معتصم الشيعة في أحكام الشريعة - ج3

- الفيض الكاشاني المزيد...
365 /
5

-

6

القول في تكبيرة الإحرام

[3- 4]

7

[168]

[1]

مسألة [الحكم بركنيّة تكبيرة الإحرام في الصلاة]

أجمع العلماء كافّةً- إلّا من شذّ من العامّة- على أنّ تكبيرة الإحرام ركن في الصلاة؛ تبطل بتركها عمداً و سهواً على ما قالوه.

و يدلّ عليه الأخبار الصحيحة المستفيضة كصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى تَكْبِيرَةَ الافْتِتَاحِ، قَالَ: يُعِيدُ» (1)، و صحيحة ذريح بن محمّد المحاربي عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى أَنْ يُكَبِّرَ حَتَّى قَرَأَ، قَالَ: يُكَبِّرُ» (2).

و صحيحة عليّ بن يقطين عن الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى أَنْ يَفْتَتِحَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَرْكَعَ، قَالَ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ» (3)، و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «فِي الَّذِي يَذْكُرُ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: إِذَا اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ فَلْيُعِدْ وَ لَكِنْ كَيْفَ يَسْتَيْقِنُ» (4).

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 347، ح 1؛ التهذيب، ج 2، ص 143، ح 15؛ الوسائل، ج 6، ص 12، ح 7218.

(2). التهذيب، ج 2، ص 143، ح 17؛ الاستبصار، ج 1، ص 351، ح 4؛ الوسائل، ج 6، ص 13، ح 7221.

(3). التهذيب، ج 2، ص 143، ح 18؛ الاستبصار، ج 1، ص 351، ح 5؛ الوسائل، ج 6، ص 13، ح 7222.

(4). التهذيب، ج 2، ص 143، ح 16؛ الاستبصار، ج 1، ص 351، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 13، ح 7219.

8

و موثّقة الفضل بن عبد الملك و ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام): «فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَ لَمْ يَفْتَتِحْ بِالتَّكْبِيرِ، هَلْ تُجْزِئُهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يُعِيدُ صَلَاتَهُ إِذَا حَفِظَ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ» (1)، إلى غير ذلك من الأخبار.

و أمّا ما في شواذّها (2) ممّا ينافي بظاهره ذلك فمأوّل متروك بالإجماع.

[حكم من شكّ في تكبيرة الإحرام]

و يستفاد من الروايتين الأخيرتين أنّه مع الشكّ في التكبير يمضي في صلاته. و هو كذلك إن جاوز عن محلّه بأن شرع في القراءة أو الذكر، و إلّا أتى به وجوباً لبقاء محلّه. و كذا الحكم في كلّ فعل شكّ فيه من أفعال الصلاة، وفاقاً لمعظم الأصحاب.

و قيل (3): بل يجب الإعادة مطلقاً إذا كان الشكّ متعلّقاً بكيفيّة الركعتين الأوليين كما في ما نحن فيه.

لنا أنّ الأصل عدم الإتيان بالفعل مع بقاء محلّه و أنّ الظاهر الإتيان به مع تجاوزه. و لنا الأخبار الصحيحة المستفيضة كالخبرين المذكورين و كصحيحة إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «كُلُّ شَيْءٍ شَكَّ فِيهِ مِمَّا قَدْ جَاوَزَهُ وَ دَخَلَ فِي غَيْرِهِ فَلْيَمْضِ عَلَيْهِ» (4).

و صحيحة زرارة عنه (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: رَجُلٌ شَكَّ فِي الْأَذَانِ وَ قَدْ دَخَلَ

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 347، ح 2؛ التهذيب، ج 2، ص 143، ح 20؛ الاستبصار، ج 1، ص 352، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 16، ح 7230.

(2). راجع: الوسائل، ج 6، ص 15، ح 7226 و 7227.

(3). المقنعة، ص 145.

(4). التهذيب، ج 2، ص 153، ح 60؛ الاستبصار، ج 1، ص 358، ح 9؛ الوسائل، ج 6، ص 317، ح 8071.

9

فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ: يَمْضِي. قُلْتُ: رَجُلٌ شَكَّ فِي التَّكْبِيرِ وَ قَدْ قَرَأَ، قَالَ: يَمْضِي.

قُلْتُ: شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَ قَدْ رَكَعَ، قَالَ: يَمْضِي. قُلْتُ: شَكَّ فِي الرُّكُوعِ وَ قَدْ سَجَدَ، قَالَ: يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا زُرَارَةُ، إِذَا خَرَجْتَ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ دَخَلْتَ فِي غَيْرِهِ فَشَكُّكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ» (1).

و موثّقة محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «كُلُّ مَا شَكَكْتَ فِيهِ مِمَّا قَدْ مَضَى فَامْضِهِ كَمَا هُوَ» (2)، إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة، و هي كثيرة جدّاً، و سيجيء شطر منها في مباحث الركوع و السجود أيضاً.

احتجّوا بصحيحة الفضل بن عبد الملك؛ قال: «قَالَ لِي: إِذَا لَمْ تَحْفَظِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ فَأَعِدْ صَلَاتَكَ» (3)، و حسنة الوشّاء عن الرضا (عليه السلام)؛ قال: «قَالَ لِي: الْإِعَادَةُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ، وَ السَّهْوُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ» (4).

و الجواب المنع من الدلالة، إذ يحتمل أن يكون المراد حفظهما عن الشكّ في العدد و لزوم الإعادة بذلك، بل هو الأظهر، و لا نزاع لنا فيه. نعم، يستفاد من ظاهر صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (5) لزوم الإعادة بالشكّ في السجدة من الأوليين، إلّا أنّ في متنها إجمالًا يمنع من الاستدلال بها كما ستقف عليه في مباحث السجود إن شاء اللّه.

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 352، ح 47؛ الوسائل، ج 8، ص 237، ح 10524.

(2). التهذيب، ج 2، ص 344، ح 14؛ الوسائل، ج 8، ص 237، ح 10526.

(3). التهذيب، ج 2، ص 177، ح 8؛ الاستبصار، ج 1، ص 364، ح 8؛ الوسائل، ج 8، ص 190، ح 10387.

(4). الكافي، ج 3، ص 350، ح 4؛ التهذيب، ج 2، ص 177، ح 10؛ الاستبصار،

ج 1، ص 364، ح 10؛ الوسائل، ج 8، ص 190، ح 10384.

(5). عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ وَ هُوَ رَاكِعٌ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً فِي الْأُولَى، قَالَ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) يَقُولُ: إِذَا تَرَكْتَ السَّجْدَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَمْ تَدْرِ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ اسْتَقْبَلْتَ حَتَّى يَصِحَّ لَكَ ثِنْتَانِ، فَإِذَا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ وَ الرَّابِعَةِ فَتَرَكْتَ سَجْدَةً بَعْدَ أَنْ تَكُونَ قَدْ حَفِظْتَ الرُّكُوعَ أَعَدْتَ السُّجُود (التهذيب، ج 2، ص 154، ح 63؛ الاستبصار، ج 1، ص 360، ح 5؛ الوسائل، ج 6، ص 365، ح 8195.

10

و استقرب في التذكرة (1) وجوب الإعادة إن تعلّق الشكّ بركن من الأوليين. قال: «لأنّ ترك الركن سهواً مبطل كعمده؛ فالشكّ فيه في الحقيقة شكّ في الركعة، إذ لا فرق بين الشكّ في فعلها و عدمه، و بين الشكّ في فعلها على وجه الصحّة و البطلان».

و حاصل ما ذكره أنّ الشكّ في الركن على هذا الوجه شكّ في عدد الأوليين، و هو موجب للإعادة إجماعاً. و لا يخفى تطرّق المنع إليه.

[حكم زيادة تكبيرة الإحرام في الصلاة]

ثمّ المشهور بين الأصحاب أنّ زيادة تكبيرة الإحرام موجبة لبطلان الصلاة كنقصانها، عمداً كانت أو سهواً؛ فلو قصد الافتتاح بغيرها بعدها بطلت و صحت الثالثة. و هكذا يصحّ كلّ فرد و يبطل كلّ زوج، إلّا أن يقصد الخروج فيصحّ ما بعده- إن قلنا بأنّ نيّة الخروج مبطلة، و قد مر الإشكال فيه.

و لي في هذا الحكم تأمّل، لعدم وضوح مستنده، إذ أقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصلاة بتركها عمداً و سهواً، و هو لا يستلزم البطلان بزيادتها.

فإن استدلّ مستدلّ بحسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام)- قال: «إِذَا اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ الْمَكْتُوبَةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَ اسْتَقْبَلَ صَلَاتِهِ اسْتِقْبَالًا» (2)- كان الجواب المنع من الدلالة، إذ المتبادر منها زيادة الركعة. و لو سلّم، فظاهرها الإطلاق و هو متروك بالإجماع، و تقييدها بالركن تحكّم. و على هذا فإن كانت المسألة إجماعيّة فذاك و إلّا ففي التوقّف فيها مجال.

____________

(1). التذكرة، ج 3، ص 316.

(2). الكافي، ج 3، ص 354، ح 2؛ التهذيب، ج 2، ص 194، ح 64؛ الاستبصار، ج 1، ص 376، ح 1؛ الوسائل، ج 8، ص 231، ح 10508. و الرواية في هذه المصادر عن زرارة و بُكير ابني أعين عن الباقر (عليه السلام). نعم، أوردها في الكافى (ج 3، ص 348، ح 3) عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) مع تفاوت يسير.

11

[169]

[2]

مسألة [كيفيّة تلفّظ تكبيرة الإحرام]

يجب التلفظ بالتكبير على الوجه المنقول، قاطعاً همزتي الجلالة و «أكبر» بلا خلاف، لأنّ العبادات إنّما تستفاد بتوقيف الشارع فوجب اتّباع النقل الوارد ببيانها حتّى لو خالف المكلّف ذلك كان تشريعاً محرّماً و لم يخرج عن عهدة الواجب.

و من لم يتمكّن من التلفّظ بها كالأعجميّ يجب عليه التعلّم، فإن تعذّر أو ضاق الوقت أحرم بترجمتها.

[حكم الأخرس في تلفّظ تكبيرة الاحرام]

و الأخرس ينطق بها على قدر الإمكان، فإن عجز عن النطق أصلًا فالمشهور أنّه يعقد قلبه بمعناها مع الإشارة و تحريك اللسان. و ربّما يكتفى بالأوّلين و ربّما يكتفى بالأخيرين. و الظاهر عدم وجوب تصوّر المعنى المطابقي، لعدم وجوبه على غير الأخرس، فلعلّ مرادهم قصد كونه تكبيراً للّه و ثناءً عليه.

و إنّما اشترطوا ذلك (1) لأنّ الإشارة لا اختصاص لها بالتكبير فلا بدّ لمريده من مخصّص و لا يتحقّق بدون ذلك. و أمّا الأخيران فلما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام)؛ أنّه قال: «تَلْبِيَةُ الْأَخْرَسِ وَ تَشَهُّدُهُ وَ قِرَاءَتُهُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَ إِشَارَتُهُ بِإِصْبَعِهِ» (2)، و لأنّ تحريك اللسان كان واجباً مع القدرة على النطق، فلا يسقط بالعجز عنه، إذ لا يسقط الميسور بالمعسور.

و في الدليلين نظر، و القول بسقوط الفرض للعجز عنه- كما ذكره بعض العامّة- محتمل إلّا أن المصير إلى ما ذكره الأصحاب أَولى.

____________

(1). أي: عقد القلب بمعناها.

(2). الكافي، ج 3، ص 315، ح 17؛ الوسائل، ج 6، ص 136، ح 7551.

12

[170]

[3]

مسألة [ما يستحبّ في تكبيرة الإحرام]

يستحبّ في التكبير أمور:

[ترك المدّ الزائد في تكبيرة الإحرام و ترك الإعراب في آخرها]

منها ترك المدّ زيادةً على القدر الطبيعي بين اللّام و الهاء. قاله جماعة (1). و منها ترك الإعراب في آخره، لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «التَّكْبِيرُ جَزْمٌ» (2).

[رفع اليدين بحذاء الوجه]

و منها رفع اليدين به حذاء وجهه على المشهور، لصحيحة صفوان بن مهران عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يَكَادَ يَبْلُغُ أُذُنَيْهِ» (3)، و صحيحة منصور بن حازم عنه (عليه السلام)؛ قال: «رَأَيْتُهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ وَجْهِهِ وَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِبَطْنِ كَفَّيْهِ» (4).

و صحيحة معاوية بن عمّار عنه (عليه السلام)؛ قال: «رَأَيْتُهُ حِينَ افْتَتَحَ الصّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَسْفَلَ مِنْ وَجْهِهِ قَلِيلًا» (5)، و صحيحة ابن سنان عنه (عليه السلام) «فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (6)، قَالَ: هُوَ رَفْعُ يَدَيْكَ حِذَاءَ وَجْهِكَ» (7).

____________

(1). منهم المحقّق (الشرائع، ج 1، ص 70) و العلّامة (القواعد، ج 1، ص 272) و المحقّق الكركي (جامع المقاصد، ج 2، ص 240).

(2). سنن الترمذي، ج 1، ص 183، ح 296؛ فتح العزيز، ج 3، ص 283؛ تلخيص الحبير، ج 3، ص 283.

(3). التهذيب، ج 2، ص 65، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 26، ح 7250.

(4). التهذيب، ج 2، ص 66، ح 8؛ الوسائل، ج 6، ص 27، ح 7255.

(5). التهذيب، ج 2، ص 65، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 26، ح 7251.

(6). الكوثر/ 2.

(7). التهذيب، ج 2، ص 66، ح 5؛ الوسائل، ج 6، ص 27، ح 7253.

13

[القول بوجوب رفع اليدين]

و أوجبه السيّد (1) و ابن الجنيد (2) (رحمهما الله)، و هو غير بعيد، لأنّهما (3) المتلقّاة من صاحب الشرع، و لصحيحة ابن سنان المذكورة في تفسير الآية؛ فإنّ الأمر حقيقة في الوجوب. و مثلها رواية عمر بن يزيد (4).

و روى جميل عنه (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا- يَعْنِي اسْتَقْبَلَ بِيَدَيْهِ خَدَّهُ وَ وَجْهَ الْقِبْلَةِ (5) فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ» (6).

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم) لِجَبْرَئِيلَ: مَا هَذَا النَّحْرُ الَّذِي أَمَرَنِي رَبِّي؟ قَال: لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ وَ لَكِن يَأْمُرُكَ إِذَا عَزَمْتَ لِلصَّلَاةِ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إِذَا كَبَّرْتَ وَ إِذَا رَكَعْتَ وَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ وَ إِذَا سَجَدْتَ؛ فَإِنَّهُ صَلَاتُنَا وَ صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ؛ فإِنَّ (7) لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً وَ إِنَّ زِينَةَ الصَّلَاةِ رَفْعُ الْأَيْدِي فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ» (8).

لكن في صحيحة حمّاد (9) المشهورة الطويلة ليس رفع اليد إلّا في تكبيرة السجود، و الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

____________

(1). الانتصار، ص 147.

(2). نقله عنه في الذكرى، ج 3، ص 374.

(3). أي الصلاة و النحر المأمور بهما في الآية.

(4). مجمع البيان، ج 10، ص 837؛ الوسائل، ج 6، ص 30، ح 7265.

(5). المصدر: «يعنى استقبل بيديه حذوَ وجهه القبلة».

(6). مجمع البيان، ج 10، ص 837؛ الوسائل، ج 6، ص 30، ح 7266.

(7). «ل»: «فإنّه».

(8). مجمع البيان، ج 10، ص 837؛ الوسائل، ج 6، ص 30، ح 7263.

(9). الكافي، ج 3، ص 311، ح 8؛ الفقيه، ج 1، ص 300، ح 915؛ التهذيب، ج 2، ص 81، ح 69؛ الوسائل، ج 5، ص 459، ح 7077.

14

و يتأكّد الاستحباب للإمام، لصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «قَالَ لِي: عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ فِي الصَّلَاةِ» (1).

[عدم تجاوز اليدين عن الرأس و الأذن]

و منها أن لا يتجاوز بهما رأسه و أذنيه، لموثّقة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ فَكَبَّرْتَ فَلَا تَتَجَاوَزْ (2) أُذُنَيْكَ» (3)، و حسنة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «تَرْفَعُ يَدَيْكَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ قُبَالَةَ وَجْهِكَ وَ لَا تَرْفَعْهُمَا كُلَّ ذَلِكَ» (4).

و عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي وَ قَدْ رَفَعَ يَدَيْهِ فَوْقَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى أَقْوَاماً يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كَأَنَّهَا آذَانُ خَيْلٍ شُمْسٍ» (5).

[استحباب استقبال القبلة بباطن الكفّين و ابتداء رفع اليدين مع ابتداء التكبيرة و انتهائه بانتهائها]

و منها استقبال القبلة ببطن الكفّين، لروايتي منصور و جميل المتقدّمتين. و منها الابتداء بالرفع مع ابتداء التكبير، و الانتهاء بانتهائه. قاله جماعة من الأصحاب (6). و ربّما يستنبط (7) ذلك من صحيحة معاوية بن عمّار السابقة، لكن في حسنة الحلبي (8) الآتية في استفتاح الصلاة ما ينافي ذلك في الظاهر.

[استحباب الجهر بتكبيرة الإحرام و الاستشعار بعظمة اللّه تعالى و استصغار غيره حال التكبير]

و منها الجَهْرُ به على قول. و الأشهر تخصيصه بالإمام كما سيجيء. و منها استشعار عظمة اللّه سبحانه و كبريائه، و استصغار ما سواه حالة التكبير كما روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إِذَا كَبَّرْتَ فَاسْتَصْغِرْ مَا بَيْنَ [السَّماوَاتِ] الْعُلَى وَ الثَّرَى دُونَ كِبْرِيَائِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا اطَّلَعَ عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ وَ هُوَ يُكَبِّرُ وَ فِي قَلْبِهِ عَارِضٌ عَنْ حَقِيقَةِ تَكْبِيرِهِ قَالَ: يَا كَاذِبُ، أَ تَخْدَعُنِي؟ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 287، ح 9؛ الوسائل، ج 6، ص 27، ح 7256.

(2). المصدر: «فلا تجاوز».

(3). التهذيب، ج 2، ص 65، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 27، ح 7254.

(4). الكافي، ج 3، ص 309، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 31، ح 7267.

(5). المعتبر، ج 2، ص 157؛ المنتهى، ج 5، ص 39؛ الوسائل، ج 6، ص 31، ح 7270.

(6). منهم المحقّق (المعتبر، ج 2، ص 200) و العلّامة (التذكرة، ج 3، ص 177).

(7). «ل»: «استنبط».

(8). الكافي، ج 3، ص 310، ح 7؛ التهذيب، ج 2، ص 67، ح 12؛ الوسائل، ج 6، ص 24، ح 7247.

15

لَأَحْرِمَنَّكَ حَلَاوَةَ ذِكْرِي وَ لَأَحْجُبَنَّكَ عَنْ قُرْبِي وَ الْمُسَارَّةَ بِمُنَاجَاتِي» (1).

و منها إرادة كونه أكبر من كلّ شيء أو مِن أن يوصف. و كلاهما مرويّ في معنى التكبير (2).

[171]

[4]

مسألة [استحباب افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات بينهما ثلاث دعوات]

يستحبّ افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات، بينها ثلاث دعوات؛ فقد روى الحلبي في الحسن عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ فَارْفَعْ يَدَيْكَ (3)، ثُمَّ ابْسُطْهُمَا بَسْطاً، ثُمَّ كَبِّرْ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ الْحَقُّ، لَا إِلَهَ إلّا أَنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي (4) فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. ثُمَّ كَبِّرْ تَكْبِيرَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْ: لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ وَ الْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَ الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ وَ الْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، لَا مَلْجَأَ وَ لَا مَنْجَى مِنْكَ (5) إِلَّا إِلَيْكَ، سُبْحَانَكَ وَ حَنَانَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَ تَعَالَيْتَ، سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ. ثُمَّ تُكَبِّرُ تَكْبِيرَتَيْنِ، ثُمَّ تَقُولُ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، لٰا شَرِيكَ لَهُ، وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ تَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ اقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ» (6).

____________

(1). مصباح الشريعة، ص 87؛ مستدرك الوسائل، ج 4، ص 95، ح 4220.

(2). تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 240، ح 510؛ الكافي، ج 1، ص 117، ح 8 و ص 118، ح 9.

(3). المصدر: «فارفع كفّيك».

(4). المصدر: «سبحانك إنّي ظلمت نفسي».

(5). المصدر: «لا ملجأ منك».

(6). الكافي، ج 3، ص 310، ح 7؛ التهذيب، ج 2، ص 67، ح 12؛ الوسائل، ج 6، ص 24، ح 7247.

16

و في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) إِلَى الصَّلَاةِ، وَ قَدْ كَانَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) أَبْطَأَ عَنِ الْكَلَامِ حَتَّى تَخَوَّفُوا أَنْ لَا يَتَكَلَّمُ وَ أَنْ يَكُونَ بِهِ خَرَسٌ، فَخَرَجَ (صلى الله عليه و آله و سلم) بِهِ (عليه السلام) عَلَى عَاتِقِهِ وَ صَفَّ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَأَقَامَهُ عَلَى يَمِينِهِ، فَافْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) الصَّلَاةَ، فَكَبَّرَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام)، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) تَكْبِيرَهُ عَادَ فَكَبَّرَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) (1) حَتَّى كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَ كَبَّرَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام)، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ» (2). و قريب منها صحيحة حفص عن الصادق (عليه السلام) (3).

و في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: «التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ تُجْزِي، وَ الثَّلَاثُ أَفْضَلُ، وَ السَّبْعُ أَفْضَلُ» (4). و قريب منها صحيحة زيد الشحّام عن الصادق (عليه السلام) (5).

و في الموثّق عن زرارة عنه (عليه السلام): «إِنَّهُ اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ وِلَاءً» (6). و عنه (عليه السلام): «إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ فَكَبِّرْ؛ إِنْ شِئْتَ وَاحِدَةً، وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَاثاً، وَ إِنْ شِئْتَ خَمْساً، وَ إِنْ شِئْتَ سَبْعاً. كُلُّ ذَلِكَ مُجْزٍ عَنْكَ غَيْرَ أَنَّكَ إِذَا كُنْتَ إِمَاماً لَمْ تَجْهَرْ إلَّا بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ» (7).

____________

(1). المصدر: «فكبّر و كبّر الحسين (عليه السلام)».

(2). الفقيه، ج 1، ص 305، ح 917؛ الوسائل، ج 6، ص 21، ح 7241.

(3). التهذيب، ج 2، ص 67، ح 11؛ الوسائل، ج 6، ص 20، ح 7238.

(4). التهذيب، ج 2، ص 66، ح 10؛ الوسائل، ج 6، ص 10، ح 7208.

(5). التهذيب، ج 2، ص 66، ح 9؛ الوسائل، ج 6، ص 9، ح 7206.

(6). التهذيب، ج 2، ص 287، ح 8؛ الوسائل، ج 6، ص 21، ح 7239.

(7). التهذيب، ج 2، ص 66، ح 7؛ الوسائل، ج 6، ص 21، ح 7240.

17

و قد ورد الدعاء عقيب السادسة بقوله: «يَا مُحْسِنُ قَدْ أَتَاكَ الْمُسِيءُ وَ قَدْ أَمَرْتَ الْمُحْسِنَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنِ الْمُسِيءِ، وَ أَنْتَ الْمُحْسِنُ وَ أَنَا الْمُسِيءُ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ (1) وَ تَجَاوَزْ عَنْ قَبِيحِ مَا تَعْلَمُ مِنِّي» (2). و ورد أيضاً (3) أنّه يقول:

«رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلٰاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» (4) الآية. و الكلّ حسن.

[التخيير في جعل أيٍّ من التكبيرات السبع، تكبيرةَ الإحرام]

و يتخيّر المصلّي في جعل أيّ السبع شاء تكبيرة الافتتاح بلا خلاف. و قد ذكر الشيخ (5) و جماعة (6) أنّ الأَولى جعلها الأخيرة، و لم نعرف مأخذه، بل المستفاد من صحيحة زرارة السابقة أولويّة جعلها الأُولى كما قيل.

نعم، يمكن أن يستفاد ذلك من صحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «التَّكْبِيرُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ خَمْسٌ وَ تِسْعُونَ تَكْبِيرَةً، مِنْهَا تَكْبِيرَةُ الْقُنُوتِ خَمْسٌ» (7) حيث لم يجعل الستّ منها بل أخرجها من الصلاة، لأنّها على ما تضمّنته الأخبار المفصّلة خمسٌ للقنوتات و سبع عشرة لهويّات الركوع و ضِعفُها لهويّات السجود و مثلُها للرفع منها؛ فهذه خمسٌ و تسعون، في كلٍّ من الظهرين و العشاء اثنتان و عشرون، و في المغرب سبع عشرة، و في الفجر اثنتا عشر. و سيجيء بيان كلٍّ منها في موضعه.

و روى زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام): «إِذَا كَبَّرْتَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ

____________

(1). المصدر: «فبحقّ محمّد و آل محمّد صلّ على محمّد و آل محمّد».

(2). الذكرى، ج 3، ص 262؛ الفوائد المليّة، ج 1، ص 163؛ مستدرك الوسائل، ج 4، ص 143، ح 4337. يوجد هذا الدعاء مع تفاوت يسير في مصباح المتهجّد (ص 30) و فلاح السائل (ص 155) لمطلق الدعاء قبل استفتاح الصلاة.

(3). الفوائد المليّة، ج 1، ص 163؛ مستدرك الوسائل، ج 4، ص 143، ح 4338.

(4). إبراهيم/ 40.

(5). المبسوط، ج 1، ص 104.

(6). منهم العلّامة (نهاية الإحكام، ج 1، ص 458) و الشهيد الثاني (روض الجنان، ج 2، ص 689).

(7). التهذيب، ج 2، ص 87، ح 91؛ الاستبصار، ج 1، ص 336، ح 1؛ الكافي، ج 3، ص 310، ح 5؛ الوسائل، ج 6، ص 18، ح 7233.

18

الاسْتِفْتَاحِ إِحْدَى وَ عِشْرِينَ تَكْبِيرَةً ثُمَّ نَسِيتَ التَّكْبِيرَ أَجْزَأَكَ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى عَنْ تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا» (1). و المراد الصلاة الرباعيّة؛ فلو كبّر في أوّل صلاة الفجر إحدى عشر تكبيرة بعد الافتتاح ثمّ نسي التكبيرات أجزأه ذلك.

[استحباب التكبيرات السبع في الفرائض و النوافل أو اختصاصها بالفرائض]

ثمّ المستفاد من إطلاق الروايات عموم استحباب الاستفتاح بالسبع جميعَ الصلوات المفروضة و المسنونة، و هو مذهب جماعة من الأصحاب (2). و قيل (3) باختصاصه بالفرائض. و قيل (4) باختصاصه لستّ مواضع: أوّل كلّ فريضة و أوّل ركعة من صلاة الليل، و في المفردة من الوتر، و أوّل ركعة من نافلة الزوال و أوّل ركعة من نوافل المغرب، و أوّل ركعتي الإحرام. و قد يزاد سابع و هو الوتيرة (5)، و لم أظفر بمستندهم. و اللّه أعلم.

____________

(1). الفقيه، ج 1، ص 343، ح 1002؛ التهذيب، ج 2، ص 144، ح 22؛ الوسائل، ج 6، ص 19، ح 7236 مع تفاوت يسير.

(2). منهم المحقّق (المعتبر، ج 2، ص 155) و ابن إدريس (السرائر، ج 1، ص 237) و العلّامة (المختلف، ج 2، ص 186).

(3). نقله في المختلف (ج 2، ص 186) عن السيّد المرتضى في المسائل المحمديّة.

(4). نقله الصدوق في الفقيه (ج 1، ص 484، باب الصلوات التي جرت السنّة بالتوجّه فيهن) عن أبيه علي بن بابويه.

(5). نسبه الشيخ في التهذيب (ج 2، ص 94) إلى المفيد. راجع: المقنعة، ص 111.

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[3- 5]

القول في القراءة

[172]

[1]

مسألة [وجوب القراءة في الصلاة]

أجمع العلماء كافّةً- إلّا من شذّ من العامّة- على وجوب القراءة في الصلاة للمنفرد و الإمام؛ أمّا المأموم فسيجيء حكمه إن شاء اللّه. و أجمع أصحابنا على أنّها يتعيّن بالفاتحة في كلّ ثنائيّة و في الأوليين من كلّ ثلاثيّة و رباعيّة على ما قالوه (1).

[الأخبار الدالة على وجوب قراءة الفاتحة في كل ثنائية و في الأوليين من كل ثلاثية و رباعية]

و الأصل فيه فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام)، و الأخبار المستفيضة كصحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي صَلَاتِهِ، قَالَ: لَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ بِهَا فِي جَهْرٍ أَوْ إِخْفَاتٍ» (2).

و صحيحته الأخرى عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ، وَ الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ؛ فَمَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ مُتَعَمِّداً أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَ مَنْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» (3).

____________

(1). راجع: التذكرة، ج 3، ص 128، المسألة 218.

(2). التهذيب، ج 2، ص 146، ح 31؛ الاستبصار، ج 1، ص 354، ح 5؛ الكافي، ج 3، ص 317، ح 28؛ الوسائل، ج 6، ص 37، ح 7280.

(3). الكافي، ج 3، ص 347، ح 1؛ التهذيب، ج 2، ص 146، ح 27؛ الاستبصار، ج 1، ص 353، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 87، ح 7415.

22

و رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ أُمَّ الْقُرْآنِ، قَالَ: إِنْ كَانَ لَمْ يَرْكَعْ فَلْيُعِدْ أُمَّ الْقُرْآنِ» (1)، و رواية سماعة؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ رَجُلٍ يَقُومُ فِي الصَّلَاةِ فَيَنْسَى فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، قَالَ: فَلْيَقُلْ: أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثُمَّ لْيَقْرَأْهَا مَا دَامَ لَمْ يَرْكَعْ؛ فَإِنَّهُ لَا قِرَاءَةَ حَتَّى يَبْدَأَ بِهَا فِي جَهْرٍ أَوْ إِخْفَاتٍ؛ فَإِنَّهُ إِذَا رَكَعَ أَجْزَأَهُ» (2).

[الاستدلال على عدم ركنية قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة]

و يستفاد من الروايات الأخيرة عدم ركنيّتها، و هو المشهور بين الأصحاب، و ادّعى الشيخ (رحمه الله) (3) عليه الإجماع.

و يدلّ عليه أخبار أخر كموثّقة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال:

«قُلْتُ لَهُ: إِنِّي صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، فَنَسِيتُ أَنْ أَقْرَأَ فِي صَلَاتِي كُلِّهَا، فَقَالَ: أَ لَيْسَ قَدْ أَتْمَمْتَ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ إِذَا كَانَ نِسْيَاناً (4)» (5).

و صحيحة معاوية بن عمّار عنه (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ: الرَّجُلُ يَسْهُو عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَيَذْكُرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ، قَالَ: أَتَمَّ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَجْعَلَ آخِرَ صَلَاتِي أَوَّلَهَا» (6).

و موثّقة أبي بصير؛ قال: «إِذَا نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى وَ الثَّانِيَةِ أَجْزَأَهُ تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ، وَ إِنْ كَانَتِ الْغَدَاةُ فَنَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا فَلْيَمْضِ فِي صَلَاتِهِ» (7)، إلى

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 347، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 88، ح 7419.

(2). التهذيب، ج 2، ص 147، ح 32؛ الاستبصار، ج 1، ص 354، ح 6؛ الوسائل، ج 6، ص 89، ح 7420.

(3). الخلاف، ج 1، ص 409، المسألة 156.

(4). في النسخ «ناسياً»، و ما أثبتناه من المصدر.

(5). الكافي، ج 3، ص 348، ح 3؛ التهذيب، ج 2، ص 146، ح 28؛ الاستبصار، ج 1، ص 353، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 90، ح 7424.

(6). التهذيب، ج 2، ص 146، ح 29؛ الاستبصار، ج 1، ص 354، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 92، ح 7428.

(7). التهذيب، ج 2، ص 146، ح 30؛ الاستبصار، ج 1، ص 354، ح 4؛ الوسائل، ج 6، ص 90، ح 7425.

23

غير ذلك من الأخبار.

[القول بركنية قراءة الفاتحة في الصلاة و الرد عليه]

و حكى في المبسوط (1) قولًا بركنيّتها، و لعلّ مستنده صحيحة محمّد بن مسلم الأولى. و جوابه أنّها محمولة على العامد، جمعاً بين الأدلّة.

ثمّ لا يخفى أنّ الحكم بالمضي في الصلاة مع نسيان القراءة إنّما يتمّ لو لم يذكر قبل فوات محلّها بالركوع- كما يستفاد من روايتي أبي بصير و سماعة-، لوجوب الإتيان بها مع الشكّ فيها قبل ذلك- كما مرّ بيانه في مباحث تكبيرة الإحرام-؛ فمع السهو أَولى.

و حينئذ فلو سها عن الفاتحة حتّى أتى بالسورة، يأتي بالفاتحة ثمّ بسورةٍ، محافظةً على الترتيب. و الظاهر أنّ هذا ممّا لا خلاف فيه.

[حكم من شك في قراءة الفاتحة]

و لو شكّ في قراءة الفاتحة و هو في السورة فالأظهر أنّه لا يلتفت، وفاقاً لابن إدريس (2) و المحقّق (3)، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «إِذَا خَرَجْتَ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ دَخَلْتَ فِي غَيْرِهِ فَشَكُّكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ» (4). و نحوه قال في صحيحة إسماعيل بن جابر (5). و قيل (6) بوجوب الإعادة، لعدم تحقّق التجاوز عن محلّ القراءة. و فيه ضعف، و لعلّه أحوط.

____________

(1). المبسوط، ج 1، ص 105.

(2). السرائر، ج 1، ص 248.

(3). المعتبر، ج 2، ص 390.

(4). التهذيب، ج 2، ص 352، ح 47؛ الوسائل، ج 8، ص 237، ح 10524.

(5). التهذيب، ج 2، ص 153، ح 60؛ الاستبصار، ج 1، ص 358، ح 9؛ الوسائل، ج 6، ص 317، ح 8071.

(6). نقله العلّامة في المنتهى (ج 7، ص 33) عن الشيخ؛ فراجع: المبسوط، ج 1، ص 122؛ النهاية، ص 92.

24

[173]

[2]

مسألة [وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الآيات]

يجب قراءة الفاتحة في عشر ركعات الآيات كلّها إن كان يقرأ في كلٍّ منها سورة كاملة بعدها، و في الأولى و السادسة خاصّة إن كان يفرّق سورتين على العشر؛ في كلّ خمس سورة، وفاقاً لمعظم الأصحاب و خلافاً لابن إدريس (1) حيث استحبّ قراءتها مع إكمال السورة.

[الأخبار الدالة على وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الآيات و كيفية قراءتها فيها]

لنا الأخبار الصحيحة كصحيحة الفضيل و زرارة و بُريد و محمّد بن مسلم عن كليهما، و منهم من رواه عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «أَنَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ الرَّجْفَةِ وَ الزَّلْزَلَةِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ وَ أَرْبَعُ سَجَدَاتٍ» إلى أن قال:

«تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ بِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَقْرَأُ أُمَّ الْكِتَابِ وَ سُورَةً، ثُمَّ تَرْكَعُ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقْرَأُ أُمَّ الْكِتَابِ وَ سُورَةً، ثُمَّ تَرْكَعُ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقْرَأُ أُمَّ الْكِتَابِ وَ سُورَةً، ثُمَّ تَرْكَعُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقْرَأُ أُمَّ الْكِتَابِ وَ سُورَةً، ثُمَّ تَرْكَعُ الرَّابِعَةَ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقْرَأُ أُمَّ الْكِتَابِ وَ سُورَةً، ثُمَّ تَرْكَعُ الْخَامِسَةَ، فَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ قُلْتَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ تَخِرُّ سَاجِداً فَتَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَقُومُ فَتَصْنَعُ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ فِي الْأُولَى.

«قَالَ: قُلْتُ: وَ إِنْ قَرَأَ سُورَةً وَاحِدَةً فِي الْخَمْسِ رَكَعَاتٍ فَفَرَّقَهَا بَيْنَهَا؟ قَالَ:

أَجْزَأَهُ أُمُّ الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَ إِنْ قَرَأَ خَمْسَ سُوَرٍ (2) مَعَ كُلِّ سُورَةٍ أُمُّ الْكِتَابِ، وَ الْقُنُوتُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ تَقْنُتُ فِي الرَّابِعَةِ

____________

(1). السرائر، ج 1، ص 324.

(2). في النسخ «خمس سورة»، و ما أثبتناه من المصدر.

25

مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ فِي السَّادِسَةِ، ثُمَّ فِي الثَّامِنَةِ، ثُمَّ فِي الْعَاشِرَةِ» (1) الحديث.

و صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)؛ قالا: «سَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمْ هِيَ رَكْعَةً وَ كَيْفَ نُصَلِّيهَا؟ فَقَالَ: هِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ وَ أَرْبَعُ سَجَدَاتٍ» إلى أن قال: «وَ تَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ الْقِرَاءَةُ فِيهَا؟ فَقَالَ: إِنْ قَرَأْتَ سُورَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَ إِنْ نَقَصْتَ مِنَ السُّورَةِ (2) شَيْئاً فَاقْرَأْ مِنْ حَيْثُ نَقَصْتَ وَ لَا تَقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ» (3). الحديث.

و صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) أنّه سأله عن صلاة الكسوف كسوف الشمس و القمر، قال: «عَشْرُ رَكَعَاتٍ وَ أَرْبَعُ سَجَدَاتٍ؛ تَرْكَعُ خَمْساً ثُمَّ تَسْجُدُ فِي الْخَامِسَةِ، ثُمَّ تَرْكَعُ خَمْساً ثُمَّ تَسْجُدُ فِي الْعَاشِرَةِ. وَ إِنْ شِئْتَ قَرَأْتَ [سُورَةً] (4) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَ إِنْ شِئْتَ قَرَأْتَ نِصْفَ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. فَإِذَا قَرَأْتَ سُورَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ اقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَ إِنْ قَرَأْتَ نِصْفَ السُّورَةِ أَجْزَأَكَ أَنْ لَا تَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إلَّا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ حَتَّى تَسْتَأْنِفَ أُخْرَى. وَ لَا تَقُلْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي رَفْعِ رَأْسِكَ مِنَ الرُّكُوعِ إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَسْجُدَ فِيهَا» (5).

احتجّ ابن إدريس بأنّ الركعات كركعة واحدة. و ردّه في المعتبر (6) بأنّه خلاف فتوى الأصحاب و المنقول من أهل البيت (عليهم السلام).

[الأقوال في كيفية قراءة السورة في صلاة الآيات]

ثمّ لا خلاف بين الأصحاب في هذا التخيير. و يستفاد من إطلاق الرواية الثانية جواز التفريق- بأن يبعّض سورة في إحدى الخمس ركعات، و يقرأ

____________

(1). التهذيب، ج 3، ص 155، ح 5؛ الوسائل، ج 7، ص 492، ح 9941.

(2). «ل»: «و ان نقصت السورة».

(3). التهذيب، ج 3، ص 156، ح 7؛ الكافي، ج 3، ص 463، ح 2؛ الوسائل، ج 7، ص 494، ح 9946.

(4). ما بين المعقوفتين من المصدر.

(5). الفقيه، ج 1، ص 549، ح 1530؛ الوسائل، ج 7، ص 495، ح 9947.

(6). المعتبر، ج 2، ص 335.

26

في الأخرى خمساً- و الجمع في إحداهما بين الإتمام و التبعيض- بأن يتمّ السورة في القيام الأوّل مثلًا و يبعّض سورة في الأربع البواقي-.

قيل (1): و في جواز الركوع قبل إتمامها و الحال هذه وجهان. و كذا الوجهان في جواز إتمامها بعد القيام من السجود، لكن لا بدّ من قراءة الحمد.

قلت: لا وجه للتردّد في جواز ذلك بعد الحكم بجواز التفريق و الجمع المذكورَين، بل يمكن المناقشة في وجوب الحمد في السادسة إذا كان يتمّ السورة الناقصة فيها.

نعم، الأحوط أن يقتصر على قراءة سورة كاملة في كلّ ركعة أو تفريق سورة على كلّ من الخمسين.

[174]

[3]

مسألة وجوب قراءة الفاتحة بالعربيّة على الوجه الصحيح المنقول في الروايات]

تجب قراءة الفاتحة أجمع عربيّةً على الوجه المنقول بالتواتر، مخرجاً للحروف من مخارجها، مراعياً للموالاة العرفي. و لا يصحّ الصلاة مع الإخلال و لو بالتشديد و الإعراب.

[الحكم بكون البسملة آية من الفاتحة]

و البسملة آية منها، لإجماعنا و أكثر أهل العلم، و للروايات الصحيحة المستفيضة كصحيحة محمّد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ السَّبْعِ الْمَثَانِي وَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، هِيَ الْفَاتِحَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» مِنَ السَّبْعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ أَفْضَلُهُنَّ» (2).

____________

(1). جامع المقاصد، ج 2، ص 465؛ المدارك، ج 4، ص 139.

(2). التهذيب، ج 2، ص 289، ح 13؛ الوسائل، ج 6، ص 57، ح 7337.

27

و صحيحة معاوية بن عمّار عنه (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: إِذَا قُمْتُ لِلصَّلَاةِ أَقْرَأُ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» [فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ] (1)؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِذَا قَرَأْتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أَقْرَأُ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» مَعَ السُّورَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» (2).

و أمّا صحيحة محمّد بن مسلم (3) من نفي البأس و الضرر بعدم قراءتها، فمحمولة على التقيّة كما يشعر به بعض الروايات (4).

و من لا يحسن الفاتحة يجب عليه التعلّم؛ فإن تعذّر أو ضاق الوقت يجب عليه الائتمام إن أمكنه، أو القراءة في المصحف إن أحسنه، و إلّا قرأ ما تيسّر منها إجماعاً. فإن تعذّر قرأ ما تيسّر من غيرها، و إن تعذّر هلّل اللّه و كبّره و سبّحه؛ ففي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ مِنَ الصَّلَاةِ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ؛ أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ أَجْزَأَهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَ يُسَبِّحَ وَ يُصَلِّيَ» (5).

[حكم الأخرس في قراءة الفاتحة]

و حكم الأخرس هنا حكمه في التكبير، و قد مرّ. و هل يجب عليه الائتمام مع الإمكان؟ الظاهر لا، لأنّ القراءة الصحيحة ساقطة عنه؛ فلا يجب بدله،

____________

(1). ما بين المعقوفتين من المصدر.

(2). الاستبصار، ج 1، ص 311، ح 2؛ الكافي، ج 3، ص 312، ح 1؛ التهذيب، ج 2، ص 69، ح 19؛ الوسائل، ج 6، ص 58، ح 7340.

(3). التهذيب، ج 2، ص 68، ح 15؛ الاستبصار، ج 1، ص 312، ح 6؛ الوسائل، ج 6، ص 62، ح 7352.

(4). راجع: الوسائل، ج 6، ص 61، الباب 12 من أبواب القراءة في الصلاة.

(5). التهذيب، ج 2، ص 147، ح 33؛ الاستبصار، ج 1، ص 310، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 42، ح 7292.

28

بخلاف من يمكنه التعلّم و ضاق الوقت؛ فإنّ الإصلاح له ممكن و ذلك بدله.

و في وجوب القراءة عن ظهر القلب في الفريضة على القادر على الحفظ وجهان: من حيث أنّ المعهود و المتبادر ذلك، و من أنّ الواجب مطلق الذكر.

و يؤيّد الثاني رواية الحسن الصيقل عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَ هُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ يَقْرَأُ فِيهِ، يَضَعُ السِّرَاجَ قَرِيباً مِنْهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ» (1).

[175]

[4]

مسألة [حكم قول آمّين في آخر الفاتحة من غير تقيّة]

اختلف الأصحاب في قول «آمين» في آخر الحمد لغير تقيّة على ثلاثة أقوال: التحريم مع الإبطال، و بدونه، و الكراهة. و الأصحّ الثالث وفاقاً لابن الجنيد (2) و المحقّق (3) و بعض المتأخّرين (4).

[جواز قول آمين في آخر الفاتحة في غير تقية و الاستدلال على كراهته بالروايات]

لنا، أمّا على الجواز فلأنّه دعاء، و الدعاء في الصلاة جائز بإجماع العلماء.

و أمّا على الكراهة، فلحسنة جميل عن الصادق (عليه السلام) قال: «إِذَا كُنْتَ خَلْفَ إِمَامٍ فَقَرَأَ الْحَمْدَ وَ فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا فَقُلْ أَنْتَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ لَا تَقُلْ:

آمِينَ» (5)، و رواية الحلبي عنه (عليه السلام) أنّه قال له: «أَقُولُ إِذَا فَرَغْتُ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ: آمِينَ؟ قَالَ: لَا» (6).

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 294، ح 40؛ الوسائل، ج 6، ص 107، ح 7465.

(2). نقله عنه في الدروس (ج 1، ص 174) و جامع المقاصد (ج 2، ص 249).

(3). المعتبر، ج 2، ص 186.

(4). منهم المقدّس الأردبيلي (مجمع الفائدة و البرهان، ج 2، ص 235).

(5). الكافي، ج 3، ص 313، ح 5؛ التهذيب، ج 2، ص 74، ح 43؛ الاستبصار، ج 1، ص 318، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 67، ح 7362.

(6). التهذيب، ج 2، ص 74، ح 44؛ الاستبصار، ج 1، ص 318، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 67، ح 7364.

29

[الاستدلال على حرمة قول آمين في آخر الفاتحة من غير تقية]

احتجّوا بالإجماع و بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الآدَمِيِّينَ» (1)، و قول «آمين» من كلامهم، لأنّه ليس بقرآن و لا دعاء و إنّما هو اسم للدعاء، و الاسم غير المسمّى.

و بأنّه فعل كثير خارج عن الصلاة، و بأنّها إنّما يكون على أثر دعاء يقدمها، و القاري لا يجب عليه قصد الدعاء مع القراءة؛ فلا معنى لها حينئذ، و إذا انتفى جوازها عند عدم القصد انتفى عند قصد القراءة و الدعاء لأنّ أحداً لم يفرّق بينهما. و بأنّ معناها «اللّهمّ استجب»، و لو نطق بذلك أبطل صلاته؛ فكذا ما قام مقامه.

فهذه جملة ما احتجّ به القائلون على التحريم مطلقاً، مضافاً إلى الروايتين المتقدّمتين. و بعضها يدلّ على عدم الفرق في البطلان بين أن يقولها في آخر الحمد أو غير ذلك كالقنوت و غيره من حالات الصلاة، و قد التزموا ذلك كما صرّح به بعضهم (2).

[رد الاستدلال على حرمة قول آمين في آخر الفاتحة من غير تقية]

و الجواب أمّا عن الأوّل فبالمنع من الإجماع؛ فإنّه لم يثبت. كيف و قد خالف فيه ابن الجنيد (رحمه الله) من المتقدّمين و المحقّق (قدس سره) من المتأخّرين.

قال ابن الجنيد في كتاب الإمامة (3): «و لا يصل الإمام و لا غيره قراءته «وَ لَا الضّٰالِّينَ» ب" آمين"، لأنّ ذلك يجري مجرى الزيادة في القرآن ممّا ليس منه، و ربّما سمعها الجاهل فرآها من التنزيل، و قد روى سمرة و أبيّ بن كعب السكتتين و لم يذكرا فيها" آمين"». ثمّ قال: «و لو قال المأموم في نفسه:

" اللهمّ اهدنا إلى صراطك المستقيم" كان أحبّ إليّ، لأنّ ذلك ابتداء دعاء منه.

____________

(1). عوالي اللآلي، ج 1، ص 196، ح 4؛ مستدرك الوسائل، ج 5، ص 427، ح 6262.

(2). منهم الشيخ في الخلاف (ج 1، ص 332، المسألة 84) و الشهيد الثاني في فوائد القواعد (ص 177) و المقاصد العلية (ص 256).

(3). نقله عنه الذكرى، ج 3، ص 348.

30

و إذا قال" آمين" تأميناً على ما تلاه الإمام، صرف القراءة إلى الدعاء الّذي يؤمّن عليه سامعه».

و قال في حدود الصلاة: «و يستحبّ أن يجهر به الإمام- يعنى القنوت- في جميع الصلوات ليؤمّن من خلفه على دعائه». انتهى.

و أمّا عن الثاني فبعد تسليم السند نمنع كونها من كلام الآدميّين. قوله:

«لأنّها ليست بدعاء»، قلنا ممنوع، بل الحقّ أنّه دعاء كقولنا: «اللّهمّ استجب» كما صرّح به المحقّق نجم الأئمّة الرضي (1)، حيث قال: «و ليس ما قال بعضهم- أنّ" صه" مثلًا اسم للفظ" أسكت" الذي هو دالّ على معنى الفعل؛ فهو عَلَم للفظ الفعل لا معناه- بشيء، لأنّ العربيّ القحّ ربّما يقول" صه" مع أنّه ربّما لا يخطر في باله لفظ" أسكت" و ربّما لم يسمعه أصلًا. و لو قلت إنّه اسم ل" اصمت" (2) أو" امتنع" أو" كفّ عن الكلام" أو غير ذلك ممّا يؤدّي هذا المعنى، لصحّ؛ فعلمنا منه أنّ المقصود المعنى لا اللفظ». انتهى.

و أمّا عن الثالث فبالمنع من كونها فعلًا كثيراً؛ فإنّه دعوى مجرّدة عن الدليل. و أمّا عن الرابع فبالمنع من أنّ الدعاء بالاستجابة يلزم أن يكون متعلّقاً بما قبله، و لو تعلّق به لجاز، سواء قصد به الدعاء أم لا، لأنّ عدم القصد بالدعاء لا يخرجه عن كونه دعاء.

و أمّا عن الخامس فبالمنع من بطلان الصلاة بقوله: «اللّهمّ استجب». كيف و الدعاء جائز في الصلاة بإجماع العلماء.

و أمّا عن الروايتين فبقصورهما عن إثبات التحريم فضلًا عن الإبطال؛ فإنّ استعمال النهي في الكراهة شائع في كلامهم (عليهم السلام)، و الأصل براءة الذمّة.

____________

(1). شرح الكافية، ص 178.

(2). «ج» و «م»: «اسم اصمت».

31

هذا كلّه مع عدم اعتقاد مشروعيّتها و رجحان قولها بعد الحمد؛ أمّا مع ذلك فحرام قطعاً قولًا واحداً، لأنّه تشريع و هو ظاهر. و كيف كان فسبيل الاحتياط واضح.

[176]

[5]

مسألة [الحكم بجواز بدليّة «الحمد» عن التسبيح في الركعتين الأخيرتين]

أجمع علماؤنا على أنّه يجزي بدل الحمد في كلّ ثالثة و رابعة، التسبيح، و النصوص الواردة به مستفيضة، و لكنّهم اختلفوا في قدره لاختلاف [الأقوال و الروايات في بدلية «الحمد» عن التسبيح في الركعتين الأخيرتين]

الروايات فيه؛ ففي الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «لَا تَقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعِ الرَّكَعَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ شَيْئاً، إِمَاماً كُنْتَ أَوْ غَيْرَ إِمَامٍ. قُلْتُ: فَمَا أَقُولُ فِيهِمَا؟ قَالَ: إِنْ كُنْتَ إِمَاماً أَوْ وَحْدَكَ فَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تُكَمِّلُ تِسْعَ تَسْبِيحَاتٍ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَ تَرْكَعُ» (1).

و في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «إِذَا قُمْتَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ لَا تَقْرَأْ فِيهِمَا؛ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ» (2)، و في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «قُلْتُ لَهُ: مَا يُجْزِئُ مِنَ الْقَوْلِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ؟ قَالَ: تَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَ تُكَبِّرُ وَ تَرْكَعُ» (3).

____________

(1). الفقيه، ج 1، ص 392، ح 1159؛ الوسائل، ج 6، ص 122، ح 7509.

(2). التهذيب، ج 2، ص 99، ح 140؛ الاستبصار، ج 1، ص 322، ح 6؛ الوسائل، ج 6، ص 124، ح 7515.

(3). الكافي، ج 3، ص 319، ح 2؛ التهذيب، ج 2، ص 98، ح 135؛ الاستبصار، ج 1، ص 321، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 109، ح 7471.

32

و في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، قَالَ: تُسَبِّحُ وَ تُحَمِّدُ اللَّهَ وَ تَسْتَغْفِرُ لِذَنْبِكَ، وَ إِنْ شِئْتَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهَا تَحْمِيدٌ وَ دُعَاءٌ» (1).

و في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) فيمن أدرك الإمام في الأخيرتين فجعلهما الأوليين قال: «فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا، لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا يُقْرَأُ فِيهَا فِي الْأَوَّلَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَ سُورَةٍ، وَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَا يُقْرَأُ فِيهِمَا؛ إِنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ وَ تَكْبِيرٌ وَ تَهْلِيلٌ وَ دُعَاءٌ لَيْسَ فِيهِمَا قِرَاءَةٌ» (2).

و قد عمل بكلّ واحدة من هذه الروايات جماعة إلّا الأخيرتين؛ فلم أجد عاملًا بهما على الخصوص. و أضاف جماعة (3) إلى الرواية الأولى تكبيراً بعد التسع، و أخرى (4) أوجبوا ما تضمّنته الثالثة ثلاث مرّات، و أخرى (5) اجتزوا بكلّ ما روي فيه. و هو المختار عندي، لصحّة الروايات و عدم الرجحان، لكنّ الزائد على الأقلّ لا يوصف بالوجوب كما حقّق في الأصول.

و في رواية عبد اللّه بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) الاكتفاء بمطلق الذكر حيث قال: «إِنْ شِئْتَ فَاقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَ إِنْ شِئْتَ فَاذْكُرِ اللَّهَ» (6)، و في طريقه

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 98، ح 136؛ الاستبصار، ج 1، ص 321، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 107، ح 7467.

(2). التهذيب، ج 3، ص 45، ح 70؛ الاستبصار، ج 1، ص 436، ح 1؛ الوسائل، ج 8، ص 388، ح 10977.

(3). منهم الشيخ (المبسوط، ج 1، ص 106؛ الجمل و العقود، ص 69) و ابن إدريس (السرائر، ج 1، ص 222) و السيّد المرتضى (جمل العلم و العمل، ص 61).

(4). منهم الشيخ في النهاية، ص 76.

(5). نقله في المختلف (ج 2، ص 146) عن ابن الجنيد.

(6). التهذيب، ج 2، ص 98، ح 137؛ الاستبصار، ج 1، ص 321، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 108، ح 7469.

33

ضعف. و الأولى الجمع بين التسبيحات الأربع و الاستغفار، بل مع تكرار المجموع ثلاثاً و إن كان الكلّ مجزياً.

[الأقوال في بدلية «الحمد» عن التسبيح في الأخيرتين لمن نسي «الحمد» في الأوليين]

ثمّ التخيير هل يسقط بنسيان القراءة في الأوليين؟ المشهور لا، لعموم الروايات الدالّة عليه، و لصحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) قال:

«قُلْتُ: الرَّجُلُ يَسْهُو عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ، فَيَذْكُرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ، قَالَ: أَتَمَّ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَجْعَلَ آخِرَ صَلَاتِي أَوَّلَهَا» (1).

و قيل (2) يتعيّن الحمد على ناسي القراءة في الأوليين، لعموم قوله (عليه السلام) «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (3). و الجواب أنّها محمولة على العامد، لقوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم: «وَ مَنْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» (4).

[الأقوال في أفضلية التسبيح أو «الحمد» في الأخيرتين]

و هل التسبيح أفضل أم القراءة؟ أقوال: ثالثها التسوية و رابعها أفضليّة القراءة للإمام و التسوية للمنفرد و خامسها كذلك إلّا أنّ الإمام إن تيقّن عدم المسبوق فالأفضل له التسبيح.

و الأقوى أفضليّة التسبيح للمنفرد و الإمام إن لم يجوّز دخول مسبوق، و القراءة له إن جوّز، لئلّا يخلو قُدوَته عن القراءة، جمعاً بين صحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام)- قال: «إِذَا كُنْتَ إِمَاماً فَاقْرَأْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَ إِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ فَيَسَعُكَ فَعَلْتَ أَوْ لَمْ تَفْعَلْ» (5)- و بين أكثر

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 146، ح 29؛ الاستبصار، ج 1، ص 354، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 92، ح 7428.

(2). الخلاف، ج 1، ص 341، المسألة 93.

(3). عوالي اللآلي، ج 1، ص 196، ح 2؛ مستدرك الوسائل، ج 4، ص 158، ح 4365.

(4). الكافي، ج 3، ص 347، ح 1؛ التهذيب، ج 2، ص 146، ح 27؛ الاستبصار، ج 1، ص 353، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 87، ح 7415.

(5). التهذيب، ج 2، ص 99، ح 139؛ الوسائل، ج 6، ص 126، ح 7519.

34

الصحاح السابقة كصحاح زرارة و صحيحة معاوية بن عمّار و صحيحة عبيد بن زرارة؛ فإنّ قوله (عليه السلام) «فَإِنَّهَا تَحْمِيدٌ وَ دُعَاءٌ» يعطي أنّ التسبيح الذي هو تحميد و دعاء هو الأصل و الحري بأن يأتي به المصلّي في الأخيرتين، و أنّ الفاتحة إنّما أجزأت عنه لاشتمالها على التحميد و الدعاء.

و يدلّ على أفضليّة التسبيح أيضاً ما رواه محمّد بن حمران (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: «صَارَ التَّسْبِيحُ أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لِأَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله و سلم) لَمَّا كَانَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ ذَكَرَ مَا رَأَى مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَدَهِشَ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إلّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ؛ فَلِذَلِكَ صَارَ التَّسْبِيحُ أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَاءَةِ» (2).

[الاستدلال على أفضلية قراءة «الحمد» على التسبيح في الأخيرتين و الرد عليه]

احتجّوا على إطلاق أفضليّة القراءة برواية منصور بن حازم المتقدّمة، مضافاً إليها صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «يُجْزِيكَ التَّسْبِيحُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ. قُلْتُ: أَيَّ شَيْءٍ تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ» (3)، و رواية محمّد بن حكيم عن الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ أَيُّمَا أَفْضَلُ: الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ [الْأَخِيرَتَيْنِ] (4) أَوِ التَّسْبِيحُ؟ فَقَالَ: الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ» (5)، و رواية جميل عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَمَّا يَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَ لَا يَقْرَأُ الَّذِينَ خَلْفَهُ، وَ يَقْرَأُ الرَّجُلُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (6).

____________

(1). المصدر: «محمّد بن عمران».

(2). الفقيه، ج 1، ص 309، ح 924؛ الوسائل، ج 6، ص 123، ح 7511.

(3). التهذيب، ج 3، ص 35، ح 36؛ الوسائل، ج 6، ص 126، ح 7520.

(4). ما بين المعقوفتين من المصدر.

(5). التهذيب، ج 2، ص 98، ح 138؛ الاستبصار، ج 1، ص 322، ح 4؛ الوسائل، ج 6، ص 125، ح 7518.

(6). التهذيب، ج 2، ص 295، ح 42؛ الوسائل، ج 6، ص 108، ح 7470.

35

و أجيب (1) عن الأوّل بعدم دلالتها على المدّعى. نعم، لو قال (عليه السلام):

«فيسعك أن لا تفعل» من دون قوله «فعلت» لأمكن أن يكون فيه نوع إيماء إلى ذلك. و عن الثاني بأنّه إنّما يتمّ الاستدلال به لو تعيّن أن يكون قول السائل: «أَيَّ شَيْءٍ تَقُولُ أَنْتَ» بمعنى «أيّ شيء تفتي و تحكم به»، ليصير قوله (عليه السلام): «اقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ» فعل أمر، و هو غير متعيّن كما لا يخفى، لجواز أن يكون المراد «ما الذي تفعله أنت» لا بمعنى «أي شيء تفتي و تحكم به» ليصير قوله (عليه السلام): «أَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ» فعلًا مضارعاً، و معلوم أنّهم (عليهم السلام) كانوا يواظبون على الصلاة بالجماعة، و الشيعة كانوا يواظبون على الاقتداء بهم؛ فلا يتعيّن أن يكون السؤال عمّا يتلوه (عليه السلام) إذا صلّى وحده. و إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال. كذا قيل.

و الرواية على ما وجدناها في التهذيب هكذا: «إِذَا كُنْتَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ لَا تَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ (2)، وَ كَانَ الرَّجُلُ مَأْمُوناً عَلَى الْقُرْآنِ؛ فَلَا تَقْرَأْ خَلْفَهُ فِي الْأَوَّلَتَيْنِ. وَ قَالَ: يُجْزِيكَ التَّسْبِيحُ فِي الْأَخِيرَتَيْن» الحديث.

و على هذا فلا إشكال، لأنّ المعنى أنّه يجزيك في صلاتك التسبيحُ الذي تقوله في الأخيرتين، لمكان إخفات الإمام؛ فلا بأس بأن لا يقرأ في الأوليين، فقال الراوي: «أي شيء تفعله أنت»، فأجابه (عليه السلام) بأنّه يقرأ الفاتحة، لأنّ اقتداؤه (عليه السلام) إنّما يكون بمن ليس بأهل لذلك؛ فلا بدّ له (عليه السلام) من القراءة في الأوليين؛ فليتأمّل.

و عن روايتي محمّد بن حكيم و جميل بأنّهما ضعيفتا السند؛ فلا

____________

(1). الحبل المتين، ص 232.

(2). المصدر: «لا تجهر فيها بالقراءة حتّى تفرغ».

36

يصلحان لمعارضة الأحاديث الصحيحة، مع إمكان حمل الأولى على الإمام كما فعله الشيخ طاب ثراه (1).

احتجّوا على التسوية برواية علي بن حنظلة (2) عن الصادق (عليه السلام)؛ قال:

«سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، مَا أَصْنَعُ فِيهِمَا؟ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَاقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ إِنْ شِئْتَ فَاذْكُرِ اللَّهَ؛ فَهُوَ سَوَاءٌ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: هُمَا وَ اللَّهِ سَوَاءٌ؛ إِنْ شِئْتَ سَبَّحْتَ وَ إِنْ شِئْتَ قَرَأْتَ» (3).

و على القول الرابع بهذه الرواية، مضافاً إليها رواية ابن سنان السابقة. و هذه ضعيفة السند، و تلك قد عرفت حالها.

[177]

[6]

مسألة [الأقوال في وجوب قراءة سورة كاملة في الركعتين الأوليين و استحبابها]

اختلف أصحابنا (رحمهم الله) في قراءة سورة كاملة بعد الحمد في الثنائيّة و أُولَيَي الثلاثيّة و الرباعيّة من الفرائض مع السعة و الاختيار و إمكان التعلّم على قولين: الوجوب و الاستحباب. أمّا في النوافل مطلقاً و في الفرائض حال الاضطرار كالخوف و مع ضيق الوقت و عدم إمكان التعلّم فلا تجب قولًا واحداً.

و القول الأوّل و إن كان أشهر قيلًا و لعلّه أحوط سبيلًا إلّا أنّ القول الثاني

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 98، فوق حديث 138؛ الاستبصار، ج 1، ص 322، ذيل الحديث 4.

(2). في النسخ: «عبد اللّه بن حنظلة»، و ما أثبتناه من المصدر.

(3). التهذيب، ج 2، ص 98، ح 137؛ الاستبصار، ج 1، ص 321، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 108، ح 7469.

37

كما يظهر أقوى دليلًا، وفاقاً لابن الجنيد (1) و سلّار (2) و المحقّق (3) و الشيخ (4) في أحد قوليه.

[استحباب قراءة السورة في الفريضة و جواز تبعيضها]

لنا الأصل و صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تَجُوزُ وَحْدَهَا وَ تُجْزِي فِي الْفَرِيضَةِ» (5)، و صحيحة علي بن رئاب عنه (عليه السلام)؛ قال:

«سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ تَجُوزُ وَحْدَهَا فِي الْفَرِيضَةِ» (6).

و لنا الأخبار الكثيرة المتضمّنة لجواز التبعيض؛ فإنّ إجزاء بعض السورة يستلزم عدم وجوبها، لعدم قائل بالفصل كما نصّ به في المختلف (7). و تلك الأخبار مثل صحيحة سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ الْحَمْدَ وَ نِصْفَ سُورَةٍ، هَلْ يُجْزِيهِ فِي الثَّانِيَةِ أَنْ لَا يَقْرَأَ الْحَمْدَ وَ يَقْرَأَ مَا بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ؟ قَالَ: يَقْرَأُ الْحَمْدَ (8) ثُمَّ يَقْرَأُ مَا بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ» (9).

و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: رَجُلٌ قَرَأَ سُورَةً فِي رَكْعَةٍ فَغَلِطَ، أَ يَدَعُ الْمَكَانَ الَّذِي غَلِطَ فِيهِ وَ يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ أَوْ يَدَعُ تِلْكَ السُّورَةَ وَ يَتَحَوَّلُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَ إِنْ قَرَأَ آيَةً وَاحِدَةً فَشَاءَ أَنْ يَرْكَعَ بِهَا رَكَعَ» (10).

____________

(1). نقله عنه في المختلف، ج 2، ص 142.

(2). المراسم، ص 69 و 70.

(3). راجع: المعتبر، ج 2، ص 173.

(4). النهاية للطوسي، ص 75.

(5). التهذيب، ج 2، ص 71، ح 28؛ الوسائل، ج 6، ص 40، ح 7288 مع تفاوت

يسير.

(6). هذه الصحيحة ليست في «ل». التهذيب، ج 2، ص 71، ح 27؛ الاستبصار، ج 1، ص 314، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 39، ح 7286.

(7). المختلف، ج 2، ص 144.

(8). المصدر: «يقرأ الحمد مرّة».

(9). التهذيب، ج 2، ص 295، ح 47؛ الاستبصار، ج 1، ص 316، ح 11؛ الوسائل، ج 6، ص 45، ح 7299.

(10). التهذيب، ج 2، ص 293، ح 37؛ الوسائل، ج 6، ص 45، ح 7300.

38

و موثّقة إسماعيل بن الفضل عن الصادق (عليه السلام) (1)؛ قال: «إِنَّهُ صَلَّى بِنَا فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ آخِرَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَيْنَا وَ قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ» (2)، و صحيحة عمر بن يزيد عنه (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: أَ يَقْرَأُ الرَّجُلُ السُّورَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ [مِنَ الْفَرِيضَةِ] (3)؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ» (4).

و رواية أبي بصير عنه (عليه السلام): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّورَةِ، أَ يُصَلِّي الرَّجُلُ بِهَا فِي رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْفَرِيضَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَتْ سِتَّ آيَاتٍ قَرَأَ بِالنِّصْفِ مِنْهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَ النِّصْفِ الْآخَرِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ» (5)، و مرسلة أبان بن عثمان عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ هَلْ تُقْسَمُ السُّورَةُ فِي رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَ: نَعَم، اقْسِمْهَا كَيْفَ شِئْتَ» (6) و غير ذلك من الروايات.

و يؤيّد ذلك ما مرّ مراراً من أنّ المعهود من عادتهم (عليهم السلام) الترغيب في المستحبّات و التأكيد فيها، دون التوسعة في الواجبات.

[الاستدلال على وجوب قراءة سورة كاملة في الفريضة و الرد عليه]

____________

(1). في المصدر عن الصادق أو الباقر (عليهما السلام).

(2). التهذيب، ج 2، ص 294، ح 39؛ الاستبصار، ج 1، ص 316، ح 10؛ الوسائل، ج 6، ص 46، ح 7301.

(3). ما بين المعقوفتين من المصدر.

(4). التهذيب، ج 2، ص 71، ح 30؛ الاستبصار، ج 1، ص 315، ح 7؛ الوسائل، ج 6، ص 47، ح 7306.

(5). التهذيب، ج 2، ص 294، ح 38؛ الاستبصار، ج 1، ص 315، ح 9؛ الوسائل، ج 6، ص 46، ح 7302.

(6). التهذيب، ج 2، ص 73، ح 39؛ الوسائل، ج 6، ص 44، ح 7298.

39

احتجّوا على الوجوب بقوله تعالى: «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ» (1)؛ فإنّ الأمر حقيقة في الوجوب، و «ما» للعموم إلّا ما أخرجه الدليل، و لا يجب القراءة في غير الصلاة إجماعاً.

و رواية منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «لَا يُقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِأَقَلَّ مِنْ سُورَةٍ وَ لَا بِأَكْثَرَ» (2)، و رواية يحيى بن عمران الهَمْدَاني عن الجواد (عليه السلام) أنّه كتب إليه يسأله عمّن ترك البسملة في السورة، فقال: «يُعِيدُهَا» (3)، و مفهوم رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْرَأَ [فِي الْفَرِيضَةِ] (4) فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَحْدَهَا، وَ يَجُوزُ لِلصَّحِيحِ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ» (5).

و صحيحة الحلبي عنه (عليه السلام)؛ قال: «لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ فِي الْفَرِيضَةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ إِذَا مَا أَعْجَلَتْ بِهِ حَاجَتُهُ أَوْ تَخَوَّفَ شَيْئاً» (6)، و صحيحة معاوية بن عمّار عنه (عليه السلام)؛ قال: «مَنْ غَلِطَ فِي سُورَةٍ فَلْيَقْرَأْ «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (7) ثُمَّ لْيَرْكَعْ» (8).

و الجواب عن الآية الشريفة أنّها إنّما يتمّ لو ثبت أنّ لفظة «ما» فيها موصولة ليفيد العموم، لا موصوفة بأن يكون المعنى فاقرءوا شيئاً تيسّر؛ فإنّه يتحقّق بقراءة الفاتحة وحدها، على أنّ الآية وردت في التهجّد و المراد بالقراءة صلاة الليل كما ذكره الشيخ أبو علي الطبرسي (رحمه الله) (9) و

____________

(1). المزّمّل/ 20.

(2). الكافي، ج 3، ص 314، ح 12؛ التهذيب، ج 2، ص 69، ح 21؛ الاستبصار، ج 1، ص 314، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 43، ح 7295.

(3). الكافى، ج 3، ص 313، ح 2؛ التهذيب، ج 2، ص 69، ح 20؛ الاستبصار، ج 1، ص 311، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 87، ح 7416.

(4). ما بين المعقوفتين من المصدر.

(5). الكافي، ج 3، ص 314، ح 9؛ التهذيب، ج 2، ص 70، ح 24؛ الاستبصار، ج 1، ص 315، ح 5؛ الوسائل، ج 6، ص 40، ح 7290.

(6). التهذيب، ج 2، ص 71، ح 29؛ الاستبصار، ج 1، ص 315، ح 6؛ الوسائل، ج 6، ص 40، ح 7287.

(7). الإخلاص/ 1.

(8). التهذيب، ج 2، ص 295، ح 43؛ الوسائل، ج 6، ص 110، ح 7475.

(9). مجمع البيان، ج 10، ص 575.

40

صاحب الكشّاف (1) و غيرهما من المفسّرين.

قالوا: عبّر سبحانه عن صلاة الليل ببعض أجزاءها كما عبّر عن الصلاة بالقيام و الركوع و السجود، و المراد: «صلّوا ما تيسّر عليكم و لم يتعذّر من صلاة الليل»، و السياق مؤيّد لهذا كما لا يخفى، و على هذا فلا دلالة في الآية على وجوب السورة بوجه.

و أمّا الروايات فلا يخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة: أمّا الأولى فلأنّ في طريقها محمّد بن أحمد بن يحيى، و هو لا يبالي عمّن أخذ كما صرّحوا به (2)، و قد روى هنا عن محمّد بن عبد الحميد و هو غير موثّق، مع أنّ النهي وقع فيها عن قراءة ما نقص عن سورة و ما زاد عليها، و النهي عمّا زاد محمول على الكراهة جمعاً بين الأخبار كما سيجيء إن شاء اللّه؛ فكذا ما نقص، تفصّياً عن استعمال النهي في حقيقته و مجازه.

و أمّا الثانية فلأنّ راويها- و هو يحيى بن عمران الهمداني- مجهول، مع أن الضمير في قوله (عليه السلام): «يعيدها» لا يتعيّن عوده إلى الصلاة، و لعلّ المراد أنّه يعيد السورة مع البسملة، و ذلك لا يقتضي وجوب السورة، بل إنّما فيه إشعار بما عليه أهل البيت (عليهم السلام) من أنّ البسملة آية من كلّ سورة و أنّه لا ينبغي قراءة السورة بغير البسملة كما يفعله العامّة.

و لو سلّمنا دلالتها على ذلك فهي معارضة بصحيحة عبيد اللّه و محمّد الحلبيَّين عن الصادق (عليه السلام): «أَنَّهُمَا سَأَلاهُ عَمَّنْ يَقْرَأُ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» حِينَ يُرِيدُ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، قَالَ: نَعَمْ؛ إِنْ شَاءَ سِرّاً وَ إِنْ شَاءَ جَهْراً.

فَقَالَا: أَ فَيَقْرَؤُهَا مَعَ السُّورَةِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: لَا» (3).

____________

(1). الكشّاف، ج 4، ص 643.

(2). رجال النجاشي، ص 348، الرقم 929.

(3). التهذيب، ج 2، ص 68، ح 17؛ الاستبصار، ج 1، ص 312، ح 8؛ الوسائل، ج 6، ص 61، ح 7349.

41

و موثّقة محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ، يَقْرَأُ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَلْيَقُلْهَا [فِي أَوَّلِ مَا يَفْتَتِحُ] (1)، ثُمَّ يَكْفِيهِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ» (2).

و أمّا الثالثة فلأنّ في طريقها محمّد بن عيسى عن يونس، و نقل الصدوق (3) عن شيخه ابن الوليد أنّه قال: «ما تفرّد به محمّد بن عيسى عن كتب يونس و حديثه لا يعمل به»، مع أنّ دلالة المفهوم ضعيفة؛ فلا يصلح لمعارضة المنطوق.

و أمّا الرابعة فغير دالّة على المطلوب صريحاً، بل هي بالدلالة على نقيضه أشبه، إذ مقتضاها جواز الاقتصار على الفاتحة إذا أعجل المصلّي حاجةً، و الحاجة أعمّ من الضرورة، مع أنّها إنّما يدلّ على ثبوت البأس مع انتفاء الشرط، و هو أعمّ من المحرّم، بل ادّعى بعضهم أنّ المستفاد منه في عرف الشرع إنّما هو الكراهة كما هو غير خاف على من تتبّع كتب الحديث و كلام القوم.

و أمّا الخامسة فمتروكة الظاهر، إذ لا قائل بوجوب قراءة التوحيد و الحال هذه؛ فلا مندوحة عن حمل الأمر فيها على الاستحباب.

ثمّ لو تمسّك أحدٌ في إثبات الوجوب بالشهرة بين الأصحاب فالظاهر أنّه لم يبعد كثيراً عن الصواب، إلّا أنّ عدول جماعة من أعيانهم ممّن ذكرناهم عن المشهور و كذا ميل العلّامة (رحمه الله) في بعض كتبه (4) إلى خلافه (5)، و تظافر

____________

(1). ما بين المعقوفتين من المصدر.

(2). التهذيب، ج 2، ص 69، ح 18؛ الاستبصار، ج 1، ص 313، ح 9؛ الوسائل، ج 6، ص 61، ح 7350.

(3). نقله عنه النجاشي في رجاله (ص 333).

(4). استفاده المدارك (ج 3، ص 347) و الذخيرة (ج 2، ص 268) عن المنتهى. راجع: المنتهى، ج 5، ص 60.

(5). «ل»: «في بعض كتبه كالمنتهى إلى خلافه».

42

الروايات الصحيحة عنهم (عليهم السلام) المشعرة بالاستحباب كما قدّمناه، و ضعف الأخبار التي تزعم دلالتها على الوجوب ربّما يعارض الشهرة؛ فيرجع إلى البراءة الأصليّة، إذ ربّ مشهور لا أصل له و ربّ أصيل لم يشتهر.

و ليس حمل الروايات الضعيفة المؤذّنة بالوجوب على تأكّد الاستحباب بأبعد من حمل الروايات الصحيحة الصريحة في الاستحباب على التقيّة؛ كيف و هذه أكثر عدداً و أمتن متناً و أصحّ سنداً كما لا يخفى على المنصف.

[178]

[7]

مسألة [كراهة القِران بين سورتين في الفريضة إلّا ما استثني في الروايات]

يكره القران بين السورتين في الفريضة مع الفاتحة إلّا «الضحى» و «أ لم نشرح» و «الفيل» و «لإيلاف» وفاقاً للإستبصار (1) و أكثر المتأخّرين (2). و قيل (3) يحرم، و قيل يفسد الصلاة (4).

لنا الأصل و العمومات و صحيحة عليّ بن يقطين عن الكاظم (عليه السلام) «فِي الْقِرَانِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَ النَّافِلَةِ، قَالَ: لَا بَأْسَ» (5)، و موثّقة زرارة عن

____________

(1). الاستبصار، ج 1، ص 317، ذيل الحديث 3.

(2). منهم المحقّق (المعتبر، ج 2، ص 174) و الشهيد الأوّل (الدروس، ج 1، ص 173) و ابن سعيد الحلّي (الجامع للشرائع، ص 81).

(3). من القائلين السيّد المرتضى في الانتصار (ص 146) و الشيخ في الخلاف (ج 1، ص 336، المسألة 87) و المبسوط (ج 1، ص 107).

(4). النهاية للطوسي، ص 75 و 76.

(5). التهذيب، ج 2، ص 296، ح 48؛ الاستبصار، ج 1، ص 317، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 52، ح 7320.

43

الباقر (عليه السلام)؛ قال: «إِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الْفَرِيضَةِ؛ فَأَمَّا النَّافِلَةُ فَلَا بَأْسَ» (1).

قال محمّد بن إدريس (2): «إنّ أصحابنا قد ضبطوا قواطع الصلاة و ما يوجب الإعادة، و لم يذكروا ذلك في جملتها، و الأصل صحّة الصلاة، و الإعادة و البطلان يحتاج إلى دليل».

[الاستدلال على تحريم القِران بين سورتين في الفريضة و الرد عليه]

احتجّوا على التحريم بصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال:

«سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَقْرَأُ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ: لَا، لِكُلِّ سُورَةٍ رَكْعَةٌ» (3)، و رواية منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام): «لَا تَقْرَأْ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِأَقَلَّ مِنْ سُورَةٍ وَ لَا بِأَكْثَرَ» (4). و الجواب بالحمل على الكراهة جمعاً بين الأدلّة.

[الاستدلال على بطلان الصلاة بالقِران بين سورتين و الرد عليه]

و احتجّوا على البطلان بأنّ القارن بين السورتين غير آت بالمأمور به على وجهه، فيبقى في عهدة التكليف. و هو ضعيف؛ فإنّ الامتثال حصل بقراءة السورة الواحدة، و النهي عن الزيادة لو سلّمنا أنّه للتحريم فهو عن أمر خارج عن العبادة؛ فلا يترتّب عليه الفساد و إن سلّمنا أنّ النهي في العبادة يدلّ على الفساد.

[الروايات الدالة على جواز القِران بين «الضحى» و «أ لم نشرح» و بين «الفيل» و «لإيلاف»]

و إنّما استثنينا «الضحى» و «أ لم نشرح» و «الفيل» و «لإيلاف» لصحيحة زيد الشحّام عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «إِنَّهُ صَلَّى بِنَا الْفَجْرَ، فَقَرَأَ الضُّحَى وَ أَ لَمْ

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 314، ح 10؛ التهذيب، ج 2، ص 70، ح 26؛ الاستبصار، ج 1، ص 317، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 50، ح 7313.

(2). السرائر، ج 1، ص 220.

(3). الاستبصار، ج 1، ص 314، ح 2؛ التهذيب، ج 2، ص 70، ح 22؛ الوسائل، ج 6، ص 50، ح 7312.

(4). الكافي، ج 3، ص 314، ح 12؛ التهذيب، ج 2، ص 69، ح 21؛ الاستبصار، ج 1، ص 314، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 43، ح 7295.

44

نَشْرَحْ فِي رَكْعَةٍ» (1)، و رواية المفضّل عنه (عليه السلام)؛ قال: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا تَجْمَعْ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا الضُّحَى وَ أَ لَمْ نَشْرَحْ وَ الْفِيل (2) وَ لِإِيلٰافِ قُرَيْشٍ» (3).

و لا يخفى أنّه لا دلالة في شيء من هاتين الروايتين على الوحدة، و لا على عدم جواز الاقتصار على إحداهما في الصلاة، بل الأخيرة ظاهرة في التعدّد. و يؤيّده الفصل بين كلّ و أختها في المصاحف كسائر السور؛ فقول جماعة من الأصحاب (4) بالوحدة و عدم جواز الاقتصار بإحداهما و سيّما نفي بعضهم البسملة من البين يحتاج إلى دليل.

[179]

[8]

مسألة [حكم المشهور بتحريم قراءة ما يفوت الوقت بها و قراءة العزائم في الفريضة و المناقشة فيه]

المشهور بين الأصحاب تحريم قراءة ما يفوت الوقت بقراءته و قراءة العزائم في الفريضة. أمّا الأوّل فلاستلزامه الإخلال بالصلاة أو بعضها عمداً حتّى يخرج الوقت. و لا يخفى أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم نجوّز التبعيض و حرّمنا الزائد على السورة الواحدة، و أمّا إذا أجزنا أحدهما لم يتّجه المنع إلّا عن إتمامه.

و أمّا الثاني فاستدلّوا عليه بأنّ ذلك مستلزم لأحد محذورين: إمّا الإخلال

____________

(1). الاستبصار، ج 1، ص 317، ح 4؛ التهذيب، ج 2، ص 72، ح 34؛ الوسائل، ج 6، ص 54، ح 7326.

(2). في المصدر «أ لم تر كيف» بدل «الفيل».

(3). الوسائل، ج 6، ص 55، ح 7330.

(4). منهم الصدوق (الهداية، ص 134) و الشيخ (المبسوط، ج 1، ص 107) و السيّد المرتضى (الانتصار، ص 147).

45

بالواجب إن نهيناه عن السجود، و إمّا زيادة سجدة في الصلاة متعمّداً إن أمرناه به.

و لا يخفى أنّ هذا مع ابتنائه على وجوب إكمال السورة و تحريم القران إنّما يتمّ إذا قلنا بفوريّة السجود مطلقاً و أنّ الإيماء لا يجزي عنه مع أنّه محل عذر و أنّ زيادة السجدة مبطلة مطلقاً.

و كل هذه المقدّمات منظور فيه؛ أمّا الأولى و الثانية فلما مرّ، و أمّا الثالثة فلصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنْ إِمَامٍ قَرَأَ السَّجْدَةَ فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يُقَدِّمُ غَيْرَهُ، فَيَتَشَهَّدُ وَ يَسْجُدُ وَ يَنْصَرِفُ هُوَ، وَ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ» (1).

و أمّا الرابعة فلموثّقة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «إِنْ صَلَّيْتَ مَعَ قَوْمٍ يَقَرَأُ الْإِمَامُ «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» (2) أَوْ شَيْئاً مِنَ الْعَزَائِمِ وَ فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَ لَمْ يَسْجُدْ فَأَوْمِ إِيمَاءً» (3). و في معناها مقطوعة سماعة (4). قال ابن الجنيد (رحمه الله) (5):

«لو قرأ سورة من العزائم في النافلة سجد، و إن كان في فريضة أومأ؛ فإذا فرغ قرأها و سجد».

و أمّا الخامسة فلحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَقْرَأُ بِالسَّجْدَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: يَسْجُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَ

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 293، ح 34؛ الوسائل، ج 6، ص 240، ح 7837.

(2). العلق/ 1.

(3). الكافي، ج 3، ص 318، ح 4؛ التهذيب، ج 2، ص 291، ح 24؛ الاستبصار، ج 1، ص 320، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 103، ح 7457.

(4). التهذيب، ج 2، ص 292، ح 30؛ الاستبصار، ج 1، ص 320، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 102، ح 7455.

(5). نقله عنه في المعتبر، ج 2، ص 175.

46

يَسْجُدُ» (1).

و استدلّوا أيضاً برواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)؛ قال: «لا يُقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَزَائِمِ؛ فَإِنَّ السُّجُودَ زِيَادَةٌ فِي الْمَكْتُوبَةِ» (2). و في رواية سماعة: «لَا تَقْرَأْ فِي الْفَرِيضَةِ؛ اقْرَأْ فِي التَّطَوُّعِ» (3) يعني سورة العلق. و هما ضعيفتان و معارضتان بالصحاح السابقة و موثّقة الساباطي عن الصادق (عليه السلام): «فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ مِنَ الْعَزَائِمِ، فَقَالَ: إِذَا بَلَغَ مَوْضِعَ السَّجْدَةِ فَلَا يَقْرَأْهَا، وَ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَيَقْرَأَ سُورَةً غَيْرَهَا، وَ يَدَعَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَرْجِعُ إِلَى غَيْرِهَا» (4).

و الجمع بينهما بالحمل على الكراهة غير بعيد كما يشهد له رواية عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام) أنّه سأله: «عَنِ الرَّجُلِ يَقْرَأُ فِي الْفَرِيضَةِ سُورَةَ وَ النَّجْمِ، أَ يَرْكَعُ بِهَا أَوْ يَسْجُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ بِغَيْرِهَا؟ قَالَ: يَسْجُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَ لَا يَرْكَعُ (5) وَ لَا يَعُودُ؛ يَقْرَأُ فِي الْفَرِيضَةِ بِسَجْدَةٍ» (6).

و الأصحاب حملوا الروايات الدالّة على الجواز على النافلة جمعاً بين الأدلّة، و جعلوا زيادة السجدة فيها مغتفرةً.

قال بعض المتأخّرين (7): «الحقّ أنّ الرواية الواردة بالمنع ضعيفة جدّاً؛ فلا

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 318، ح 5؛ التهذيب، ج 2، ص 291، ح 23؛ الاستبصار، ج 1، ص 319، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 102، ح 7454.

(2). الكافي، ج 3، ص 318، ح 6؛ التهذيب، ج 2، ص 96، ح 129؛ الوسائل، ج 6، ص 105، ح 7460.

(3). التهذيب، ج 2، ص 292، ح 30؛ الاستبصار، ج 1، ص 320، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 105، ح 7461.

(4). التهذيب، ج 2، ص 293، ح 33؛ الوسائل، ج 6، ص 105، ح 7462.

(5). المصدر: «و يركع».

(6). قرب الإسناد، ص 93؛ الوسائل، ج 6، ص 106، ح 7463.

(7). المدارك، ج 3، ص 353.

47

يمكن التعلّق بها. فإن ثبت بطلان الصلاة بوقوع هذه السجدة في أثنائها وجب القول بالمنع من قراءة ما يوجبه من هذه السورة، و يلزم منه المنع من قراءة السورة إن أوجبنا السورة بعد الحمد و حرّمنا الزيادة. و إن أجزنا أحدهما اختصّ المنع بقراءة ما يوجب السجود خاصّة و إن لم يثبت بطلان الصلاة بذلك- كما هو الظاهر- اتّجه القول بالجواز مطلقاً، و يخرج الأخبار الواردة بذلك شاهداً». انتهى كلامه. و هو جيّد، و لكن مراعاة ما عليه الأكثر أولى.

[180]

[9]

مسألة [حكم المشهور بجواز العدول من سورة إلى أخرى في الفريضة]

[الأقوال في جواز العدول من سورة إلى أخرى و كيفيته في الفريضة]

المشهور جواز العدول من سورة إلى أخرى ما لم يبلغ النصف. و قيل (1) ما لم يتجاوزه إلّا من التوحيد و الجحد؛ فيحرم بعد الشروع. و قيل (2) يكره إلّا إلى الجمعة و المنافقين في الجمعة و ظهرها؛ فيستحبّ. و قيل (3) بإطلاق

____________

(1). من القائلين المفيد (المقنعة، ص 147) و الشيخ (المبسوط، ج 1، ص 107) و العلّامة الحلّي (القواعد، ج 1، ص 275).

(2). المعتبر، ج 2، ص 191.

(3). من القائلين السيد المرتضى في الانتصار (ص 147).

48

المنع من العدول من السورتين.

[جواز العدول مطلقاً من سورة إلى أخرى إلّا الجحد و التوحيد في غير الجمعة]

و الذي يقتضيه الجمع بين الروايات الصحيحة بحمل المطلق على المقيّد جوازُ العدول مطلقاً إلّا من السورتين إلّا من التوحيد إلى الجمعتين في الجمعتين؛ فقد روى عمرو بن أبي نصر في الصحيح عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَقُومُ فِي الصَّلَاةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً، فَيَقْرَأُ «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» (1) وَ «قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ» (2)، فَقَالَ: يَرْجِعُ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا مِنْ «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» وَ مِنْ «قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ» (3).

و روى الحلبي في الصحيح عنه (عليه السلام)؛ قال: «إِذَا افْتَتَحْتَ صَلَاتَكَ بِ «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» وَ أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَقْرَأَ بِغَيْرِهَا، فَامْضِ فِيهَا وَ لَا تَرْجِعْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ فَإِنَّكَ تَرْجِعُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهَا» (4).

و روى محمّد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام): «فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي الْجُمُعَةِ فَيَقْرَأُ «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»، قَالَ: يَرْجِعُ إِلَى سُورَةِ الْجُمُعَةِ» (5). و في معناه موثّقة عبيد بن زرارة (6).

و يمكن إجراء هذا الحكم في «الجحد» أيضاً؛ فيجوز العدول عنها إلى الجمعتين في الجمعتين، لتسوية الأصحاب بينهما.

و أمّا اعتبار بلوغ النصف أو تجاوزه في غيرهما من السور، فلم أقف له على مستند، بل في مقطوعة البزنطي: «فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ فَيَقْرَأُ فِي أُخْرَى، قَالَ: يَرْجِعُ إِلَى الَّتِي يُرِيدُ وَ إِنْ بَلَغَ النِّصْفَ» (7).

نعم، روى عبيد بن زرارة في الموثّق عن الصادق (عليه السلام): «فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ

____________

(1). الإخلاص/ 1.

(2). الكافرون/ 1.

(3). الكافي، ج 3، ص 317، ح 25؛ التهذيب، ج 2، ص 190، ح 53؛ الوسائل، ج 6، ص 99، ح 7447.

(4). التهذيب، ج 3، ص 242، ح 32؛ الوسائل، ج 6، ص 153، ح 7597.

(5). التهذيب، ج 3، ص 241، ح 31؛ الكافي، ج 3، ص 426، ح 6؛ الوسائل، ج 6، ص 152، ح 7596.

(6). التهذيب، ج 3، ص 242، ح 33؛ الوسائل، ج 6، ص 153، ح 5798.

(7). الذكرى نقلًا من كتاب البزنطي، ج 3، ص 356؛ الوسائل، ج 6، ص 101، ح 7452.

49

يَقْرَأَ السُّورَةَ فَيَقْرَأُ غَيْرَهَا، قَالَ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَيْهَا» (1)، و هي كما ترى. و تقييد الصحاح السابقة بها لا يخلو من إشكال بعدم عمل أحد من الأصحاب بها بحال.

قيل (2): «و يمكن الاحتجاج على اعتبار النصف بظاهر قوله تعالى: «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» (3)، و الانتقال من سورة إلى أخرى إبطال للعمل؛ فيكون منهيّاً عنه، خرج من ذلك ما دون النصف بالإجماع، فبقي الباقي داخلًا في العموم، فيكون بلوغ النصف كافياً في منع الرجوع». انتهى. و هو أيضاً كما ترى.

ثمّ الظاهر أنّه لا خلاف في جواز العدول مطلقاً، بل وجوبه إذا تعسّر الإتيان بالباقي، إمّا للنسيان أو خوف فوت الوقت أو خوف فوت الرفيق أو نزول الضرر أو غير ذلك.

و يعيد البسملة في مواضع العدول، وجوباً على القول بوجوب السورة، و استحباباً على القول باستحبابها. و عليك بتطبيق حكم هذه المسألة على حكمي وجوب السورة أو استحبابها، و تحريم القران بين السورتين أو كراهته.

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 293، ح 36؛ الوسائل، ج 6، ص 101، ح 7451.

(2). جامع المقاصد، ج 2، ص 279.

(3). محمد/ 33.

50

[181]

[10]

مسألة [حكم المشهور بوجوب الجهر بالقراءة في الصبح و أوليي العشاءين و وجوب الإخفات في الباقي]

المشهور وجوب الجهر بالقراءة في الصبح و أوليي العشاءين، و وجوب الإخفات في البواقي بحيث تبطل الصلاة بمخالفة ذلك عمداً، لا سهواً و لا جهلًا.

و احتجّوا عليه بصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «فِي رَجُلٍ جَهَرَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي الْإِجْهَارُ فِيهِ وَ أَخْفَى فِيمَا لَا يَنْبَغِي الْإِخْفَاتُ فِيهِ، قَالَ: أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ مُتَعَمِّداً فَقَدْ نَقَضَ صَلَاتَهُ وَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِياً أَوْ سَاهِياً أَوْ لَا يَدْرِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» (1).

[القول باستحباب الجهر بالقراءة في الصبح و العشاءين و الرد عليه]

و ذهب السيّد و ابن الجنيد (رحمهما الله) (2) إلى استحباب ذلك، لأصالة البراءة، و لقوله تعالى: «وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا» (3).

وجه الدلالة أنّ النهي لا يجوز تعلّقه بحقيقة الجهر و الإخفات، لامتناع انفكاك الصوت عنهما، بل المراد- و اللّه أعلم- ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية، و هو تعلّق النهي بالجهر العالي الزائد عن المعتاد و الإخفات الكثير الذي يقصر عن الإسماع، و الأمر بالقراءة المتوسّطة بين الأمرين، و هو شامل للصلوات كلّها.

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 162، ح 93؛ الاستبصار، ج 1، ص 313، ح 1؛ الفقيه، ج 1، ص 344، ح 1003؛ الوسائل، ج 6، ص 86، ح 7412.

(2). نقله عنهما المحقّق في المعتبر (ج 2، ص 176) و العلّامة في المختلف (ج 2، ص 153 و 154).

(3). الإسراء/ 110.

51

و لصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام)؛ قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي مِنَ الْفَرَائِضِ مَا يُجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ، هَلْ لَهُ أَنْ لَا يَجْهَرَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَ إِنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ» (1).

و أجيب عن الأوّل بأنّ الأصل متروك مع وجود الدليل، و عن الثاني باحتمال أن يكون المراد- و اللّه أعلم- عدم الجهر في الكلّ و الإخفات في الكلّ (2). قلت: تفسير الصادق (عليه السلام) لا ينافي وجوب الجهر في بعض الصلوات و الإخفات في بعضها؛ فإنّ القدر المتوسّط بين الأمرين شامل لهما.

و عن الثالث بأنّها محمولة على التقيّة، لموافقتها لمذهب العامّة.

قال بعض المتأخّرين (3): حمل صحيحة زرارة على الاستحباب أولى من حمل صحيحة عليّ بن جعفر على التقيّة، لأنّ الثانية أوضح سنداً و أظهر دلالةً، مع اعتضادها بالأصل و ظاهر القرآن.

قلت: حمل صحيحة زرارة على الاستحباب بعيد من اللفظ جدّاً، لكن يمكن تضعيفها بأنّها متروكة الظاهر، لأنّ ظاهرها وجوب الجهر في صلاة الجمعة و العيدين و بالبسملات في مواضع الإخفات و كلّ ما ينبغي الإجهار فيه، و لم يقل به أحد، و الفرق تحكّم.

و لعلّ الأصحاب إنّما استفادوا وجوب الجهر في الصبح و أوليي العشاءين ممّا استفادوا منه أصل الجهر فيها، و نحن لم نقف على دليل لهم في ذلك رأساً، و الظاهر أنّه إجماعي.

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 162، ح 94؛ الاستبصار، ج 1، ص 313، ح 2؛ الوسائل، ج 6، ص 85، ح 7411.

(2). راجع: الحبل المتين، ص 229.

(3). المدارك، ج 3، ص 358.

52

[اختصاص حكم الوجوب بالجهر في القراءة بالرجال دون النساء و حال الاختيار دون الاضطرار]

ثمّ هذا الحكم مختصّ بالرجال، و أمّا النساء فمخيّرات مع عدم إسماع (1) الأجنبي، و معه قيل (2) لا يجوز لهنّ الجهر؛ فتبطل صلاتهنّ، و فيه نظر. و اشتراط تحريم إسماعهنّ بخوف الفتنة غير بعيد، و أمّا تحريم السماع للأجنبي فمشروط به.

و المشهور أنّ أقلّ الجهر إسماع القريب و أقلّ الإخفات إسماع النفس.

روى زرارة في الحسن عن الباقر (عليه السلام)؛ قال: «لَا يُكْتَبُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَ الدُّعَاءِ إِلَّا مَا أَسْمَعَ نَفْسَهُ» (3)، و المرجع فيهما إلى العرف.

ثمّ الحكم مختصّ بحالة الاختيار؛ فعن الصادق (عليه السلام) «يُجْزِيكَ إِذَا كُنْتَ مَعَهُمْ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِثْلُ حَدِيثِ النَّفْسِ» (4).

و في الصحيح عن عليّ بن يقطين عن الكاظم (عليه السلام) قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ لَا يَقْتَدِي بِصَلَاتِهِ، وَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، قَالَ: اقْرَأْ لِنَفْسِكَ، وَ إِنْ لَمْ تُسْمِعْ نَفْسَكَ فَلَا بَأْسَ» (5).

و في الصحيح عن عليّ بن جعفر عنه (عليه السلام) قال: «لَا بَأْسَ أَنْ لَا يُحَرِّكَ لِسَانَهُ؛ يَتَوَهَّمُ تَوَهُّماً» (6)، و هي محمولة على التقيّة أيضاً.

____________

(1). «ج»: «سماع».

(2). جامع المقاصد، ج 2، ص 261.

(3). الكافي، ج 3، ص 313، ح 6؛ التهذيب، ج 2، ص 97، ح 131؛ الاستبصار، ج 1، ص 320، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 96، ح 7439.

(4). التهذيب، ج 3، ص 36، ح 40؛ الاستبصار، ج 1، ص 430، ح 5؛ الفقيه، ج 1، ص 399، ح 1186؛ الكافي، ج 3، ص 315، ح 16؛ الوسائل، ج 8، ص 364، ح 10914.

(5). التهذيب، ج 3، ص 36، ح 41؛ الاستبصار، ج 1، ص 430، ح 6؛ الوسائل، ج 6، ص 127، ح 7523.

(6). التهذيب، ج 2، ص 97، ح 133؛ الاستبصار، ج 1، ص 321، ح 3؛ الوسائل، ج 6، ص 97، ح 7443.

53

[182]

[11]

مسألة [ما يستحب في القراءة]

يستحبّ في القراءة أمور:

[استحباب الاستعاذة قبل القراءة]

منها الاستعاذة قبلها في الركعة الأولى خاصّة من كلّ صلاة، لقوله تعالى:

«فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ مِنَ الشَّيْطٰانِ الرَّجِيمِ» (1)، و للأمر بها في حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، و قد مرّت. و قول أبي علي بن الشيخ (2) بوجوبها شاذّ، و قد نقل والده في الخلاف (3) الإجماع على الاستحباب.

و صورتها على ما رواه الخاصّة (4) «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، و على ما رواه العامّة (5) «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، و هي سرّيّة و لو في الجهريّة- قاله الأكثر، و نقل الشيخ (6) عليه الإجماع-؛ فجهر الصادق (عليه السلام) بها في رواية حَنان بن سَدير (7) محمول على تعليم الجواز كما قيل (8).

[الجهر بالبسملة]

و منها الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات أجمع وفاقاً للأكثر، لصحيحة صفوان عن الصادق (عليه السلام)؛ قال: «صَلَّيْتُ خَلْفَهُ أَيَّاماً فَكَانَ يَقْرَأُ فِي

____________

(1). النحل/ 97.

(2). نقله عنه الشهيد في الذكرى، ج 3، ص 331.

(3). الخلاف، ج 1، ص 325، المسألة 76.

(4). الفقيه، ج 1، ص 338، ح 984؛ الوسائل، ج 6، ص 25، ح 7249؛ الكافي، ج 3، ص 358، ح 4.

(5). سنن أبي داود، ج 1، ص 177، ح 764؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 35.

(6). الخلاف، ج 1، ص 327، المسألة 79.

(7). التهذيب، ج 2، ص 289، ح 14؛ الوسائل، ج 6، ص 134، ح 7545.

(8). الذكرى، ج 3، ص 330.

54

فَاتِحَةِ الْكِتَابِ: «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»، فَإِذَا كَانَ صَلَاةٌ لَا يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ جَهَرَ بِ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» وَ أَخْفَى مَا سِوَى ذَلِكَ» (1)، و حسنة الكاهلي عنه (عليه السلام)؛ قال: «إِنَّهُ صَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي كَاهِلٍ، فَجَهَرَ مَرَّتَيْنِ بِ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»» (2)، و التأسّي فيما لا يعلم وجهه مستحبّ.

و مورد الروايتين و إن كان الإمام لكن الظاهر شموله للمنفرد أيضاً، لأنّ المشهور من شعار (3) الشيعة الجهر بالبسملة مطلقاً حتّى قال الحسن بن أبي عقيل (رحمه الله) (4): «تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) أنّه لا تقيّة في الجهر بالبسملة».

و عن الهادي (عليه السلام) (5) أنّه قال: «عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ الْخَمْسِينَ وَ زِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ وَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ وَ تَعْفِيرُ الْجَبِينِ وَ الْجَهْرُ بِ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»» (6).

و تخصيص ابن الجنيد (رحمه الله) (7) ذلك بالإمام ضعيف. نعم، للإمام آكد، لما روي عن زين العابدين (عليه السلام) إنّ الإمام إذا لم يجهر بها ركب الشيطان كتفيه؛ فكان إمام القوم حتّى ينصرفوا (8).

____________

(1). التهذيب، ج 2، ص 68، ح 14؛ الاستبصار، ج 1، ص 310، ح 1؛ الوسائل، ج 6، ص 57، ح 7336.

(2). التهذيب، ج 2، ص 288، ح 11؛ الاستبصار، ج 1، ص 311، ح 4؛ الوسائل، ج 6، ص 57، ح 7339.

(3). «ل»: «شعائر».

(4). نقله عنه في الذكرى، ج 3، ص 333.

(5). المصدر: «عن أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)»

(6). التهذيب، ج 6، ص 52، ح 37؛ الوسائل، ج 14، ص 478، ح 19643.

(7). نقله عنه في الذكرى، ج 3، ص 333.

(8). عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام): يَا ثُمَالِيُّ، إِنَّ الصَّلَاةَ إِذَا أُقِيمَتْ جَاءَ الشَّيْطَانُ إِلَى قَرِينِ الْإِمَامِ، فَيَقُولُ: هَلْ ذَكَرَ رَبَّهُ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ ذَهَبَ، وَ إِنْ قَالَ لَا رَكِبَ عَلَى كَتِفَيْهِ فَكَانَ إِمَامَ الْقَوْمِ حَتَّى يَنْصَرِفُوا. قَالَ: فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَ لَيْسَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ يَا ثُمَالِيُّ، إِنَّمَا هُوَ الْجَهْرُ بِ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» (التهذيب، ج 2، ص 290، ح 18؛ الوسائل، ج 6، ص 75، ح 7387).