الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج13

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
508 /
1

-

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على خير خلقه أجمعين محمد و آله الطاهرين

كتاب الصوم

[فوائد]

و هنا فوائد ينبغي التنبيه عليها قبل الشروع في المقصود

الأولى [تعريف الصوم]

- الصوم لغة الإمساك، قال في القاموس: صام صوما و صياما و اصطام: أمسك عن الطعام و الشراب و الكلام و النكاح و السير. و قال في المصباح المنير: قيل هو مطلق الإمساك في اللغة ثم استعمل في الشرع في إمساك مخصوص، و قال أبو عبيدة كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم، قال خيل صيام و خيل غير صائمة- تحت العجاج و اخرى تعلك اللجما. أى قيام بلا اعتلاف. انتهى. و قال ابن دريد: كل شيء سكنت حركته فقد صام يصوم صوما. و في الآية الشريفة حكاية عن مريم (عليها السلام) «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً» (1) أى صمتا. و كلماتهم متفقة على انه حقيقة في الإمساك و ان كان عن كل شيء بنسبته، و اما في الشرع فإنه عبارة عن إمساك مخصوص يأتي بيانه.

الثانية [أقسام الصوم]

- قال العلامة في المنتهى: ان الصوم ينقسم الى واجب و ندب و مكروه و محظور، فالواجب ستة: صوم شهر رمضان و الكفارات و دم

____________

(1) سورة مريم الآية 28.

3

المتعة و النذر و ما في معناه من اليمين و العهد و الاعتكاف على بعض الوجوه و قضاء الواجب، و الندب جميع أيام السنة إلا العيدين و أيام التشريق لمن كان بمنى، و المؤكد منه أربعة عشر: صوم ثلاثة أيام في كل شهر و أيام البيض و الغدير و مولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و مبعثه و دحو الأرض و عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء و عاشوراء على جهة الحزن و المباهلة و كل خميس و كل جمعة و أول ذي الحجة و رجب و شعبان، و المكروه أربعة: صوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء أو شك في الهلال و النافلة سفرا عدا ثلاثة أيام الحاجة بالمدينة و الضيف نافلة بغير اذن مضيفه و كذا الولد من غير اذن الوالد و الصوم ندبا لمن دعي إلى طعام، و المحظور تسعة: صوم العيدين و أيام التشريق لمن كان بمنى و يوم الشك بنية الفرض و صوم نذر المعصية و صوم الصمت و صوم الوصال و صوم المرأة و العبد ندبا من غير اذن الزوج و المالك و صوم الواجب سفرا عدا ما استثنى. انتهى.

و روى ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه مسندا في الأول و مرسلا في الثاني عن الزهري عن على بن الحسين (عليهما السلام) (1) قال:

«قال لي يوما يا زهري من أين جئت؟ فقلت من المسجد. قال فيم كنتم؟ قلت تذاكرنا أمر الصوم فاجمع رأيي و رأى أصحابي على انه ليس من الصوم شيء واجب إلا صوم شهر رمضان. فقال: يا زهري ليس كما قلتم الصوم على أربعين وجها.

و في كتاب الفقه الرضوي (2) قال:

«اعلم ان الصوم على أربعين وجها» و نحن نسوق الحديث بالروايتين و نشير الى مواضع الزيادة و النقصان من أحدهما متى اتفق- فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان و عشرة أوجه منها صيامهن حرام و أربعة عشر وجها منها صاحبها بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر و صوم الاذن على ثلاثة أوجه و صوم التأديب و صوم الإباحة و صوم السفر و المرض.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من بقية الصوم الواجب.

(2) ص 23.

4

ففي حديث الفقه بعد ذلك «اما الصوم الواجب» و في حديث الزهري «قلت جعلت فداك فسرهن لي» قال: اما الواجب فصيام شهر رمضان و صيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار لقول الله تعالى

وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا

. الى قوله تعالى

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ (1)

و صيام شهرين متتابعين في من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، و صيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق واجب لقول الله تعالى

وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ

. إلى قوله تعالى

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّٰهِ وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً (2)

. و في كتاب الفقه اقتصر على قوله

«فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ»

و صوم ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب لمن لم يجد الإطعام قال الله تعالى

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ كَفّٰارَةُ أَيْمٰانِكُمْ إِذٰا حَلَفْتُمْ (3)

كل ذلك متتابع و ليس بمتفرق، و صيام أذى حلق الرأس واجب قال الله تبارك و تعالى

(4) أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (5)

فصاحبها فيها بالخيار فان صام صام ثلاثة أيام، و صوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدى قال الله تبارك و تعالى

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (6)

الى قوله

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ (7)

و صوم جزاء الصيد واجب قال الله تبارك و تعالى

وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً (8)

الى قوله

____________

(1) سورة المجادلة الآية 5 و 6.

(2) سورة النساء الآية 95.

(3) سورة المائدة الآية 92.

(4) «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ.» هكذا في كتب الحديث.

(5) سورة البقرة الآية 193.

(6) «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ.» هكذا في كتب الحديث.

(7) سورة البقرة الآية 193.

(8) في كتب الحديث هكذا «وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً».

5

أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (1)

، ففي حديث الزهري هنا «أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري؟ قال قلت لا أدرى فقال يقوم الصيد قيمة عدل ثم تفض تلك القيمة على البر ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما» و في كتاب الفقه الرضوي «و اروى عن العالم (عليه السلام) انه قال: أ تدرون كيف يكون عدل ذلك صياما؟

فقيل له لا. فقال يقوم الصيد قيمة ثم يشترى بتلك القيمة البر ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما» و صوم النذر واجب و صوم الاعتكاف واجب. و اما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر و يوم الأضحى و ثلاثة أيام التشريق و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه: أمرنا أن نصومه من شعبان

(2)

و نهينا عنه ان ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس. ففي كتاب الفقه «فان لم يكن صام من شعبان شيئا ينوي به ليلة الشك أنه صائم من شعبان» و في حديث الزهري «فقلت له جعلت فداك فان لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع؟ قال ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه و ان كان من شعبان لم يضره» ففي حديث الزهري هنا «فقلت و كيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة؟ فقال لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا و هو لا يعلم انه من شهر رمضان ثم علم بعد ذلك لأجزأ عنه لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه» و في كتاب الفقه. و لو ان رجلا صام شهرا تطوعا في بلد الكفر فلما ان عرف كان شهر رمضان و هو لا يدرى و لا يعلم انه من شهر رمضان و صام بأنه من غيره ثم علم بعد ذلك أجزأ عنه من رمضان لأن الفرض إنما وقع على الشهر بعينه» و صوم الوصال حرام و صوم الصمت حرام و صوم نذر المعصية حرام و صوم الدهر حرام. و اما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة و الخميس و الاثنين و صوم أيام البيض و صوم ستة أيام من شوال بعد الفطر بيوم. و في

____________

(1) سورة المائدة الآية 97.

(2) في كتب الحديث هكذا: «مع صيام شعبان».

6

حديث الزهري هنا «و صوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان و صوم عرفة و صوم يوم عاشوراء» و لعل هذين اليومين سقط ذكرهما غلطا من النساخ

(1)

فان الكتاب غير خال من الغلط. فكل ذلك صاحبه فيه بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر. و اما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها و العبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و الضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحب البيت

(2)

قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم. و اما صوم التأديب فإنه يؤمر

(3)

الصبي إذا بلغ سبع سنين بالصوم تأديبا و ليس ذلك بفرض. و زاد في كتاب الفقه هنا «و ان لم يقدر إلا نصف النهار يفطر إذا غلبه العطش» و كذلك من أفطر لعلة من أول النهار ثم قوى بقية يومه أمر بالإمساك عن الطعام بقية يومه تأديبا و ليس بفرض، و كذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا و ليس بفرض. و زاد في رواية الزهري «و كذلك الحائض إذا طهرت أمسكت بقية يومها» و اما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيا أو قاء من غير تعمد فقد أباح الله له ذلك و أجزأ عنه صومه. و اما صوم السفر و المرض فإن العامة قد اختلفت في ذلك فقال قوم يصوم و قال آخرون لا يصوم و قال قوم ان شاء صام و ان شاء أفطر

(4)

و اما نحن فنقول يفطر في الحالين جميعا فان صام في السفر أو في حال المرض

____________

(1) في الفقه الرضوي المطبوع هكذا: «و صوم ستة أيام من شوال بعد الفطر بيوم و يوم عرفة و يوم عاشوراء و كل ذلك.

(2) هكذا في الفقه، و في كتب الحديث الناقلة لحديث الزهري «إلا بإذن صاحبه».

(3) هكذا في الفقيه ج 2 ص 48، و في الفروع ج 1 ص 186 و التهذيب ج 1 ص 430 «يؤخذ الصبي» و في الجميع «إذا راهق» بدل «إذا بلغ سبع سنين» نعم ذلك في الفقه الرضوي.

(4) المغني ج 3 ص 149 و المحلى ج 6 ص 247 و نيل الأوطار ج 4 ص 237 و بداية المجتهد ج 1 ص 285 و لم أقف ما في حضرني من كتب العامة على وجوب الصوم في المرض نعم في الفقه على المذاهب الأربعة قسم العبادات ص 456 عن الشافعية لا يجوز الفطر للصحيح الذي يظن بالصوم حصول المرض. إلا ان هذا يرجع الى اعتبار المرض بالفعل.

7

فعليه القضاء فان الله تعالى يقول

فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (1)

فهذا تفسير الصيام».

انتهى.

أقول: و سيأتي تحقيق القول في كل من هذه الأشياء المعدودة هنا في محله ان شاء الله تعالى.

قال المحدث الكاشاني في كتاب الوافي بعد نقل حديث الزهري: بيان- محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري راوي هذا الحديث و ان كان خصيصا بعلي بن الحسين (عليهما السلام) و كان له ميل و محبة إلا انه لما كان من العامة و فقهائهم أجمل (عليه السلام) معه في الكلام و لم يذكر له صيام السنة و لا صيام الترغيب لعدم اشتهار خصوصهما بين العامة، و ما زعمته العامة من صيام الترغيب و السنة سماه (عليه السلام) بالذي فيه الخيار لصاحبه تنبيها له على عدم الترغيب فيه فان أكثره من ما ترك صيامه أولى و لصيام بعضه شرائط كما يأتي في الأخبار إنشاء الله تعالى (2) قوله (عليه السلام): «أن ينفرد الرجل بصيامه» اضافة الى الفاعل و انفراده به عبارة عن افراده عن سائر أيام شعبان بالصيام فإنه مظنة لاعتقاده وجوبه و كونه من شهر رمضان، أو المراد انفراده من بين جمهور الناس بصيامه من شهر رمضان مع عدم ثبوت كونه منه، يدل على هذا حديث الزهري الآتي في باب صيام يوم الشك في هذا المعنى فإنه نص فيه و هو بعينه هذا الحديث إلا انه أورده بابين من هذا، و يأتي تمام تحقيق هذا المقام في ذلك الباب مع معنى قوله (عليه السلام): «و أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان» ان شاء الله تعالى. انتهى.

أقول: و الظاهر ان الرضا (عليه السلام) جرى على ذلك في الكتاب المذكور تقية.

الثالثة [فضل الصوم]

- لا ريب ان الصوم من أفضل الطاعات و أشرف العبادات إذا وقع على الوجه المأمور به، و لو لم يكن فيه إلا الارتقاء من حضيض حظوظ النفس

____________

(1) سورة البقرة الآية 181.

(2) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

8

البهيمية إلى ذروة النشبة بالملائكة الروحانية لكفى به فضلا و منقبة، و قد استفاضت الأخبار بفضله:

فروى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية».

و بهذا المضمون أخبار عديدة (2).

و روى عمرو بن جميع (3) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في حديث طويل: الصيام جنة من النار».

و روى حفص بن غياث (4) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ان شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا. فقلت له فقول الله عز و جل:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (5)

؟ قال إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ففضل به هذه الأمة و جعل صيامه فرضا على رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و على أمته».

و روى في الفقيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) مرسلا و في الكافي مسندا (6) قال:

«أوحى الله الى موسى (عليه السلام) ما يمنعك من مناجاتي؟ فقال يا رب أجلك عن المناجاة لخلوف فم الصائم. فأوحى الله إليه يا موسى لخلوف فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك».

و روى في الفقيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال:

«للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره و فرحة عند لقاء ربه».

و روى فيه عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) (8) قال:

«قال الله الصوم لي و أنا أجزي به».

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 1 من مقدمة العبادات.

(3) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 1 من أحكام شهر رمضان.

(5) سورة البقرة الآية 180.

(6) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(7) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(8) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

9

و روى في الكافي عن الكناني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«ان الله تبارك و تعالى يقول الصوم لي و أنا أجزي عليه».

و روى الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال:

«نوم الصائم عبادة و صمته تسبيح و عمله متقبل و دعاؤه مستجاب».

و روى في الكافي مسندا و الفقيه مرسلا (3) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام) من صام لله يوما في شدة الحر فأصابه ظمأ وكل الله به الف ملك يمسحون وجهه و يبشرونه حتى إذا أفطر قال الله تعالى: ما أطيب ريحك و روحك ملائكتي اشهدوا انى قد غفرت له».

و روى في الفقيه (4) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من صائم يحضر قوما يطعمون إلا سبحت له أعضاؤه و كانت صلاة الملائكة عليه و كانت صلاتهم استغفارا».

الى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن ذكرها المقام.

الرابعة [الإشكال في حديثي الكناني و الفقيه و الجواب عنه]

- قد أورد ههنا سؤال مشهور على حديثي الكناني و الفقيه المتقدمين المتضمنين للحديث القدسي و قوله عز و جل: «الصوم لي و أما أجزي عليه» بان كل الأعمال الصالحة لله فما وجه تخصيص انه له تبارك و تعالى؟

و أجيب بوجوه: الأول- انه اختص بترك الشهوات و الملاذ في الفرج و البطن و ذلك أمر عظيم يوجب التشريف. و عورض بالجهاد فان فيه ترك الحياة فضلا عن الشهوات، و بالحج فان فيه الإحرام و محظوراته كثيرة.

الثاني- ان الصوم يوجب صفاء العقل و الفكر بواسطة ضعف القوى الشهوانية بسبب الجوع و لذلك

قال (عليه السلام) (5)

«لا تدخل الحكمة جوفا مليء طعاما».

و صفاء العقل و الفكر يوجبان حصول المعارف الربانية التي هي أشرف أحوال النفس الإنسانية.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 3 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 9 من آداب الصائم.

(5) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

10

ورد بأن سائر العبادات إذا واظب عليها المكلف أورثت ذلك خصوصا الجهاد، قال الله تعالى «وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا» (1) و قال الله تعالى «اتَّقُوا اللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ» (2).

الثالث- ان الصوم أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه فلذلك شرف بخلاف الصلاة و الحج و الجهاد و غيرها من الأعمال. و عورض بان الايمان و الإخلاص و أفعال القلوب خفية مع ان الحديث متناول لها، و يمكن دفعه بتخصيص الأعمال بأفعال الجوارح لأنه المتبادر من اللفظ.

و قال بعض المحققين هب ان كل واحد من هذه الأجوبة مدخول بما ذكر فلم لا يكون مجموعها هو الفارق فان هذه الأمور لا تجتمع في غير الصوم. و هو جيد.

الخامسة- في علة فرض الصوم

، روى الصدوق في الصحيح عن هشام بن الحكم (3)

«انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن علة الصيام فقال إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغنى و الفقير و ذلك ان الغنى لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لأن الغني كلما أراد شيئا قدر عليه فأراد الله أن يسوى بين خلقه و أن يذيق الغنى مس الجوع و الألم ليرق على الضعيف و يرحم الجائع».

و رواه في كتاب العلل عن هشام ابن الحكم (4) و زاد

«ثم سألت أبا الحسن (عليه السلام) فأجابني بمثل جواب أبيه».

و بإسناده عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكر عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (5) قال:

«لكل شيء زكاة و زكاة الأجسام الصيام».

و بإسناده عن محمد بن سنان عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) في ما كتب اليه من جواب مسائله (6)

«علة الصوم لعرفان مس الجوع و العطش ليكون ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا، و يكون ذلك دليلا له على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات واعظاً له في العاجل دليلا على الآجل ليعلم شدة مبلغ ذلك من أهل

____________

(1) سورة العنكبوت الآية 70.

(2) سورة الحديد الآية 29.

(3) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(4) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(5) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(6) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

11

الفقر و المسكنة في الدنيا و الآخرة».

و بإسناده عن حمزة بن محمد (1)

«انه كتب الى ابى محمد (عليه السلام) لم فرض الله الصوم؟ فورد في الجواب ليجد الغنى مس الجوع فيمن على الفقير» و رواه الكليني مثله

(2)

إلا انه قال: «ليجد الغنى مضض الجوع فيحنو على الفقير».

و روى في الفقيه عن الحسن بن على بن ابى طالب (عليه السلام) (3) قال:

«جاء نفر من اليهود الى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فسأله أعلمهم عن مسائل فكان في ما سأله انه قال له لأي شيء فرض الله عز و جل الصوم على أمتك بالنهار ثلاثين يوما و فرض الله على الأمم أكثر من ذلك؟ فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان آدم (عليه السلام) لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما الجوع و العطش و الذي يأكلونه بالليل تفضل من الله عليهم و كذلك كان على آدم ففرض الله ذلك على أمتي. ثم تلا هذه الآية

«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» (4)

قال اليهودي صدقت يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) فما جزاء من صامها؟ فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلا أوجب الله له سبع خصال:

أولاها يذوب الحرام في جسده، و الثانية يقرب من رحمة الله، و الثالثة يكون قد كفر خطيئة أبيه آدم، و الرابعة يهون الله عليه سكرات الموت، و الخامسة أمان من الجوع و العطش يوم القيامة، و السادسة يعطيه الله براءة من النار، و السابعة يطعمه الله من طيبات الجنة. قال صدقت يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)».

السادسة- في آداب الصائم

، روى الكليني في الحسن عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال:

«إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و شعرك و جلدك. و عدد

____________

(1) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 1 من أحكام شهر رمضان.

(4) سورة البقرة الآية 180 و 181.

(5) الوسائل الباب 11 من آداب الصائم.

12

أشياء غير هذا. و قال لا يكون يوم صومك كيوم فطرك».

و عن جراح المدائني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«ان الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده. ثم قال: قالت مريم

«إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً» (2)

أى صمتا فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم و غضوا أبصاركم و لا تنازعوا و لا تحاسدوا.

قال: و سمع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) امرأة تسب جارية لها و هي صائمة فدعا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بطعام فقال لها كلى فقالت إني صائمة فقال كيف تكونين صائمة و قد سببت جاريتك؟ ان الصوم ليس من الطعام و الشراب. قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا صمت فليصم سمعك و بصرك من الحرام و القبيح و دع المراء و أذى الخادم و ليكن عليك وقار الصائم و لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك».

و عن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لجابر بن عبد الله الأنصاري يا جابر هذا شهر رمضان من صام نهاره و قام وردا من ليله و عف بطنه و فرجه و كف لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر. فقال جابر يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما أحسن هذا الحديث فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يا جابر ما أشد هذه الشروط».

و عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من عبد صائم يشتم فيقول انى صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني إلا قال الرب تبارك و تعالى استجار عبدي بالصوم من شر عبدي قد أجرته من النار».

و في كتاب الفقه الرضوي (5):

و اعلم رحمك الله ان الصوم حجاب ضربه الله

____________

(1) الوسائل الباب 11 من آداب الصائم.

(2) سورة مريم الآية 28.

(3) الوسائل الباب 11 من آداب الصائم. و الرواية عن ابى جعفر (ع).

(4) الفروع ج 1 ص 187 و في الوسائل الباب 12 من آداب الصائم.

(5) ص 23.

13

عز و جل على الألسن و الأسماع و الأبصار و سائر الجوارح حتى يستر به من النار و قد جعل الله على كل جارحة حقا للصائم فمن أدى حقها كان صائما و من ترك شيئا منها نقص من فضل صومه بحسب ما ترك منها.

السابعة [معنى رمضان]

- قد اختلف في رمضان فقيل انه علم للشهر كرجب و شعبان و منع من الصرف للعلمية و الألف و النون، و قيل انه اسم من أسماء الله تعالى، و على هذا فمعنى شهر رمضان شهر الله.

و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن هشام بن سالم في الصحيح عن سعد عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«كنا عنده ثمانية رجال فذكرنا رمضان فقال لا تقولوا هذا رمضان و لا ذهب رمضان و لا جاء رمضان فان رمضان اسم من أسماء الله عز و جل لا يجيء و لا يذهب و إنما يجيء و يذهب الزائل و لكن قولوا

شَهْرُ رَمَضٰانَ

فان الشهر مضاف الى الاسم و الاسم اسم الله عز و جل و هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن جعله مثلا وعيدا».

و رواه الصدوق بإسناده عن البزنطي عن هشام بن سالم عن سعد الخفاف (2) و رواه سعد بن عبد الله في كتاب بصائر الدرجات عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن هشام بن سالم عن سعد بن طريف مثله (3).

و روى في الكافي أيضا عن غياث بن إبراهيم عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال:

«قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تقولوا رمضان و لكن قولوا شهر رمضان فإنكم لا تدرون ما رمضان».

و رواه الصدوق في الفقيه عن غياث مثله (5) و كذا رواه في كتاب معاني الأخبار و الذي قبله أيضا (6).

و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: قال بعض العلماء يكره أن يقال جاء رمضان و شبهه إذا أريد به الشهر و ليس معه قرينة تدل عليه و إنما يقال جاء شهر رمضان، و استدل بحديث (7)

«لا تقولوا رمضان فان رمضان اسم من أسماء الله تعالى

____________

(1) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(6) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(7) سنن البيهقي ج 4 ص 201 و 202.

14

و لكن قولوا شهر رمضان».

و هذا الحديث ضعفه البيهقي و ضعفه ظاهر لأنه لم ينقل عن أحد من العلماء ان رمضان من أسماء الله تعالى فلا يعمل به. و الظاهر جوازه من غير كراهة كما ذهب إليه البخاري و جماعة من المحققين لأنه لم يصح في الكراهة شيء و قد ثبت في الأحاديث الصحيحة ما يدل على الجواز مطلقا

كقوله (1)

«إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين».

و قال القاضي عياض: و في قوله: «إذا جاء رمضان» دليل على جواز استعماله من غير لفظ شهر خلافا لمن كرهه من العلماء. انتهى.

و فيه دلالة على ان الحديث بذلك مروي من طرقهم أيضا و لكن بعضهم حكم بضعفه. و كيف كان فهو مرغوب عنه بعد ورود الأخبار عندنا بذلك.

و ما ورد في بعض أخبارنا أيضا من ذكره مجردا عن الشهر محمول على الجواز و هو لا ينافي الكراهة.

و يؤيد ما قلناه ما نقله في كتاب مجمع البحرين عن الأزهري قال: العرب تذكر الشهور كلها مجردة من لفظ شهر إلا شهري ربيع و رمضان.

قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في كتاب نكت الإرشاد: فائدة- نهى عن التلفظ برمضان بل يقال شهر رمضان في أحاديث من أجودها

ما أسنده بعض الأفاضل إلى الكاظم عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال:

«لا تقولوا رمضان فإنكم لا تدرون ما رمضان فمن قاله فليتصدق و ليصم كفارة لقوله و لكن قولوا كما قال الله عز و جل

شَهْرُ رَمَضٰانَ

»

(3)

.

انتهى.

أقول: ما نقله (قدس سره) من الخبر قد نقله السيد السعيد ذو المقامات

____________

(1) سنن البيهقي ج 4 ص 202 و اللفظ فيه و في المصباح «إذا جاء» و لذا أوردناه كذلك و ان كان الوارد في رواية «إذا دخل» كما ذكر ذلك في المجموع ج 6 ص 248.

(2) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(3) سورة البقرة الآية 182.

15

و الكرامات رضى الدين بن طاوس في كتاب الإقبال عن كتاب الجعفريات و هي ألف حديث بإسناد واحد الى مولانا موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) (1) و الظاهر ان الكفارة فيه محمولة على الاستحباب و تغليظ الكراهة لما ثبت في كثير من الأخبار من وروده مجردا عن لفظ شهر.

ثم انه على تقدير ما هو المشهور من انه اسم للشهر فقد اختلفوا في اشتقاقه فعن الخليل (رحمه الله) انه من الرمض بسكون الميم و هو مطر يأتي وقت الخريف يطهر وجه الأرض من الغبار، سمى الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار. و قيل من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس، قال الزمخشري في الكشاف: رمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء. سمى بذلك اما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقا لأنه كان ينتقهم أى يزعجهم لشدته عليهم أو لأن الذنوب ترمض فيه أى تحترق. و قيل انهم لما تقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان البحث في هذا الكتاب يقع في مقاصد ثلاثة:

المقصد الأول- في بيان الصوم و ما يتحقق به و ما يفسده و من يصح منه و الكفارة المترتبة على الإفساد:

و فيه مطالب

المطلب الأول- في النية

و الكلام فيها يقع في مواضع

الأول [وجوب النية]

- لا ريب في وجوبها إذ لا عمل إلا بنية، و الأمر فيها عندنا سهل كما قدمناه في كتاب الطهارة، و الكلام في كونها شرطا أو شطرا لا ثمرة فيه لأن القدر المطلوب هو اعتبار النية في الصوم بحيث يبطل بتركها عمدا أو سهوا و هو ثابت على كل من التقديرين. و لم يقم لنا دليل على اعتبار ما ذكروه فيها من القيود في هذا المقام و لا غيره زائدا على القربة له عز و جل للآيات و الروايات الصريحة في توقف صحة العبادة على ذلك (2).

____________

(1) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(2) اما الآيات فكقوله تعالى في سورة البينة الآية 5 «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» و قوله تعالى في سورة الزمر الآية 17 «قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي» و اما الروايات فكالروايات الدالة على توقف العمل على النية و قد أوردها في الوسائل في الباب 5 من مقدمة العبادات و في أبواب متفرقة منها الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

16

[مواضع الخلاف]

و قد وقع الخلاف هنا في مواضع ثلاثة

أحدها [هل يعتبر في صوم شهر رمضان نية كونه منه؟]

- انه هل يكفي في شهر رمضان نية أنه يصوم غدا متقربا من غير اعتبار نية التعيين بكونه من شهر رمضان أم لا بد من نية التعيين؟ قولان أولهما منقول عن الشيخ و به صرح جملة من الأصحاب:

منهم- المحقق و العلامة في جملة من كتبه، و نقل عن بعض الأصحاب الثاني.

احتج المحقق على ما اختاره بان المراد من نية التعيين وقوع الفعل بها على أحد وجهيه فإذا لم يكن للفعل إلا وجه واحد استغنى عن نية التعيين كرد الوديعة و تسليم الأمانات، قال و يمكن أن يحتج عليه بقوله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (1) فإذا حصل مع نية التقرب فقد حصل الامتثال و كان ما زاد منفيا.

و اعترض عليه بما حاصله ان امتثال الأمر فرع تعقل المأمور أن الآمر أمره بذلك الفعل فإذا لم يعتقد ان الصوم غدا من ما أمر الشارع بالإتيان به فيه لم يكن ممتثلا للتكليف بالصوم غدا، و نحن لا نعني بالتعيين سوى هذا إذ به يتعين كونه من رمضان.

أقول: و عندي في هذا الخلاف- و البحث الذي أطالوا به الكلام من ما ذكرنا و ما أعرضنا عن نقله في هذا المقام من أصله- نظر فإنهم إن أرادوا بهذه النية التي اختلفوا في اشتراط التعيين فيها و عدمه ما هو عبارة عن التصوير الفكري- و الحديث النفسي الذي يترجمه قول الصائم «أصوم غدا من شهر رمضان قربة الى الله» كما ذكروه في الصلاة و الطهارة و نحوهما من التصوير المشتمل على القيود التي ذكروها- فهذا ليس هو النية كما حققناه في كتاب الطهارة بما لا مزيد عليه، و ان أريد بالنية هو المعنى الذي حققناه ثمة و أوضحناه- من أنه القصد البسيط الذي لا يكاد

____________

(1) سورة البقرة الآية 182.

17

ينفك عنه عاقل عند ارادة الفعل و انه أمر جبلي لو كلف الله بعدمه لكان تكليفا بما لا يطاق- فهذا الكلام لا معنى له، و ذلك لأن التكليف بصيام شهر رمضان من الضروريات الدينية، و حينئذ فكل مكلف دخل عليه هذا الشهر و بادر الى صيامه قربة الى الله تعالى فان تعين كونه من شهر رمضان أمر لا يتصور انفكاكه عنه و لا خلوه منه حتى يصح أن يكون مطرحا للخلاف بأنه لو صام مع عدم تعيين كونه من شهر رمضان هل يصح صومه أم لا من ما يؤذن بأنه يمكن الإتيان بالصيام مع عدم اعتقاد كونه من شهر رمضان. نعم يمكن فرض ذلك نادرا ممن عرض له السهو عن كونه في شهر رمضان و هو خارج عن محل المسألة و غير صالح لمطرح الخلاف.

و

ثانيها [هل يشترط في نية صوم النذر المعين قصد التعيين؟]

- انهم اختلفوا أيضا في انه هل يشترط في نية صوم النذر المعين قصد التعيين أم لا؟ فنقل عن المرتضى و ابن إدريس الثاني و قواه العلامة في المنتهى و اعتمده في المدارك، و قيل بالأول و هو منقول عن الشيخ و جماعة و اختاره في المختلف.

حجة القول الثاني انه زمان تعين بالنذر للصوم فكان كشهر رمضان، و اختلافهما بأصالة التعين و عرضيته لا يقتضي اختلافهما في هذا الحكم.

و احتج في المختلف على القول الأول بأنه زمان لم يعينه الشارع في الأصل للصوم فافتقر الى التعيين كالنذر المطلق. و بان الأصل وجوب التعيين إذ الأفعال إنما تقع على الوجوه المقصودة، ترك ذلك في شهر رمضان لأنه زمان لا يقع فيه غيره فيبقى الباقي على الأصالة.

ورد الأول بأنه مصادرة على المطلوب و إلحاقه بالنذر المطلق قياس مع الفارق و الثاني بمنع أصالة الوجوب، و لأن الوجه الذي لأجله ترك العمل بالأصل الذي ذكره في صوم شهر رمضان آت في النذر المعين، فإنه ان أريد بعدم وقوع غيره فيه استحالته عقلا كان منفيا فيهما و ان أريد امتناعه شرعا كان ثابتا فيهما.

أقول: لا يخفى أيضا ان هذا الخلاف انما يجرى في النية التي هي عبارة عن ذلك التصوير الفكري و الحديث النفسي الذي أشرنا اليه و بينا أنه ليس هو النية

18

حقيقة، و اما النية بالمعنى الذي حققناه فإنه لا معنى لهذا الكلام بالكلية، فإن من نذر صوما معينا ثم قصد الإتيان بذلك فإنه لا ريب في حصول التعيين عنده، بل لو أراد الصوم على الوجه المذكور من غير التعيين لم يتيسر له و لهذا عد في تكليف ما لا يطاق من حيث انه جبلي لا يمكن الانفكاك عنه مع القصد المذكور إلا أن يكون ساهيا أو ذاهلا و هو خارج عن محل البحث.

و

ثالثها [هل يعتبر في الصوم قصد الوجه؟]

- انه هل يعتبر نية الوجه من الوجوب أو الندب؟ قولان و ظاهر جماعة ممن قال باعتبار نية الوجه سقوطه هنا من حيث عدم إمكان وقوع شهر رمضان بنية الندب للمكلف به فلا يحتاج الى التمييز عنه. إلا أن يقال بوجوب إيقاع الفعل بوجهه من وجوب أو ندب كما ذكره المتكلمون فيحب ذلك و ان لم يكن مميزا.

قال في المسالك بعد ذكر ذلك: و لا ريب ان اضافة الوجوب إلى القربة أحوط و ضم التعيين إليهما أفضل و التعرض للأداء مع ذلك أكمل. انتهى. و فيه نظر و تحقيق البحث في المسألة قد مر مستوفى في كتاب الطهارة.

هذا في ما كان متعينا و اما غيره كالقضاء و النذر المطلق و الكفارة و النافلة فقد صرحوا بأنه لا بد من التعيين لوقوعه على وجوه متعددة فافتقر إلى نية التعيين ليتميز المنوي عن غيره. قال في المعتبر: و على ذلك فتوى الأصحاب.

أقول: ما ذكروه هنا متجه لا إشكال فيه لأن الفعل الواحد الواقع على أنحاء متعددة لا ينصرف إلى أحدها إلا بقصده و نيته و لكن يكفي في ذلك تعينه بأول القصد إلى إيقاعه و لا يحتاج بعده الى تصوير و لا حديث في النفس كما هو النية المشهورة بينهم.

الثاني [وقت النية]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه لا بد من إيقاع النية ليلا في أوله أو آخره، و بعبارة أخرى لا بد من حصولها عند أول جزء من الصوم أو تبييتها، لأن الإخلال بكل من الأمرين يقتضي مضى جزء من الصوم بغير نية

19

فيفسد لفوات شرطه و الصوم لا يتبعض. و لو نسيها ليلا جددها ما بينه و بين الزوال فلو زالت الشمس زال محلها.

و قال ابن أبى عقيل: يجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول (عليهم السلام) أن يقدم النية في اعتقاد صومه ذلك من الليل. و هو ظاهر في وجوب تبييتها، و يمكن حمله على تعذر المقارنة بها فان الطلوع لا يعلم إلا بعد وقوعه فتقع النية بعده و هو يستلزم فوات جزء من النهار بغير نية.

و قال ابن الجنيد: و يستحب للصائم فرضا و غير فرض أن يبيت الصيام من الليل لما يريد به، و جائز أن يبتدئ بالنية و قد بقي بعض النهار و يحتسب به من واجب إذا لم يكن أحدث ما ينقض الصيام، و لو جعله تطوعا كان أحوط.

و ظاهره جواز تجديد النية في الفرض و غيره بعد الزوال مع الذكر و النسيان، و حمل كلامه على ان مراده بالفرض غير المعين و إلا فهو باطل.

و قال المرتضى (رضي الله عنه): و وقت النية في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر الى قبل زوال الشمس. فان كان مراده بالامتداد الى وقت الزوال ما هو أعم من وقت الاختيار و الاضطرار ليخص الامتداد الى الزوال بالناسي و نحوه فهو صحيح و إلا فهو مشكل. و ظاهر الدليل الذي نقله عنه في المختلف هو ان مراده الامتداد و لو للمختار حسبما سيأتي في قضاء شهر رمضان، و حينئذ فيكون كلامه مخالفا لما عليه الأصحاب في المسألة.

و اما ان الناسي للنية ليلا يجددها ما بينه و بين الزوال فقال المحقق في المعتبر و العلامة في التذكرة و المنتهى انه موضع وفاق بين الأصحاب.

و استدلوا عليه

بما روى (1)

«ان ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي إلى النبي.

____________

(1) لم أقف حتى في كتب الحديث للعامة على حديث بهذا اللفظ و المضمون و قد نقل البيهقي في السنن ج 4 ص 211 و 212 عدة أحاديث في هذا الموضوع: أولها عن عكرمة عن ابن عباس و هو يتضمن شهادة الأعرابي الواحد و في آخره

قال (ص)

«يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا».

و الثاني أيضا عن عكرمة عن ابن عباس و قد تضمن مجيء الأعرابي ليلة هلال رمضان و في آخره: فنادى ان صوموا. و الثالث

عن عكرمة

«أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا أن لا يقوموا و لا يصوموا فجاء أعرابي من الحرة فشهد انه رأى الهلال فاتى به النبي (ص). الى ان قال فأمر (ص) بلالا فنادى في الناس أن يقوموا و ان يصوموا».

ثم قال البيهقي: قال أبو داود: و رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلا و لم يذكر القيام أحد إلا حماد بن سلمة. ثم نقل من كتاب المستدرك لأبي عبد الله الحافظ نفس الحديث بطريق ينتهي إلى حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس. و الرابع يتضمن رؤية ابن عمر الهلال و اخباره رسول الله (ص) و انه صام و أمر الناس بصيامه.

و الخامس يتضمن رؤية الهلال بعد رسول الله (ص) و السادس عن فاطمة بنت الحسين يتضمن الشهادة عند على (ع). هذه أحاديث الباب. و لم يتعرض للحديث في كتبهم الفقهية في مقام التعرض لوجوب الإمساك و عدمه في يوم الشك لو ظهر انه من شهر رمضان نهارا و الحديث المنقول في المتن من المعتبر يشبه ان يكون هو الحديث الثالث الذي نقلناه من غير طريق حماد بن سلمة إلا ان الحديث من غير هذا الطريق مشعر أيضا بأن دعوى الرؤية كانت في الليل إذ لم يشتمل على النداء بان من لم يأكل فليصم و من أكل فليمسك. فالحديث المذكور بهذا المضمون لا وجود له في ما حضرني من كتب الحديث و الفقه للعامة كما لا وجود له في كتب الحديث للخاصة. نعم النداء بالنحو المذكور فيه وارد في صوم عاشوراء بطريق العامة و قد نقل الأحاديث في هذا الموضوع في السنن ج 4 ص 288 باب (من زعم ان صوم عاشوراء كان واجبا ثم نسخ وجوبه) و في أحدها «انه (ص) أمر رجلا من أسلم ان اذن في الناس ان من أكل فليصم بقية يومه و من لم يكن أكل فليصم فان اليوم يوم عاشوراء» و في آخر: انه (ص) أرسل صبيحة عاشوراء الى قرى الأنصار التي حول المدينة ان من كان أصبح صائما فليتم صومه و من كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه. و كيف كان فلا يخفى ان الأحاديث الثلاثة الأول التي نقلناها من السنن في موضوع الشهادة بهلال شهر رمضان تضمنت سؤال النبي (ص) من الشاهد الشهادة بالتوحيد و النبوة و اجابة الشاهد بالإثبات.

20

(صلى اللّٰه عليه و آله) فشهد برؤية الهلال فأمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مناديا ينادى من لم يأكل فليصم و من أكل فليمسك».

قال في المنتهى فإذا جاز مع العذر و هو الجهل بالهلال جاز مع النسيان

21

قال في المدارك: و يمكن أن يستدل عليه بفحوى ما دل على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال، و أصالة عدم اعتبار تبييت النية مع النسيان.

و ربما استدل على ذلك أيضا

بحديث (1)

«رفع عن أمتي الخطأ و النسيان».

فإن إيجاب القضاء يقتضي عدم رفع النسيان.

أقول: لم أقف في هذا المقام على نص من الأخبار و هذه الأدلة كلها لا تخلو من شوب الاشكال الموجب لعدم الاعتماد عليها في تأسيس حكم شرعي، أما الرواية المذكورة فالظاهر انها من طريق الجمهور فانى لم أقف عليها في شيء من الأصول، و مع هذا فهي مختصة بالجاهل و المساواة ممنوعة، على انها لا تقتضي تحديد الحكم بالزوال كما هو المدعى بل هي أعم و هم لا يقولون به. و اما الاستدلال بفحوى ما ذكر فهو متوقف على ثبوت العلة و أولويتها في الفرع و هو ممنوع، على ان الدليل المشار اليه إنما ورد في المسافر و اما المريض فلم يرد فيه نص بذلك كما سيأتي بيانه في محله و انما ذكر الأصحاب ذلك و استدلوا عليه ببعض الأدلة الاعتبارية. و اما أصالة عدم اعتبار تبييت النية ففيه ان الأصل يرتفع بما دل على اعتبار النية في صحة العبادة كلا أو بعضا. و اما حديث «رفع عن أمتي» فالظاهر ان المراد منه رفع المؤاخذة و العقاب و لا دلالة فيه على عدم القضاء. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما تقدم انما هو بالنسبة إلى الواجب المعين و اما الواجب الغير المعين كالقضاء و النذر المطلق فقد قطع الأصحاب بأن وقت النية فيه يستمر من الليل الى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهارا.

و يدل عليه أخبار كثيرة: منها-

ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن ابن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (2)

«في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار

____________

(1) الوسائل الباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة و الباب 56 من جهاد النفس.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

22

في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان و لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: نعم ليصمه و ليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«من أصبح و هو يريد الصيام ثم يدا له أن يفطر فله أن يفطر ما بينه و بين نصف النهار ثم يقضى ذلك اليوم، فان بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (2) قال:

«سألته عن الرجل يقضى رمضان إله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال إذا كان نوى ذلك من الليل و كان من قضاء رمضان فلا يفطر و يتم صومه.

قال:

و سألته عن الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار أن يصوم ذلك اليوم و يقضيه من رمضان و ان لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال نعم يصومه و يعتد به إذا لم يحدث شيئا».

و عن هشام بن سالم في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«قلت له الرجل يصبح و لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأى في الصوم؟ فقال ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».

و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«سألته عن الرجل يصبح و هو يريد الصيام ثم يبدو له فيفطر؟ قال هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار. قلت هل يقضيه إذا أفطر؟ قال نعم لأنها حسنة أراد أن يعملها فليتمها قلت: فان رجلا أراد ان يصوم ارتفاع النهار أ يصوم؟ قال نعم».

و روى الشيخ في القوى عن صالح بن عبد الله عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (5) قال:

«قلت له: رجل جعل لله عليه صيام شهر فيصبح و هو ينوي الصوم ثم يبدو له

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 405 و في الوسائل الباب 4 و 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) التهذيب ج 1 ص 405 و في الوسائل الباب 4 و 2 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(4) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(5) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

23

فيفطر و يصبح و هو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم؟ فقال هذا كله جائز».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الموثق و الصحيح (1) قال:

«سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح و لم يطعم و لم يشرب و لم ينو صوما و كان عليه يوم من شهر رمضان إله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامة النهار؟ قال نعم له أن يصوم و يعتد به من شهر رمضان».

و عن احمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح عن من ذكره عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«قلت له الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان و يصبح فلا يأكل إلى العصر أ يجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال نعم».

و عن ابن بكير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى من النهار ما مضى؟ قال يصوم ان شاء و هو بالخيار الى نصف النهار».

و في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4)

«عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان يريد أن يقضيها متى يريد ان ينوي الصيام؟ قال هو بالخيار الى أن تزول الشمس فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم و ان كان نوى الإفطار فليفطر. سئل فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال لا».

[تنبيهات]

و تنقيح الكلام في المقام يتوقف على رسم مسائل

الأولى [منتهى وقت النية في القضاء و النذر المطلق]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان منتهى وقت النية في القضاء و النذر المطلق هو زوال الشمس فبعد زوالها يفوت الوقت، و ظاهر كلام ابن الجنيد المتقدم استمرار وقت النية ما بقي من النهار شيء، و اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة.

و يدل على القول المشهور موثقة عمار و رواية عبد الله بن بكير، و يدل على

____________

(1) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 20 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

24

قول ابن الجنيد ظاهر موثقة عبد الرحمن بن الحجاج و صحيحته فان المتبادر من عامة النهار أي أكثره، و مرسلة أحمد بن محمد بن أبي نصر.

و أجاب العلامة في المختلف عن الرواية الأولى باحتمال أن يكون قد نوى قبل الزوال و يصدق عليه انه ذهب عامة النهار على سبيل المجاز. و عن الثانية بالطعن بالإرسال و باحتمال أن يكون قد نوى صوما مطلقا مع نسيان القضاء فحاز صرفه اليه.

ورد الأول بأن المتبادر من ذهاب عامة النهار ذهاب أكثره و هو لا يحصل بما قبل الزوال. و الثاني بأنه ليس في شيء من الروايات دلالة على الاحتمال الذي ذكره فلا يمكن المصير اليه.

و المحقق في المعتبر استدل للمشهور بان الصوم الواجب يجب أن يؤتى به من أول النهار أو بنية تقوم مقام الإتيان به من أوله،

و قد روى

«ان من صام قبل الزوال حسب له يومه».

ثم نقل رواية هشام بن سالم المتقدمة، قال و أيد ذلك بما رواه عمار الساباطي. ثم ساق موثقة عمار المذكورة.

و أنت خبير بأن صحيحة هشام المشار إليها لا دلالة فيها صريحا بل و لا ظاهرا على ما ذكره بل الظاهر أن المراد منها إنما هو صوم النافلة لأن قوله في آخرها «و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» لا ينطبق على الواجب و انما يمكن تطبيقه على النافلة بمعنى ان الفضل الكامل في صيامها يحصل بالنية قبل الزوال و اما بعده فلا يثاب عليه إلا بمقدار ما بقي من النهار. نعم موثقة عمار ظاهرة في ما ذهب اليه. و الظاهر ان بناء استدلال المحقق بصحيحة هشام المذكورة على حمل قوله:

«و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» على بطلان الصيام فإنه إذا لم يحسب له صيام اليوم كملا كان باطلا، و حساب هذا الجزء الباقي بمعنى اثابته عليه لا يستلزم صحة صيام اليوم كملا. و بالجملة فالمسألة محل إشكال.

الثانية [منتهى وقت النية في الصوم المستحب]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يمتد وقت نية

25

النافلة أيضا الى الزوال، و نقل عن المرتضى و الشيخ و جماعة من الأصحاب امتداده الى الغروب، قال الشيخ (رحمه الله) و تحقيق ذلك أن يبقى بعد النية من الزمان ما يمكن صومه إلا أن يكون انتهاء النية مع انتهاء النهار. و اليه مال الفاضل الخراساني في الذخيرة.

و استدل العلامة على القول المشهور في المختلف بأنه (عليه السلام)

«نفى العمل بغير نية»

(1)

.

و مضى جزء من النهار بغير نية يستلزم نفى حكمه، ترك العمل به في صورة ما إذا نوى قبل الزوال لمعنى يختص به و هو صيرورة عامة النهار منويا فيبقى الباقي على الأصل. و لأنه عبادة مندوبة فيكون وقت نيتها وقت نية فرضها كالصلاة، و يؤيده ما رواه هشام بن سالم في الصحيح. ثم ساق الرواية كما قدمناها. ثم قال:

و ترك الاستفصال عقيب إكمال السؤال يدل على تعميم المقال. انتهى.

و يدل على القول الثاني

موثقة أبي بصير (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة؟ قال هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و ان مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم و لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم ان شاء».

و يدل على ذلك إطلاق

صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول عندكم شيء؟ و إلا صمت فان كان عندهم شيء أتوه به و إلا صام».

و صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال:

«قال على (عليه السلام) إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 3 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته، و الراوي هشام بن سالم.

(4) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

26

شرابا و لم يفطر فهو بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر».

و من ذلك يعلم قوة هذا القول و ضعف ما استدل به في المختلف للقول المشهور

الثالثة [هل يشترط في النية الاستمرار على حكمه؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا يشترط في النية من الليل الاستمرار على حكم الصوم بل يجوز أن ينوي ليلا و يفعل بعدها ما ينافي الصوم الى قبل الفجر، و لا فرق في ذلك بين الجماع و غيره، و تردد في البيان في الجماع و ما يوجب الغسل من أنه مؤثر في صيرورة المكلف غير قابل للصوم فيزيل حكم النية، و من حصول شروط الصحة و زوال المانع بالغسل. و ضعف الوجه الأول من وجهي الترديد ظاهر فإنه مجرد دعوى خالية من الدليل.

الرابعة- لو أخل بالنية ليلا عمدا

في الواجب المعين فسد صومه لفوات الشرط و وجب القضاء، و هل تجب الكفارة؟ قيل نعم و حكاه الشهيد في البيان عن بعض مشايخه نظرا الى ان فوات الشرط و الركن أشد من فوات متعلق الإمساك.

و قيل لا و به قطع في المنتهى لأصالة البراءة السالمة من المعارض. و هو جيد.

الخامسة- لو جدد النية في أثناء النهار

فهل يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية أو من ابتداء النهار أو يفرق بين ما إذا وقعت النية بعد الزوال فيكون كالثاني و قبله فيكون كالأول؟ أوجه يدل على الأخير منها قوله في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة (1) «ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» و يدل على الأول منها قوله

في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة أيضا (2)

«فان بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها».

اللهم إلا أن يحمل ارتفاع النهار على وقت الزوال ليصير ما بعده ما بعد الزوال، إلا انه بعيد إذ المتبادر من ارتفاع النهار انما هو وقت الضحى. و يمكن الجمع بين الخبرين بان الحساب الاستحقاقي إنما هو من وقت النية التي هي شرط في صحة العمل إذ لا عمل إلا بالنية غاية الأمر انها إذا وقعت قبل الظهر حسب

____________

(1) ص 22.

(2) ص 22.

27

له ما تقدم عليها تفضلا.

الثالث [هل تكفي نية واحدة لشهر رمضان؟]

- المشهور بين الأصحاب المتأخرين انه لا بد في كل يوم من شهر رمضان من نية، و نقل عن الشيخين و المرتضى و ابى الصلاح و سلار (رضى الله عنهم) ان شهر رمضان يكفى فيه نية واحدة من أوله.

قال المرتضى (رضى الله عنه) في الانتصار بعد الاحتجاج بالإجماع من الطائفة: ان النية تؤثر في الشهر كله لأن حرمته حرمة واحدة كما أثرت في اليوم الواحد لما وقعت في ابتدائه.

و قال (قدس سره) في المسائل الرسية على ما نقله عنه العلامة في المختلف:

تغني النية الواحدة في ابتداء شهر رمضان عن تجديدها في كل ليلة و هو المذهب الصحيح الذي عليه إجماع الإمامية و لا خلاف بينهم فيه و لا رووا خلافه. ثم اعترض نفسه بأنه كيف تؤثر النية في جميع الشهر و هي متقدمة في أول ليلة منه؟

و أجاب بأنها تؤثر في الشهر كله كما تؤثر في اليوم كله و ان وقعت في ابتداء ليلته، و لو شرطت مقارنة النية للصوم لما جاز ذلك مع الإجماع على جوازه، و لو اشترط في تروك الأفعال في زمان الصوم مقارنة النية لها لوجب تجديد النية في كل حال من زمان كل يوم من شهر رمضان لأنه في هذه الأحوال كلها تارك لما يوجب كونه مفطرا، و قد علمنا ان استمرار النية طول النهار غير واجب و ان النية قبل طلوع الفجر كافية مؤثرة في كون تروكه المستمرة طول النهار صوما، فكذا القول في النية الواحدة إذا فرضنا انها لجميع شهر رمضان انها مؤثرة شرعا في صيام جميع أيامه و ان تقدمت. انتهى.

و أورد على ما ذكره منع ان حرمته حرمة واحدة بمعنى كون المجموع عبادة واحدة بل صوم كل يوم أمر مستقل بنفسه غير متعلق بغيره و لهذا تتعدد الكفارات بتعدد المفطر. و منع ثبوت الإجماع.

و رد المحقق كلام المرتضى أيضا بأنه قياس محض لا يتمشى على أصولنا، قال

28

لكن علم الهدى ادعى على ذلك الإجماع و كذلك الشيخ أبو جعفر، و الأولى تجديد النية لكل يوم في ليلته لأنا لا نعلم ما ادعياه من الإجماع.

قال في الذخيرة بعد البحث في المقام: نعم لقائل أن يقول تحصيل العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي وجوب تجديد النية بناء على ما ذكرنا سابقا من عدم ثبوت كون النية شرطا خارجا و عدم ثبوت كون الصوم حقيقة شرعية في نفس الإمساك من غير اعتبار استجماع الشرائط المؤثرة في الصحة. إلا ان بهذا الوجه لا يثبت وجوب القضاء عند الإخلال بالتجديد. و كيف ما كان فلا ريب في أولوية التجديد.

و قال العلامة: ان قلنا بالاكتفاء بالنية الواحدة فإن الأولى تجديدها بلا خلاف.

و استشكل هذا الحكم شيخنا الشهيد الثاني بناء على ان القائل بالاكتفاء بنية واحدة للشهر يجعله عبادة واحدة كما صرح به في دليله و من شأن العبادة الواحدة المشتملة على النية الواحدة ان لا يجوز تفريق النية على أجزائها كما هو المعلوم من حالها و حينئذ يشكل أولوية تعدد النية بتعدد الأيام لاستلزامه تفريق النية على اجزاء العبادة الواحدة التي تفتقر إلى النية الواحدة، قال و الطريق المخرج من الاشكال الجمع بين نية المجموع و بين النية لكل يوم. انتهى. و اعترض عليه بما لا مزيد طائل في إيراده بعد ما ستقف عليه ان شاء الله تعالى من التحقيق الرشيق.

ثم انهم قد صرحوا أيضا بأنه لو فاتته النية في أول الشهر لعذر أو غيره هل يكتفى بالنية في ثاني ليلة أو ثالث ليلة للباقي من الشهر؟ تردد فيه العلامة في المنتهى و استوجه الشهيد في البيان عدم الاكتفاء بذلك.

أقول- و بالله الهداية و التوفيق الى سواء الطريق- أنه لا بد من الكلام هنا في تحقيق النية زيادة على ما قدمناه في كتاب الطهارة ليكون أنموذجا لك في كل مقام و يتضح به ما في كلام هؤلاء الأعلام و ان كانوا هم القدوة و المعتمد في النقض و الإبرام:

29

فنقول: ينبغي ان يعلم انه لا ريب ان أفعال العقلاء كلها من عبادات و غيرها لا تصدر إلا بعد تصور الدواعي الباعثة على الإتيان بها و هي المشار إليها في كلامهم بالعلل الغائية، مثلا يتصور الإنسان ان الإتيان بهذا الفعل يترتب عليه النفع الفلاني فإذا تصورت النفس هذا الغرض انبعث منها شوق الى جذبه و تحصيله، فقد يتزايد هذا الشوق و يتأكد و يسمى بالإرادة، فإذا انضم إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء إلى إيقاع ذلك الفعل و إيراده و تحركت الى إصداره و إيجاده لأجل غرضها الذي تصورته أولا، فانبعاث النفس و توجهها و قصدها الى ما فيه غرضها هو النية، نعم قد يحصل بسبب تكرر الفعل و الاعتياد عليه نوع ذهول عن تلك العلة الغائية الحاملة على الفعل إلا ان النفس بأدنى توجه و التفات تستحضر ذلك كما هو المشاهد في جملة أفعالنا المتكررة منا.

و حينئذ فليست النية بالنسبة إلى الصلاة و الطهارة و الصيام و نحو ذلك من العبادات إلا كغيرها من سائر أفعال المكلف من قيامه و قعوده و أكله و شربه و نكاحه و نومه و مغداه و مجيئه و نحو ذلك، و لا ريب ان كل غافل غير ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال و نحوها إلا بنية و قصد، مع انه لا يتوقف شيء من ذلك على هذه النية التي ذكروها و الاختلافات التي سطروها.

و لا فرق بين ما ذكرنا من هذه الأفعال و بين العبادات إلا قصد القربة لله سبحانه في العبادات، و هذا لا يوجب ما ذكروه في أمثال هذا المقام.

و حينئذ فإذا كان المكلف عالما بوجوب الصوم عليه و انه عبارة عن الإمساك عن تلك الأمور المذكورة لله سبحانه كما هو الآن ضروري لعامة الناس فإنه برؤية هلال الشهر المذكور يوطن نفسه على ذلك و يكف عن هذه الأشياء في كل يوم من طلوع الفجر الى غروب الشمس و متى فعل ذلك فان صومه صحيح شرعي، و هذا هو الذي جرى عليه السلف زمن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و ما بعدهم، فإنه متى دخل عليهم الشهر اجتنبوا ما حرم الله عليهم في نهاره و كفوا عنه قاصدين

30

بذلك التقرب اليه سبحانه مراعين حرمته زيادة على غيره من الشهور و لم يقع التكليف من الشارع بأزيد من هذا.

و انى لأعلم علما لا يخالجه الظن ان جميع هذه الأبحاث و المقالات و التدقيقات التي ذكروها لم تخطر بخاطر أحد من الصحابة زمنه (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا زمن أحد من الأئمة (عليهم السلام) مع انه لا ريب في صحة صومهم، على انها من ما لم يقم عليها دليل شرعي.

و الأنسب بقواعد الشريعة المحمدية و سعتها الواضحة الجلية هو جعل ذلك من قبيل ما ورد من السكوت عن ما سكت الله عنه و إبهام ما أبهمه:

فروى الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) في كتاب المجالس بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان الله تعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها و سن لكم سننا فاتبعوها و حرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها و عفا لكم عن أشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها».

و روى في كتاب عوالي اللئالي عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2)

«ان عليا (عليه السلام) كان يقول: أبهموا ما أبهم الله».

و روى الصدوق في الفقيه (3) من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال:

«ان الله حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقصوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها. الحديث».

و من أراد مزيد تحقيق لما ذكرناه من هذا الكلام فليرجع الى شرحنا على كتاب مدارك الأحكام و ما قدمناه في كتاب الطهارة من هذا الكتاب.

____________

(1) البحار ج 2 ص 263 رقم 11 الطبع الحديث.

(2) البحار ج 2 الباب 33 من كتاب العلم.

(3) باب (نوادر الحدود) و في الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

31

و بذلك يظهر ان جميع ما ذكروه من الأبحاث في النية في كتاب الصيام و كتاب الصلاة و كتاب الطهارة و نحوها من ما لا أثر يترتب عليه و لا حاجة تلجئ اليه بل هو من باب

«اسكتوا عن ما سكت الله عنه»

(1)

.

و كلامهم في جميع هذه المواضع كلها يدور على النية التي اصطلحوا عليها و هي الكلام النفسي و التصوير الفكري الذي قدمنا ذكره و قد عرفت انه ليس هو النية حقيقة.

الرابع [هل يقع في شهر رمضان صوم غيره؟]

- انه لا يقع في شهر رمضان صوم غير الصوم الواجب فيه بالأصالة فلو نوى غيره واجبا كان أو ندبا فإنه لا يقع، و هل يجزئ عن شهر رمضان أم لا؟

و الخلاف هنا وقع في موضعين

أحدهما- انه هل يقع في شهر رمضان صوم غيره أم لا؟

المشهور الثاني.

فعلى هذا لو أراد المسافر صومه ندبا بناء على جواز الصوم المندوب في السفر أو واجبا بالنذر كما إذا قيده بالحضر و السفر لم يكن له ذلك:

أما أولا- فلأن العبادات توقيفية متلقاة من الشارع فيتوقف جواز ذلك على النقل و ليس فليس فيكون فعله بدعة محرمة.

و اما ثانيا-

فلما رواه الشيخ عن الحسن بن بسام الجمال عن رجل (2) قال:

«كنت مع أبى عبد الله (عليه السلام) في ما بين مكة و المدينة في شعبان و هو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر قلت له جعلت فداك أمس كان من شعبان و أنت صائم و اليوم من شهر رمضان و أنت مفطر؟ فقال: ان ذلك تطوع و لنا أن نفعل ما شئنا و هذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا».

و ما رواه عن إسماعيل بن سهل عن رجل (3) قال:

«خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان و كان يصوم ثم دخل عليه شهر رمضان و هو

____________

(1) أورده بهذا اللفظ القضاعي في الشهاب في حرف الالف.

(2) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

32

في السفر فأفطر فقيل له تصوم شعبان و تفطر شهر رمضان؟ فقال نعم شعبان الي أن شئت صمت و ان شئت لا و شهر رمضان عزم من الله على الإفطار».

و نقل عن الشيخ في المبسوط انه جوز التطوع بالصوم من المسافر في شهر رمضان، و هو ضعيف لما عرفت من انتفاء التوقيف مع انه عبادة تتوقف على ذلك و إلا لم تكن مشروعة، و لأن الرواية التي اعتمد عليها في جواز صيام النافلة في السفر قد تضمنت لعدم وقوعه في شهر رمضان.

الموضع الثاني- انه مع نية غيره هل يجزئ عن شهر رمضان متى كان حاضرا أم لا؟

قولان اختار أولهما جمع من الأصحاب: منهم- الشيخ و المحقق و المرتضى (رضى الله عنهم) و ثانيهما جماعة من الأصحاب: منهم- ابن إدريس و العلامة، و اليه جنح في المدارك.

و الظاهر انه لا خلاف في الاجزاء مع الجهل بالشهر كما اعترف به الأصحاب في صيام يوم الشك بنية الندب و اجزائه عن شهر رمضان مع تبين كونه منه، إنما الخلاف مع العلم.

حجة الأول- كما استدل به في المعتبر- ان النية المشروطة حاصلة في نية القربة و ما زاد لغو لا عبرة به فكان الصوم حاصلا بشرطه فيجزئ عنه.

و أورد عليه بأنه يشكل بان من هذا شأنه لم ينو المطلق لينصرف الى رمضان و انما هو نوى صوما معينا فما نواه لم يقع و غيره ليس بمنوي فيفسد لانتفاء شرطه.

حجة الثاني كما ذكره العلامة في المختلف التنافي بين نية صوم رمضان و نية غيره، و بأنه منهي عن نية غيره و النهى مفسد، و بان مطابقة النية للمنوي واجبة.

و أجيب: اما عن الأول فبأن التنافي مسلم لكن لم لا يجوز أن يكفي في صحة صيام رمضان نية الإمساك مع التقرب و لا يعتبر فيها نية خصوصية كونه صوم رمضان؟ لا بد لنفي ذلك من دليل.

أقول: فيه ان الذي علم من الاخبار و هو الموافق للقواعد الشرعية من قولهم

33

(عليهم السلام) (1)

«لكل امرئ ما نوى».

و

«لا عمل إلا بنية»

(2)

.

و نحوهما و الذي جرى عليه السلف من زمن التكليف الى الآن هو نية الصيام المخصوص بهذا الشهر، فهذا هو الذي علم صحته و إثبات صحة ما عداه يحتاج الى دليل لأن العبادات توقيفية و الذي علم من الأدلة هو ما ذكرناه، فلا بد لإثبات ما ذكره من دليل إذ مقتضى الأصول عدمه لا انه لا بد لنفيه من دليل كما ادعاه.

و اما عن الثاني فبان النهى متعلق بخصوصية نية كونه غير صوم رمضان و هي أمر خارجة عن حقيقة العبادة فلا يستلزم النهى عنها بطلان الصوم.

أقول: يمكن أن يكون مراد المستدل بما ذكره إنما هو انه لما كان منهيا عن هذه النية فالنهي عنها موجب لفسادها و حينئذ فتبقى العبادة التي أتى بها خالية من النية. و قوله- ان النية خارجة عن حقيقة العبادة فلا يستلزم النهى عنها بطلان الصوم- مردود بما اتفقوا عليه من أن النية لا تخرج عن كونها شرطا أو شطرا من العبادة، و على أى منهما فالنهي عنها يوجب البطلان لما قرروه من أن النهى عن العبادة أو شرطها أو جزئها موجب لفسادها.

و اما عن الثالث فبان وجوب مطابقة النية بجميع أجزائها و خصوصياتها للمنوي غير مسلم، و ان أراد المطابقة في الجملة فهي حاصلة في موضع البحث.

أقول: يلزم بمقتضى ما ذكره من الاكتفاء بهذه المطابقة الجملية في هذا المقام صحة صلاة الظهر لو نوى بها العصر و بالعكس لاشتراكهما في كونهما صلاة كما اشترك صوم رمضان و صوم ما نواه من غيره في كونهما صوما و لا أظنه يلتزمه.

و بالجملة فإن ما ذكره من هذه المناقشات ليس فيه مزيد فائدة.

و كيف كان فالمسألة لخلوها من النص لا تخلو من اشكال و إثبات الأحكام الشرعية بمجرد هذه التعليلات مجازفة محضة و الاحتياط لا يخفى.

الخامس [صوم يوم الشك بنية كونه من شهر رمضان]

- لو نوى الوجوب بكونه من شهر رمضان في يوم الشك و هو آخر

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

34

يوم من شعبان فالمشهور انه يكون فاسدا و لا يجزئ عن أحدهما، لا عن شهر رمضان و ان ظهر كونه منه لوقوعه في شهر شعبان ظاهرا و الأحكام الشرعية إنما بنيت على الظاهر، و لا عن شعبان لعدم نيته، فما نواه غير واقع بحسب الظاهر الذي هو مناط التكليف و ما هو واقع غير منوي، و على ذلك تدل الأخبار الآتية.

و الى هذا القول ذهب الشيخ و المرتضى و الصدوقان و أبو الصلاح و سلار و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس و الفاضلان و غيرهم و هو المعتمد، و ذهب ابن ابى عقيل و ابن الجنيد إلى انه يجزئه عن شهر رمضان و اليه ذهب الشيخ في الخلاف.

و استدل على القول الأول

بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1)

«في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان؟ فقال (عليه السلام) عليه قضاؤه و ان كان كذلك».

و الاستدلال بهذا الخبر مبنى على تعلق قوله «من رمضان» بقوله «يصوم» بمعنى انه لا يجوز صيام يوم الشك على انه من شهر رمضان فلو صامه و ظهر كونه من شهر رمضان لم يجزئ عنه و وجب قضاؤه، و اما لو علق بقوله «يشك» فلا دلالة فيه و يحمل الأمر فيه بالقضاء على التقية لاتفاق العامة على عدم الاجزاء عن شهر رمضان لو ظهر كونه منه (2).

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(2) في نيل الأوطار بعد ذكر أحاديث المنتقى بعنوان باب (ما جاء في يوم الغيم و الشك) ج 4 ص 201 قال ص 204: و قد استدل بهذه الأحاديث على المنع من صوم يوم الشك، قال النووي و به قال مالك و الشافعي و الجمهور. و حكى الحافظ في الفتح عن مالك و ابى حنيفة انه لا يجوز صومه عن فرض رمضان و يجوز عن ما سوى ذلك. قال ابن الجوزي في التحقيق: و لا حمد في هذه المسألة و هي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها- يجب صومه على انه من رمضان.

و ثانيها- لا يجوز فرضا و لا نقلا مطلقا بل قضاء و كفارة و نذرا و نفلا يوافق عادة.

و ثالثها- المرجع إلى رأى الامام في الصوم و الفطر. و ذهب جماعة من الصحابة إلى صومه. و عد قسما منهم ثم قال و جماعة من التابعين. الى أن قال: و قال جماعة من أهل البيت باستحبابه و قد ادعى المؤيد بالله انه أجمع على استحباب صومه أهل البيت. و في المجموع ج 6 ص 403 و 408 ذكر مذاهب العلماء في صوم يوم الشك بعد ان ذكر ص 399 ان الشافعية لا يجوز عندهم صوم يوم الشك عن رمضان، و في المغني ج 3 ص 89 و المحلى ج 7 ص 23 و بدائع الصنائع ج 2 ص 78 ذكر الاختلاف فيه ايضا.

35

و مثله في ذلك

ما رواه الشيخ في التهذيب عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1)

«انه قال في يوم الشك: من صامه قضاه و ان كان كذلك. يعنى من صامه على انه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه و ان كان يوما من شهر رمضان لأن السنة جاءت في صيامه على انه من شعبان و من خالفها كان عليه القضاء».

و قوله: «يعنى من صامه. الى آخره» يحتمل أن يكون من كلام الشيخ في التهذيب و يحتمل أن يكون من كلام أحد الرواة تقييدا لإطلاق الخبر.

و الاحتمال الذي قدمناه في الخبر الأول قائم أيضا هنا و به صرح الشيخ في الاستبصار أيضا.

و الأظهر الاستدلال على ذلك

بما رواه الكليني في الكافي في الموثق عن سماعة (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صام يوما و هو لا يدرى أ من شهر رمضان هو أم من غيره فجاء قوم فشهدوا انه كان من شهر رمضان فقال بعض الناس عندنا لا يعتد به فقال بلى فقلت انهم قالوا صمت و أنت لا تدري أ من شهر رمضان هذا أم من غيره؟ فقال بلى. فاعتد به فإنما هو شيء وفقك الله له إنما يصام يوم الشك من شعبان و لا يصومه من شهر رمضان لأنه قد نهى ان ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله تعالى و بما قد وسع على عباده و لو لا ذلك لهلك الناس».

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

36

و الظاهر ان معنى قوله «لأنه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك» يعنى بصيامه من شهر رمضان مع عدم ثبوته و كون الناس إنما يعدونه من شعبان.

و الظاهر ان معنى قوله «و لو لا ذلك لهلك الناس» أي لو لا التكليف بالظاهر دون الواقع و نفس الأمر، إذ في وقوع التكليف بذلك لزوم تكليف ما لا يطاق و هو موجب لما ذكره، فالتكليف إنما وقع بصيامه من شعبان بناء على ظاهر الحال و ان كان في الواقع انه من شهر رمضان و الاجزاء بعد ذلك إنما هو بتفضل منه سبحانه.

و يدل ايضا على ما ذكرناه من القول المشهور ما تقدم في أول الكتاب من حديث الزهري

و حديث كتاب الفقه الرضوي و قولهما (عليهما السلام) (1)

«و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه: أمرنا أن نصومه من شعبان و نهينا عنه ان ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس.

الى آخر ما تقدم» و قوله:

«و نهينا أن ينفرد الرجل بصيامه» يعنى ما قدمنا ذكره من أن المراد صيامه من شهر رمضان.

و الشيخ في التهذيب (2) قد روى عن الزهري قال:

«سمعت على بن الحسين (عليه السلام) يقول يوم الشك أمرنا بصيامه و نهينا عنه: أمرنا أن يصومه الإنسان على انه من شعبان و نهينا عن ان يصومه على انه من شهر رمضان و هو لم ير الهلال».

و هو ظاهر الدلالة في المراد.

____________

(1) ص 5 س 8.

(2) ج 4 ص 164 و 183 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته. و السند فيه يختلف عن سند الحديث الذي يرويه ص 296 و قد تقدم ص 3 فان ذلك يرويه عن الكليني و هذا يرويه بسند آخر مستقل.

37

و استدل السيد السند (قدس سره) في المدارك للقول المشهور أيضا بأن إيقاع المكلف الصوم في الزمان المحكوم بكونه من شعبان على انه من شهر رمضان يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه فيكون حراما لا محالة كالصلاة بغير طهارة فلا يتحقق به الامتثال. و هو جيد.

و اما ما أجاب به الفاضل الخراساني في الذخيرة عن ذلك- من أن غاية ما يستفاد من هذا الدليل تحريم نية كونه من رمضان و لا يلزم من ذلك فساد العبادة لأن النهي متعلق بأمر خارج عن العبادة- ففيه ما قدمنا ذكره قريبا من أن النية لا تخلو من أن تكون شرطا أو شطرا من العبادة، و على أى منهما فتوجه النهي إليها موجب لبطلان العبادة إذ لا خلاف بينهم في ما أعلم في أن توجه النهي إلى العبادة أو جزئها أو شرطها موجب لبطلانها و لم نقف للقول الثاني على دليل إلا ما نقل عن الشيخ في الخلاف من انه احتج على ذلك بإجماع الفرقة و اخبارهم على انه من صام يوم الشك أجزأ عن شهر رمضان و لم يفرقوا. و أورد عليه بان الفرق في النص و كلام الأصحاب متحقق كما تقدم.

قال السيد السند (قدس سره) في المدارك: و لا يخفى ان نية الوجوب مع الشك إنما يتصور من الجاهل الذي يعتقد الوجوب لشبهة أما العالم بانتفائه شرعا فلا يتصور منه ملاحظة الوجوب إلا على سبيل التصور و هو غير النية فإنها إنما تتحقق مع الاعتقاد كما هو واضح. انتهى.

أقول: لا يخفى أن تخصيص محل الخلاف بما فرضه هنا من الجاهل الذي يعتقد الوجوب لشبهة موجب للقدح في استدلاله الذي قدمنا نقله عنه من أن إيقاع المكلف الصوم في الزمان المحكوم بكونه من شعبان على انه من شهر رمضان يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه، فان للقائل أن يقول ان هذا الكلام انما يتوجه الى العالم إذ الجاهل من حيث الشبهة التي فرضها لا يكون الزمان عنده محكوما

38

بكونه من شهر شعبان فلا يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه، و كون ذلك واقعا كذلك لا مدخل له في المقام إذ الكلام بالنظر الى ظاهر اعتقاد المكلف.

و بالجملة فإن الدليل المذكور لا يتم مع فرض المسألة كما ذكره و مع بطلان هذا الدليل الذي هو معتمدة في المسألة يصير اختياره للقول المشهور عاريا عن الدليل، لأنه قد استدل بعد هذا الدليل بصحيحة محمد بن مسلم و قد قدمنا ما يرد عليها ثم استدل بموثقة سماعة و رواية الزهري و هما باصطلاحه من الضعيف الذي لا يقوم حجة و لا يثبت دليلا كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان بعض الأخبار المتعلقة بهذه المسألة زيادة على ما ذكرنا لا تخلو من الإجمال و قيام الاحتمال:

و منها-

صحيحة معاوية بن وهب أو حسنته (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان فيكون كذلك؟ فقال هو شيء وفق له».

فان قوله: «من شهر رمضان» يحتمل تعلقه ب «يصوم» يعنى يصوم يوم الشك بنية كونه من شهر رمضان، و حينئذ فقوله (عليه السلام) «هو شيء وفق له» دليل على القول الثاني، و على هذا الاحتمال اعتمد في الذخيرة و جعل الخبر المذكور معارضا لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بناء على استدلال الأصحاب بها. و يحتمل تعلقه ب «يشك فيه» و حينئذ فيكون الخبر موافقا لما ذكره الأصحاب و دلت عليه الأخبار من استحباب صوم يوم الشك بنية كونه من شعبان و انه يجزئ عن شهر رمضان. و الظاهر هو رجحان هذا الاحتمال لأن جملة الأحاديث المشتملة على انه يوم وفق له إنما وردت في صيامه بنية كونه من شعبان كما تقدم في موثقة سماعة و مثلها غيرها من ما سيأتي ان شاء الله تعالى. و به يظهر بطلان الاحتمال الأول الذي عول عليه في الذخيرة.

____________

(1) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

39

و منها-

رواية سماعة (1) قال:

«سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدرى أ هو من شعبان أو من رمضان فصامه من شهر رمضان؟ قال هو يوم وفق له و لا قضاء عليه».

و هذه الرواية رواها الشيخ في التهذيب (2) نقلا عن الكافي هكذا و هي بظاهرها دالة على القول الثاني و مؤيدة للاحتمال الأول في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، إلا أن الرواية في الكافي (3) هكذا: «فصامه فكان من شهر رمضان» و بذلك يظهر حصول الغلط في الخبر و نقصان «فكان» من رواية الشيخ كما هو معلوم من طريقته في الكتاب المذكور و ما جرى له فيه من التحريف و التغيير و الزيادة و النقصان في متون الأخبار و أسانيدها، و بذلك تكون الرواية موافقة لما عليه الأصحاب و الاخبار.

و بما حققناه في المقام يظهر قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور و ان ما ذكره في الذخيرة من الاستشكال في المسألة بناء على ما قدمنا نقله عنه لا يخلو من القصور.

السادس [صوم يوم الشك بنية الندب]

- الظاهر انه لا خلاف في انه لو صام يوم الشك بنية الندب ثم ظهر كونه من شهر رمضان فإنه يجزئ عنه و لا يجب عليه قضاؤه.

و يدل على ذلك الأخبار المتكاثرة و منها ما تقدم من موثقة سماعة و روايته الثانية بناء على رواية صاحب الكافي.

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الصحيح عن سعيد الأعرج (4) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى صمت اليوم الذي يشك فيه فكان من شهر رمضان أ فاقضيه؟

قال لا هو يوم وفقت له».

____________

(1) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(2) ج 1 ص 403.

(3) الفروع ج 1 ص 185.

(4) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

40

و عن محمد بن حكيم (1) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه فان الناس يزعمون ان من صامه بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال كذبوا ان كان من شهر رمضان فهو يوم وفق له و ان كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الأيام».

و عن بشير النبال عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن صوم يوم الشك فقال صمه فإن يك من شعبان كان تطوعا و ان يك من شهر رمضان فيوم وفقت له».

و عن الكاهلي في الحسن (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان قال لأن أصوم يوما من شعبان أحب الى من أن أفطر يوما من شهر رمضان».

و معناه ان صيام هذا اليوم من شعبان أحب الى من أن أفطر فيظهر كونه من شهر رمضان فيكون بمنزلة من أفطر في شهر رمضان و وجب عليه القضاء.

و روى شيخنا المفيد (قدس سره) في المقنعة (4) قال: و روى أبو الصلت عبد السلام بن صالح قال حدثني على بن موسى الرضا عن أبيه عن جده (عليهم السلام) انه قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من صام يوم الشك فرارا بدينه فكأنما صام الف يوم من أيام الآخرة غرا زهرا لا يشاكان أيام الدنيا».

قال (5) و روى أبو خالد عن زيد بن على بن الحسين عن آبائه عن على بن أبى طالب (عليهم السلام) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صوموا سر الله. قالوا يا رسول الله و ما سر الله؟ قال يوم الشك».

و اما ما دل بظاهره على خلاف ما دلت عليه هذه الاخبار من تحريم صوم يوم الشك- مثل

ما رواه الشيخ في التهذيب عن قتيبة الأعشى (6) قال:

«قال

____________

(1) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(4) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(6) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته و الباب 1 من الصوم المحرم و المكروه.

41

أبو عبد الله (عليه السلام) نهى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن صوم ستة أيام: العيدين و أيام التشريق و اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان».

و ما رواه فيه عن عبد الكريم بن عمرو (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم؟ فقال لا تصم في السفر و لا العيدين و لا أيام التشريق و لا اليوم الذي يشك فيه».

و رواه في الفقيه عن عبد الكريم أيضا (2).

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الفضيل (3) قال:

«سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه لا يدرى أ هو من شهر رمضان أو من شعبان؟

فقال: شهر رمضان شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من الزيادة و النقصان فصوموا للرؤية و أفطروا للرؤية و لا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يوم و ذكر الحديث»-.

فقد حمله الشيخ على صومه بنية شهر رمضان و استدل بحديث الزهري المتقدم، و الأقرب عندي حمل النهى عن صومه على التقية لما أشارت إليه جملة من الأخبار المتقدمة من الرد على العامة في ما ذهبوا اليه من تحريم صومه (4).

تنبيهات

الأول [المراد بيوم الشك]

- ينبغي أن يعلم ان المراد بيوم الشك في هذه الأخبار ليس هو مطلق الثلاثين من شعبان بل المراد به إنما هو في ما إذا حصل الاختلاف في رؤية هلال شعبان على وجه لم تثبت الرؤية فإن اليوم الثلاثين بناء على دعوى الرؤية قبل ذلك يكون أول شهر رمضان و على دعوى العدم يكون من شهر شعبان، أو حصل الاختلاف في رؤية هلال شهر رمضان كذلك فإنه على تقدير دعوى الرؤية يكون

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(4) ارجع الى التعليقة 2 ص 34.

42

من شهر رمضان و على تقدير عدمها يكون من شهر شعبان، و كذا في صورة ما إذا علم هلال شعبان لكن اتفق حصول غيم مانع من الرؤية ليلة الثلاثين، فإنه في جميع هذه الصور يكون يوم شك، و هذا هو الذي وردت الاخبار باستحباب صومه و انه ان ظهر من شهر رمضان فهو يوم وفق له. و اما لو كان هلال شعبان معلوما يقينا و لم يدع أحد الرؤية ليلة الثلاثين منه و لم تكن في السماء علة مانعة من الرؤية فإن هذا اليوم من شعبان قطعا و ليس هو بيوم شك.

و يدل على ذلك من الاخبار

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب بسنديهما عن هارون بن خارجة (1) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام) عد شعبان تسعة و عشرين يوما فان كانت متغيمة فأصبح صائما و ان كانت صاحية و تبصرته و لم تر شيئا فأصبح مفطرا».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن الربيع بن ولاد عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إذا رأيت هلال شعبان فعد تسعة و عشرين يوما فإن أصبحت فلم تره فلا تصم و ان تغيمت فصم».

و هما ظاهران في أن أمره (عليه السلام) بالصوم مع الغيم إنما هو من حيث كونه يوم الشك الذي ورد فيه ما تقدم من انه يوم وفق له و اما مع الصحو فليس هو كذلك.

و يدل على ذلك ايضا

ما رواه الشيخ في التهذيب عن معمر بن خلاد عن أبى الحسن (عليه السلام) (3) قال:

«كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائما فأتوه بمائدة فقال ادن. و كان ذلك بعد العصر قلت له جعلت فداك صمت اليوم.

فقال لي و لم؟ قلت جاء عن أبى عبد الله (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه انه قال يوم وفق له فقال أ ليس تدرون إنما ذلك إذا كان لا يعلم أ هو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل فكان من شهر رمضان فكان يوما وفق له؟ فاما و ليس علة و لا شبهة

____________

(1) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 5 و 4 من وجوب الصوم و نيته.

43

فلا. فقلت أفطر الآن؟ فقال لا. فقلت و كذلك في النوافل ليس لي أن أفطر بعد الظهر؟ قال نعم».

و الظاهر ان ما دل عليه الخبران الأولان صريحا و الثالث ظاهرا من عدم صوم يوم الثلاثين مع عدم العلة و الشبهة هو مستند الشيخ المفيد (قدس سره) في ما نقل عنه من كراهية صوم هذا اليوم مع الصحو كما نقله عنه في البيان حيث قال: و لا يكره صوم يوم الشك بنية شعبان و ان كانت الموانع من الرؤية منتفية، و قال المفيد يكره مع الصحو إلا لمن كان صائما قبله. انتهى.

و ما نقل هنا عن الشيخ المفيد (قدس سره) لعله من غير المقنعة لأن كلامه في المقنعة صريح في الاستحباب مطلقا كما لا يخفى على من راجعه.

ثم لا يخفى عليك ان ظاهر كلام جملة من أصحابنا ان يوم الشك عندهم هو يوم الثلاثين مطلقا كما لا يخفى على من راجع عباراتهم و منها عبارة البيان المنقولة هنا.

و فيه ما عرفت من دلالة الأخبار التي قدمناها على ان يوم الثلاثين من شعبان مع عدم العلة في السماء و عدم الاختلاف في الرؤية ليس بيوم شك و لا يستحب صومه من حيث كونه يوم شك.

و ربما سبق الى بعض الأوهام من هذه الأخبار التي قدمناها دالة على عدم استحباب صوم هذا اليوم مع عدم العلة هو تحريم صيامه نظرا الى ظاهر النهي في بعضها. و هو توهم ضعيف لما دل على استحباب الصوم مطلقا (1) و صوم شعبان بخصوصه كلا أو بعضا (2) و ما دل عليه آخر رواية معمر بن خلاد من النهى عن الإفطار و الحال ذلك و قول الراوي «و كذلك في النوافل» يعنى غير هذا المؤذن بكونه من النوافل.

و أبعد من ذلك ما نقل ايضا عن بعض القاصرين من تحريم الإفطار يوم الشك

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

44

مطلقا فرضا و نفلا كما نقله بعض الأفاضل.

الثاني [الاكتفاء بنية الندب في كل صوم واجب]

- الحق الشهيدان بشهر رمضان في الاكتفاء بنية الندب متى ظهر كونه من شهر رمضان كل واجب معين فعل بنية الندب مع عدم العلم، و نفى عنه البأس جملة ممن تأخر عنهما: منهم- السيد السند في المدارك و المحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني في الذخيرة.

و عندي فيه توقف لأن الإلحاق المذكور لا يخرج عن القياس إذ مورد الدليل شهر رمضان خاصة و اشتراك الصوم المعين مع شهر رمضان في التعين و كون الزمان لا يصلح لغيره لا يوجب تعدى الحكم المذكور.

و بالجملة فالأحكام الشرعية مقصورة عندنا على الأدلة الواضحة خصوصا أو عموما و اما تعديها بمجرد المشاركة و المناسبة و نحو ذلك فهو لا يطابق الأصول الواردة عن أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم).

و صرح الشهيد في الدروس- بعد حكمه بتأدي رمضان بنية النفل مع عدم علمه- بتأدية و كذا تأدى كل معين بنية الفرض من غيره ايضا بطريق أولى، و نفى عنه البعد في المدارك. و فيه ما عرفت.

الثالث [الترديد في نية الصوم في يوم الشك]

- لو ردد في نيته بان نوى ان كان غدا من شهر رمضان فهو صائم فرضا و ان كان من شعبان فهو صائم نفلا فللشيخ في ذلك قولان: أحدهما- الإجزاء ذكره في المبسوط و الخلاف، و الثاني العدم ذكره في باقي كتبه، و بالأول قال ابن حمزة و ابن ابى عقيل و العلامة في المختلف و هو ظاهر الدروس و البيان و اليه يميل كلام المحقق الأردبيلي و المحدث الكاشاني، و الى الثاني ذهب المحقق و ابن إدريس و العلامة في الإرشاد و اختاره في المدارك و نسبه الى أكثر المتأخرين.

حجة القول الأول انه نوى الواقع فوجب أن يجزئه، و انه نوى العبادة على وجهها فوجب أن يخرج من العهدة، أما المقدمة الأولى فلأن الصوم ان كان من شهر رمضان كان واجبا و ان كان من شعبان كان مندوبا، و اما الثانية فظاهرة. و بان

45

نية القربة كافية و قد نوى القربة.

و أجيب عن الأول و الثاني بالمنع من كون النية مطابقة للواقع و كون العبادة واقعة على وجهها، فان الوجه المعتبر هنا هو الندب خاصة و ان فرض كون ذلك اليوم في الواقع من شهر رمضان، فان الوجوب إنما يتحقق إذا ثبت دخول الشهر لا بدونه و الوجوب في نفس الأمر لا معنى له.

و عن الثالث بأنه لا يلزم من الاكتفاء في صوم شهر رمضان بنية القربة الصحة مع إيقاعه على خلاف الوجه المأمور به بل على الوجه المنهي عنه.

و أجاب عنه في المعتبر أيضا بأن نية التعيين تسقط في ما علم انه من شهر رمضان لا في ما لا يعلم.

حجة القول الثاني ان صوم يوم الشك إنما يقع على وجه الندب ففعله على خلاف ذلك يكون تشريعا فلا يتحقق به الامتثال.

و أورد عليه ان غاية ما يستفاد من ذلك تحريم بعض خصوصيات النية فلا يلزم فساد الصوم. و عندي ان هذا الجواب لا يخلو من نظر.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المسألة ليس فيها نص في ما اعلم يدل على نفى أو إثبات و إثبات الأحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات مع سلامتها من المناقض لا يخلو من مجازفة فكيف و المناقشة فيها قائمة من الطرفين، و بذلك يظهر ان المسألة محل توقف على ان حصول الترديد هنا لا يخلو من اشكال: اما بالنسبة إلى العالم بان هذا اليوم بحسب ظاهر الشرع إنما هو من شعبان- و انه إنما يصام ندبا من شعبان و لا يجوز صيامه من شهر رمضان كما هو المعلوم من الاخبار المتقدمة و عليه كافة الفرقة الناجية إلا الشاذ القائل بجواز صيامه من شهر رمضان- فظاهر لأنه متى علم ان الشارع إنما حكم به من شهر شعبان و انما جوز صيامه بنية شعبان و حرم صيامه بنية شهر رمضان و أعلمه بأنه مع صيامه بنية شعبان يجزئه متى ظهر كونه من شهر رمضان فكيف يردد في نيته و لما ذا يردد فيها و ينوي ما منعه الشارع منه مع كونه

46

يحسب له و ان لم ينوه؟ و اما بالنسبة إلى الجاهل بالحكم الشرعي فهو و ان أمكن إلا ان حججهم و تعليلاتهم المذكورة لا تجتمع عليه فان حجة القول الثاني لا تتم بالنسبة إلى الجاهل كما لا يخفى.

الرابع [لو نوى الندب ثم ظهر أنه من رمضان]

- صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو صام يوم الشك بنية الندب ثم ظهر في أثناء النهار و لو قبل الغروب انه من شهر رمضان وجب ان يجدد نية الوجوب. و هو متجه على تقدير القول بوجوب نية الوجه في شهر رمضان و قد عرفت من ما قدمناه في بحث النية من كتاب الطهارة انه لم يقم دليل على اعتبار نية الوجه في شيء من العبادات لا في هذا المقام و لا غيره و ان القربة كافية. نعم نقل النية إلى التعيين بكونه من شهر رمضان حيث ان النية الأولى انما تعلقت بغيره من ما لا بد منه و ان كان صوم شهر رمضان لا يفتقر الى تعيين لما علم من ان الزمان لا يصلح لغيره، إلا ان هذا من ما يحصل للمكلف بعد العلم بذلك من غير اعتمال و لا تكلف.

السابع [لو لم ينو الصوم ثم ظهر أنه من رمضان]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو أصبح في يوم الشك بنية الإفطار ثم ظهر كونه من شهر رمضان فان لم يتناول شيئا جدد نية الصوم ما بينه و بين الزوال و أجزأه و لو زالت الشمس أمسك و قضاه عند الأكثر.

اما الحكم الأول فالظاهر انه لا خلاف فيه بينهم، و ظاهر المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و التذكرة انه موضع وفاق بين العلماء.

و استدل عليه في المعتبر بما تقدم من حديث الأعرابي المنقول في الموضع الثاني (1) و استدل عليه في المدارك ايضا بما تقدم ثمة من فحوى ما دل على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال.

و قد تقدم ما في هذه الأدلة و نحوها من عدم الصلوح لتأسيس الأحكام الشرعية و المسألة لذلك لا تخلو من توقف و العمل بالاحتياط فيها لازم.

____________

(1) ص 19.

47

و اما الحكم الثاني فهو المشهور و قد تقدم في الموضع المشار اليه نقل كلام ابن الجنيد الدال على الاجتزاء بالنية بعد الزوال إذا بقي جزء من النهار.

و لم نقف على دليل لشيء من القولين المذكورين، و الذي تضمن التحديد بالزوال كموثقة عمار المتقدمة و رواية عبد الله بن بكير (1) مورده غير صيام شهر رمضان، و كذا ما دل ظاهره على الامتداد الى ما بعد الزوال إنما ورد في ما عدا شهر رمضان، فالحكم هنا لا يخلو من توقف في الموضعين المذكورين.

نعم ربما أمكن الاستناد في ذلك الى

صحيحة هشام بن سالم المتقدمة ثمة (2) قال:

«قلت له الرجل يصبح و لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأى في الصوم؟ فقال ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».

بان تحمل على ما هو أعم من شهر رمضان و ان المعنى في قوله: «و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت» انه متى نواه بعد الزوال فهو غير مجزئ و ان كان يحسب له ثواب صومه من ذلك الوقت الذي بنى فيه و المراد منه بطلان الصوم و ان أثيب بمقدار هذا الجزء الباقي.

ثم لا يخفى ان وجوب الإمساك بعد العلم بكونه من الشهر بعد الزوال ليس من حيث كونه صوما لحكمهم بإيجاب قضائه و إنما هو لتحريم الأكل و الشرب في الشهر بغير شيء من الأعذار المنصوصة، و كذا وجوب الإمساك عليه لو ظهر كونه من الشهر بعد أن تناول المفطر.

الثامن- لو نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان ثم جدد النية للصوم قبل الزوال

فالمشهور- بل ظاهر كلام جملة منهم الاتفاق عليه- هو عدم الانعقاد، لأن الإخلال بالنية في جزء من الصوم يقتضي فوات ذلك الجزء لفوات شرطه و يلزم منه فساد الكل لان الصوم لا يتبعض فيجب قضاؤه، و في وجوب الكفارة بذلك قولان.

____________

(1) ص 23.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

48

و قال المحقق في الشرائع: لو نوى الإفطار في يوم من رمضان ثم جدد قبل الزوال قيل لا ينعقد و عليه القضاء، و لو قيل بانعقاده كان أشبه.

و ربما حكى القول بالانعقاد عن ظاهر كلام الشيخ، قيل: و لعله نظر الى ظاهر ما دلت عليه صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في الموضع الثاني (1) باعتبار دلالتها على انه بالنية قبل الزوال يحسب اليوم.

و فيه انا لم نجد أحدا من الأصحاب نقل ذلك عن الشيخ صريحا و لا ظاهرا، و على تقدير صحة النقل فالاستناد إلى الصحيحة المشار إليها لا يخلو من نظر فان ظاهر سياق الخبر يعطي ان ذلك إنما هو بالنسبة إلى النافلة أو الواجب الغير المعين.

و بالجملة فإن المسألة لما كانت عارية عن النص فالحكم فيها مشكل و الاحتياط فيها واجب و هو في جانب القول المشهور فيتعين العمل عليه، و يؤيده أنه الأوفق أيضا بالأصول الشرعية و القواعد المرعية فإن من قام و قعد و ركع و سجد لا بنية الصلاة لم تحسب له صلاة فكذلك من أمسك لا بقصد الصيام بل بقصد الإفطار لا يسمى صياما، و الإخلال بالصيام عمدا لغير عذر في بعض اليوم يقتضي بطلان صيام ذلك اليوم البتة. و بذلك يظهر ضعف توقف صاحب الذخيرة في هذه المسألة و انه من جملة تشكيكاته الركيكة.

و قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك بعد نقل قول المحقق:

«و لو قيل بالانعقاد كان أشبه»: هذا- على القول بالاجتزاء بنية واحدة مع تقدمها أو على القول بجواز تأخير النية الى قبل الزوال اختيارا- متوجه لحصول النية المعتبرة و الحاصل منها إنما ينافي الاستدامة الحكمية لا نفس النية، و شرطية الاستدامة أو توقف صحة الصوم عليها غير معلوم و ان ثبت ذلك في الصلاة، و اما على القول بوجوب إيقاع النية ليلا فأخل بها ثم جددها قبل الزوال ففي الصحة نظر لأن الفائت هنا نفس النية في جزء من النهار و هي شرط في صحة الصوم نفسه فيفسد ذلك الجزء

____________

(1) ص 22 و تقدمت ايضا ص 47.

49

و الصوم لا يتبعض، و حينئذ فيقوى عدم الانعقاد. انتهى.

و اعترض صدر كلامه المؤذن ببيان وجه الصحة لهذا القول سبطه السيد السند في المدارك فقال انه غير جيد، لأن القول الثاني غير متحقق و اللازم على الأول عدم اعتبار تجديد النية مطلقا للاكتفاء بالنية السابقة. ثم قال: و كيف كان فلا ريب في ضعف هذا القول. انتهى. و هو جيد.

التاسع [لو نوى الإفطار في أثناء النهار ثم جدد نية الصوم]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو نوى الإفطار في أثناء النهار بعد أن عقد الصوم ثم جدد نية الصوم بعد نية الإفطار كان صومه صحيحا، ذهب اليه الشيخ و المرتضى و أتباعهما.

و استدلوا على ذلك بان النواقض محصورة و ليست هذه النية من جملتها فمن ادعى كونها ناقضة فعليه الدليل. و بان نية الإفطار إنما تنافي نية الصوم لا حكمها الثابت بالانعقاد الذي لا ينافيه النوم و الغروب إجماعا. و بان النية لا يجب تجديدها في كل أزمنة الصوم إجماعا. فلا تتحقق المنافاة.

و نقل عن ابى الصلاح انه جزم بفساد الصوم بذلك و جعله موجبا للقضاء و الكفارة.

و اختار العلامة في المختلف هذا القول أيضا و لكنه أوجب القضاء دون الكفارة، فاستدل على انتفاء الكفارة بالأصل السالم من المعارض، و على انه مفسد للصوم بأنه عبادة مشروطة بالنية و قد فات شرطها فتبطل. و بان الأصل اعتبار النية في جميع اجزاء العبادة لكن لما كان ذلك منتفيا اعتبر حكمها و هو أن لا يأتي بنية تخالفها و لا ينوي قطعها، فإذا نوى القطع زالت النية حقيقة و حكما، فكان الصوم باطلا لفوات شرطه. و بأنه عمل خلا من النية حقيقة و حكما فلا يكون معتبرا في نظر الشارع. و إذا فسد صوم جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم بالجمعة لأن الصوم لا يتبعض.

و أجاب العلامة في المختلف عن احتجاج الشيخ المتقدم بانا قد بينا الدليل على

50

ان هذه النية مبطلة للصوم من حيث انها مبطلة لشرطه اعنى نية الصوم و مبطل الشرط مبطل للشروط، و لا نسلم حصول الشرط لأن ادامة النية شرط لما تقدم و قد فات و نحن قد بينا كون الدوام شرطا. انتهى.

أقول: لا يخفى أن مرجع الخلاف في هذه المسألة عند التأمل في أدلة القولين المذكورين إلى انه هل يشترط استدامة النية في الصوم حقيقة أو حكما أم لا؟ و مبنى القول المشهور على الثاني و مبنى القول الآخر على الأول، و ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم في سابق هذا الموضع هو عدم الاشتراط.

قال في المدارك: و قد قطع الشيخ و المرتضى و المصنف في المعتبر بعدم اشتراطها ثم قال: و لا بأس به لأنه الأصل و ليس له معارض يعتد به، و مع ذلك فالمسألة محل تردد. انتهى.

و ربما يقال انه يمكن الاستدلال على وجوب الاستدامة

بقوله (عليه السلام) (1)

«إنما الأعمال بالنيات».

و فيه انه يمكن أن يقال ان العمل هنا لم يقع إلا بنية فيدخل تحت الخبر، و ليس في الخبر المذكور أزيد من أنه يجب وقوعه عن نية و قصد و هو كذلك و اما انه يجب استمرار ذلك القصد فلا دلالة فيه عليه.

و يمكن الاستدلال على الصحة في موضع البحث بما رواه الشيخ في الصحيح

عن محمد بن مسلم (2) قال:

«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ما يضر الصائم ما صنع

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم. و قد رواه في التهذيب ج 4 الطبع الحديث عن محمد بن مسلم بطرق ثلاثة: الأول ص 189 عن على بن مهزيار عن ابن ابى عمير، الثاني ص 202 عن الحسين بن سعيد عن ابن ابى عمير، الثالث ص 318 عن محمد ابن على بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابى عمير، و في الأولين اللفظ هكذا:

«إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب و النساء و الارتماس» نعم في الثاني في التعليقة (1) ان في بعض المخطوطات «أربع» و في الثالث «إذا اجتنب أربع خصال.» كما في الفقيه ج 2 ص 67 و اللفظ في الأولين «لا يضر» و في الثالث «ما يضر» و لا يخفى ان ابن ابى عمير يرويه عن حماد بن عثمان عن محمد بن مسلم و سيأتي التعرض من المصنف (قدس سره) لذلك في المسألة الأولى من مسائل المطلب الثاني.