كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام - ج10

- الفاضل الهندي المزيد...
676 /
3

كتاب القضاء

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

«كتاب القضاء» و هو فصل الأمر قولًا أو فعلًا. و في المقاييس: أنّه أصل صحيح يدلّ على إحكام أمرٍ و إتقانه و إنفاذه. و في الشرع: ولاية الحكم شرعاً لمن له أهليّة الفتوى بجزئيّات القوانين الشرعيّة على أشخاص معيّنة يتعلّق بإثبات الحقوق و استيفائها لمستحقّها.

و فيه مقاصد تسعة:

[المقصد الأوّل في التولية و العزل]

الأوّل في التولية و العزل و فيه فصول ثلاثة:

[الفصل الأوّل في التولية]

الأوّل في التولية و إنّما تثبت عندنا بإذن الإمام أو نائبه فإنّ له الرئاسة العامّة، فلا رئاسة لأحد إلّا بإذنه بتوسّط أو لا به، حاضراً كان أو غائباً و لا تثبت بنصب أهل البلد إذ ليس لهم أن يفوّضوا من مناصب الإمام شيئاً إلى أحد.

و عن الصادق (عليه السلام) في خبر سليمان بن خالد: اتّقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما

6

هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبيّ أو وصيّ نبيّ (1).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ (2).

و لكن لو تراضى خصمان بحكم بعض الرعيّة فحكم بينهما جاز عندنا و إن كان الإمام حاضراً و هناك قاضٍ منصوب منه، لقوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ»* (3) الآية، و للدخول في عموم ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لنحو قول الصادق (عليه السلام) لأبي خديجة: إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا فاجعلوه بينكم فإنّي جعلته قاضياً فتحاكموا إليه (4). و قول النبيّ صلى الله عليه و آله: من حكم بين الاثنين فتراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة اللّٰه (5) لدلالته على الجواز مع العدل. و لما حكي من ثبوته في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم (6). و عن بعض العامّة المنع منه (7).

و لزمهما حكمه لنحو قول الصادق (عليه السلام) لعمر بن حنظلة: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم اللّٰه استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّٰه، و هو على حدّ الشرك باللّٰه (8).

و حكمه لازم نافذ في كلّ الأحكام في حقوق الناس و حقوق اللّٰه حتّى

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 7 باب 3 من أبواب صفات القاضي ح 3.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 6 باب 3 من أبواب صفات القاضي ح 2.

(3) المائدة: 47.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 4 باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5.

(5) التلخيص الحبير: ج 4 ص 185، لم يسنده إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.

(6) حكاه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: ج 13 ص 332.

(7) بداية المجتهد 2: 497.

(8) وسائل الشيعة: ج 18 ص 98 باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1.

7

العقوبات للعمومات و إن كان في جواز إقامته لها الإشكال الآتي (1).

و لا يجوز نقض ما حكم به صحيحاً فيما لا ينقض فيه الأحكام و إن لم يرضيا بحكمه بعده خلافاً لبعض العامّة، فاعتبر رضاهما بعد الحكم أيضاً (2). و احتمله بعض الأصحاب (3).

و إنّما يلزم حكمه و لا يجوز نقضه إذا كان بشرائط القاضي المنصوب عن الإمام اتّفاقاً نعم لو رجع أحدهما عن تحكيمه قبل حكمه لم ينفذ حكمه كما إذا أقام المدّعي البيّنة فقال المنكر قبل الحكم: عزلتك.

و في حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء و إن لم يرضيا بحكمه من رأس اتّفاقاً كما يظهر، فإنّه منصوب من الإمام في نحو ما سمعته من الخبرين، بل ظاهرهما العموم لحال الحضور فمن عدل عنه إلى قضاة الجور لا لضرورة كان عاصياً و إن اتّفق أنّه حكم بالحقّ، و كذا إن تعذّر الفقيه الجامع للشرائط و لم يدع ضرورة إلى الرفع إليهم؛ لأنّهم ليسوا أهلًا لذلك. و للأخبار و هي كثيرة، كقول الصادق (عليه السلام) لأبي خديجة: إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور (4). و لأبي بصير: أيّما رجل كان بينه و بين أخ له مماراة في حقٍّ فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه و بينه فأبى إلّا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الّذين قال اللّٰه تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» (5). و عن محمّد بن مسلم قال: مرَّ بي أبو جعفر أو أبو عبد اللّٰه (عليهما السلام) و أنا جالس عند قاضٍ بالمدينة فدخلت عليه من الغد فقال لي: ما مجلس رأيتك فيه أمس؟

____________

(1) انظر ص 59.

(2) الحاوي الكبير: ج 16 ص 326.

(3) انظر مسالك الأفهام: ج 13 ص 333.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 4 باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 3 باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 2.

8

قال: قلت: جعلت فداك إنّ هذا القاضي لي مكرم فربّما جلست إليه، فقال لي: و ما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمّ من في المجلس (1).

و كان ما يأخذه بحكمهم سحتاً، كما في خبر عمر بن حنظلة: سأل الصادق (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟ فقال: من تحاكم إلى الطاغوت فحكم فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّه ثابتاً، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت و قد أمر اللّٰه عزَّ و جلَّ أن يكفر بها (2). و خبر أبي بصير قال له (عليه السلام): قول اللّٰه عزَّ و جلَّ في كتابه: «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ» فقال: يا أبا بصير إنّ اللّٰه عزَّ و جلَّ قد علم أنّ في الامّة حكّاماً يجورون أما أنّه لم يعن حكّام العدل و لكنّه عنى حكّام الجور، يا أبا محمّد إنّه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حاكم أهل العدل فأبى عليك إلّا أن يرافعك إلى حاكم أهل الجور ليقضوا له كان ممّن حاكم إلى الطاغوت و هو قول اللّٰه تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ» (3).

هذا مع الاختيار، و أمّا عند الضرورة كما إذا توقّف أخذ الحقّ على الرفع إليهم فلا بأس به، بل ربّما وجب، إذ لا ضرر و لا حرج في الدين.

و لو تعدّد الفقيه الجامع للشرائط تخيّر المدّعي فإنّه الّذي يرافع و لو ترك ترك لا المنكر في الترافع إلى من شاء إن تساووا في العلم و الزهد.

و لو كان أحدهم أفضل في الفقه تعيّن الترافع إليه حال الغيبة لأنّه أبعد من الخطأ و أقرب من نيابة الإمام، و لقبح ترجيح المرجوح و إن كان المفضول أزهد إذا تساويا في استجماع الشرائط فإنّ العمدة في ذلك العلم مع ورع

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 5 باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 10.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 3 باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 4.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 3 باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 3.

9

يحجز عن الكذب و المسامحة، فإن تساويا في العلم فالأزهد.

و قال الصادق (عليه السلام) في خبر داود بن الحصين: إذا اختلف عدلان ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر (1).

و قال له (عليه السلام) عمر بن حنظلة: في رجلين اختار كلّ واحد منهما رجلًا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما فاختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثنا، قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه، قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل فيردّ حكمه إلى اللّٰه عزَّ و جلَّ و إلى الرسول، قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة اخذ به. قلت: جعلت فداك وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة و الآخر مخالفاً لها بأيّ الخبرين يؤخذ؟ قال: بما يخالف العامّة فإنّ فيه الرشاد. قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً، قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكّامهم و قضاتهم الخبران جميعاً، قال: إذا كان كذلك فارجه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (2).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 80 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 20.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 75 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1.

10

و هل يقدّم الأعلم في غير الفقه مع التساوي فيه؟ إن كان أعلم فيما يتوقّف عليه العلم بمعاني الكتاب و السنّة و يتسبّب لازدياد البصيرة فيها كالعلوم العربيّة، أو فيما له مدخل في المسألة المترافع فيها كأن يتوقّف الحكم فيها على مسألة طبيعيّة أو رياضيّة أو نحوهما فلا شبهة في التقدّم. و بدون ذلك فالظاهر العدم، للأصل، و اختصاص الأخبار بالفقه و الحديث و إن عمّ الفقه لغةً.

أمّا حال ظهور الإمام (عليه السلام) فالأقرب جواز العدول إلى المفضول وفاقاً للمحقّق (1) للأصل، و اجتماع الشروط في المفضول، و الفرق بين زماني الغيبة و الحضور لأنّ خطأه في الحضور ينجبر بنظر الإمام أي يمكنه مراجعة الإمام فيما يشتبه عليه، و ما فيه من الورع يبعثه عليها، فبذلك يضعف احتمال الخطأ في الحكم، بل الغالب أنّه لا يرافع أحد في زمن الحضور إلّا إلى مأذون بخصوصه من قِبله (عليه السلام) في الرفع و الرجوع إليه، و ما لم يثق الإمام به لا يرخّص في الرجوع إليه.

و يحتمل العدم؛ لعموم الأخبار و قيام الاحتمال.

و هكذا حكم التقليد في الفتاوي في حالتي الغيبة و الحضور.

و يستحبّ التولية أي التولّي للقضاء من قِبل الإمام لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطها أي التولية على الأعيان إلّا من وجبت عليه عيناً، لأنّه أمر مرغوب عقلًا و شرعاً.

قال في المبسوط: و عليه إجماع الامّة إلّا أبا قلابة، ثمّ ذكر أنّ خلافه لا يقدح في الإجماع، مع احتمال أنّه امتنع منه لعلمه بعجزه لأنّه كان من أصحاب الحديث و لم يكن فقيهاً (2). و عن ابن مسعود أنّه قال: لأن أجلس يوماً فأقضي بين الناس أحبّ إليَّ من عبادة سنة (3).

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 4 ص 69.

(2) المبسوط: ج 8 ص 82.

(3) عوالي اللآلي: ج 3 ص 515 ح 4.

11

و ما ورد من الأخبار الناهية عنه مخصوص بالاعتبار و النصوص بمن لا يتولّى عن عادل و من يجور فيه أو لا يحسنه، كقوله صلى الله عليه و آله و سلم: من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكّين، قيل: و ما الذبح؟ قال: نار جهنّم (1). و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فمن شدّة ما يلقاه من الحساب يودّ أن لم يكن قاضياً بين اثنين في تمرة (2). و قول الصادق (عليه السلام): إنّ النواويس شكت إلى اللّٰه عزَّ و جلَّ شدّة حرّها فقال لها عزَّ و جلَّ: اسكني فإنّ مواضع القضاة أشدّ حرّاً منك (3).

و يجب تولّيه على الكفاية لعموم ما أوجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و عنه صلى الله عليه و آله و سلم إنّ اللّٰه لا يقدّس امّة ليس فيهم من يأخذ للضعيف. [حقّه من القويّ (4)]. و نحوه في مرسل ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) (5).

و تجب على الإمام تولية القضاة في البلاد لوجوب سياسة العباد عليه، و الحكم بما أنزل اللّٰه، و انتصاف المظلوم من الظالم. و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّه قال لعمر: ثلاث إن حفظتهنّ و عملت بهنّ كفتك ما سواهنّ و إن تركتهنّ لم ينفعك شيء سواهنّ، قال: و ما هنّ يا أبا الحسن؟ قال: إقامة الحدود على القريب و البعيد، و الحكم بكتاب اللّٰه في الرضا و السخط، و القسم بالعدل بين الأحمر و الأسود (6).

فإذا ولّى في صقع قاضياً وجب على أهله الترافع إليه إذا احتاجوا إليه فإن امتنعوا من الترافع إليه حلّ قتالهم طلباً للإجابة فإنّ الامتناع منه مخالفة لأمر الإمام.

و لو تعدّد من هو بالشرائط و تساووا فيها لم يجبر الإمام

____________

(1) عوالي اللآلي: ج 3 ص 516 ح 8.

(2) عوالي اللآلي: ج 3 ص 516 ح 9.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 160 باب 6 من أبواب آداب القاضي ح 4.

(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في المخطوطات، راجع عوالي اللآلي: ج 3 ص 515 ح 5.

(5) وسائل الشيعة: ج 11 ص 395 باب 1 من أبواب الأمر و النهي ح 9.

(6) وسائل الشيعة: ج 18 ص 156 باب 1 من أبواب آداب القاضي ح 2.

12

أحدهم بخصوصه على التولّي على تقدير الامتناع إلّا أن يلزمه الإمام بعينه فيجب عليه الإجابة عيناً و إن ساوى غيره في الشرائط في الظاهر، وفاقاً للخلاف (1) لوجوب إطاعة الإمام، و لعلّ فيه خصوصيّة دعته (عليه السلام) إلى إلزامه بعينه و إن لم يطّلع عليها غيره (عليه السلام).

خلافاً للمبسوط (2) و الشرائع (3) قال: إذ الإمام لا يلزم بما ليس بلازم. و هو ظاهر الوسيلة، لحصره من يجب عليه عيناً فيمن لا يجد الإمام سواه (4). و حاصله: أنّ المسألة مبنيّة على فرض الإلزام مع التساوي و لا يمكن. و هو ممنوع، لما قلنا: من جواز خصوصيّة يتفرّد الإمام (عليه السلام) بمعرفتها.

و على عدم الوجوب هل يستحبّ؟ قال في المبسوط: إمّا له كفاية أو لا، فإن لم يكن استحبّ، لأنّه يطيع اللّٰه في النظر بين الناس، و يكون له رزق يكفيه، و إن لم يَلِه طلب الكفاية من المباح من تجارة و غيرها، و حصول الرزق له في طاعة أولى من حصوله من مباح. و إن كانت له كفاية لم يخل: إمّا أن يكون معروفاً أو خامل الذكر، فإن كان معروفاً يقصده الناس يستفتونه و يتعلّمون منه استحبّ له أن لا يليه؛ لأنّ التدريس و التعليم طاعة و عبادة مع السلامة و الأمن من الغرر، و القضاء و إن كان طاعة فإنّه في غرر، لقوله (عليه السلام): «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكّين» فكانت السلامة أسلم لدينه و أمانته. فأمّا إن كان خامل الذكر لا يعرف علمه و لا يعلم فضله و لا ينتفع الناس بعلمه، فالمستحبّ أن يليه ليدلّ على نفسه و يظهر فضله و ينتفع الناس به (5).

و لو لم يوجد بشرائط القضاء سوى واحد لم يحلّ له الامتناع إذا ولّاه الإمام مطلقاً نصّ له على الإلزام أو لا بل لو لم يعرف الإمام بحاله وجب عليه تعريف حاله ليولّيه لأنّ القضاء من باب الأمر بالمعروف

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 209، المسألة 2.

(2) المبسوط: ج 8 ص 82.

(3) شرائع الإسلام: ج 4 ص 69.

(4) الوسيلة: ص 208.

(5) المبسوط: ج 8 ص 84.

13

الواجب عيناً إذا لم يقم به غيره.

و لا يجوز أن يبذل للظالم مالًا ليليه لأنّه كالرشوة. و يظهر التوقّف من المحقّق (1) إلّا أن يعلم من تعيّن عليه أنّ الظالم لا يولّيه إلّا بالمال فيجوز بذله بل يجب لأنّه مقدمة للواجب، و كذا البذل لئلّا يعزله الظالم أو يعزل منصوب من قِبله لا يصلح له. و هل يجوز أن يبذل العادل لبيت المال شيئاً للتولية أو الأمن من العزل وجهان، أقربهما الجواز.

و لا يجوز قبول الولاية من قِبل الظالم لأنّه ركون إليه و إعانة له على غصب منصب الإمام. و عن الصادق (عليه السلام): ولاية أهل العدل الّذين أمر اللّٰه بولايتهم و توليتهم و قبولها و العمل لهم فرض من اللّٰه تعالى و طاعتهم واجبة، و لا يحلّ لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلّف عن أمرهم، و ولاة الجور و أتباعهم و العاملون لهم في معصية اللّٰه غير جائز لمن دعوه إلى خدمتهم و العمل لهم إجابة دعوتهم و لا القبول منهم (2).

إلّا إذا عرف من نفسه التمكّن من الحكم بالحقّ فيجوز القبول.

و يجب إذا توقّف عليه إقامة الحقّ من باب المقدّمة فيقصد التولّي من قبل الإمام العادل و إن ولّاه الظالم في الظاهر. و من هذا القبيل تولّى يوسف من قبل الملك.

قال المرتضى في مسألة له: فإن قيل: أ ليس بهذه الولاية معظماً للظالم و مُظهِراً فرض طاعته، و هذا وجه قبيح لا محالة، كان غنياً عنه لو لا الولاية. قلنا: إذا كان متغلّب على الدين فلا بدّ لمن هو في بلاده و على الظاهر من جملة رعيّته، من إظهار تعظيمه و تبجيله و الانقياد له على وجه فرض الطاعة، فهذا المتولّي من قِبله لو لم يكن متولّياً لشيء لكان لا بدّ له من التغلّب معه، مع إظهار جميع ما ذكرناه من فنون التعظيم للتقيّة و الخوف، فليس يدخل بالولاية في شيء من ذلك لم يكن يلزمه لو لم يكن والياً،

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 4 ص 69.

(2) دعائم الإسلام: ج 2 ص 527 ح 1876.

14

و يتمكّن بالولاية من أمرٍ بمعروف و نهي عن منكر، فيجب أن يتوصّل بها إلى ذلك.

قال: فإن قيل: أ رأيتم لو غلب على ظنّه أنّه كما يتمكّن بالولاية من أمر ببعض المعروف و نهي عن بعض المنكر فإنّه يلزم على هذه الولاية أفعالًا منكرة قبيحة لو لا هذه الولاية لم تلزمه. قلنا: إذا كان لا يجد عن هذه الأفعال القبيحة محيصاً و لا بدّ أن تكون الولاية سبباً لذلك، و لو لم يتولّ لم يلزمه أن يفعل هذه الأفعال القبيحة، فإنّ الولاية حينئذٍ تكون قبيحة، لا يجوز أن يدخل فيها مختاراً (1) انتهى.

و ما ذكره من عدم الجواز حينئذٍ لا يصحّ على إطلاقه، فإنّ كثيراً من المنكرات يجوز ارتكابها أو يجب للأمر ببعض المعروفات أو النهي عن بعض المنكرات.

فإن لم يعلم من يولّيه الظالم من نفسه التمكّن من الحكم بالحقّ لم يحلّ له القبول إلّا مع الإلزام فيجوز تقيّةً إذا خاف على النفس أو المال أو الأهل من نفسه أو من المؤمنين. و اقتصر السيّد على الخوف على النفس (2). و عليه بعد التولّي التحرّز من المظالم و الاجتهاد في الحكم بالحقّ ما أمكنه، فإذا اضطرّ في واقعة إلى الحكم بالباطل حكم به تقيّةً إلّا أن يكون الحكم في قتل من لا يحلّ قتله فيحرم مطلقاً إذ لا تقيّة في الدماء اتّفاقاً.

و لو تعيّن عليه القضاء بأن لم يكن من يصلح له سواه و خاف على نفسه الخيانة إن تولّاه لم يسقط عنه، بل وجب عليه الطلب و ترك الخيانة لتمكّنه منهما.

فإن وجد من هو أصلح منه حرم عليه الطلب لسقوط وجوب الطلب بوجود من فيه الكفاية، و وجوب دفع الخوف.

و للقاضي من قِبل الإمام العادل الاستخلاف مع الإذن صريحاً أو فحوىً أو بشاهد الحال كأن تكون ولايته متّسعةً لا ينضبط بالواحد فيجوز له الاستخلاف فيما أذن له صريحاً أو فحوىً أو شهدت الحال به لا مطلقاً.

____________

(1) مسألة في العمل مع السلطان (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 93.

(2) مسألة في العمل مع السلطان (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 94.

15

و لو منعه عن الاستخلاف حرم اتّفاقاً و كذا لو أطلق فإنّ القضاء من مناصب الإمام لا يجوز لغيره التصرّف فيه إلّا بإذنه. و قد يحتمل الجواز مع الإطلاق؛ لأنّه فوّض إليه النظر في المصالح العامّة، فله الاستخلاف كالإمام، و لأنّه حيث ولّاه وثق بنظره. و ضعفهما ظاهر.

و تثبت الولاية بالاستفاضة كما يثبت بها النسب و الملك المطلق و الموت و النكاح و الوقف و العتق و الرقّ و الولاء، و إنّما خصّت لكثرة الاستفاضة فيها و عسر إقامة البيّنة عليها غالباً. و هل يشترط العلم أو متاخمه أو يكفي غلبة الظنّ؟ أوجه، و يؤيّد الأخير قول الصادق (عليه السلام) في خبر يونس عن بعض رجاله: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و الذبائح و الشهادات و الأنساب (1).

و في المبسوط ذكر الخلاف في ثبوت الولاية و النسب و الموت و الملك المطلق بالاستفاضة، و قال: و الّذي أقوله: إنّ الاستفاضة إن بلغت إلى حدّ يوجب العلم فإنّه تثبت الولاية بها، و إن لم تبلغ ذلك لم تثبت. ثمّ ذكر النكاح و الوقف و العتق و قال: فالكلّ على هذين الوجهين: قال قوم: يثبت بالاستفاضة، و قال آخرون: لا يثبت. و يقوى في نفسي في هذه المسائل أنّها تثبت بالاستفاضة، و عليه يدلّ أخبارنا (2).

و لو لم يستفض الولاية سيّر الإمام معه شاهدين عدلين على الولاية.

و ربّما قيل بالمنع، لأنّ الحجّة إنّما يقام عند حاكم و الحاكم المعزول قد ارتفع حكمه بنصب الحاكم الجديد أو وصول خبره. و دفع بجواز اشتراط عزله بثبوت ولاية الثاني عنده، و بجواز ثبوته عند حاكم غير معزول قريب من محلّ الولاية.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 212 ب 22 من أبواب كيفيّة الحكم ح 1.

(2) المبسوط: ج 8 ص 86.

16

و لا يجب قبول قوله مع عدم البيّنة حينئذٍ لم يستفض و إن شهدت له الأمارات الظنّية من مكتوب و نحوه.

و التحكيم سائغ و إن كان في البلد قاض بل الإمام (عليه السلام) كما عرفت، و حكمه عليهما جارٍ فيما حكّماه فيه.

و هل له الحبس و استيفاء العقوبة؟ إشكال: من عموم أدلّة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أدلّة التحكيم الناهية عن الردّ على من له أهليّته، و إفضاء تعطيلها إلى الفساد، و قول الصادق (عليه السلام) لحفص بن غياث: إقامة الحدود إلى من إليه الحكم (1). و هو خيرة السيّد (2) و الشيخ في التبيان (3) و جماعة. و من الاحتياط في الدماء و عصمتها، و اشتراك الحدود بين حقّ اللّٰه و حقّ الناس، و التحكيم إنّما هو في حقوق الناس. و هو قول الشيخ في النهاية (4) و الاقتصاد (5) و سلّار (6) و جماعة.

و لا ينفذ حكمه على غير المتراضيين حتّى لا يضرب دية الخطأ على عاقلة الراضي بحكمه.

و يجوز للإمام و من له نصب القاضي أن يولّيه عموم النظر في خصوص العمل أي في بعض البلاد بأن يقلّده جميع الأحكام في بلد بعينه فينفذ حكمه مطلقاً في أهله و من يأتي إليه من غيرهم.

و أن يقلّده خصوص النظر في عموم العمل مثل أن يقول: جعلت إليك الحكم في المداينات خاصّةً في جميع ولايتي، فلا ينفذ حكمه في غيرها.

و لو قال الإمام (عليه السلام): من نظر في الحكم بين فلان و فلان فقد ولّيته ففي انعقاد الولاية فيه بذلك نظر: من التعليق و الإبهام الشامل لمن لا

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 338 ب 28 من أبواب مقدّمات الحدود ح 1.

(2) مسألة في العمل مع السلطان (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثانية): ص 93.

(3) التبيان: ج 2 ص 549 و 566.

(4) النهاية: ج 2 ص 16.

(5) الاقتصاد: ص 150.

(6) المراسم: ص 260.

17

يصلح للتولية، مع أنّ التولية توكيل يشترط فيه التنجيز و التعيين. و من أنّها إذن في القضاء و هو يتضمّنه، و الإطلاق منصرف إلى من يصلح له، و اشتراط التعيين ممنوع. و نحوه الكلام إذا علّق التولية العامّة بمثل ذلك و أبهم.

و الألفاظ الّتي ينعقد بها الولاية سبعة أنواع: ما يؤدّي التولية نحو ولّيتك الحكمُ ما يؤدّي التقليد نحو قلّدتك الحكم و ما يفيد الاستنابة نحو استنبتك فيه و ما يفيد الاستخلاف نحو استخلفتك و ما يفيد ردّ الحكم إليه نحو رددت إليك الحكم و ما يفيد التفويض نحو فوّضت إليك و ما يفيد جعله إليه نحو جعلت إليك الحكم. و نحو أذنت لك في الحكم، أو أوجبته عليك، أو جعلتك قاضياً أو حاكماً، أو رخّصت لك، يدخل فيما ذكر.

[الفصل الثاني في صفات القاضي]

الفصل الثاني في صفات القاضي و يشترط فيه البلوغ و العقل و الذكورة و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و العلم اتّفاقاً.

فلا ينفذ قضاء الصبيّ و إن كان مراهقاً، و لا المجنون مطبقاً أو دوريّاً، فإنّهما لا يصلحان للولاية على أنفسهما، فأولى أن لا يصلحا لها على الناس.

و لا الكافر و لا الفاسق و هو يعمّ غير المؤمن من فرق الإسلام؛ لعدم الثقة و الصلاحية للإمامة في الصلاة و للشهادة، فالقضاء أولى، و الأخبار الآمرة بالتقاضي إلى رجل منكم يخرج غير المؤمن، و نفي السبيل للكافر على المسلم يخرج الكافر. و من العامّة من جوّز تولية الكافر على أهل ملّته أو نحلته (1).

و لا المرأة و إن جمعت باقي الشرائط لما في الأخبار من نقصان عقلها

____________

(1) الحاوي الكبير: ج 16 ص 157.

18

و دينها و قيام اثنتين منهنّ مقام رجل في الشهادة غالباً، و عدم صلاحيتها للإمامة في الصلاة للرجال، و قول الباقر (عليه السلام) في خبر جابر: و لا تولّى المرأة القضاء و لا تولّى الأمارة (1). و أجاز أبو حنيفة توليتها فيما يقبل فيه شهادتها. و ابن جرير مطلقاً (2).

و لا ولد الزنا أمّا على القول بكفره فلما مرَّ، و على الآخر لبُعده عن الإمامة في الصلاة و قبول الشهادة، فعن الولاية أولى.

و لا الجاهل بالأحكام نظراً [و تقليداً (3)].

و لا المقلّد غير المستقلّ بشرائط الفتوى للأمر في الأخبار بالتحاكم إلى من عرف الأحكام و نظر في الحلال و الحرام. و نحو «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ»* (4). «وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (5). و قول الباقر (عليه السلام) في صحيح أبي عبيدة: من أفتى الناس بغير علم و لا هدىً من اللّٰه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه (6). و نحو قول الصادق (عليه السلام) في مرفوع البرقي: القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنّة، رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم [أنّه قضى بالجور (7)] فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة (8). و في خبر سليمان بن خالد: اتّقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبيّ أو وصيّ نبيٍّ (9). و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمّار لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً لا

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 14 ص 161 باب 123 من أبواب مقدّمات النكاح ح 1.

(2) الحاوي الكبير: ج 16 ص 156.

(3) لم ترد في ق.

(4) البقرة: 169.

(5) الإسراء: 36.

(6) وسائل الشيعة: ج 18 ص 9 ب 4 من أبواب صفات القاضي ح 1.

(7) لم يرد في ن و المصدر.

(8) وسائل الشيعة: ج 18 ص 11 ب 4 من أبواب صفات القاضي ح 6.

(9) وسائل الشيعة: ج 18 ص 7 ب 3 من أبواب صفات القاضي ح 3.

19

يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ (1).

و لا يكتفي عندنا بفتوى العلماء و تقليدهم فيها بل لا بدّ من اجتهاده فيما يقضي به. خلافاً لبعض العامّة (2).

و يجب أن يكون عالماً بالفعل أو بالقوّة القريبة منه بجميع ما وليه بالاجتهاد دون التقليد فلا يكفي علمه ببعضه إذا لم يتمكّن من الاجتهاد في الباقي، لعين ما تقدّم، و نحو قول الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن حنظلة: «و عرف أحكامنا» بالجمع المضاف إلى المعرفة.

نعم إن تجزّأت التولية كفى التمكّن من الاجتهاد فيما وليه دون غيره إن اعتبرنا التجزّي في الاجتهاد، و هو ظاهر هذا الكلام و صريحه في التهذيب (3) و التحرير (4). و ربّما يؤيّده قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي خديجة: و لكن انظر إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً (5) فكأنّه يعني: فاجعلوه بينكم فيما يعلمه فإنّي قد جعلته قاضياً في ذلك. و من لم ير التجزّء فيه كأنّه ينزّله على العلم بالفعل، أو على أنّ الناس كلّهم إنّما يعلمون من قضائهم (عليهم السلام) شيئاً، أو ينزّل التنكير على التكثير.

و أمّا حسن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) قال: لمّا ولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) شريحاً القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتّى يعرض عليه (6). فإنّما يدلّ على جواز تقليد القاضي إذا لم يكن توليته (عليه السلام) له عن تقيّةٍ، مع أنّ هذا الشرط يخرجه عن الولاية فهو من لطائف حيله (عليه السلام) في الجمع بين استرضاء الخالق و الخلق.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 6 ب 3 من أبواب صفات القاضي ح 2.

(2) الحاوي الكبير: ج 16 ص 159.

(3) تهذيب الوصول: ص 283.

(4) تحرير الأحكام: ج 5 ص 111.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 4 ب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5.

(6) وسائل الشيعة: ج 18 ص 6 ب 3 من أبواب صفات القاضي ح 1.

20

و يجب أن يكون ضابطاً غير نُساءٍ ليكون على ذكر من الأحكام و الأخبار و من قضاياه و ما ثبت لديه. و يوافق الكتاب في اشتراطه الإرشاد (1) و التبصرة (2) و التلخيص (3) و الدروس (4). و يخالفه التحرير (5) و ظاهر غيره، و هو الظاهر، فإنّ علمه و عدالته يمنعانه من الحكم إلّا بعد تذكّر المنسيّ.

و يجب أن يكون محافظاً على فعل الواجبات أميناً وهما داخلان في العدالة، كما نصّ عليه في النافع (6). و إن أراد بهما الزيادة على ما يعتبر في العدالة لم يكن على اشتراطهما دليل.

و على اشتراط الضبط لو غلب عليه النسيان أو ساوى ذكره لم يجز توليته و إن طرأه بعدها انعزل.

و في اشتراط علمه بالكتابة إشكال: من انتفائه في النبيّ صلى الله عليه و آله ففيه أولى. و كلّ من الانتفاء و الأولويّة ممنوع.

أمّا الأوّل فلأنّه صلى الله عليه و آله إنّما كان فاقداً لها قبل البعثة، و يؤيّده ما في العلل من خبر جعفر بن محمّد الصوفي أنّه سأل الرضا (عليه السلام) لِم سمّى النبيّ صلى الله عليه و آله الامّيّ؟ فقال: ما تقول الناس؟ قال: يزعمون أنّه إنّما سمّي الامّيّ لأنّه لم يحسن أن يكتب، فقال (عليه السلام): كذبوا عليهم لعنة اللّٰه، أنّى ذلك و اللّٰه يقول في محكم كتابه: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ» فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟! و اللّٰه لقد كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يقرأ و يكتب باثنين و سبعين أو قال: بثلاثة و سعبين لساناً و إنّما سمّي الامّيّ لأنّه كان من أهل مكّة، و مكّة من امّهات القرىٰ و ذلك قول اللّٰه عزَّ و جلَّ: «لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرىٰ وَ مَنْ حَوْلَهٰا»* (7). و مرفوع

____________

(1) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 138.

(2) تبصرة المتعلّمين: ص 186.

(3) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهيّة): ج 33 ص 353.

(4) الدروس الشرعيّة: ج 2 ص 65.

(5) لم نجده صريحاً، راجع تحرير الأحكام: ج 5 ص 110.

(6) المختصر النافع: ص 271.

(7) علل الشرائع: ص 124 باب 105 ح 1.

21

عليّ بن حسّان و عليّ بن أسباط و غيره عن الباقر (عليه السلام) قال له (عليه السلام): إنّ الناس يزعمون أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لم يكتب و لم يقرأ، فقال: كذبوا لعنهم اللّٰه أنّ يكون ذلك؟ و قد قال اللّٰه عزَّ و جلَّ: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ» فكيف يعلّمهم الكتاب و الحكمة و ليس يحسن أن يقرأ أو يكتب؟! قال: فلِم سمّي النبيّ الامّيّ؟ قال: نسب إلى مكّة و ذلك قول اللّٰه عزَّ و جلَّ: «لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرىٰ وَ مَنْ حَوْلَهٰا»* فامّ القرى مكّة، و فقيل امّيّ لذلك (1).

و أمّا الثاني فلاختصاصه صلى الله عليه و آله و سلم بالعصمة و الوحي المغنيين عن الكتابة، و من اضطرار القاضي إلى ضبط امور لا ينضبط لغير النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إلّا بالكتابة.

و كذا في اشتراط البصر إشكال: من افتقاره إلى التمييز بين الخصوم و لا يتيسّر غالباً بدونه، و نفوذ شهادته في كلّ شيء مع أنّها لا ينفذ من الأعمى غالباً. و من الأصل و إمكان التمييز و لو ببيّنة، و عمىٰ شعيب و يعقوب (عليهما السلام). و هو بعد التسليم لا يجدي، لنبوّتهما.

و الأقرب اشتراطها وفاقاً للشيخ (2) و ابني سعيد (3).

و الأقرب اشتراط الحرّيّة وفاقاً للشيخ (4) لأنّ العبد مقهور مأمور لا يصلح للولاية. خلافاً للمحقّق (5) للعموم، و الأصل.

و الأقرب اشتراط السلامة من الخرس إذ لا طريق إلى معرفة حكم الأخرس إلّا بالإشارة، و هي إنّما يورث الظنّ فلا يجوز الشهادة بحكمه، إذ لا شهادة إلّا عن علم، فيؤدّي إلى جهل المتخاصمين بالحكم غالباً. و يحتمل العدم للأصل و العموم و إمكان الكتابة و فهم الإشارة.

و لا يشترط السلامة من الصمم فإنّه لعلمه و عدالته لا يحكم إلّا إذا علم بالحال، مع الأصل و العموم. و في الإيضاح لو امتنع سماعه لم يصحّ توليته

____________

(1) علل الشرائع: ص 125 باب 105 ح 2.

(2) المبسوط: ج 8 ص 101.

(3) الجامع للشرائع: ص 522، شرائع الإسلام: ج 4 ص 68.

(4) المبسوط: ج 8 ص 101.

(5) شرائع الإسلام: ج 4 ص 68.

22

إجماعاً، لامتناع سماع البيّنات و الإقرارات و الأيمان (1).

و لو تعذّرت الشرائط و غلب على الولايات متغلّبون فسقة لم ينفذ حكم من ولّاه صاحب الشوكة و إن وافق الحقّ.

و يجوز تعدّد القضاة في بلد واحد سواء شرّك الإمام القضاء بينهم بأن جعل كلًّا منهما كذا بخطّه (رحمه الله) و لا بأس به مستقلًّا في تمام البلد في جميع الأحكام، فيجوز لأهله الترافع إلى أيّهم أرادوا، توافقوا في الحكم أو لا أو فوّض إلى كلٍّ منهم محلّةً و طرفاً من البلد أو الأحكام، لوجود المقتضي و انتفاء المانع، و لعموم الأدلّة، و اجتماع المجتهدين الصالحين للقضاء في أكثر الأعصار في بلدٍ واحدٍ، مع أنّهم قضاة في زمن الغيبة بنصّ الإمام (عليه السلام)، و لأنّه نيابة عن الإمام فيتبع اختيار المنوب كالوكيلين و الوصيّين.

و قد احتمل المنع من التشريك كما في الولاية العظمى الّتي للإمام (عليه السلام)، و لوقوع التنازع بين الخصوم. و يندفع بتقديم اختيار المدّعي.

و لو شرط عليهما اتّفاقَهما في حكم أي في نوع من الأحكام أو صنف أو في كلّ حكم فالأقرب الجواز للأصل، و العموم، و كونه في معنى تخصيص ولايتهما بما يتّفقان عليه فيكون أوثق، و غايته وقوف الحكم عند اختلافهما. و يحتمل العدم، لأنّهما إن صلحا للقضاء فلا معنى لاشتراط اتّفاقهما مع ظهور اختلاف الاجتهاد كثيراً، و إلّا فلا معنى لتوليتهما، و لاستلزامه تعطّل كثير من الأحكام لعدم اتّفاقهما.

و إذا استقلّ كلّ منهما في جميع البلد تخيّر المدّعي لا المدّعى عليه في المرافعة إلى أيّهما شاء توافقا في الحكم أم تخالفا.

و لو اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط ففي الجواز

____________

(1) إيضاح الفوائد: ج 4 ص 299.

23

مراعاةً للمصلحة نظر: من انتفاء الشرط، و من المصلحة و تولية شريح. و الأقرب المنع كما في التحرير، قال: و تولية عليّ (عليه السلام) لمن لا يرتضيه ليس بحجّة لأنّه كان يشاركه فيما ينفذه فيكون هو (عليه السلام) الحاكم في تلك الواقعة بالحقيقة (1).

و كلّ من لا تقبل شهادته لا ينفذ حكمه على من لا تقبل شهادته عليه كالولد على والده، و العبد على سيّده، و العدوّ على عدوّه لأنّ الحكم شهادة و زيادة. و خصّ بعضهم المنع بقاضي التحكيم (2).

و في التحرير: و لو تولّى وصيّ اليتيم القضاء فهل يقضي له؟ فيه نظر، ينشأ: من كونه خصماً في حقّه كما في حقّ نفسه، و من أنّ كلّ قاضٍ فهو وليّ الأيتام (3).

و يحكم الأب لولده و عليه، و كذا الأخ لأخيه و عليه، كما يجوز الشهادة.

و لا يجوز أن يكون الحاكم أحد المتنازعين، بل يجب أن يكون غيرهما و إلّا لم يكن حكم و لا نزاع.

و إذا ولّى القضاء من لا يتعيّن عليه فالأفضل ترك الرزق له أي للقضاء أو القاضي من بيت المال إن كان ذا كفاية توفيراً على سائر المصالح و يسوغ له الارتزاق منه على القضاء لأنّه من المصالح المهمّة للمسلمين، و بيت المال معدّ لها، مع أنّه لم يتعيّن عليه.

و كذا يجوز له الارتزاق منه إذا تعيّن عليه و لم يكن ذا كفاية لجوازه لغيره ممّن لا كفاية له فله أولى.

و لو كان ذا كفاية لم يجز له الأخذ منه عليه لأنّه يؤدّي بالقضاء واجباً و لا اجرة على الواجب. و أجازه الشيخان (4) لأنّه من المصالح المهمّة، و منع أن لا اجرة على الواجب مطلقاً، و إلّا لم يؤجر المجاهدون.

و لو أخذ الجُعل من المتحاكمين، فإن لم يتعيّن للحكم و حصلت

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 5 ص 117.

(2) لم نقف عليه.

(3) تحرير الأحكام: ج 5 ص 117.

(4) المبسوط: ج 8 ص 84، المقنعة: ص 588.

24

الضرورة بأن لم يكن له كفاية و لا كان بيت مال يرتزق منه قيل: جاز (1) لأنّه بعدم التعيّن عليه كالمباح، و لأنّه إذا تعدّد القاضي و اشتركوا في الضرورة فإن لم يجز لهم الأخذ لزم تعطّل الأحكام إن امتنعوا من الحكم و اشتغلوا بالكسب لمعاشهم، و إن اشتغلوا بالقضاء أو بعضهم عن التكسّب لزم الضرر أو التكليف بما لا يطاق. و لو تمّ هذا الدليل جاز الأخذ مع التعيّن بطريق الأولى، إذ مع التعدّد ربّما أمكن الجمع بين القضاء و التكسّب، و لذا أجازه الشافعي مطلقاً (2).

و الأقرب المنع لعموم الأخبار الناهية عن أخذ الرشا و الهدايا، و للاحتياط و للإجماع، كذا في الخلاف (3). و في المبسوط: عندنا لا يجوز بحال (4) و لأنّه واجب عيناً أو كفايةً و لا اجرة على الواجب، و لأنّه عمل لنفسه لا للمتحاكمين. و على الجواز فالظاهر جواز التشريك و التخصيص بأيّهما شاء محقّاً كان أو مبطلًا. و يحتمل الاختصاص بالمحقّ، و المنشأ احتمال التبعيّة للعمل، و للنفع.

و إن تعيّن للقضاء أو كان مكتفياً بماله فعلًا أو قوّةً أو بما يرزق من بيت المال لم يجز له أخذ الجعل قولًا واحداً.

أمّا الشاهد فلا يحلّ له الأجر على الإقامة و لا التحمّل و إن لم يتعيّن عليه، للوجوب، و للنهي عن تركها في الكتاب و السنّة كقوله تعالى: «وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (5) و قوله: «وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا» (6) و نحوهما من الأخبار، و الأمر بالإقامة للّٰه في قوله: «وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ» (7) و لردّ شهادة الأجير في أخبار، كقول الصادق (عليه السلام) في خبر العلاء بن سيابة: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يجيز شهادة الأجير (8).

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 4 ص 69.

(2) الحاوي الكبير: ج 16 ص 292.

(3) الخلاف: ج 6 ص 233، المسألة 31.

(4) المبسوط: ج 8 ص 85.

(5) البقرة: 283.

(6) البقرة: 282.

(7) الطلاق: 2.

(8) وسائل الشيعة: ج 18 ص 274 ب 29 من أبواب الشهادات ح 2.

25

و يجوز للمؤذّن و القاسم و كاتب القاضي و مترجمه و الكيّال و الوزّان لبيت المال و معلّم القرآن و الآداب و صاحب الديوان للقاضي و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال، لأنّ بيت المال معدّ للمصالح و ذلك كلّه من المصالح و إن لم يجز لبعضهم أخذ الاجرة كما في المستأجر.

[خاتمة]

خاتمة:

شرائط الاجتهاد المبيحة للقضاء و الإفتاء الكائنة في العلم و يمكن التعلّق بالإفتاء معرفة تسعة أشياء: الكتاب و السنّة و الإجماع و الخلاف أي معرفة أنّ المسألة مجمع عليه أو مختلف فيها لئلّا يقضي أو يفتي بخلاف الإجماع و أدلّة العقل الّتي هي حجج شرعيّة عندنا من الاستصحاب و منه البراءة الأصليّة و غيرهما كالإباحة الأصليّة، و التأسّي، و الدوران إن اعتمد عليه، و الاحتياط، و التحرّز عن الدور، و القياس مع الاشتراك في العلّة المنصوصة، و مفهومي الموافقة و المخالفة، و نحو ذلك و لسان العرب و هو العمدة في معرفة الكتاب و السنّة و اصول العقائد بالبراهين العقليّة فيما يتمّ عليه، و إلّا فبالسمع كالمعاد و ما يتعلّق به و اصول الفقه و هي طرق الاستدلال بالكتاب و السنّة و الإجماع و أدلّة العقل و شرائط البرهان الّتي يتضمّنها المنطق.

أمّا الكتاب فيحتاج معرفته إلى معرفة عشرة أشياء: العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد و المحكم و المتشابه و المجمل و المبيّن و يدخل فيها الظاهر و المؤوّل. و كلّ منها في الأمر و النهي و غيرهما، و تشتمل الكلّ قضيّة الألفاظ و كيفيّة الدلالات و الناسخ و المنسوخ كلّ ذلك في الآيات المتعلّقة بالأحكام، و هي نحو خمسمائة آية. و لا يلزمه معرفة جميع آيات القرآن العزيز و الاجتهاد في مضامينها و لا حفظ تلك الخمسمائة آية، بل استحضارها متى شاء و لو بالرجوع إلى أصل يتضمّنها.

26

و أمّا السنّة فيحتاج معرفتها إلى معرفة ما يتعلّق منها بالأحكام الشرعيّة دون غيرها و يكفي في معرفتها الرجوع إلى اصول يتضمّنها متى شاء و يعرف فيها مع ما مرّ في الكتاب المتواتر و الآحاد و المسند و المتّصل إلى المعصوم و المنقطع عنه و المرسل، و يعرف الرواة و أحوالهم من الثقة و عدمها.

و أمّا الإجماع و الخلاف يحتاج معرفتهما إلى أن يعرف طريق ثبوته و شرط الاستدلال به، و مسائل الإجماع و الخلاف و لو بالتمكّن من الرجوع إلى اصول يعرفه في كلّ مسألة يريد الحكم فيها أنّها ممّا اجمع فيها على حكم أو اختلف فيها.

و أمّا أدلّة العقل فيحتاج معرفتها إلى معرفة مسائلَ أدلّة العقل أي يميّز المسائل الّتي يمكن الاستدلال فيها بها من غيرها، و هو يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال بها. و يجوز أن يريد التكرير لما تقدّم و التنبيه على أنّ معرفة أدلّة العقل ليست إلّا معرفتها.

و لا بدّ من أن يعرف تعارض الأدلّة المذكورة كلّها من الكتاب و السنّة و الإجماع و أدلّة العقل، كلّ منها مع مجانسه كالكتاب مع الكتاب و هكذا، أو مع مخالفه كالكتاب مع السنّة و هكذا.

و التراجيح بالوجوه المقرّرة في الاصول، المدلولة عليها بالأخبار، أي يعرف مواضع التعارض و قضيّته من التوقّف أو التخيّر و عدمه، و قضيّته من العمل بالراجح. و يمكن تعميم التعارض لما بالحقيقة و ما بالظاهر و إن كان يزول عند النظر في وجوه الترجيح.

و لا بدّ من أن يعرف من لسان العرب و العلوم الّتي يتوقّف عليها معرفته من علم متن اللغة و النحو و التصريف و موارد الاستعمال و الحقيقة و المجاز و الكناية و ما بينها من التراجيح، و لعلّه أدخلها في اللغة ما يتعلّق بالقرآن المحتاج إليه في الأحكام، و هي ما مرَّ من نحو خمسمائة آية و السنّة المفتقرة إليها فيها، فلا يلزمه الزيادة على ذلك، و لا يضرّ الافتقار في

27

كثير من دقائق ذلك إلى الرجوع إلى الكتب المعدّة في العلوم المذكورة، و لكن لا بدّ من تتبّع الكتب بحيث يحصل العلم العادي أو الظنّ بأحد ما تردّد فيه، و لا يقتصر على كتاب أو كتابين كما ترى كثيراً من الفقهاء يقتصرون في المسألة اللغويّة على نحو الصحاح وحده، و النحويّة على نحو المفصّل أو كتاب سيبويه. و لا بدّ مع ذلك من التمهّر و الاقتدار الكامل و الملكة القويّة الّتي لا يحتاج في أكثرها إلى الكتب، و إلّا لم يعتمد على فهمه و أخطأ كثيراً. و من كان كذلك علم من القرآن و السنّة ما يحتاج إليه و ما لا يحتاج إليه إلّا نادراً.

و يشترط مع ذلك أن يكون ذا قوّة يتمكّن بها من استخراج الفروع من الاصول أي الجزئيّات من الكلّيّات المدلول عليها بالنصّ أو الإجماع أو بدليل من أدلّة العقل.

و لا يكفيه حفظ ذلك المتقدّم من التسعة الأشياء كلّه من دون قوّة الاستخراج. و لا يشترط معرفة المسائل الّتي فرّعها الفقهاء من الاصول، و لكن يحسن تتبّعها لتقوية ملكة التفريع.

و في تجزّي الاجتهاد بأن يقدر على معرفة بعض المسائل عن دليلها التفصيلي بمعرفة مداركها دون بعض إشكال من الشكّ في أنّه هل يمكن لمن لم يحصِّل المعرفة التامّة الكافية في جميع المسائل من تحصيلها في بعضها؟ الأقرب جوازه لجواز أن لا يعرف من اللغة أو الصرف أو النحو أو من موارد الاستعمال أو من أدلّة العقل إلّا ما يتعلّق بمسألة أو مسائلَ، كأن يكون آية أو خبر تضمّن حكماً بالمنطوق و آخر بالمفهوم فعرف الكلمات الّتي في النصّ و موارد استعمالاتها، و من أدلّة العقل مفهوم الموافقة أو المخالفة، و علم أن لا إجماع في المسألة، و لا يعرف سائر أدلّة العقل، و لا يعرف من سائر النصوص ألفاظها أو تراكيبها أو موارد استعمالاتها بحيث لا يتمكّن من الرجوع إلى الاصول الموضوعة لذلك، أو يتوقّف استخراج بعض المسائل من اصولها إلى قوّة قريحة لا يتوقّف عليها غيرها، و الأمر كذلك في هذا و في معرفة التراكيب و موارد الاستعمالات. و أمّا في

28

معرفة اللغة أو الصرف أو أدلّة العقل فكأنّه ليس كذلك، فإنّ في اللغة و الصرف اصولًا يتمكّن من الرجوع إليها فيما لا يعرفه منهما، و ما لم يعرف أدلّة العقل كلّها احتمل أن يكون من أدلّته ما يعارض ما عرفه في المسألة من نصّ أو دليلٍ عقلي.

و أمّا التوقّف في بعض المسائل لتعارض الأدلّة عنده أو عدم الاجتهاد فيها فليس من التجزّي في شيء.

[الفصل الثالث في العزل]

الفصل الثالث في العزل و لا ينعزل القاضي إلّا بأمرين:

الأوّل: تجدّد ما يمنع القضاء ممّا ينفي شرطاً من شروطه كفسق أو جنون أو إغماء مستوعب أو عمى إن اشترط البصر أو نسيان غالب، و أمّا الإغماء السريع الزوال أو النسيان النادر فكالنوم.

و لو جنّ ثمّ أفاق أو فسق ثمّ تاب ففي عود ولايته ضعف لأنّ تجدّد المانع أبطل حكم النصب فلا يعود إلّا بنصبٍ جديد. و يحتمل العود بناءً على أنّه إنّما منع من ترتّب الأثر على النصب فإذا زال أثّر أثره، لوجود الموجب و انتفاء المانع، كالنوم و الغفلة و الإغماء السريع الزوال، لاشتراك الجميع في المنع من القضاء حالتها، و سواء في انعزال القاضي. يتجدّد المانع عزله الإمام أو لا، و سواء إذا عزله أشهد على عزله أو لا بلغه الخبر أم لا.

و لو حكم مع الانعزال بالمانع لم ينفذ حكمه.

الثاني: سقوط ولاية الأصل الّذي نصبه فلو تجدّد فسق المنوب أو جنونه أو عزله أو موته انعزل النائب عنه، سواء عزله الإمام أو لا لأنّه فرعه كالوكيل.

و قيل لا ينعزل بذلك (1) لأنّ النائب عنه كالنائب عن الإمام بلا

____________

(1) حكاه الشيخ في المبسوط: ج 8 ص 127.

29

واسطة إذ الاستنابة مشروطة بإذن الإمام صريحاً أو فحوىً أو بشهادة الحال كاتّساع الصقع الّذي ولّاه فيه.

و فيه نظر: من أنّ الإذن في الاستنابة ليس من الاستنابة في شيء و لا سيّما غير الصريح، و لا يدلّ عليها بشيء من الدلالات، و لأنّه لو كان النائب عنه كالنائب عن الأصل لما انعزل بعزله. و من أنّ القضاء إنّما هو منصب إمام الأصل، و القضاة كلّهم إنّما هم نوّابه و إن استنابهم في الظاهر نوّابه.

و ربّما فصّل بأنّه إن أذن له الإمام في الاستخلاف (1) عن نفسه انعزل، و إن أذن في الاستخلاف عن الإمام لم ينعزل [و كذا إن لم يأذن (2)]، و إن أطلق فالوجهان. و الظاهر أنّ الإذن بشاهد الحال إذن في الاستخلاف عن نفسه.

و لو مات إمام الأصل فالأقرب انعزال القضاة كما في المبسوط (3) و السرائر (4) و الشرائع (5) و الجامع (6) لأنّهم نوّابه و فروع له في الولاية.

و يحتمل العدم، لثبوت ولايتهم شرعاً فيستصحب، و لأنّ من يصلح لنيابة إمام يصلح لنيابة غيره و المصلحة في نظرهم (عليهم السلام) واحدة، و لذا نفذ أحكام الفقهاء في هذه الأزمنة مع عدم ورود خبر عن إمام الزمان بتوليتهم و إنّما ورد عمّن قبله.

و الكلّ مندفع، لأنّ الولاية ثابتة و لكن بالنيابة و الفرعيّة، و لا يكفي الصلاحية و وجود المصلحة، و قضاء الفقهاء لعلّه بالإجماع و الأخبار مؤيّدة [على أنّ الصدوق روى في إكمال الدين و إتمام النعمة عن محمّد بن عصام عن محمّد بن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب عن الناحية المقدّسة: و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّٰه عليهم (7). و رواه

____________

(1) العبارة في ل هكذا: إن لم يأذن له الإمام في الاستخلاف أو أذن له في الاستخلاف.

(2) لم يرد في المطبوع.

(3) المبسوط: ج 8 ص 127.

(4) السرائر: ج 2 ص 176.

(5) شرائع الإسلام: ج 4 ص 71.

(6) الجامع للشرائع: ص 530.

(7) كمال الدين و إتمام النعمة: ص 484.

30

الشيخ في كتاب الغيبة عن جماعةٍ عن جعفر بن محمّد بن قولويه و أبي غالب الزراري و غيرهما عن محمّد بن يعقوب (1) (2)].

و إذا رأى الإمام أو نائبه المصلحة في عزل القاضي المستجمع للشرائط لوجهٍ ما أو لوجود من هو أكمل منه في إحدى الشرائط عزله وجوباً أو جوازاً، و إذا اختلّ أحد الشروط فأولى، و كذا إذا ارتاب منه، و يكفيه غلبة الظنّ، و يمكن إدخال جميع ذلك في «وجه ما».

و هل يجوز عزله اقتراحاً؟ فيه نظر: من أنّه استنابة و توكيل و تفويض لمنصب من مناصبه إليه فله العزل متى شاء، كما يجوز عزل الوكيل بلا سبب. و من أنّه ولاية شرعيّة فلا يزول إلّا بمناف، و عقد لمصلحة المسلمين من وليّهم، فلا يجوز العزل مع سداد الحال، كالوليّ إذا عقد النكاح لمن له الولاية عليه، و لأنّه عبث و تعريض للمعزول للقدح. و ضعف الكلّ ظاهر. فالأقرب الأوّل كما في التحرير (3).

و هل يقف الانعزال على بلوغ الخبر؟ فيه احتمال ينشأ: من مساواته للوكيل فلا يقف كما اختاره في الوكيل و من القطع بعدم انعزاله أي الانعزال بمجرّد العزل أو القاضي لو قلنا بانعزاله به للضرر أي: لو انعزل قبل بلوغ الخبر لزم الضرر على الناس فيما أمضاه من الأحكام لظهور فسادها. فالانعزال بمعنى الاعتزال و التجنّب، و اللام في «للضرر» بمعنى «من» (4) أو للتقوية إن عدّيناه بنفسه. و الكلام في قوّة أن يقال: و من القطع باستلزام عدم التوقّف على بلوغ الخبر، للضرر. و يحتمل بعيداً أن يراد بالانعزال انعزال القاضي عن القضاء، و يكون المعنى: و من القطع بأنّه لا ينعزل ما لم يبلغه الخبر، للضرر، و القطع بانتفائه في الدين.

و لو قال لفظاً أو كتابةً: إذا قرأتَ كتابي هذا فأنت معزول انعزل إذا

____________

(1) الغيبة: ص 176 و 177.

(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في المخطوطات.

(3) تحرير الأحكام: ج 5 ص 118.

(4) في المخطوطات: عن.

31

قرئ عليه و لا سيّما إذا كان امّيّاً (1) أو اخبر بمضمونه، أو نظر إليه فاطّلع على مضمونه، لقضاء العرف بأنّ المراد ما يعمّ جميع ذلك. و فيه وجه بالعدم، اقتصاراً على حقيقة اللفظ. و قيل: بعدم وقوع العزل المعلّق (2).

و لا ينعزل في المسألة قبل القراءة أو ما في حكمها قطعاً.

و ينعزل بانعزا له كلّ مأذون له في شغل معيّن بلا خلاف، و ذلك كالنائب في سماع إقرار أو إقامة حدّ أو قسمة أو بيع على مديون. و أمّا المنصوبون في شغل عامّ كقوّام الأيتام و الوقوف فلا ينعزلون بلا خلاف، كالمتولّين للأوقاف بشرط الواقف فلا ينعزلون بموت الموقوف عليهم، لئلّا يختلّ أبواب المصالح، كذا في الإيضاح عن المصنّف (3).

و في انعزال نائبه في القضاء في كلّ ناحية بانعزاله خلاف عرفته.

و لو قال القاضي بعد العزل قضيت بكذا قبله لم يقبل إلّا بالبيّنة. خلافاً لأحمد (4). و لا يكفي معه شهادة واحد، لأنّ قوله هذا دعوى لا شهادة، لأنّه إخبار عن فعله، بخلاف شهادة المرضعة بالإرضاع فإنّها في الحقيقة بفعل الغير و هو الارتضاع.

و لو شهد مع عدل أنّ هذا حكم به قاضٍ و لم يسمّ نفسه فإشكال: من ثبوت الموجب و هو شهادة عدلين و انتفاء المانع، و من التهمة لجواز أن يريد حكم نفسه فلا يسمع إلّا مع البيان.

و لو قال قضيت بكذا قبل العزل قُبِل قوله بغير حجّة فإنّه أولى من نفوذ حكمه إذا أنشأه. خلافاً لمالك (5). نعم إن قاله في غير محلّ ولايته، كان كقوله بعد العزل.

و لو ادّعى على المعزول رشوةً أحضره القاضي و فصل بينهما لأنّه

____________

(1) في المطبوع و ق: أميناً.

(2) انظر إيضاح الفوائد: ج 4 ص 304 305.

(3) إيضاح الفوائد: ج 4 ص 305.

(4) المغني لابن قدامة: ج 11 ص 473.

(5) الحاوي الكبير: ج 16 ص 337.

32

يدّعي عليه مالًا أخذه بغير حقّ و لا مخرج له عن العمومات.

و كذا لو قال: أخذ المال منّي بشهادة فاسقين فإنّ على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

فإن ذكر أنّه حكم عليه بشهادة فاسقين فاستوفى منه و لم يذكر الآخذ فالأقرب سماع الدعوى من غير أن يعرف أنّ له عليها بيّنة، بل و إن قال: لا بيّنة لي، فيحضر القاضي بمجرّدها إذ يجب الغرم على القاضي إذا لم يأخذ مع تفريطه في الحكم الّذي ترتّب عليه الاستيفاء، فهو بمنزلة الآخذ، و يمكن أن يقرّبه إذا أحضره.

و قيل: لا تسمع إلّا إذا أظهر أنّ له بيّنة بذلك (1) لأنّه أمين الإمام فظاهره الإصابة في الأحكام فلا يترك إلّا مع ظهور خلافه، و لأداء سماع هذه الدعوى عليه إلى هتكه و زهد القضاة في القضاء.

و لو قال: قضى عليَّ بشهادة فاسقين من غير أن يذكر الاستيفاء وجب أيضاً إحضاره و إن لم يقم المدّعي بيّنة بعد الإحضار و لا أظهر قبله أنّ له بيّنة بالتقريب المتقدّم. و قد يفرّق بينه و بين المتقدّم بتخصيصه بما لا بيّنة فيه للمدّعي و تعميم الأوّل، و يمكن أن يكون تكريراً لما تقدّم ليتفرّع عليه ما بعده.

فإن حضر و اعترف الزم المال، لأنّه الّذي أتلفه عليه.

و إن (2) قال: لم أحكم إلّا بشهادة عدلين قيل في المبسوط (3): كلّف البيّنة، لاعترافه بنقل المال و ادّعائه مزيل الضمان فعليه الإثبات كغيره.

و فيه نظر، لأنّ الظاهر من الحكّام الاستظهار في حكمهم لأنّهم امناء الإمام فيجب عليه اليمين لا البيّنة لادّعائه الظاهر و هو خيرة الخلاف (4) و الشرائع (5).

و لو قال نائب المعزول في عمل يستحقّ عليه الاجرة إن لم يتبرّع به في

____________

(1) إيضاح الفوائد: ج 4 ص 305 306.

(2) في القواعد: و لو.

(3) المبسوط: ج 8 ص 103.

(4) الخلاف: ج 6 ص 216، المسألة 8.

(5) شرائع الإسلام: ج 4 ص 76.

33

جواب من ادّعى عليه أخذ مال: أخذت هذا المال اجرة عملي لم يقبل و إن صدّقه المعزول إذ لا عبرة بقوله بعد العزل، كما لا عبرة بفعله إلّا بحجّة كسائر المدّعين و بعد تحقّق العمل في الاكتفاء بيمينه في قدر اجرة المثل نظر: من أنّه مدّعٍ، و من أنّه أمين من جهة الشرع، و الأصل عدم التبرّع، و لكن لا يثبت إلّا قدر اجرة المثل للأصل.

و عن المصنّف بناء الخلاف في الاكتفاء باليمين و عدمه على أنّ العامل لغيره بأمرمن له العمل إذا لم يجر ذكر اجرة هل يستحقّ اجرةً؟ قيل: نعم، لأنّه عمل محترم له اجرة، و الأصل عدم التبرّع. و قيل: لا، لأنّه أعمّ، و لا يدلّ العامّ على الخاصّ (1).

و لو عزل القاضي بعد سماع البيّنة قبل الحكم ثمّ ولّي وجبت الاستعادة للشهادة، و لم يكتف بما تقدّم لبطلانه بالعزل.

و لو خرج من مكان ولايته ثمّ عاد من غير تخلّل عزل لم يجب الاستعادة، لعدم طروّ المبطل. و قد يحتمل الاستعادة لتخلّل ما يمنع من الحكم.

____________

(1) راجع إيضاح الفوائد: ج 4 ص 307.

34

[المقصد الثاني في كيفيّة الحكم]

المقصد الثاني في كيفيّة الحكم و فيه فصول ستّة:

[الفصل الأوّل في الآداب]

الأوّل في الآداب ينبغي للحاكم إذا سار إلى بلد ولايته أن يسأل من أهله حال أهل البلد و يتعرّف منهم ما يحتاج إلى معرفته من مراتب الناس في العلم و الصلاح، فإن تمكّن من ذلك قبل السير فعل، و إلّا ففي الطريق، و إلّا فحين يدخل و إذا قدم أشاع بقدومه و واعدهم يوماً لقراءة عهده ليتوفّروا على سماعه. و ينبغي له أن يقصد الجامع إذا قدم و يصلّي ركعتين و يسأل اللّٰه العصمة و الإعانة و أن يسكن وسط البلد ليقرب من التسوية بين أهله.

و أن يجلس للقضاء في موضع بارز كرحبة و هي كما قال الفرّاء: الصحراء بين أفنية القوم و المسجد أو فضاء، ليسهل الوصول إليه.

و أن يبدأ بأخذ ديوان الحكم و هي الخرائط و الصناديق و نحوهما، أو البيت المعدّ لذلك إن كان وقفاً أو رضي المالك من المعزول أو أمينه و ما فيه من وثائق الناس و هي الرهون و المحاضر و هي نسخ ما ثبت عند الحاكم، و السجلّات و هي نسخ ما حكم به و يدخل فيها كتب نصب الأولياء على الأيتام

35

و الوقف و الصدقات و نحو ذلك، و كتاب تقدير النفقات و الحجج الّتي للناس و هي نسخ المعاملات من البيع و المداينة و المصالحة و العتق و المناكحة و نحوها.

ثمّ إن تسلّم جميع ذلك بنفسه، و إلّا بعث له أمينين. و ينبغي السؤال من المعزول أو أمينه عن شيء شيء و جعل كلّ نوع في قمطر لئلّا يشتبه الحال، و يسهل على القاضي الوصول إلى ما أراد. و ينبغي ختم جميع القماطر لتؤمن من الزيادة و النقصان.

ثمّ ما اشتمل من القماطر على المحاضر و الإقرارات و الشهادات كفى أخذه مختومةً من غير استعلام ما فيها، إذ ليس شيء منها حجّةً عند القاضي الثاني. و ما اشتمل منها على الحجج و السجلّات فينبغي الاستفصال فيها و الاستفسار. و أن يكتب شيء فشيء ليمتاز كلّ عمّا عداه، فيكتب: قِمَطْر فيه كذا و كذا صكّاً باسم فلان بن فلان الفلاني، و قِمَطْر فيه نسخة السجلّ لفلان بن فلان الفلاني على فلان بن فلان الفلاني.

و أن يخرج للقضاء في أجمل هيئة و على سكينة و وقار، و لا يجلس على التراب و لا على بادية المسجد إن قضى فيه، بل يفرش له ما يجلس عليه لأنّه أهيب له في أعين الخصوم و أنفذ لأمره، و يجلس عليه وحده ليتميّز من غيره، و ليسلّم على من يمرّ به و من سبقه من الوكلاء و الخصوم، لقوله صلى الله عليه و آله: يسلّم الراكب على الماشي و القائم على القاعد و القليل على الكثير (1).

و ليكن خالياً من غضب أو جوع أو عطش أو غمّ أو فرح أو وجع أو احتياج إلى قضاء حاجة أو نعاس و بالجملة من كلّ ما يمنع التوجّه التامّ و الإقبال الكامل.

عن النبيّ صلى الله عليه و آله: من ابتلي بالقضاء فلا يقضي و هو غضبان (2). و في وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح: و إن غضبتَ فقم، و لا تقضينّ و أنت غضبان (3). و في وصيّته (عليه السلام) إليه: و لا تقعدنّ في مجلس القضاء حتّى تطعم (4). و عن النبيّ صلى الله عليه و آله: لا

____________

(1) سنن البيهقي: ج 9 ص 203.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 156 ب 2 من أبواب آداب القاضي ح 1.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 156 ب 2 من أبواب آداب القاضي ح 2.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 155 ب 1 من أبواب آداب القاضي ح 1.

36

يقضي القاضي إلّا و هو شبعان ريّان (1). و عنه (عليه السلام): لا يقضي القاضي و هو غضبان مهموم، و لا مصاب محزون، و لا يقضي و هو جائع (2).

فإن حكم في المسجد صلّى عند دخوله ركعتين تحيّةً له ثمّ يجلس مستدبر القبلة وفاقاً للأكثر و منهم الشيخ في النهاية (3) ليكون وجوه الخصوم إليها و خصوصاً عند الاستحلاف، فرعاية المصلحة العامّة أولى.

و قيل في المبسوط (4) يستقبلها لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: خير المجالس ما استقبل به القبلة (5).

و ينظر أوّل شيء في المحبوسين، لأنّ الحبس عذاب فيخلّصهم منه، و لجواز أن يكون منهم من حبس ظلماً، فيبعث ثقةً إلى السجن فيكتب اسم كلٍّ منهم في رقعة و اسم من حبسه و بما ذا حبسه ثمّ ينادي في البلد إلى ثلاثة أيّام: ألا إنّ القاضي ينظر في أمر المحبوسين فمن كان له على محبوس حقّ فليحضره يوم كذا، فيجلس في اليوم الموعود و ينظر أوّل جلوسه في المحبوسين فيطرح الرقاع بين يديه و ينظر في خصومهم، و يأمر بإخراج من حضر خصمه منهم أوّلًا فأوّلًا إلى العدد الّذي يمكنه الفصل بينهم فيطلق كلّ من علم أنّه حبس بظلم أو تغرير باعتراف الخصم، أو ظهور ذلك، أو ظهور أن لا خصم له، أو ظهور ظلم القاضي أو خطئه في الأمر بحبسه.

و من اعترف بأنّه حبس بحقّ أقرّه في الحبس حضر خصمه أم لا.

و إن (6) قال: أنا مظلوم لأنّي معسر، فإن صدّقه غريمه أطلقه، و إن كذّبه فإن كان الحقّ مالًا حصل في يده باقتراض أو ابتياع أو غصب أو صلح أو نحو ذلك أو ثبت بالبيّنة أنّ له مالًا ردّه إلى الحبس إلّا أن يقوم بيّنةً

____________

(1) الحاوي الكبير: ج 16 ص 33.

(2) الحاوي الكبير: ج 16 ص 33

(3) النهاية: ج 2 ص 69.

(4) المبسوط: ج 8 ص 90.

(5) تلخيص الحبير: ج 2 ص 261.

(6) في القواعد: و مَن.

37

بتلفه للأصل. [و يشكل تأبيد الحبس إن لم يقم بيّنةً، فإن أثبت المدّعي وجوده أو حلف عليه ردّه إلى الحبس، و إلّا احتمل الاكتفاء بحلفه (1)] و لو لم يكن الدعوى مشتملة على أخذ مالٍ و لا ثبت له أصل مالٍ فالقول قوله مع اليمين في الإعسار للأصل. و إن أقام الغريم بيّنةً بمالٍ في يده فقال: إنّه لغيري، فإن لم يعيّنه لم يسمع و الزم القضاء، و إن قال: إنّه لزيدٍ مثلًا فإن كذّبه زيد طولب بالحقّ، و إن صدّقه، فإن كانت له بيّنة ترجّحت و كان المال له، و إلّا احتمل القبول، لأنّ البيّنة الاولى شهدت بالملك لمن لا يدّعيه فلا عبرة بها. و العدم، فيلزم بالقضاء من المال لتضمّن الشهادة وجوب القضاء منه، و لا يلزم من سقوطها في حقّ نفسه لإنكاره سقوطها في القضاء مع اتّهامه في الإقرار.

ثمّ إذا فصل الأمر بينه و بين هذا الخصم نادى منادي القاضي ثلاثاً: أنّ فلاناً قضي بينه و بين خصمه فإن كان له خصم فليحضر، فإن حضر حكم بينهما، و إن لم يحضر له خصم أطلقه بغير يمين. هذا إن عرف القاضي الخصم الّذي حضر أو عرّفه الشهود، و إلّا أخذ من المحبوس كفيلًا و أطلقه، و نادى عليه أيّاماً: من كان خصم فلان المحبوس فليحضر، و إن لم يكن له كفيل نادى عليه أيّاماً، قيل: شهراً (2) ثمّ تركه، و ذلك لاحتمال أن يكون احتال مع الّذي حضر و ادّعى أنّه خصمه.

و إن قال: أنا مظلوم إذ لا حقّ عليَّ و قد حضر له خصم طولب خصمه بالبيّنة، فإن أقامها و إلّا أطلقه بعد يمينه بعد الاستظهار و تحصيل الظنّ بأنّه لا خصم له غيره.

و هل يجوز إطلاقه بادّعائه الظلم و إن لم يحضر خصمه؟ الأقرب المنع بل يشاع حاله ثمّ يطلق بعد إحلافه على البراءة، وفاقاً للشيخ (3) لأنّه قدح في القاضي المعزول. و يحتمل الجواز، لأنّ إدامة الحبس عقوبة فلا يقدّم على

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في ن و ق.

(2) لم نعثر عليه.

(3) المبسوط: ج 8 ص 94.

38

ثبوت حقّ. و هل يلزم بكفيل؟ وجهان.

و لو قال: لا خصم لي و لا أدري لِمَ حُبِست نودي على طلب خصمه، فإن لم يحضر له خصم، أو حضر من ادّعى أنّه خصمه و لم يمكنه إثبات حقّ عليه اطلق بعد الإحلاف، كما قاله الشيخ (1) لما ذكر، مع الاحتمال، و في التكفيل الوجهان.

و إن ذكر له خصماً غائباً و زعم أنّه مظلوم ففي إطلاقه نظر من أصل البراءة و كون الحبس عقوبةً فلا يفعل ما لم يثبت موجبه، و من أنّه فعل صدر عن قاضٍ فالظاهر أنّه بحقّ، و أقربه أنّه لا يحبس و لا يطلق و لكن يراقب إلى أن يحضر خصمه قال في التحرير: و الأقرب أنّه لا يطالب بكفيل ببدنه (2).

و يكتب إليه ليعجّل الحضور جمعاً بين الحقّين فإن لم يحضر بلا مانع اطلق.

ثمّ بعد ذلك ينظر في الأوصياء في أمر الأطفال و المجانين، أو في تفرقة التركة أو ثلثها و أموال الأطفال و المجانين و أوليائهم من الأوصياء أو غيرهم.

قال في المبسوط: و إنّما قلنا: يقدّم النظر في أمر الأطفال و المجانين، لأنّ هؤلاء لا يعبّرون عن نفوسهم، و لا منهم من يمكنه المطالبة بحقّه. و تفرقة الثلث إذا كان على قومٍ غير معيّنين لم يمكنهم المطالبة بحقوقهم، فكان النظر في أمر من لا يمكنه المطالبة بحقّه أولى (3). انتهى.

و يعتمد معهم ما يجب من تضمين للوصيّ أو الوليّ أو غيرهما ممّن غصب أو أتلف مال الأطفال أو المجانين أو إنفاذ لتصرّف الوليّ أو الوصيّ أو إسقاط ولاية على طفل أو مجنون إمّا لبلوغ و رشد، أو ظهور خيانة من الوليّ، أو ارتداد، أو طروّ جنون، أو ظهور فسق أو ضمّ مشارك

____________

(1) المبسوط: ج 8 ص 94 و 95.

(2) تحرير الأحكام: ج 5 ص 123.

(3) المبسوط: ج 8 ص 95.

39

إلى الوصيّ أو الوليّ إن ظهر عجز.

و لا يبادر بعزل الوصيّ، بل إن كان أنفذ المعزول وصيّته أقرّه، لأنّ الظاهر أنّه لم ينفذها إلّا بعد معرفته بالصلاحية، و لكن يراعيه، فإن ظهر خطأ الأوّل أو طرء فسقه عزله، و إن عجز ضمّ إليه مشاركاً. و إن لم يكن أنفذ المعزول وصيّته نظر فيه، فإن كان أميناً قويّاً أقرّه، و إلّا عزله أو شرّك معه.

ثمّ ينظر في امناء الحكم الحافظين لأموال الأيتام و المجانين و المحجور عليهم لسفه و غيره و الودائع و الأوقاف و بيت المال و أموال الغائبيين، و الامناء على تفرقة الوصايا بين المساكين بأن أوصى رجل بالتفرقة و لم يوص إلى أحد بعينه، أو أوصى و لكن مات الوصيّ، أو عزله الأوّل لفسقٍ أو عجزٍ فيعزل الخائن، و يعين العاجز بمشارك، و يستبدل به إن كان الاستبدال أصلح من التشريك و يقرّه إن كان أميناً قويّاً، و إن كان قد تصرّف الأمين و هو أهل له نفذ. و إن كان فاسقاً و قد ائتمن على تفرقة الوصيّة و كان أهل الوصيّة بالغين عاقلين معيّنين، صحّ دفعه إليهم و لا يضمن، لانحصار الحقّ فيهم و قد استوفوه و إن كانوا غير معيّنين كالفقراء و المساكين احتمل الضمان كما في المبسوط (1) إذ ليس له التصرّف فهو كالأجنبيّ.

و احتمل عدمه، لأنّه أوصله إلى أهله كالتفرقة على المعيّنين.

و كذا الصحّة في المعيّنين و الاحتمالان في غيرهم إن فرّق الوصيّة غير الوصيّ.

قال في التحرير: و الأقرب ما قاله الشيخ قال: أمّا لو تصرّف في مال الوقف على المساجد و المشاهد و المصالح مَن ليس له أهليّة الحكم فإنّه يكون ضامناً، و إن كان قد صرفه في وجهه إذا لم يكن الواقف و لا الحاكم جعلا له النظر فيه (2).

ثمّ ينظر في الضوالّ و اللقط الّتي تحت نظر الحاكم فيبيع ما يخشى

____________

(1) المبسوط: ج 8 ص 95 و 96.

(2) تحرير الأحكام: ج 5 ص 124.

40

تلفه، و ما يستوعب مئونته قيمته أو يفضل عليها و يحفظ الثمن و يسلّم ما عرّفه الملتقط حولًا إليه إن كان في يد الأمين و اختار الملتقط ذلك أي التملّك و يحفظ ما عدا ذلك أي ما عدا ما يخشى تلفه أو يستوعب مئونته قيمته كالجواهر و الأثمان إن لم يختر الملتقط التملّك إلى أن يظهر أربابها فيسلّمها إليهم.

ثمّ يأمر العلماء بالحضور عنده وقت الحكم، لينبّهوه على الخطأ إن وقع منه. و قال الشافعي: ليس لهم أن ينقضوا حكمه إلّا إذا خالف نصّاً أو إجماعاً أو قياساً جليّاً (1). و قال أبو حنيفة و مالك: إلّا إذا خالف إجماعاً (2).

و يستوضح منهم ما عساه يشكل عليه لا بأن يقلّدهم بل يخاوضهم في استخراج الأدلّة و الاستنباط منها.

فإن أخطأ في الحكم فأتلف لم يضمن في ماله بل في بيت المال لأنّه لم يرد إلّا الإصلاح، و للنصّ كقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الأصبغ: ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين (3).

ثمّ يتروّى بعد ذلك في ترتيب الكاتب و المترجم و المسمع إن كان به صمم و القسّام و الوزّان و الناقد و المزكّي.

و ليكن الكاتب عدلًا عاقلًا ليؤمن جانبه (4) عفيفاً عن المطامع لئلّا يخدع، بصيراً بما يكتبه. و للعامّة قول بعدم اشتراط العدالة و لا الإسلام (5) بناءً على أنّ القاضي لا يمضي إلّا ما يقف عليه.

و لا يشترط العدد.

أمّا المترجم فلا بدّ من اثنين عدلين لأنّ قولهما شهادة و يكفي الاثنان

____________

(1) انظر المغني لابن قدامة: ج 11 ص 403 404 و الحاوي الكبير: ج 16 ص 49.

(2) راجع المغني لابن قدامة: ج 11 ص 404.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 165 ب 10 من أبواب آداب القاضي ح 1.

(4) في ن بدل «جانبه»: خيانته.

(5) المجموع: ج 20 ص 133.

41

و إن ترجما عن الزنا و لا يكفي رجل و امرأتان و إن ترجما عمّا يكفي فيه ذلك.

و كذا المسمع إذا كان بالقاضي صمم.

و تردّد فيه في التحرير: من مساواته للمترجم فإنّه ينقل عين اللفظ كما أنّ المترجم ينقل معناه، و من أنّه لو غيّر اللفظ عرف الخصمان و الحضّار بخلاف المترجم. قال: نعم لو كان الخصمان أصمّين وجب العدد لجواز غفلة الحاضرين (1).

قلت: و كذا لو كان أحدهما أصمّ. و احتمل الوجهان في الدروس (2) في المترجم أيضاً، إلّا أن لا يعرف الخصمان لغته أو كانا أصمّين.

و لا يشترط في الترجمة أو الإسماع لفظ الشهادة لأنّهما يسلكان بهما مسلك الرواية. و في التحرير اشترطه في الترجمة دون الإسماع، قال: فإن شرطنا العدد فالأقرب عدم اشتراط لفظ الشهادة، و إن لم يشترط فلا يراعى لفظ الشهادة، لأنّه يسلك بها مسلك الرواية (3). و لعلّ الفرق اختلاف اللفظ في الترجمة و تنزّل المترجم عنه منزلة الغائب.

و لا يشترط فيهما الحرّيّة و إن اشترطناها في الشاهد، لأنّهما بمنزلة الراوي.

و لو طلب المسمع و هو هنا يشمل المترجم اجرةً على الإسماع ففي وجوبها في مال صاحب الحقّ أو بيت المال إشكال: من كونه من المصالح العامّة، و هو خيرة التحرير (4). و من نيابته عن المدّعي و عود النفع إليه بفعله. و ليس على المنكرشيء و إن اندفع عنه الضرر بفعله، لأنّه لو ترك لترك. و يحتمل وجوبها عليهما.

و لا يعزّر من أساء أدبه في مجلسه إلّا بعد الإعراض ثمّ النهي ثمّ الزجر باللسان و الإصرار على إساءة الأدب، لوجوب التدرّج في مدارج النهي عن المنكر. و له العفو لكن لا بحيث يزول هيبته عن عيون الناس و يؤدّي إلى عدم نفوذ حكمه.

____________

(1) تحرير الأحكام: ج 5 ص 127.

(2) الدروس الشرعية: ج 2 ص 72 درس 134.

(3) تحرير الأحكام: ج 5 ص 127

(4) تحرير الأحكام: ج 5 ص 128.

42

فإن ظهر كذب الشاهد عزّره ظاهراً بحسب ما يراه، و يقوى الكاذب عليه قوّة و ضعفاً، فإن كان لا يحتمل الضرب أصلًا حبسه أو وبّخه و قرعه و نادى عليه فيما يكون فيه معروفاً من محلّته أو سوقه أو قبيلته، ليتجنب الناس الوثوق بشهادته، و يعتبر به هو و غيره. قال الشيخ: و لا يحلق رأسه و لا يركب و لا يطوف و لا ينادى هو على نفسه (1). و فيه خلاف، و روي في أخبارنا أنّه يركب و ينادى عليه (2).

و يكره أن يتّخذ حاجباً وقت القضاء لقوله صلى الله عليه و آله و سلم من ولي شيئاً من امور الناس فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم احتجب اللّٰه دون حاجته وفاقته و فقره (3). و قيل بالحرمة (4) لظاهر الخبر. و هو كذلك مع المداومة و الأداء إلى التعطيل.

و يكره اتّخاذ المساجد مجلساً لحكمه دائماً على رأي وفاقاً للمحقّق (5) لقول الصادق (عليه السلام) في مرسلة عليّ بن أسباط: جنّبوا مساجدكم البيع و الشراء و المجانين و الصبيان و الأحكام و الحدود و رفع الصوت (6). و قول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: إنّما بنيت المساجد لذكر اللّٰه و الصلاة (7). و قوله صلى الله عليه و آله: جنّبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم و خصوماتكم و رفع أصواتكم (8). فإنّ إدامة الجلوس فيه للحكم يستلزم في الغالب وقوع الخصومات فيه و رفع الأصوات و دخول الصبيان و المجانين، و ربّما استلزم دخول الحُيّض و المشركين.

و أمّا عدم الكراهة إذا اتّفق أحياناً فللأصل السالم من هذه المعارضة، و لتظافر

____________

(1) الخلاف: ج 6 ص 240، المسألة 39.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 243 ب 15 من أبواب الشهادات.

(3) سنن البيهقي: ج 10 ص 101.

(4) ذكره فخر المحقّقين و لم يسمّ قائله، راجع إيضاح الفوائد: ج 4 ص 310.

(5) شرائع الإسلام: ج 4 ص 74.

(6) وسائل الشيعة: ج 3 ص 507 ب 27 من أبواب أحكام المساجد ح 1.

(7) كنز العمّال: ج 7 ص 662 ح 20797.

(8) سنن البيهقي: ج 10 ص 103.

43

الأخبار بوقوعه من النبيّ صلى الله عليه و آله، و من أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و دكّة القضاء بمسجد الكوفة معروفة، و لأنّه إذا اتّفقت المرافعة في المسجد فربّما وجب المبادرة إلى الحكم و لم يجز التأخير.

و ظاهر الخلاف (2) و المبسوط (3) نفي الكراهة مطلقاً.

و ظاهر النهاية (4) و المقنعة (5) و المراسم (6) و الكامل (7) و السرائر (8) و صريح الكافي (9) الاستحباب، لأنّ القضاء من أفضل الطاعات، و المسجد من أشرف البقاع. و في بعض الكتب أنّه بلغ علياً (عليه السلام) أنّ شريحاً يقضي في بيته فقال: يا شريح اجلس في المسجد فإنّه أعدل بين الناس، و إنّه وهن بالقاضي أن يجلس في بيته (10).

و أطلق المصنّف في النهاية (11) و المنتهى (12) الكراهة، عملًا بعموم الأخبار المتقدّمة، و حملًا للواقع على الضرورة أو الدلالة على الجواز. و في صلاة الكتاب (13) و الشرائع (14) و النافع (15) و المعتبر (16) و الإرشاد (17) و التبصرة (18) و التلخيص (19) كراهة إنفاذ الأحكام، فقيل: المراد: الحبس على الحقوق و الملازمة

____________

(1) سنن البيهقي: ج 7 ص 398، المناقب لابن شهرآشوب: ج 2 ص 359، و الفضائل لابن شاذان: 110.

(2) الخلاف: ج 6 ص 210، المسألة 3.

(3) المبسوط: ج 8 ص 87.

(4) النهاية: ج 2 ص 69.

(5) المقنعة: ص 722.

(6) المراسم: ص 230.

(7) كما في مختلف الشيعة: ج 8 ص 358.

(8) السرائر: ج 2 ص 156.

(9) الكافي في الفقه: ص 444.

(10) دعائم الإسلام: ج 2 ص 534 ح 1897.

(11) نهاية الاحكام: ج 1 ص 356، و فيها: و تجنّب الأحكام.

(12) منتهى المطلب: ج 1 ص 388 س 10، و فيها: و تجنّب الأحكام.

(13) قواعد الأحكام: ج 1 ص 262.

(14) شرائع الإسلام: ج 1 ص 128 و ج 4 ص 74.

(15) المختصر النافع: ص 49.

(16) المعتبر: ج 2 ص 452.

(17) إرشاد الأذهان: ج 1 ص 250.

(18) تبصرة المتعلّمين: ص 40.

(19) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهيّة): ج 27 ص 570.

44

عليها (1). لكن يدخل فيه إقامة الحدود و هي مذكورة معه في جميع هذه الكتب. و أيضاً فاحتجّ له في المعتبر باستتباعه مشاجرة الخصوم و قولهم الكذب (2).

و يكره القضاء مع غضب و شبهه ممّا يشغل الخاطر كما تقدّم.

و لو قضى حينئذٍ فوافق الحقّ نفذ للأصل من دون معارض، و لما روي من أنّ الزبير بن العوام و رجلًا من الأنصار اختصما في شراج الحرّة إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فقال (عليه السلام): اسق زرعك يا زبير ثمّ أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: إن كان ابن عمّك، فاحمرّ وجه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و قال: اسق زرعك يا زبير احبس الماء حتّى يبلغ اصول الجدر (3). لأنّه صلى الله عليه و آله استنزل الزبير أوّلًا عن كمال حقّه فلمّا أغضبه الأنصاري أمره باستيفاء حقّه. و قيل بانتفاء الكراهة إن كان الغضب للّٰهِ لهذه الرواية (4).

و يكره أن يتولّى البيع و الشراء لنفسه في مجلس الحكم أو غيره، مع من يعلم أنّه يحابي أو مع غيره، لما روي عنه صلى الله عليه و آله من قوله: ما عدل والٍ اتّجر في رعيّته أبداً (5). و في رواية لعنت إماماً يتّجر في رعيّته (6). و لأنّه قد يحابي من عامله فيميل قلبه إليه إذا رفع إليه في أمر، و قد يخاف خصم من عامله ميل القاضي عليه فيمتنع من الرفع إليه. و الحق بهما سائر المعاملات من إجارة و استئجار و غيرهما. فالطريق في معاملته مع رعيّته: أن يوكّل وكيلًا لا يعرف أنّه وكيله، فإذا عرف أبدله بآخر، و إن احتاج إلى المباشرة بنفسه أو بوكيلٍ معروفٍ جاز و لم يكره. و في المناقب لأخطب خوارزم عن أبي مطر عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّه أتى سوق الكرابيس، فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم فلمّا عرفه لم يشتر

____________

(1) القائل هو الشهيد في مسالك الافهام: ج 1 ص 329.

(2) المعتبر: ج 2 ص 452.

(3) سنن البيهقي: ج 10 ص 106.

(4) القائل هو صاحب مجمع الفائدة و البرهان: ج 12 ص 44.

(5) كنز العمّال: ج 6 ص 23 ح 14676.

(6) الكامل لعبد اللّٰه بن عديّ: ج 6 ص 224.

45

منه شيئاً، ثمّ أتى آخر فلمّا عرفه لم يشتر منه شيئاً، فأتى غلاماً حدثاً فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم (1).

و أن يتولّى الحكومة بنفسه بمعنى أنّه إذا خاصمه غيره و أراد التحاكم إلى قاضٍ آخر لم يرتفع إليه بنفسه بل وكّل وكيلًا، فقد روي أنّ علياً (عليه السلام) وكّل عقيلًا في خصومة و قال: إنّ للخصومة قحماً (2) و إنّي لأكره أن أحضرها.

و يكره أن يستعمل الانقباض المانع من الحجاج عنده أو اللين المفضي إلى سقوط محلّه.

و يكره نصب (3) شهود معيّنين لما فيه من التضييق على الناس و الغضاضة من العدول إلى غيرهم.

و في المبسوط: لا يجوز للحاكم أن يرتّب شهوداً يسمع شهادتهم دون غيرهم، بل يدع الناس، فكلّ من شهد عنده فإن عرفه، و إلّا سأل عنه على ما قلناه. و قيل: إنّ أوّل من رتّب شهوداً لا يقبل غيرهم إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي. و الصحيح ما قلناه، لأنّ الحاكم إذا رتّب قوماً فإنّما يفعل هذا بمن هو عدل عنده، و غير من رتّبه كذلك مثله أو أعدل منه، فإذا كان الكلّ سواء لم يجز أن يخصّ بعضهم بالقبول دون بعض، و لأنّ فيه مشقّة على الناس لحاجتهم إلى الشهادة بالحقوق في كلّ وقت من نكاح و غصب و قتل و غير ذلك، فإذا لم يقبل إلّا قوماً دون قوم شقّ على الناس، فإنّ الشاهد إذا علم أنّه لا يقبل قول غيره ربّما تقاعد عنها حتّى يأخذ الرشوة عليها، و لأنّ فيه إبطال الحقوق، فإنّ كلّ من له حقّ لا يقدر

____________

(1) المناقب للخوارزمي: ص 121 ح 136.

(2) نهج البلاغة: 517، غريب كلامه 3. قال ابن أبي الحديد: و هذه الكلمة قالها أمير المؤمنين (عليه السلام) حين وكّل عبد اللّٰه بن جعفر في الخصومة عنه و هو شاهد، شرح النهج ج 19 ص 107، و لم يرد فيهما قوله: «و إنّي لأكره أن أحضرها».

(3) في القواعد: بدل «نصب»: ترتيب.

46

على إقامة البيّنة به ممّن كان مقبول الشهادة راتباً لها دون غيرهم. فأمّا إن رتّب قوماً قد عرف عدالتهم و سكن إليهم، يسمع قولهم و يقبل شهادتهم، فإذا شهد بالحقّ عنده غيرهم بحث عنهم، فإذا زكّوا حكم بذلك، فلا بأس به (1) انتهى.

و الحقّ أنّ ما تضمّنه هذا الكلام من قهر الناس على أن لا يحملوا الشهادة سوى من عيّنهم لها، أو عدم سماع شهادة غيرهم من العدول، مع معرفته باجتماع شروط القبول أو تمكّنه من المعرفة، فلا شبهة في حرمته، و إنّما المكروه أن يرتّب قوماً لتحمل الشهادة من غير قهر و لا ردّ لشهادة غيرهم.

[الفصل الثاني في التسوية]

الفصل الثاني في التسوية و يجب على الحاكم التسوية بين الخصمين إن تساويا في الإسلام و الكفر، في القيام و النظر و جواب السلام و أنواع الإكرام و الجلوس و الإنصات و العدل في الحكم لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه و إشارته و مقعده و لا يرفعنّ صوته على أحدهما ما لا يرفع على الآخر (2). و قول عليّ (عليه السلام) لشريح: ثمّ واس بين المسلمين بوجهك و منطقك و مجلسك، حتّى لا يطمع قريبك في حيفك، و لا ييأس عدوّك من عدلك (3). و الوجوب صريحه هنا و في سائر كتبه (4) و الأكثر.

و نصّ في المختلف على الاستحباب (5) وفاقاً للسرائر (6) استضعافاً لدليل الوجوب سنداً و دلالةً مع الأصل.

و لا يجب التسوية و لا يستحبّ مع الاختلاف في الإسلام و الكفر بل له

____________

(1) المبسوط: ج 8 ص 111 112.

(2) سنن البيهقي: ج 10 ص 135.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 155 ب 1 من أبواب آداب القاضي ح 1.

(4) تحرير الأحكام: ج 5 ص 128، إرشاد الأذهان: ج 2 ص 140.

(5) مختلف الشيعة: ج 8 ص 403.

(6) السرائر: ج 2 ص 157.

47

أن يرفع المسلم على الذمّي في المجلس، فيجلس المسلم أعلى من الذمّي، و يجوز أن يكون المسلم قاعداً و الذمّي قائماً تعظيماً للإسلام، و قد روي أنّ علياً (عليه السلام) رأى درعاً في يد يهودي فعرفها و قال: هذه درعي ضاعت منّي يوم الجمل فأنكر اليهودي، فترافعا إلى شريح، فقام شريح و جلس عليّ مكانه، و جلس شريح و اليهودي بين يديه، فقال (عليه السلام): لو لا أنّه ذمّي لجلست معه بين يديك غير أنّي سمعت النبيّ صلى الله عليه و آله يقول: لا تساووهم في المجالس (1).

و لا يجب التسوية في الميل القلبي و إن تساويا في الدين للتعذّر أو التعسّر، و يرشد إليه قوله تعالى: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلٰا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ» (2).

و لكن قال الباقر (عليه السلام) في حسن الثمالي: كان في بني إسرائيل قاضٍ يقضي بالحقّ فيهم، فلمّا حضره الموت قال لامرأته: إذا أنا مِتُّ فاغسليني و كفّنيني وضعيني على سريري و غطّي وجهي، فإنّك لا ترين سوء، فلمّا مات فعلت ذلك، ثمّ مكثت بذلك حيناً، ثمّ إنها كشفت عن وجهه لتنظر إليه فإذا هي بدودة تقرض منخره، ففزعت من ذلك، فلمّا كان الليل أتاها في منامها فقال لها: أفزعكِ ما رأيتِ؟ قالت: أجل لقد فزعت، فقال لها: أما لئن كنت فزعت ما كان الّذي رأيتِ إلّا في أخيك فلان، أتاني و معه خصم له، فلمّا جلسا إليَّ قلت: اللّهمّ اجعل الحقّ له، و وجّه القضاء على صاحبه، فلمّا اختصما إليَّ كان الحقّ له، و رأيت ذلك بيّنا في القضاء، فوجّهت القضاء له على صاحبه، فأصابني ما رأيت لموضع هواى كان مع موافقة الحقّ (3).

فإن ادّعى أحد الخصمين و ابتدأ بالكلام سمع منه، و إلّا استحبّ له أن يقول لهما: تكلّما أو إن كنتما حضرتما لشيء فاذكراه أوليتكلّم المدّعي

____________

(1) راجع المغني لابن قدامة: ج 11 ص 444.

(2) النساء: 129.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 164 ب 9 من أبواب آداب القاضي ح 2.

48

منكما لاحتمال أنّهما سكتا احتشاماً له أو انتظاراً لإذنه لهما في الكلام.

و لو أحسّ منهما باحتشامه إذا كلّمهما بنفسه أمر من يقول لهما ذلك.

و يكره أن يخصّص أحدهما بالخطاب فيقول له: تكلّم، لإيجابه انكسار قلب الآخر. و القول بكراهة التخصيص مع إيجاب التسوية كما في الكتاب و ظاهر الشرائع (1) و التلخيص (2) يعطي أنّه لا ينافي التسوية، و عبّر في التحرير (3) و المبسوط (4) بلفظ النهي الظاهر في الحرمة.

فإن (5) ادّعى المدّعي منهما ابتداءً أو بعد الأمر بالكلام طالب الحاكم الثاني بالجواب من غير مسألة المدّعي أو معها على الخلاف الآتي، مع استقراب الثاني فإن أقرّ ثبت الحقّ و إن لم يقل القاضي قضيت لأنّ الإقرار أوضح من البيّنة فهو أولى بالإثبات، و عموم ما دلّ على جواز إقرار العقلاء على أنفسهم (6). و للعامّة وجه بتوقّف الثبوت على حكم الحاكم كما إذا ثبت بالبيّنة. و الفرق واضح.

و إن أنكر الثاني قال للمدّعي: هل لك بيّنة؟ فإن قال: لا، ثمّ جاء ببيّنةٍ قبل الإحلاف فالأقرب سماعها، فلعلّه تذكّر أو تيسّر له إحضارها بعد عسر، أو صلح للشهادة بعد صغر أو جنون أو كفر أو فسق أو غيرها. و يحتمل العدم، لأنّه كذّبها بنفيها، و هو ممنوع. أو لأنّه رضي باليمين و بسقوط حقّه بها، و لا يجدي فإنّه رضي ضرورةً.

فإن تزاحم المدّعون عند القاضي قدّم السابق وروداً لأنّه لا يمكنه الحكم بين الكلّ دفعةً، و لا أن يقدّم أحدهم لموضعه في نفسه أو لحكومته، فلم يبق إلّا اعتبار السبق، كما يقدّم السابق في مقاعد الطرقات و الأسواق و المياه

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 4 ص 81.

(2) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهيّة): ج 33 ص 356.

(3) تحرير الأحكام: ج 5 ص 129.

(4) المبسوط: ج 8 ص 150.

(5) في القواعد: فإذا.

(6) وسائل الشيعة: ج 16 ص 111 ب 3 من كتاب الإقرار ح 2.

49

و المعادن و نحوها، كما قال صلى الله عليه و آله و سلم: منى مناخ من سبق (1). و العبرة بسبق المدّعي.

فإن تساووا في الورود أو اشتبه السابق اقرع بأن يكتب أسماؤهم في رقاع و يجعل كلّ رقعة في بندقة من طين أو شمع أو نحوهما، و يجعل عند من لم يحضر أو لم يعلم، و يقال له: أخرج باسم السابق، فكلّ من خرج اسمه عليه حكم عليه بالسبق. و إن كثروا كتبت أسماؤهم في رقاع و جعلت بين يدي الحاكم مستورةً فيأخذ رقعةً رقعةً. و اختلف في أنّه هل يكتفى بأسماء المدّعين أو لا بدّ معها من أسماء خصومهم؟ (2). فلو كان لأحدهم خصمان كتب له رقعتان، و الأقرب الأوّل.

و يقدّم المسافر المستوفر. أي المستعجل الغير المطمئنّ، و هو يشمل المقيم الّذي على جناح الرحيل، على المقيمين و إن تأخّر لأنّه أحقّ بتقديم قضاء حاجته، لما به من الاضطرار، كما أنّ السابق أحقّ من المسبوق لسبقه إلّا أن يكثر المسافرون بحيث يضرّ تقديمهم بالمقيمين فيساوونهم.

و كذا تقدّم المرأة لأنّها أحقّ بسرعة الرجوع إلى بيتها، و نحوهما كلّ ذي حاجة يضرّ به التأخير.

و كذلك المفتي و المدرّس عند التزاحم يقدّم السابق، و مع الاتّفاق أو الاشتباه يقرع.

ثمّ السابق بقرعة يقنع بخصومةٍ واحدة و لا يزيد و إن اتّحد المدّعى عليه في خصوماته، فإنّه لو فصّل له جميع خصوماته لكان قد يفضي إلى استغراق المجلس له، فإذا لم يبق إلّا واحد و كانت له خصومات نظر فيها كلّها، إذ لا مزاحم له إلّا أن يكون لمن قبله خصومة انتظر بها إلى فراغه، فبعد الفراغ من خصومة واحدة له ينظر في خصومة المتقدّم المنتظر. و خصّ المصنّف الحكم بالسابق بقرعة،

____________

(1) سنن البيهقي: ج 5 ص 139.

(2) في هامش المطبوع زيادة: لعلّ خصومهم تأخّر أو حضر خصهم آخر أقدم منه.

50

و عمّمه الشيخ له و للمعلوم السبق (1) و عبارة التحرير يحتمل العموم و الخصوص (2).

و لو ارتفع إلى القاضي اثنان و سبق أحدهما إلى الدعوى على الآخر فقال الآخر: كنت أنا المدّعي لم يلتفت إليه إلّا بعد إنهاء الحكومة في الاولى، للسبق.

و لو بدرا دفعةً سمع من الّذي على يمين صاحبه أوّلًا بالاتّفاق على ما في الانتصار، قال: و وجدت ابن الجنيد لمّا روى عن ابن محبوب عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قضى أن يقدّم صاحب اليمين في المجلس بالكلام (3) قال ابن الجنيد: يحتمل أن يكون أراد بذلك المدّعي، لأنّ اليمين مردودة إليه، قال ابن الجنيد: إلّا أنّ ابن محبوب فسّر ذلك في حديث رواه عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: إذا تقدّمت مع خصمٍ إلى والٍ أو قاضٍ فكن عن يمينه، يعني: يمين الخصم (4). و هذا تخليط من ابن الجنيد، لأنّ التأويلات إنّما تدخل بحيث تشكل الامور، و لا خلاف بين القوم أنّه إنّما أراد يمين الخصم دون اليمين الّتي هي القسم، و إذا فرضنا المسألة في نفسين تبادرا الكلام بين يدي القاضي و تناهياه و أراد كلّ واحد منهما أن يدّعي على صاحبه فهما جميعاً مدّعيان، كما أنّهما جميعاً مدّعى عليهما، فبطلت المزيّة و التفرقة الّتي توهّمها ابن الجنيد (5). انتهى.

و الاعتراض على ابن الجنيد مدفوع، فإنّه لا يؤوّل الحديث و إنّما يقول: إنّ لفظ الخبر وحده لا يصلح سنداً للحكم لاحتمال اليمين القسم، ثمّ استدرك و ذكر أنّه و إن احتمله لكن فسّر في خبر آخر بمقابل الشمال. ثمّ إنّه لم يدّع أنّ معنى الخبر أنّه إذا ابتدر شخصان و أراد كلّ منهما أن يدّعي على صاحبه قدّم المدّعي، و لا في

____________

(1) المبسوط: ج 8 ص 153.

(2) تحرير الأحكام: ج 5 ص 129.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 160 ب 5 من أبواب آداب القاضي ح 2.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 159 ب 5 من أبواب آداب القاضي ح 1.

(5) الانتصار: ص 495.

51

الخبر لفظ يخصّصه بهذه الصورة حتّى يرد عليه أنّ كلّا منهما مدّعي و مدّعى عليه. نعم يرد على ابن الجنيد أنّه لمّا احتمل أن يكون صاحب اليمين هو المدّعي كان ينبغي أن يوجّهه بأنّ الّذي يحلف المنكر، و اليمين حقّ له عليه، فإنّ التوجيه بأنّه يحلف إذا ردّت اليمين إليه في غاية البعد [و يجوز أن يردّ له اليمين إليه أي حقّه (1)].

و في المبسوط: فالّذي رواه أصحابنا أنّه يقدّم من يكون على يمين صاحبه. و قال قوم: يقرع بينهما. و منهم من قال: يقدّم الحاكم من شاء. و منهم من قال: يصرفهما حتّى يصطلحا. و منهم من كان يستحلف كلّ واحد منهما لصاحبه. و بعد ما رويناه القرعة أولى (2).

و في الخلاف بعد ما ذكر رواية الأصحاب و الأقوال المنقولة في المبسوط قال: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و لو قلنا بالقرعة على ما ذهب إليه أصحاب الشافعي كان قويّاً، لأنّه مذهبنا في كلّ أمر مجهول (3).

و يكره و في المبسوط: و لا يجوز (4) له أن يضيّف أحد الخصمين دون صاحبه لاقتضائه التهمة بأنّ هواه فيه، و ربّما أوجب انكسار قلب الآخر، و لخبر السكوني عن الصادق (عليه السلام): أنّ رجلًا نزل بأمير المؤمنين (عليه السلام) فمكث عنده أيّاماً ثمّ تقدّم إليه في خصومة لم يذكرها لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: أخصم أنت؟ قال: نعم، قال: تحوّل عنّا، أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله نهى أن يضاف خصم إلّا و معه خصمه (5).

و لا ينبغي أن يحضر ولائم الخصوم لئلّا يزيد أحدهم في إكرامه فيميل إليه.

و لا بأس بوليمة غيرهم إذا لم يكن هو المقصود بالدعوى أي الدعوة بل يعمّه و غيره، و إلّا احتمل أن يكون غرض المضيّف إمالته إلى نفسه.

____________

(1) لم يرد في ن و ق، و في ل: و يجوز أنّ يريد أنّ اليمين إليه أي حقّه.

(2) المبسوط: ج 8 ص 154.

(3) الخلاف: ج 6 ص 234، المسألة 32.

(4) المبسوط: ج 8 ص 151.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 157 ب 3 من أبواب آداب القاضي ح 2.

52

و للعامّة قول بحرمة حضوره الولائم مطلقاً (1).

و يستحبّ له أن يعود المرضى، و يشهد الجنائز كغيره، للعموم.

و الرشوة مثلّثة و هي الجعل و أصلها بذل على سبب أو تسبّب بشيء برفق حرام على آخذها كانت له كفاية أو رزق من بيت المال أم لا، لعموم النصوص كقوله صلى الله عليه و آله: لعن اللّٰه الراشي و المرتشي (2). و سئل الصادق (عليه السلام) عن السحت، فقال: الرشا في الحكم (3). و عنه (عليه السلام): الرشا في الحكم هو الكفر باللّٰه (4).

و يأثم دافعها إن توصّل بها إلى الباطل لا إلى الحقّ إذا لم يمكن الوصول بدونه.

و يجب على المرتشي إعادتها لأنّه لا يملكها و إن حكم عليه أي الراشي بحقّ أو باطل. و لو تلفت قبل وصولها إليه أي الراشي ضمنها لأنّه غاصب.

و أمّا الهديّة فإن كانت ممّن له عادة بقبولها منه فلا بأس بأخذها. و يستحبّ التنزّه، إلّا أن يهديه للحكم فيحرم. و إن كانت ممّن لا عادة له بالإهداء فالوجه الحرمة، لأنّه كالرشوة، و لما روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله من قوله: هديّة العمّال سحت (5). و من أنّه استعمل على الصدقات رجلًا فلمّا قدم قال: هذا لكم و هذا اهدي إليَّ، فقام النبيّ صلى الله عليه و آله على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثه على أموالنا يقول هذا لكم و هذا اهدي إليَّ، فهلّا جلس في بيت أبيه أو في بيت امّه ينظر أ يهدى له أم لا؟ و الّذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئاً إلّا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعِرُ، ثمّ رفع يده حتّى رأينا غفرة

____________

(1) الحاوي الكبير: ج 16 ص 44.

(2) كنز العمّال: ج 6 ص 113 ح 15078.

(3) وسائل الشيعة: ج 12 ص 62 ب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 162 ب 8 من أبواب آداب القاضي ح 3.

(5) الكامل لعبد اللّٰه بن عديّ: ج 1 ص 458.