.

24

و صحيحة رفاعة عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ مُبْتَلَّةً لَيْسَ فِيهَا تُرَابٌ وَ لَا مَاءٌ، فَانْظُرْ مَوْضِعٍ تَجِدُهُ، فَتَيَمَّمْ مِنْهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ تَوْسِيعٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِي ثَلْجٍ فَلْيَنْظُرْ لِبْدَ سَرْجِهِ، فَلْيَتَيَمَّمْ مِنْ غُبَارِهِ أَوْ شَيْءٍ مُغْبَرٍّ، وَ إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ (1) لَا يَجِدُ إِلَّا الطِّينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَيَمَّمَ مِنْهُ» (2).

و موثّقة أبي بصير عنه (عليه السلام)؛ قال: «إِذَا كُنْتَ فِي حَالٍ لَا تَقْدِرُ إِلَّا عَلَى الطِّينِ فَتَيَمَّمْ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْعُذْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَكَ ثَوْبٌ جَافٌّ أَوْ لِبْدٌ تَقْدِرُ أَنْ تَنْفُضَهُ وَ تَتَيَمَّمَ بِهِ» (3). و قريب منها (4) موثّقة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (5).

و يستفاد من الروايات الأخيرة تقديم الغبار على الطين، و الظاهر أنّه متّفق عليه، و بعكسه رواية ضعيفة (6).

[القول بعدم دلالة الروايات على جواز التيمّم بأجزاء الأرض كالحجر و الرد عليه]

ثمّ لقائل أن يقول: هذه الروايات إنّما تدلّ على جواز التيمّم مع فقد التراب بالغبار و الطين، أمّا الحجر و نحوه من أجزاء الأرض فلا؛ فيجب إمّا القول بجوازه بالحجر مع وجود التراب أيضاً و تقديمه على الغبار و الطين- كما عليه الأكثر- نظراً إلى وقوع إطلاق الصعيد عليه، أو القول بعدم جوازه

____________

(1). المصدر: «في حالٍ».

(2). التهذيب، ج 1، ص 189، ح 20؛ الاستبصار، ج 1، ص 156، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 354، ح 3849.

(3). الكافي، ج 3، ص 67، ح 1؛ التهذيب، ج 1، ص 189، ح 17؛ الاستبصار، ج 1، ص 156، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 354، ح 3852.

(4). «م»: «قرب منها».

(5). التهذيب، ج 1، ص 189، ح 19؛ الوسائل، ج 3، ص 353، ح 3847.

(6). لعلّ مراد المصنّف هذه الرواية: عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام) قَالَ: قُلْتُ: رَجُلٌ دَخَلَ الْأَجَمَةَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ وَ فِيهَا طِينٌ، مَا يَصْنَعُ؟ قَالَ: يَتَيَمَّمُ؛ فَإِنَّهُ الصَّعِيدُ. قُلْتُ: فَإِنَّهُ رَاكِبٌ، وَ لَا يُمْكِنُهُ النُّزُولُ مِنْ خَوْفٍ، وَ لَيْسَ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ، قَالَ: إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ فَلْيَتَيَمَّمْ؛ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى اللِّبْدِ وَ الْبَرْذَعَةِ وَ يَتَيَمَّمُ وَ يُصَلِّي. (التهذيب، ج 1، ص 190، ح 21؛ الاستبصار، ج 1، ص 156، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 354، ح 3850)

25

عليه مطلقاً- كما هو ظاهر ابن الجنيد (1)- نظراً إلى عدم الإطلاق، أمّا التفصيل- كما ذهب إليه الشيخان (2) و جماعة (3)- فلا وجه له، اللّهمّ إلّا أن يقال: لا خلاف بين أهل اللغة في إطلاق الصعيد على التراب، و أمّا إطلاقه على الحجر فمختلف فيه، و مع وجود المتّفق عليه لا يعدل إلى المختلف فيه. و فيه ما فيه.

[عدم جواز التيمّم بغير الأرض و نقل الخلاف فيه]

ثمّ لا خلاف في عدم جوازه بغير الأرض مطلقاً إلّا من ابن أبي عقيل (4) حيث جوّز بكلّ ما كان من جنسها كالكحل و الزرنيخ، لأنّه يخرج منها، و من السيّد و ابن الجنيد (5) حيث جوّزا بالثلج مع فقد الغبار و الطين، و هما ضعيفان.

[القول بجواز التيمّم بالمعادن في محالّها و تأييده]

نعم، ربّما يفصل في الكحل و الزرنيخ و أمثالهما من المعادن تفصيلًا ذكره بعض العرفاء (6)، و هو أنّها إذا كانت في محالّها يجوز التيمّم بها لإطلاق اسم الأرض عليها حينئذٍ، و أمّا إذا نقلت عن مواضعها فلا، لعدم الإطلاق. و لا يخلو من قوّة.

و قال في المقنعة (7): «إن كان في أرض قد غطّاها الثلج و لا سبيل له إلى التراب فليكسره و ليتوضّأ به مثل الدهن». و مقتضاه أنّ الواجب الوضوء لا التيمّم، و يشكل بأنّه إن تحقّق به الغسل فلا وجه لتقديم التراب عليه، و إلّا لم يعتبر أصلًا.

____________

(1). نقله عنه في المختلف، ج 1، ص 420.

(2). المقنعة، ص 60؛ النهاية، ص 49.

(3). منهم ابن إدريس في السرائر (ج 1، ص 137)، و سلّار في المراسم (ص 53).

(4). نقله عنه في المعتبر، ج 1، ص 372.

(5). نقله عنهما في المعتبر، ج 1، ص 377.

(6). لم نعثر عليه. نعم نسب الوحيد البهبهاني في حاشيته على المدارك (ج 2، ص 102) هذا القول إلى بعض العلماء، فراجع.

(7). نقل المعتبر (ج 1، ص 378) هذه العبارة عن المقنعة، و توجد في المقنعة (ص 59) مع تفاوت.

26

[70]

[4]

مسألة [ما يجب في التيمّم]

يجب في التيمّم أمور:

[النيّة و الأقوال في كيفيّتها و محلّها]

منها النّية، و قد مرّ بيانها مستوفى. و في اعتبار نيّة البدليّة عن الوضوء أو الغسل فيما كان بدلًا عن أحدهما أقوال (1)؛ ثالثها اعتبار ذلك إن قلنا باختلاف الهيئتين و عدمه إن قلنا باتّحادهما. و الأظهر عدم اعتبارها مطلقاً، للأصل و صدق الامتثال بايجاد الماهية التي تعلّق بها الخطاب.

و محل النيّة عند الضرب على الأرض عند الأكثر، لأنّه أوّل أفعال التيمّم.

و جوّز العلّامة (رحمه الله) (2) تأخيرها إلى عند مسح الجبهة، تنزيلًا للضرب منزلة أخذ الماء للطهارة المائيّة، و لا يخلو من قوّة.

و لا يرد عليه ما قيل (3)- من أنّ الضرب هنا أحد الواجبات التي تعلّق بها الأمر كمسح الجبهة و اليدين، بخلاف أخذ الماء هناك؛ فإنّه إنّما يجب إذا توقّف الغسل عليه. و لهذا لو غمس الأعضاء المغسولة في الماء أجزأه، بخلاف مسح الأعضاء الممسوحة بالتراب؛ فإنّه غير مجزٍ قطعاً-، لجواز أن يكون الضرب واجباً خارجاً عن أفعال التيمّم.

و منها وضع اليدين معاً على الأرض باعتمادٍ مرّة واحدة، مطلقاً على

____________

(1). راجع: مفتاح الكرامة، ج 4، ص 426.

(2). نهاية الإحكام، ج 1، ص 204.

(3). المدارك، ج 2، ص 216.

27

[ضرب اليدين معاً على الأرض مرّة واحدة و الأقوال فيه]

الأظهر، وفاقاً للسيّد (1) و جماعة (2). و قيل (3): إن كان بدلًا عن الوضوء فمرّة و إن كان بدلًا عن الغسل فمرّتين؛ مرّة للوجه و مرّة لليدين، و هو المشهور. و قيل (4) مرّتين مطلقاً. و قيل (5) ثلاث مرّات.

[الروايات الدالّة على وجوب ضرب اليدين معاً على الأرض مرّة واحدة للتيمّم بدلًا عن الغسل و الوضوء]

لنا ظاهر الآية و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) ذَاتَ يَوْمٍ لِعَمَّارٍ فِي سَفَرٍ لَهُ: يَا عَمَّارُ، بَلَغَنَا أَنَّكَ أَجْنَبْتَ، فَكَيْفَ صَنَعْتَ؟ قَالَ:

تَمَرَّغْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي التُّرَابِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: كَذَلِكَ يَتَمَرَّغُ الْحِمَارُ، أَ فَلَا صَنَعْتَ كَذَا؟ ثُمَّ أَهْوَى بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى الصَّعِيدِ، ثُمَّ مَسَحَ جَبِينَهُ بِأَصَابِعِهِ وَ كَفَّيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ثُمَّ لَمْ يُعِدْ ذَلِكَ» (6).

و صحيحة داود بن النعمان عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ: إِنَّ عَمَّاراً أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، فَتَمَعَّكَ كَمَا تَتَمَعَّكُ الدَّابَّةُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم)- وَ هُوَ يَهْزَأُ بِهِ-: يَا عَمَّارُ، تَمَعَّكْتَ كَمَا تَتَمَعَّكُ الدَّابَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: فَكَيْفَ التَّيَمُّمُ؟

فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَ يَدَيْهِ فَوْقَ الْكَفِّ قَلِيلًا» (7).

و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ- وَ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ وَ مَا صَنَعَ عَمَّارٌ» ثمّ قال: «فَوَضَعَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) كَفَّيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَ كَفَّيْهِ وَ لَمْ يَمْسَحِ الذِّرَاعَيْنِ بِشَيْءٍ» (8).

____________

(1). جمل العلم و العمل، ص 52.

(2). نقله في المختلف (ج 1، ص 431) عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و المفيد في رسالته الغريّة.

(3). من القائلين: الصدوق (الفقيه، ج 1، ص 104)، و المفيد (المقنعة، ص 62)، و الشيخ الطوسي (المبسوط، ج 1، ص 33؛ النهاية، ص 49).

(4). نقله في المختلف (ج 1، ص 431) عن علي بن بابويه.

(5). حكاه في المعتبر (ج 1، ص 388) عن قوم منّا.

(6). الفقيه، ج 1، ص 104، ح 213؛ الوسائل، ج 3، ص 360، ح 3868.

(7). التهذيب، ج 1، ص 207، ح 1؛ الاستبصار، ج 1، ص 170، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 359، ح 3864.

(8). التهذيب، ج 1، ص 208، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 359، ح 3865.

28

و حسنة أبي أيّوب الخزّاز عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ:

إِنَّ عَمَّاراً أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ»- إلى أن قال- «فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ التَّيَمُّمُ؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمِسْحِ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَمَسَحَ وَجْهَهُ، ثُمَّ مَسَحَ فَوْقَ الْكَفِّ قَلِيلًا» (1).

و حسنة الكاهلي؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْبِسَاطِ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ مَسَحَ كَفَّيْهِ؛ إِحْدَاهُمَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى» (2).

و موثّقة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا فَنَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا جَبْهَتَهُ وَ كَفَّيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» (3).

[الاستدلال بالروايات على وجوب ضرب اليدين على الأرض مرّتين للتيمّم بدلًا عن الغسل، و مرّة واحدة بدلًا عن الوضوء و الرد عليه]

احتجّوا على التفصيل بأنّه جمع بين هذه الأخبار و الأخبار الدالّة على المرّتين كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ لِلْوَجْهِ وَ الْيَدَيْنِ» (4)، و صحيحة إسماعيل بن همّام عن الرضا (عليه السلام) قال: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَ ضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ» (5).

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 62، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 358، ح 3862.

(2). الكافي، ج 3، ص 62، ح 3؛ التهذيب، ج 1، ص 207، ح 3؛ الاستبصار، ج 1، ص 170، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 358، ح 3861.

(3). التهذيب، ج 1، ص 207، ح 4؛ الاستبصار، ج 1، ص 170، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 359، ح 3863.

(4). التهذيب، ج 1، ص 210، ح 13؛ الاستبصار، ج 1، ص 172، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 361، ح 3870.

(5). التهذيب، ج 1، ص 210، ح 12؛ الاستبصار، ج 1، ص 171، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 361، ح 3872.

29

قالوا: و يدلّ على هذا الجمع صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ:

كَيْفَ التَّيَمُّمُ؟ قَالَ: هُوَ ضَرْبٌ وَاحِدٌ لِلْوُضُوءِ وَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ؛ تَضْرِبُ بِيَدَيْكَ (1) ثُمَّ تَنْفُضُهُمَا؛ مَرّةً (2) لِلْوَجْهِ وَ مَرَّةً لِلْيَدَيْنِ، وَ مَتَى أَصَبْتَ الْمَاءَ فَعَلَيْكَ الْغُسْلُ إِنْ كُنْتَ جُنُباً، وَ الْوُضُوءُ إِنْ لَمْ تَكُنْ جُنُباً» (3) على أن يكون قوله: «وَ الْغُسْل» فيه مرفوعاً و يكون قد تمّ الكلام بقوله: «ضَرْبٌ وَاحِدٌ لِلْوُضُوءِ».

و صحيحة محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَ بِهَا مِرْفَقَهُ إِلَى أَطْرَافِ الأَصَابِعِ؛ وَاحِدَةً عَلَى ظَهْرِهَا وَ وَاحِدَةً عَلَى بَطْنِهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَمِينِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ صَنَعَ بِشِمَالِهِ كَمَا صَنَعَ بِيَمِينِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا التَّيَمُّمُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ الْغسْلُ، وَ فِي الْوُضُوءِ (4)؛ الْوَجْهَ وَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَ أُلْقِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَسْحٌ؛ الرَّأْسَ وَ الْقَدَمَيْنِ، فَلَا يُؤَمَّمُ بِالصَّعِيدِ» (5).

و أيضاً فإنّ وجوب الاستيعاب في الغسل يناسب كثرة الضربات، و عدم استيعابه في الوضوء يناسب وحدتها.

قلت: لا يخفى ما في هذا الجمع و الاستدلال؛ أمّا أوّلًا، فلأنّ كلّاً من الأخبار المتضمّنة للضربة و الضربتين واردة في مقام البيان عند السؤال عن كيفيّة التيمّم، المتناول لما كان بدلًا من الوضوء و بدلًا من الغسل، فحملها على بعض أفراده يجري مجرى الإخبار بالخاص عن العام، و أنّه غير جائز.

و أمّا ثانياً، فلأنّ مقتضى الأخبار الواردة في قضيّة عمّار إجزاء المرّة الواحدة في التيمّم من الجنابة، و ذلك ممّا ينقض هذا الجمع.

و أمّا ثالثاً، فلأنّ الروايتين لا دلالة لهما على هذا الجمع؛ أمّا رواية زرارة فلأنّ المتبادر منها كون الغسل معطوفاً على الوضوء، و المراد أنّ التيمّم نوع واحد للوضوء و الغسل، و صورته ما بيّنه (عليه السلام) بقوله: «تَضْرِبُ» إلى آخره. و أمّا رواية ابن مسلم (6) فالظاهر منها اعتبار الثلاث مطلقاً؛ فهي مستند القول

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 210، ح 12؛ الاستبصار، ج 1، ص 171، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 361، ح 3872.

(2). المصدر: «تضرب بيديكَ مرّتين».

(3). المصدر: «نفضةً».

(4). التهذيب، ج 1، ص 210، ح 14؛ الاستبصار، ج 1، ص 172، ح 7؛ الوسائل، ج 3، ص 361، ح 3873.

(5). يأتي فيما بعد كلامٌ عن الشيخ البهائي في بيان الرواية.

(6). التهذيب، ج 1، ص 210، ح 15؛ الاستبصار، ج 1، ص 172، ح 8؛ الوسائل، ج 3، ص 362، ح 3874.

30

الرابع مع أنّها محمولة على التقيّة، لمعارضتها الأخبار المستفيضة من حيث تضمّنها استيعاب مسح الوجه و اليدين.

على أنّ الظاهر بعد إمعان النظر فيها ما أفاده شيخنا الفاضل المعاصر (1) سلّمه اللّه من أنّ الغسل في قوله (عليه السلام): «هَذَا التَّيَمُّمُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ الْغسْلُ» إنّما هو بفتح الغين لا بضمّها، أي: التيمّم واقع على الأعضاء التي فيها الغَسل، و أنّ إلحاق الواو بعده لعلّه وقع من بعض الناسخين، و قوله: «فِي الْوُضُوءِ» متعلّق بالغسل، و الوجه و اليدين بدل من الموصول، و قوله (عليه السلام): «عَلَى مَا كَانَ فِيهِ الْغسْلُ» و «مَا كَانَ عَلَيْهِ مَسْحٌ» على وَتيرة واحدة. و على هذا يسلم متن الحديث ممّا يلوح من الخلل الذي غير خفيّ على المتأمّل فيه.

و لعلّ الباعث لذلك الناسخ على إلحاق هذا الواو أنّه قرأ «الغسل» بضمّ الغين فوجد الكلام غير منتظم بدون توسّط الواو، فألحقه.

و أمّا حكاية مناسبة تعدّد الضربات للغسل و وحدتها للوضوء فمن قبيل الخطابيّات الشعريّة، و هي لا يصلح لتأسيس الأحكام الشرعيّة.

و مما ينقض هذا التفصيل و الجمع و يؤيّد ما قلناه- مضافاً إلى ما مرّ- موثّقة الساباطي عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ التَّيَمُّمِ مِنَ الْوُضُوءِ وَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ مِنَ الْحَيْضِ لِلنِّسَاءِ سَوَاءٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» (2).

[الاستدلال على وجوب ضرب اليدين مرّتين للتيمّم بدلًا عن الغسل و الوضوء و الرد عليه]

احتجّوا على القول الثالث بالروايات المتضمّنة للمرّتين كما مرّت. و الجواب أنّها محمولة على الاستحباب- كما قاله السيّد (رحمه الله) (3)- أو التخيير- كما احتمله الشهيد (4) طاب ثراه- جمعاً بين الأدلّة. كذا قيل (5).

____________

(1). الحبل المتين، ص 87.

(2). الفقيه، ج 1، ص 107، ح 216؛ التهذيب، ج 1، ص 212، ح 20؛ الوسائل، ج 3، ص 362، ح 3875.

(3). نقله عنه في المعتبر، ج 1، ص 388.

(4). الذكرى، ج 2، ص 262.

(5). الذكرى، ج 2، ص 262.

31

و أقول: الأولى أن يحمل أخبار المرّتين على ما إذا لم يبق في اليد تراب للكفّين، و أخبار المرّة على ما إذا بقي، بناءً على ما هو التحقيق من اشتراط العلوق كما يأتي. و بهذا يحسن الجمع بين الأخبار و تتلاءم، و مع ذلك فالأحوط أن لا يترك المرّتان في الطهارتين بحالٍ، لصحّة المستند و صراحته.

و ما قيل (1) من احتمال فوات الموالاة بالضربة الثانية لو قلنا بالمرّة فضعيف، لأنّ ذلك غير قادح في تحقّقها لو ثبت اعتبارها.

[المسح بعلوق التراب و الاستدلال عليه بالرواية]

و منها علوق شيء من التراب بالكفّين ليمسح به، وفاقاً لابن الجنيد (رحمه الله) (2) و جماعة (3) و خلافاً للأكثر.

لنا ظهور «مِن» في الآية في التبعيض كما يدّعيه صاحب الكشّاف (4)، و كلامه في مثله مقبول. و ما قيل (5)- من أنّه على هذا التقدير أيضاً لا دلالة فيها على الاشتراط، لأنّ المعنى: فامسحوا ببعض الصعيد بأن تضعوا أيديكم على بعضه ثمّ تمسحوا الوجه و اليدين- يأباه كون الظاهر وقوع المسح به دون الضرب.

و لنا صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) حيث قال: «فَلَمَّا أَنْ وَضَعَ الْوُضُوءَ عَمَّنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَثْبَتَ بَعْضَ الْغَسْلِ مَسْحاً، لِأَنَّهُ قَالَ: «بِوُجُوهِكُم»، ثُمَّ وَصَلَ بِهَا

____________

(1). روض الجنان، ج 1، ص 341.

(2). نقله في المختلف (ج 1، ص 430) عن ظاهر كلامه.

(3). منهم الشيخ البهائى في الحبل المتين، ص 88.

(4). تفسير الكشاف، ج 1، ص 515.

(5). زبدة البيان، ص 19.

32

«وَ أَيْديٖكُمْ مِنْهُ» أَيْ: مِنْ ذَلِكَ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ أَجْمَعَ لَا يَجْرِي عَلَى الْوَجْهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَقُ مِنْ ذَلِكَ الصَّعِيدِ بِبَعْضِ الْكَفِّ، وَ لَا يَعْلَقُ بِبَعْضِهَا» (1)؛ فإنّ المراد بالتيمّم، المتيمّم به- أي الصعيد- لا المعنى المصدري، و دلالته على اشتراط العلوق ظاهر للعارف بأساليب الكلام (2).

[الاستدلال على عدم وجوب المسح بعلوق التراب و الرد عليه]

احتجّوا على عدم الاشتراط باستحباب نفض اليدين بعد الضرب- كما نطقت به الأخبار-، و لو كان علوق التراب معتبراً لما أمر الشارع بفعل ما هو عرضة لزواله، و بأنّ الاشتراط مناف لجواز التيمّم بالحجر، و بأنّه مناف للاكتفاء بالضربة الواحدة إذ الغالب عدم بقاء الغبار من الضربة الواحدة لليدين.

و الجواب أمّا عن الأوّل فبأنّ استحباب النفض لا ينافي العلوق، بل تحقّقه؛ فإنّ جميع التراب لا يذهب بالنفض بل يبقىٰ منه شيء، و لعلّ النفض لتقليل ما يوجب تشويه الوجه.

و أمّا عن الثاني فبالمنع من جواز التيمّم على الحجر. و أمّا عن الثالث فبالتزام وجوب الضربتين على تقدير عدم بقاء الغبار كما أشرنا إليه. و ربّما يجاب بالاكتفاء بالعلوق الابتدائي (3).

[مسح الجبهة من قصاص الشعر إلى طرف الأنف و نقل الأقوال فيه و في كيفيّته]

و منها مسح الجبهة من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف الأعلى وفاقاً للأكثر. و قيل (4): و الحاجبين أيضاً، و قيل (5): تمام الوجه.

لنا قوله تعالى: «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ» (6)، و الباء للتبعيض بالنصّ

____________

(1). الاستبصار، ج 1، ص 62، ح 5؛ الفقيه، ج 1، ص 103، ح 212؛ الكافي، ج 3، ص 30، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 364، ح 3878.

(2). العبارة في «ج» هكذا: «فإنّ الظاهر أنّ المراد بالتيمّم، المتيمّم به- أي الصعيد العالق بالكفّ-، إذ الإشارة في قوله (عليه السلام): «لأنّه علم أنّ ذلكَ» إنّما هي إلى التيمّم بهذا المعنى لا بمعنى الصعيد المضروب عليه، و لا بالمعنى المصدري كما لا يخفى، و أيضاً، فإنّ في قوله (عليه السلام): «لأنّه يعلق من ذلكَ الصعيد ببعض الكفّ و لا يعلق ببعضها» نوع إيماء إلى ذلكَ كما هو ظاهر للعارف بأساليب الكلام».

(3). «ج»: «... كما أشرنا إليه، أو الاكتفاء بالعلوق الابتدائي».

(4). الفقيه، ج 1، ص 104.

(5). نقله في المختلف (ج 1، ص 426) عن علي بن بابويه.

(6). النساء/ 43؛ المائدة/ 6.

33

الصحيح عن الباقر (عليه السلام) كما مرّ. و لنا الأخبار المستفيضة المتضمّنة لمسح الجبهة و الجبينين، و قد مرّ أكثرها.

احتجّوا على وجوب الاستيعاب بالأخبار المتضمّنة للوجه كما مرّت، و أجيب عنها (1) بالحمل على الاستحباب أو على أنّ المراد بمسح الوجه مسح بعضه.

و قال في المعتبر (2): «و الجواب الحقّ العمل بالخبرين، فيكون مخيّراً بين مسح تمام الوجه و بعضه، لكن لا تقتصر على أقلّ من الجبهة»، و هو بعيد.

و أمّا مسح الحاجبين فلم أقف على مستنده.

ثمّ اعتبر الأكثر كون المسح بباطن الكفّين معاً. و نقل عن ابن الجنيد (3) الاجتزاء باليد اليمنى، لصدق المسح، و في صحيحة زرارة: «أَنَّ النَّبِيَّ مَسَحَ جَبِينَهُ (4) بِأَصَابِعِهِ» (5). و الأولى المسح بمجموع الكفّين.

[مسح ظاهر الكفّين من الزند إلى أطراف الأصابع و نقل الأقوال فيه]

و منها مسح ظاهر الكفّين من الزندين إلى أطراف الأصابع وفاقاً للأكثر. و قيل (6): من أصول الأصابع إلى رءوسها، و قيل (7): من المرفقين إلى أطراف

____________

(1). المدارك، ج 2، ص 221.

(2). المعتبر، ج 1، ص 386.

(3). نقله عنه في المختلف، ج 1، ص 434.

(4). المصدر: «جبينيه».

(5). الفقيه، ج 1، ص 104، ح 213؛ الوسائل، ج 3، ص 360، ح 3868.

(6). نسبه في السرائر (ج 1، ص 137) إلى بعض الأصحاب.

(7). نقله في المعتبر (ج 1، ص 386) عن علي بن بابويه.

34

الأصابع (1).

لنا قوله تعالى: «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْديٖكُمْ» (2)، و الباء للتبعيض كما بيّناه. و لنا الأخبار المستفيضة المتضمّنة لمسح الكفّين مع تأكّد بعضها بعدم مسح الذراعين كما مرّت.

و أمّا ما في صحيحة داود بن النعمان و حسنة الخزّاز من مسح الصادق (عليه السلام) يديه فوق الكفّ قليلًا، فهو من باب المقدّمة، و ما لا تقييد فيه بالظهر محمول على المقيّد به، حملًا للمطلق على المقيّد.

احتجّوا على الاستيعاب بصحيحة محمّد بن مسلم- المتضمّنة لمسح المرفقين- المتقدّمة و موثّقة سماعة؛ قال: «سَأَلتُهُ كَيْفَ التَّيَمُّمُ؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» (3).

و رواية ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) في التيمّم؛ قال: «تَضْرِبُ بِكَفَّيْكَ الْأَرْضَ (4) مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ تَنْفُضُهُمَا وَ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَ ذِرَاعَيْكَ» (5).

و قد مرّ الجواب عن الرواية الأولى بأنّها محمولة على التقيّة. و بمثله يجاب عن الأخيرتين، مع قصورهما عن معارضة الصحاح المستفيضة.

و قال في المعتبر (6): «الحقّ عندي أنّ مسح ظاهر الكفّين لازم، و لو مسح الذراعين جاز أيضاً عملًا بالأخبار كلّها، لكنّ الكفّين على الوجوب و ما زاد على الجواز، لأنّه أخذ بالمتيقّن». و ليس بشيء (7).

احتجّ الآخرون بمرسلة حمّاد بن عيسى عن الصادق (عليه السلام): «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ

____________

(1). نقله في المعتبر (ج 1، ص 386) عن علي بن بابويه.

(2). النساء/ 43؛ المائدة/ 6.

(3). التهذيب، ج 1، ص 208، ح 5؛ الاستبصار، ج 1، ص 170، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 365، ح 3880.

(4). المصدر: «على الأرض».

(5). التهذيب، ج 1، ص 209، ح 11؛ الاستبصار، ج 1، ص 171، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 361، ح 3871.

(6). المعتبر، ج 1، ص 387.

(7). في «ج» جاء «انتهى» بدل «ليس بشيء».

35

التَّيَمُّمِ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: «وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا» (1)، وَ قَالَ:

«فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ» (2)، وَ قَالَ: وَ امْسَحْ عَلَى كَفَّيْكَ مِنْ حَيْثُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ» (3)، و موضع القطع من أصول الأصابع إجماعاً. و الجواب أنّها ضعيفة بالإرسال و معارضة للصحاح المستفيضة؛ فيجب طرحها.

[مراعاة الترتيب بين أجزاء التيمّم]

و منها الترتيب بأن يبدأ بالضرب على الأرض ثمّ مسح الوجه ثمّ اليد اليمنى ثمّ اليسرى. و وجوبه مجمع عليه بين الأصحاب. قاله في التذكرة (4) و المنتهى (5). و استدلّوا عليه بوجوه ضعيفة، و الاعتماد على الإجماع و ظاهر النصوص.

قال السيّد (رحمه الله) (6): «كلّ من أوجب الترتيب في المائيّة أوجبه هنا، فالتفرقة منتفية بالإجماع، و قد ثبت وجوبه هناك، فثبت هنا».

[وجوب مباشرة المتيمّم بنفسه للتيمّم]

و منها المباشرة بنفسه، لأنّها الظاهرة من اللفظ. قالوا (7): «و يجب الاستنابة عند الضرورة في الأفعال؛ فيضرب المُعين بيدي العليل إن أمكن، و إلّا فبيدي نفسه».

[وجوب الموالاة في التيمّم]

و منها الموالاة، و الظاهر أنّه لا خلاف فيه. و استدلّوا عليه بوجوه ضعيفة، و لا ريب أنّه أحوط.

____________

(1). المائدة/ 38.

(2). المائدة/ 6.

(3). التهذيب، ج 1، ص 207، ح 2؛ الكافي، ج 3، ص 62، ح 2؛ الاستبصار، ج 1، ص 170، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 365، ح 3879.

(4). التذكرة، ج 2، ص 196.

(5). المنتهى، ج 3، ص 97.

(6). نقله عنه في المعتبر، ج 1، ص 393.

(7). المدارك، ج 2، ص 227.

36

[وجوب طهارة التراب و إباحته]

و منها طهارة التراب، لقوله تعالى: «صَعيٖداً طَيِّباً» (1)، و الطيّب هو الطاهر. كذا قالوه (2). و منها إباحته، للنهي عن الغصب المقتضي للفساد. كذا قيل (3).

[وجوب طهارة مواضع المسح و سقوطها عند التعذّر]

و منها طهارة مواضع المسح. قاله جماعة (4)، و الأصل ينفيه، لكن الاحتياط يقتضيه. و لو تعذّرت الإزالة سقط اعتبارها قطعاً و وجب التيمّم و إن تعدّت النجاسة إلى التراب. و لو كانت حائلة بين الماسح و الممسوح وجب الإزالة مع الإمكان.

[71]

[5]

مسألة [ما يستحب في التيمّم]

يستحبّ في التيمّم أمور:

[استحباب التسمية و تفريج الأصابع و نفض اليدين و ضرب اليدين مرّتين في التيمّم]

منها التسمية. قاله جماعة (5)، و لا بأس به، لعموم استحباب البدأة بها في الأمور، سيّما و هو بدل ممّا يستحبّ فيه بخصوصه.

و منها تفريج الأصابع عند الضرب- قاله الأصحاب (6)- ليتمكّن اليد من الصعيد.

____________

(1). النساء/ 43؛ المائدة/ 6.

(2). المنتهى، ج 3، ص 78.

(3). مجمع الفائدة و البرهان، ج 1، ص 221. «كذا قيل» ليس في «ج».

(4). منهم الشهيد الأوّل في الذكرى، ج 2، ص 267.

(5). منهم الشهيد الأوّل في الذكرى، ج 2، ص 270.

(6). منهم العلّامة في التذكرة (ج 2، ص 196)، و الشهيد الأوّل في الذكرى (ج 2، ص 270).

37

و منها نفض اليدين إجماعاً، لما مرّ. و منها تكرار الضرب مرّتين، لما مرّ.

[استحباب استيعاب الأعضاء بالمسح و المناقشة فيه]

و منها استيعاب الأعضاء بالمسح كما قاله المحقّق (1) و جماعة (2)، و لكنّه غير مشهور في العمل؛ فتركه أولى.

[استحباب التيمّم بعوالي الأرض]

و منها أن يتيمّم من رُبَى الأرض و عواليها- قاله جماعة (3)-، لأنّها أبعد عن ملاقاة النجاسة من المهابط، و لرواية غياث بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال:

«نَهَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنْ يَتَيَمَّمَ الرَّجُلُ بِتُرَابٍ مِنْ أَثَرِ الطَّرِيقِ» (4).

[استحباب ترك التيمّم بالرمل و التأمل فيه]

و منها أن لا يتيمّم بالرمل. قاله الأصحاب (5)، و لعلّ مستندهم صحيحة محمّد بن الحسين عن الهادي (عليه السلام) (6) أنّه كتب إلى بعض أصحابه: «لَا تُصَلِّ عَلَى الزُّجَاجِ وَ إِنْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أَنَّهُ مِمَّا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، وَ لَكِنَّهُ مِنَ الْمِلْحِ وَ الرَّمْلِ، وَ هُمَا مَمْسُوخَانِ» (7) حيث حكم بكونه ممسوخاً؛ فتأمّل.

____________

(1). قال في الشرائع (ج 1، ص 41): «و يجب استيعاب مواضع المسح في التيمّم»، و قال في المعتبر (ج 1، ص 389): «لو أغفل لمعة من محلّ المسح لم يجزه».

(2). قال العلّامة في المنتهى (ج 3، ص 95) بوجوب استيعاب مواضع المسح.

(3). منهم المحقّق في الشرائع، ج 1، ص 40.

(4). الكافي، ج 3، ص 62، ح 6؛ التهذيب، ج 1، ص 187، ح 12؛ الوسائل، ج 3، ص 349، ح 3837.

(5). في المعتبر (ج 1، ص 374) و المنتهى (ج 3، ص 59) جواز التيمّم بالرمل مع كراهيّة فيه.

(6). في المصدر عن «أبي الحسن الماضي».

(7). الكافي، ج 3، ص 332، ح 14؛ التهذيب، ج 2، ص 304، ح 87؛ الوسائل، ج 5، ص 360، ح 6792.

38

[72]

[6]

مسألة [حكم التيمّم للفريضة قبل وقتها]

[عدم جواز التيمّم للفريضة الموقّتة قبل وقتها]

أجمع الأصحاب على عدم جواز التيمّم للفريضة الموقّتة قبل دخول وقتها كما أجمعوا على وجوبه مع تضيّقه و لو ظنّاً على ما قالوه.

[الأقوال في جواز التيمّم و عدمه للفريضة الموسّعة]

و اختلفوا في جوازه مع السعة على ثلاثة أقوال (1)؛ ثالثها الجواز إذا لم يكن العذر مرجوّ الزوال. و الأصحّ الأوّل وفاقاً للصدوق (2) و جماعة (3). نعم، يستحبّ التأخير لراجي الزوال.

[الاستدلال على جواز التيمّم للفريضة الموسّعة و لو في أوّل وقتها]

لنا الأصل و عموم أفضليّة أوّل الوقت و إطلاق الآية؛ فإنّها يتضمّن إيجاب التيمّم عند مطلق القيام إلى الصلاة إذا لم يجد ماء، و التقييد بآخر الوقت خلاف الظاهر منها.

و لنا الأخبار المستفيضة الدالّة على عدم وجوب إعادة الصلاة على المتيمّم إذا وجد الماء في الوقت كصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ

____________

(1). قال في المدارك (ج 2، ص: 209): «ذهب الشيخ، و السيّد المرتضى، و جمع من الأصحاب إلى أنّه لا يصحّ إلّا في آخر الوقت، و نقل عليه السيّد الإجماع في الناصريّة و الانتصار. و ذهب الصدوق (رحمه الله) إلى جوازه في أوّل الوقت، و قوّاه في المنتهى، و استقربه في البيان. و قال ابن الجنيد: إن وقع اليقين بفوت الماء آخر الوقت أو غلب الظن، فالتيمّم في أوّل الوقت أحبّ إليّ. و استجوده المصنف (رحمه الله) في المعتبر، و اختاره العلّامة (رحمه الله) في أكثر كتبه».

(2). قال في الهداية (ص 87): «من كان جنباً أو على غير وضوءٍ و وجبت الصلاة و لم يجد الماء فليتيمّم»، و لم يذكر التأخير، و لكن قال في المقنع (ص 25): «اعلم أنّه لا يتيمّم الرجل حتّى يكون في آخر الوقت».

(3). منهم المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان، ج 1، ص 223.

39

أَصَابَ الْمَاءَ وَ قَدْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ وَ هُوَ فِي وَقْتٍ، قَالَ: تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ» (1).

و موثّقة يعقوب بن سالم عن الصادق (عليه السلام): «فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ وَ صَلَّى وَ أَصَابَ الْمَاءَ وَ هُوَ فِي وَقْتٍ، قَالَ: قَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ وَ لْيَتَطَهَّرْ» (2)، و غيرهما من الأخبار، و هي كثيرة.

و يؤيّد ذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال: «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَيَمَّمْتُ وَ صَلَّيْتُ» (3)، و هو نصّ في المطلوب.

[الاستدلال على وجوب التيمّم للفريضة الموسّعة في آخر وقتها و الرد عليه]

احتجّوا على إطلاق المنع بالإجماع و صحيحة محمّد بن مسلم؛ قال:

«سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا لَمْ تَجِدْ مَاءً وَ أَرَدْتَ التَّيَمُّمَ، فَأَخِّرِ التَّيَمُّمَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ؛ فَإِنْ فَاتَكَ الْمَاءُ لَمْ تَفُتْكَ الْأَرْضُ» (4).

و حسنة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ فَلْيَطْلُبْ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ (5) خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوَقْتُ فَلْيَتَيَمَّمْ وَ لْيُصَلِّ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَ لْيَتَوَضَّأْ لِمَا يَسْتَقْبِلُ» (6).

و رواية محمّد بن حُمران عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ» (7).

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 194، ح 36؛ الاستبصار، ج 1، ص 160، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 368، ح 3889.

(2). الاستبصار، ج 1، ص 160، ح 6؛ التهذيب، ج 1، ص 195، ح 37؛ الوسائل، ج 3، ص 370، ح 3894.

(3). عوالي اللآلي، ج 2، ص 208، ح 130؛ مستدرك الوسائل، ج 2، ص 530، ح 2639.

(4). الكافي، ج 3، ص 63، ح 1؛ الاستبصار، ج 1، ص 165، ح 1؛ التهذيب، ج 1، ص 203، ح 62؛ الوسائل، ج 3، ص 384، ح 3929.

(5). المصدر: «فإذا».

(6). الكافي، ج 3، ص 63، ح 2؛ التهذيب، ج 1، ص 192، ح 29؛ الاستبصار، ج 1، ص 165، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 366، ح 3883.

(7). التهذيب، ج 1، ص 203، ح 64؛ الاستبصار، ج 1، ص 166، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 385، ح 3933.

40

و الجواب، أمّا عن الإجماع فبالمنع منه في موضع النزاع، و أمّا عن الروايتين الأوليين فبأنّ قوله (عليه السلام): «فَإِنْ فَاتَكَ الْمَاءُ لَمْ تَفُتْكَ الْأَرْضُ» تقتضي الشك في الفوات، و كذا أمره (عليه السلام) بطلب الماء ما دام في الوقت يشعر برجاء حصوله فيه و إلّا لكان عبثاً؛ فلا يتمّ الاحتجاج بهما على اعتبار التضيّق مطلقاً.

مع أنّهما قاصرة من حيث السند عن إثبات حكم مخالف للأصل و إطلاق القرآن و الأخبار المستفيضة بإضمار الأولى و عدم بلوغ الثانية مرتبة الصحيح؛ فيجب حملهما على الاستحباب.

و أمّا عن الثالثة فبأنّها مع تسليم سندها ظاهرة في الكراهة كما يشعر به لفظة «لَيْسَ يَنْبَغِي»؛ فهي ممّا يؤيّد حمل الأوليين على الاستحباب. و قد ظهر من هذا حجّة القول بالتفصيل مع الجواب عنها، و سبيل الاحتياط واضح.

[73]

[7]

مسألة [حكم من وجد الماء بعد أداء الصلاة بالتيمّم]

[الأقوال في حكم من وجد الماء بعد أداء الصلاة بالتيمّم]

الأكثر على أنّ من تيمّم تيمّماً صحيحاً و صلّى ثمّ تمكّن من الماء لا يجب عليه الإعادة، سواء كان الوقت باقياً أم لا. و قيل (1): بل تجب الإعادة مع بقاء الوقت. و قيل (2): تجب على من تعمّد الجنابة و خشي على نفسه من استعمال الماء.

و قيل (3): تجب على من منعه زحام الجمعة عن الخروج فتيمّم لذلك.

____________

(1). نقله في الذكرى (ج 2، ص 273) عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل.

(2). النهاية، ص 46؛ المبسوط، ج 1، ص 30.

(3). المبسوط، ج 1، ص 31.

41

و قيل (1): تجب على من كان على ثوبه نجاسة و لم يكن معه ماء لإزالتها فصلّى فيه بالتيمّم.

و قيل (2): تجب على من صبّ الماء بعد دخول الوقت فصلّى بالتيمّم. و قيل (3): تجب على الحاضر إذا تيمّم لفقد الماء. و الأصحّ الأوّل.

[الاستدلال على عدم وجوب إعادة الصلاة لمن وجد الماء بعد أدائها بالتيمّم]

لنا أنّه صلّى صلاة مأموراً بها، و الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء. و لنا الأخبار الصحيحة المستفيضة كصحيحة زرارة و حسنته و موثّقة يعقوب بن سالم المتقدّمة، و صحيحة محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَجْنَبَ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَ صَلَّى ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، فَقَالَ: لَا يُعِيدُ؛ إِنَّ رَبَّ الْمَاءِ رَبُّ الصَّعِيدِ، فَقَدْ فَعَلَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ» (4).

و صحيحة العيص عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنْ رَجُلٍ يَأْتِي الْمَاءَ، وَ هُوَ جُنُبٌ وَ قَدْ صَلَّى، قَالَ: يَغْتَسِلُ وَ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ» (5).

و صحيحة عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَجِدِ

____________

(1). النهاية، ص 55؛ المبسوط، ج 1، ص 35.

(2). القواعد، ج 1، ص 236.

(3). نقله في المعتبر (ج 1، ص 365) عن علم الهدى في شرح الرسالة.

(4). الاستبصار، ج 1، ص 161، ح 2؛ التهذيب، ج 1، ص 197، ح 45؛ الوسائل، ج 3، ص 370، ح 3895.

(5). التهذيب، ج 1، ص 197، ح 43؛ الاستبصار، ج 1، ص 161، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 370، ح 3896.

42

الرَّجُلُ طَهُوراً وَ كَانَ جُنُباً فَلْيَتَمَسَّحْ (1) مِنَ الْأَرْضِ وَ لْيُصَلِّ؛ فَإِذَا وَجَدَ مَاءً فَلْيَغْتَسِلْ، وَ قَدْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ الَّتِي صَلَّى» (2). و مثلها حسنة الحلبي عنه (عليه السلام) (3)، و في معناها أخبار أخر، و كثير منها صريح في بقاء الوقت.

[الاستدلال على وجوب إعادة الصلاة لمن وجد الماء بعد أداءها بالتيمّم و الرد عليه]

و استدلّ على القول الثاني بصحيحة يعقوب بن يقطين عن الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ فَصَلَّى، فَأَصَابَ بَعْدَ صَلَاتِهِ مَاءً (4)، أَ يَتَوَضَّأُ وَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَمْ تَجُوزُ صَلَاتُهُ؟ قَالَ: إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ الْوَقْتُ تَوَضَّأَ وَ أَعَادَ، وَ إِنْ مَضَى الْوَقْتُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ» (5).

و على الثالث بمرسلة جعفر بن بشير عن الصادق (عليه السلام): «فِي رَجُلٍ أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ؛ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ إِنِ اغْتَسَلَ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ؛ فَإِذَا أَمِنَ الْبَرْدَ اغْتَسَلَ وَ أَعَادَ الصَّلَاةَ» (6). و مثلها صحيحة ابن سنان عنه (عليه السلام) (7).

و على الرابع برواية السكوني عنه عن أبيه (عليهما السلام): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ وَسْطَ الزِّحَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَ يُصَلِّي مَعَهُمْ وَ يُعِيدُ إِذَا انْصَرَفَ» (8).

و على الخامس بموثّقة الساباطي عنه (عليه السلام): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ

____________

(1). المصدر: «فليمسح».

(2). التهذيب، ج 1، ص 193، ح 30؛ الاستبصار، ج 1، ص 159، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 368، ح 3887.

(3). الكافي، ج 3، ص 63، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 367، ح 3884.

(4). «م»: «فأصابه بعد صلاته ماءٌ».

(5). الاستبصار، ج 1، ص 159، ح 4؛ التهذيب، ج 1، ص 193، ح 33؛ الوسائل، ج 3، ص 368، ح 3888.

(6). الاستبصار، ج 1، ص 161، ح 4؛ التهذيب، ج 1، ص 196، ح 41؛ الكافي، ج 3، ص 67، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 367، ح 3886.

(7). الفقيه، ج 1، ص 109، ح 225؛ الوسائل، ج 3، ص 366، ح 3882.

(8). التهذيب، ج 1، ص 185، ح 8؛ الاستبصار، ج 1، ص 81، ح 12؛ الوسائل، ج 3، ص 344، ح 3821.

43

إِلَّا ثَوْبٌ وَ لَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَ لَيْسَ يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُهُ؛ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَ يُصَلِّي؛ فَإِذَا أَصَابَ مَاءً غَسَلَهُ وَ أَعَادَ الصَّلَاةَ» (1).

و الجواب عن الجميع بأنّها محمولة على الاستحباب، لمعارضتها الأخبار المستفيضة، مع قصور بعضها دلالةً و بعضها سنداً.

و يؤيّد حمل الرواية الأولى على ذلكَ ما رواه أبو سعيد من: «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَيَمَّمَا فَوَجَدَا الْمَاءَ وَ صَلَّيَا فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا وَ سَأَلَا النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، فَقَالَ لِمَنْ لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَ أَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ، وَ لِلْآخَرِ: لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» (2).

و موثّقة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام): «فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ فَصَلَّى ثُمَّ أَصَابَ الْمَاءَ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ فَاعِلًا إِنِّي كُنْتُ أَتَوَضَّأُ وَ أُعِيدُ» (3)؛ فإنّ تخصيصه (عليه السلام) ذلكَ بنفسه يشعر بالاستحباب.

[الاستدلال على وجوب الإعادة لمن صلّى بالتيمّم بعد إراقة الماء في الوقت و الرد عليه]

و استدلّ للقول السادس بأنّه بعد دخول الوقت مخاطب بفعل الصلاة بالطهارة المائية لأنّه متمكّن منها؛ فإذا تيمّم و صلّى بعد الإراقة لم يخرج عن العهدة، إذ لم يأت بالمأمور به على وجهه؛ فيجب الإعادة عند التمكّن. و الجواب أنّ هذا إنّما يتمّ لو لم يكن مأموراً بالتيمّم و الصلاة بعد الإراقة، أمّا مع الأمر به فيتعيّن الإجزاء.

فإن قيل: إنّ الإجزاء بالنسبة إلى الأمر بالتيمّم، أمّا بالنسبة إلى الأمر بالطهارة المائية فلا؛ فيبقى في عهدته، قلنا: هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن التيمّم بدلًا من الطهارة المائيّة، إذ لا يعقل وجوب المبدل و المبدل منه معاً مع ثبوت البدليّة؛ فإنّه لا معنى لها حينئذٍ، و لانتقاضه بالإراقة في الوقت مع ظنّ وجود غيره ثمّ ظهور الخطاء؛ فإنّه لا قضاء حينئذٍ، مع أنّ الدليل جار فيه.

و أمّا القول السابع فلم نقف له على حجّة، و هو ضعيف جدّاً.

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 224، ح 94؛ الاستبصار، ج 1، ص 169، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 392، ح 3957.

(2). السنن الكبرى، ج 1، ص 231.

(3). التهذيب، ج 1، ص 193، ح 32؛ الاستبصار، ج 1، ص 159، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 368، ح 3890.

44

[74]

[8]

مسألة [حكم من تيمّم ثمّ وجد الماء قبل الصلاة]

أجمع أهل العلم على أنّ المتيمّم إذا وجد الماء و تمكّن من استعماله قبل الشروع في الصلاة انتقض تيمّمه و يجب عليه استعمال الماء؛ فلو فقده بعد التمكّن من ذلكَ أعاد التيمّم. قاله في المعتبر (1).

و يدلّ عليه صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: يُصَلِّي الرَّجُلُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ (2)؟ فَقَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يُصِيبُ مَاءً، قُلْتُ:

فَإِنْ أَصَابَ الْمَاءَ وَ رَجَا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى مَاءٍ آخَرَ وَ ظَنَّ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَهُ تَعَسَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَنْقُضُ ذَلِكَ تَيَمُّمَهُ، وَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ التَّيَمُّمَ» (3)، و مفهوم صحيحته عن الصادق (عليه السلام): «فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ، قَالَ: يُجْزِيهِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ» (4).

[حكم من تيمّم ثمّ وجد الماء في أثناء الصلاة]

و اختلفوا فيما إذا وجده في أثناء الصلاة؛ فقيل (5): يمضي في صلاته و لو تلبّس بتكبيرة الإحرام و قيل (6): بل ينصرف و يتطهّر ما لم يركع الركعة

____________

(1). المعتبر، ج 1، ص 399.

(2). المصدر: «صلاة الليل و النهار كلّها».

(3). التهذيب، ج 1، ص 200، ح 54؛ الاستبصار، ج 1، ص 164، ح 6؛ الكافي، ج 3، ص 63، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 377، ح 3910.

(4). التهذيب، ج 1، ص 200، ح 53؛ الوسائل، ج 3، ص 379، ح 3917.

(5). المبسوط، ج 1، ص 33؛ الخلاف، ج 1، ص 142؛ السرائر، ج 1، ص 140؛ و نقله أيضاً في السرائر عن السيّد المرتضى في مسائل خلافه.

(6). المقنع، ص 26؛ جمل العلم و العمل، ص 53؛ النهاية، ص 48؛ نقله في المعتبر (ج 1، ص 400) عن ابن الجنيد، و نقله في المختلف (ج 1، ص 449) عن ابن أبي عقيل.

45

الأولى و قيل (1): ما لم يركع الركعة الثانية، و قيل (2): ما لم يقرأ، و قيل (3): ما لم يغلب على ظنّه أنّه إن قطع و تطهّر فاتته الصلاة. و الأصحّ الثاني، وفاقاً للصدوق و جماعة من القدماء.

[الاستدلال على وجوب قطع الصلاة قبل الركوع على من تيمّم ثمّ وجد الماء في أثناء الصلاة]

لنا صحيحة زرارة المتقدّمة عن الباقر (عليه السلام) حيث قال بعد ذلكَ: «قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَ الْمَاءَ وَ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ مَا لَمْ يَرْكَعْ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ فَلْيَمْضِ فِي صَلَاتِهِ؛ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ أَحَدُ الطَّهُورَيْنِ» (4).

و رواية عبد اللّه بن عاصم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ الْمَاءَ، فَيَتَيَمَّمُ وَ يَقُومُ (5) فِي الصَّلَاةِ، فَجَاءَ الْغُلَامُ فَقَالَ هُوَ ذَا الْمَاءُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَمْ يَرْكَعْ فَلْيَنْصَرِفْ وَ لْيَتَوَضَّأْ، وَ إِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ فَلْيَمْضِ فِي صَلَاتِهِ» (6).

و ينبغي تقييد هذا الحكم بما إذا أدرك الوقت مع الانصراف و لو بركعة، لما بيّنّا من أنّ إدراك الوقت أهمّ من إدراك الطهارة المائيّة ابتداءً، فكيف مع الدخول في الصلاة.

[الاستدلال على حكم من تيمّم ثمّ وجد الماء في أثناء الصلاة و الرد عليه]

احتجّوا على القول الأوّل بقوله تعالى: «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» (7). و برواية محمّد بن حُمران عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: رَجُلٌ تَيَمَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَ قَدْ كَانَ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمَاءِ حِينَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ:

____________

(1). نقله في المختلف (ج 1، ص 435) عن ابن الجنيد.

(2). المراسم، ص 54.

(3). نقله في الذكرى (ج 2، ص 278) عن ابن حمزة في الواسطة.

(4). التهذيب، ج 1، ص 200، ح 54؛ الكافي، ج 3، ص 63، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 381، ح 3923.

(5). الكافي: «يقيم».

(6). التهذيب، ج 1، ص 204، ح 65؛ الاستبصار، ج 1، ص 166، ح 2؛ الكافي، ج 3، ص 64، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 381، ح 3924.

(7). محمّد/ 33.

46

يَمْضِي فِي الصَّلَاةِ. وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ» (1).

و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم؛ قالا: «قُلْنَا فِي رَجُلٍ لَمْ يُصِبِ الْمَاءَ وَ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَتَيَمَّمَ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَصَابَ الْمَاءَ: أَ يَنْقُضُ الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ يَقْطَعُهُمَا وَ يَتَوَضَّأُ وَ يُصَلِّي؟ قَالَ: لَا، وَ لَكِنَّهُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ وَ لَا يَنْقُضُهُمَا (2)، لِمَكَانِ أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَى طَهُورٍ (3) بِتَيَمُّم» (4)؛ فإنّ التعليل يوجب وجوب المضي في الصلاة مع الدخول فيها و لو بتكبيرة الإحرام.

و الجواب عن الآية أنّها مخصّصة بما مرّ من الدليل. و العجب من أعيان المتأخّرين (5) كيف استدلّوا بها مع أنّهم حملوا روايات الرجوع قبل الركوع على الاستحباب.

و عن الرواية الأولى أوّلًا بالطعن في سندها؛ فإنّها على ما وجدناها في التهذيب مرويّة عن البزنطي عن محمّد بن سماعة عن محمّد بن حمران، و طريق الشيخ إلى البزنطي غير معلوم، و كلّ من المحمّدين مشترك بين جماعة، منهم من لم يوثّق.

و ثانياً بحملها على ما إذا فاته الوقت مع الانصراف- كما يشعر به آخرها- أو بحملها على ما بعد الركوع حمل المطلق على المقيّد كما قيل (6).

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 203، ح 64؛ الاستبصار، ج 1، ص 166، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 382، ح 3925.

(2). المصدر: «و لا ينقضها».

(3). المصدر: «و هو على طهور».

(4). التهذيب، ج 1، ص 205، ح 69؛ الاستبصار، ج 1، ص 167، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 382، ح 3926. و رواه الصدوق (الفقيه، ج 1، ص 106، ح 215) مع تفاوت يسير.

(5). المعتبر، ج 1، ص 400 و 401.

(6). الذكرى، ج 2، ص 277.

47

و عن الرواية الثانية بأنّ التعليل فيها كالتعليل في صحيحة زرارة بقوله (عليه السلام): «فَإِنَّ التَّيَمُّمَ أَحَدُ الطَّهُورَيْنِ»؛ فليتأمّل.

و استدلّ للقول الثالث بالرواية المذكورة- أعني صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم- حيث قال في آخرها: «قَالَ زُرَارَةُ: قُلْتُ لَهُ: دَخَلَهَا وَ هُوَ مُتَيَمِّمٌ فَصَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً فَأَصَابَ مَاءً (1)، قَالَ: يَخْرُجُ وَ يَتَوَضَّأُ وَ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ الَّتِي صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ».

و فيه أنّ هذه الرواية على ما وجدناه في نسخ الفقيه و التهذيب المعتمدة هكذا: «قُلْتُ: دَخَلَهَا وَ هُوَ مُتَيَمِّمٌ، فَصَلَّى رَكْعَةً وَ أَحْدَثَ فَأَصَابَ مَاءً» الحديث.

و على هذا فلا دلالة فيها على المدّعى بوجه، بل لا دلالة فيها على ذلكَ على ما نقله المستدلّ أيضاً، لأنّها متضمّنة للبناء، و صاحب هذا القول غير قائل به، بل لم يقل به أحد منّا، و كفى بهذا شاهداً على فساد تلكَ النسخة.

و أمّا القولان الأخيران فشاذّان كالثالث، و لم أقف لهما على حجّة.

[75]

[9]

مسألة [حكم من تيمّم بدلًا عن الغسل ثمّ أحدث]

[الأقوال في حكم من تيمّم بدلًا عن الغسل ثمّ أحدث]

____________

(1). المصدر: «فصلّى ركعة و أحدث فأصاب ماء».

48

الأكثر على أنّ من تيمّم بدلًا من الغسل ثمّ أحدث أعاد التيمّم بدلًا من الغسل، سواء كان حدثه أصغر أو أكبر.

و قال السيّد (رحمه الله) (1): إن كان حدثه أصغر تيمّم بدلًا من الوضوء، و إن وجد ماء يكفيه للوضوء توضّأ به.

[الاستدلال على عدم وجوب إعادة التيمّم إن كان بدلًا عن الغسل على من أحدث بالأصغر بعد التيمّم]

و هو الأصحّ عندي؛ أمّا إذا قلنا إنّ التيمّم يرفع الحدث إلى غاية هي التمكّن من الماء- كما هو الأظهر بناءً على عدم الفرق بين الاستباحة و الرفع كما مرّ- فظاهر.

و أمّا إذا قلنا إنّه لم يرفعه، فلأنّه رافع لحكمه- أعني المنع من الدخول في العبادة-؛ فبالتيمّم لم يبق للحدث الأكبر تأثير في المنع منه، فيستصحب هذه الإباحة حتّى يعلم رفعها، و المعلوم قطعاً مانعيّة الأصغر من ذلكَ إلّا رفع الإباحة (2) الحاصلة من التيمّم السابق و عود حكم الحدث الأكبر؛ و حينئذٍ فيجب الوضوء لمكان الحدث الأصغر.

لا يقال: التيمّم إذا لم يرفع الحدث الأكبر فلا فائدة له سوى استباحة العبادة، و هي قد انتقضت بالحدث الأصغر، فلا يبقى للتيمّم أثر؛ فكان بعد الحدث (3) كما كان قبل التيمّم.

لأنّا نقول: الاستباحة الحاصلة بالتيمّم هي غير الاستباحة المنتقضة بالحدث الأصغر؛ فإنّ الأُولى هي المضادّة لحكم الحدث الأكبر، و هي لا ينقضها الحدث الأصغر، و إنّما ينقضها مضادّها، و الثانية هي المضادّة لحكم الأصغر و هي التي لا بدّ من تحصيلها للمحدث به، و إنّما تحصل بالوضوء.

[الاستدلال على وجوب إعادة التيمّم إن كان بدلًا عن الغسل على من أحدث بعد التيمّم و الرد عليه]

احتجّوا بأنّ الحدث الأكبر باقٍ، و الاستباحة زالت بالحدث الأصغر؛ فيجب التيمّم بدلًا من الغسل، و بصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «وَ مَتَى أَصَبْتَ الْمَاءَ فَعَلَيْكَ الْغُسْلُ إِنْ كُنْتَ جُنُباً، وَ الْوُضُوءُ إِنْ لَمْ تَكُنْ جُنُباً» (4).

____________

(1). نقله في المعتبر (ج 1، ص 395) عن السيّد في شرح الرسالة.

(2). «ل» و «ج»: «لا رفع الإباحة».

(3). في «م» و «ج»، «قبل الحدث» و ما أثبتناه من «ل»، و إن كان قد شطب على «بعد» في متنه و صحّح في الهامش ب«قبل».

(4). التهذيب، ج 1، ص 210، ح 14؛ الاستبصار، ج 1، ص 172، ح 7؛ الوسائل، ج 3، ص 361، ح 3873.

49

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «فِي رَجُلٍ أَجْنَبَ فِي سَفَرٍ وَ مَعَهُ مَاءٌ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ وَ لَا يَتَوَضَّأُ». (1)

و الجواب أمّا عن الأوّل فقد ظهر ممّا حقّقناه، و أمّا عن الرواية الأولى فبأنّها لا تنافي ما قلناه بل نقول بموجبها؛ فإنّه مع التمكّن من الماء للغسل يعود حكم الجنابة و ينتقض التيمّم الأوّل؛ فيجب عليه الغسل.

و أمّا عن الثانية فبأنّ المتبادر منها التيمّم الابتدائي لا العموم. لا يقال:

العلّة هي الجنابة و هي مشتركة، لأنّا نمنع من عليّة الجنابة وحدها، بل العلّة هي مع بقاء حكمها جميعاً.

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 405، ح 10؛ الوسائل، ج 3، ص 387، ح 3943.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

[2- 4]

القول في النجاسات و كيفيّة إزالتها

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

[76]

[1]

مسألة [البول و الغائط]

[نجاسة بول و غائط ما لا يؤكل لحمه]

أجمع علماء الإسلام على نجاسة البول و الغائط ممّا لا يؤكل لحمه و إن كان التحريم عارضاً كالجلّال (1)، سواء كان ذلك من الإنسان أو غيره إذا كان له نفس سائلة.

قاله في المعتبر (2)، و كان ينبغي له أن يستثني منه الطير و الرضيع، لوقوع الخلاف فيهما كما ستسمعه.

و يدلّ على نجاسة البول الأخبار الصحيحة المستفيضة كصحيحة محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الْبَوْلُ، قَالَ:

اغْسِلْهُ فِي الْمِرْكَنِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ غَسَلْتَهُ فِي مَاءٍ جَارٍ فَمَرَّةً وَاحِدَةً» (3).

____________

(1). في هامش نسخة «ج»: «المشهور أنّ الجلّال هو الحيوان المتغذي بعذرة الحيوان لا غير. و قيل إنّه الحيوان الذي غالب غذائه العذرة. و ألحق بعضهم بالعذرة سائر النجاسات. ثمّ اختلفوا في المدّة التي يستحقّ بها هذا الحكم؛ فقدره بعضهم بأن ينمو بدنه بذلك و يصير جزءاً منه، و آخرون بيوم و ليلة كالرضاع، و آخرون بظهور نتن النجاسة التي اغتذى بها في جلده و لحمه. و الأولى حوالة ذلك إلى العرف لأنّه المحكم في مثله. منه أدام بقاءه».

(2). المعتبر، ج 1، ص 410.

(3). التهذيب، ج 1، ص 250، ح 4؛ الوسائل، ج 3، ص 397، ح 3966.

54

و صحيحة ابن أبي يعفور عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ الْبَوْلِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، قَالَ: اغْسِلْهُ مَرَّتَيْنِ» (1). و مثلها صحيحة محمّد (2).

و كصحيحة إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ:

الطِّنْفِسَةُ وَ الْفِرَاشُ يُصِيبُهُمَا الْبَوْلُ، كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ وَ هُوَ ثَخِينٌ كَثِيرُ الْحَشْوِ؟ قَالَ:

يُغْسَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي وَجْهِهِ» (3).

و حسنة ثعلبة بن ميمون عن الصادق (عليه السلام) (4)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنِ الْبَوْلِ يُصِيبُ الْجَسَدَ، قَالَ: اغْسِلْهُ مَرَّتَيْنِ» (5).

و حسنة عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام)؛ قال: «قَالَ: اغْسِلْ ثَوْبَكَ مِنْ أَبْوَالِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ» (6).

و موثّقة سماعة عنه (عليه السلام)؛ قال: «إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ شَيْءٌ مِنْ بَوْلِ السِّنَّوْرِ فَلَا يَصْلُحُ الصَّلَاةُ فِيهِ حَتَّى تَغْسِلَهُ» (7).

و رواية الحسين بن أبي العلاء عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الْبَوْلِ يُصِيبُ الْجَسَدَ، قَالَ: صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ مَرَّتَيْنِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ مَاءٌ. وَ سَأَلْتُهُ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الْبَوْلُ، قَالَ: اغْسِلْهُ مَرَّتَيْنِ» (8) إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 251، ح 9؛ الوسائل، ج 3، ص 395، ح 3960.

(2). التهذيب، ج 1، ص 251، ح 8؛ الوسائل، ج 3، ص 395، ح 3959.

(3). التهذيب، ج 1، ص 251، ح 11؛ الكافي، ج 3، ص 55، ح 2؛ الفقيه، ج 1، ص 69، ح 159؛ الوسائل، ج 3، ص 400، ح 3972.

(4). «ج»: «عنه (عليه السلام)».

(5). المصدر: «صبّ عليه الماء مرّتين». التهذيب، ج 1، ص 249، ح 3؛ الوسائل، ج 3، ص 395، ح 3961.

(6). الكافي، ج 3، ص 57، ح 3؛ التهذيب، ج 1، ص 264، ح 57؛ الوسائل، ج 3، ص 405، ح 3988.

(7). الكافي، ج 3، ص 58، ح 8؛ التهذيب، ج 1، ص 420، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 404، ح 3987.

(8). الكافي، ج 3، ص 55، ح 1؛ التهذيب، ج 1، ص 249، ح 1؛ الوسائل، ج 3، ص 395، ح 3962.

55

و متى ثبت وجوب الغسل في الثوب وجب في غيره، إذ لا قائل بالفصل.

و لا معنى للنجس شرعاً إلّا ما وجب غسل الملاقي له، بل سائر الأعيان النجسة إنّما استفيد نجاستها بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها، مضافاً إلى الإجماع المنقول في أكثرها كما ستقف عليه إن شاء اللّه.

[وجوب الغَسل من البول مرّتين في الماء غير الجاري للتطهير]

ثمّ ما تضمّنته هذه الأخبار من وجوب المرّتين في الغسل من البول في غير الجاري بل القليل هو المشهور بين الأصحاب، بل ظاهر المعتبر (1) أنّه مجمع عليه.

و ربّما يخصّص بالثوب و يكتفى في غيره بالمرّة، اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد النصّ الصحيح، و نظراً إلى حصول الغرض من الإزالة و إطلاق الأمر بالغسل. بل اكتفى جماعة (2) بالمرّة المزيلة مطلقاً من غير فرق بين الثوب و البدن (3).

و فيه إطراح للأخبار الصحيحة المستفيضة. و الأولى عدم الخروج عمّا دلّت عليه تلك الأخبار، و قد وقع التصريح بالمرّتين في البدن أيضاً في حسنة ثعلبة بن ميمون كما مرّ.

[إجزاء صبّ الماء في بول]

____________

(1). المعتبر، ج 1، ص 435.

(2). منهم الشيخ في المبسوط (ج 1، ص 37) و الشهيد الأوّل في البيان (ص 93).

(3). في هامش نسخة «ج»: «الظاهر أنّ الغسل الوارد على عين النجاسة إذا أزالها محسوب من الغسل الواجب بخلاف ما لو لم يزل به العين؛ فإنّه لا أثر له. و يحتمل ضعيفاً أن لا يحسب إلّا ما ورد بعد زوال العين إن كانت موجودة نظراً إلى أنّ سبب التنجّس موجود فلا أثر للماء الوارد معه. منه حفظه اللّه و أبقاه».

56

[الصبي من دون غسل للتطهير]

و كيف كان فلا خلاف في الاكتفاء في بول الصبيّ بصبّ الماء عليه، لحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلتُهُ عَنْ بَوْلِ الصَّبِيِّ، قَالَ: تَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَ إِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ فَاغْسِلْهُ غَسْلًا، وَ الْغُلامُ وَ الْجَارِيَةُ شَرَعٌ سَوَاءٌ» (1).

و ما يستفاد منها من التسوية بين الصبيّ و الصبيّة في ذلك هو المنقول عن علي بن بابويه (رحمه الله) (2)، و الأكثر على اختصاص الحكم بالصبيّ، و لم نجد لهم مستنداً يصحّ الاعتماد عليه.

[قول ابن الجنيد بطهارة بول الصبي ما لم يأكل اللحم و الرد عليه]

و نقل عن ابن الجنيد (رحمه الله) (3) طهارة بول الصبيّ ما لم يأكل اللحم، و استدلّ له برواية السكوني عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام)؛ قال: «لَبَنُ الْجَارِيَةِ وَ بَوْلُهَا يُغْسَلُ مِنْهُ الثَّوْبُ قَبْلَ أَنْ تَطْعَمَ، لِأَنَّ لَبَنَهَا يَخْرُجُ مِنْ مَثَانَةِ أُمِّهَا، وَ لَبَنُ الْغُلامِ لَا يُغْسَلُ مِنْهُ الثَّوْبُ وَ لَا بَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ، لأَنَّ لَبَنَ الْغُلَامِ يَخْرُجُ مِنَ الْعَضُدِ (4) وَ الْمَنْكِبَيْنِ» (5).

و الجواب أوّلًا بالطعن في السند، و ثانياً بالقول بالموجب؛ فإنّ تطهير النجس غير منحصر في الغسل، بل قد يكتفى فيه بصبّ الماء، و هو هنا كذلك كما بيّنّاه. هذا.

[الاستدلال على نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه]

و أمّا الأرواث فلم نقف فيها على نصّ يقتضي نجاستها سوى صحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَ فِي ثَوْبِهِ عَذِرَةٌ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ سِنّورٍ أَوْ كَلْبٍ، يُعِيدُ صَلَاتَهُ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا يُعِيدُ» (6).

و مثلها موثّقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عنه (عليه السلام) (7). و دلالتها على التعميم كما ترى، و لعلّ الإجماع في موضع لم يتحقّق فيه المخالف كافٍ في الحكم.

____________

(1). التهذيب، ج 1، ص 249، ح 2؛ الاستبصار، ج 1، ص 173، ح 2؛ الكافي، ج 3، ص 56، ح 6؛ الوسائل، ج 3، ص 397، ح 3968.

(2). نقله عنه في المعتبر، ج 1، ص 438.

(3). نقله عنه في المختلف، ج 1، ص 459.

(4). المصدر: «العضدين».

(5). الاستبصار، ج 1، ص 173، ح 1؛ التهذيب، ج 1، ص 250، ح 5؛ الوسائل، ج 3، ص 398، ح 3970. و رواه الصدوق في الفقيه (ج 1، ص 68، ح 157) مرسلًا.

(6). الكافي، ج 3، ص 404، ح 2.

(7). الكافي، ج 3، ص 406، ح 11؛ التهذيب، ج 2، ص 359، ح 19؛ الاستبصار، ج 1، ص 180، ح 2؛ الوسائل، ج 3، ص 475، ح 4218.