شرح فروع الكافي - ج3

- الشيخ محمد هادي المازندراني المزيد...
544 /
7

تتمة كتاب الصلاة

باب افتتاح الصلاة و الحدّ في التكبير و ما يقول عند ذلك

باب افتتاح الصلاة و الحدّ في التكبير و ما يقول عند ذلك

ذكر العلّامة في المنتهى (1) إجماع المسلمين على وجوب التكبير للإحرام في الصلاة، و على كونه ركناً من أركانها أيضاً، إلّا أنّه استثنى منهم الزهري و الأوزاعي و سعيد بن المسيّب و الحسن و قتادة و الحكم، و حكى عنهم نفي ركنيّته، و أنّهم قالوا: لو أخلّ به المصلّي عامداً بطلت صلاته، و لو أخلّ به ناسياً أجزأته تكبيرة الركوع (2). و حكى طاب ثراه عن بعض منهم القول باستحبابه و تحقّق الدخول في الصلاة بالنيّة، و هو محكي في الانتصار عن الزهري، (3) و هو ظاهر أخبار نادرة تجيء مع تأويلها في باب السهو في افتتاح الصلاة.

و يدلّ عليه- زائداً على ما رواه المصنّف- ما سيأتي من صحيحتي زيد الشحّام و محمّد بن مسلم، صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن أدنى ما يجزي في الصلاة من التكبير، قال: «تكبيرة واحدة». (4) و أراد المصنّف بالافتتاح تكبيرة الإحرام و ما زاد عليها من التكبيرات المستحبّة، و هو الشائع في الأخبار و كلام الأصحاب، فقد أجمع الأصحاب على استحباب

____________

(1). منتهى المطلب، ص 267 ط قديم.

(2). المجموع للنووي، ج 3، ص 291؛ المغني لابن قدامة، ج 1، ص 506؛ شرح صحيح مسلم للنووي، ج 4، ص 96، عمدة القاري، ج 5، ص 268.

(3). الانتصار، ص 40. و انظر: عمدة القاري، ج 5، ص 268، و سائر المصادر المتقدّمة.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 66، ح 238؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 10، ح 7209.

8

افتتاحها بسبع تكبيرات، منها تكبيرة الإحرام، (1) و عدّه السيّد في الانتصار من متفرّدات الإماميّة. (2) و يدلّ عليه حسنة حريز عن زرارة، (3) و حسنة الحلبي، (4) و ما رواه الصدوق، حيث قال في الفقيه: و إنّما جرت السنّة في افتتاح الصلاة بسبع تكبيرات؛ لما رواه زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «خرج رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) إلى الصلاة، و قد كان الحسين (عليه السلام) أبطأ عن الكلام حتّى تخوّفوا أنّه لا يتكلّم، و أنّه يكون به خرس، فخرج به (عليه السلام) حامله على عاتقه، و صفّ الناس خلفه، فأقامه على يمينه، فافتتح رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) [الصلاة، فكبّر الحسين (عليه السلام)، فلمّا سمع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)] (5) تكبيره عاد فكبّر و كبّر الحسين (عليه السلام) حتّى كبّر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) سبع تكبيرات، و كبّر الحسين (عليه السلام)، فجرت السنّة بذلك». (6) و قد روى هشام بن الحكم لذلك علّة اخرى، و هي: أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) لمّا اسري به إلى السّماء قطع سبع حجب، فكبّر عند كلّ حجاب تكبيرة، فأوصله اللّٰه عزّ و جلّ بذلك إلى منتهى الكرامة. (7) و ذكر الفضل بن شاذان لذلك علّة اخرى، و هي: أنّه إنّما صارت التكبيرات في أوّل الصلاة سبعاً؛ لأنّ أصل الصلاة ركعتان، و استفتاحهما بسبع تكبيرات: تكبيرة الافتتاح، و تكبيرة الركوع، و تكبيرتي السجدتين، و تكبيرة الركوع في الثانية، و تكبيرتي

____________

(1). انظر: المقنعة، ص 111؛ الخلاف، ج 1، ص 315، المسألة 65؛ المبسوط، ج 1، ص 104 و 131؛ النهاية، ص 73 و 120؛ المهذّب البارع، ج 1، ص 92 و 98؛ الوسيلة، ص 94؛ السرائر، ج 1، ص 237؛ المختصر النافع، ص 33؛ المعتبر، ج 2، ص 154؛ كشف الرموز، ج 1، ص 164؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 256؛ تبصرة المتعلّمين، ص 48؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 239 و 261؛ تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 117، المسألة 212؛ مختلف الشيعة، ج 2، ص 185- 186؛ نهاية الإحكام، ج 1، ص 458.

(2). الانتصار، ص 139.

(3). هو الحديث الثالث من هذا الباب من الكافي.

(4). هو الحديث السابع من هذا الباب من الكافي.

(5). الإضافة من المصدر.

(6). الفقيه، ج 1، ص 305، ح 917؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 22- 23، ح 7241.

(7). الفقيه، ج 1، ص 305، ح 918؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 23، ح 7242.

9

السجدتين، فإذا كبّر الإنسان في أوّل صلاته سبع تكبيرات ثمّ نسي شيئاً من تكبيرات الافتتاح من بعد أو سها عنها لم يدخل عليه نقص. (1) و ما رواه الشيخ في التهذيب عن حفص، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين (عليه السلام) فكبّر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فلم يحر الحسين (عليه السلام) التكبير، فلم يزل رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يكبّر و يعالج الحسين (عليه السلام) التكبير، و لم يحر، حتّى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين (عليه السلام) التكبير في السابعة»، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «فصارت سنّة». (2) و في الصحيح عن زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الافتتاح؟ فقال: «تكبيرة تجزيك». قلت: فالسبع؟ قال: «ذلك الفضل». (3) و احتجّ عليه السيّد في الانتصار (4) بإجماع الطائفة، و بأنّ وقت الافتتاح داخل في عموم الأحوال الّتي أمرنا فيها بالأذكار بقوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً»، (5) و هذا أكثر مراتب الفضل.

و قد ورد خمس و ثلاث أيضاً.

روى الشيخ عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الإمام يجزيه تكبيرة واحدة و يجزيك ثلاث مترسّلًا (6) إذا كنت وحدك». (7) و في الصحيح عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أخفّ ما يكون من التكبير في الصلاة، قال: «ثلاث تكبيرات، فإن كانت قراءة قرأت ب «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» و «قُلْ يٰا أَيُّهَا

____________

(1). الفقيه، ج 1، ص 305- 306، ح 319؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 22، ح 7243.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 67، ح 243؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 67، ص 7238.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 66، ح 241؛ وسائل الشيعة، ح 6، ص 9، ح 7206.

(4). الانتصار، ص 139.

(5). الأحزاب (33): 41.

(6). مترسّلًا يعنى متأنّياً متثبّتاً؛ يقال: ترسّل الرجل في كلامه و مشيه، إذا لم يجعل. الوافي، ج 8، ص 640.

(7). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 287، ح 1150؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 10، ح 7207.

10

الْكٰافِرُونَ»، و إذا كنت إماماً فإنّه يجزيك أن تكبّر واحدة تجهر فيها و تسرّ ستّاً». (1) و عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا افتتحت الصلاة فكبّر إن شئت واحدة، و إن شئت ثلاثاً و إن شئت خمساً، و إن شئت سبعاً، فكلّ ذلك مجز عنك غير أنّك إذا كنت إماماً لم تجهر إلّا بتكبيرة». (2) و في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «التكبيرة الواحدة في [افتتاح] الصلاة تجزي، و الثلاث أفضل، و السبع أفضل كلّه». (3) و إطلاق الصلاة في الأخبار يقتضي استحبابها في جميع الصلوات الواجبة و المندوبة.

و قد ورد في بعض الأخبار استحبابها في بعض المندوبات منطوقاً، و في جميعها مفهوماً، فقد روي في الوافي عن كتاب فلاح السائل، عن التلعكبري، عن محمّد بن همّام، عن عبد اللّٰه بن علاء المذاري، عن ابن شمون، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: «افتتح في ثلاثة مواطن بالتوجه و التكبير في أوّل الزوال، و صلاة الليل، و المفردة من الوتر، و قد يجزيك فيما سوى ذلك من التطوّع أن تكبّر تكبيرة لكلّ ركعتين». (4) و يفهم من لفظ الإجزاء أنّها مستحبّة في سائر النوافل و هو ظاهر مذهب المفيد حيث قال في المقنعة:

و السنّة في التوجّه بسبع تكبيرات في سبع صلوات: الأوّلة من كلّ فريضة، و الأوّلة من نوافل الزوال، و الأوّلة من نوافل المغرب، و الأوّلة من الوتيرة، و الأوّلة من نوافل الليل، و المفردة بعد الشفع، و هي الوتر، و الأوّلة من ركعتي الإحرام للحجّ و العمرة، ثمّ هو فيما بعد هذه الصلوات مستحبّ و ليس تأكيده كتأكيده في ما عددناه. (5)

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 287، ح 1151؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 33، ح 7273.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 66، ح 239؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 21، ح 7240، و ص 34، ح 7276.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 66، ح 242؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 10، ح 7208.

(4). الوافي، ج 8، ص 638، ذيل ح 6764؛ فلاح السائل، ص 130؛ مستدرك الوسائل، ج 4، ص 139، ح 4329.

(5). المقنعة، ص 111.

11

و هو ظاهر السيّد في الانتصار، (1) و محكى عن ظاهر جمله (2) أيضاً، و منقول عن ابن طاوس و عن ظاهر ابن الجنيد، (3) بناء على أنّهم سنّوا استحبابها من غير تقييد.

و به صرّح بن إدريس حيث قال: «يستحبّ التوجّه بسبع تكبيرات منها واحدة فريضة، و هي تكبيرة الإحرام، بينهن ثلاثة أدعية في جميع الصلوات المفروضات و المندوبات». (4) و قيّده الأكثر بالمواضع السبعة الّتي عدّه المفيد فيها مؤكّداً.

و به قال الشيخ في النهاية (5) و المبسوط (6) صريحاً. و قال في الخلاف: «يستحبّ [عندنا استفتاح الصلاة بسبع تكبيرات] في مواضع مخصوصة من النوافل». (7) و خصّها في الفقيه في النوافل بستّ بإسقاط الوتيرة من السبع نفلًا عن رسالة والده. (8) و عن السيّد مرتضى: أنّه قال في المسائل المحمّدية: «إنّما يستعمل في الفرض دون النوافل». (9) و به قال الشيخ في التهذيب فإنّه بعد ما حكى عن عليّ بن بابويه ما نقلنا عنه قال: «و لم أجد به فيما عدا الفرائض خبراً مسنداً». (10) و حكى ابن إدريس عن بعض اختصاصه بالفرائض اليوميّة. (11) و يستحبّ ثلاثة أدعية بين السبع، منها: دعاء التوجّه على ما دلّ عليه ما رواه المصنّف من حسنة الحلبي. (12)

____________

(1). الانتصار، ص 139، المسألة 37.

(2). جمل العلم و العمل (رسائل المرتضى، ج 3، ص 31).

(3). حكاه عنهما العلّامة في مختلف الشيعة، ج 2، ص 185.

(4). السرائر، ج 1، ص 237.

(5). النهاية، ص 69.

(6). المبسوط، ج 1، ص 104.

(7). الخلاف، ج 1، ص 315، المسألة 65.

(8). لم أعثر عليه في الفقيه، و حكاه عنه الشيخ في تهذيب الأحكام، ج 2، ص 94، ذيل ح 349.

(9). رسائل المرتضى، ج 1، ص 277.

(10). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 94، ذيل ح 349. و قوله: «فيما عدا الفرائض» غير موجود فيه.

(11). السرائر، ج 1، ص 238.

(12). هو الحديث السابع من هذا الباب.

12

و قد ورد في بعض الأخبار ولاؤها، رواه الشيخ في الموثّق عن زرارة، قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام)- أو قال: سمعته- استفتح الصلاة بسبع تكبيرات ولاء (1). و هو أدون فضلًا.

و ظاهر الخبرين المذكورين في قصّة الحسين (عليه السلام) (2) أنّ الأوّل من السبع كانت تكبيرة الإحرام.

و المشهور تخيير المصلّي في ذلك و في جعلها إحدى البواقي، و كأنّهم تمسّكوا في ذلك بما ذكر، و ورود دعاء التوجّه بعد السبع في حسنة الحلبي زعماً منهم أنّه مختصّ بما بعد التحريمة. و قد صرّح جماعة بها، منهم الشهيد في اللمعة حيث قال- بعد ما ذكر السبع-: «و يتوجّه بعد التحريمة». (3) و قال الشهيد الثاني في الشرح: «أي يدعو بدعاء التوجّه، و هو: وجّهت وجهى للّذي فطر السّماوات و الأرض إلى آخره بعد التحريمة، حيث ما فعلها». (4) و كأنّه بذلك قال.

و في الذكرى: «أنّ الأفضل جعلها الأخيرة». (5) و قال صاحب المدارك: «لا أعرف مأخذه». (6) و اعلم أنّ المشهور بين الأصحاب وجوب كلمة: (اللّٰه أكبر) بعينها في تكبيرة الإحرام، و عدم انعقاد الصلاة بتغييرها و بغيرها و إن أفاد معناها اختياراً. (7)

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 287، ح 1125. و رواه الصدوق في الخصال، ص 347، باب السبعة، ح 17؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 21، ح 7239.

(2). وسائل الشيعة، ج 6، ص 22- 23، ح 7241 و 7242.

(3). اللمعة الدمشقيّة، ص 31.

(4). شرح اللمعة، ج 1، ص 630.

(5). الذكرى، ج 3، ص 262.

(6). مفتاح الكرامة، ج 7، ص 24.

(7). انظر: الانتصار، ص 140؛ المبسوط للطوسي، ج 1، ص 102؛ شرائع الإسلام، ج 1، ص 62؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 252؛ تبصرة المتعلّمين، ص 45؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 238؛ تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 112، المسألة 209؛ قواعد الأحكام، ج 1، ص 271؛ نهاية الإحكام، ج 1، ص 453؛ الذكرى، ج 3، ص 256؛ مدارك الأحكام، ج 3، ص 319؛ مفتاح الكرامة، ج 7، ص 8.

13

و يدلّ عليه فعل النبيّ (صلى الله عليه و آله)، و قوله (عليه السلام) إيّاه في مقام التعليم في حسنة حمّاد، (1) و نسبه العلّامة في المنتهى (2) إلى أحمد، (3) و هو محكي في الانتصار (4) عن مالك. (5) و نقل في الذكرى عن ابن الجنيد أنّه قال: «ينعقد بقوله: «اللّٰه الأكبر» و إن كان فعله مكروهاً». (6) و حكى في الانتصار عن الشافعي التخيير بينهما. (7) و عن أبي حنيفة و محمّد الانعقاد بكلّ لفظ يقصد به التعظيم و التفخيم و بقول اللّٰه. (8)

و عن أبي يوسف الانعقاد بألفاظ التكبير مطلقاً، و عدّ منها: اللّٰه الكبير. (9) و عن الزهري الانعقاد بالنيّة فقط، (10) ثمّ قال: «دليلنا على ما ذهبنا إليه: الإجماع،

____________

(1). هو الحديث الثامن من هذا الباب من الكافي. أمالي الصدوق، المجلس 64، ح 13؛ الفقيه، ج 1، ص 300، ح 915؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 81، ح 301؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 459- 461، ح 7077 و 7078.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 268، ط قديم.

(3). فتح العزيز، ج 1، ص 267؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 292؛ المغني لعبد اللّٰه بن قدامة، ج 1، ص 505؛ الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة، ج 1، ص 505؛ عمدة القاري، ج 5، ص 268.

(4). الانتصار، ص 140.

(5). المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 62؛ فتح العزيز، ج 1، ص 267؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 101؛ بدائع الصنائع، ج 1، ص 130؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 292؛ المغني، ج 1، ص 505؛ الشرح الكبير، ج 1، ص 505؛ المحلّى، ج 3، ص 233؛ عمدة القاري، ج 5، ص 268؛ شرح صحيح مسلم للنووي، ج 4، ص 96؛ مواهب الجليل، ج 2، ص 305؛ المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 36؛ تحفة الفقهاء، ج 1، ص 123.

(6). الذكرى، ج 3، ص 256. و حكاه أيضاً المحقّق في المعتبر، ج 2، ص 152؛ و العلّامة في تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 113.

(7). كتاب الامّ، ج 1، ص 122؛ مختصر المزني، ص 14؛ فتح العزيز، ج 3، ص 365؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 291؛ المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 36؛ تحفة الفقهاء، ج 1، ص 123؛ المغني، ج 1، ص 505؛ الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة، ج 1، ص 505؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 101.

(8). فتح العزيز، ج 3، ص 266- 267؛ المبسوط للطوسي، ج 1، ص 35؛ بدائع الصنائع، ج 1، ص 130؛ المغني، ج 1، ص 505؛ الشرح الكبير، ج 1، ص 505؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 101؛ عمدة القاري، ج 5، ص 268؛ شرح صحيح مسلم للنووي، ج 4، ص 96.

(9). المبسوط، ج 1، ص 35- 36؛ بدائع الصنائع، ج 1، ص 130؛ البحر الرائق، ج 1، ص 533- 534؛ الشرح الكبير، ج 1، ص 505؛ عمدة القاري، ج 5، ص 268؛ شرح صحيح مسلم للنووي، ج 4، ص 96.

(10). عمدة القاري، ج 5، ص 268؛ شرح صحيح مسلم للنووي، ج 4، ص 96؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 290.

14

و أيضاً فإنّ الصلاة في الذمّة بيقين و لا يسقط إلّا بيقين مثله، و لا يقين في سقوطها عن الذمّة إلّا باللفظ الّذي اخترناه.» (1) و يستحبّ أيضاً أن يقال بين الإقامة و التكبيرات السبع: يا محسن قد أتاك المسيء، و قد أمرت المحسن أن يتجاوز عن المسيء، و أنت المحسن و أنا المسيء، فبحقّ محمّد و آل محمّد صلّ على محمّد و آل محمّد و تجاوز عن قبيح ما تعلم منّي.

و إذا قال ذلك يقول اللّٰه: ملائكتي، اشهدوا أنّي قد غفرت له، و أرضيت عنه أهل تبعاته. على ما نقل عن ابن طاوس في كتاب فلاح السائل. (2)

قوله في حسنة زرارة: (ترفع بذلك في افتتاح الصلاة قبالة وجهك و لا ترفعهما كلّ ذلك). [ح 1/ 4971]

ذلك: إشارة إلى الرفع المستفاد من الفعل، أي لا ترفعهما كثيراً كما هو في بعض النسخ.

و في المنتهى: «يستحبّ رفع اليدين بالتكبير بلا خلاف بين أهل العلم في فرائض الصلوات و نوافلها». (3)

و حكى طاب ثراه عن المازري أنّه ادّعى إجماع الامّة عليه، لكنّه حكى عن داود وجوبه متمسّكاً بورود الأمر به، و تأسّياً بالنبيّ (صلى الله عليه و آله). (4) و ذهب السيّد في الانتصار (5) إلى وجوبه في كلّ تكبيرات الصلوات محتجّاً بأنّ الإجماع و تيقّن براءة الذمّة، و بما روي عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه رفع يديه في كلّ خفض و رفع و في السجود، (6) و عدّ ذلك من منفردات الإماميّة مستنداً بأنّ أبا حنيفة و أصحابه

____________

(1). الانتصار، ص 140.

(2). فلاح السائل، ص 155. و الدعاء مذكور في مصباح المتهجّد، ص 30، ح 31.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 284. و مثله في تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 119، المسألة 213.

(4). انظر: المحلّى، ج 3، ص 234؛ عمدة القاري، ج 5، ص 271؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 305؛ الخلاف، ج 1، ص 319، المسألة 70؛ الشرح الكبير، ج 1، ص 511؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 189.

(5). الانتصار ص 147- 149، المسألة 45.

(6). مسند أحمد، ج 1، ص 93؛ و ج 4، ص 317؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 285 و 314؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 170، ح 730؛ و ص 173، ح 744؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 187- 188، ح 303؛ شرح معاني الآثار، ج 1، ص 222.

15

و الثوري نفوه في غير تكبيرة الإحرام و تكبيرتي الركوع و رفع الرأس منه، (1) و مالكاً نفاه مطلقاً، (2) و قال: إنّهم ادّعوا نسخه و الأخبار فيه متظافرة من الطريقين.

فمن طريق الأصحاب منها: ما رواه المصنّف في الباب، و منها: ما سبق في بعض الأخبار، و منها: ما سيأتي.

و منها: ما رواه في الصحيح، عن معاوية بن عمّار، قال: رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) حين افتتح الصلاة يرفع يديه أسفل من وجهه قليلًا. (3)

و في الصحيح عن صفوان بن مهران، قال: رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كبّر للصلاة رفع يديه حتّى يكاد و يبلغ اذنيه. (4) و عن ابن سنان- و طريقه إليه صحيح- قال: رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) [يصلّي] يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح. (5) و عن زرارة، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «رفعك يديك في الصلاة زينها». (6) و في الصحيح عن معاوية بن عمّار، قال: رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يرفع يديه إذا ركع، و إذا رفع رأسه من الركوع، و إذا سجد، و إذا رفع رأسه من السجود، و إذا أراد أن يسجد الثانية. (7) و في الصحيح عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: في الرجل يرفع يديه كلّما

____________

(1). المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 14؛ المغني لابن قدامة، ج 1، ص 512؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 193؛ المحلّى، ج 4، ص 87؛ عمدة القاري، ج 5، ص 272؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 270، ذيل ح 1083؛ الاستذكار، ج 1، ص 408؛ الخلاف، ج 1، ص 319.

(2). المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 68؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 193؛ المحلّى، ج 4، ص 87؛ عمدة القاري، ج 5، ص 272؛ الاستذكار، ج 1، ص 408.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 65، ح 234؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 26، ح 7251. و كان في الأصل: «حين يفتتح»، و المثبت من الأصل.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 65- 66، ح 235؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 26، ح 7250.

(5). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 66، ح 236؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 26- 27، ح 7252.

(6). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 76، ح 481؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 297، ح 8012.

(7). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 75، ح 279؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 296- 297، ح 8010.

16

أهوى للركوع و السجود، قال: «هي العبودية». (1) و عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، قال: رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) [يصلّي] افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه، و استقبل القبلة ببطن كفّيه. (2) و من طريق العامّة، منها: ما روي عن ابن عمر، قال: رأيت رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه، و إذا أراد أن يركع، و بعد ما رفع رأسه من الركوع. (3) و هو حجّة الشافعي. (4) و عن وائل بن حجر، (5) و مالك بن حويرث، عنه (صلى الله عليه و آله): أنّه كان يرفع يديه إذا كبّر حتّى يحاذي اذنيه. (6) و عنه (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «رفع الأيدي من الاستكانة»، قلت: و ما الاستكانة؟ قال: «أ لا تقرأ هذه الآية: «فَمَا اسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ» (7)». (8) و ربّما احتجّ عليه بقوله سبحانه: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (9) بناءً على ما رواه الشيخ عن ابن سنان- و طريقه إليه صحيح- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قول اللّٰه عزّ و جلّ: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»، قال: «هو رفع يديك حذاء وجهك». (10)

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 75، ح 480؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 297، ح 8011.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 66، ح 240؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 27، ح 7255.

(3). مسند أحمد، ج 2، ص 8 و 18؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 300؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 6؛ السنن الكبرى للنسائي، ج 1، ص 221، ح 646 و ص 307، ح 652؛ صحيح ابن حبّان، ج 5، ص 172؛ المعجم الكبير، ج 12، ص 249؛ سنن الدارقطني، ج 1، ص 296، ح 1123.

(4). كتاب الامّ، ج 7، ص 211.

(5). صحيح مسلم، ج 2، ص 13.

(6). سنن الدارمي، ج 1، ص 285؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 7؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 25؛ الآحاد و المثاني، ج 2، ص 180، ح 922؛ المعجم الكبير، ج 19، ص 284- 285؛ مسند الشاميّين، ج 4، ص 48، ح 2697.

(7). المؤمنون (23): 76.

(8). كنز العمّال، ج 2، ص 557، ح 4721 نقلًا عن ابن أبي حاتم و ابن حبّان و ابن مردويه؛ المستدرك للحاكم، ج 2، ص 538؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 76.

(9). الكوثر (108): 2.

(10). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 66، ح 237؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 27، ح 7253.

17

و في مجمع البيان عن عمر بن يزيد، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في قوله: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»: «هو رفع يديك حذاء وجهك». (1) و عن جميل، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»، فقال بيده هكذا، يعنى استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصلاة. (2) و عن حمّاد بن عثمان، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) ما النحر؟ فرفع يديه إلى صدره، فقال: «هكذا»، ثمّ رفعهما فوق ذلك فقال: «هكذا»، يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة. (3) و عن مقاتل بن حيّان، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لمّا نزلت هذه السورة قال النبيّ (صلى الله عليه و آله) لجبرئيل (عليه السلام): ما هذه النحيرة الّتي أمرني بها ربّي؟ قال: ليست بنحيرة و لكنّه يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت، و إذا رفعت رأسك من الركوع، و إذا سجدت، فإنّه صلاتنا و صلاة الملائكة في السماوات السبع، فإنّ لكلّ شيء زينة و أنّ زينة الصلاة رفع الأيدي عند كلّ تكبيرة». (4) و له تفسيرات اخرى، ففي مجمع البيان:

أمره سبحانه بالشكر لهذه النعمة الجليلة (5) [بأن قال: فصلّ صلاة العيد]؛ لأنّه عقّبها بالنحر، أي و انحر هديك و اضحيتك. عن عطاء و عكرمة و قتادة.

و قال أنس بن مالك: كان النبيّ (صلى الله عليه و آله) ينحر قبل أن يصلّي، فأمره أن يصلّي، ثمّ ينحر.

و قيل: معناه: فصلّ لربّك صلاة الغداة المفروضة بجمع، و انحر البدن بمنى؛ عن سعيد بن جبير و مجاهد.

و قال محمّد بن كعب: إنّ اناساً كانوا يصلّون لغير اللّٰه فأمر اللّٰه تعالى نبيّه أن تكون صلاته

____________

(1). مجمع البيان، ج 10، ص 460؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 30، ح 7265.

(2). مجمع البيان، ج 10، ص 460؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 30، ح 7266.

(3). المصدر المتقدّم؛ عوالي اللآلي، ج 2، ص 46، ح 120.

(4). مجمع البيان، ج 10، ص 461؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 30، ح 7263.

(5). في المصدر: «على هذه النعمة العظيمة».

18

و نحره للبدن تقرّباً إليه خالصاً له. و قيل: معناه: صلّ لربّك الصلاة المكتوبة، و استقبل القبلة بنحرك، و تقول العرب: منازلنا تتناصر، أي هذا ينحر هذا، يعنى يستقبله، و أنشد.

أبا حكم ها أنت عمّ مجالد * * * و سيّد أهل الأبطح المتناحر

أي ينحر بعضه بعضاً، و هذا قول الفرّاء.

و أمّا ما رووه عن عليّ (عليه السلام) أنّ معناه ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة فممّا لا يصحّ عنه؛ لأنّ جميع عترته الطاهرة (عليهم السلام) قد رووه عنه بخلاف ذلك، و هو أنّ معناه ارفع يديك إلى النحر في الصلاة. (1)

و قد ورد في بعض الأخبار ما دلّ ظاهراً على عدم استحبابه على غير الإمام، رواه الشيخ في الصحيح عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: قال: «على الإمام أن يرفع يده في الصلاة، ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة»، و حمله على نفي شدّة تأكّده على غيره. (2) و اختلفوا في حدّ الرفع، فالمشهور بين الأصحاب أن غايته حيال الاذنين، أعنى حذاء الخدّين على ما فسّر به في حسنة زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام). (3) و يدلّ على ذلك كثرة الأخبار المتقدّمة.

و يدلّ على عدم استحبابه- زائداً على ذلك- صريحاً ما رواه المصنّف من حسنتي زرارة، (4) و موثّق سماعة عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا دخلت المسجد فاحمد اللّٰه و اثن عليه، و صلّ على النبيّ (صلى الله عليه و آله)، فإذا افتتحت الصلاة فكبّرت فلا تجاوز اذنيك، و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك». (5) و هو اختيار أبي حنيفة. (6)

____________

(1). مجمع البيان، ج 10، ص 460.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 287، ح 1153؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 27، ح 7256.

(3). الحديث الثاني من هذا الباب من الكافي.

(4). ح 1 و 2 من هذا الباب من الكافي.

(5). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 65، ح 233؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 245، ح 6454.

(6). الخلاف، ج 1، ص 230، المسألة 72؛ فتح العزيز، ج 3، ص 269؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 307؛ بدائع الصنائع، ج 1، ص 199؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 110.

19

و قال الصدوق: «يرفعهما إلى النحر لا يجاوز بهما إلى الاذنين»، (1) و كأنّه تمسّك بالأخبار المُشار إليها في تفسير الآية الكريمة المذكورة.

و عن ابن أبي عقيل أنّه يرفعهما حذو منكبيه أو حيال خدّيه لا يجاوز بهما اذنيه. (2) و حدّه الشافعي إلى المنكبين. (3) و أمّا كيفيّته فقد قال طاب ثراه: «عندنا أنّه يستقبل القبلة ببطن كفّيه و يبسطهما بسطاً ما».

و يدلّ على الأوّل رواية منصور بن حازم المتقدّمة، (4) و على الثاني ما رواه المصنّف من حسنة الحلبي. (5) و قال بعض العامّة: يرفعهما مبسوطتين بطونهما إلى السماء، (6) و بعض آخر منهم:

بطونهما إلى الأرض. (7) ثمّ قال: فإن قلت: ما معنى الرفع؟ قلت: في الفقيه: سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معناه فقال (عليه السلام): «معناه، اللّٰه الأكبر الواحد الأحد الّذي ليس كمثله شيء، لا يُلمس بالأخماس، و لا يُدرك بالحواس». (8) و قد سمعت بعض المشايخ يقول: تفسير ذلك أنّ رفع اليدين كناية عن رفعة اللّٰه سبحانه بالنسبة إلى جميع ما عداه، فيكون واحداً ليس مثله شيء؛ إذ لو كان له شريك لم يكن رفيعاً بالنسبة إليه، و كذا يكون أحداً، أي غير متجزّ؛ إذ لو كان له جزء لاحتاج إليه ضرورة، فلا يكون رفيعاً بالنسبة إليه، بل كان الأمر بالعكس؛ لأنّ المحتاج إليه أرفع من

____________

(1). الفقيه، ج 1، ص 304، ذيل ح 916.

(2). حكاه عنه الشهيد في الذكرى، ج 3، ص 259.

(3). كتاب الامّ، ج 1، ص 126؛ مختصر المعاني، ص 14؛ فتح العزيز، و ج 3، ص 269؛ و ج 4، ص 192؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 305؛ روضة الطالبين، ج 1، ص 338 و 423؛ تحفة الفقهاء، ج 1، ص 126؛ بدائع الصنائع، ج 1، ص 199؛ المغني لابن قدامة، ج 1، ص 512؛ الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة، ج 1، ص 512.

(4). وسائل الشيعة، ج 6، ص 27، ح 7255.

(5). الحديث السابع من هذا الباب من الكافي.

(6). حاشية الدسوقي، ج 1، ص 247.

(7). قاله مالك، انظر: المدوّنة الكبرى، ج 1، ص 68.

(8). الفقيه، ج 1، ص 306، ح 921؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 28، ح 7259، و فيهما: «معناه اللّٰه أكبر الواحد ...».

20

المحتاج، و يكون غير ملموس بالأخماس، و غير مُدرك بالحواسّ؛ لأنّ الملموس و المُدرَك لا محالة إمّا عرضان أو جوهران متجزّيان، فهما محتاجان إلى الموضوع و الجزء، فلا يكون أرفع منهما.

و في حكمته أقوال اخر، فقيل: إشارة إلى الاستسلام كالأسير إذا غلب مدّ يديه.

و قيل: إلى الاستهوال؛ لما دخل فيه. و قيل: إلى نبذ الدنيا وراءه و الإقبال بكلّيّته إلى الصلاة و مناجاة ربّه عزّ و جلّ. (1) قوله في حسنة معاوية بن عمّار: (التكبير في صلاة الفرض الخمس خمس و تسعون تكبيرة). [ح 5/ 4975]

خمس منها واجبة، و هي تكبيرات الإحرام على ما سبق، و البواقي مستحبّة على المشهور؛ لأصالة البراءة، و عدم دليل صالح على وجوبها.

و عن ابن أبي عقيل وجوب تكبير الركوع و السجود (2)؛ محتجّاً بورود الأمر بهما في صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب: اللّٰه أكبر و اركع»، (3) و حسنة الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا سجدت فكبّر». (4) و اجيب بحمل الأمر فيهما على الندب؛ لما سبق ممّا دلّ على الندب ظاهراً، و أضاف سلّار إلى هذين التكبيرين تكبير القيام و القعود و التشهّدين، (5) و قد سبق أنّ السيّد في الانتصار قال بوجوب تكبيرات الصلاة كلّها؛ محتجّاً بالإجماع، و تيقّن البراءة، و بالخبر النبويّ. (6)

____________

(1). شرح صحيح مسلم للنووي، ج 4، ص 96.

(2). حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة، ج 2، ص 170؛ و الشهيد في الذكرى، ج 3، ص 375.

(3). هذا هو الحديث الأوّل من باب الركوع من الكافي؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 77، ح 289؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 295، ح 8008.

(4). الحديث الأوّل من باب السجود من الكافي؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 79، ح 295؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 339، ح 8124.

(5). المراسم العلويّة، ص 69.

(6). الانتصار، ص 147- 148.

21

قوله في حسنة الحلبي: (ثمّ كبّر ثلاث تكبيرات) إلخ. [ح 7/ 4977]

كلمة «ثمّ» للترتب الذكري، و هذا الترتيب و التكبيرات و الأدعية هو المشهور.

و حكى في المختلف عن ابن الجنيد أنّه قال- بعد ذكر هذا الترتيب-:

و يستحبّ أيضاً في الاستفتاح أن يُقال- بعد التكبيرات الثلاث الاوّل-: اللّهمّ أنت الملك الحقّ، إلى آخره، ثمّ يكبّر تكبيرتين و يقول: لبّيك، إلى آخره، ثمّ يكبّر تكبيرتين و يقول:

وجّهت وجهي للّذي فطرني- إلى قوله- و أنا من المسلمين، الحمد للّٰه ربّ العالمين، ثمّ يقول: اللّٰه أكبر- سبعاً-، و سبحان اللّٰه- سبعاً-، و لا إله إلّا اللّٰه- سبعاً- من غير رفع يديه.

قال: و قد روى ذلك جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)، و الحلبي و أبو بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

و مهما اختار من ذلك أجزأه، و هذا التكبير و التسبيح و التهليل لم ينقل في المشهور.

انتهى. (1) و في القواعد: «و التوجّه بستّ تكبيرات غير تكبيرة الإحرام بينها ثلاثة أدعية». (2) و [به] قال المحقّق. (3) و لبّيك في الأصل: ألبّ لَكَ إلبابين، أي أقيم لخدمتك إقامة بعد إقامة، بمعنى إقامة كثيرة متتالية، من ألّب بالمكان إذا أقام به، حذف الفعل و اقيم المصدر مقامه، و ردّ إلى الثلاثى، و اضيف إلى المفعول فحذف اللّام، أو من لبّ بالمكان بمعنى ألبّ به، و هو أظهر لقلّة الإعلال. (4) و سعديك أيضاً في الأصل أسعدك إسعادين، أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، بمعنى مساعدة كثيرة. (5) و حنانيك أيضاً في الأصل تحنّن عليّ حناناً بعد حنان، بمعنى حناناً كثيراً، فعل بهما ما

____________

(1). مختلف الشيعة، ج 2، ص 188.

(2). قواعد الأحكام، ج 1، ص 272.

(3). المختصر النافع، ص 33.

(4). انظر: شرح الرضي على الكافية، ج 1، ص 330؛ رياض السالكين، ج 3، ص 120؛ و ج 7، ص 358.

(5). شرح الكافية للرضي، ج 1، ص 330.

22

فُعِل في لبّيك، و الحنان كسحاب: الرّحمة، و الرزق، و البركة، و الوقار، و رقّة القلب. (1) و سبحانك أيضاً في الأصل: اسبّحك سبحاناً، أي انزّهك عمّا لا يليق بك، (2) اقيم المصدر مقام الفعل المحذوف و اضيف إلى مفعوله، و هي من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال.

و تباركت، أي كثرت صفات جلالك و سمات جمالك، و تعاليت عن إدراك الأوهام و العقول و عن مشابهة ما سواك و عمّا يقول الظالمون فيك علوّاً كبيراً.

و معنى كون الخير في يديه سبحانه و الشرّ ليس إليه؛ أنّه يهيّج الدواعي إلى الخير في قلوب المطيعين و يهيّئ الأسباب الموجبة لسهولة صدوره عنهم، و يخلّي العاصين و أنفسهم و بعد هدايتهم ظاهراً و باطناً؛ لعدم استعدادهم كما ورد في الأخبار: «أنا أولى بحسناتك منك»، (3) و هذا هو الواسطة بين الجبر و التفويض، و قيل: معناه: «لا يصعد إليك الشرّ، و إنّما يصعد إليك الطيّب و العمل الصالح». (4) قوله في حسنة حمّاد بن عيسى: (لا تحسن أن تصلّي). [ح 8/ 4978]

كأنّه ترك المستحبّات في الصلاة كما يشعر به نفي الإحسان، فإنّه الطمأنينة و الاعتدال. و أكثر المستحبّات المستفادة من هذا الحديث مختصّة بالرجال؛ لمضمر زرارة، قال: «إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها و لا تفرّج بينهما، و تضمّ يديها إلى صدرها لمكان ثدييها، فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها؛ لئلّا تطأطأ كثيراً فترتفع عجيزتها، فإذا جلست فعلى أليتيها ليس كما يقعد الرجل، فإذا سقطت للسجود بدأت بالقعود و بالركبتين قبل اليدين، ثمّ تسجد لاطية بالأرض، فإذا

____________

(1). القاموس المحيط، ج 4، ص 216 (حنن).

(2). شرح اصول الكافي للمازندراني، ج 3، ص 203.

(3). فقه الرضا (عليه السلام)، ص 351؛ قرب الإسناد، ص 347- 348، ح 1257؛ و ص 354، ح 1267؛ الكافي، باب المشية و الإرادة، ح 6؛ و باب الجبر و القدر، ح 3؛ و باب الاستطاعة، ح 12؛ التوحيد للصدوق، ص 338، الباب 55، ح 6، و ص 362- 363، ح 10؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)،ج 1، ص 131، ح 46.

(4). شرح صحيح مسلم للنووي، ج 6، ص 59.

23

كانت في جلوسها ضمّت فخذيها و رفعت ركبتيها من الأرض، فإذا نهضت انسلّت انسلالًا لا ترفع عجيزتها أوّلًا». (1) و خبر ابن بكير، عن بعض أصحابنا، قال: «المرأة إذا سجدت تضممت، و الرجل إذا سجد تفتّح». (2) و رواية عبد اللّٰه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا سجدت المرأة بسطت ذراعيها». (3) و خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، قال: سألته عن جلوس المرأة في الصلاة، قال:

«تضمّ فخذيها». (4) و ضعف هذه الأخبار منجبر بعمل الأصحاب.

و يؤيّده التستّر المطلوب في النساء.

و قال طاب ثراه:

قال المازري: هُنَيّته بضمّ الهاء و فتح النون و تشديد الياء: تصغير هَنَة، و أصله هنوة، فلمّا صغّرت قيل: هنيوة، فاجتمعت الواو و الياء، و سبقت إحداهما بالسكون، فانقلبت الواو ياءً، فاجتمع المثلان، فوجب الإدغام، و من همز فقد أخطأ، و أمّا عند الطبري فصحيح. و قال عياض: الهمز روية الجمهور. انتهى. (5)

و الترتيل: التأنّي و تبيين الحروف، مأخوذ من قولهم: ثَغر رتل و مرتّل إذا كان

____________

(1). باب القيام و القعود من الكافي، ح 2؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 94، ح 350. و ورد الحديث في علل الشرائع، ج 2، ص 355، الباب 68، ح 1 عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 462- 463، ح 7080.

(2). باب القيام و القعود من الكافي، ح 8؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 95، ح 353؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 342، ح 8130.

(3). باب القيام و القعود من الكافي، ح 4؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 94، ح 351؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 341- 342، ح 8129.

(4). باب القيام و العقود من الكافي، ح 7؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 95، ح 352؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 391، ح 8260.

(5). انظر: شرح صحيح مسلم للنووي، ج 5، ص 96.

24

مفلّجاً. (1) و تعدية سمع باللّام لتضمين معنى الإجابة.

و قال طاب ثراه: الأفضل أن يكبّر للسجود في حال القيام، و هذا الخبر صريح فيه.

و ما وقع في خبر المعلّى عن الصادق (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «كان عليّ بن الحسين (عليهما السلام) إذا هوى ساجداً انكبّ و هو يكبّر» (2) من باب الجواز.

باب قراءة القرآن

باب قراءة القرآن

أجمع أهل العلم على وجوب القراءة في الصلاة و اشتراطها بها، إلّا ما حكي في الخلاف عن الحسن بن صالح بن حيّ، (3) و في المنتهى عن الأصمّ أيضاً، (4) و في الذكرى عن ابن عليّة أيضاً من عدم اشتراطها بها، بل عدم وجوبها فيها. (5) و أجمعوا أيضاً على عدم كونها ركناً عدا ما حكاه الشيخ في المبسوط عن بعض أصحابنا من غير أن يعيّن قائله. (6) و يدلّ على الأوّل ما رواه المصنّف في الباب، و من طريق العامّة عن عبادة بن الصامت، عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال «لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب». (7)

____________

(1). تفسير القرطبي، ج 1، ص 71؛ النهاية لابن الأثير، ج 2، ص 194 (رتل)؛ عمدة القاري، ج 20، ص 53؛ تفسير البيضاوي، ج 5، ص 405؛ الحبل المتين، ص 214.

(2). باب القيام و القعود من الكافي، ح 5؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 383، ح 8246.

(3). الخلاف، ج 1، ص 327، المسألة 80 و 81؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 330.

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 271، ط قديم؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 330، و الأصم هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان، فقيه معتزلى مفسّر، مات نحو سنة 225. (الأعلام، ج 3، ص 232).

(5). الذكرى، ج 3، ص 299؛ فتح الباري، ج 3، ص 37، عن الأصم و إبراهيم بن عليه في ركعتي الفجر؛ عمدة القاري، ج 7، ص 228 عنهما في ركعتي الفجر. و ابراهيم بن إسماعيل بن عليّة المتكلّم الجهمي له مؤلّفات في الفقه، توفّي بمصر سنة 218 هق. (تاريخ الإسلام، ج 15، ص 52).

(6). المبسوط، ج 1، ص 105.

(7). كتاب الامّ، ج 1، ص 129؛ السنن الكبرى للنسائي، ج 5، ص 11؛ مسند أحمد، ج 5، ص 314؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 184؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 9؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 273، ح 837؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 189، ح 822؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 156، ح 247؛ و ص 194، ذيل ح 310؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 38.

25

و ربّما احتجّ عليه بظاهر الأمر في قوله تعالى: «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ»، (1) و قوله عزّ و جلّ: «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ» (2) حيث دلَّا على وجوبها عيناً، و ليست واجبة في غير الصلاة فتكون واجبة فيها.

و اجيب عنه بأنّ سياق الكريمتين يقتضي كون الأمر بها في الليل إمّا وجوباً كفائيّاً؛ لئلّا تندرس المعجزة، و للاطّلاع على دلائل التوحيد و غيره من اصول الدين و فروعه، و إمّا استحباباً، فقيل: أقلّه في اللّيلة خمسون آية، و قيل: مائة، و قيل: مائتان، و قيل: ثلث القرآن، بل حمل بعض القراءة على صلاة الليل تسمية لها ببعض أجزائها حملًا للأمر على النّدب، و قيل: إنّها كانت واجبة و نسخ وجوبها بالفرائض اليوميّة. (3) و على الثاني ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

«إنّ اللّٰه عزّ و جلّ فرض الركوع و السجود و القراءة سنّة، فمن ترك القراءة متعمّداً أعاد الصلاة، و من نسي القراءة فقد تمّت صلاته و لا شيء عليه». (4) و في الموثّق عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها. فقال: «أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟». قلت:

بلى. قال: «قد تمّت صلاتك إذا كنت ناسياً». (5) و غير ذلك من الأخبار الّتي تجيء في باب السهو في القراءة.

____________

(1). المزّمّل (73): 20.

(2). المزّمّل (73): 20.

(3). مجمع البحرين، ج 3، ص 475 و 476 (قرأ).

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 146، ح 569؛ الاستبصار، ج 1، ص 353، ح 1335؛ و رواه الكليني في باب السهو في القراءة من الكافي، ح 1؛ و رواه الصدوق في الفقيه، ج 1، ص 345، ح 1005 عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام)؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 87، ح 7414 و 7415.

(5). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 146، ح 570؛ الاستبصار، ج 1، ص 353، ح 1336؛ و رواه الكليني في الكافي، باب السهو في القراءة، ح 3؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 90، ح 7424، و في الجميع: «إذا كان نسياناً، بدل «إذا كنت ناسياً». نعم هذا موافق لنصّ الرواية في الخلاف، ج 1، ص 335.

26

و احتجّ من قال بركنيّتها بقوله (عليه السلام): «لا صلاة له إلّا أن يقرأ بها» فيما رواه المصنّف في آخر الباب في صحيحة محمّد بن مسلم، (1) و بما رويناه عن عبادة بن الصّامت.

و أجاب عنه في الذكرى بأنّ المراد منهما نفي الكمال، (2) و لا يبعد حملها على من تركهما متعمّداً.

ثمّ إنّهم اختلفوا في القدر الواجب منها في الصلوات الواجبة في حال الاختيار، فالمشهور بين الأصحاب منهم الشيخ في الخلاف و كتابي الأخبار وجوب الحمد و سورة كاملة في الثنائيّة و في الاوليين من الثلاثيّة و الرباعيّة. (3) و به قال في المبسوط أيضاً، إلّا أنّه قال: غير أنّه إن قرأ بعض سورة لا يحكم ببطلان الصلاة. (4) و حكي عن ابن الجنيد إجزاء بعض سورة، (5) و إليه ميل العلّامة في المنتهى. (6) و في الخلاف حكى عن بعض الأصحاب استحباب السورة. (7) و قد ذهب إليه في النهاية (8) و به قال المحقّق في المعتبر، (9) و حكاه في المختلف (10) عن ابن الجنيد و سلّار، (11) و هو منقول عن مالك (12) و الثوري، (13) و إحدى الروايتين

____________

(1). هو الحديث 28 من هذا الباب.

(2). الذكرى، ج 3، ص 353.

(3). الخلاف، ج 1، ص 335، المسألة 86؛ الاستبصار؛ ج 1، ص 314، باب أنّه لا يقرأ في الفريضة بأقلّ من سورة و لا بأكثر منها.

(4). المبسوط للطوسى، ج 1، ص 75.

(5). حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة، ج 2، ص 142؛ و منتهى المطلب، ج 1، ص 272 ط قديم، و المحقّق في المعتبر، ج 2، ص 174.

(6). منتهى المطلب، ج 1، ص 272.

(7). الخلاف، ج 1، ص 236، المسألة 86.

(8). النهاية، ص 75.

(9). المعتبر، ج 2، ص 171- 172.

(10). مختلف الشيعة، ج 2، ص 142.

(11). المراسم العلويّة، ص 69.

(12). الموطّأ، ج 1، ص 65؛ بدائع الصنائع، ج 1، ص 166؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 388.

(13). المجموع للنووي، ج 3، ص 388.

27

عن أحمد (1) و الشافعي و أكثر أصحابه، (2) و عن بعض من أصحابه أنّه بدل السورة قدر آيها من القرآن (3) و كأنّه أراد قدراً قصر سورة؛ وفاقاً لما حكى أبو بكر بن المنذر عن عثمان بن أبي العاص أنّه قال: لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب و ثلاث آيات بعدها. و هذا قدر أقصر سورة. (4) و في رواية اخرى عن أحمد إجزاء آية، مقدار آية واحدة عن الحمد و السورة معاً، (5) و هو منقول عن أبي حنيفة في أحد القولين، (6) و في القول الآخر: أنّه يجزي مقدار ثلاث آيات من أيّ سورة. (7) و يدلّ على المشهور أكثر أخبار الباب، و هو ظاهر الأخبار الواردة في تفضيل السّور المقروءة بعد الحمد في الصلاة، و تأتي في محلّه.

و ما رواه الجمهور عن أبي قتادة: أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) كان يقرأ في الركعتين الأوّلتين من الظهر بفاتحة الكتاب و سورتين، يطوّل في الاولى و يقصّر في الثانية، و كذا في العصر و الصبح، يطوّل في الاولى منهما و يقصّر في الثانية. (8) و أمر معاذاً فقال: «اقرأ بالشمس و ضحاها، و سبّح اسم ربّك الأعلى، و الليل إذا يغشى». (9)

____________

(1). المجموع للنووي، ج 3، ص 388.

(2). الخلاف، ج 1، ص 335- 336، المسألة 86.

(3). كتاب الامّ، ج 1، ص 131؛ مغني المحتاج، ج 1، ص 162.

(4). الخلاف، ج 1، ص 336؛ المحلّى، ج 3، ص 243.

(5). المغني، ج 1، ص 520؛ عمدة القاري، ج 6، ص 11.

(6). الخلاف، ج 1، ص 328، المسألة 81؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 327؛ المغني، ج 1، ص 520.

(7). تحفة الفقهاء، ج 1، ص 212؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 327.

(8). الحديث مع مغايرة في صحيح البخاري، ج 1، ص 185؛ مسند أحمد، ج 5، ص 311؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 37؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 185، ح 798؛ سنن النسائي، ج 2، ص 166؛ و السنن الكبرى له أيضاً، ج 1، ص 336- 337، ح 1050؛ و السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 83.

(9). صحيح مسلم، ج 2، ص 42؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 273، ح 836؛ و ص 315، ح 986؛ سنن النسائي، ج 2، ص 173؛ و السنن الكبرى له أيضاً، ج 6، ص 513، ح 11667؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 393.

28

و في المنتهى: قد تواتر عنه (صلى الله عليه و آله) أنّه صلّى بالسورة بعد الحمد و داوم عليها، و قد قال (صلى الله عليه و آله): «صلّوا كما رأيتموني اصلّي». (1) و احتجّ من قال من الأصحاب بإجزاء بعض السورة بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)؛ أنّه سُئل عن السورة، أ يصلّي الرجل بها في ركعتين من الفريضة؟ فقال:

«نعم إذا كانت ستّ آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الاولى، و النصف الآخر في الركعة الثانية». (2) و إسماعيل بن الفضل، قال: صلّى بنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) و أبو جعفر (عليه السلام) فقرأ بفاتحة الكتاب و آخر المائدة، فلمّا سلّم التفت إلينا فقال: «إنّما أردت أن اعلّمكم». (3) و سعد بن سعد الأشعري في الصحيح عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قرأ ركعة في الحمد و نصف سورة، هل يجزيه في الثانية أن لا يقرأ الحمد و يقرأ ما بقي من السورة؟ فقال: «يقرأ الحمد، ثمّ يقرأ ما بقي من السورة». (4) و حمل الشيخ الخبر الأوّل على التقيّة مستنداً بالخبر الثاني مدّعياً ظهوره فيها، و حمل الصحيحة على النافلة محتجّاً عليه بصحيحة عليّ بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن تبعيض السورة، قال: «أكره، و لا بأس به في النافلة» (5) على إرادة التحريم من الكراهة، و هو جمع جيّد.

____________

(1). منتهى المطلب، ج 1، ص 272، ط قديم. و الحديث في مسند الشافعي؛ ص 55؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 286؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 155؛ و ج 7، ص 77؛ و ج 8، ص 133؛ السنن الكبرى للبيهقى، ج 2، ص 345؛ و ج 3، ص 120؛ صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 207 و 295؛ صحيح ابن حبّان، ج 4، ص 541؛ و ج 5، ص 191 و 504؛ سنن الدارقطني، ج 1، ص 279- 280، ح 1055 و 1056؛ و ص 338، ح 1297.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 294، ح 1182؛ الاستبصار، ج 1، ص 316، ح 1175؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 46، ح 7302.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 294، ح 1183؛ الاستبصار، ج 1، ص 316، ح 1176؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 46، ح 7301.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 295- 296، ح 1191؛ الاستبصار، ج 1، ص 316، ح 1177؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 45، ح 7299.

(5). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 296، ح 1192؛ الاستبصار، ج 1، ص 316، ح 1178؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 44، ح 7297.

29

و ربّما احتجّ بصحيحة عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أ يقرأ الرجل السورة الواحدة في الركعتين من الفريضة؟ فقال: «لا بأس إذا كانت أكثر من ثلاث آيات». (1) و صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليهم السلام)، قال: سألته عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين في الفريضة و هو يحسن غيرها، فإن فعل فما عليه؟ قال: «إذا أحسن غيرها فلا يفعل، و إن لم يحسن غيرها فلا بأس». (2) و احتجّ من قال باستحباب السورة بصحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «إنّ فاتحة الكتاب وحدها تجزي في الفريضة». (3) و صحيحة عليّ بن رئاب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إنّ فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة». (4) و حملتا على حال الضرورة و المرض؛ إذ حينئذٍ يجوز الاكتفاء بالحمد، اتّفاقاً؛ لخبر الصيقل، (5) و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان، (6) و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوّلتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئاً». (7) و تمسّك من قال من العامّة بإجزاء غير الحمد من أيّ آي بالآيتين المذكورتين بتقريب ما ذكر، و بما رواه أبو داود، قال: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «اخرج فناد في المدينة أنّه

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 71، ح 262؛ الاستبصار، ج 1، ص 315، ح 1173؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 47- 48، ح 7306.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 71- 72، ح 263؛ الاستبصار، ج 1، ص 315، ح 1174؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 47، ح 7304.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 71، ح 260؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 40، ح 7288.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 71، ح 259؛ الاستبصار، ج 1، ص 314، ح 1169؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 40، ح 7286.

(5). هو الحديث السابع من هذا الباب من الكافي.

(6). هو الحديث التاسع من هذا الباب.

(7). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 71، ح 261؛ الاستبصار، ج 1، ص 315، ح 1172 و 7287؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 40، ح 7287.

30

لا صلاة إلّا بقرآن و لو بفاتحة الكتاب [فما زاد]». (1) و ما نقلوه عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال للأعرابي: «ثمّ اقرأ ما تيسّر لك من القرآن». (2) و بأنّ فاتحة الكتاب مساوية لآيات القرآن في الأحكام، فكذا في الصلاة.

و الجواب عن الأوّل ما عرفت. و ربّما اجيب عنه باحتمال نزولهما قبل الفاتحة؛ لكونهما مكيّتين، و قد قيل في الفاتحة: إنّها مدنيّة. (3) و عن الخبرين بأنّهما من الأخبار الآحاد و غير قابلين؛ لما ثبت عند أهل العلم من قول النبيّ (صلى الله عليه و آله): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب». (4) على أنّ الثاني منهما معارض بما رواه الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) قال للأعرابي: «ثمّ اقرأ بامّ القرآن و ما شاء اللّٰه أن تقرأ». (5) و دفع الثالث واضح.

و كلّ من أوجب السورة أوجب تأخيره عن الحمد كما هو ظاهر الحمد، بل من استحبّه أيضاً قال بذلك بمعنى الاشتراط.

و قالوا بوجوب إعادة القراءة على ما يحصل معه الترتيب إذا خالفه نسياناً و تذكّر في

____________

(1). سنن أبي داود، ج 2، ص 188، ح 819؛ سنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 37، و ما بين الحاصرتين منهما.

(2). مسند أحمد، ج 2، ص 437؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 184 و 192؛ و ج 7، ص 132؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 11؛ سنن ابن ماجة، ج 1، ص 336، ح 1060؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 196، ح 856، و ص 197- 198، ح 860؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 187، ح 302؛ سنن النسائي، ج 2، ص 124؛ السنن الكبرى له أيضاً، ج 1، ص 308، ح 958؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 10 و 37 و 122 و 126 و 134 و 372؛ مسند أبي يعلى، ج 11، ص 449، ح 6577، و ص 497- 498، ح 6622؛ صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 235 و 299.

(3). تفسير مقاتل بن سليمان، ج 1، ص 24؛ تفسير السمرقندي، ج 1، ص 39؛ البيان لأبي عمرو الداني، ص 133؛ تفسير المقباس، ص 2.

(4). بداية المجتهد، ج 1، ص 125 و 189؛ سبل السلام، ج 2، ص 104؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 231 و 235؛ و ج 4، ص 103؛ المعتبر، ج 2، ص 166 و 172؛ السنن الكبرى للبيهقي، ص 63، ح 167؛ عوالي اللآلي، ج 1، ص 196؛ و ج 2، ص 218؛ و ج 3، ص 82.

(5). مسند الشافعي، ص 34- 35. و رواه أبو داود في سننه، ج 1، ص 197، 859؛ و البيهقي في السنن الكبرى، ج 2، ص 374؛ و ابن حبّان في صحيحه، ج 5، ص 88.

31

وقتها، و إذا خالفه عمداً فقطع الشهيد الثاني في المسالك ببطلان الصلاة، (1) و هو ظاهر الأكثر. (2) و في الذكرى: فإن خالف عمداً أعاد، و إن كان ناسياً أعاد السورة بعد الحمد. (3) و كأنّه أراد بالإعادة في العمد إعادة الصلاة.

و أمّا الركعة الثالثة من المغرب و الأخيرتين من الرباعية فالمشهور التخيير بين القراءة و التسبيح فيها، و يجيء القول فيه في بابه.

و المشهور وجوب قراءة الحمد في النافلة بمعنى اشتراطها بها، و استحباب السورة في نفسها.

و يظهر ذلك من بعض أخبار الباب.

و في المدارك:

قال العلّامة في التذكرة: «لا يجب قراءة الفاتحة فيها؛ للأصل»، (4) فإن أراد الوجوب المصطلح فحقّ؛ لأنّ الأصل إذا لم يكن واجباً لم يجب أجزاؤه، و إن أراد ما يعمّ الوجوب الشرطي بحيث تنعقد النافلة من دون قراءة الحمد فهو ممنوع. (5)

قوله في صحيحة معاوية بن عمّار: (إذا قمت للصلاة اقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم) إلخ. [ح 1/ 4979]

تدلّ على وجوب قراءة البسملة في الحمد و في كلّ سورة في الصلاة كما هو مذهب الأصحاب.

و يدلّ أيضاً عليه خبر يحيى بن عمران الهمداني، (6) و ما سنرويه عن صفوان و الكاهلي.

____________

(1). مسالك الأفهام، ج 1، ص 205.

(2). انظر: قواعد الأحكام، ج 1، ص 273؛ جامع المقاصد، ج 2، ص 255؛ مدارك الأحكام، ج 3، ص 351؛ ذخيرة المعاد، ج 1، ص 273؛ كشف اللثام، ج 4، ص 27؛ مفتاح الكرامة، ج 7، ص 146.

(3). الذكرى، ج 3، ص 310.

(4). تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 130.

(5). مدارك الأحكام، ج 3، ص 337.

(6). هو الحديث الثانى من هذا الباب.

32

و في حديث المعراج- و قد سبق-: «فلمّا فرغ من التكبير و الافتتاح قال اللّٰه عزّ و جلّ: الآن وصلت إليّ فسمّ باسمى، فقال: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، فمن أجل ذلك جعل بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في أوّل السورة-: إلى قوله-: فلمّا بلغ «وَ لَا الضّٰالِّينَ» قال النبيّ (صلى الله عليه و آله): الحمد للّٰه ربّ العالمين شكراً، فقال العزيز الجبّار: قطعت ذكري فسمّ باسمي، فمن أجل ذلك جعل بسم اللّٰه الرحمن الرحيم بعد الحمد في استقبال السورة الاخرى، فقال له: اقرأ قل هو اللّٰه أحد». (1) و يؤيّدها ما سيأتي من استحباب الجهر بالبسملة، و ما رواه جمهور العامّة عن أبي هريرة: أنّه قرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في صلاته، ثمّ قرأ الحمد للّٰه ربّ العالمين، ثمّ قال: و الّذي نفسى بيده، إنّي لأشبهكم صلاة برسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله). (2) و عن ابن المنذر: أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قرأ في الصلاة بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. (3) و ظاهر هذه الأخبار أنّ البسملة جزء من الحمد و السورة، و قد ورد التصريح به فيما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن السبع المثاني و القرآن العظيم، هي الفاتحة؟ قال: «نعم». قلت: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: «نعم هي أفضلهنّ». (4)

و في مجمع البيان عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ قال لي: يا محمّد، و لقد آتيناك سبعاً من المثاني و القرآن العظيم، فافرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب و جعلها بإزاء القرآن، و أنّ فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش، و أنّ اللّٰه

____________

(1). علل الشرائع، ص 315؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 465- 468، ح 7086.

(2). سنن النسائي، ج 2، ص 134؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 232؛ المنتقى من السنن، ص 56، ح 184؛ صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 251 و 342؛ سنن الدارقطني، ج 1، ص 304، ح 1155؛ معرفة السنن و الآثار، ج 1، ص 516.

(3). المغني لابن قدامة، ج 1، ص 521؛ الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة، ج 1، ص 517؛ المعتبر، ج 2، ص 168.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 289، ح 1157؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 57، ح 7337.

33

تعالى خصّ محمّداً و شرّفه بها و لم يشرك فيها أحداً من أنبيائه ما خلا سليمان (عليه السلام)، فإنّه أعطاه منها بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، أ لا تراه يحكي عن بلقيس حين قالت: «إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتٰابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمٰانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»، (1) ألا فمن قرأها معتقداً لموالاة محمّد و آله، منقاداً لأمرها مؤمناً بظاهرها و باطنها، أعطاه اللّٰه عزّ و جلّ بكلّ حرف منها حسنة، كلّ واحدة منها أفضل له من الدنيا بما فيها من أصناف أموالها و خيراتها، و من استمع إلى قارئ يقرأها كان له بقدر ثلث ما للقارئ، فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعروض له، فإنّه غنيمة لا يذهبنّ أوانه فتبقى في قلوبكم الحسرة». (2) و في موضع آخر منه و في تفسير العياشي: روى محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن قوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ»، (3) قال:

«فاتحة الكتاب يثنى فيها القول». قال: «و قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): إنّ اللّٰه تعالى منّ عليّ بفاتحة الكتاب من كنز الجنّة فيها «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» الآية الّتي يقول اللّٰه تعالى فيها:

«وَ إِذٰا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ نُفُوراً»، (4) و «الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» دعوى أهل الجنّة حين شكروا اللّٰه من الثواب، و «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» قال جبرئيل: ما قالها مسلم إلّا صدّقه اللّٰه و أهل سمائه، و «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ» إخلاص للعبادة و «وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» أفضل ما طلبت العباد حوائجهم، «اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» صراط الأنبياء، و هم الّذين أنعم عليهم، «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» اليهود، «وَ لَا الضّٰالِّينَ» النصارى». (5) و نقل طاب ثراه عن أبي هريرة، عنه (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بسم اللّٰه

____________

(1). النمل (27): 29- 30.

(2). مجمع البيان، ج 1، ص 48- 49. و رواه الصدوق في أماليه، المجلس 33، ح 3؛ و عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 270، الباب 28، ح 60.

(3). الحجر (15): 87.

(4). الإسراء (17): 46.

(5). مجمع البيان، ج 1، ص 72- 71؛ تفسير العيّاشي، ج 1، ص 22، ح 17.

34

الرحمن الرحيم، إنّها امّ الكتاب و السبع المثاني، و بسم اللّٰه الرحمن الرحيم آية منها». (1) و عنه أنّه (صلى الله عليه و آله) قال: «فاتحة الكتاب سبع آيات، اولاهنّ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم». (2) و عن امّ سلمة: أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) قرأ في الصلاة «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» و عدّها آية، [و] «الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» آيتين، إلى آخرها. (3) و عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ لكلّ شيء أساساً، و أساس القرآن فاتحة الكتاب، و أساس الفاتحة بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. (4) و عنه أنّه قال: سرق الشيطان من الناس مائة و ثلاث عشر آية حين ترك بعضهم قراءة بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في أوائل السور. (5) و هي جزء من الحمد و من كلّ سورة عند الأصحاب عدا ابن الجنيد، فإنّه قال على ما حكى عنه في المدارك: إنّها جزء من الحمد دون باقي السور؛ محتجّاً بما سيجيء من الأخبار مع تأويلها. (6) و اتّفق أرباب التفسير على أنّ السبع المثاني هي الفاتحة، و قالوا: سمّيت بذلك لأنّها سبع آيات، (7) و يثنى في الصلاة أو في النزول حيث نزلت بمكّة و بالمدينة؛ لما عدوّها

____________

(1). المغني لابن قدامة، ج 1، ص 522؛ الشرح كبير لعبد الرحمن بن قدامة، ج 1، ص 519؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 45؛ سنن الدارقطني، ج 1، ص 310، و فيهما: «... إنّها امّ القرآن و امّ الكتاب و السبع المثاني، و بسم اللّٰه الرحمن الرحيم إحداها».

(2). تفسير الرازى، ج 1، ص 196؛ تفسير البيضاوي، ج 1، ص 18. و نحوه في السنن الكبرى للبيهقى، ج 2، ص 45؛ المعجم الأوسط، ج 5، ص 208؛ كنز العمّال، ج 1، ص 560، ح 2519.

(3). السنن الكبرى للبيهقى، ج 2، ص 44؛ معرفة السنن و الآثار، ج 1، ص 512؛ صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 249- 250.

(4). مجمع البيان، ج 1، ص 47؛ تفسير الثعلبي، ج 1، ص 128؛ تفسير القرطبي، ج 1، ص 113.

(5). جامع المقاصد، ج 2، ص 244؛ روض الجنان، ص 265؛ المستصفى للغزالي، ص 83؛ الإحكام للآمدي، ج 1، ص 163، و مع مغايرة في السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 50.

(6). مدارك الأحكام، ج 3، ص 340. و حكاه أيضاً عنه المحقّق في المعتبر، ج 2، ص 180؛ و الشهيد في الذكرى، ج 3، ص 299.

(7). انظر: أسباب النزول للواحدي، ص 12؛ تفسير الواحدي، ج 1، ص 597؛ تفسير الرازي، ج 19، ص 207؛ تفسير القرطبي، ج 10، ص 54؛ تفسير الجلالين، ص 344؛ تفسير مقاتل بن سليمان، ج 1، ص 27؛ تفسير العيّاشي، ج 1، ص 19، ح 2؛ و ص 22، ح 17؛ و ج 2، ص 249، ح 34؛ و ص 250، ح 37؛ و ص 251، ح 40؛ تفسير القمّي، ج 1، ص 377؛ التبيان، ج 6، ص 352؛ مجمع البيان، ج 1، ص 42 و 47 و 71؛ و ج 6، ص 129؛ تفسير غريب القرآن للطريحي، ص 15، و يظهر من بعضها عدم الاتّفاق في ذلك.

35

سبعاً مع البسملة، و إن اختلفوا في أنّها آية مستقلّة أو جزء آية، فقال طاب ثراه:

هي عند أبي حنيفة آية مستقلّة في كلّ موضع وقعت، و ليست جزءاً من سورة، (1) و عند الشافعي آية من الفاتحة. (2)

و عنه أيضاً أنّها آية من كلّ سورة، (3) و عنه أيضاً أنّه قال: لا أدري هل هي آية من الفاتحة؟

و اختلف أصحابه في تأويل ذلك، و أنّه هل شكّ في أنّها آية أو بعض آية مع قطعه بأنّها منها.

و عنه أيضاً أنّها آية من القرآن حكماً لا نطقاً.

و عند مالك ليست آية و لا جزءاً منها و لا قرآناً أصلًا. (4) انتهى.

و نقل عن أبي حنيفة أنّه احتجّ على ما ذهب إليه بأنّها لو كانت آية لتواترت. (5) و بما رواه أبو هريرة، قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه و آله) يقول: «قال اللّٰه تعالى: قسّمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين، و لعبدي ما سأل، فإذا قال: «الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» قال اللّٰه تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال: «الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» قال اللّٰه تعالى: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» قال اللّٰه: مجّدنى عبدي، فإذا قال: «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» قال

____________

(1). المجموع للنووي، ج 3، ص 334؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 218؛ عمدة القاري، ج 19، ص 302؛ عون المعبود، ج 2، ص 345؛ فتح العزيز، ج 3، ص 321؛ الاستذكار، ج 1، ص 437.

(2). المجموع للنووي، ج 3، ص 333 و 334؛ روضة الطالبين، ج 1، ص 347، مغني المحتاج، ج 1، ص 157؛ المبسوط للسرخسي، ج 1، ص 15؛ المغني، ج 1، ص 522؛ الشرح الكبير، ج 1، ص 519؛ عمدة القاري، ج 5، ص 284؛ عون المعبود، ج 2، ص 345؛ معرفة السنن و الآثار، ج 1، ص 509- 510؛ الدراية، ج 1، ص 131؛ الاستذكار، ج 1، ص 438؛ التمهيد، ج 2، ص 231.

(3). المجموع للنووي، ص 334؛ روضة الطالبين، ج 1، ص 347؛ المبسوط، ج 1، ص 15؛ الجوهر النقي، ج 2، ص 40؛ المغني لابن قدامة، ج 1، ص 522؛ بداية المجتهد، ج 1، ص 102؛ تنقيح التحقيق، ج 1، ص 144.

(4). المجموع للنووي، ج 1، ص 522؛ نيل الأوطار، ج 2، ص 218.

(5). انظر: بداية المجتهد، ج 1، ص 103؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 335.

36

اللّٰه: هذا بيني و بين عبدي، و لعبدي ما سأل. (1) و وجّهه لوجهين: أحدهما: أنّه لو كانت البسملة من سورة الحمد لعدّها مبتدئاً بها.

و ثانيهما: إنّه حينئذٍ لم يتحقّق التنصيف؛ إذ يلزم أن يكون أربع آيات منها مختصّة به سبحانه، و آيتان منها مختصّتين بالعبد؛ لاشتراك آية منها، و هي قوله تعالى «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ»، بخلاف ما لو لم نعتبرها منها، فإنّه يكون المختصّ به سبحانه ثلاثاً، و المختصّ بالعبد أيضاً ثلاثاً على أن يكون «صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» آية مشتملة بناءً على ما ثبت من الإجماع على كون الحمد سبعاً، فمن عدّ البسملة آية منها جعل «صِرٰاطَ الَّذِينَ ...» إلى آخر السورة آية واحدة، و من لم يعدّها منها عدّها آيتين كما أشرنا إليه.

و الجواب: عن شبهة التواتر: أنّه قد ثبت ذلك عندنا و عندكم، و عدم حصول العلم لكم بذلك، للشبهة العارضة لكم من ذلك الخبر و غيره.

و عن الخبر أمّا عن الوجه الأوّل فيجوز أن يكون البسملة أيضاً مذكورة فيه، و أسقطها من أسقطها على ما هو دأبهم فيما يخالف عقيدتهم.

و يؤيّده أنّه على ما رواه في المنتهى هكذا عن عبد اللّٰه بن زياد بن سمعان، عنه (صلى الله عليه و آله) قال:

«يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بسم اللّٰه الرحمن الرّحيم، فيذكرني عبدي»، (2) و ساق الحديث. على أنّه في بيان خصائص الحمد.

و هذا هو السرّ فيما ورد من طريقنا من نظير هذه الرواية في الحمد من غير ذكر البسملة، رواه الصدوق عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلّا يكون القرآن مهجوراً مضيّعاً، و ليكن محفوظاً مدروساً، فلا يضمحلّ و لا يجهل، و إنّما بدأ بالحمد دون سائر السور؛ لأنّه ليس شيء من القرآن و الكلام جمع فيه من

____________

(1). مسند أحمد، ج 2، ص 285؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 9؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 189، ح 821؛ سنن النسائي، ج 2، ص 136؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 38.

(2). منتهى المطلب، ج 1، ص 271، ط قديم؛ سنن الدارقطني، ج 1، ص 309، ح 1176.

37

جوامع الخير و الحكمة ما جمع في سورة الحمد، و ذلك أنّ قول اللّٰه عزّ و جلّ: «الْحَمْدُ لِلّٰهِ» إنّما هو أداء لما أوجب اللّٰه عزّ و جلّ على خلقه من الشكر، و شكر لما وفّق عبده من الخير. «رَبِّ الْعٰالَمِينَ» توحيد له و تمجيد و إقرار بأنّه هو الخالق المالك لا غيره.

«الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» استعطاف و ذكر لآلائه و نعمائه على جميع خلقه. «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» إقرار له بالبعث و الحساب و المجازات، و إيجاب ملك الآخرة له كإيجاب ملك الدنيا.

«إِيّٰاكَ نَعْبُدُ» رغبة و تقرّب إلى اللّٰه تعالى و إخلاص بالعمل دون غيره. «وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» استزادة من توفيقه و عبادته، و استدامة لما أنعم [اللّٰه] عليه و نصره. «اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ» استرشاد لدينه، و اعتصام بحبله، و استزادة في المعرفة لربّه عزّ و جلّ و لعظمته و كبريائه. «صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» توكيد في السؤال و الرغبة، و ذكر لما تقدّم من نعمه على أوليائه، و رغبة في مثل تلك النعم. «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» استعاذة من أن يكون من المعاندين الكافرين المستخفّين به و بأمره و نهيه. «وَ لَا الضّٰالِّينَ» اعتصام من أن يكون من الّذين ضلّوا عن سبيله من غير معرفة و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً. فقد اجتمع فيه من جوامع الخير و الحكمة من أمر الدنيا و الآخرة ما لا يجمعه شيء من الأشياء». (1) و أمّا عن الوجه الثاني فلأنّ التنصيف يجوز أن يكون بالنظر إلى الحروف؛ لتقارب حروف المختصّينِ لو كانت البسملة جزءاً من الحمد، فحروف المختصّ الأوّل ناقصة عن حروف المختصّ الثاني بحرفين إن اعتبرناها كتابة، و يتعاكس إن اعتبرناها تلفّظاً، مع أنّ النصف في أمثال هذه المواضع في الأخبار بمعنى الشطر و الجزء.

و أجاب العلّامة عنه في المنتهى بقوله:

قسمة الصلاة ليست قسمة للسورة، و أراد التساوي في قسمة الصلاة لا قسمة السورة.

و يؤيّده اختصاص اللّٰه تعالى بثلاث آيات أوّلًا، ثمّ مشاركته مع العبد في الرابعة، و حينئذٍ لا يبقى التنصيف في السورة ثابتاً، فتأمّل.

____________

(1). الفقيه، ج 1، ص 310، ح 926؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 38، ح 7282.

38

و يتفرّع على ذلك الخلاف الخلاف في بطلان الصلاة بتركها عمداً، و اعتبار نيّة البسملة بقصد الحمد و السورة، فلو قرأ لا عن قصد أو بقصد سورة، ثمّ أراد قراءة غير تلك السورة لا بدّ من إعادتها عندنا، (1) و عند غيرنا لا، و استثنى الأصحاب من صورة الإعادة ما لو اعتاد قراءة سورة خاصّة في الصلوات. (2) قال طاب ثراه:

و أمّا العامّة فقد اختلف من يجعلها آية في أنّه هل يقرأها في الصلاة؟ فالمشهور عند الفرقة الثانية أنّه يقرأها في النفل دون الفرض، و قيل: يقرأها و لا يتركها بحال.

و قال بعض أفاضلهم: المتحصّل في قراءتها في الفرض من المذاهب أربعة: الكراهة، و الاستحباب، و الجواز، و الوجوب، انتهى.

فأمّا ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون إماماً، فيستفتح بالحمد و لا يقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، فقال: «لا يضرّه، و لا بأس به».

و في الموثّق عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة، يقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، قال: «نعم، إذا افتتح الصلاة فليقلها في أوّل ما يفتتح، ثمّ يكفيه ما بعد ذلك». (3) و في الصحيح عن عبيد اللّٰه بن عليّ الحلبي، و بسند آخر عن محمّد بن عليّ الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أنّهما سألاه عمّن يقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب، قال: «نعم، إن شاء سرّاً، و إن شاء جهراً». قالا: أ فيقرأها مع السورة

____________

(1). انظر: تحرير الأحكام، ج 1، ص 249؛ تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 150؛ قواعد الأحكام، ج 1، ص 275؛ نهاية الإحكام، ج 1، ص 479؛ جامع المقاصد، ج 2، ص 281؛ روض الجنان، ص 270؛ الحدائق الناضرة، ج 8، ص 222؛ مفتاح الكرامة، ج 7، ص 276؛ بحار الأنوار، ج 82، ص 18.

(2). راجع: مفتاح الكرامة، ج 7، ص 280.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 69، ح 250؛ الاستبصار، ج 1، ص 313، ح 1162؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 61، ح 7350.

39

الاخرى؟ فقال: «لا». (1) و في الموثّق عن مسمع، قال: صلّيت مع أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» ثمّ قرأ السورة الّتي بعد الحمد و لم يقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرّحيم، ثمّ قرأ سورة اخرى. (2) و بها احتجّ ابن الجنيد على ما حكينا عنه. (3) و على المشهور حملت الاولى و الثالثة على عدم الجهر بها أو النسيان، و الثانية على النافلة، لجواز تبعيض السورة فيها، و الرابعة إنّه (عليه السلام) كان يقرأها و لم يسمع مسمع.

و اجيب أيضاً بأنّها إنّما تدلّ على جواز تركها في السورة، و هو لا يستلزم عدم جزئيّتها منها، و أنّ ابتناءه على عدم وجوب قراءة سورة كاملة كما هو مذهب بعض الأصحاب.

و الأظهر حمل كلّها على التقيّة لموافقتها لمذهب العامّة.

قوله: (عن يحيى بن أبي عمران). [ح 2/ 4980]

غير مذكور، و الظاهر يحيى بن عمران كما في نسخ التهذيب (4) و كتب الرجال، (5) و هو مجهول الحال.

و قوله: (مرّتين) [ح 2/ 4980] متعلّق بالكتب، يعنى أنّه (عليه السلام) كتب: «يعيدها يعيدها» رغماً لأنف العبّاسي، و الضمائر عائد إلى الصلاة و ظاهره وجوب إعادتها في الوقت و خارجه.

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 68- 69، ح 249؛ الاستبصار، ج 1، ص 312، ح 1161؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 61، ح 7349.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 288، ح 1154؛ الاستبصار، ج 1، ص 310- 311، ح 1158؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 62، ح 7351.

(3). حكاه عنه المحقّق في المعتبر، ج 2، ص 174؛ و العلّامة في مختلف الشيعة، ج 2، ص 142، فإنّهما حكيا عنه عدم وجوب قراءة السورة بعد الحمد.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 69، ح 252؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 58، ح 7341.

(5). راجع: معجم رجال الحديث، ج 21، ص 28- 30، الرقم 1372 و 373.

40

قوله في خبر فرات بن أحنف: (أوّل كتاب نزل من السماء بسم اللّٰه الرحمن الرّحيم، [... و إذا قرأت بسم اللّٰه الرحمن الرحيم] سترتك). [ح 3/ 4981]

على صيغة المتكلّم فالمنزل هو مجموع ما في الخبر، و الغرض من ذكره في الباب بيان فضيلة البسملة لا كونها جزءاً من السور أو القرآن.

و يحتمل أن يكون على صيغة المؤنّث من الماضي، فيحتمل حينئذٍ أن يكون المنزل هو بسم اللّٰه الرحمن الرّحيم فقط، فيدلّ على جزئيتها من القرآن.

و في بعض النسخ: «أوّل كلّ كتاب»، (1) و هو يؤيّد الثاني.

قوله في صحيحة أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم: (إلّا الجمعة تقرأ فيها الجمعة و المنافقين). [ح 4/ 4982]

ظاهره وجوب قراءتهما في صلاة الجمعة كما نقل عن السيّد المرتضى. (2) و يدلّ عليه أيضاً صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ليس في القراءة شيء موقّت إلّا الجمعة يقرأ بالجمعة و المنافقين». (3) و حسنة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ اللّٰه أكرم بالجمعة المؤمنين، فسنّها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بشارة لهم، و المنافقين توبيخاً للمنافقين، و لا ينبغي تركهما، فمن تركهما متعمّداً فلا صلاة له». (4) و حسنة عمر بن يزيد، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «من صلّى الجمعة بغير الجمعة و المنافقين أعاد الصلاة في سفرٍ أو حضرٍ». (5)

____________

(1). الموجود في المطبوع من الكافي و الوسائل هكذا.

(2). حكاه عنه المحقّق في المعتبر، ج 2، ص 184، و الشهيد في الذكرى، ج 3، ص 338.

(3). رواه الكليني في باب القراءة يوم الجمعة و ليلتها في الصلوات، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 154، ح 7600.

(4). هذا هو الحديث الرابع من باب القراءة يوم الجمعة و ليلتها في الصلوات من الكافي؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 6، ح 16؛ الاستبصار، ج 1، ص 414 ح 1583؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 154، ح 7602.

(5). هذا هو الحديث السابع من باب القراءة يوم الجمعة و ليلتها في الصلوات من الكافي؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 7، ح 21؛ الاستبصار، ج 1، ص 414- 415، ح 1588؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 159، ح 7618.

41

و خبر عبد الملك الأحول، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من لم يقرأ في الجمعة بالجمعة و المنافقين فلا جمعة له». (1) و حُملت تلك الأخبار على تأكّد الاستحباب، و نفي الجمعة على نفي كمالها، و إعادتها على الاستحباب ظهراً؛ لعموم صحيحة صفوان، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «قل هو اللّٰه أحد تجزي في خمسين صلاة». (2) و خصوص صحيحة عليّ بن يقطين، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمّداً، قال: «لا بأس بذلك». (3) و يؤيّدهما موثّقة سماعة، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «اقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سبّح اسم ربّك الأعلى، و في الفجر بسورة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد، و في الجمعة بالجمعة و المنافقين» (4). (5) و قد ورد التصريح باستحبابهما في خبر حريز و ربعي رفعاه إلى أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«إذا كانت ليلة الجمعة يستحبّ أن يقرأ في العتمة سورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون، و في صلاة الصبح مثل ذلك، و في صلاة الجمعة مثل ذلك، و في صلاة العصر مثل ذلك». (6) و المشهور استحباب قراءتهما في ظهري يوم الجمعة أيضاً؛ لهذا الخبر، و لحسنة عمر بن يزيد المتقدّمة، فإنّ صلاة الجمعة في السفر لا يكون إلّا ظهراً ركعتين بغير خطبة و لا جماعة واجبة.

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 7، ح 17؛ الاستبصار، ج 1، ص 414، ح 1584؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 155، ح 7606.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 96، ح 360؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 48، ح 7308.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 7، ح 19؛ الاستبصار، ج 1، ص 414، ح 1586؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 157، ح 7611.

(4). الكافي، باب القراءة يوم الجمعة و ليلتها في الصلوات، ح 2؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 119- 120، ح 7498.

(5). في هامش الأصل: «وجه التأييد أنه (عليه السلام) شارك الجمعة مع الفجر و العشاء في الأمر بقراءة الجمعة، و في الصلاتين قراءتها مستحبّة اتفاقاً ففي الجمعة أيضاً كذلك. منه طاب ثراه».

(6). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 7، ح 18؛ الاستبصار، ج 1، ص 414، ح 1585؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 119، ح 7499.

42

و حسنة الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن القراءة في الجمعة إذا صلّيت وحدي أربعاً، أجهر بالقراءة؟ فقال: «نعم»، و قال: «اقرأ بسورة الجمعة و المنافقين يوم الجمعة». (1) و ما سيأتي في خبر رجاء: أنّ الرضا (عليه السلام) كان يقرأ في الغداة و الظهر و العصر يوم الجمعة بالجمعة و المنافقين، (2) بل ظاهر حسنة عمر بن يزيد المشار إليها الوجوب في ظهرها، و وجوبهما فيه و في العصر ذلك اليوم، و هو منسوب في الشرائع إلى بعض الأصحاب من غير أن يعيّن قائله. (3) و قال صاحب المدارك:

القائل بذلك في الظهر ابن بابويه في كتابه الكبير على ما نقله في المعتبر. (4) و هذه عبارته:

و اقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورةَ الجمعة و سبّح، و في صلاة الغداة و الظهر و العصر سورة الجمعة و المنافقين، فإن نسيتهما أو واحدة منهما في صلاة الظهر و قرأت غيرهما فارجع إلى سورة الجمعة و المنافقين ما لم تقرأ نصف السورة، فإن قرأت نصف السورة، فتمّم السورة، و اجعلها ركعتين نافلة، و سلّم فيهما، و أعد صلاتك بسورة الجمعة و المنافقين، [و لا بأس أن تصلّي العشاء و الغداة و العصر بغير سورة الجمعة و المنافقين] إلّا أنّ الفضل في أن تصلّيهما بالجمعة و المنافقين. (5) انتهى. (6)

و إنّما حملت تلك الأخبار الواردة في الظهر على الاستحباب؛ لرواية عليّ بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجمعة في السفر ما أقرأ فيها؟ قال: «اقرأ فيها بقل

____________

(1). الكافي، باب القراءة يوم الجمعة و ليلتها في الصلوات، ح 5؛ تهذيب الأحكام، ج 3، ص 14، ح 49؛ الاستبصار، ج 1، ص 416، ح 1593؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 160، ح 7622.

(2). الفقيه، ج 1، ص 306- 308، ح 992؛ عيون الأخبار، ج 2، ص 195، الباب 44، ح 5؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 117، ح 7496.

(3). شرائع الأحكام، ج 1، ص 65.

(4). المعتبر، ج 2، ص 183.

(5). مدارك الأحكام، ج 3، ص 366. و الإضافة من المصدر.

(6). المقنع، ص 146- 147.

43

هو اللّٰه أحد». (1) و بما ذكر يظهر ما في قول صاحب المدارك حيث قال:

و المعتمد استحباب قراءتهما في الجمعة خاصّة [...] و أمّا الاستحباب في صلاة الظهر فلم أقف على رواية تدلّ بمنطوقها عليه. نعم، روى عمر بن يزيد- و ذكر الخبر ثمّ قال-:

قال الشيخ في التهذيب: المراد بهذا الخبر الترغيب، (2) و استدلّ على ذلك برواية عليّ بن يقطين، و ذكر الخبر. (3)

هذا و المستفاد من مرفوعة حريز و ربعي المتقدّمة استحباب قراءة المنافقين في ثانية العشاء، و هو منقول عن ابن أبي عقيل، (4) و كذا في ثانية الفجر. (5) و المشهور استحباب سبّح اسم ربّك الأعلى في العشاء، و التوحيد في الفجر، (6) و هو أفضل لصحيحة أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «اقرأ في ليلة الجمعة الجمعة و سبّح اسم ربّك الأعلى، و في الفجر سورة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد». (7) و خبر البزنطي، عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «يقرأ في ليلة الجمعة الجمعة و سبّح اسم ربّك الأعلى، و في الغداة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد». (8) و روى الصدوق في كتاب العيون عن رجاء بن أبي الضحّاك أنّه يقول: بعثني المأمون في إشخاص عليّ بن موسى الرّضا (عليهما السلام) و أمرني أن آخذ به على طريق البصرة و الأهواز

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 8، ح 23؛ الاستبصار، ج 1، ص 415، ح 1590؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 157، ح 7612، و في الجميع: «ما أقرأ فيهما؟ قال: اقرأ فيهما».

(2). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 8، ذيل ح 23.

(3). مدارك الأحكام، ج 3، ص 367.

(4). مختلف الشيعة، ج 2، ص 159.

(5). مختلف الشيعة، ج 2، ص 157.

(6). الكافي للحلبي، ص 152؛ الخلاف، ج 1، ص 620؛ السرائر، ج 1، ص 223؛ مدارك الأحكام، ج 3، ص 365- 366.

(7). تهذيب الأحكام، ج 3، ص 6، ح 14؛ الاستبصار، ج 1، ص 413، ح 1582؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 118- 119، ح 7498.

(8). قرب الإسناد، ص 360، ح 1287؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 156، ح 7610، و فيهما: «تقرأ» بدل «يقرأ».

44

[و فارس]، و لا آخذ به على طريق قم، و أمرني أن أحفظه بنفسي في الليل (1) و النهار حتّى أقدم به عليه، فكنت معه من المدينة إلى مرو، فو الله، ما رأيت رجلًا أتقى للّٰه عزّ و جلّ منه، و لا أكثر ذكراً للّٰه عزّ و جلّ في جميع أوقاته منه، و لا أشدّ خوفاً للّٰه تعالى منه، [و] كان إذا أصبح صلّى الغداة، ثمّ إذا (2) سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللّٰه و يحمده، و يكبّره و يهلّله، و يصلّي على النبيّ (صلى الله عليه و آله) حتّى تطلع الشمس، ثمّ يسجد (3) سجدة يبقى فيها حتّى يتعالى النهار، ثمّ أقبل على الناس يحدّثهم و يعظهم إلى قرب الزوال، ثمّ جدّد وضوءه و عاد إلى مصلّاه، فإذا زالت الشمس قام فصلّى ستّ ركعات، قرأ في الركعة الاولى الحمد و قل يا أيّها الكافرون، و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد، و يقرأ في الأربع في كلّ ركعة الحمد و قل هو اللّٰه أحد، و يسلم في كلّ ركعتين، و يقنت فيهما في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، ثمّ يؤذّن و يصلّي ركعتين، ثمّ يقيم ثمّ يصلّي الظهر، فإذا سلّم سبّح اللّٰه و حمده و كبّره و هلّله ما شاء اللّٰه، ثمّ سجد سجدة الشكر يقول فيها مائة مرّة: «شكراً للّٰه»، فإذا رفع رأسه قام فصلّى ستّ ركعات يقرأ في كلّ ركعة الحمد و قل هو اللّٰه أحد، و يسلّم في كلّ ركعتين، و يقنت في ثانية كلّ ركعتين قبل الركوع و بعد القراءة، ثمّ يؤذّن، ثمّ يصلّي ركعتين، و يقنت في الثانية، فإذا سلّم قام يصلّي العصر، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللّٰه و يحمده و يكبّره و يهلّله ما شاء اللّٰه، ثمّ سجد سجدة يقول فيها مائة مرّة: «حمداً للّٰه».

فإذا غابت الشمس توضّأ و صلّى المغرب ثلاثاً بأذانٍ و إقامة، و قنت في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يسبّح اللّٰه و يحمده و يكبّره و يهلّله ما شاء اللّٰه، ثمّ يسجد سجدة الشكر، ثمّ يرفع رأسه و لم يتكلّم حتّى يقوم و يصلّي أربع ركعات بتسليمتين، و يقنت في كلّ ركعتين (4) في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، و كان

____________

(1). في المصدر: «بالليل».

(2). في المصدر: «و إذا» بدل «ثمّ إذا».

(3). في الأصل: «سجد» و التصويب من المصدر.

(4). المثبت من المصدر، و في الأصل: «كلّ ركعة».

45

يقرأ في الاولى من هذه الأربع: الحمد و قل يا أيّها الكافرون، و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد، و يقرأ في الركعتين الباقيتين الحمد و قل هو اللّٰه أحد، و يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء اللّٰه، ثمّ يفطر، ثمّ يبيت حتّى يمضي من الليل قريب من الثلث، ثمّ يقوم فيصلّي العشاء الآخرة أربع ركعات، و يقنت في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يذكر اللّٰه عزّ و جلّ و يسبّحه و يحمده و يكبّره و يهلّله ما شاء اللّٰه، و يسجد بعد التعقيب سجدة الشكر، ثمّ يأوي إلى فراشه.

فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح و التحميد و التكبير و التهليل و الاستغفار، فاستاك، ثمّ توضّأ، ثمّ قام إلى صلاة الليل، فيصلّى ثمان ركعات، يسلّم في كلّ ركعتين، يقرأ في الأوّلتين منها في كلّ ركعة الحمد مرّة و قل هو اللّٰه أحد ثلاثين مرّة، ثمّ يصلّي صلاة جعفر بن أبي طالب أربع ركعات، يسلّم في كلّ ركعتين، و في كلّ ركعتين يقنت في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة و بعد التسبيح، و يحتسب بها من صلاة الليل، ثمّ يقوم فيصلّي الركعتين الباقيين، يقرأ في الاولى الحمد مرّة و سورة الملك، و في الثانية الحمد و هل أتى على الإنسان، ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع يقرأ في كلّ ركعة الحمد و قل هو اللّٰه أحد ثلاث مرّات، و يقنت في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، فإذا سلّم قام فصلّى ركعة الوتر يتوجّه فيها، و يقرأ فيها الحمد مرّة و قل هو اللّٰه أحد ثلاث مرّات، و قل أعوذ بربّ الفلق مرّة، و قل أعوذ بربّ الناس مرّة واحدة، و يقنت فيها قبل الركوع و بعد القراءة، و يقول في قنوته: «اللّهمّ صلِّ على محمّد و آل محمّد، اللّهمّ اهدنا فيمن هديت، و عافنا فيمن عافيت، و تولّنا فيمن تولّيت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي و لا يُقضى عليك، إنّه لا يذلّ من واليت، و لا يعزّ من عاديت، تباركت و تعاليت». ثمّ يقول: «أستغفر اللّٰه و أسأله التوبة» سبعين مرّة.

فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء اللّٰه، فإذا قرب الفجر قام فصلّى ركعتي الفجر يقرأ في الاولى الحمد و قل يا أيّها الكافرون، و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد، فإذا طلع الفجر أذّن و أقام و صلّى الغداة ركعتين، فإذا سلّم جلس في التعقيب حتّى تطلع

46

الشمس، ثمّ سجد سجدة الشكر حتّى يتعالى النهار.

و كانت قراءته في جميع المفروضات في الاولى الحمد و إنّا أنزلناه، و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد، إلّا في صلاة الغداة و الظهر و العصر يوم الجمعة، فإنّه كان يقرأ فيها بالحمد و سورة الجمعة و المنافقين، و كان يقرأ في صلاة العشاء ليلة الجمعة في الاولى الحمد و سورة الجمعة، و في الثانية الحمد و سبّح اسم ربّك الأعلى، و كان يقرأ في صلاة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس في الاولى الحمد و هل أتى على الإنسان، و في الثانية الحمد و هل أتيك حديث الغاشية.

و كان يجهر بالقراءة في المغرب و العشاء و صلاة الليل و الشفع و الوتر، و يخفي القراءة في الظهر و العصر.

و كان يسبّح في الاخراوين يقول: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر» ثلاث مرّات، و كان قنوته في جميع صلواته: «ربّ اغفر و ارحم و تجاوز عمّا تعلم، إنّك أنت الأعزّ [الأجلّ] الأكرم». و كان إذا أقام في بلدة عشرة أيّام صائماً لا يفطر، فإذا جنّ الليل بدأ بالصلاة قبل الإفطار.

و كان في الطريق يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين إلّا المغرب، فإنّه كان يصلّيها ثلاثاً، و لا يدع نافلتها، و لا يدع صلاة الليل و الشفع و الوتر و ركعتي الفجر في سفرٍ و لا حضرٍ.

و كان لا يصلّي من نوافل النهار في السفر شيئاً.

و كان يقول بعد كلّ صلاة يقصّرها: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر» ثلاثين مرّة، و يقول: «إنّ هذا تمام الصلاة».

و ما رأيته (1) صلّى الضحى في سفرٍ و لا حضرٍ، و كان لا يصوم في السفر شيئاً.

و كان (عليه السلام) يبدأ في دعائه بالصلاة على محمّد و آله و يكثر من ذلك في الصلاة و غيرها.

و كان يكثر بالليل في فراشه [من] تلاوة القرآن، فإذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة أو النار بكى و سأل اللّٰه الجنّة و تعوّذ باللّٰه من النار.

____________

(1). المثبت من المصدر، و في الأصل: «رأيت».

47

و كان (عليه السلام) يجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرّحيم في جميع صلاته بالليل و النهار.

و كان إذا قرأ قل هو اللّٰه أحد قال سرّاً: «اللّٰه أحد»، فإذا فرغ منها قال: «كذلك اللّٰه ربّنا» ثلاثاً.

و كان إذا قرأ «قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ» (1) قال في نفسه سرّا: «كذلك يا أيّها الكافرون»، فإذا فرغ منها قال: «ربّي اللّٰه و ديني الإسلام» ثلاثاً.

و كان إذا قرأ و التين و الزيتون قال عند الفراغ منها: «بلى و أنا على ذلك من الشاهدين».

و كان (عليه السلام) إذا قرأ لا أقسم بيوم القيامة قال عند الفراغ منها: «سبحانك اللّهمّ بلى».

و كان (عليه السلام) يقرأ في سورة الجمعة: «قُلْ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجٰارَةِ» لِلَّذينَ اتّقوا «وَ اللّٰهُ خَيْرُ الرّٰازِقِينَ». (2)

و كان إذا فرغ من الفاتحة قال: «الحمد للّٰه ربّ العالمين»، و إذا قرأ سبّح اسم ربّك الأعلى قال سرّاً: «سبحان ربّي الأعلى»، و إذ قرأ يا أيّها الّذين آمنوا قال: «لبّيك اللّهم لبّيك» سرّاً.

و كان (عليه السلام) لا ينزل بلداً إلّا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم، فيجيبهم و يحدّثهم الكثير عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) عن رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله).

فلمّا وردت به على المأمون سألني عن حاله في طريقه، فأخبرته بما شاهدته منه في ليله و نهاره و ظعنه و إقامته، فقال لي: يا ابن [أبي] الضحّاك، هو خير أهل الأرض و أعلمهم و أعبدهم، فلا تخبر أحداً بما شاهدت منه؛ لئلّا يظهر فضله إلّا على لساني، و باللّٰه أستعين على ما أنوي من الرفع منه و الإشادة به. (3) و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي

____________

(1). في المصدر: «و كان إذا قرأ الجحد».

(2). الجمعة (62): 11.

(3). عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 2، ص 194- 197، الباب 44، ح 5، و ما بين المعقوفات منه.

48

عبد اللّٰه (عليه السلام): القراءة في الصلاة فيها شيء موقّت؟ قال: «لا، إلّا الجمعة تقرأ بالجمعة و المنافقين». قلت له: فأيّ السور تقرأ في الصلوات؟ قال: «أمّا الظهر و العشاء الآخرة تقرأ فيهما سواء، و العصر و المغرب سواء، و أمّا الغداة فأطول، فأمّا الظهر و العشاء الآخرة فسبّح اسم ربّك الأعلى، و الشمس و ضحيها و نحوهما، (1) و أمّا العصر و المغرب فإذا جاء نصر اللّٰه، و ألهاكم التكاثر و نحوهما، و أمّا الغداة فعمّ يتساءلون، و هل أتيك حديث الغاشية، و لا أقسم بيوم القيامة، و هل أتى على الإنسان حين من الدهر». (2) و عن أبان عن عيسى (3) بن عبد اللّٰه القمّي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يصلّي الغداة بعمّ يتساءلون و هل أتيك حديث الغاشية و لا أقسم بيوم القيامة و شبهها، و كان يصلّي المغرب بقل هو اللّٰه أحد و إذا جاء نصر اللّٰه و الفتح و إذا زلزلت. و كان يصلّي العشاء الآخرة بنحو ممّا يصلّي في الظهر، و العصر بنحو من المغرب». (4) و عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم، قال: أمرني أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) أن أقرأ المعوّذتين في المكتوبة. (5) و عن صابر مولى بسام، قال: أمّنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في صلاة المغرب فقرأ المعوّذتين. (6) و عن أبي جعفر محمّد بن أبي طلحة خال سهل بن عبد ربّه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قرأت في صلاة الفجر بقل هو اللّٰه أحد و قل يا أيّها الكافرون، و قد فعل ذلك رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)». (7) و عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) اصلّي بقل هو اللّٰه أحد؟ فقال: «نعم، قد صلّى

____________

(1). في الأصل: «نحوها»، و كذا التالي، و المثبت موافق للمصدر.

(2).. تهذيب الأحكام، ج 2، ص 95، ح 354؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 155، ح 7604.

(3). في هامش الأصل: «و هو ممدوح. منه (رحمه الله)».

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 95- 96، ح 355؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 116- 117، ح 7494.

(5). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 96، ح 356؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 115، ح 7490.

(6). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 96، ح 357. و رواه الكليني في الكافي، باب قراءة القرآن، ح 26، بزيادة «هما من القرآن» في آخره؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 115، ح 7489.

(7). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 96، ح 358؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 81، ح 7402.

49

رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) في كلتا الركعتين بقل هو اللّٰه أحد، لم يصلّ قبلها و لا بعدها بقل هو اللّٰه أحد أتمّ منها». (1) و في الصحيح عن صفوان، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «قل هو اللّٰه أحد تجزي في خمسين صلاة». (2) و قال طاب ثراه: «قد وقع في بعض روايات العامّة أنّه (صلى الله عليه و آله) افتتح في صلاة الفجر بسورة المؤمنين، (3) و في بعضها من ستّين آية إلى مائة، (4) و قال بعضهم هي أطول من الظهر». انتهى. (5) و [السور] الطوال في الفجر مطلوب إذا لم يخف فوات الوقت، فعن عامر بن عبد اللّٰه، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «من قرأ شيئاً من (ال حم) في صلاة الفجر فاته الوقت». (6) و في بعض النسخ: «الحواميم» بدل «آل حم».

قال الجوهري:

ال حم سور في القرآن. قال ابن مسعود: ال حم ديباج القرآن. قال الفرّاء: إنّما هو كقولك آل فلان و آل فلان، كأنّه نسب السورة كلّها إلى حم. قال الكميت:

وجدنا لكم في آل حم آية * * * تأوّلها منّا تقي و معرب

و أمّا قول العامّة: «الحواميم» فليس من كلام العرب. و قال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على غير القياس، و أنشد: و بالحواميم الّتي قد سبّعت.

قال: و الأولى أن يجمع بذوات حم. (7)

و نسخة الخبر حجّة عليهم إلّا أن يريدوا بالشاذّ النادر الفصيح كما قالوا في أبى يأبى.

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 96، ح 359؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 49، ح 7309.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 96، ح 360؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 48، ح 7308.

(3). مسند الشافعي، ص 155- 156؛ مسند أحمد، ج 3، ص 411؛ معرفة السنن و الآثار، ج 2، ص 210، ح 1192.

(4). سنن الترمذي، ج 1، ص 189، ذيل ح 305؛ بدائع الصنائع، ج 1، ص 205؛ المحلّى، ج 4، ص 101.

(5). مسند أحمد، ج 5، ص 101 و 108؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 40؛ سنن النسائي، ج 2، ص 166؛ السنن الكبرى له أيضاً، ج 1، ص 337، ح 1052.

(6). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 295، ح 1189؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 111، ح 8478.

(7). صحاح اللغة، ج 5، ص 1907 (حمم).

50

و عن محسن الميثمي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «تقرأ في صلاة الزوال (1) في الركعة الاولى الحمد و قل هو اللّٰه أحد، و في الركعة الثانية الحمد و قل يا أيّها الكافرون، و في الركعة الثالثة الحمد و قل هو اللّٰه أحد و آية الكرسي، و في الركعة الرابعة الحمد و قل هو اللّٰه أحد و آخر البقرة «آمَنَ الرَّسُولُ ...» إلى آخرها، (2) و في الركعة الخامسة الحمد و قل هو اللّٰه أحد و الخمس آيات من آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ ...» إلى قوله:

«إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ»، (3) و في الركعة السادسة الحمد و قل هو اللّٰه أحد و ثلاث آيات السخرة «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ» إلى قوله: «إِنَّ رَحْمَتَ اللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»، (4) و في الركعة السابعة الحمد و قل هو اللّٰه أحد و الآيات من سورة الأنعام «وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ الْجِنَّ» إلى قوله: «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»، (5) و في الركعة الثامنة الحمد و قل هو اللّٰه أحد و آخر سورة الحشر من قوله: «لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ»، إلى آخرها. (6) فإذا فرغت قلت: اللّهم مقلّب القلوب و الأبصار ثبّت قلبي على دينك و لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنّك أنت الوهاب، سبع مرّات، ثمّ تقول: أستجير باللّٰه من النّار، سبع مرّات». (7) قوله في حسنة جميل: (و لا تقل آمين). [ح 5/ 4983]

قال طاب ثراه:

فيه دلالة على تحريم التأمين بعد الحمد، و يؤكّده رواية الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام): أقول (آمين) إذا فرغت من فاتحة الكتاب؟ قال: «لا». (8)

____________

(1). في هامش الأصل: «أي في نوافله».

(2). البقرة (2): 285- 286.

(3). آل عمران (3): 190- 194.

(4). الأعراف (7): 54- 56.

(5). الأنعام (6): 100- 103.

(6). الحشر (59): 21- 24.

(7). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 73- 74، ح 272؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 63، ح 7353.

(8). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 74- 75، ح 276؛ الاستبصار، ج 1، ص 318، ح 1186؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 67، ح 7364.

51

و صحيحة معاوية بن وهب، قال: قلت: أقول (آمين) إذا قال الإمام «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّٰالِّينَ»؟ قال: «هم اليهود و النصارى»، و لم يُجِبْ في هذا. (1) فعدوله (عليه السلام) عن جواب ما سأله السّائل إلى تفسير المغضوب عليهم و لا الضالّين دلالة واضحة على انتهى.

و يؤيّدها صحيحة جميل بن درّاج، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب: آمين؟ قال: «ما أحسنها» (2) و أخفضَ الصوت بها، بناءً على ما هو الظاهر من كون «ما» نافية و «أحسنها» على صيغة المتكلّم من المضارع، و كون «اخفض» على صيغة الماضي من كلام جميل، و فاعله ضمير أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، و إنّما أخفض (عليه السلام) صوته بكلمته «ما أحسنها» خوفاً من سماع بعض الحاضرين ممّا عدا جميل إيّاها تقيّةً منه، و هو مشهور بين الأصحاب مطلقاً، إماماً كان المصلّي أو مأموماً أو منفرداً، بل نسبه العلّامة في المنتهى إلى علمائنا (3) مؤذّناً بإجماعهم.

و قد صرّح الشيخ في الاستبصار (4) و السيّد المرتضى في الانتصار (5) بذلك الإجماع، و نقل عن ابن الجنيد جوازه؛ محتجّاً بصحيحة جميل بناءً على قراءة «ما أحسنها» بصيغة التعجّب، و «اخفض» على صيغة الأمر على أن يكون من كلامه (عليه السلام). (6) و فيه ما عرفت من الظاهر، و لو سلّم هذا الاحتمال فالاولى حملها على التقيّة كما فعله غيره ممّن فهم هذا المعنى منها.

____________

(1). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 75، ح 278؛ الاستبصار، ج 1، ص 319، ح 1188؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 67، ح 7363.

(2). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 75، ح 277؛ الاستبصار، ج 1، ص 318، ح 1187؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 68، ح 7366.

(3). منتهى المطلب، ج 1، ص 281، ط قديم.

(4). الاستبصار، ج 1، ص 319، ذيل ح 1187.

(5). الانتصار، ص 144.

(6). حكاه عنه الشهيد في الذكرى، ج 3، ص 287 و 349؛ و الدروس الشرعيّة، ج 1، ص 174، الدرس 40.

52

و هذا القول منقول عن المحقّق الأردبيلي، (1) و إليه ميل المحقّق في المعتبر (2) على ما نُقل عنه، (3) و احتمله صاحب المدارك مستنداً بكثرة استعمال النهي في الكراهة، خصوصاً مع مقابلته بأمر الندب. (4) و لعلّ العلّة في مرجوحيّته لزوم التشبّه باليهود و النصارى كما يومي إليه صحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة.

و أشعر بذلك كلام المفيد في المقنعة، قال: «و لا يقل بعد فراغه من الحمد: آمّين كقول اليهود و إخوانهم و النصّاب»، (5) و لا ينافي كونها دعاء؛ لأنّها اسم فعل بمعنى اللّهم استجب (6) طلباً لاستجابة ما اشتملت الفاتحة عليه من الدعاء.

و على القول الأوّل هل تبطل الصلاة بها أم لا؟ الظاهر العدم؛ لأنّ النهي إنّما تعلّق بأمرٍ خارج عن العبادة.

و صرّح الأكثر بالإبطال، بل ادّعى في الانتصار إجماع الأصحاب عليه، و احتجّ عليه فيه. (7) و في المنتهى (8) و الخلاف (9) بالخبرين، و بقول النبيّ (صلى الله عليه و آله): «إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميّين» (10) مدّعين أنّها من كلامهم؛ لأنّها ليس بقرآن و لا دعاء، و إنّما هي اسم للدعاء.

____________

(1). مجمع الفائدة و البرهان، ج 2، ص 235.

(2). المعتبر، ج 2، ص 186.

(3). حكاه عنه في الدروس الشرعيّة، ج 1، ص 174، الدرس 40، و المدارك، ج 3، ص 372.

(4). مدارك الأحكام، ج 3، ص 374.

(5). المقنعة، ص 105، و فيه: «و إخوانهم النصّاب».

(6). هذا هو الظاهر، و في الأصل: «اسم فعل اللّهم بمعنى استجب».

(7). الانتصار، ص 144.

(8). منتهى المطلب، ج 1، ص 281.

(9). الخلاف، ج 1، ص 334.

(10). مسند أحمد، ج 5، ص 447 و 448؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 70؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 360؛ المصنّف، ج 2، ص 321، الباب 268 من كتاب الصلاة، ح 3؛ الآحاد و المثاني، ج 3، ص 82، ح 1398؛ المعجم الكبير، ج 19، ص 402- 403.

53

و اورد عليه بأنّ الخبرين إنّما يدلّان على التحريم لا إبطال (1) الصلاة، و التحريم لا يستلزم الإبطال، لما ذكر، و بأنّ الوجه الثاني مبنيّ على كون أسماء الأفعال موضوعاً للفظ الأفعال لا لمعناها على ما ادّعاه بعض. و الأكثر صرّحوا بأنّها موضوعة لمعناها، و لو سلّم ذلك فلا تخرج عن كونها دعاء.

و عن ابن زهرة أنّه احتجّ عليه بأنّه فعل كثير خارج عن الصلاة، و بأنّها إنّما يكون على دعاء تقدّمها، و القاري لا يجب عليه قصد الدعاء مع القراءة، فلا معنى لها حينئذٍ، و إذا انتفى جوازها عند عدم قصد الدعاء انتفى عند قصد القراءة و الدعاء جميعاً؛ لأنّ أحداً لم يفرّق بينهما. (2) و هو كما ترى.

و حكى في المنتهى استحبابها للإمام و المأموم، عن ابن عمر و ابن الزبير و عطاء و الشافعي و أحمد و أصحاب الرأي، و عن مالك أنّها لا تسنّ للإمام، (3) محتجّين بما رواه أبو هريرة: أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قال: «إذا قال الإمام: «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّٰالِّينَ» فقولوا: آمين، فإنّ الملائكة تقول: آمين [و إنّ الإمام يقول: آمين،] فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه». (4) و عن أبي هريرة: إذا أمّن الإمام فأمّنوا. (5) و عن وائل بن حجر، قال: كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) إذا قال: «وَ لَا الضّٰالِّينَ» قال: «آمّين»

____________

(1). هذا هو الظاهر، و في الأصل: «لإبطال».

(2). الغنية، ص 81- 82.

(3). المعتبر، ج 2، ص 185؛ المجموع للنووي، ج 3، ص 373؛ المغني لعبد اللّٰه بن قدامة، ج 1، ص 528؛ الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة، ج 1، ص 528.

(4). مسند أحمد، ج 2، ص 233؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 284؛ سنن النسائي، ج 2، ص 144؛ و السنن الكبرى له أيضاً، ج 1، ص 322، ح 999؛ المصنّف لعبد الرزّاق، ج 2، ص 97، ح 2645؛ صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 289؛ صحيح ابن حبّان، ج 5، ص 106- 107، ح 1804، و ما بين الحاصرتين من المصادر.

(5). مسند الشافعي، ص 37 و 212؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 190؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 17؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 212، ح 936؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 158، ح 250؛ سنن النسائي، ج 2، ص 144؛ السنن الكبرى له أيضاً، ج 1، ص 322، ح 1000؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 219؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 55 و 57؛ صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 286؛ و ج 3، ص 37.

54

و رفع بها صوته. (1) و أجاب عن الحديثين الأوّلين بالمنع من صحّة سندهما مستنداً بأنّ أبا هريرة اتّفق له مع عمر بن الخطاب واقعة شهد فيها عليه باللّٰه أنّه عدوّ اللّٰه و عدوّ المسلمين، و حكم عليه بالخيانة، و أوجب عليه عشرة آلاف دينار، ألزمه بها بعد ولايته البحرين، (2) و نقل عن أبي حنيفة أنّه لم يعمل بروايته.

و عن الثالث أنّ مالكاً أنكر الرواية، فلو كانت حقّة لما خفيت (3) عنه. (4) قوله في موثّق ابن بكير عن زرارة: (إنّما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة، فأمّا النافلة فلا بأس). [ح 10/ 4988]

ظاهره جواز القران بين السورتين في الفريضة، و يؤكّده خبر عليّ بن يقطين، قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القران بين السورتين في المكتوبة و النافلة. قال: «لا بأس». (5) و يؤيّدهما أصالة الجواز.

و به قال الشيخ في الاستبصار، (6) و عدّه المحقّق في الشرائع أشبه، (7) و رجّحه جماعة من المتأخّرين منهم صاحب المدارك. (8)

و ذهب جماعة منهم السيّد المرتضى، (9) و الشيخ في النهاية، (10) و العلّامة في القواعد

____________

(1). سنن الدارقطني، ج 1، ص 329؛ المعجم الكبير، ج 22، ص 21؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 212، ح 932.

(2). انظر: المعتبر، ج 2، ص 187؛ تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 163؛ الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 3، ص 335، ترجمة أبي هريرة؛ الفائق، ج 1، ص 91، باب الباء مع الراء؛ معجم البلدان، ج 1، ص 348 (البحرين)؛ فتوح البلدان، ج 1، ص 100.

(3). هذا هو الظاهر، و في الأصل: «لما خفت»، و في المصدر: «لما خفي».

(4). منتهى المطلب، ج 1، ص 281، ط قديم.

(5). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 296، ح 1192؛ الاستبصار، ج 1، ص 317، ح 1181؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 52، ح 7320.

(6). الاستبصار، ج 1، ص 17، ذيل ح 1181.

(7). شرائع الإسلام، ج 1، ص 65.

(8). مدارك الأحكام، ج 3، ص 354- 355.

(9). جوابات المسائل الموصليّات (رسائل المرتضى، ج 1، ص 220).

(10). النهاية، ص 75- 76.

55

إلى تحريمه؛ (1) لخبر سيف بن عميرة عن منصور بن حازم، (2) و صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل يقرأ السورتين في ركعة، قال: «لا، لكلّ سورة ركعة». (3) و خبر عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أقرأ سورتين في ركعة؟ قال: «نعم».

قلت: أ ليس يقال لكلّ سورة حقّها من الركوع و السجود؟ فقال: «ذلك في الفريضة، فأمّا النافلة فليس به بأس». (4) و موثّقة ابن بكير، عن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقرن بين السورتين في الركعة، فقال: «إنّ لكلّ سورة حقّاً، فاعطها حقّها من الركوع و السجود».

و قلت: فيقطع السورة؟ فقال: «لا بأس [به]». (5) و هؤلاء حملوا الكراهة في خبر الكتاب على التحريم؛ لشيوع استعمالها فيه في الأخبار، و هو حسن لكن يأبى عنه نفي البأس في خبر عليّ بن يقطين، (6) فالجمع بالكراهة أظهر.

و توقّف العلّامة فيه في المنتهى. (7) و الظاهر تحقّق القران بقراءة ما زاد على سورة و لو آية؛ لعموم قوله (عليه السلام): «و لا بأكثر» في خبر منصور بن حازم. (8)

____________

(1). قواعد الأحكام، ج 1، ص 272.

(2). هو الحديث 21 من هذا الباب من الكافي.

(3). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 69- 70، ح 253؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 50، ح 7312.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 70، ح 257؛ الاستبصار، ج 1، ص 316، ح 1179؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 51، ح 7316.

(5). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 73، ح 268؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 50، ح 7314.

(6). تقدّم آنفاً.

(7). منتهى المطلب، ج 1، ص 276 ط قديم.

(8). هو الحديث 21 من هذا الباب من الكافي.

56

ثمّ القائلون بالتحريم اختلفوا في بطلان الصلاة به، فصرّح به الشيخ في النهاية، (1) و العلّامة في القواعد (2)؛ بناءً على دلالة النهى في العبادات على الفساد، و لكونه فعلًا كثيراً خارجاً عن الصلاة.

و اورد على الأوّل بأنّ النهي إنّما توجّه إلى أمرٍ خارج عن الصلاة؛ لأنّ القراءة الواجبة فيها قد تمّت بالسورة الاولى. و عن الثاني بمنع كونه فعلًا كثيراً، لا سيّما في السور القصار و آية قصيرة.

أقول: على أنّ الفعل الكثير إنّما يبطل الصلاة لو لم يكن دعاءً و لا قرآناً، و كذلك جاز في القنوت و غيره من أحوال الصلاة قراءة الآيات المشتملة على الدعاء و [غير] الدعاء و إن كانا كثيرين و لم يكونا مبطلين، فلِمَ لا يجوز أن يكون حال القراءة أيضاً غير مبطل و إن كان حراماً؟!

و ظاهر الشيخ في المبسوط عدم البطلان بذلك مع تحريمه حيث قال: «قراءة سورة [كاملة] بعد الحمد واجبة، غير أنّه إن قرأ بعض سورة أو قرن بين سورتين بعد الحمد لا يحكم ببطلان الصلاة» (3).

و استثني من ذلك القران بين الضّحى و أ لم نشرح، و بين الفيل و الإيلاف، محتجّين بصحيحة زيد الشحّام، قال: صلّى بنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) الفجر، فقرأ الضحى و أ لم نشرح في ركعة. (4) و خبر المفضّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة، إلّا الضحى و أ لم نشرح، و سورة الفيل و الإيلاف». (5) و ما روى في مجمع البيان عن العيّاشي بإسناده عن المفضل بن صالح، عن أبي

____________

(1). النهاية، ص 75- 76.

(2). قواعد الأحكام، ج 1، ص 272.

(3). المبسوط، ج 1، ص 107.

(4). تهذيب الأحكام، ج 2، ص 72، ح 266؛ الاستبصار، ج 1، ص 317، ح 1182؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 54، ح 7326.

(5). المعتبر، ج 2، ص 188؛ تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 149، و لم ينسب فيهما المفضّل إلى أبيه.