الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - ج18

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
495 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين

كتاب التجارة

و فيه مقدمات و فصول

[أما المقدمات]

المقدمة الأولى [الحث على الكسب الحلال]

اعلم انه قد استفاضت الاخبار بالحث على طلب الرزق و الكسب الحلال، و لا سيما بطريق التجارة مع الإجمال في الطلب و الاقتصار على الحلال. و على هذا كان جملة فضلاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، كزرارة بن أعين، و هشام بن الحكم، و محمد ابن النعمان مؤمن الطاق، و محمد بن عمير و أضرابهم، كما لا يخفى على من لاحظ السير و الاخبار.

قال الله تعالى «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنٰاكِبِهٰا وَ كُلُوا

4

مِنْ رِزْقِهِ» (1). و قال سبحانه «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ» (2). و قال تعالى «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ» (3).

و روى ثقة الإسلام، عن ابى خالد الكوفي، رفعه الى ابى جعفر (عليه السلام)، قال:

قال رسول الله، (صلى الله عليه و آله و سلم):

«العبادة سبعون جزء فضلها طلب الحلال»

(4)

.

و عن عمر بن يزيد- في الموثق- قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل، قال: لأقعدن في بيتي و لأصلين و لأصومن و لأعبدن ربي، فأما رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

«هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم»

(5)

.

و عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):

«أ رأيت لو ان رجلا دخل بيته و أغلق بابه كان يسقط عليه شيء من السماء؟»

(6)

.

و عن أيوب أخي أديم بياع الهروي قال:

كنا جلوسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) إذا قبل العلاء بن كامل فجلس قدام ابى عبد الله (عليه السلام) فقال: ادع الله ان يرزقني في دعة، فقال:

لا أدعو لك، اطلب كما أمرك الله».

(7)

.

و عن سليمان بن معلى بن خنيس عن أبيه قال:

«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل و انا عنده، فقيل له: أصابته الحاجة، فقال: فما يصنع اليوم؟ قيل: في البيت يعبد ربه! قال: من اين قوته؟ قيل: من عند بعض إخوانه! فقال أبو عبد الله: و الله

____________

(1) سورة الملك: 15.

(2) سورة الجمعة: 10.

(3) سورة المزمل: 20.

(4) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 6.

(5) الكافي ج 5 ص 77 رقم: 1.

(6) « « «رقم: 2.

(7) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 3.

5

الذي يقوته أشد عبادة منه»

(1)

.

و عن أبي حمزة عن ابى جعفر (عليه السلام): قال:

«من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس، و توسيعا على اهله، و تعطفا على جاره، لقي الله عز و جل يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر»

(2)

.

و عن على بن الغراب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«ملعون من القى كله عن الناس»

(3)

.

و روى المشايخ عن الفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«اوحى الله عز و جل الى داود (عليه السلام): انك نعم العبد لولا انك تأكل من بيت المال، و لا تعمل بيدك شيئا، قال: فبكى داود (عليه السلام): أربعين صباحا، فأوحى الله عز و جل الى الحديدان لن لعبدي داود (عليه السلام) فألان الله تعالى له الحديد، و كان يعمل كل يوم درعا، فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة و ستين درعا فباعها بثلاثمائة و ستين ألفا، و استغنى عن بيت المال»

(4)

.

و روى الصدوق عن المعلى بن خنيس قال: رآني أبو عبد الله (عليه السلام) و قد تأخرت عن السوق، فقال:

«اغد الى عزك»

(5)

.

و بإسناده عن روح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«تسعة أعشار الرزق في التجارة»

(6)

.

و روى في كتاب الخصال عن عبد المؤمن الأنصاري عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«البركة عشرة أجزاء تسعة أعشارها في التجارة، و العشر الباقي

____________

(1) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 4.

(2) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 5.

(3) الكافي ج 5 ص 77 رقم: 7.

(4) الكافي ج 5 ص 74 رقم: 5.

(5) الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 2.

(6) الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 3.

6

في الجلود»

(1)

.

قال الصدوق- (قدس سره)- يعنى بالجلود: الغنم، و استدل بما يأتي.

و روى فيه عن الحسين بن زيد بن على عن أبيه زيد بن على عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال:

«تسعة أعشار الرزق في التجارة و الجزء الباقي في السابياء، يعنى الغنم»

(2)

.

و روى في الكافي عن محمد الزعفراني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

«من طلب التجارة استغنى عن الناس، قلت: و ان كان معيلا؟ قال: و ان كان معيلا، ان تسعة أعشار الرزق في التجارة»

(3)

.

و عن هشام الأحمر قال:

كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول لمصادف: اغد الى عزك»- يعنى السوق-

(4)

.

و عن على بن عقبة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لمولى له:

«يا عبد الله، احفظ عزك قال: و ما عزى جعلت فداك؟ قال: غدوك الى سوقك، و إكرامك نفسك». و قال لاخر مولى له: «مالي أراك تركت غدوك الى عزك؟ قال: جنازة أردت ان أحضرها، قال: فلا تدع الرواح الى عزك»

(5)

.

و روى المشايخ الثلاثة عن سدير، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اى شيء على الرجل في طلب الرزق؟ قال: إذا فتحت بابك و بسطت بساطك، فقد قضيت ما عليك»

(6)

.

و روى في الكافي عن الطيار، قال:

قال لي أبو جعفر (عليه السلام): اى شيء تعالج؟

____________

(1) الخصال ج 2 ص 445، الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 4.

(2) الخصال ج 2 ص 446، الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 5.

(3) الكافي ج 5 ص 148 ص 3 رقم: 3.

(4) الكافي ج 5 ص 149 رقم: 7.

(5) الوسائل ج 12 ص 5 رقم: 13.

(6) الوسائل ج 12 ص 34 رقم: 1.

7

- أي شيء تصنع؟- فقلت ما انا في شيء، فقال فخذ بيتا و اكنس فنائه، و رشه، و ابسط فيه بساطك فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما يجب عليك، قال: فقدمت الكوفة ففعلت فرزقت»

(1)

.

و روى في الكافي و التهذيب عن أبي عمارة الطيار قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

انى قد ذهب مالي، و تفرق ما كان في يدي، و عيالي كثير! فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إذا قدمت الكوفة، فافتح باب حانوتك و ابسط بساطك، و ضع ميزانك و تعرض للرزق ربك.

قال: فلما ان قدم الكوفة، فتح باب حانوتة و بسط بساطه، و وضع ميزانه، فتعجب من حوله من جيرانه انه ليس في بيته قليل و لا كثير من المتاع، و لا عنده شيء! فجاءه رجل فقال: اشتر لي ثوبا، قال: فاشترى له ثوبا، و أخذ ثمنه و صار الثمن اليه، قال ثم جاءه آخر فقال له: يا أبا عمارة اشتر لي ثوبا، فطلب له في السوق و اشترى له ثوبا و أخذ ثمنه، فصار في يده، و كذلك يصنع التجار، يأخذ بعضهم من بعض، ثم جائه رجل آخر فقال له يا أبا عمارة ان عندي عدلا من كتان، فهل تشتريه منى و أؤخرك بثمنه سنة؟ قال: نعم، أحمله و جئني به قال: فحمله اليه، فاشتراه منه بتأخير سنة، قال: فقام الرجل فذهب ثم أتاه آت من أهل السوق، فقال له: يا أبا عمارة ما هذا العدل؟ قال هذا عدل اشتريته، قال يعنى نصفه و اعجل لك ثمنه، قال: نعم، فاشتراه منه و أعطاه نصف المتاع و أخذ نصف الثمن.

قال: فصار في يده الباقي الى سنة، قال: فجعل يشترى بثمنه الثوب و الثوبين، و يعرض و يشترى و يبيع، حتى أثرى و عز وجهه

(2)

و صار معروفا».

(3)

.

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 34 رقم: 2.

(2) في نسخة الكافي: و عرض وجهه.

(3) الكافي ج 5 ص 304 حديث: 3.

8

و عن أبي حمزة الثمالي، عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في حجة الوداع:

الا ان الروح الأمين نفث في روعي

(1)

انه لا يموت نفس حتى يستكمل رزقها، فاتقوا الله تعالى و أجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق ان تطلبوه بشيء من معصية الله، فان الله تبارك و تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا، و لم يقسمها حراما فمن اتقى الله عز و جل و صبر آتاه الله برزقه من حله. و من هتك حجاب الستر و عجل فأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال و حوسب عليه يوم القيامة»

(2)

.

و بهذا المضمون أخبار عديدة،

و روى في الكافي عن السكوني عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- عن آبائه (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم). و رواه في الفقيه مرسلا قال:

«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): نعم العون على تقوى الله الغنى»

(3)

.

و روى في الكافي عن عمرو بن جميع قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

«لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال يكف به وجهه و يقضى به دينه، و يصل به رحمه»

(4)

.

و عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«نعم العون على الآخرة الدنيا»

(5)

.

و عن على الأحمسي، عن رجل عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:

«نعم العون الدنيا، على طلب الآخرة»

(6)

.

و روى في الفقيه مرسلا قال: قال الصادق (عليه السلام):

«ليس منا من ترك دنياه لاخرته،

____________

(1) الروع- بضم الراء-: سواد القلب، و المراد: روحه الكريمة كناية عن الباطن.

(2) الوسائل ج 12 ص 27 حديث: 1.

(3) الكافي ج 5 ص 71 حديث: 1.

(4) الكافي ج 5 ص 72 حديث: 5.

(5) الكافي ج 5 ص 72 حديث: 9.

(6) الكافي ج 5 ص 73 حديث: 14.

9

و لا آخرته لدنياه»

(1)

.

قال: روى عن العالم (عليه السلام) انه قال:

«اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا و اعمل لاخرتك كأنك تموت غدا»

(2)

.

إذا عرفت ذلك ففي هذا المقام فوائد لطيفة، و فرائد منيفة، تهش إليها الطباع القويمة، و تلتذ بها الإسماع السليمة:

الفائدة الأولى [نفقة طالب العلم مكفولة]

اعلم انه كما استفاضت الأخبار بالأمر بطلب الرزق و ذم تاركه، حتى ورد لعن من القى كله على الناس، كما تقدم (3) و ورد الترغيب فيه كما تقدم، حتى ورد ايضا ان العبادة سبعون جزأ، أفضلها طلب الحلال، كما قد استفاضت الاخبار بطلب العلم و وجوب التفقه في الدين و انه فريضة على كل مسلم كما في الكافي (4) و التهذيب و غيره من الاخبار المتكاثرة بذلك.

و جملة من عاصرناه من علمائنا الاعلام و مشايخنا الكرام و من سمعنا به قبل هذه الأيام كلهم كانوا على العمل بهذه الأخبار، فإنهم كانوا مشغولين بالدرس و التدريس و نشر أحكام الشريعة و التصنيف و التأليف من غير اشتغال بطلب المعاش و غير ذلك مع ما عرفت من تلك الاخبار من مزيد الذم لتارك الطلب حتى ورد لعنه، الدال على مزيد الغضب.

و حينئذ فلا بد من الجمع بين اخبار الطرفين على وجه يندفع به التنافي من البين، و ذلك بأحد وجهين:

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 49 حديث: 1.

(2) الوسائل ج 12 ص 49 حديث: 2.

(3) راجع: الكافي ج 5 ص 72.

(4) راجع: الكافي- الأصول- ج 1 ص 30 فما بعد.

10

الأول- و لعله الأظهر، كما هو بين علمائنا أشهر- تخصيص الاخبار الدالة على وجوب طلب الرزق بهذه الأخبار الدالة على وجوب طلب العلم، بان يقال بوجوب ذلك على غير طالب العلم المشتغل بتحصيله و استفادته أو تعليمه و افادته.

و بهذا الوجه صرح شيخنا الشهيد الثاني في كتاب «منية المريد في آداب المفيد و المستفيد» حيث قال في جملة شرائط تحصيل العلم ما لفظه:

«و ان يتوكل على الله و يفوض أمره اليه و لا يعتمد على الأسباب فيوكل إليها و تكون وبالا عليه، و لا على أحد من خلق الله تعالى، بل يلقى مقاليد امره الى الله تعالى في امره و رزقه و غيرهما يظهر له من نفحات قدسه و لحظات أنسه ما يقوم به أوده، و يحصل مطلوبه، و يحصل به مراده. و قد ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «ان الله تعالى قد تكفل لطالب العلم برزقه خاصة عما ضمنه لغيره» بمعنى ان غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالبا، و طالب العلم لا يكلف بذلك بل بالطلب، و كفاه مؤنة الرزق ان أحسن النية و أخلص العزيمة، و عندي في ذلك من الوقائع و الدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله تعالى من حسن صنيع الله بي و جميل معونته، منذ اشتغلت بالعلم و هو مبادي عشر الثلاثين و تسعمائة، إلى يومي هذا، و هو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث و خمسين و تسعمائة و بالجملة ليس الخبر كالعيان.

و روى شيخنا المقدم

محمد بن يعقوب الكليني- بإسناده إلى الحسين بن علوان، قال:

كنا في مجلس نطلب فيه العلم و قد نفدت نفقتي في بعض الاسفار، فقال لي بعض أصحابنا: من تؤمل لما قد نزل بك؟ فقلت: فلانا: فقال: إذا و الله لا تسعف حاجتك

(1)

و لا يبلغك أملك، و لا تنجح طلبتك! قلت: و ما علمك رحمك الله؟ قال ان أبا عبد الله (عليه السلام): حدثني أنه قرأ في بعض الكتب: ان الله تبارك و تعالى يقول و عزتي و جلالي و مجدي و ارتفاعي على عرشي، لأقطعن أمل كل مؤمل (من الناس) غيري باليأس، و لأكسونه ثوب المذلة عند الناس و لأنحينه من قربى، و لأبعدنه من فضلي، أ يؤمل

____________

(1) اى لا تقضى.

11

غيري في الشدائد، و الشدائد بيدي و يرجو غيري و يقرع بالفكر باب غيري؟ و بيدي مفاتيح الأبواب، و هي مغلقة.

و بابي مفتوح لمن دعاني فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها، و من ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجائه مني؟! جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي و ملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي و أمرتهم ان لا يغلقوا الأبواب بيني و بين عبادي فلم يثقوا بقولي! أ لم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي انه لا يملك كشفها أحد غيري الا من بعد إذني فما لي اراده لاهيا عني، أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته عنه فلم يسألني رده، و سأل غيري. أ فيرانى ابدأ بالعطاء قبل المسألة ثم اسأل فلا أجيب سائلي! أ بخيل أنا فيبخلني عبدي؟! أو ليس الجود و الكرام لي؟! أو ليس العفو و الرحمة بيدي؟! أو ليس انا محل الآمال؟ فمن يقطعها دوني؟! أ فلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟!.

فلو ان أهل سماواتي و أهل أرضي أملوا جميعا ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع، ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، و كيف ينقص ملك أنا قيمه؟!، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي و يا بؤسا لمن عصاني، و لم يراقبني

(1)

.

و رواه الشيخ المبرور بسند آخر عن سعيد بن عبد الرحمن، و في آخره:

«فقلت: يا ابن رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)- أمل على، فأملأه على، فقلت: لا و الله ما اسأله حاجة بعدها.

أقول: ناهيك بهذا الكلام الجليل الساطع نوره من مطالع النبوة على أفق الولاية من الجانب القدسي، حاثا على التوكل على الله و تفويض الأمر اليه، و الاعتماد في جميع المهمات عليه، فما عليه مزيد من جوامع الكلام في هذا المقام» (2).

____________

(1) الكافي- الأصول- ج 2 ص 66- 67.

(2) منية المريد ص 46- 47 طبعة النجف.

12

انتهى كلام شيخنا المشار إليه، أفاض الله شئابيب قدسه عليه.

أقول: و يدل على ذلك أيضا بأصرح دلالة

ما رواه شيخنا ثقة الإسلام في الكافي أيضا بإسناده، الى ابى إسحاق السبيعي عمن حدثه قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

«ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم و العمل به، الا و ان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه، و سيفي لكم و العلم مخزون عند أهله، و قد أمرتم بطلبه من اهله فاطلبوه

(1)

.

و لا يخفى ما في هذا الخبر من الصراحة في المدعى. اما الأمر بطلب العلم دون طلب المال، لان الرزق كما ذكره (عليه السلام) مقسوم مضمون و هو إشارة إلى قوله تعالى:

«نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» (2) و قوله تعالى «وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا» (3).

و يؤكده ما رواه شيخنا المذكور في كتابه المشار اليه، بسنده

عن ابى جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«يقول الله- عز و جل- و عزتي و جلالي و عظمتي و كبريائي و نوري و علوي و ارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت امره و لبست عليه دنياه و شغلت قلبه بها و لم أوته منها الا ما قدرت له. و عزتي و جلالي و عظمتي و نوري و علوي و ارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواي على هواه الا استحفظته ملائكتي و كفلت السموات و الأرضين رزقه و كنت له من وراء تجارة كل تاجر و آتته الدنيا و هي راغمة

(4)

.

و قد حكى لي والدي العلامة عن جمع من فضلاء بلادنا (البحرين) الذين بلغوا من الفضل علما و عملا و تقوى و نبلا ما هو أشهر من ان ينقل:

____________

(1) الكافي- الأصول- ج 1 ص 30 حديث: 4.

(2) سورة الزخرف: 32.

(3) سورة هود: 6.

(4) الكافي- الأصول- ج 2 ص 335 حديث: 2.

13

منهم العلامة الفقيه الشيخ سليمان بن على الشاخورى و هو استاد شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني، و منهم العلامة المحقق المدقق الشيخ محمد بن يوسف المعابى البحراني، و منهم الشيخ الفقيه الذي رجعت إليه رئاسة البلاد في زمانه امرا و نهيا و فتوى، الشيخ محمد بن سليمان البحراني، فإنهم كانوا في مبدء الاشتغال على غاية من الفقر و الحاجة، حتى ان الشيخ سليمان بن على المذكور، كان يحضر الدرس في حلقة الشيخ العلامة الشيخ على بن سليمان البحراني، و هو أحد تلامذة شيخنا البهائي و هو أول من نشر علم الحديث بالبحرين و كان الشيخ سليمان المذكور يحضر حلقة درسه حتى إذا صار قريب الظهر و دخل الشيخ على البيت لأجل الغذاء، و تفرق المجلس، مضى الشيخ المزبور للصحراء في وقت الربيع و أكل من حشائش التراب ما يسد جوعه، ثم بعد خروج الشيخ يعود للحضور.

و من هذا القبيل حكايات الباقين مما يطول بنقله الكلام. و حيث انهم (رضوان الله عليهم) طلقوا الدنيا و قصروا على الرغبة في الأخرى، ارتقوا من الدنيا أعلى مراتبها و انقادت لهم بأزمتها و تراقيها حتى صار كل منهم نابغة زمانه و نادرة أو انه، و هو وفق الحديث القدسي المتقدم.

لكن ينبغي ان يعلم ان هذه المرتبة ليست سهلة التناول لكل طالب، و لا ميسرة الا بإخلاص النية له في طلب العلم، فان مدار الأعمال على النيات، و بسببها يكون العلم تارة خزفة لا قيمة لها، و تارة جوهرة فأخره لا يعلم قيمتها، لعظم قدرها، و تارة يكون وبالا على صاحبه مكتوبا في ديوان السيئات، و ان كان ما اتى به بصورة الواجبات.

فيجب على الطالب ان يقصد بطلبه الإخلاص لوجه الله تعالى و امتثال امره، و إصلاح نفسه و إرشاد عبادة إلى معالم دينه، و لا يقصد بذلك شيئا من الأعمال الدنيوية من تحصيل مال، و جاه، و رفعة و شهرة بين الناس، أو المباهاة و المفاخرة للاقران، و الترفع على الاخوان و نحو ذلك مما يوجب البعد منه سبحانه و تعالى، و الخذلان، مضافا الى

14

ذلك التوكل عليه سبحانه في جميع الأمور، و القيام بأوامره و نواهيه في الورود و الصدور كما تقدم في كلام شيخنا المذكور.

الثاني: التفصيل في ذلك و يتوقف على بيان كلام في المقام:

و هو انه ينبغي ان يعلم أولا: ان العلم منه ما هو واجب و ما هو مستحب، و الأول منه ما هو واجب عينا و منه ما هو واجب كفاية. فأما الواجب عينا فهو العلم بالله سبحانه و صفاته و ما يجوز عليه و يمتنع، حسبما ورد في الكتاب العزيز و السنة النبوية على الصادع بها و آله أشرف صلاة و تحية، و ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله) من أحوال المبدء و المعاد مما علم تواتره من دينه (صلى الله عليه و آله و سلم) و لو تقليدا تسكن اليه النفس و يطمئن به القلب و ما يحصل به الإذعان و التصديق، وفاقا لجمع من متأخري أصحابنا- (رضوان الله عليهم)- و ما زاد على ذلك من الأدلة التي قررها المتكلمون و الخوض في دقائق علم الكلام فهو فرض كفاية على المشهور صيانة للدين عن شبه المعاندين و الملحدين.

و من الواجب العيني أيضا تحصيل العلم بواجبات الصلاة حيث يكلف بها و لو تقليدا و واجبات الصيام كذلك، و الزكاة ممن يخاطب بها، و الحج كذلك ايضا و هكذا من كل ما يجب على المكلف بوجود أسبابه، و ما زاد من تحصيل العلوم في هذه الحال على ما ذكرناه فهو مستحب.

و من الواجب العيني أيضا ما يحصل به تطهر القلب من الملكات الردية المهلكة، كالرياء و الحسد و العجب و الكبر و نحوها كما حقق في محل مفرد، و هو من أجل العلوم قدرا و أعلاها ذكرا بل هو الأصل الأصيل للعلوم الرسمية، و ان كان الان قد اندرست معالمه بالكلية و انطمست مراسمه العلية، فلا يرى له اثر و لا يسمع له خبر.

و اما الواجب كفاية فهو ما فوق هذه المرتبة فيما تقدم ذكره حتى يبلغ درجة العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، و هو المعبر عنه في ألسنة الفقهاء بالاجتهاد.

هذا إذا لم يوجد من يتصف به و يقوم به في ذلك القطر، و الا كان ذلك مستحبا

15

لان الواجب الكفائي مع وجود من يقوم به يسقط وجوبه عن الباقين، فيكون مستحبا و يكون هذا من القسم الثاني في التقسيم الأول. و ما يتوقف عليه الوصول إلى مرتبة الاجتهاد من المعلوم الاتية و غيرها تابع له في الوجوب و الاستحباب.

ثم اعلم ايضا ان تحصيل الرزق منه ما يكون واجبا و هو ما يحصل به البلغة و الكفاف لنفسه و عياله الواجبي النفقة عليه بحيث يخرج عن ان يكون مضيقا. و منه ما يكون مستحبا، و هو طلب ما زاد على ذلك للتوسعة على نفسه و عياله، و هو الصرف في وجوه البر و الخيرات. و منه ما يكون مكروها و هو ما يقصد به الزيادة في جمع المال و ادخاره و المكاثرة و المباهاة به و الحرص عليه. و منه ما يكون محرما و هي ما يقصد بتحصيله الصرف في اللهو و اللعب و المعاصي و نحو ذلك.

إذا عرفت ذلك فاعلم: ان وجه ما أشرنا إليه آنفا من التفصيل، هو ان هيهنا صورا:

(احديها) تعارض الواجب العيني من طلب العلم مع الواجب من طلب الرزق، و الظاهر ان الواجب هنا تقديم طلب الرزق ان انسدت عليه وجوه التحصيل مما سواه لأن في تركه حينئذ إلقاء باليد إلى التهلكة. و المعلوم من الشارع في جملة من الأحكام تقديم مراعاة الأبدان على الأديان، و لهذا أوجب الإفطار على المريض المتضرر بالصوم و ان أطاقه. و التيمم على المتضرر بالماء و ان لم يبلغ المشقة، و القعود في الصلاة على المتضرر بالقيام. و أباح الميتة لمن اضطر إليها، و نحو ذلك مما يقف عليه المتتبع. اما لو حصل له من وجه الزكاة أو نحوها مما يمونه وجب تقديم العلم البتة.

(و ثانيها) تعارض الواجب العيني من العلم، مع المستحب من طلب الرزق و لا ريب في تقديم طلب العلم.

(و ثالثها) تعارض الواجب من طلب الرزق، مع الواجب الكفائي من طلب العلم، و لا ريب أيضا في تقديم طلب الرزق لما ذكر في الصورة الأولى.

16

هذا إذا لم يمكن الجمع بين الأمرين، و الأوجب الجمع بقدر الإمكان في الواجبين. و باقي الصور يعرف بالمقايسة.

و لا يخفى ان ما ذكرناه في هذا المقام و ان كان خارجا عن موضوع الكتاب، الا ان فيه فوائد جمة، لا تخفى على ذوي الأفهام و الألباب و الله العالم.

الفائدة الثانية [في أن فساد الناس يوجب جور الحكام عليهم]

قد عرفت مما قدمناه من الاخبار و مثلها غيرها مما لم نذكره، الدلالة على وجوب طلب الرزق، و استحباب جمع المال بتجارة كان أو زراعة أو صناعة، مع انا نرى في هذه الأوقات و لا سيما في أرض العراق زيادة جور السلاطين و ظلمهم على من اشتغل بشيء من ذلك حتى آل الأمر إلى تركهم ذلك أو الفرار من ديارهم الى بعض الأقطار و منه يحصل الإشكال في العمل بتلك الاخبار، اللهم الا ان يقال: ان السبب التام في تعدى الحكام على أولئك الأنام، انما هو تعديهم الحدود الشرعية و الأحكام، في أعمالهم أو غيرها، و عدم القيام بما أوجبه الملك العلام.

و يدل عليه ما رواه

الصدوق في كتاب المجالس بسنده عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال:

قال الله تعالى:

«انا خلقت الملوك و قلوبهم بيدي، فأيما قوم أطاعوني جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة، و أيما قوم عصوني، جعلت قلوب الملوك عليهم سخطة. الا لا تشغلوا أنفسكم بسبب المملوك. توبوا الى، أعطف قلوبهم عليكم»

(1)

.

و هو كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة، في ان تسلط الملوك عليهم و ظلمهم لهم انما نشأ من ظلمهم أنفسهم، و تعديهم الحدود الشرعية، و من ثم منعهم من سب الملوك و تظلمهم من الحكام، فإنه سبحانه هو الذي سلطهم عليهم، و أمرهم بالتوبة و الإنابة، ليعطف قلوب الحكام عليهم.

و يؤيده ما ورد في بعض الاخبار التي لا يحضرني الان موضعها، من قوله تعالى:

____________

(1) أمالي الصدوق ص 220- بحار الأنوار ج 75 ص 341.

17

«إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني»

(1)

.

و ما قيل أيضا: أعمالكم عمالكم. و به يزول الاشكال من هذا المجال و الله العالم.

الفائدة الثالثة [استحباب الإجمال في الطلب]

قد دلت جملة من الاخبار المتقدمة على ان الواجب هو التعرض للرزق و لو بالجلوس في السوق، متعرضا لذلك و الله سبحانه مسبب الأسباب، يسوق اليه رزقه، إذا كان جلوسه عن نية صادقة و توكل على الله سبحانه وثيق، فإنه تعالى هو الرزاق، و اما ما يفعله بعض أبناء هذا الزمان من شغل فكره و بدنه بالسعي في التحصيل و الكدح و الحيل و نحوها ليستغرق أوقاته و يشتغل بها عن اقامة الطاعات و المحافظة على السنن و الواجبات و لا يبالي بتحصيله من وجوه الحلال كان أو من الشبهات أو المحرمات، فهو من تسويلات الشيطان الرجيم، و فعله الذميم.

و يعضد ما قلناه ما تقدم مما رواه

الشيخ في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في حجة الوداع:

«الا ان الروح الأمين نفث في روعي انه لا يموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله عز و جل و أجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق ان تطلبوه بشيء من معصية الله، فان الله تبارك و تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا و لم يقسمها حراما، فمن اتقى الله عز و جل و صبر آتاه الله برزقه من حله، و من هتك حجاب الستر و عجل فأخذه من غير حله، قص به من رزقه الحلال، و حوسب عليه يوم القيامة»

(2)

.

و بمضمونه أخبار عديدة و في بعضها:

«لو كان العبد في جحر لأتاه الله رزقه»

(3)

.

____________

(1) الكافي ج 2 ص 276 حديث: 31.

(2) الكافي ج 5 ص 80 حديث: 1.

(3) الكافي ج 5 ص 81 حديث: 4 و الجحر: الغار البعيد الغور. و هو بتقديم الجيم المفتوحة.

18

و في آخر

عن أمير المؤمنين (عليه السلام)

«كم من متعب نفسه مقتر عليه. و مقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير»

(1)

.

و بالجملة فإن الإنسان متى أيقن ان الرزق بيد الله سبحانه و انه قد قسمه من عالم الأزل، و ضمن إيصاله لصاحبه و انه انما أمره بالطلب و التعرض له من مظانه، لكي يأتيه كما وعد به،

و قد روى:

«الرزق رزقان، رزق تطلبه و رزق يطلبك»

(2)

.

و حينئذ فالعاقل العالم بذلك لا يهم بذلك و لا يشغل فكره، و لا يتعب ليله و نهاره، و لا يتجاوز الحدود الشرعية في طلبه. و لكن الشيطان الرجيم و النفس الامارة، و الجهل بالأحكام الشرعية و الحدود المرعية، هي السبب في وقوع الناس في شباك (3) الخناس و تضييعهم الدين في طلب هذه الدنيا الدنية، فإنهم يرون ان ما يحصلونه انما حصل بجدهم و اجتهادهم و حيلهم و افكارهم و سعيهم الليل و النهار في ذلك، و هذا هو الداء الذي لا دواء له.

و قد روى

في الكافي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينا، ان الله عز و جل لم يجعل للعبد و ان اشتد جهده و عظمت حيلته و كثرت مكابدته، ان يسبق ما سمى له في الذكر الحكيم، و لم يحل بين العبد في ضعفه و قلة حيلته، ان يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم.

ايها الناس انه لن يزداد امرء نقيرا بحذقه و لم ينتقص امرء نقيرا لحمقه، فالعالم لهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته. و العالم لهذا التارك له أعظم الناس شغلا في مضرته. و رب منعم عليه مستدرج بالإحسان اليه، و رب مغرور من الناس مصنوع له. فأفق أيها الساعي من سعيك و قصر من عجلتك، و انتبه من سنة غفلتك» الحديث.

(4)

.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 81 حديث: 6.

(2) الوسائل ج 12 ص 31 حديث: 5.

(3) الشباك: جمع شبكة و هي المصيدة.

(4) الكافي ج 5 ص 82 حديث: 9.

19

الفائدة الرابعة [وجوب التفقه في التجارة]

قد تقدم في الفائدة الأولى الإشارة الى ان الواجب العيني بالنسبة إلى العلم بالأحكام الشرعية ما يتوقف عليه صحة العمل، الذي يشتغل به المكلف من حج أو زراعة أو تجارة فإنه لا بد من التفقه في ذلك العمل. و معرفة أحكامه و ما لا يجوز و ما يصح به و يفسد، فينبغي لمريد التجارة ان يبدأ بالتفقه فيما يتولاه منها، ليتمكن بذلك من الاحتراز عما حرم الله تعالى عليه في ذلك، و يعرف ما أحله و حرمه، لا سيما الربا و بيع المجهول و شرائه، مما يشترط فيه الوزن و الكيل، و بيع غير البالغ العاقل و شرائه و نحو ذلك مما سيأتي إنشاء الله تعالى في محله مما يوجب صحة البيع و فساده، و آداب التجارة من مستحباتها و مكروهاتها، و ان كان أهل هذا الزمان و الأيام لمزيد جهلهم بأحكام الملك العلام، لا يبالون بما وقعوا فيه من حلال و حرام.

و قد قال (صلى الله عليه و آله):

التاجر فاجر، و الفاجر في النار، الا من أخذ الحق و اعطى الحق»

(1)

.

و روى الصدوق عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول على المنبر:

«يا معشر التجار، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، و الله للربا في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا إيمانكم بالصدق، التاجر فاجر و الفاجر في النار الا من أخذ الحق و اعطى الحق».

و رواه في الكافي عن الأصبغ بن نباتة مثله (2).

و عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم»

(3)

.

قال: و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

«لا يقعدن في السوق الا من يعقل الشراء

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 285 حديث: 5.

(2) الكافي ج 5 ص 150 رقم: 1.

(3) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 2.

20

و البيع»

(1)

.

و قال الصادق (عليه السلام) على ما رواه شيخنا المفيد في المقنعة:

«من أراد التجارة فليتفقه في دينه ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، و من لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات»

(2)

.

و روى في الكافي بسنده عن عمرو بن ابى المقدام عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:

«كان أمير المؤمنين (عليه السلام) عند كونه بالكوفة عندكم يغتدي كل يوم بكرة من القصر، فيطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا، و معه الدرة على عاتقه، و كان لها طرفان، و كانت تسمى السبيبة فيقف على أهل كل سوق، فينادي: يا معشر التجار اتقوا الله عز و جل، فإذا سمعوا صوته ألقوا ما بأيديهم و أرعوا إليه بقلوبهم، و سمعوا بآذانهم فيقول (عليه السلام): قدموا الاستخارة و تبركوا بالسهولة و اقتربوا من المبتاعين و تزينوا بالحلم، و تناهوا عن اليمين و جانبوا الكذب، و تجافوا عن الظلم، و أنصفوا المظلومين، و لا تقربوا الربا و

أَوْفُوا الْمِكْيٰالَ وَ الْمِيزٰانَ بِالْقِسْطِ وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ، وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.

فيطوف في أسواق الكوفة، ثم يرجع فيقعد للناس»

(3)

.

و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا.

.

و في المحاسن مسندا في الصحيح عن محمد ابن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) نحوه.

و عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

«من باع و اشترى فليحفظ خمس خصال، و الا فلا يشترين و لا يبيعن: الربا و الحلف، و كتمان العيب، و الحمد إذا باع و الذم إذا اشترى»

(4)

.

و عن احمد بن محمد بن عيسى رفع الحديث قال كان أبو أمامة صاحب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول:

«اربع من كن فيه طاب مكسبه:

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 4.

(2) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 4.

(3) الكافي ج 5 ص 151 رقم: 3.

(4) الكافي ج 5 ص 150 رقم: 2.

21

إذا اشترى لم يعب، و إذا باع لم يحمد، و لا يدلس، و فيما بين ذلك لا يحلف»

(1)

.

و روى الصدوق مرسلا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«يا معشر التجار ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، تبعثون يوم القيامة فجارا الا من صدق حديثه، قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) التاجر فاجر، و الفاجر في النار الا من أخذ الحق و اعطى الحق».

قال: قال (عليه السلام):

«يا معشر التجار صونوا أموالكم بالصدقة تكفر عنكم ذنوبكم، و أيمانكم التي تحلفون فيها، و تطيب لكم تجارتكم»

(2)

.

و روى السيد رضى الدين بن طاوس في كتاب الاستخارات عن احمد بن محمد ابن يحيى قال:

أراد بعض أوليائنا الخروج للتجارة، فقال: لا اخرج حتى اتى جعفر بن محمد (عليه السلام) فأسلم عليه و أستشيره في امرى هذا و اسأله الدعاء لي. قال:

فأتاه فقال له: يا ابن رسول الله، انى عزمت على الخروج إلى التجارة، و انى آليت على نفسي ان لا اخرج حتى ألقاك و أستشيرك و أسألك الدعاء لي. قال: فدعا له و قال (عليه السلام): عليك بصدق اللسان في حديثك و لا تكتم عيبا يكون في تجارتك و لا تغبن المسترسل

(3)

فان غبنه لا يحل. و لا ترض للناس الا ما ترضى لنفسك. و أعط الحق و خذه و لا تخف و لا تخن. فان التاجر الصدوق مع السفرة الكرام البررة يوم القيامة، و اجتنب الحلف فان اليمين الفاجرة تورث صاحبها النار، و التاجر فاجر الأمن أعطى الحق و أخذه.

و إذا عزمت على السفر أو حاجة مهمة فأكثر الدعاء و الاستخارة، فان ابى حدثني عن أبيه عن جده ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يعلم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 285 رقم: 3.

(2) الوسائل ج 12 ص 285 رقم: 4 و 5 و 6.

(3) قال في مجمع البحرين: الاسترسال: الاستيناس و الطمأنينة إلى الإنسان و الثقة به فيما يحدثه. و أصله الكون و الثبات. و منه الحديث: أيما مسلم استرسل الى مسلم فغبنه فهو كذا، و منه: غبن المسترسل سحت. و منه: غبن المسترسل ربا. منه (قدس سره).

22

من القرآن»

(1)

. الحديث.

أقول: قد تقدم في كتاب الصلاة في باب صلاة الاستخارة ان أحد معانيها:

طلب الخير منه سبحانه، و هو المراد هنا اى طلب الخير في البيع و الشراء.

و ما اشتمل عليه

حديث عمرو بن ابى المقدام (2)

من انه (عليه السلام) كان يطوف أسواق الكوفة و الدرة على عاتقه.

و الدرة بكسر الدال: السوط، و الجمع: درر، مثل سدرة و سدر.

و في هذا الخبر: لها طرفان. و في خبر آخر: لها سبابتان.

و قال في كتاب مجمع البحرين: الدرة- بالكسر- التي كان يضرب بها. و هو يرجع الى ما ذكرناه من السوط. فإنه الذي يضرب به في الحدود الشرعية. و اما لفظ السبيبة فضبطه بعض المحدثين بالمهملة و المثناة التحتانية بين الموحدتين.

و ظاهر كلام بعض أصحابنا المحدثين من متأخري المتأخرين: انه ربما كان الموجود من هذا اللفظ في الخبر انما هو بمركزين بعد السين أولهما باء موحدة، و الثانية تاء مثناة فوفانية.

قال: السبتة بكسر السين و سكون الموحدة قبل المثناة الفوقانية: جلود البقر تحذى منها النعال السبتية. فعلى هذه النسخة يمكن ان تكون درته (عليه السلام) مأخوذة منها و الله العالم.

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 285 رقم: 7.

(2) الوسائل ج 12 ص 284 رقم: 1. و تقدم في ص 20.

23

المقدمة الثانية في آداب التجارة

[التفقه في الدين]

و أوجبها و أهمها التفقه في الدين. و قد تقدم الكلام في ذلك و تقدمت الأخبار الدالة عليه بأوضح دلالة. ليعرف كيفية الاكتساب و يميز بين صحيح العقود و فاسدها لان العقد الفاسد لا يوجب نقل الملك عن مالكه. بل هو باق على ملك الأول. فيلزم من ذلك تصرفه في غير ملكه و يركب المآثم من حيث لا يعلم، الى غير ذلك من المفاسد و المآثم المترتبة على الجهل.

و من ثم استفاضت الاخبار- كما عرفت- بالحث على التفقه و تعلم أحكام التجارة.

و منها

انه يستحب ان يساوي بين المبتاعين و البائعين

، فالصغير عنده بمنزلة الكبير، و الغنى كالفقير، و المجادل كغيره، و المراد ان لا يفاوت بينهما في الإنصاف بالمماكسة و عدمها.

و الظاهر انه لو فاوت بينهما بسبب الدين و الفضل فلا بأس. قيل: و لكن يكره للأخذ قبول ذلك، حتى نقل ان السلف كانوا يوكلون في الشراء من لا يعرف، هربا من ذلك.

24

و الذي وقفت عليه في هذا المقام من الاخبار: ما رواه

في الكافي عن عامر بن جذاعة، عن ابى عبد الله (عليه السلام)

«انه قال في رجل عنده بيع فسعره سعرا معلوما فمن سكت عنه ممن يشترى منه باعه بذلك السعر، و من ماكسه و ابى ان يبتاع منه زاده، قال: لو كان يزيد الرجلين و الثلاثة لم يكن بذلك بأس فاما ان يفعله بمن ابى عليه و كايسه و يمنعه ممن لم يفعل ذلك فلا يعجبني الا ان يبيعه بيعا واحدا»

(1)

.

أقول: قوله: عنده بيع اى متاع يبيعه، و المراد بالزيادة يعنى من المتاع لا السعر، كما ربما يتوهم من ظاهر السياق: و المراد ان من لم يماكسه يبيعه بسعره المعلوم و من ماكسه نقص له السعر و زاده من المتاع. و الظاهر ان تجويز الرجلين و الثلاثة لما قدمناه من رعاية حالهم للفقر أو العلم و الصلاح.

قيل: و يحتمل ان المعنى انه إذا كان التفاوت في السعر، لأن المشترى منه يشترى جميع المتاع أو أكثره بيعا واحدا فيبيعه أرخص ممن يشترى منه شيئا قليلا كما هو الشائع فلا بأس. و لعله أظهر انتهى.

أقول: لا يخفى حسن هذا المعنى في حد ذاته، اما فهمه من سياق الخبر فالظاهر انه لا يخلو من بعد.

و كيف كان فظاهر هذه الرواية، كما ترى، كراهة المفاوتة بسبب المماكسة و عدمها.

و ما رواه

في الكافي- أيضا- عن ميسر قال:

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

ان عامة من يأتيني من إخواني، فحد لي من معاملتهم ما لا أجوزه إلى غيره، فقال:

ان وليت أخاك فحسن، و الا فبع بيع البصير المداق»

(2)

.

أقول: الظاهر ان قوله: «ان وليت أخاك» من التولية بمعنى البيع بالثمن الذي اشتريت من غير زيادة و لا نقصان، و هو الربح و المواضعة. و اما ما قيل من ان المراد

____________

(1) الكافي ج 5 ص 152 حديث: 10.

(2) الكافي- الفروع- ج 5 ص 153 حديث: 19 و التهذيب ج 7 ص 7 حديث 24.

25

بالتولية: الوعد بالإحسان، أو هو بالتخفيف بمعنى المعاشرة و اختبار الايمان فلا يخفى ما فيه من البعد الظاهر.

و ظاهر الخبر انه البيع برأس المال، و تجوز المداقة، و هي المناقشة في الأمور و منه الحديث

«انما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا»

(1)

.

و في القاموس: المداقة ان تداق صاحبك في الحساب، و ظاهر الخبر: جواز كل من الأمرين، و ان كان الأول أفضل.

و قيل: ان المعنى: ان كان المشتري أخاك المؤمن فلا تربح عليه و الا فبع بيع البصير المداق، و الأول ألصق بسياق الخبر، و الثاني أحسن و أظهر في حد ذاته و ان أمكن حمل الخبر عليه.

(و منها)

كراهة الربح على المؤمن، و على الموعود بالإحسان

. اما الثاني فلما رواه

في الكافي و التهذيب عن على بن عبد الرحيم عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

سمعته يقول:

«إذا قال الرجل للرجل: هلم أحسن بيعك. يحرم عليه الربح»

(2)

.

و هو مبالغة في الكراهة، كما صرح به الأصحاب.

و اما الأول فقد صرح الأصحاب بكراهة الربح على المؤمن إلا مع الضرورة، فيربح قوت يومه له و لعياله إذا كان شراؤه للقوت و نحوه، اما لو كان للتجارة فلا بأس بالربح عليه مطلقا، لكن يستحب الرفق به.

و الظاهر ان المستند فيه هو ما رواه

ثقة الإسلام في الكافي عن سليمان بن صالح و ابى شبل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«ربح المؤمن على المؤمن ربا، الا ان يشترى بأكثر من مأة درهم فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة. فاربحوا عليهم و ارفقوا بهم»

(3)

.

____________

(1) أصول الكافي- ج 1 ص 11 حديث: 7.

(2) التهذيب ج 7 ص 7 حديث: 21. و الكافي ج 5 ص 152 حديث: 9.

(3) الكافي ج 5 ص 154 حديث: 21.

26

و ظاهر الخبر: كراهة الربح عليه مطلقا إذا كان الشراء لغير التجارة، الا ان يشترى بأكثر من مأة درهم، فيجوز ان يربح عليه قوت يومه. (1)

و لا يخفى ما فيه من المخالفة لكلامهم، مع انه

قد روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن على بن سالم عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخبر الذي روى

«ان ربح المؤمن على المؤمن ربا» ما هو؟ فقال: «ذلك إذا ظهر الحق و قام قائمنا- أهل البيت (عليهم السلام)- فاما اليوم فلا بأس ان تبيع من الأخ المؤمن و تربح عليه

(2)

.

و روى الشيخان المذكوران عن عمر بن يزيد بياع السابري قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك ان الناس يزعمون ان الربح على المضطر حرام و هو من الربا، فقال: و هل رأيت أحدا اشترى غنيا أو فقيرا الا من ضرورة، يا عمر قد أحل الله البيع و حرم الربا، فاربح و لا ترب. قلت: و ما الربا؟ فقال: درهم بدراهم، مثلين بمثل، و حنطة بحنطة، مثلين بمثل

(3)

.

أقول: ظاهر هذين الخبرين يؤذن بأن الخبر الأول انما خرج مخرج التقية، لأن الأول منهما- و ان دل على مضمون الخبر الأول- لكن خصه بما بعد خروج القائم (عليه السلام) دون هذه الأوقات، الا ان الخبر الثاني دل على نسبة الخبر المذكور للناس الذي هو كناية عن المخالفين، و هو (عليه السلام) قد كذبهم في ذلك، ورد عليهم في ان المشترى مطلقا لا يشترى الا من حيث الحاجة و الضرورة الى ذلك الذي يشتريه.

فان قيل: انه لا منافاة، لجواز حمل الخبر الأول على كراهة الربح على المؤمن،

____________

(1) أقول: هذه الرواية نقله في كتاب الفقه الرضوي، فقال- ع-: و روى ربح المؤمن على أخيه ربا الا ان يشترى منه بأكثر من مأة درهم فيربح فيه قوت يومه أو يشترى متاعا للتجارة فيربح عليه خفيفا. انتهى منه (قدس سره).

(2) الوسائل ج 12 ص 294 حديث: 4.

(3) التهذيب ج 7 ص 18 حديث: 78. الفقيه ج 3 ص 176 حديث: 13.

27

كما تقدم، و ان بالغ في الكراهة بجعله من قبيل الربا، و الخبرين المذكورين على الجواز.

قلنا: لو كان المعنى كما ذكرت لكان الأنسب في جواب السائلين المذكورين في هذين الخبرين، بان الخبر المذكور انما أريد به الكراهة دون ما يدل عليه ظاهره من التحريم، لا انه (عليه السلام) يقر السائل على ظاهر الخبر من التحريم و بحمله في أول الخبرين على زمان القائم (عليه السلام) و في ثانيها يكذبه و يرده، ثم يأمر في الخبرين بالربح على المؤمن بخصوصه كما في الأول، و مطلقا كما في الثاني.

و مما ذكرناه يظهر ان ما ذكره الأصحاب من الحكم المذكور لا مستند له في الباب، و لم يحضرني كلام لأحد منهم في المقام زيادة على ما قدمنا نقله عنهم من الكلام.

و مما يؤكد الخبرين المذكورين- مما يدل على جواز الربح بل استحبابه- أولا-: هو ان المقصود الذاتي من التجارة و الأمر بها و الحث عليها لأجل الاستغناء عن الناس و كف الوجه عن السؤال و الاستعانة بالدنيا على الدين و نحو ذلك، كما تقدم جميع ذلك في الاخبار المتقدمة، و متى كان مكروها في البيع على المؤمنين مع ان جل المشترين بل كلهم في بلاد المؤمنين إنما هم المؤمنون، فمن اين يحصل ما دلت عليه هذه الاخبار؟!.

و ثانيا- الأخبار الدالة على ذلك:

منها: ما رواه

في الكافي عن محمد بن عذافر عن أبيه، قال:

اعطى أبو عبد الله (عليه السلام) أبي ألفا و سبعمائة دينار، فقال له: اتجر بها. ثم قال: اما انه ليس لي رغبة في ربحها، و ان كان الربح مرغوبا فيه، و لكني أحببت أن يراني الله جل و عز متعرضا لفوائده، قال: فربحت له فيها مأة دينار. ثم لقيته فقلت له: قد ربحت لك فيها مأة دينار.

قال: ففرح أبو عبد الله (عليه السلام) بذلك فرحا شديدا، قال لي: أثبتها في رأس مالي- الحديث

(1)

.

____________

(1) الكافي ج 5 ص 76 حديث: 12.

28

و روى الصدوق في الفقيه عن محمد بن عذافر عن أبيه قال:

دفع الى أبو عبد الله (عليه السلام) سبعمائة دينار، و قال: يا عذافر اصرفها في شيء ما. و قال: ما افعل هذا على شره منى، و لكن أحببت أن يراني الله تبارك و تعالى متعرضا لفوائده. قال عذافر:

فربحت فيها مأة دينار، فقلت له في الطواف: جعلت فداك قد رزق الله عز و جل فيها مأة دينار. قال: أثبتها في رأس مالي»

(1)

.

و في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) عن آبائه عن موسى بن جعفر (عليه السلام)

«ان رجلا سأله مأتي درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها- الى ان قال- فقال: أعطوه ألفي درهم.

و قال: اصرفها في العفص

(2)

فإنه متاع يابس و يستقبل بعد ما أدبر، فانتظر به سنة و اختلف به الى دارنا و خذ الأجر في كل يوم، فلما تمت له سنة، و إذا قد زاد في ثمن العفص للواحد خمسة عشر، فباع ما كان اشترى بألفي درهم، بثلاثين الف درهم».

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على جواز الربح بل استحبابه.

نعم لا بأس بالمسامحة و لا منافاة فيها. و يحمل عليه

ما رواه في الكافي عن أبي أيوب الخزاز عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

يأتي على الناس زمان عضوض، يعض كل امرء على ما في يده و ينسى الفضل و قد قال الله

«وَ لٰا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ»

ثم ينبري في ذلك الزمان أقوام يعاملون المضطرين، أولئك هم شرار الناس

(3)

.

و مما يدل على استحباب المسامحة: ما رواه

في الفقيه عن إسماعيل بن مسلم، عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال:

«انزل الله على بعض أنبيائه (عليهم السلام) للكريم فكارم.

و للسمح فسامح. و عند الشكس فالتو».

قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«السماح وجه من الرباح»

(4)

.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 96 حديث: 16.

(2) نوع من البلوط، الوسائل ج 12 ص 312 حديث 3.

(3) الوسائل ج 12 ص 330 حديث: 2.

(4) من لا يحضره الفقيه ج 3- ص 122.

29

(و منها)

انه يستحب ان يقيل من استقاله

، فروى في الكافي عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن بعض أهل المدينة قال:

ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يأذن لحكيم بن حزام بالتجارة حتى ضمن له اقالة النادم و انظار المعسر و أخذ الحق وافيا و غير واف»

(1)

.

و عن هارون بن حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

أيما عبد أقال مسلما في بيع أقال الله تعالى عثرته يوم القيامة».

و رواه الصدوق مرسلا الا انه قال:

«أيما مسلم أقال مسلما ندامة في البيع»

(2)

.

و روى الصدوق في الخصال في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

أربعة ينظر الله إليهم يوم القيامة: من أقال نادما أو أغاث لهفانا أو أعتق نسمة أو زوج عزبا

(3)

.

و مما يؤكد ان ذلك على جهة الاستحباب: ما رواه

في الكافي عن هذيل بن صدقة الطحان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى المتاع أو الثوب، فينطلق به الى منزله، و لم ينفذ شيئا فيبدو له، فيرده، هل ينبغي ذلك؟ قال:

«لا، الا ان تطيب نفس صاحبه»

(4)

.

(و منها)

استحباب الدعاء بالمأثور

، و الشهادتين عند دخول السوق.

فروى ثقة الإسلام و الصدوق في كتابيهما عن سدير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):

«يا أبا الفضل اما لك مكان تقعد فيه، فتعامل الناس؟ قال: قلت: بلى، قال: ما من رجل مؤمن يروح أو يغدو الى مجلسه أو سوقه، فيقول حين يضع رجله في السوق:

«اللهم إني أسألك من خيرها و خير أهلها (و أعوذ بك من شرها و شر أهلها)

(5)

إلا

____________

(1) الكافي ج 5 ص 151 حديث: 4.

(2) الوسائل ج 12 ص 286 حديث: 2.

(3) الخصال ص 224 حديث: 55.

(4) الوسائل ج 12 ص 286 حديث: 3.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في نسخة الكافي المعروفة.

30

و كل الله عز و جل به من يحفظه و يحفظ عليه حتى يرجع الى منزله، فيقول له: قد أجرت من شرها و شر أهلها يومك هذا باذن الله عز و جل و قد رزقت خيرها و خير أهلها في يومك هذا، فإذا جلس مجلسه قال حين يجلس: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله. اللهم إني أسألك من فضلك حلالا طيبا و أعوذ بك من ان أظلم أو أظلم و أعوذ بك من صفقة خاسرة و يمين كاذبة. فإذا قال ذلك، قال له الملك الموكل به: أبشر فما في سوقك اليوم أحدا و فر منك حظا قد تعجلت الحسنات و محيت عنك السيئات. و سيأتيك ما قسم الله لك موفرا حلالا طيبا مباركا فيه»

(1)

.

و روى في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

إذا دخلت سوقك فقل:

«اللهم إني أسألك من خيرها و خير أهلها و أعوذ بك من شرها و شر أهلها اللهم إني أعوذ بك من ان أظلم أو أظلم أو أبغي أو يبغى على أو اعتدى أو يعتدى على، اللهم إني أعوذ بك من شر إبليس و جنوده و شر فسقة العرب و العجم. و حسبي الله لا إله الا هو عليه توكلت، و هو رب العرش العظيم»

(2)

.

و روى في الفقيه عن عاصم بن حميد عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«من دخل سوقا أو مسجد جماعة، فقال مرة واحدة: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا. و سبحان الله بكرة و أصيلا، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم، و صلى الله على محمد و آله. عدلت له حجة مبرورة»

(3)

.

قال في الفقيه: و روى

انه من ذكر الله عز و جل في الأسواق غفر له بعدد ما فيها من فصيح و أعجم».

و الفصيح: ما يتكلم. و الأعجم: مالا يتكلم.

قال: و قال الصادق (عليه السلام):

«من ذكر الله عز و جل في الأسواق غفر له بعدد

____________

(1) الكافي ج 5 ص 155 رقم: 1.

(2) الكافي ج 5 ص 156 رقم: 2.

(3) الوسائل ج 12 ص 301 رقم: 3.

31

أهلها»

(1)

.

(و منها)

استحباب الدعاء عند الشراء

، فروى في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبر ثم قال: اللهم انى اشتريته التمس فيه من فضلك، فصل على محمد و آل محمد. اللهم فاجعل لي فيه فضلا اللهم انى اشتريته التمس فيه من رزقك، فاجعل لي فيه رزقا. ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات»

(2)

.

أقول: قوله (عليه السلام): ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات، ربما يتوهم منه الترديد اربع مرات.

و الظاهر انه ليس كذلك، بل المراد انما هو أعد كلا من هاتين الجملتين الى ان يبلغ ثلاث مرات.

و روى الصدوق عن العلاء عن محمد بن مسلم قال: قال أحدهما (عليهم السلام):

«إذا اشتريت متاعا فكبر الله ثلاثا، ثم قال: اللهم انى اشتريته التمس فيه من خيرك فاجعل لي فيه خيرا. اللهم انى اشتريته.

(3)

الحديث.

كما تقدم.

و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله الصادق- (عليه السلام)- قال:

«إذا أردت أن تشترى شيئا فقل: يا حي يا قيوم يا دائم يا رؤوف يا رحيم أسألك بعزتك و قدرتك و ما أحاط به علمك ان تقسم لي من التجارة اليوم أعظمها رزقا و أوسعها فضلا و خيرها عاقبة فإنه لا خير فيما لا عاقبة له»

(4)

قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا اشتريت دابة أو رأسا فقل: اللهم قدر لي أطولها حياة و أكثرها منفعة و خيرها عاقبة»

(5)

.

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 303 رقم: 2.

(2) الوسائل ج 12 ص 304 رقم: 1.

(3) الوسائل ج 12 ص 404- رقم: 2.

(4) الكافي- الفروع- ج 5 ص 157 حديث: 3.

(5) الكافي- الفروع- ج 5 ص 157 حديث: 3.

32

و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«إذا اشتريت دابة فقل: اللهم ان كانت عظيمة البركة فاضلة المنفعة ميمونة الناصية فيسر لي شراءها، و ان كان غير ذلك فاصرفني عنها إلى الذي هو خير لي منها، فإنك تعلم و لا اعلم و تقدر و لا اقدر و أنت علام الغيوب. تقول ذلك ثلاث مرات»

(1)

.

و روى في الفقيه عن عمر بن إبراهيم عن ابى الحسن (عليه السلام) قال:

«من اشترى دابة فليقم من جانبها الأيسر و يأخذ من ناصيتها بيده اليمنى و يقرأ على رأسها فاتحة الكتاب، و قل هو الله أحد، و المعوذتين، و آخر الحشر و آخر بني إسرائيل: قل أدعو الله أو أدعو الرحمن، و آية الكرسي. فإن ذلك أمان تلك الدابة من الآفات»

(2)

.

و روى في الكافي عن هذيل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال

إذا اشتريت جارية فقل:

اللهم إني أستشيرك و أستخيرك»

(3)

.

و في الفقيه عن ثعلبة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«إذا اشتريت جارية فقل: اللهم إني أستشيرك و أستخيرك، و إذا اشتريت دابة أو رأسا فقل: اللهم قدر لي أطولهن حياة و أكثرهن منفعة و خيرهن عاقبة»

(4)

.

(و منها)

[عدم إعطاء ما عنده إذا وكله في الشراء]

انه إذا قال انسان للتاجر: اشتر لي متاعا، فالمشهور انه لا يجوز له ان يعطيه من عنده و ان كان ما عنده أحسن مما في السوق.

و يدل عليه ما رواه

في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن، عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«إذا قال لك الرجل: اشتر لي، فلا تعطه من عندك، و ان كان الذي عندك خيرا منه

(5)

.

و ما رواه

في التهذيب في الموثق عن إسحاق بن عمار

____________

(1) الكافي- الفروع- ج 5 ص 157 حديث: 4.

(2) الفقيه ج 3 ص 125 حديث: 547.

(3) الكافي ج 5 ص 157 حديث: 2.

(4) الفقيه ج 3 ص 126 حديث: 548.

(5) الوسائل ج 12 ص 288 حديث: 1.

33

قال:

سألت أبا عبد الله عن الرجل يبعث الى الرجل يقول له: ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق، فيعطيه من عنده، قال: لا يقربن هذا و لا يدنس نفسه، ان الله عز و جل يقول

«إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا»

و ان كان عنده خير مما يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده»

(1)

.

و قال في كتاب الفقه الرضوي:

إذا سألك رجل شراء ثوب فلا تعطه من عندك، فإنه خيانة، و لو كان الذي عندك أجود مما عند غيرك

(2)

.

و نقل عن ابن إدريس انه علل المنع هنا، بان التاجر صار وكيلا في الشراء، و لا يجوز للوكيل ان يشترى لموكله من نفسه، لان العقد يحتاج إلى إيجاب و قبول، و هو لا يصلح ان يكون موجبا قابلا، فلأجل ذلك لم يصلح ان يشترى له من عنده.

و فيه: انه لم يقم دليل لنا على ما ذكره من منع كونه موجبا قابلا، كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله تعالى. بل الظاهر ان العلة هنا: انما هي خوف التهمة، كما يدل عليه:

ما رواه

في الفقيه عن ميسر، قال: قلت له:

يجيئني الرجل فيقول: اشتر لي، فيكون ما عندي خيرا من متاع السوق؟ قال: ان أمنت ان لا يتهمك فأعطه من عندك، فان خفت ان يتهمك فاشتر له من السوق

(3)

.

أقول: و هذه المسألة ترجع إلى مسألة الوكالة، فيما لو وكله على بيع أو شراء، أو أطلق و لم يفهم منه الاذن و لا عدمه بالنسبة إلى الوكيل، فهل يكفى هذا الإطلاق في جواز بيعه عن نفسه أو شرائه لنفسه؟ قولان.

ظاهر أكثر المتأخرين المنع، و يدل عليه بالنسبة إلى الشراء: ما اذكرناه من صحيحة هشام أو حسنته، أو موثقة إسحاق، و عبارة كتاب الفقه الرضوي.

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 289 حديث: 2.

(2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 464 حديث: 1.

(3) الوسائل ج 12 ص 289 حديث: 4.

34

و يدل عليه بالنسبة إلى البيع: ما رواه

في التهذيب عن على بن أبي حمزة قال:

سمعت معمر الزيات يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جعلت فداك انى رجل أبيع الزيت يأتيني من الشام فآخذ لنفسي شيئا مما أبيع؟ قال: ما أحب لك ذلك! فقال: انى لست انقص لنفسي شيئا مما أبيع، قال: بعه من غيرك، و لا تأخذ منه شيئا، أ رأيت لو أن الرجل قال لك:

لا أنقصك رطلا من دينار، كيف كنت تصنع؟ لا تقربه»

(1)

.

أقول: ظاهر قوله «أ رأيت لو ان الرجل. إلخ»: ان شراء الوكيل لنفسه أو بيعه من نفسه لا يدخل تحت ذلك الإطلاق، الذي اقتضته الوكالة، و الا فإن مقتضى الوكالة صحة البيع و الشراء بما رآه الوكيل و فعله، فلا معنى لقوله- بالنسبة إليه-: «لا أنقصك رطلا من دينار» لو كان داخلا في إطلاق الوكالة. و يؤكد ذلك: ما قدمناه من كلام الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي و موثقة إسحاق. (2)

و مما يدل على ما دل عليه خبر على بن حمزة بالنسبة إلى البيع ايضا: ما رواه

في التهذيب عن خالد القلانسي، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيئني بالثوب فأعرضه، فإذا أعطيت به الشيء زدت فيه و أخذته. قال: لا تزده. فقلت: فلم؟ قال: أ ليس أنت إذا عرضته أحببت ان تعطى به أوكس من ثمنه؟ قلت: نعم، قال: لا تزده»

(3)

.

أقول: و معنى الخبر المذكور- على ما يظهر لي-: هو ان الرجل يجيئه بالثوب ليبيعه له فيعرضه على المشترى، مع كونه مضمرا إرادة شرائه، فإذا أعطاه المشتري قيمة في ذلك الثوب زاد هو على تلك القيمة شيئا، و أخذ الثوب لنفسه، فنهاه الامام (عليه السلام) عن ذلك، و بين له ان العلة في النهي: هو انه لما كان قصده أخذ الثوب لنفسه، و انما يعرضه على المشترى لأجل أن يبرئ نفسه عن التهمة بأخذه بأقل من قيمته. و لكن الظاهر ان العادة المطردة فيمن أراد ان يشتري شيئا: انه ينقص عن ثمنه الواقعي لأجل

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 290 حديث: 2.

(2) فان نسبة ما يعطيه من عنده إلى الخيانة يؤذن بأنه غير داخل في ذلك الإطلاق كما لا يخفى. منه (قدس سره).

(3) الوسائل ج 12 ص 290 حديث: 1.

35

ان يأخذه رخيصا، و هذا الوكيل يحب ان يكون الأمر كذلك، مع علمه بما هنا لك، فهو في الواقع لا يخرج عن الخيانة، و ان زاد شيئا على ما ذكره المشترى، فمن أجل ذلك منعه (عليه السلام).

و اما ما ذكره في الوافي- في معنى الخبر المذكور- حيث قال: و لعل المراد ان الرجل يجيئني بالثوب فيقومه على فأعرضه على المشترى، فإذا اشتراه مني بزيادة بعته منه، و أخذت ثمنه، فقال (عليه السلام): الست إذا أنت عرضته على المشترى أحببت ان تعطى صاحبه انقص مما أخذت منه؟ قلت: نعم. قال: لا ترده، و ذلك لأنه خيانة بالنسبة إلى المشتري بل البائع أيضا انتهى. فظني: بعده، لما فيه من التكلف و البعد من سياق الخبر، بل الظاهر هو ما ذكرناه. و بالجملة فإن ظاهر الاخبار المذكورة التحريم، نعم لو أمن التهمة أو أخبره بذلك فرضي، فالظاهر انه لا اشكال.

(القول الثاني) في المسألة، الجواز على كراهة، ذهب اليه جمع من الأصحاب، منهم أبو الصلاح، و العلامة في التذكرة و المختلف، و الشهيد في الدروس (1).

قال في المختلف: للوكيل ان يبيع مال الموكل على نفسه، و كذا كل من له الولاية، كالأب و الجد و الوصي و الحاكم و أمينه.

و قال في الخلاف: لا يجوز لغير الأب و الجد. نعم لو وكل في ذلك صح.

و قال أبو الصلاح بما اخترناه، قال: و يكره لمن سأله غيره ان يبتاع متاعا ان يبيعه من عنده أو يبتاع منه ما سأله ان يبيعه له، و ليس بمحرم، مع انه يحتمل ان يكون قصد مع الاعلام. لنا: انه بيع مأذون فيه فكان سائغا، اما المقدمة الأولى فلأنه مأمور ببيعه على المالك الدافع للثمن و الوكيل كذلك، و يدخل تحت الاذن، و اما الثانية فظاهرة، كما لو نص له على البيع من نفسه.

احتج الشيخ بأنه لا دليل على الصحة. و الجواب: الدليل على ما تقدم. و عموم

____________

(1) قال في الدروس في تعداد المكروهات: و شراء الوكيل من نفسه و بيعه على نفسه.

و روى هشام و إسحاق المنع عن الشراء. انتهى منه (قدس سره).

36

قوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (1) قال الشيخ: و كذلك لا يجوز له ان يشترى مال الموكل لابنه الصغير، لانه يكون في ذلك البيع قابلا موجبا، فتلحقه التهمة و يتضاد الفرضان، و كذلك لا يجوز ان يبيعه من عبده المأذون له في التجارة لأنه و ان كان القابل غيره، فالملك يقع له، و تلحقه التهمة فيه، و يبطل الفرضان.

و الحق عندي: الجواز في ذلك كله، فكونه موجبا قابلا لا استحالة فيه، لانه موجب باعتبار كونه بايعا، و قابل باعتبار كونه مشتريا، و إذا اختلف الاعتبار ان لم يلزم المحال، و ينتقض ببيع الأب و الجد مال الصبي من نفسه، و لحوق التهمة متطرق في حقهما» انتهى كلامه.

و ليت شعري كأنه لم يقف على شيء مما قدمناه من الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) و الظاهر انه كذلك، و الا لذكرها في المقام، فإنها واضحة الدلالة في المنع و به يظهر ما في قوله «انه مأذون فيه» كيف يكون مأذونا فيه، و الاخبار المتقدمة كلها متفقة على النهى، على أبلغ وجه؟! و ان ذلك خيانة كما صرح به حديث كتاب الفقه الرضوي، و أشار إليه موثقة إسحاق بن عمار، من الاستدلال بالآية المذكورة المؤذن بكون الشراء من نفسه خيانة، و كذا خبر على بن أبي حمزة بالتقريب الذي ذكرناه في ذيله.

و بالجملة فإن الناظر فيما قدمناه من الاخبار و ما ذيلناها به من التحقيق الواضح لذوي الأفكار لا يخفى عليه ما في كلامه من الضعف الظاهر لكل ناظر من ذوي الاعتبار و الله العالم.

(و منها)

انه يكره مدح البائع لما يبيعه و ذم المشترى لما يشتريه، و اليمين على البيع

. و يدل عليه: ما تقدم من الاخبار في الفائدة الرابعة، من المقدمة الاولى.

و منها زيادة على ما تقدم:

ما رواه في الكافي عن أبي حمزة رفعه، قال: قام أمير المؤمنين (عليه السلام) على دار ابن معيط

«و كان مقام فيها الإبل، فقال: يا معشر السماسرة،

____________

(1) سورة البقرة: 275.

37

أقلوا الأيمان، فإنها منفقة للسلعة ممحقة للبركة»

(1)

.

قال في الوافي: المنفقة بكسر الميم-: آلة النفاق و هو الرواج.

أقول: الظاهر بعد ما ذكره، و ان المراد بالمنفقة- في الخبر-: انما هو من «نفق» بمعنى نفد، و فنى.

قال في القاموس: نفق- كفرح و نصر-: نفد و فنى- و قال: «أنفق: افتقر. و ماله أنفده».

و قال في الصحاح: أنفق الرجل: افتقر، و ذهب ماله. و منه قوله عز و جل «إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفٰاقِ» (2) اى الفقر و الفاقة.

و يعضده: ما رواه

في الكافي- أيضا- عن أبي إسماعيل رفعه عن أمير المؤمنين (عليه السلام): انه كان يقول:

«إياكم و الحلف فإنه ينفق السلعة و يمحق البركة»

(3)

.

فإنه ظاهر في ان المراد انما هو ان الحلف موجب لبيع السلعة و رغبة المشتري فيها لمكان الحلف، الا انه مذهب لبركة الثمن و ممحق له.

و روى في الكافي و التهذيب، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى- (عليه السلام)- قال:

«ثلاثة لا ينظر الله عز و جل إليهم يوم القيامة، أحدهم: رجل اتخذ الله بضاعة لا يشترى إلا بيمين و لا يبيع الا بيمين».

(4)

.

(و منها)

كراهة السوم؛ ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس

، قال في المسالك اى الاشتغال بالتجارة في ذلك الوقت.

أقول: و يدل عليه ما رواه

في الكافي بسنده عن على بن أسباط رفعه قال:

«نهى

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 309 حديث: 1.

(2) سورة الإسراء: 100.

(3) الكافي ج 5 ص 162 حديث: 4.

(4) المصدر حديث: 3.

38

رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن السوم ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس»

(1)

.

و رواه الصدوق مرسلا. و يعضده ايضا ما ورد في جملة من الاخبار (2) ان هذا الوقت موظف للتعقيب، و الدعاء، و ان الدعاء فيه أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض.

(و منها)

كراهة مبايعة الأدنين، و ذوي العاهات و المحارف، و من لم ينشأ في الخير، و الأكراد.

قال في المسالك: و فسر الأدنون بمن لا يبالي بما قال و لا ما قيل فيه. و بالذي لا يسره الإحسان و لا تسؤه الإساءة. و بالذي يحاسب على الدون. و ذوو العاهات اى ذوو النقص في أبدانهم انتهى.

أقول: و الذي يدل على الأول: ما رواه

في الكافي و التهذيب مسندا عن ابى عبد الله (عليه السلام) و الصدوق مرسلا، قال (عليه السلام):

«لا تستعن بمجوسي و لو على أخذ قوائم شاتك و أنت تريد ان تذبحها. و قال: إياك و مخالطة السفلة، فإن السفلة لا يؤل الى خير»

(3)

.

قال الصدوق- (رحمه الله)- جائت الاخبار في معنى السفلة على وجوه:

منها: ان السفلة: الذي لا يبالي ما قال و لا ما قيل فيه.

و منها: ان السفلة: من يضرب بالطنبور.

و منها: ان السفلة: من لم يسره الإحسان و لم تسؤه الإساءة.

و السفلة: من ادعى الإمامة و ليس لها بأهل. و هذه كلها أوصاف السفلة. من اجتمع فيه بعضها أو جميعها وجب اجتناب مخالطته.

أقول: و كان الاولى في العبارة هو التعبير بهذا اللفظ، إلا أنا جرينا على ما جرى

____________

(1) الكافي ج 5 ص 152 حديث: 12.

(2) الوسائل ج 4 ص 1013، الباب الأول من أبواب التعقيب و ما يناسبه.

(3) الوسائل ج 12 ص 308 حديث: 1 و 2.

39

عليه تعبير الأصحاب.

و اما ما يدل على الثاني، فهو ما رواه

في الكافي و التهذيب عن ميسر بن عبد العزيز قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام):

«لا تعامل ذا عاهة فإنهم أظلم شيء»

(1)

.

و ما رواه

في الكافي و الفقيه، مسندا في الأول، عن احمد بن محمد رفعه قال: قال أبو عبد الله- (عليه السلام)- و مرسلا في الثاني، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):

«احذروا معاملة أصحاب العاهات، فإنهم أظلم شيء»

(2)

.

قال بعض متأخري المتأخرين: لعل نسبة الظلم إليهم، لسراية امراضهم، أو لأنهم مع علمهم بالسراية لا يجتنبون من المخالطة انتهى.

و لا يخفى بعده، بل الظاهر انما هو كون الظلم امرا ذاتيا فيمن كان كذلك.

و اما ما يدل على الثالث، فهو ما رواه المشايخ الثلاثة في أصولهم، مسندا

في الكافي و التهذيب عن العباس بن الوليد بن صبيح عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و مرسلا في الثالث، قال: قال الصادق (عليه السلام):

«يا وليد لا تشتر من محارف، فأن صفقته لا بركة فيها»

(3)

و في الفقيه: لا تشتر لي- الى ان قال- فان خلطته. و في التهذيب: فان حرفته.

أقول: المحارف هو المحروم الذي أدبرت عنه الدنيا فلا بخت له، و يقابله من أقبلت عليه الدنيا و اتسع له مجالها، و انفتحت عليه أبواب أرزاقها.

و اما ما يدل على الرابع، فهو ما رواه

المشايخ الثلاثة مسندا في الكافي و التهذيب، في الموثق عن ظريف بن ناصح، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، و مرسلا في الثالث، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):

«لا تخالطوا و لا تعاملوا الا من نشأ في

____________

(1) المصدر ص 307 حديث: 3.

(2) المصدر حديث: 2.

(3) المصدر ص 305 حديث: 10.

40

الخير»

(1)

.

و في نهج البلاغة: قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«شاركوا الذي قد اقبل عليه الرزق، فإنه أخلق للغنى و أجدر بإقبال الحظ»

(2)

.

و يعضده: ما رواه

في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري، قال:

استقرض قهرمان لأبي عبد الله (عليه السلام) من رجل طعاما لأبي عبد الله (عليه السلام)، فألح في التقاضي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أ لم أنهك أن تستقرض لي ممن لم يكن فكان

(3)

.

و ما رواه

في التهذيب عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):

انما مثل الحاجة الى من أصاب ماله حديثا كمثل الدرهم في فم الأفعى، أنت إليه محوج، و أنت منها على خطر

(4)

.

و عن داود الرقى، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

قال لي:

يا داود، تدخل يدك في فم التنين الى المرافق، خير لك من طلب الحوائج الى من لم يكن فكان

(5)

.

أقول التنين كسكين: الحية العظيمة.

و اما ما يدل على الخامس، فهو ما رواه

في الكافي عن ابى الربيع الشامي، قال:

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: ان عندنا قوما من الأكراد، و انهم لا يزالون يجيئون بالبيع، فنخالطهم و نبايعهم؟ قال: يا أبا الربيع لا تخالطوهم، فإن الأكراد حي من أحياء الجن، كشف الله تعالى عنهم الغطاء فلا تخالطوهم

(6)

.

و روى الصدوق عن

____________

(1) المصدر ص 306 حديث: 6.

(2) المصدر حديث: 7.

(3) الكافي ج 5 ص 158 و القهرمان: القائم بالأمور. قوله: لم يكن فكان، اى كان معدما لا مال له ثم استغنى.

(4) الوسائل ج 12 ص 48 حديث: 1.

(5) المصدر حديث: 2.

(6) المصدر ص 307 حديث: 1 باب 23 من أبواب آداب التجارة.

هذا حديث مشتبه يجب رد علمه إلى اهله، و لا يصلح مستندا لحكم شرعي. أو لعل المراد: انهم كانوا قوما مغمورين لا عهد لهم بالحضارة فكانت فيهم شيء من غلظة البداوة.

و لا شك انهم بعد طول الزمان و قربهم الى معالم المدنية أصبحوا كسائر الناس المتمدنين، و لا يشملهم الحكم المذكور. م ه. معرفة.

41

أبي الربيع عنه (عليه السلام) انه قال

لا تخالط الأكراد فإن الأكراد حي من الجن كشف الله عنهم الغطاء

(1)

.

قال بعض مشايخنا من متأخري المتأخرين: ربما يؤول بأنهم لسوء أخلاقهم و جبلتهم أشباه الجن، فكأنهم منهم كشف الغطاء عنهم انتهى.

(و منها)

كراهة الاستحطاط من الثمن بعد العقد

. و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك، ما رواه

المشايخ الثلاثة رحمهم الله عن إبراهيم بن ابى زياد قال:

اشتريت لأبي عبد الله (عليه السلام) جارية، فلما ذهبت أنقدهم الدراهم، قلت أستحطهم؟ قال: لا، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن الاستحطاط بعد الصفقة

(2)

.

و في التهذيب بأحد أسانيده (3) «الضمنة» بالنون اى لزوم البيع و ضمان كل منهما ما صار اليه.

و ما رواه

في الكافي و التهذيب عن زيد الشحام قال:

أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) بجارية أعرضها، فجعل يساومني و أساومه ثم بعتها إياه فضم على يدي. قلت: جعلت فداك، انما ساومتك لأنظر المساومة تنبغي أو لا تنبغي، و قلت: قد حططت عنك عشرة دنانير. فقال: هيهات الا كان هذا قبل الضمة، أما بلغك قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): الوضيعة

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 308 حديث: 2.

(2) الكافي ج 5 ص 286، حديث: 1.

(3) الوسائل ج 12 ص 334، حديث: 6.

42

بعد الضمة حرام.

(1)

.

و رواه

في الفقيه عن زيد الشحام، قال:

أتيت أبا جعفر (عليه السلام) مثله

(2)

.

و في الفقيه و التهذيب «ضمن على يدي» عوض «و قبض» و فيها «الضمنة» عوض «الصفقة» و قد تقدم معناه.

و روى في الفقيه عن يونس بن يعقوب، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشترى من الرجل البيع، فيستوهبه بعد الشراء من غير ان يحمله على الكره؟ قال:

لا بأس به

(3)

.

و روى في التهذيب عن معلى بن خنيس عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل يشترى المتاع ثم يستوضع؟ قال: لا بأس. و أمرني فكلمت له رجلا في ذلك

(4)

.

و عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) قال:

قلت له: الرجل يستوهب من الرجل الشيء بعد ما يشترى، فيهب له أ يصلح له؟ قال: نعم

(5)

.

و روى في الكافي و التهذيب عن ابى العطارد، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشترى الطعام، فأضع في اوله، و أربح في آخره، فأسأل صاحبي أن يحط عنى في كل كر كذا و كذا؟ فقال: هذا لا خير فيه، و لكن يحط عنك جملة. قلت: فان حط عني أكثر مما وضعت؟ قال:

لا بأس

(6)

.

أقول: و هذه الاخبار- كما ترى- ظاهرة في جواز الاستحطاط و عدم حرمته و الشيخ- (رحمه الله)- قد جمع بينها بحمل الخبرين الأولين على الكراهة، و تبعه الجماعة كما هي عادتهم غالبا. و أنت خبير بان صريح الخبر الثاني التحريم، و قد فسر فيه نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي تضمنه الخبر الأول بالتحريم. و هو ظاهر الخبر

____________

(1) الكافي ج 5 ص 286.

(2) الوسائل ج 12 ص 334، حديث: 6.

(3) المصدر ص 334 حديث: 7.

(4) الوسائل ج 12 ص 334.

(5) المصدر حديث: 4.

(6) المصدر حديث: 5.

43

الأول و من ثم جمع في الوافي بين الاخبار المذكورة، بحمل اخبار الجواز على ما إذا كان الاستحطاط على جهة الهبة، كما تضمنه بعضها، حملا لمطلقها على مقيدها، و إبقاء الخبرين الأولين على ظاهرهما، من التحريم، و هو جيد.

(و منها)

كراهة الزيادة في السلعة وقت النداء

، بل يصبر عليه حتى يسكت، ثم يزيد إذا أراد.

و الدخول في سوم المسلم.

و النجش- بالنون ثم الجيم ثم الشين المعجمة- و هو زيادة الرجل في ثمن السلعة و هو لا يريد شرائها، ليسمعه غيره فيزيد بزيادته.

و الذي يدل على الأول، ما رواه

في الكافي عن أمية بن عمرو الشعيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إذا نادى المنادي فليس لك ان تزيد، و انما يحرم الزيادة النداء، و يحلها السكوت

(1)

.

و رواه الشيخ بإسناده عن أمية بن عمرو مثله و رواه الصدوق ايضا عن أمية بن عمرو، و زاد بعد قوله «تزيد» «و إذا سكت ان تزيد».

و اما ما يدل على الثاني فهو ما رواه

الصدوق في حديث المناهي المذكور في آخر الفقيه بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن النبي (صلى الله عليه و آله). قال:

و نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ان يدخل الرجل في سوم أخيه المسلم

(2)

.

أقول: و المراد بدخول الرجل في سوم أخيه: هو ان يزيد في الثمن الذي يريد ان يشتريه الأول ليقدمه البائع، لأجل الزيادة. هذا بالنسبة إلى الدخول في السوم في صورة الشراء.

و اما بالنسبة إلى الدخول في السوم في صورة البيع، فهو ان يبذل الداخل للمشتري متاعا من عنده، غير ما اتفق عليه البائع الأول مع المشترى، و قد اختلف الأصحاب

____________

(1) المصدر ص 337 حديث: 1.

(2) المصدر ص 338 حديث: 3.

44

في ذلك تحريما و كراهة. فذهب الشيخ و جماعة إلى التحريم و المشهور بين المتأخرين:

الكراهة. قال في المسالك- بعد ان نقل عن النبي (صلى الله عليه و آله)، انه قال: لا يسوم الرجل على سوم أخيه-: و هو خبر معناه النهى، و الأصل في النهي التحريم. فمن ثم ذهب الشيخ و جماعة إلى تحريمه، و استظهر المصنف الكراهة، للأصل، و الجهل بسند الحديث. و لو صح تعين القول بالتحريم انتهى.

أقول: و الظاهر ان الخبر المنقول في كلامه- عليه الرحمة- انما هو من الاخبار المتناقلة في كتب الفروع، غير مسند إلى أصل من الأصول، و لا الى أحد من الأئمة- (عليهم السلام)- بخلاف الخبر الذي نقلناه عن الفقيه، فإنه مسند في الكتاب المذكور بجميع ما اشتمل عليه من المناهي. و ان ضعف سنده باصطلاحهم، الا انه من مرويات الفقيه، التي لها مزية و زيادة على غيرها، بما ضمنه في صدر كتابه.

و كيف كان فإنهم قد صرحوا- رضى الله عنهم- بأن النهي تحريما أو كراهة، انما يثبت بعد تراضى الأولين، صريحا أو ظاهرا، فلو ظهر ما يدل على عدم الرضا، و طلب الزيادة، أو جهل حاله، لم يتعلق به الحكم المذكور. و هو كذلك، لأصالة الصحة، وقوفا في النهى على القدر المتيقن.

إذا عرفت ذلك فاعلم: ان ابن إدريس قال في سرائره- ما صورته-: قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و إذا نادى المنادي على المتاع فلا يزيد في المتاع، فإذا سكت المنادي زاد حينئذ ان شاء، و قال في مبسوطه: و اما السوم على سوم أخيه فهو حرام، لقوله (عليه السلام): لا يسوم الرجل على سوم أخيه. هذا إذا لم يكن المبيع في المزايدة، فإن كان كذلك فلا تحرم المزايدة. و هذا هو الصحيح، دون ما ذكره في نهايته. لان ذلك على ظاهره غير مستقيم، لأن الزيادة في حال النداء غير محرمة، و لا مكروهة.

فاما الزيادة المنهي عنها فهي عند الانتهاء و سكون نفس كل واحد من البيعين على البيع، بعد استقرار الثمن، و الأخذ و الشروع في الإيجاب و القبول، و قطع المزايدة فعند هذه الحال لا يجوز السوم على سوم أخيه انتهى.

45

و العلامة في المنتهى- بعد ان نقل كلام ابن إدريس المذكور- ذكر ان الشيخ عول هنا على رواية الشعيري ثم قال- بعد نقلها-: و هذه الرواية ان صح سندها حملت على ما إذا وقع السكوت عن الزيادة لا للشراء.

ثم قال: و التحقيق هنا ان نقول: لا تخلو الحال عن أربعة أقسام.

أحدها: ان يوجد من البائع التصريح بالرضا بالبيع. فهنا يحرم السوم.

الثاني: ان يظهر منه ما يدل على عدم الرضا. فهذا لا تحرم فيه الزيادة.

الثالث: ان لا يوجد ما يدل على الرضا و لا على عدمه. فهنا ايضا يجوز السوم.

الرابع: ان يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، و الوجه هنا التحريم ايضا. انتهى ملخصا.

أقول: و الذي يقرب في فكري الكليل، و ذهني العليل: ان ما ذكره هذان العمدتان في المقام لا يخلو من النظر الظاهر لذوي الأفهام. فإنه لا يخفى ان كلا من الحكمين المذكورين، لا تعلق له بالاخر و لا ارتباط بينهما، ليتوهم حصول المنافاة بينهما، و يحتاج الى الجمع كما ذكره في المنتهى، أو إطراح أحدهما، كما توهمه ابن إدريس، فإنه لا يخفى ان النداء على السلعة التي تضمنه خبر الشعيري انما هو ان يعطى بعض المشترين ثمنا، فينادي به الدلال قبل ان يقع بينهما تراض عليه، فان حصل من اعطى أزيد من الأول فربما باعه و تراضي مع ذلك المعطى عليه، و ربما نادى به ايضا طلبا للزيادة. و الامام (عليه السلام) قد نهى من الزيادة في حال النداء، و جوزها في حال السكوت، و الوجه فيما قاله (عليه السلام) هنا غير ظاهر لدينا، و لا معلوم عندنا، و ينبغي ان يحمل ذلك على مجرد التعبد الشرعي، تحريما أو كراهة.

و اما السوم على السوم فهو شيء آخر، و هو ان يقع بين البائع و المشترى المساومة، التي هي عبارة عن المجاذبة بينهما في فصل الثمن، و تعيينه، و ليس هنا نداء بالكلية» لأنه مع حصول التراضي المانع من الدخول في السوم، لا معنى للنداء على السلعة و طلب الزيادة، كما لا يخفى. و مع عدم حصول التراضي فلا معنى للنداء

46

بالكلية. فالداخل في السوم يفصل فيه بما ذكره في المنتهى من الصور الأربع المذكورة كما قدمنا إليه الإشارة أيضا.

و رد ابن إدريس على الشيخ في النهاية انما نشأ من عدم وقوفه على الخبر المذكور، و توهم منافاة ذلك لما ذكره في المبسوط، و هو في غير محله. لان ما ذكره في كل من الكتابين حكم على حده غير الأخر كما لا يخفى و اما ما يدل على الثالث فهو ما رواه

في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله:

النواشمة و المتوشمة، و الناجش و المنجوش ملعونون على لسان محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)

(1)

.

و روى في كتاب معاني الأخبار، بإسناده عن القاسم بن سلام، بإسناد متصل بالنبي (صلى الله عليه و آله) قال:

لا تناجشوا و لا تدابروا

(2)

.

قال:

و معناه: ان يزيد الرجل في ثمن السلعة و هو لا يريد شرائها ليسمعه غيره فيزيد بزيادته.

و الناجش خائن. و التدابر الهجران.

أقول: و ما اشتمل عليه الخبر الأول، من ذكر الناجش و المنجوش، و انهما ملعونان، فالظاهر ان المراد به: هو ان يواطىء البائع رجلا، إذا أراد بيعا، ان يساومه بثمن كثير، ليقع فيه غيره.

و المشهور في كلام الأصحاب: تحريمه. بل قال في المنتهى: انه محرم إجماعا، لأنه خديعة. و قد صرحوا بأنه لا يبطل البيع به، بل العقد صحيح.

و نقل في الدروس عن ابن الجنيد: انه إذا كان من البائع أبطل، و عن القاضي:

انه يتخير المشتري، لأنه تدليس.

و قطع في المبسوط بأنه لا خيار إذا لم يكن بمواطاة البائع. و قوى عدم الخيار ايضا بمواطاته.

و قيد الفاضلان الخيار بالغبن كغيره من العقود.

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 337 حديث: 2.

(2) المصدر ص 338 حديث: 4.

47

أقول: و لا ريب ان ظاهر النهى هو التحريم، و لا يبعد القول بذلك في الفردين الآخرين ايضا، لظاهر الخبرين المتقدمين، مع عدم المعارض.

(و منها)

استحباب المماكسة، إلا في مواضع مخصوصة

. و يدل على ذلك ما رواه

في الكافي عن الحسن بن على عن رجل يسمى سوادة، قال:

كنا جماعة بمنى فعزت علينا الأضاحي، فنظرنا فإذا أبو عبد الله (عليه السلام) واقف على قطيع، يساوم بغنم و يماكسهم مكاسا شديدا، فوقفنا ننظر، فلما فرغ اقبل علينا، فقال: أظنكم قد تعجبتم من مكاسي! فقلنا: نعم. فقال: ان المغبون لا محمود و لا مأجور.

الحديث

(1)

.

و عن الحسين بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول- و قد قال له أبو حنيفة:

عجب الناس منك أمس، و أنت بعرفة تماكس ببدنك أشد مكاس يكون- فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فما لله من الرضا ان أغبن في مالي قال: فقال أبو حنيفة: لا و الله ما لله في هذا من الرضا، قليل و لا كثير، ما نجيئك بشيء إلا جئتنا بما لا مخرج لنا منه

(2)

.

و روى الصدوق، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):

ماكس المشتري، فإنه أطيب للنفس، و ان اعطى الجزيل، فان المغبون في بيعه و شرائه غير محمود و لا مأجور

(3)

.

و في عيون الاخبار بسنده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه- (عليهم السلام)- قال:

المغبون لا محمود و لا مأجور

(4)

.

اما ما استثنى من ذلك فيدل عليه ما رواه

في الفقيه عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

كان على بن الحسين يقول لقهرمانة: إذا أردت أن تشترى لي من

____________

(1) الكافي ج 4 ص 496 حديث: 3.

(2) الوسائل ج 10 ص 118 حديث: 2.

(3) المصدر ج 12 ص 335 حديث: 2.

(4) المصدر حديث: 3.

48

حوائج الحج شيئا فاشتر و لا تماكس

(1)

.

و بإسناده عن حماد بن عمرو، و انس بن محمد، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه- (عليهم السلام)- في وصية النبي لعلي (عليه السلام) قال:

يا على، لا تماكس في أربعة أشياء: شراء الأضحية، و الكفن، و النسمة، و الكراء إلى مكة

(2)

.

و في الخصال بسند مرفوع، عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:

لا تماكس في أربعة أشياء: في الأضحية، و الكفن، و ثمن النسمة، و الكراء إلى مكة

(3)

.

قال في الوافي: ينبغي تخصيص هذه الاخبار ببعض المواضع، كما إذا كان البائع مؤمنا. و حمل الأولين على مواضع أخر، كما إذا كان البائع مخالفا أو غير ذلك انتهى. و هو جيد.

(و منها)

ان يكون سهل البيع و الشراء، و القضاء و الاقتضاء

، لما رواه

الشيخ في الموثق عن حنان، عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

قال رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)-: بارك الله تعالى على سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء

(4)

.

و روى الصدوق مرسلا، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

ان الله تبارك و تعالى يحب العبد في ان يكون سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء سهل الاقتضاء

(5)

.

و روى في الخصال بسنده عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

غفر الله تعالى لرجل كان قبلكم، كان سهلا إذا باع، سهلا إذا قضى، سهلا إذا اقتضى

(6)

.

____________

(1) المصدر. أبواب آداب التجارة باب: 46. حديث: 1.

(2) الوسائل ج 12 ص 336 حديث: 2.

(3) المصدر حديث: 3.

(4) المصدر ص 332 باب: 42 أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(5) المصدر حديث: 2.

(6) المصدر حديث: 3.

49

و روى في الكافي عن حماد بن عثمان، قال:

دخل رجل على ابى عبد الله (عليه السلام) فشكى اليه رجلا من أصحابه، فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) مغضبا: ما لفلان يشكوك؟ فقال له: يشكوني أني استقضيت منه حقي! قال: فجلس أبو عبد الله (عليه السلام) مغضبا، ثم قال: كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ؟! أ رأيت ما حكى الله عز و جل في كتابه فقال

«يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ»

أ ترى انهم خافوا الله ان يجور عليهم! لا و الله، ما خافوا الا الاستقضاء. فسماه الله- عز و جل- سوء الحساب. فمن استقضى فقد أساء

(1)

.

(و منها)

استحباب البيع عند حصول الربح، و كراهة تركه.

و يدل عليه: ما رواه

في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سعيد الدغشي، قال:

كنت على باب شهاب بن عبد ربه، فخرج غلام شاب، فقال: انى أريد أن أسأل هاشم الصيدناني عن حديث السلعة و البضاعة. قال: فأتيت هاشما، فسألته عن الحديث، فقال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البضاعة و السلعة، فقال: نعم، ما من أحد يكون عنده سلعة أو بضاعة. إلا قيض الله- عز و جل- له من يربحه، فان قبل و الا صرفه الله تعالى الى غيره.

و ذلك لانه رد بذلك على الله- عز و جل- (2)

و روى في الفقيه مرسلا، قال: قال على (عليه السلام):

مر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على رجل معه سلعة يريد بيعها. فقال:

عليك بأول السوق

(3)

.

أقول: يعنى أول من يربحك في سلعتك في السوق، كما يدل عليه الخبر الأول.

أقول: و هذا من المشهورات، بل المجربات. و من الأمثال المتعارفة بين الناس، قولهم: عليك بثاني زينة! قال: و الاولى؟ قال: لست من رجالها. و المعنى:

انك لا توفق للأولى لمزيد الطمع، مع أنها أوفر مما تعطى بعدها، فان فاتتك

____________

(1) الكافي ج 5 ص 100- 101.

(2) الكافي ج 5 ص 153 حديث: 17.

(3) الوسائل ج 12 ص 296 حديث: 3.

50

فلا تفوتك الثانية.

و يؤيد الأخبار المذكورة: ما ورد من كراهة استقلال قليل الرزق، (1) و انه يؤدى الى حرمان الكثير.

روى في الكافي عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

من طلب قليل الرزق كان ذلك داعية الى اجتلاب كثير من الرزق

(2)

.

و عن الحسن بن بسام الجمال، قال:

كنت عند إسحاق بن عمار الصيرفي، فجاءه رجل يطلب غلة بدينار، و قد كان أغلق باب الحانوت و ختم الكيس، فأعطاه غلة بدينار، فقلت: ويحك يا إسحاق، ربما حملت لك من السفينة ألف ألف درهم! فقال: ترى كان بي هذا، لكني سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من استقل قليل الرزق حرم كثيره، ثم التفت الى، فقال: يا إسحاق لا تستقل قليل الرزق فتحرم كثيره

(3)

.

«و منها»

استحباب المبادرة إلى الصلاة و ترك ما بيده من التجارة و الاشتغال بها

. و يدل عليه: ما رواه

في الكافي عن الحسين بن يسار، عن رجل رفعه، في قول الله تعالى «رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ»

قال: هم التجار الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله تعالى، إذا دخل مواقيت الصلاة، أدوا الى الله تعالى حقه منها

(4)

.

و عن أسباط بن سالم قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) و ساق الخبر عنه (عليه السلام) الى ان قال:

يقول الله عز و جل

«رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ»

يقول

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 338 باب: 50 أبواب آداب التجارة. و الاستقلال:

عد الشيء قليلا.

(2) المصدر حديث: 1.

(3) المصدر حديث: 2.

(4) الكافي ج 5 ص 154 حديث 21.

51

القصاص: ان القوم لم يكونوا يتجرون، كذبوا و لكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها، و هو أفضل ممن حضر الصلاة و لم يتجر

(1)

.

و عن ابى بصير في الصحيح أو الموثق، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مؤمن فقير شديد الحاجة من أهل الصفة و كان لازما لرسول الله (صلى الله عليه و آله) عند مواقيت الصلاة كلها، لا يفقده في شيء منها، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يرق له و ينظر الى حاجته و غربته. ثم يقول: يا سعد، لو قد جائني شيء لأغنيتك، قال فأبطأ ذلك على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فاشتد غم رسول الله، فعلم الله- عز و جل- ما دخل على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من غمه بسعد، فأهبط جبرئيل (عليه السلام) و معه درهمان. فقال له: يا محمد، ان الله- عز و جل- قد علم ما دخل عليك من الغم بسعد، أ فتحب ان تغنيه؟ قال: نعم. فقال له: فهاك هذين الدرهمين، فأعطه إياهما، و مره ان يتجر بهما، فأخذهما رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من جبرئيل (عليه السلام).

ثم خرج الى صلاة الظهر، و سعد قائم على باب حجرات رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)- ينتظره. فلما رآه رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)- قال:

يا سعد أ تحسن التجارة؟ فقال له سعد: و الله ما أصبحت أملك مالا اتجر به، فأعطاه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الدرهمين، فقال له: اتجر بهما، و تصرف لرزق الله عز و جل، فأخذهما سعد و مضى مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى صلى معه الظهر و العصر، فقال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): قم و اطلب الرزق، فقد كنت بحالك مغتما يا سعد.

قال: فاقبل سعد لا يشترى بدرهم شيئا إلا باعه بدرهمين، و لا يشترى بدرهمين الا باعه بأربعة دراهم، و أقبلت الدنيا عليه، حتى كثر متاعه و ماله، و عظمت تجارته و اتخذ على باب المسجد موضعا و جلس فيه، و جمع تجاراته اليه، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا أقام بلال للصلاة يخرج و سعد مشغول بالدنيا، لا يتطهر و لا يتهيأ كما كان يفعل قبل ان يتشاغل بالدنيا، و كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: يا سعد، شغلتك الدنيا

____________

(1) الكافي ج 5 ص 75 حديث: 8.

52

عن الصلاة! و كان يقول: ما أصنع، أضيع مالي؟ هذا رجل قد بعته و أريد ان استوفى منه، و هذا رجل قد اشتريت منه و أريد ان أو فيه، فدخل رسول الله من أمر سعد غم شديد أشد من غمه بفقره فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد، ان الله تعالى قد علم غمك بسعد، فأيما أحب إليك: حاله الأولى أو حاله هذه؟ فقال: يا جبرئيل، بل حاله الاولى، فقد ذهبت دنياه بدينه و آخرته. فقال له جبرئيل (عليه السلام): ان حب الأموال و الدنيا فتنة و مشغلة عن الآخرة، قل لسعد، يرد عليك الدرهمين الذين دفعتهما إليه، فإن أمره يصير الى الحال التي كان عليها أولا، قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فمر بسعد، فقال له: اما تريد ان ترد علينا الدرهمين الذين أعطيتكهما؟ فقال له سعد: و مأتين. فقال له: لست أريد منك الا الدرهمين، فأعطاه سعد درهمين. قال: فأدبرت الدنيا عن سعد، حتى ذهب ما كان معه و ما جمع، و عاد الى حالته التي كان عليها

(1)

.

«و منها»

ان لا يتوكل حاضر لباد

. و المراد بالبادي: الغريب الجالب للبلد، أعم من ان يكون من البادية أو قرويا. و معناه: ان يحمل البدوي أو القروي متاعه الى بلد فيأتيه البلدي، و يقول له: انا أبيعه لك بأعلى ما تبيعه، قبل ان يعرفه السعر، و يقول: انا أبيع لك. و أكون سمسارا. كذا ذكره في المسالك.

و قد اختلف الأصحاب في ذلك تحريما و كراهة. فذهب الشيخ في النهاية الى الثاني.

و هو قول العلامة في المختلف، و اختيار المحقق في الشرائع، و الشهيد في الدروس.

و في المبسوط و الخلاف إلى الأول، الا انه قيده في المبسوط بما يضطر اليه الناس، بان يكون في فقده إضرار بهم.

و قال ابن البراج في المهذب كقول الشيخ في المبسوط. و به قال ابن إدريس، و العلامة في المنتهى.

____________

(1) الوسائل ج 12 ص 297 باب: 14 أبواب آداب التجارة حديث: 2 و الكافي ج 5 ص 312 حديث: 38.