كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام - ج11

- الفاضل الهندي المزيد...
543 /
5

[كتاب الجنايات]

كتاب الجنايات القتل للمؤمن ظلماً من أعظم الكبائر قال تعالى: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا وَ غَضِبَ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذٰاباً عَظِيماً» (1) و عن الصادق (عليه السلام): أنّه وجد في ذؤابة سيف رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله صحيفة فإذا فيها مكتوب: بسم اللّٰه الرحمٰن الرحيم، إنّ أعتى الناس على اللّٰه يوم القيامة من قتل غير قاتله، و ضرب غير ضاربه (2). و عنه صلى الله عليه و آله في رجل قتل رجلًا مؤمناً، قال: يقال له: مت أيّ ميتة شئت: إن شئت يهوديّاً، و إن شئت نصرانيّاً، و إن شئت مجوسيّاً (3). و عنه (عليه السلام): لا يدخل الجنّة سافك الدم، و لا شارب الخمر و لا مشّاء بنميم (4). و عن النبيّ صلى الله عليه و آله: و الّذي بعثني بالحقّ، لو أنّ أهل السماء و الأرض شركوا في دم امرئ

____________

(1) النساء: 93.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 16 ب 8 من أبواب القصاص في النفس ح 4.

(3) وسائل الشيعة: ج 19 ص 10 ب 3 من أبواب القصاص في النفس ح 1.

(4) وسائل الشيعة: ج 19 ص 5 ب 1 من أبواب القصاص في النفس ح 9.

6

مسلم و رضوا به لأكبّهم اللّٰه على مناخرهم في النار، أو قال: على وجوههم (1). و سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن قوله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنٰا عَلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً» فقال يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها، لو قتل الناس جميعاً كان إنّما يدخل ذلك المكان، قيل (2): فإنّه قتل آخر؟ قال يضاعف عليه (3).

و يتعلّق به القصاص أو الدية و الكفّارة.

فهنا قطبان في القصاص و الدية ما تعلّق منهما بالنفس و بالأطراف.

و خاتمة في الكفّارة.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 8 9 ب 2 من أبواب القصاص في النفس ح 2.

(2) في الوسائل: قلت.

(3) وسائل الشيعة: ج 19 ص 3 ب 1 من أبواب القصاص في النفس ح 2.

7

[القطب الأوّل في القصاص و فيه بابان]

القطب الأوّل في القصاص و فيه بابان

8

[الباب الأوّل في قصاص النفس و فيه مقاصد ثلاثة:]

الأوّل في قصاص النفس و فيه مقاصد ثلاثة:

[المقصد الأوّل في القاتل]

الأوّل في القاتل أي فعله الموجب للقصاص.

و فيه فصول ثلاثة:

[الفصل الأوّل في الموجب]

الأوّل في حقيقة الموجب للقصاص و هو إتلاف النفس المعصومة شرعاً المكافئة للقاتل في الأوصاف الآتية أو العليا في بعضها عمداً ظلماً و كان يغني عنه «المعصومة» فإنّ من يقتل عمداً غير مظلوم، غير معصوم، و قد يعتذر بأنّه لإخراج قتل الصبيّ و المجنون اللذين يصحّ منهما القصد، و يحمل العصمة على الذاتية و الّذي يظهر ممّا سيذكره: أنّ الظلم أن لا يستحقّ القتل بالنسبة إلى القاتل خاصّة، و بالعصمة أن لا يستحقّه مطلقاً مباشرة أو تسبيباً منفرداً أو بالشركة.

فلو قتل غير معصوم الدم كالحربي و الزاني المحصن و المرتدّ و كلّ من أباح الشرع قتله فلا قصاص و إن أثم في بعض الصور.

و كذا لو قتل غير المكافئ له كالمسلم يقتل الذميّ و الحرّ العبد و الأب الابن. و يثبت

9

القصاص في العكس و لذا زدنا «العليا».

و لو قتل معصوماً مكافئاً خطأً أو شبيه عمد فلا قصاص.

و لو قتله عمداً غير ظلم كالمدفوع عن نفسه أو ماله أو حريمه و كالمقتول قصاصاً فلا قصاص.

و أقسام القتل ثلاثة عمد محض، و خطأ محض، و عمد شبيه الخطأ خلافاً لمالك (1) فحصره في العمد المحض و الخطأ المحض، و جعل عمد الخطأ من العمد و أوجب فيه القود.

فالعمد المحض هو مناط القصاص و هو أن يكون الجاني عامداً في قصده و فعله جميعاً و يتحقّق بقصد البالغ العاقل إلى القتل بما يقتل غالباً قطعاً أو نادراً على الأقوى وفاقاً لابن حمزة (2) و المحقّق (3) لأنّه قتل متعمّداً في القصد و الفعل. و لنحو قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي: إنّ العمد كلّ من اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد، و الخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره (4). و في خبر أبي بصير: لو أنّ رجلًا ضرب رجلا بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً (5). و في صحيح عبد الرحمٰن بن الحجاج: أنّ من عندنا ليقيدون بالوكزة، و إنّما الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره (6). و خبر أبي العبّاس، سأله (عليه السلام) عن الخطأ الّذي فيه الدية و الكفّارة، أ هو أن يعتمد ضرب رجل و لا يعتمد قتله؟ قال نعم (7). و قول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل جميل: قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب ففيه القود، و إنّما الخطأ أن يريد الشيء

____________

(1) بداية المجتهد: ج 2 ص 429، المدوّنة الكبرى: ج 6 ص 306.

(2) الوسيلة: ص 429.

(3) شرائع الإسلام: ج 4 ص 195.

(4) وسائل الشيعة: ج 19 ص 24 25 ب 11 من أبواب القصاص في النفس ح 3.

(5) المصدر السابق: ص 26 ح 8.

(6) المصدر السابق: ص 23 24 ح 1.

(7) المصدر السابق: ص 26 ح 9.

10

فيصيب غيره (1). و ظاهر الأكثر أنّه ليس بعمد، إذ لمّا لم يكن الآلة ممّا يقتل عادة فمجامعة القصد معها كالقصد بلا ضرب.

و للاحتياط (2). و لنحو خبر أبي العبّاس، سأل الصادق (عليه السلام) رمى الرجل بالشيء الّذي لا يقتل مثله، قال: هذا خطأ، قال: و العمد، الّذي يضرب بالشيء الّذي يقتل بمثله (3). و قوله (عليه السلام) في مرسل يونس: إن ضرب رجل رجلًا بالعصا أو بالحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو شبيه العمد و الدية على القاتل، و إن علاه و ألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمد يقتل به، و إن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثمّ مكث يوماً أو أكثر من يوم ثمّ مات فهو شبه العمد (4) و يمكن حملهما على من لم يقصد القتل.

أو قصده إلى الفعل الّذي يحصل به القتل غالباً مع علمه بذلك و إن لم يقصد القتل فإنّ قصد السبب مع العلم بالسببيّة قصد المسبّب، بل يكفي قصد ما سببيّته معلومة عادة و إن ادّعى القاتل الجهل فإنّه لو سمعت دعواه بطلت أكثر الدماء.

أمّا لو قصد إلى الفعل الّذي يحصل به الموت و ليس قاتلًا في الغالب و لا قصد به القتل كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف فاتّفق القتل فالأقرب أنّه ليس بعمد و إن أوجب الدية في ماله لكونه شبيه العمد، لأنّه لم يقصد القتل و لا ما يتسبّب له عادة فيحتمل اتّفاق الموت معه من دون تسبّبه عنه، و لخبري أبي العبّاس و يونس المتقدّمين، و قول الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة و أبي العبّاس: إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله فقتله بما لا يقتل مثله (5). و للاحتياط.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 25 26 ب 11 من أبواب القصاص في النفس ح 6.

(2) عطف على قوله: و لنحو قول الصادق (عليه السلام).

(3) نفس المصدر: ص 25 26 ح 7.

(4) المصدر السابق: ص 25 ح 5.

(5) وسائل الشيعة: ج 19 ص 27 ب 11 من أبواب القصاص في النفس ح 13.

11

و يحتمل على ضعف كونه عمداً، لأنّه قصد فعلًا تسبّب للقتل و إن لم يقصد القتل و لا كان ما قصده ممّا يقتل غالباً و عليه منع التسبّب، و لما تقدّم من أخبار الحلبي و أبي بصير و جميل (1) و هو خيرة المبسوط في الأشياء المحدّدة.

قال: إذا جرحه بما له حدّ يجرح و يفسح و يبضع اللحم كالسيف و السكّين و الخنجر و ما في معناه ممّا يحدّد فيجرح كالرصاص و النحاس و الذهب و الفضّة و الخشب و الليطة و الزجاج، فكلّ هذا فيه القود إذا مات منه، صغيراً كان الجرح أو كبيراً صغيرة كانت الآلة أو كبيرة لقوله تعالى: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً» و هذا قد قتل مظلوماً.

و أمّا إن جرحه بما يثقب البدن و لا يجرح كالمسلّة و المخيط و هو شيء عريض رأسه حادّ و لا يحدّد غير رأسه، فمات فعليه القود للآية. و أمّا إن كان صغيراً كالإبرة و نحوها فغرزه فيه فمات، فإن كان غرزه في مقتل كالعين و اصول الاذنين و الخاصرة و الخصيتين فعليه القود لأنّه مقتل، و إن كان في غير مقتل كالرأس و الفخذ و الصلب و العضد، فإن كان لم يزل زمناً حتّى مات فعليه القود للآية و لأنّ الظاهر أنّه منه، و أمّا إن مات من ساعته، قال قوم: عليه القود، لأنّ له سراية في البدن كالمسلّة، و قال آخرون: لا قود في هذا، لأنّ هذا لا يقتل غالباً كالعصا الصغير. و الأوّل أقوى، للآية.

إذا ضربه بمثقل يقصد به القتل غالباً كاللتّ و الدبوس و الخشبة الثقيلة و الحجر فقتله فعليه القود، و كذلك إذا قتله بكلّ ما يقصد به القتل غالباً، مثل أن حرّقه أو غرقه أو غمّه حتّى تلف أو هدم عليه بناءً أو طيّنه عليه بغير طعام حتّى مات أو والى عليه بالخنق، ففي كلّ هذا القود.

فأمّا إن قتله بعصاً خفيفة صقيلة نظرت، فإن كان نضو الخلقة ضعيف القوّة و البطش

____________

(1) تقدّمت في ص 9.

12

يموت مثله [منه (1)] به فهو عمد محض، و إن كان قويّ الخلقة و البطش لم يكن عمداً عند قوم، و كذلك عندنا، و في جملة ما ذكرناه خلاف و نحن نشرح هذه الجملة.

أمّا المثقل فمعروف فمتى قتله به فعليه القود، و أمّا الخنق فإن خنقه بيده أو بيديه أو لفّ على حلقه حبلًا أو منديلًا و لم يزل يوالي حتّى مات فعليه القود، و هكذا إن جعل على نفسه شيئاً منع خروج نفسه مثل مخدّة أو ثوب أو سدّه بيده مدّة يموت في مثلها فمات فعليه القود، و إن مات في مدّة لا يموت في مثلها غالباً فهو عمد الخطأ فيه الدية مغلّظة [في ماله لا (2)] على العاقلة.

هذا إذا لم يرسله حتّى مات، و إن أرسله نظرت، فإن كان منقطع النفس و لم يتردّد نفسه فعليه القود لأنّه أرسله و هو في حكم المذبوح، و إن تردّد نفسه و لم يزل زمناً منه حتّى مات فعليه أيضاً القود، لأنّ الظاهر أنّه مات من ذلك الخنق، فإن برئ و زال الألم بعد ذلك فلا ضمان عليه، لأنّه مات من غير الخنق، مثل الجراحة إذا اندملت ثمّ مات.

فأمّا إن خنقه بحبل جعل له خراطة فأدخلها في حلقه ثمّ جعله على كرسي أو شيء عال و شدّ الحبل من فوقه بشيء ثمّ رفع ذلك الكرسيّ من تحته فتعلّق بنفسه فعليه القود، و إن مات من ساعته، لأنّه لا (3) قتل بخنق الحبل و لا أوحى منه.

و إذا ضربه بسوط أو عصا ضعيفة فإن والى عليه العدد الّذي يموت منه غالباً فعليه القود، و هذا يختلف باختلاف الانسان، فإن كان نضو الخلقة ضعيف الجسم مات بالعدد القليل، و إن كان قويّاً عَبْلًا لم يمت إلّا بالعدد الكثير فإن كان عدداً لا يموت منه غالباً لكنّه مات لشدّة حرٍّ أو برد و كان مثل هذا العدد يقتل في هذا الزمان فعليه القود، و إن كان معتدلًا فلا قود، لأنّ هذا العدد لا يقتل في هذا الزمان غالباً.

و جملته أنّ هذا يختلف باختلاف حال الإنسان في نفسه، و باختلاف الزمان

____________

(1) لم يرد في النسخ.

(2) لم يرد في المبسوط.

(3) لم يرد في النسخ: لا.

13

فإن كان مثله يموت من هذا العدد في هذا الزمان فعليه القود، و إن كان مثله لا يموت من هذا العدد في هذا الزمان فلا قود لكنّه عمد الخطأ ففيه الدية مغلّظة في ماله عندنا خاصّة.

و إذا أخذ حرّاً فحبسه فمات في حبسه، فإن كان يراعيه بالطعام و الشراب فمات في الحبس فلا ضمان بوجه، صغيراً كان أو كبيراً، و قال بعضهم: إن كان كبيراً مثل هذا، و إن كان صغيراً، فإن مات حتف أنفه فلا ضمان، و إن مات بسبب مثل أن لدغته حيّة أو عقرب أو قتله سبع أو وقع عليه حائط أو سقف فقتله فعليه الضمان، و هذا الذي يقتضيه مذهبنا و أخبارنا.

فأمّا إن منعه الطعام أو الشراب أو إيّاهما أو طيّن عليه البيت فمات، فإن مات في مدّة يموت فيها غالباً فعليه القود، و إن كان لا يموت فيها غالباً فلا قود و فيه الدية، و هذا يختلف باختلاف حال الإنسان و الزمان، فإن كان جائعاً أو عطشاناً و الزمان شديد الحرّ، مات في الزمان القليل و إن كان شبعان و ريّان و الزمان معتدل أو بارد و لم يمت إلّا في الزمان الطويل، فيعتبر هذا فيه، فإن كان في مدّة يموت مثله فيها فعليه القود (1) انتهى بألفاظه.

و لم يوجب القود فيما لا يقتل غالباً إلّا في المحدّد، و لا دليل على الفرق إلّا أنّ في خبر عبد اللّٰه بن زرارة عن الصادق (عليه السلام): إذا ضربت الرجل بحديدة فذلك العمد (2). ثمّ يحتمل أن يكون إنّما رأى القود إذا قصد به القتل فتكون المسألة المتقدّمة، و قطع بأنّه إذا جرحه بذلك فلم يزل المجروح زمناً كان عليه القود، و كذا المصنّف هنا و في غيره، و المحقّق (3) ظاهراً، و سيأتي.

و أمّا شبيه العمد فهو أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده

____________

(1) المبسوط: ج 7 ص 16.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 105 ح 5195، و فيه: عن الفضل بن عبد الملك.

(3) شرائع الإسلام: ج 4 ص 196.

14

لأنّه لم يقصد القتل و لكن أفضى إليه فعله مثل أن يضرب للتأديب أو يمازح به أو يعالجه الطبيب فيموت، أو يقصد ضربه بما لا يقتل غالباً بقصد العدوان فيموت.

و أمّا الخطأ المحض الّذي ورد في الأخبار (1) أنّه الخطأ الّذي لا شبهة فيه فأن يكون مخطئاً في فعله و قصده جميعاً و هو أن يفعل فعلًا لا يريد به إصابة المقتول فضلًا عن إرادة قتله فيصيبه مثل أن يقصد صيداً أو هدفاً أو عدوّاً أو غيره فيصيبه فيقتله سواء كان بآلة قتّالة غالباً أو لا أو أن لا يقصد الفعل أصلًا كمن يزلق رجله فيسقط على غيره فيقتله أو ينقلب في النوم على طفل فيقتله و يدخل في هذا القسم ما يتعمّده الأطفال و المجانين.

[الفصل الثاني في أقسام العمد]

الفصل الثاني في أقسام العمد و هي اثنان كذلك ينحصر في اثنين:

[القسم الأوّل: المباشرة]

الأوّل: المباشرة، و هو نوعان:

الأوّل: أن يضربه بمحدّد و هو ما يقطع و يدخل في البدن كالسيف و السكّين و السنان و ما في معناه ممّا يحدّد فيجرح و يقطع من الحديد و الرصاص و النحاس و الذهب و الفضّة و الزجاج و الحجر و القصب و الخشب.

فهذا كلّه إذا جرح به جرحاً كبيراً يقتل مثله غالباً فهو قتل عمدٍ إذا تعمّد.

و إن جرحه بأحد ما ذكر جرحاً صغيراً لا يقتل مثله غالباً كشرطة الحجّام أو غرزه بإبرة أو شوكة فإن كان في مقتل كالعين و الفؤاد و الخاصرة و الصدغ و أصل الاذن و الانثيين و المثانة و الأجد عين و نقرة النحر فمات فهو عمد أيضاً فإنّه ممّا يقتل غالباً و إن كان في غير مقتل فإن كان قد بالغ في إدخالها فهو كالكبير من الجرح لأنّه قد يشتدّ ألمه

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 23 ب 11 من أبواب القصاص في النفس.

15

و يفضي إلى القتل فإذا بالغ مبالغة كذلك فقد فعل ما يقتل غالباً.

و إن كان الغرز يسيراً أو جرحه بالكبير جرحاً يسيراً كشرطة الحجّام فإن بقي المجروح من ذلك ضمناً أي مريضاً زمناً حتّى مات أو حصل بسببه تشنّج أو تآكل أو ورم حتّى مات فهو عمد كما في المبسوط (1) لتحقّق العلم بحصول القتل بفعله كما إذا سرى الجرح فمات فإنّه يوجب القصاص، فالضابط في القصاص العلم العادي بتسبّب موت المقتول من فعله المتعمّد به.

و إن مات في الحال بغير تجدّد شيء من ذلك فالأقرب وجوب الدية في ماله كما مرَّ النوع.

الثاني: أن يضربه بمثقل يقتل مثله غالباً كاللتّ أي الدبوس و هو فارسي و المطرقة و الخشبة الكبيرة و الحجارة الكبيرة أو يضربه بحجر صغير أو عصا أو يلكزه أي يضربه بجميع الكفّ بها أي بيده أو كفّه و إن لم يجر بها ذكر، أو اللكزة، أو بالحجر و العصا، و اللكزة أي يضربه بها في مقتل أو في حال ضعف المضروب بمرض أو صغر أو في زمن مفرط الحرّ أو البرد و بالجملة بحيث يقتله بتلك الضربة غالباً بحسب الزمان و حال المضروب و محلّ الضرب.

أو يكرّر الضرب عليه حتّى يقتله بما يقتل من العدد غالباً عدده و هو أيضاً يختلف باختلاف الزمان و باختلاف حال المضروب كما سمعته من عبارة المبسوط (2).

و كلّ ذلك يوجب القود و إن لم يقصد القتل بذلك أو ادّعى الجهل بإفضائه إلى القتل عادة فإنّه لو سمع منه ذلك أدّى إلى إهدار دماء المسلمين.

أمّا لو ضربه بشيء صغير جدّاً كالقلم و الإصبع في غير مقتل أو مسّه بالكبير من غير ضرب و لا مسّ عنيف و لم يكن ممّا يقتل بثقله، و بالجملة فعل

____________

(1) المبسوط: ج 7 ص 16.

(2) المبسوط: ج 7 ص 17.

16

ما لا يحتمل استناد القتل إليه عادة و لا نادراً فلا قود و لا دية لأنّه لم يقتله عمداً و لا خطأ و إنّما اتّفق موته مع فعل من أفعاله.

و كذا يجب القصاص بالذبح و نحوه ممّا لا يدخل في الضرب بمحدّد أو مثقل.

و الخنق الّذي هو كذلك، و قد أدخله هنا في المباشرة و سيذكره في التسبيب، و الصواب دخوله في المباشرة كما في التحرير (1) و الشرائع (2) كما سيظهر عند ظهور معنييهما.

[القسم الثاني: التسبيب]

القسم الثاني: التسبيب و جعل منه هنا المشاركة في المباشرة و لا بأس به و لذا كان فيه مطالب أربعة.

[المطلب الأوّل: انفراد الجاني بالتسبيب]

الأوّل: انفراد الجاني بالتسبيب و له أي للتسبيب المنفرد الموجب للقود صور ثمان.

الأوّل: لو خنقه بيده أو بحبل أو منديل أو بشيء يضعه على فيه أو أنفه أو بأن يضع يديه عليهما و لا يرسلهما حتّى يموت أو لم يرخ عنه الحبل أو المنديل حتّى انقطع نفسه أو لم ينقطع بل كان النفس يتردّد حين أرخى أو رفع اليد و لكن صار ضمناً حتى مات فهو عمد طالت المدّة قدراً يقتل الخنق في مثله غالباً أو لا، قصد القتل أو لا، لما عرفت.

و لو حبس نفسه يسيراً فإن كان المقتول ضعيفاً يموت بمثله غالباً كالمريض و الطفل فكذلك، و إن لم يكن ضعيفاً و كان الحبس ممّا لا يقتل غالباً ثمّ أرسله فمات، فالأقرب الدية إن لم يقصد القتل أو اشتبه لما عرفت و لم يظهر فيه خلاف كما ظهر في المحدّد.

و القصاص إن قصده لما مرَّ.

و كذا لو داس بطنه، أو عصر خصيته و والى عليه حتّى مات، أو

____________

(1) التحرير: ج 5 ص 421.

(2) شرائع الإسلام: ج 4 ص 196.

17

أرسله منقطع القوّة أو ضمناً حتّى مات فالقصاص أتى منهما بما يقتل غالباً أو لا، قصد القتل أو لا، و إن أتى بما يقتل نادراً و مات عقيبه من غير أن يتعقّبه ضمنه، فإن قصد القتل بما يقتل فالقصاص و إلّا الدية، وهما يختلفان بالشدّة و الضعف و طول المدّة و قصرها و ضعف المقتول و قوّته.

الثاني: لو رماه بسهم فقتله قُتل لدخوله في ضابط العمد الموجب للقصاص و هو العلم باستناد الموت إلى فعله عادة و كذا لو رماه بحجر المنجنيق أو غيره ممّا يقتل مثله غالباً أو ضربه بعصا مكرّراً ما لا يحتمله مثله بالنسبة إلى زمانه من حرّ أو برد و بدنه من ضعف أو مرض و قد مرَّ النصّ عليه في مرسل يونس (1).

أو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضاً و مات به و إن لم يرد قتله لما مرَّ.

الثالث: لو حبسه و منعه الطعام و الشراب مدّة لا يحتمل مثله قوّةً أو ضعفاً، و صحّة أو مرضاً، شبعاً أو ريّاً، أو جوعاً أو عطشاً البقاء فيها فمات أو مدّةً يحتمل مثله البقاء فيها لكن أعقبه ذلك مرضاً علم أنّه مسبّب عنه مات به، أوضعف قوّة كذلك حتّى تلف بسببه، فهو عمد و إن لم يرد القتل.

و يختلف ذلك باختلاف الناس في قواهم و اختلاف الأحوال فيهم من الصحّة و المرض و الجوع و الشبع و الريّ و العطش و الأزمان حرارة و برودة و اعتدالًا فالريّان في البرد يصبر ما لا يصبر العطشان في الحرّ، و بارد المزاج و قويّه و صحيحه يصبر على الجوع و العطش أكثر من حارّه و ضعيفه و مريضه.

و لو حبس الجائع مدّة لا يموت الشبعان في مثلها و يموت الجائع حتّى مات جوعاً، فإن كان علم جوعه لزمه القصاص، كما لو ضرب مريضاً ضرباً يقتل المريض دون الصحيح، و إن جهله ففي القصاص

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 25 ب 11 من أبواب القصاص في النفس ح 5.

18

إشكال: من تحقّق القتل بما يقتل مثله عادة و تعمّده، و من الجهل بأنّه ممّن يقتله، و يدفعه ضابط الموجب للقصاص.

فإن نفيناه ففي إيجاب كلّ الدية بناءً على استناد الموت إلى الجوع المضمون المستند إلى الحبس و الجوع الغير المضمون المتقدّم عليه مع كون الضابط في مثله إسقاط غير المضمون و إلّا لم يجز الاقتصاص منه مع العلم إلّا بعد ردّ نصف الدية عليه.

أو نصفها على ضعف كما في التحرير (1) إحالة للهلاك على الجوعين إشكال و يجري الإشكالان في ضرب المريض بما يقتله دون الصحيح مع الجهل بالمرض.

الرابع: أن يسقيه سمّاً قاتلًا عادةً أو يطعمه شيئاً قاتلًا بأن يخلط السمّ بطعام لا يكسر حدّته فيطعمه أو شيئاً قاتلًا لا يسمّى سمّاً بأن أكرهه على الشرب أو الأكل أو ناوله و هو جاهل بما فيه، و منه الطفل و المجنون و المغمى عليه و السكران فهو عمد، بخلاف ما إذا وضع سمّاً أو صنع مسموماً فأكله غيره عن جهل أو ناوله غيره و أعلمه بالحال و هو بالغ كامل العقل و لم يكرهه، و للشافعي قول بسقوط القود بدون الإكراه و إن جهل المتناول الحال (2).

و لو كان السمّ ممّا يقتل كثيره لا قليله فأطعمه الكثير فكذلك، و إن أطعمه القليل الّذي لا يقتل مثله غالباً فاتّفق الموت به فهو كغيره من الأسباب النادرة عمد إن قصد القتل به على الخلاف المتقدّم و إلّا فلا على احتمال الخلاف إلّا أن يعقب ألماً أو مرضاً فمات به.

و يختلف الحال باختلاف الأمزجة و الأزمنة و الأحوال.

الخامس: أن يطرحه في النار أو الماء فيموت فهو عمدٌ إن لم يتمكّن من التخلّص لكثرة الماء أو النار، أو لضعفه عن التخلّص بمرض أو صغر أو رباط أو عمى، و علم الرامي بالحال أو قصد القتل به.

أو منعه عن

____________

(1) التحرير: ج 5 ص 423.

(2) الامّ: ج 6 ص 41 42.

19

الخروج حتّى مات أو كان في وهدة لا يتمكّن من الصعود أو ألقاه في بئر ذات نفس أي بعيدة من قولهم غايط متنفّس أي بعيدة و تنفّس النهار إذا طال و تنفّس به العمر و بلغك اللّٰه أنفس الأعمار، أو احتقن فيها الهواء عالماً بذلك أي بصفة البئر فمات.

و لو كان السبب غير مهلك كما لو ألقاه في ماء يسير يتمكّن من الخروج عنه فلم يخرج اختياراً بل بقي تحته مستلقياً مثلًا حتّى مات فلا قود و لا دية، لأنّ الموت إنّما حصل بلبثه، و هو مستند إليه لا إلى الجاني بخلاف ما إذا ألقى العالم بالسباحة في ماء مغرق فترك السباحة حتّى مات، فإنّ السبب فيه و هو الإلقاء في الماء المغرق مهلك و الدفع غير موثوق به فربما ذهل أو ضعف عن السباحة إلّا أن يعلم أنّه تركها تخاذلًا بأن قال بعد الإلقاء: إنّي أقدر على السباحة و لا أسبح حتّى أموت.

و إن كان السبب مهلكاً لكن الدفع موثوق به كما لو تركه في نار يتمكّن من التخلّص منها لقلتها أو لكونه في طرفها يمكنه الخروج منها بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص إذ بتمكّنه من الخروج خرج الإلقاء عمّا يؤدّي إلى الموت فإنّما حصل بلبثه المستند إليه دون الجاني و لا أقلّ من الشبهة و سنذكر الفرق بينه و بين ما إذا جرح فلم يداو جرحه حتّى مات.

و في لضمان للدية إشكال: من الإشكال في استناد الموت إلى إهماله الخروج، أو إلى فعل الجاني الّذي هو الإلقاء و أقربه السقوط إن علم أنّه ترك الخروج تخاذلًا و لو لم يعلم ذلك ضمنه و إن دلّت القرينة على أنّه قدر على الخروج لأنّه غير معلوم لأنّ النار قد ترعبه و تدهشه و تشنّج أعضاءه بالملاقاة فلا يظفر بوجه المخلص فيكون الموت مستنداً إلى فعل الجاني. و بالجملة فالظاهر استناد الموت إلى فعل الجاني و المسقط الّذي هو الإهمال غير معلوم، ثمّ هذه العبارة تعطي القطع بعدم القصاص مطلقاً و هو موافق

20

للخلاف (1) و التردّد في سقوط الدية ثمّ استقرابه إذا علم الإهمال تخاذلًا. و عبارة التحرير (2) كالشرائع (3) و الإرشاد (4) و التلخيص (5) يعطي القطع بالقصاص إذا لم يعلم الإهمال تخاذلًا و بعدمه إذا علم، و استقراب سقوط الدية أيضاً إذا علم لقوله: و لو كان السبب مهلكاً لكن الدفع سهل وجب القصاص، كما لو ألقى العارف بالسباحة في ماء مغرق فلا يسبح لأنّه ربما ذهل عن السباحة، و كذا لو ألقاه في نار فوقف حتّى احترق لأنّ الأعصاب قد تتشنّج بملاقاة النار فيتعسّر الحركة، و لو عرف أنّه ترك الخروج تخاذلًا فلا قود لأنّه أعان على نفسه، و الأقرب عدم الدية أيضاً لاستقلاله بإتلاف نفسه. انتهى. و مبنى الوجهين على تعارض ظاهرين و أصلين، فإنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه لا يتخاذل عن الخروج حتّى يحترق، و ظاهر النار المفروضة سهولة الخروج عنها و أنّه لا يحترق بها إلّا من تعمّد اللبث فيها، و الأصل براءة الذمّة، و الأصل عدم الشركة في الجناية و الإحتياط يقوّي ما في الكتاب.

و لو لم يمكنه الخروج إلّا إلى ماء مغرّق فخرج إليه فغرق ففي الضمان قصاصاً أو دية إشكال: من استناد موته إلى فعل نفسه الّذي هو الوقوع في الماء، و من إلجائه إليه.

و لو لم يمكنه التخلّص من النار إلّا بقتل نفسه مباشرة ففعل فالإشكال المتقدّم أقوى لأنّه باشر قتل نفسه، و المباشر أقوى من السبب و الأقرب الضمان في المسألتين قصاصاً مع التعمّد و دية لا معه لأنّه بإلقائه في النار مع عدم إمكان التخلّص إلّا بقتل النفس أو الوقوع في مغرق صيّره في حكم غير مستقرّ الحياة،

____________

(1) الخلاف: ج 5 ص 161 المسألة 20.

(2) التحرير: ج 5 ص 423.

(3) شرائع الإسلام: ج 4 ص 196.

(4) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 195.

(5) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهيّة): ج 40 ص 467.

21

و لو غرّقه آخر لقصد التخليص من التلف أو من زيادة الألم فالأقرب الحوالة بالضمان على الأوّل لأنّه الّذي صيّره في حكم غير مستقرّ الحياة و الثاني محسن و ما على المحسنين من سبيل، و يحتمل الحوالة على الثاني لحصول الموت بفعله و زوال أثر فعل الأوّل، و لو قتله الآخر لتخليصه من زيادة الألم فالحوالة عليه.

فإن كان الأوّل وارثاً منع من الإرث في صورة الحوالة عليه و كذا في صورة ضمان الثاني للتهمة و إزالته استقرار الحياة حكماً.

و يحصل العلم بقدرته على الخروج عمّا القي فيه من نار أو ماء بقوله بعد الوقوع: أنا قادر على الخروج و لا أخرج حتّى أموت أو بقرائن الأحوال المعلومة كقلّة الماء و النار و الوقوع في الطرف.

و لو جرحه فترك المداواة فمات ضمنه، لأنّ السراية مع ترك المداواة من الجرح المضمون على الجارح بخلاف الملقى في النار مع القدرة على الخروج إذا تركه تخاذلًا، لأنّ التلف من النار ليس بمجرّد الإلقاء و الكون التابع له بل بالاحتراق المتجدّد للأكوان المتأخّرة عنه الصادرة عن نفسه و لو لا المكث الّذي اختاره لما حصل الاحتراق و لا سببه و كذا لا ضمان على الفصّاد لو فصده مداواة فترك هو بل كلّ منهما شدّه حتّى نزف الدم فمات على إشكال: من استناد الموت إلى تفريطه، و كون الفصد غير مهلك عادة، و أصل عدم وجوب الشدّ على الفصّاد إلّا مع نقص المفصود بصغر أو جنون أو إغماء. و هو خيرة التحرير (1) و الإرشاد (2) و التلخيص (3) و الشرائع (4). و من استناده إلى سراية الجرح فهو كغيره من الجراحات الّتي يمهل

____________

(1) التحرير: ج 5 ص 423.

(2) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 195.

(3) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 40 ص 467.

(4) شرائع الإسلام: ج 4 ص 197.

22

المجروح مداواتها، و ربَّما احتمل تضمين الطبيب إذا كان بأمره فإنّه معالجه أمّا لو شدّه الفصّاد فحلَّه المفصود فتركه حتّى نزف الدم فلا ضمان.

السادس: لو سرت جناية العمد على طرفٍ إلى النفس ثبت القصاص في النفس اتّفاقاً كما هو الظاهر، و إطلاقهم يشمل كلَّ جراحةٍ، قصد بها القتل أم لا، كانت ممّا يسري غالباً أو لا.

فلو قطع إصبعه عمداً لا بقصد القتل فسرت إلى نفسه قتل الجارح و لكن فيه نظر.

السابع: لو أوقع نفسه من علوٍّ على إنسانٍ فقتله و كان الإيقاع قصداً، و كان يقتل مثله غالباً أو كان يقتله نادراً مع قصد القتل فهو عمد. و لو لم يقصد في النادر منه القتل فهو عمد الخطأ و دمه نفسه هدر.

و لو وقع لا عن عمدٍ فلا شيء كما في خبر عبيد بن زرارة، عن الصادق (عليه السلام) (1).

و لو ألقاه غيره قاصداً للأسفل أن يقتله قيد الدافع به و بالواقع إن كان الوقوع ممّا يقتل الواقع غالباً أو قصد قتله أيضاً.

و لو قصد قتله بالدفع، أو كان الوقوع يقتل غالباً و لم يقصد إيقاعه على الأسفل ضمن ديته. و قتل بالواقع و في خبر ابن رئاب و عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)، في رجلٍ دفع رجلًا على رجلٍ فقتله فقال: الدية على الّذي وقع على الرجل فقتله لأولياء المقتول. قال: و يرجع المدفوع بالدية على الّذي دفعه، قال: و إن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً (2). و هو محمول على أنّه لم يعلم إلّا وقوعه، و لم يعلم تعمّده و لا دفع غيره له.

الثامن: أن يقتله بسحره إن قلنا: إنّ للسحر حقيقة، كما قيل (3).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 41 ب 20 من أبواب القصاص في النفس ح 3.

(2) الكافي: ج 7 ص 288 ح 2.

(3) لم نقف على قائله.

23

و استدلّ بقوله تعالى: «فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ» (1) و بالمشاهدة، و بأنّه لا معنى لإنزال ما لا حقيقة له على الملكين.

و هو عمد إذا قصد به القتل، أو كان سحره يقتل غالباً.

و قيل في الخلاف (2): يقتل؛ لما مرَّ من الأخبار (3) حدّاً لا قصاصاً، بناءً على أنّه لا حقيقة له؛ لقوله تعالى: «وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ» (4) و قوله: «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ» (5).

و في التبيان؛ لأنّ كلّ شيءٍ خرج عن العادة الجارية فإنّه لا يجوز أن يتأتّى من الساحر.

قال: و من جوّز للساحر شيئاً من هذا فقد كفر؛ لأنّه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحّة المعجزات الدالّة على النبوّة؛ لأنّه أجاز مثله من جهة الحيلة و السحر (6).

[المطلب الثاني: أن يشاركه حيوان مباشر]

المطلب الثاني: أن يشاركه حيوان مباشر فلو ألقاه في أرضٍ مسبعة مكتوفاً فافترسه الأسد اتّفاقاً فلا قود فإنّ الإلقاء المذكور ليس ممّا يغلب أداؤه إلى الافتراس و عليه الدية للتسبيب.

و لو ألقاه إلى السبع الضاري فافترسه وجب القصاص مع العمد لغلبة الافتراس.

و كذا لو جمع بينه و بين الأسد في مضيق و إن لم يكتفه، هذا إذا قتله السبع أو جرحه جرحاً يؤدّي إلى الموت غالباً.

و لو فعل به الأسد من الجرح.

ما لا يقتل غالباً، ضمن الدية إذا مات به للتسبيب.

و لا قصاص إذ لم يصدر منه مباشرة للقتل و لا تسبيب لما

____________

(1) البقرة: 102.

(2) الخلاف: ج 5 ص 329 المسألة 15.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 576 ب 1 من أبواب بقيّة الحدود و التعزيرات.

(4) البقرة: 102.

(5) طه: 66.

(6) التبيان: ج 1 ص 374.

24

يقتل غالباً إلّا إذا قصد به القتل، فكما تقدّم غير مرّةٍ، و المجنون الضاري كالسبع.

و لو أنهشه حيّةً قاتلًا بأن قبضها و ألقمها شيئاً من بدنه ضغطها أم لا فمات قتل به لغلبة الموت به.

و كذا لو طرح عليه حيّةً قاتلًا فنهشته فهلك أو جمع بينه و بينها في مضيقٍ لا يمكنه الفرار منها لأنّه يقتل غالباً خلافاً للعامّة (1) قالوا: لأنّها تهرب من الإنسان في المضيق بخلاف السبع، و هو ظاهر المبسوط (2) و قد أشار في التحرير (3) إلى احتماله، لقوله: فالأشبه ذلك، يعني القود.

و لو كتفه و ألقاه في أرضٍ غير معهودةٍ بالسباع فاتّفق افتراسه ضمن الدية للتسبيب و لا قصاص و هو ظاهر.

و لو أغرى به كلباً عقوراً فقتله فهو عمد لأنّه كالآلة و كذا لو ألقاه إلى أسدٍ ضاري و لا يتمكّن من الفرار عنه فقتله، سواء كان في مضيق أو بريّة و من العامّة (4) من فرّق بين البريّة و المضيق، و لعلّه أراد التمكّن من الفرار و عدمه. و لو كان الأسد لا يفترس غالباً كان الإلقاء إليه من الأسباب النادرة. و لو جهل حاله أمكن كونه كالضاري؛ لأنّ من طبعه الافتراس.

و لو ألقاه إلى البحر حيث يغرق غالباً فالتقمه الحوت قبل وصوله فعليه القود كما في الخلاف (5) و المبسوط (6) و النافع (7)؛ لأنّه أهلكه بالإلقاء فإنّه لو لم يأخذه الحوت لهلك بالغرق فكأنّه ابتلعه بعد الغرق فهو كنصلٍ منصوبٍ في عمق البئر على إشكالٍ ينشأ من تلفه بسببٍ غير مقصودٍ للملقي كما لو رمى به من شاهق فاستقبله غيره بالسيف فقدّه، و هو خيرة الشرائع (8).

نعم يضمن الدية، أمّا لو وصل فالتقمه بعد وصوله فإنّه عمد لوصوله قبله إلى

____________

(1) المجموع: ج 18 ص 380 و 387، المغني لابن قدامة: ج 9 ص 327.

(2) المبسوط: ج 7 ص 46.

(3) التحرير: ج 5 ص 430.

(4) المجموع: ج 18 ص 387.

(5) الخلاف: ج 5 ص 162 المسألة 22.

(6) المبسوط: ج 7 ص 19.

(7) المختصر النافع: ص 284.

(8) شرائع الإسلام: ج 4 ص 198.

25

المهلك. و كذا لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه؛ لأنّه كالإلقاء إلى السبع.

و لو ألقاه في ماءٍ قليلٍ لا يغرق فأكله سبع لوقوعه فيه أو التقمه حوت أو تمساح فعليه الدية للتسبيب لا القود لعدم قصده ما يقتله.

و لو جرحه ثمّ عضّه الأسد و سرتا فعليه القصاص خلافاً لبعض العامّة (1)، و لكن بعد ردِّ نصف الدية عليه لاستناد موته إلى سببين إنّما فعل أحدهما، و قد احتمل العدم؛ لأنّ الجرح الآخر غير مضمون. و إن عفا الوليّ على الدية فإنّما عليه نصفها.

و كذا لو شاركه في القتل من لا يقتصّ منه، كالأب لو شارك أجنبيّاً في قتل ولده، و كالحرِّ لو شارك عبداً في قتل عبدٍ، فإنّ القصاص يجب على الأجنبيّ و العبد خلافاً لأبي حنيفة (2) و دون الأب و الحرّ، لكن يؤخذ منهما نصف الدية أو نصف القيمة و يدفع إلى المقتصّ منه و لو عفا الوليّ على الدية اخذ من كلٍّ نصفها. و كالعامد إذا شارك المخطئ فيدفع عاقلة المخطئ نصف الدية إلى العامد و يقتصّ منه، خلافاً لابن سعيد (3).

و لو جرحه و نهشته حيّة فمات منهما فعليه نصف الدية مع العفو أو يقتصّ منه بعد ردّ النصف كما تقدّم.

و لو جرحه مع ذلك سبع فحصل الموت من الجميع فعليه الثلث من الدية. و إن اقتصّ منه ردّ عليه الثلثان؛ لاستناد الموت إلى أسباب ثلاثةٍ.

و يحتمل أن يكون عليه النصف. و لا ينظر إلى عدد الحيوان فضلًا عن عدد جراحات حيوانٍ واحدٍ؛ لاشتراك الكلّ في عدم الضمان فيعدّ غير المضمون من الجراحات و إن تكثّرت واحدة.

____________

(1) الشرح الكبير: ج 9 ص 348.

(2) المجموع: ج 18 ص 358.

(3) الجامع للشرائع: ص 588.

26

[المطلب الثالث: أن يشاركه المجنيّ عليه]

المطلب الثالث: أن يشاركه المجنيّ عليه إذا جرحه فداوى جرحه بما فيه سمّ فإن كان مجهزاً يقتل في الحال فلا قود على الجاني، بل عليه قصاص الجرح خاصّة إن كان فيه القصاص و القاتل هو المجروح نفسه فإنّه كما إذا جرح ثمّ ذبح نفسه.

و إن لم يكن مجهزاً و الغالب معه السلامة أو التلف فاتّفق الموت سقط ما قابل فعل المجروح، و وجب على الجارح ما قابل فعله، فتكون الجناية بينهما بالسواء يقتصّ من الجاني بعد ردّ نصف الدية عليه أو يعفى عنه على نصف الدية.

و للعامّة (1) قول بنفي القصاص مطلقاً؛ لأنّ إحدى الجنايتين غير مضمونة، و آخر بنفي القصاص إذا كان الغالب مع السمّ السلامة؛ لحصول الموت من عمدٍ و خطأ شبيهٍ به.

و كذا لو خاط نفسُه أو غيرُه بأمره جرحَه في لحم حيّ فمات منهما فإن كانت خياطة مجهّزة فلا قود و إلّا سقط بإزائها النصف. و للعامّة ما عرفت من الخلاف. و أمّا الخياطة في لحم ميّتٍ فلا سراية لها.

و لو قدّم إليه طعاماً مسموماً، فإن علم بالسمّ و كان مميّزاً و لم يكرهه فلا قود و لا دية فإنّما هو كمَن بيده سكّين فأخذه غيره فذبح نفسه.

و إن لم يعلم بالسمّ فأكل فمات فللوليّ القود؛ لأنّ المباشرة هنا ضعفت بالغرور، سواء خلطه بطعام نفسه و قدّمه إليه، أو أهداه إليه، أو خلطه بطعام الآكل و لم يعلم، أو بطعامٍ أجنبيّ و قدَّمه إليه من غير شعور أحد من الآكل و الأجنبيّ. و لو علم الأجنبيّ و شارك في التقديم كان شريكاً في الجناية. و للشافعي قول بنفي القود (2) ترجيحاً للمباشرة.

____________

(1) المجموع: ج 18 ص 371.

(2) المغني لابن قدامة: ج 9 ص 328 329.

27

و لو قصد بالتقديم قتل غير الآكل بأن قدَّم إليه بظنّ أنّه الغير؛ لكونه في ظلمة أو من وراء حجاب أو نحو ذلك ضمن دية الآكل لأنّه خطأ.

و لو جعل السمَّ في طعام صاحب المنزل فوجده صاحبه لمّا دخل منزله فأكله من غير شعورٍ فمات، قيل في الخلاف (1) و المبسوط (2): عليه القود؛ لضعف المباشرة بالغرور.

و يحتمل الدية؛ لعدم إلجائه إلى الأكل و لا تقديمه إليه. و أمّا الدية؛ فللتسبيب و الغرور. و للعامّة قول بانتفاء الضمان رأساً.

و لو جعل السمّ في طعام نفسه، و جعله في منزله. فدخل إنسان فأكله، فلا ضمان بقصاصٍ و لا ديةٍ؛ لأنّ الآكل هو المتعدّي بدخول دار غيره، و الأكل من طعامه بدون إذنه، كما لو دخل داراً فسقط في بئرٍ فيها سواء قصد بفعله قتل الآكل أو لا، مثل أن يعلم أنّ ظالماً يريد هجوم داره، فيترك السمَّ في الطعام، ليقتله فإنّه لم يغرّ الآكل إذا لم يقدِّمه إليه.

و كذا لو دخل رجل بإذنه فأكل الطعام المسموم بغير إذنه لم يضمنه لأنّه المتعدّي حيث أكل بدون إذنه، و إن كان ممّن يجوز الأكل من بيوتهم.

و كذا لا ضمان إذا سمّ طعاماً و وضعه في منزل الآكل و لم يخلطه بطعامه، و لا جعله حيث يشتبه عليه، بل أكله و هو يعلم أنّه ليس له. و لو جعله بحيث يشتبه عليه كان عليه الدية.

و لو كان السمّ ممّا لا يقتل غالباً فهو شبيه عمدٍ إلّا أن يقصد به القتل. و لو اختلف هو و الوليّ في جنسه أو قدره فالقول قوله، و على الوليِّ البيّنة، فإن قامت و ثبت أنّه ممّا يقتل غالباً فادّعى الجهل بأنّه كذلك، قال في التحرير: احتمل القود؛ لأنّ السمّ من جنس ما يقتل غالباً فأشبه ما لو جرحه و قال: لم أعلم أنّه يموت منه، و عدمه؛ لجواز خفائه فكان شبهة في سقوط القود فتجب الدية (3)

____________

(1) الخلاف: ج 5 ص 171 المسألة 32.

(2) المبسوط: ج 7 ص 45.

(3) التحرير: ج 5 ص 428.

28

انتهى. و الأقوى الثاني، إذا حصلت الشبهة.

و لو حفر بئراً بعيدةً في طريق أو في داره و دعا غيره مع جهله بالحال فأجازه عليها عمداً فوقع فمات فعليه القود؛ لأنّه ممّا يقتل غالباً و قصده، و كذا إذا لم يكن ممّا يقتل غالباً و قصد به القتل.

[المطلب الرابع: أن يشاركه إنسان آخر]

المطلب الرابع: أن يشاركه إنسان آخر إذا اشترك اثنان فصاعداً في قتل واحدٍ قتلوا به أجمع إن شاء الوليّ مع التكافؤ بعد أن يردَّ الوليٌّ ما فضل من دياتهم عن دية المقتول إليهم فيأخذ كلٌّ واحدٍ منهم قدر ما فضل من ديته عن جنايته بالإجماع، و النصوص (1) و عموم قوله تعالى: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً» (2) و لقوله: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ» (3) فلو كانت الشركة تُسقط القصاص، لبطل حفظ الدم بالقصاص غالباً. و من العامّة (4) من لم يُجز إلّا قتل واحدٍ و منهم من أجاز قتلهم مجّاناً (5).

و إن شاء الوليُّ قتل واحداً منهم و يردّ الباقون دية جنايتهم عليه، و إن شاء قتل أكثر، و يردّ الباقون دية جنايتهم على المقتولين قصاصاً فإن فضل لهم أي المقتولين شيءٌ لا يفي به ديات جنايات الباقين، ردّه الوليّ عليهم.

و تتحقّق الشركة بأن يفعل كلّ واحدٍ منهم ما يقتل لو انفرد كأن أمسكوه جميعاً فألقوه من شاهق، أو في النار أو البحر، أو جرحوه جراحاتٍ قاتلةٍ، أو اشتركوا في تقديم الطعام المسموم إلى غير ذلك، أو يجرحه كلٌّ منهم.

أو يكون له شركة في السراية. كلُّ ذلك مع القصد من كلٍّ منهم إلى الجناية.

____________

(1) وسائل الشيعه: ج 19 ص 29 31 ب 12 من أبواب القصاص في النفس.

(2) الإسراء: 33.

(3) البقرة: 179.

(4) الحاوي الكبير: ج 12 ص 27.

(5) الحاوي الكبير: ج 12 ص 27.

29

و لو اتّفق جمع على واحدٍ و ضرب كلُّ واحدٍ منهم سوطاً فمات، وجب القصاص على الجميع بلا فرقٍ بين ضارب السوط الأوّل و ضارب الأخير؛ لاستواء الكلّ في سببيّة الموت، إذ كما أنّه لو اكتفى بالأوّل لم يمت، فلو لم يكن الأوّل لم يمت بالأخير. و للعامّة قول بأنّه لا قصاص، و آخر بأنَّهم إذا تواطأوا عليه لزمهم القصاص، و لا قصاص إن وقع ذلك منهم اتّفاقاً.

و لا يعتبر التساوي في عدد الجناية بل لو جرحه واحد جرحاً و آخر مائة جرحة أو ضربه واحد سوطاً و آخر مائة ثمّ سرى الجميع فالجناية عليهما بالسويّة، و يؤخذ الدية منهما سواء إن اخذت الدية، و إن اقتصّ منهما اعطي كلّ منهما نصف الدية. و لا في جنسها، بل لو جرحه واحد جائفة و آخر آمة أو جرحه أحدهما و ضربه الآخر كان الحكم ذلك.

و لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح، بأن لا يبقى معه حياة مستقرّة، و ذبحه آخر فعلى الأوّل القود فإنّه القاتل و على الثاني دية الميّت.

و لو كانت حياته مستقرّة فالأوّل جارح، و الثاني قاتل، سواء كانت جناية الأوّل ممّا يقضى معها بالموت غالباً كشقّ الجوف و الآمة أو لا يقضى كقطع الأنملة لأنّ الثاني قطع سراية الجراحة الاولى، فكان كمن قتل أو جرح جراحة سارية بعد اندمال الاولى. و عن مالك: أنّ القاتل الأوّل إذا جرح بما يقضى معه بالموت.

و لو قطع واحد يده و آخر رجله، فاندملت إحداهما و هلك بالاخرى، فمن اندمل جرحه فهو جارح، عليه ضمان ما فعل قصاصاً أو ديةً و الآخر قاتل، عليه القصاص في النفس أو الدية الكامل لكن إنّما يقتل بعد ردّ دية الجرح المندمل عليه، و هي هنا النصف كما في الشرائع (1) لأنّه كامل و المقتول ناقص و قد أخذ دية جرحه على إشكال ينشأ من أنّ

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 4 ص 201.

30

الدية للنفس وحدها و إلّا سقط القصاص عمّن قتل مقطوع اليدين أو الرجلين.

و لو مات بهما فهما قاتلان.

فلو ادّعى أحدهما اندمال جرحه و صدّقه الوليّ ينفذ تصديقه على نفسه فليس له الاقتصاص منه و لم ينفذ تصديقه في حقّ الآخر، فلا يتسلّط الوليّ على الآخر بالقصاص مجّاناً، و لا بكمال الدية بناءً على انفراده بالقتل بل إنمّا يتسلّط عليه بقدر قسطه من الدية بناءً على سراية الجرحين فيأخذه خاصّة منه أو يردّه عليه و يقتصّ منه بعد يمينه إنّه ما أندمل الجرح الآخر و إنّما له أن يأخذ من الآخر أرش جناية ما صدّقه عليه من الجرح الغير الساري أو يقتصّ فيه خاصّة.

و لو ادّعى أحدهما الاندمال و صدّق المدّعي الشريك في الجناية لم يلتفت إليه مع تكذيب الوليّ في حقّه. نعم ينفذ على نفسه فليس له المطالبة بشيء من الدية إذا اريد الاقتصاص منه، و لا الامتناع من كمال الدية إذا طولب به.

[الفصل الثالث في بيان أقسام المزهق للنفس]

الفصل الثالث في بيان أقسام المزهق (1) للنفس و حقائقها و فيه مطالب ثلاثة كلّها في أقسامه، لكن:

[المطلب الأوّل في أقسامه]

الأوّل في أقسامه الأوّليّة و الثاني في المجتمع من العلّة و السبب، و الثالث في المجتمع من العلّتين فصاعداً.

و أقسامه الأوّليّة هي ثلاثة: علّة (2) هي المباشرة و شرط، و سبب.

فالشرط: ما يقف عليه تأثير المؤثّر، و لا مدخل له في العلّيّة للزهوق أي لا تأثير له فيه كحفر البئر بالنسبة إلى الوقوع فيها إذ الوقوع مستند إلى علّته و هي التخطّي و الشرط لا يجب به قصاص أصلًا بل الدية بالشروط الآتية.

و أمّا العلّة: فهي ما يستند الفعل أي الإزهاق إليه ابتداءً كالذبح

____________

(1) في القواعد: الزهق.

(2) في القواعد: شرط و علّة.

31

و الخنق، أو بوسط كالجراحات القاتلة بالسراية فإنّها تولّد السراية، و السراية مولّدة للموت أو بوسائط كالرمي المولّد للجرح المولّد للسراية المولّدة للموت و الإلقاء في النار أو الماء أو إلى السبع، و لكن المراد هنا أقرب العلل إلى الزهوق أي المؤدّية إليه ابتداءً، لما تقدّم من صور انفراد الجاني بالتسبيب. لكن لا أرى لعدّ الخنق هناك من الأسباب سبباً، و قد جعل في التلخيص (1) و الإرشاد (2) الخنق باليد و سقي السمّ القاتل من المباشرة، و الخنق بالحبل من التسبيب.

و أمّا السبب: فهو ما له أثر (3) في التوليد للموت كما للعلّة، لكنّه يشبه الشرط من وجه أنّه لا يولّد بنفسه الموت بل يولّد المولّد له و لو بوسائط، و قد يتخلّف عنه و لا يتخلّف عن العلّة.

و مراتبه أي السبب في قوّة توليد المولّد للموت و ضعفه ثلاث و على ما مضى في صور انفراد الجاني بالتسبيب أكثر، فإنّ الخنق و سقي السمّ و الطرح في النار و الماء و بعض أنواع السحر له إن قيل بتحقّق حقيقة لها أقوى.

الاولى و هو أقوى الثلاث الإكراه، فإنّه يولّد في المكره داعية القتل غالباً توليداً قويّاً.

و القصاص عندنا على المباشر خاصّة بشرط الكمال كما سيأتي دون الآمر لأنّه قتل عمداً ظلماً لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله في مخمصة ليأكله و دخل في عمومات النصوص.

و لو وجبت الدية للعفو أو عدم التكافؤ كانت على المباشر أيضاً و من العامّة (4) من نفى عنهما القود و الدية، و منهم (5) من أوجب القود على المكره وحده، و للشافعي قولان (6) أحدهما: اشتراكهما في الجناية فعليهما القصاص و عند العفو الدية نصفين،

____________

(1) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 40 ص 467.

(2) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 195.

(3) في القواعد: أثر ما.

(4) الحاوي الكبير: ج 12 ص 73.

(5) الحاوي الكبير: ج 12 ص 73.

(6) المغني لابن قدامة: ج 9 ص 331.

32

و الآخر: أنّ (1) القود على المكره و على المباشر نصف الدية، و عند العفو كان على المكره أيضاً نصف الدية و اذا تحقّق توجّه القصاص إلى المباشرة عندنا.

فلا يتحقّق الإكراه في القتل عندنا فإنّه إنّما يتحقّق إذا جاز دفع الخوف بفعل المكره عليه و لا يخاف من شيء أعظم من القتل و لا يجوز هنا دفع الخوف منه.

و يتحقّق فيما عداه كقطع اليد و الجرح بأن توعّد على تركه بالقتل فيسقط القصاص فيه عن المباشر لرفع ما استكرهوا عليه و في وجوبه على الآمر إشكال ينشأ: من أنّ السبب هنا أقوى لضعف المباشرة بالإكراه كمن أكره غير المميّز على القتل.

و من عدم المباشرة.

و على كلّ تقدير يضمن الآمر فيما يتحقّق فيه الإكراه أمّا القصاص أو الدية لوجود التسبيب أقوى من المباشرة و كون المباشر كالآلة أمّا ما لا يتحقّق فيه الإكراه كقتل النفس و التوعّد بما دون القتل فإنّه لا يجب فيه عليه قصاص و لا دية نعم يحبس دائماً إلى أن يموت لصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل أمر رجلًا بقتل رجل فقتله، فقال: يقتل به الّذي قتله، و يحبس الآمر بقتله في السجن حتّى يموت (2).

هذا إذا كان المقهور بالغاً عاقلًا، و لو كان غير مميّز كالطفل و المجنون و الجاهل بإنسانيّة المرميّ أي و كالّذي اكره على رمي شبح ظنّه غير إنسان فالقصاص على الآمر كما في المبسوط (3) و الشرائع (4) لأنّ المباشر كالآلة فالآمر كالمباشر.

قال في المبسوط: قالوا أ ليس لو أمره بسرقة فسرق لا قطع على السيّد هلّا قلتم مثله هاهنا؟ قلنا: الفصل بينهما من وجهين، أحدهما: أنّ القود يجب بالقتل

____________

(1) الحاوي الكبير: ج 12 ص 74.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 32 ب 12 من أبواب قصاص النفس ح 1.

(3) المبسوط: ج 7 ص 42.

(4) شرائع الإسلام: ج 4 ص 199.

33

بالمباشرة و بالسبب فجاز أن يجب القود بالأمر لأنّه من الأسباب، و ليس كذلك القطع في السرقة فإنّه لا يجب إلّا عن مباشرة، و لا يجب بالسبب، فلهذا لم يكن هذا السبب ممّا يجب به القطع عليه. و الثاني: أنّ القود لمّا دخلت النيابة في استيفائه جاز أن يجب القود بالاستنابة فيه، و القطع بالسرقة لمّا لم يدخل الاستنابة فيه لأنّ المسروق منه لا يستنيب في قطع اللصّ بحال، فكذلك لم يجب القطع به بالاستنابة.

و لا فرق بين المأمور الحرّ و العبد عبد الآمر و غيره، لعموم الدليل.

و لو كان المقهور مميّزاً عارفاً غير بالغ حرّاً فلا قود على أحد منهما، أمّا على المباشر فلعدم البلوغ، و أمّا على الآمر فلأنّ تمييز المقهور يحلّه عن أن يكون كالآلة.

و الدية على عاقلة المباشر لأنّ عمده خطأ، و هذه الفتوى موافقة لفتوى الشرائع (1) و فيها: أنّ الظاهر تحقّق الإكراه بالنسبة إليه فإنّه لا يقاد منه إذا قتل، و إذا تحقّق فالسبب أقوى فينتفي القود. نعم إذا لم يتحقّق إلّا الأمر اتّجه ما ذكر.

و قيل في المبسوط (2) و النهاية (3) و المهذّب (4) و الجواهر (5): يقتصّ منه إن بلغ عشراً و أسند في المبسوط إلى قضيّة عموم أخبارنا و يؤيّده الأخبار الناطقة بجواز عتقه و صدقته و طلاقه و وصيّته (6). و في المقنع (7) و المقنعة (8): يقتصّ منه إن بلغ خمسة أشبار، لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه، و إذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قضى بالدية (9). و هو

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 4 ص 199.

(2) المبسوط: ج 7 ص 44.

(3) النهاية: ج 3 ص 358 359.

(4) لم نعثر عليه.

(5) جواهر الفقه: ص 214 المسألة 744.

(6) وسائل الشيعة: ج 13 ص 321 ب 15 من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات ح 1، و ب 44 من أبواب احكام الوصايا ص 428 431.

(7) المقنع: ص 523.

(8) المقنعة: ص 748.

(9) وسائل الشيعة: ج 19 ص 66 ب 36 من أبواب القصاص في النفس ح 1.

34

ضعيف. و في الوسيلة: أنّ المراهق كالعاقل (1). و الأصل، و الاحتياط، و عموم النصوص (2) الناطقة بأنّ عمد الصبيّ و خطأه واحد، و رفع القلم عن الصبيّ حتّى يبلغ و نصوص حدّ البلوغ يدلّ على المشهور من رفع القصاص عنه قبل البلوغ بأحد الامور المعروفة.

و في المبسوط أنّ المملوك المميّز إذا امر فقتل تتعلّق الدية برقبته (3) و قيل في الخلاف (4) و السرائر (5) إن كان المملوك القاتل بأمر الغير صغيراً أو مجنوناً سقط القود عن المأمور لنقصه، و عن الآمر لعدم قتله.

و وجبت الدية على السيّد الآمر و إلّا أطللنا دم المقتول. و اضطرب كلام المبسوط، فتارة أوجب القود على الآمر حرّاً كان المأمور أو عبداً، و اخرى أوجب الدية على عاقلة المأمور حرّاً أو عبداً (6).

و في الوسيلة: أنّ المأمور إن كان حرّاً بالغاً عاقلًا أو مراهقاً اقتصّ منه، و إن كان حرّاً صبيّاً أو مجنوناً و لم يكره لزمت الدية عاقلته، و إن اكره كان نصف الدية على عاقلته و نصفها على الآمر المكره، و إن كان عبداً للآمر صغيراً أو كبيراً غير مميّز اقتصّ من الآمر، و إلّا فمن القاتل، قال: و إذا لزم القود المباشر خُلّد الآمر في الحبس، و إن لزم الآمر خُلّد المباشر فيه، إلّا أن يكون صبيّاً أو مجنوناً (7).

و قال أبو عليّ: لو أمر رجل رجلًا عاقلًا عالماً بأنّ الآمر ظالم بقتل رجل فقتله اقيد القاتل به و حبس الآمر في السجن حتّى يموت، و إن كان المأمور عبداً أو جاهلًا أو مكرهاً لا يأمن بمخالفته إتلاف نفسه أزلت القود عنه و أقدت الآمر

____________

(1) الوسيلة: ص 438.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 66 ب 36 من أبواب القصاص في النفس.

(3) المبسوط: ج 7 ص 43.

(4) الخلاف: ج 5 ص 168 المسألة 30.

(5) السرائر: ج 3 ص 349.

(6) المبسوط: ج 7 ص 43 44.

(7) الوسيلة: ص 437 438.

35

و حبست القاتل حتّى يموت بعد تعزير له و أمرته بالتكفير لتولّي القتل بنفسه (1).

و مستنده في العبد خبر إسحاق بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) في رجل أمر عبده أن يقتل رجلًا فقتله، فقال: يقتل السيّد به (2) و خبر السكوني عنه (عليه السلام) قال، قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أمر عبده أن يقتل رجلًا فقتله فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): و هل عبد الرجل إلّا كسيفه، يقتل السيّد و يستودع العبد السجن (3) و حملهما الشيخ على من اعتاد أمر عبيده بقتل الناس و إكراههم عليه فيقتل لإفساده في الأرض (4) و وافقه الحلبيّان (5).

و لو قال كامل أو ناقص لكامل: اقتلني و إلّا قتلتك لم يجز له القتل، فإن فعل ففي القصاص مع كمال المقتول إشكال ينشأ: من إسقاط حقّه بالإذن فلا يتسلّط الوارث لأنّه فرع على المقتول و هو فتوى المبسوط (6) و الشرائع (7) و التلخيص (8) و الإرشاد (9) و من كون الإذن غير مبيح فلا يرتفع به العدوان، كما لو قال: اقتل زيداً و إلّا قتلتك من غير فرق فيدخل في عموم أدلّة القصاص، كما لو أكره على قتل الغير، و لو كان مورّث الآمر المكره فللآمر القصاص بعده.

و لو قال: اقتل نفسك من غير إلجاء فإن كان المخاطب مميّزاً يعرف أنّه لا يلزمه بذلك قتل نفسه فلا قود على الآمر لضعف تسبيبه.

و هل يتحقّق إكراه العاقل هنا؟ إشكال: من أنّه لا معنى للاضطرار إلى قتل نفسه

____________

(1) نقله عنه في مختلف الشيعة: ج 9 ص 317.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 33 ب 14 من أبواب قصاص النفس ح 1 و 2.

(3) وسائل الشيعة: ج 19 ص 33 ب 14 من أبواب قصاص النفس ح 1 و 2

(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 220 ذيل حديث 13.

(5) الكافي في الفقه: ص 387، الغنية: 407.

(6) المبسوط: ج 7 ص 43.

(7) شرائع الإسلام: ج 4 ص 200.

(8) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهيّة): ج 40 ص 468.

(9) إرشاد الأذهان: ج 2 ص 196.

36

خوفاً من قتله فلا قود، و من أنّه ربما خوف بنوع من القتل أصعب من قتل نفسه فيدفعه به فيقاد من الآمر و إن كان المخاطب غير مميّز فعلى الملزم القود ألجأه إليه أم لا، كما في المبسوط (1) و الشرائع (2) لضعف المباشر و كونه كالآلة للآمر.

و لو قال: اقطع يد هذا و إلّا قتلتك، كان القصاص على الآمر لتحقّق الإكراه هنا فيضعف المباشر و يقوى السبب و قد مرَّ الاستشكال فيه.

و لو قال: اقطع يد هذا أو هذا و إلّا قتلتك، فاختار المكره أحدهما ففي القصاص على المباشر إشكال ينشأ: من تحقّق الإكراه على الأمر المردّد بينهما و الأمر بالكلّي و إن لم يكن أمراً بجزئيّ من جزئيّاته تكليفاً كان أو إكراهاً و لكن لا مخلص للمكره إلّا بأحدهما فأَيُّهما أتى به فهو مكره عليه كما أنّ المكلّف بأيّ جزئيّ أتى من جزئيّات الواجب أتى بالواجب و من عدم الإكراه على التعيين فبايّهما أتى صدق أنّه غير مكره عليه، و الأوّل أقوى كما في التحرير (3) و قوّى فيه القصاص على الآمر.

المرتبة الثانية الّتي يولّد مولّد الموت توليداً دون توليد الإكراه شهادة الزور فإنّها تولّد في القاضي داعية القتل غالباً من حيث الشرع و هو أقوى من المباشرة فإنّ المباشر مكره شرعاً فيناط به القصاص اتّفاقاً.

فلو شهد اثنان ظاهر العدالة بما يوجب القتل كالقصاص أو الردّة، أو شهد أربعة بالزنا الموجب للقتل أو اللواط فقتل بشهادتهم و ثبت أنّهم شهدوا زوراً بعد الاستيفاء لم يضمن الحاكم و لا الحدّاد، و كان القود على الشهود كما مرَّ في الشهادات لأنّه أي القتل بسبب من الشهود متلف بعادة الشرع مع الأخبار.

و لو اعترف الوليّ بكونه عالماً بتزويرهم و باشر القصاص مع ذلك

____________

(1) المبسوط: ج 7 ص 43.

(2) شرائع الإسلام: ج 4 ص 200.

(3) التحرير: ج 5 ص 426.

37

فالقصاص عليه لأنّه القاتل عدواناً دون الشهود لقوّة المباشرة هنا و لو علم التزوير لكن لم يباشر القصاص و إنّما باشره حدّاد القاضي فالقصاص على الشهود خاصّة على إشكال ينشأ: من استناد القتل إلى الشهادة و الطلب جميعاً فالوليّ و الشهود شركاء في الدم، و من أنّ الشهادة أقرب و أقوى من المباشرة فمن الطلب أولى، و لأنّها السبب في سببيّة الطلب فإن شركناه أي الوليّ معهم ففي التنصيف للضمان أو التقسيم على رؤوسهم إشكال: من أنّ شهادتهما معاً سبب واحد، و من صدور الجناية منهم فيوزّع عليهم كجراحات صدرت من ثلاثة فسرت.

و كذا لو شهدا ثمّ رجعا و اعترفا بتعمّد الكذب بعد القتل فعليهما القصاص إن جهل الوليّ أو لم يباشر على وجه، و هو داخل في ثبوت التزوير إلّا أنّه أراد به الثبوت بالبيّنة.

المرتبة الثالثة: ما يولّد المباشرة للقتل توليداً عرفيّاً لا حسيّاً و لا شرعيّاً، كتقديم الطعام المسموم إلى الضيف، و حفر بئر في الدهليز و تغطية رأسها عند دعاء الضيف و في العبارة مسامحة ظاهرة، فالسبب المولّد هو الدعاء و الحفر شرط.

و يجب فيه أي لهذا السبب المولّد للمباشرة عرفاً القصاص على المسبّب لضعف المباشر بالجهل. و للعامّة (1) فيه خلاف.

و لو فعل السبب و قدر المقصود على دفعه فأهمل فإن كان السبب مهلكاً عادةً و الدفع غير موثوق به بمعنى جواز الاندفاع به و عدمه سواء أو مع رجحان أحدهما كإهمال علاج الجرح وجب القصاص على الجارح لصدق قتله عمداً عدواناً.

و إن فقد المعنيان كما لو فتح عرقه الّذي جرت العادة بفصده فلم يعصبه حتّى نزف الدم أو تركه مستلقياً مثلًا في ماء قليل لا يغرق فبقى

____________

(1) المغني لابن قدامة: ج 9 ص 328 329.

38

مستلقياً فيه حتّى غرق فلا قصاص فإنّ الهلاك إنّما حصل بإهمال نفسه.

و إن كان السبب مهلكاً و الدفع ممكن موثوق به سهل، كما لو ألقى من يحسن السباحة في ماء كثير مغرق ينفع فيه السباحة فلم يسبح حتّى غرق احتمل أن لا قصاص لمثل ذلك و القصاص اعتباراً بالسبب فإنّه مهلك، و طرحاً لإمكان الدفع و سهولته لإمكان الدهش عن السباحة و عروض مانع آخر منه، و لا معنى للعكس أعني انتفاء المعنى الأوّل أي الإهلاك دون الثاني، فإنّ الإهلاك إنّما ينتفي حيث يندفع بنفسه فضلًا عن سهولة دفعه.

[المطلب الثاني في اجتماع السبب و المباشرة]

المطلب الثاني في اجتماع السبب و المباشرة و أقسامه ثلاثة: الأوّل: أن يغلب السبب المباشرة، و هو فيما إذا لم يكن المباشرة عدواناً أي أخرجها السبب عن العدوان كقتل القاضي و الجلّاد بشهادة الزور، فالقصاص على الشهود أو كانت خارجة عنه كإكراه الصبيّ و المجنون.

الثاني: أن يصير السبب مغلوباً بطريان المباشرة عليه كما إذا ألقاه من شاهق فاعترضه ذو سيف و قدّه بنصفين فلا قصاص على الملقي فإنّه لم يمت بفعله عرف ذلك أي اعتراض المعترض حين الإلقاء أو لا فإنّه إنّما قصد الإلقاء. نعم إن قصد به اعتراضه و قدّه بالسيف، فإن كان المعترض بالغاً كامل العقل فلا شيء عليه لقوّة المباشر، و إن كان مجنوناً كان كمن ألقاه إلى سبع إن كان الغالب من حاله أنّه لا يخطئ في اعتراضه بالسيف اعتراضاً مهلكاً أو قصد به القتل فقتله المعترض بخلاف ما إذا اعترضه سبع فافترسه قبل الوصول إلى الأرض أو التقمه الحوت عند الإلقاء إلى الماء، إذ لا اعتبار بفعل الحوت و السبع فإنّه كنصل منصوب في عمق البئر لعدم التميّز على الإشكال المتقدّم.

الثالث: أن يعتدل السبب و المباشرة، كالإكراه مع القتل إذ ليست

39

المباشرة خارجة عن العدوان و لا موجودة لو لا الإكراه.

و هنا القصاص على المباشر فإنّه الأصل، و إنّما ينتقل إلى المسبّب إذا غلب التسبيب على المباشرة و لا دية على المكره فضلًا عن القصاص بل يحبس دائماً كما مرَّ و لا كفّارة عليه أيضاً للأصل و الخروج عن المأمور بها، خلافاً للعامّة (1) فلهم قول بوجوبها عليه.

و يمنع من الميراث على إشكال: من التهمة و ضعف المباشر في الجملة، و من الأصل و عدم صدق القاتل عليه.

و لو أكرهه على صعود شجرة مثلًا فزلق رجله و مات وجب الضمان على المكره، و هل عليه القصاص أو الدية؟ استقرب الدية في التحرير (2) و استشكل في القصاص. و التحقيق أنّه إن كان الغالب في مثل هذا الإنسان إذا صعد مثل تلك الشجرة السقوط و الغالب في السقوط الموت فالإكراه عليه كالإكراه على تناول السمّ، و إلّا فإن لم يقصد به القتل فلا إشكال في سقوط القصاص عنه، و ان قصد فبناءً على ما تقدّم عليه القصاص. و يحتمل الفرق بين فعل ما يقتل نادراً و الإكراه عليه.

و لو أمره بالقتل أو الصعود أو غيرهما متغلّب يعهد منه الضرر عند المخالفة فهو كالإكراه فإنّما معناه الإلجاء لدفع خوف الضرر الغالب على الظنّ و الإجبار و سلب القدرة.

و لو أمره واجب الطاعة و هو السلطان النائب عن الإمام خصوصاً أو عموماً بقتل من وجب قتله بالبيّنة و هو يعلم فسق الشهود عليه و لا سبيل له إلى إثباته فهو شبهة في حقّه من حيث إنّ مخالفة السلطان الحقّ تثير فتنة عظيمة و من كون القتل ظلماً في علمه فلو اعترف بعلمه فعليه القصاص إلّا أن يعتذر بتلك الشبهة فيدرأ عنه و يثبت الدية بخلاف

____________

(1) المغني لابن قدامة: ج 18 ص 393 394.

(2) التحرير: ج 5 ص 429 430.

40

العبد إذا أمره سيّده فالقصاص على العبد لضعف الشبهة هنا، و لأنّا إن اعتبرناها انتشر الفساد و أمكن التثبّت بمثلها في الأكثر و قد مرَّ الخلاف في العبد.

و لا يباح بالإكراه القتل لأنّ المسلمين تتكافؤ دماؤهم فلا يجوز قتل الغير لحفظ النفس، و لأداء قتله إلى القصاص كما مرَّ فلا يدفع القتل ما يخافه على نفسه شرعاً، نعم يباح به قتل الكفّار و أهل الخلاف لانتفاء التكافؤ.

و يباح به ما عداه، حتّى إظهار (1) الشرك و الزنا و أخذ المال و الجراح و شرب الخمر و الإفطار لعموم أدلّة التقية (2) و رفع ما استكرهوا عليه (3) و خصوص النصوص على ما ورد فيه بخصوصه نصّ.

و لا أثر للشرط في التضمين مع وجود المباشرة كالحافر للبئر لا يضمن شيئاً (4) مع المُردي فيها و إن قصده بالحفر و أمر المردي و إن لم يكن مع المباشرة ضمن الدية، كما سيأتي.

و لو أمسك واحد و قتل آخر و نظر ثالث قتل القاتل و خُلّد الممسك السجن أبداً للإجماع كما في الخلاف (5) و لنحو قول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي: قضى أمير المؤمنين في رجلين أمسك أحدهما و قتل الآخر قال: يقتل القاتل و يحبس الآخر حتّى يموت غماً كما كان حبسه عليه حتّى مات غماً (6) و في المقنعة بعد أن ينهك بالعقوبة (7) و في خبر أبي المقدام أنّ الصادق (عليه السلام) أمر به فضرب جنبيه و حبسه في السجن، و وقّع على رأسه يحبس عمره و يضرب كلّ سنة

____________

(1) في القواعد زيادة: لفظة.

(2) وسائل الشيعة: ج 11 ص 459 ب 24 من أبواب الأمر و النهي.

(3) وسائل الشيعة: ج 11 ص 295 ب 1 من أبواب جهاد النفس .. ح 1.

(4) في (ق) و (ل) سبباً.

(5) الخلاف: ج 5 ص 173 المسألة 36.

(6) وسائل الشيعة: ج 19 ص 35 ب 17 من أبواب قصاص النفس ح 1.

(7) المقنعة: ص 745.

41

خمسين جلدة (1).

و سملت عين الناظر أي عيناه أي فقئتا أو فقئت بالشوك، أو سمرت أي كحلت بمسمار محمى، للإجماع كما في الخلاف (2) و لما في خبر السكوني من قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) بذلك.

[المطلب الثالث في طريان المباشرة على مثلها»]

المطلب الثالث في طريان المباشرة على مثلها و يحكم بتقديم الأقوى منهما و نسبة القتل إليه و الإقتصاص من صاحبه و المراد بالأقوى ما يحكم العقل في العادة باستناد الموت إليه كما لو جرح الأوّل و إن كان الجرح مهلكاً و قتل الثاني بالذبح و نحوه فالقتل على الثاني.

و لو أنهى الأوّل المجروح إلى حركة المذبوح الّتي لا يبقى معها الإبصار و الإدراك و النطق و الحركة اختياراً فقدّه الثاني فالقصاص على الأوّل و على الثاني دية الميّت كما مرَّ.

و لو قطع أحدهما يده من الكوع و الآخر من المرفق تلك اليد أو الاخرى فهلك بالسراية فالقود عليهما لعدم الرجحان لأنّ سراية الأوّل لم ينقطع بالثاني ليشاع ألمه قبل الثانية في الأعضاء الرئيسة الموجبة للموت كما لو أجاف الأوّل ثمّ أجاف الثاني أو وسّع جرح الأوّل.

بخلاف ما لو قطع واحد يده ثمّ قتله الثاني لانقطاع السراية بالتعجيل و حاصل الفرق أنّ الجرحين إن كان إهلاكهما بالسراية كالقطعين و الإجافتين فالقود عليهما. و استشكل فيه في التحرير (4) و الشرائع (5) إذا كان القطعان من يد واحدة لمنع بقاء سراية الأوّل بل الظاهر انقطاعها و اضمحلالها مع أنّ العلم بسراية الجراحة الاولى بعيد جدّاً إلّا بآلة مسمومة تسري جراحتها عادة و إلّا بل كان أحدهما القتل و الآخر الجراحة

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 36 ب 18 من أبواب قصاص النفس ح 1.

(2) الخلاف: ج 5 ص 174 المسألة 37.

(3) وسائل الشيعة: ج 19 ص 35 ب 17 من أبواب قصاص النفس ح 3.

(4) التحرير: ج 5 ص 432.

(5) شرائع الإسلام: ج 4 ص 201.

42

السارية فالقود على القاتل و على الجارح الآخر القصاص في الطرف أو ديته.

و لو كان الجاني بهما واحداً دخلت دية الطرف في دية النفس إذا ثبتت الدية أصلًا.

إجماعاً، فإن ثبتت صلحاً فإشكال من الخلاف الآتي في القصاص و أيضاً من التردّد في دخول ذلك في إطلاق القول بدخول الدية في الدية.

و هل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس ففي السرائر (1) و نكت النهاية (2) و موضع من الخلاف (3) و المبسوط (4) لا، و إليه مال ابن زهرة، لعموم نصوص القصاص من الكتاب و السنّة و قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (5) و للأصل. و في موضع آخر من الكتابين (6) نعم، و هو خيرة التبصرة (7) و الجامع (8) لصحيح أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) سأله عن رجل ضرب رجلًا بعمود فسطاط على رأسه ضربةً واحدةً فأجافه حتّى و صلت الضربة إلى الدماغ و ذهب عقله، فقال: إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة، و لا يعقل ما قال و لا ما قيل له، فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه و بين السنة اقيد به ضاربه، و إن لم يمت فيما بينه و بين السنة و لم يرجع اليه عقله اغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله، قال فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ قال: لا، لأنّه إنّما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين، و هي الدية، و لو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان إلّا أن يكون فيهما الموت، فيقاد به ضاربه بواحدة و يطرح الاخرى، قال: فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنت ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها

____________

(1) السرائر: ج 3 ص 406.

(2) نكت النهاية: ج 3 ص 445 446.

(3) الخلاف: ج 5 ص 183 المسألة 48.

(4) المبسوط: ج 7 ص 61.

(5) الغنية: 408.

(6) الخلاف: ج 5 ص 191 المسألة 56، المبسوط: ج 7 ص 73.

(7) تبصرة المتعلمين: ص 208.

(8) الجامع للشرائع: ص 594.

43

الموت فيقاد به ضاربه، قال: فإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية الّتي جنتها العشر ضربات (1) كائنة ما كانت ما لم يكن فيها الموت. و لما روي من أنّه إذا مثّل إنسان بغيره و قتله لم يكن عليه إلّا القتل و لم يجز التمثيل به (2) و في نكت النهاية: معارضة الرواية الاولى بخبر إبراهيم بن عمر عن الصادق (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ضرب رجلًا بعصا، فذهب سمعه و بصره و لسانه و عقله و فرجه و انقطع جماعه و هو حيّ، بستّ ديات (3) و قيل في النهاية: نعم إن اتّحدت الضربة (4) و إن فرّق لم يدخل و هو خيرة التحرير (5) و الإرشاد (6) و التلخيص (7) لحسن حفص بن البختري سأل الصادق (عليه السلام): عن رجل ضرب رأسه فذهب سمعه و بصره و اعتقل لسانه ثمّ مات، فقال: إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتصّ منه ثمّ قتل، و إن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل و لم يقتصّ منه (8) و خبر محمّد بن قيس عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل فقأ عين رجل و قطع أنفه و اذنيه ثمّ قتله، فقال: إن كان فرّق ذلك اقتصّ منه ثمّ يقتل، و إن كان ضربه ضربة واحدة ضرب عنقه و لم يقتصّ منه (9) و توقّف في المختلف (10) و هو ظاهر الكتاب و النافع (11) و الشرائع (12).

و لا خلاف في أنّه لو سرى القطع إلى النفس فالقصاص في النفس لا الطرف فمن قطع مثلًا يد رجل فمات بالسراية اقيد منه بضرب عنقه، و ليس

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 281 ب 7 من أبواب ديات المنافع ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 95 ب 62 من أبواب قصاص النفس.

(3) نكت النهاية: ج 3 ص 446.

(4) النهاية: ج 3 ص 445.

(5) التحرير: ج 5 ص 434.

(6) إرشاد الاذهان: ج 2 ص 199.

(7) تلخيص المرام (سلسلة الينابيع الفقهيّة): ج 40 ص 469.

(8) وسائل الشيعة: ج 19 ص 83 ب 51 من أبواب القصاص في النفس ح 2.

(9) وسائل الشيعة: ج 19 ص 82 ب 51 من أبواب القصاص في النفس ح 1.

(10) مختلف الشيعة: ج 9 ص 394.

(11) المختصر النافع: ص 285.

(12) شرائع الإسلام: ج 4 ص 201 202.

44

عليه قطع يده. نعم لو قطع الوليّ يده ثمّ ضرب عنقه لم يكن عليه شيء.

و لو قتل مريضاً مشرفاً على الموت وجب القود و إن لم يكن بقيت له حياة مستقرّة لصدق القتل، و الفرق بينه و بين من جنى عليه جناية لم يبق له حياة مستقرّة وقوع جنايتين مضمونتين عليه، و إنّما يوجب القصاص على أدخلهما في تلف النفس لأنّ المريض ربما انتهى إلى مثل تلك الحالة ثمّ برئ للاشتراك، نعم يصلح ضميمة إلى ما قلنا.

و لو قتل من نزع أحشاؤه و هو يموت بعد يومين أو ثلاثة قطعاً وجب القود، لأنّه قتل مستقرّ الحياة و باعتراضه قبل سراية الجناية الاولى قطع سرايته، و أوْل نزع الأحشاء بالقطع و التحريق، فإنّ من ابينت أحشاؤه لا يبقى تلك المدّة.

و لو قتل رجلًا في دار الحرب على زيّ أهل الشرك فبان مسلماً فلا قصاص اتّفاقاً لانتفاء التعمّد و يجب الدية و الكفّارة وفاقاً لابن إدريس (1) لأنّه لا يطلّ دم امرئٍ مسلم (2) و لأنّه قتل مؤمناً خطأً فيعمّه أدلّة الدية، خلافاً للشيخ فأسقط الدية (3). و ظاهر المبسوط (4) و الخلاف (5) الإجماع عليه، و هو خيرة المختلف (6) لقوله تعالى: «فَإِنْ كٰانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» (7) فإنّ الاقتصار على التكفير هنا مع التصريح به و بالدية فيما قبله و ما بعده قرينة واضحة على سقوطها هنا، و هو قويّ إذا كانت الورثة كفّاراً كما هو منطوق الآية، و الدعوى هنا أعمّ.

و لو قتل من ظنّ أنّه قاتل أبيه فلا قصاص إذ لا عدوان، و لأنّه كقتل المؤمن بظنّ الكفر فإنّه إنّما قتل بزعمه مستحقّاً للقتل. و استشكل في التحرير (8) من

____________

(1) السرائر: ج 3 ص 320.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 53 ب 29 من أبواب القصاص في النفس ح 1.

(3) الخلاف: ج 5 ص 320 المسألة 3.

(4) المبسوط: ج 7 ص 245.

(5) الخلاف: ج 5 ص 320 المسألة 3.

(6) مختلف الشيعة: ج 9 ص 273.

(7) النساء: 92.

(8) التحرير: ج 5 ص 434.

45

ذلك و من التفريط بعدم التثبيت و ما حكي من قتل عبيد اللّٰه بن عمر هرمزان لظنّه قاتل أبيه و إرادة أمير المؤمنين (عليه السلام) الاقتصاص منه (1).

و تجب الدية و هو ظاهر و لو قال: كنت حين قتلته تيقّنت أنّ أبي كان حيّاً وجب القود لاعترافه بتعمّد قتله المؤمن عدواناً.

و لو ضرب مريضاً ظنّه صحيحاً ضرباً يهلك المريض خاصّة فهلك وجب القود إذ قتله متعمّداً بما يقتله غالباً عدواناً إذ ظنّ الصحّة لا يبيح الضرب و للعامّة وجه بالعدم لأنّه لم يتعمّد الإهلاك.

[المقصد الثاني في شرائط القصاص]

المقصد الثاني في شرائط القصاص بعد ما اعتبر في الفعل الموجب له و هي خمسة:

الأوّل: التساوي في الحرّية أو الرقّ أو عُلوّ المقتول بحرّيته مع رقّ القاتل.

الثاني: التساوي في الدين أو علوّ المقتول.

الثالث: انتفاء الابوّة للمقتول عن المقتصّ منه.

الرابع: المساواة في العقل.

الخامس: احترام المقتول بأن لا يكون ممّن يجب قتله قصاصاً أو حدّاً أو الكفر و لا يغني عن التساوي في الدين لاحترام الذمّي و المستأمن.

فهنا فصول أربعة لجمع الأخيرين في فصل.

[الفصل الأوّل في الحرّية]

الأوّل في الحرّية و الرقّ و فيه مطالب أربعة:

[المطلب الأوّل في جناية الأحرار بعضهم على بعض]

الأوّل في جناية الأحرار بعضهم على بعض و يقتل الحرّ بالحرّ كما هو نصّ الكتاب (2) و الحرّة بالحرّة، و الحرّة

____________

(1) الكامل في التاريخ: ج 3 ص 75 76.

(2) البقرة: 178.

46

بالحرّ، و إذا قتلت به لا يؤخذ من تركتها شيء لوليّ الحرّ المقتول، كما يتوهّم من كون ديتها نصف ديته و يوجد في بعض الروايات و هي رواية أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة قتلت رجلًا قال: تقتل و يؤدّي وليّها بقيّة المال (1) فإنّها كما قال الشيخ رواية شاذّة لم يروها إلّا أبو مريم و إن تكرّرت في الكتب (2) و ينصّ على ما ذكرناه قوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (3) و الأخبار كقول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي: إن قتلت المرأة الرجل قتلت به و ليس لهم إلّا نفسها (4) و في صحيح ابن سنان في امرأة قتلت زوجها متعمّدةً: إن شاءَ أهله أن يقتلوها قتلوها و ليس يجني أحد أكثر من جناية على نفسه (5) و في تفسير عليّ بن إبراهيم، أنّ قوله تعالى: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ ... وَ الْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ» ناسخ لقوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» (6) و هو يعطي أن لا يكتفى بالاقتصاص منها، و لذا قال في التحرير على الأشهر (7) كما في الشرائع (8) و يقتل الحرّ بالحرّة بعد ردّ فاضل ديته عليه و هو النصف بالإجماع و النصوص (9).

و لو امتنع الوليّ من ردّ الفاضل أو كان فقيراً فالأقرب أنّ له المطالبة بدية الحرّة و إن لم يرض القاتل إذ لا سبيل إلى طلّ الدم و في كلّ من القصاص و تركه هنا طلّاً، ففي الأوّل لنصف دم القاتل و في الثاني لتمام دم المقتول. و يحتمل العدم، لأنّ الأصل في مقتضى هذه الجناية القود و إنّما تثبت الدية صلحاً.

و يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف و لا رجوع فيه، و للمرأة من

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 62 ب 33 من أبواب قصاص النفس ح 17.

(2) تهذيب الأحكام: ج 19 ص 183 ذيل الحديث 14.

(3) المائدة: 45.

(4) وسائل الشيعة: ج 19 ص 59 ب 33 من أبواب القصاص ح 3.

(5) وسائل الشيعة: ج 19 ص 59 ب 33 من أبواب القصاص في النفس ح 1.

(6) تفسير القمي: ج 1 ص 169.

(7) التحرير: ج 5 ص 442.

(8) شرائع الإسلام: ج 4 ص 203 205.

(9) وسائل الشيعة: ج 19 ص 59 ب 33 من أبواب القصاص في النفس.

47

الرجل و لا ردّ ما لم تبلغ ثلث دية الحرّ، و لكن يتساويان دية و قصاصاً إلى بلوغه فإذا بلغت الدية أو الجناية ثلث دية الحرّ سفلت المرأة و صارت على النصف من الرجل فيقتصّ لها منه مع ردّ التفاوت وفاقاً للمشهور و الأخبار كقول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبان بن تغلب و حسنته: إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف (1) و حسن جميل سأله (عليه السلام) عن المرأة بينها و بين الرجل قصاص. و قال: نعم، في الجراحات حتى يبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل و سفلت المرأة (2) و في الخلاف الإجماع عليه (3).

و في النهاية ما لم يتجاوز الثلث (4) لنحو قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعفور: فإذا جاز الثلث كان في الرجل أضعف (5) و في خبر أبي بصير: جراحات المرأة و الرجل سواء إلى أن يبلغ ثلث الدية، فإذا جاز ذلك يضاعف جراحة الرجل على جراحة المرأة ضعفين (6).

و أخبار الأوّل أكثر و أصحّ، لكن ربما يمكن فهم التجاوز من نحو قوله (عليه السلام): فإذا بلغت الثلث ارتفع الرجل، فإنّ مثل هذه العبارة ليست بعزيزة في إرادة المجاوزة، و لعلّه للإشارة إليه وقعت عبارة النهاية كذا: و يتساوى جراحتهما ما لم يتجاوز ثلث الدية، فإذا بلغ ثلث الدية نقصت المرأة و زيد الرجل (7) و على الجملة فلعلّ الإجماع منعقد على التساوي قبل بلوغ الثلث، و على أنّه إذا بلغته أو جاوزته كانت المرأة على النصف.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 268 ب 44 من أبواب ديات الأعضاء ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 122 ب 1 من أبواب قصاص الطرف ح 3.

(3) الخلاف: ج 5 ص 255 256 المسألة 64.

(4) النهاية: ج 3 ص 441.

(5) وسائل الشيعة: ج 19 ص 132 ب 1 من أبواب قصاص الطرف ح 4.

(6) وسائل الشيعة: ج 19 ص 122 ب 1 من أبواب قصاص الطرف ح 2 مع اختلاف في اللفظ.

(7) النهاية: ج 3 ص 441.

48

فلو قطع الرجل إصبعاً أو إصبعين أو ثلاث أصابع منها قطع مثلها منه قصاصاً من غير ردّ و لو أخذت الدية أخذت كدية أصابعه و لو قطع أربعاً منها لم يقطع الأربع منه إلّا بعد ردّ دية إصبعين و لو أخذ منه الدية أخذت عشرون بعيراً دية إصبعين منه، فعن أبان بن تغلب في الصحيح و الحسن، أنّه قال للصادق (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال عشر من الإبل قلت: قطع اثنتين، قال: عشرون قلت: قطع ثلاث، قال: ثلاثون قلت: قطع أربعاً، قال: عشرون قلت سبحان اللّٰه يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنتبرّأ ممّن قاله و نقول: الّذي جاء به شيطان، فقال: مهلًا يا أبان هذا حكم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين (1).

و هل لها إذا قطع أربع أصابع منها القصاص في إصبعين من دون ردّ؟ إشكال: من تحقّق العمل بمقتضى التفاوت بينهما و هو الأخذ لها بالنصف ممّا له، و أنّه كان لها قطعهما إذا قطعت منها اثنتان فقط فلها ذلك إذا قطعت منها أربع لوجود المقتضي و هو قطع اثنتين و انتفاء المانع فإنّ قطع اثنتين اخريين منها لا يصلح مانعاً. و من أنّه خارج من نصوص الأصحاب و الأخبار، فإنّ الوارد فيها إمّا أخذ الدية عشرين من الإبل (2) مثلًا أو القصاص و ردّ عشرين عليه، و هو ليس شيئاً منهما و قصاص البعض ليس بقصاص، و منع انتفاء المانع، فإنّ الزيادة في الجناية كما منعت أخذ ثلاثين من الأبل فلم لا يمنع القصاص في إصبعين؟ و يقوى الإشكال لو طلبت القصاص في ثلاث و العفو عن الرابعة لمثل ما في اثنتين، و الإشكال هنا قويّ أي الاحتمال المذكور فيه أضعف ممّا في اثنتين فإنّ خروجه عن النصوص أظهر، فإنّ قضيّة الجناية أن يكون على النصف و حينئذ يزيد عليه.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 268 ب 44 من أبواب ديات الأعضاء ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 268 ب 44 من أبواب ديات الأعضاء.

49

فإن لم نجوّز لها القصاص في ثلاث و أوجبنا أخذ إصبعين فقط فلا يطالب إذا اقتصّ فيهما بزائد أرشاً و لا قصاصاً لانحصار حقّها فيهما.

و هل يتخيّر حينئذٍ أجزنا لها القصاص في إصبعين أو ثلاث بين القصاص فيهما أو فيها و أخذ الدية حتّى لا يكون للرجل الامتناع من ذلك، بأن يقول: إنّما أن تأخذي الدية و لا تقطعي شيئاً من أصابعي أو تقطعي أربع و تردّي عليّ دية اثنتين و لا أرضى بقطع إصبعين لي أو ثلاث مجّاناً.

الأقرب ذلك فإنّ المجوّز لها ذلك جوّزه مطلقاً. و يحتمل العدم بناءً على أنّ الثابت بالأصالة لها إنّما هو الدية أو القصاص في الأربع مع ردّ فاضل الدية، و أمّا القصاص في اثنتين أو ثلاث فهو عوض عنهما فلا يثبت لها إلّا صلحاً.

و لو طلبت الدية لم يكن لها أكثر من مائتين دينار أو ليس لها أن تطلب دية ثلاث و تعفو عن الرابعة فإنّه خروج صريح عن النصوص (1).

هذا إذا كان القطع لأربعها بضربة واحدة و لو كان بضربتين أو بضربات ثبت لها دية الأربع أو القصاص في الجميع من غير ردّ إذ كلّما جنى عليها جناية ثبت لها حكمها و لا دليل على سقوطه بلحوق جناية اخرى، و الجناية الأخيرة إنّما هي قطع ما دون الأربع فلها حكمها و لا يسقط بسبق اخرى.

و لو قتل حرّ حرّين فليس لأوليائهما سوى قتله فإنّه لا يجني الجاني أكثر من نفسه و لا يثبت عليه الدية إلّا صلحاً، نعم إن اصطلحوا على الدية كان عليه لكلّ مقتول دية.

فأيّهما أي الوليّين بدر إلى قتله استوفى حقّه كان قتلهما معاً أو على التعاقب بدر وليّ السابق أو اللاحق. و في التحرير: إن بادر وليّ المتأخّر أساء، ثمّ استشكل بتساوي الجميع في سبب الاستحقاق (2) و لو تشاحّ الأولياء قدّم وليّ الأوّل. و إن قتلهما دفعة أو أشكل الأمر اقرع، هذا إذا لم يقتلاه معاً، و إلّا فهو الأولى بأن يوكّلا جميعاً من يضربه أو يقتله أو يضربا عنقه دفعة إن أمكنهما.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 268 ب 44 من أبواب ديات الأعضاء.

(2) التحرير: ج 5 ص 497.

50

و ليس لهما المطالبة بالدية إذا قتلاه معاً خلافاً لبعض العامّة (1) و سنذكره.

و لو قتله أحدهما فالأقرب أنّ للآخر أخذ الدية من التركة وفاقاً لأبي عليّ (2) و ابن زهرة (3) لئلّا يطلّ دم المقتول. و يحتمل العدم كما في النهاية (4) و الوسيلة (5) و السرائر (6) و الجامع (7) و النافع (8) و الشرائع (9) و المبسوط (10) و الخلاف (11) و فيهما الإجماع عليه، لأنّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه، و لا فرق بين وليّ الأوّل و الآخر.

قال في المبسوط: إذا قتل واحد جماعة كأن قتل في التقدير عشرة واحداً بعد واحد، وجب لوليّ كلّ قتيل عليه القود، لا يتعلّق حقّه بحقّ غيره فإن قتل بالأوّل سقط حقّ الباقين إلى بدل النفس، فيكون لكلّ واحد في تركته كمال الدية، و إن قام واحد فقتله سقط حقّ كلّ واحد من الباقين إلى كمال الدية. و قال بعضهم: يتداخل حقوقهم من القصاص، فليس لواحد منهم أن ينفرد بقتله بل يقتلونه بجماعتهم، فإن قتلوه فقد استوفوا حقوقهم، و إن بادر واحد فقتله فقد استوفى حقّه و سقط حقّ الباقين، و هكذا نقول غير أنّا نقول: إنّ لكلّ واحد أن ينفرد بقتله و لا يتداخل.

فإذا ثبت ذلك فقتل واحد جماعة لم يخل من ثلاثة أحوال: إمّا أن يقتلهم واحداً بعد واحد، او دفعة واحدة، أو أشكل الأمر، فإن قتلهم واحداً بعد واحد. قدّمنا الأوّل فالأوّل، فيقال له: اختر، فإن اختار القصاص استوفى حقّه و سقط حقّ الباقين عندنا لا إلى مال و عند بعضهم إلى الديات، و إن اختار الدية و بذلها الجاني يقال للثاني: اختَر على ما قلناه للأوّل كذلك، حتّى نأتي على آخرهم.

____________

(1) الحاوي الكبير: ج 12 ص 119.

(2) نقله عنه في مختلف الشيعة: ج 9 ص 443.

(3) الغنية: 404.

(4) النهاية: ج 3 ص 433.

(5) الوسيلة: ص 432.

(6) السرائر: ج 3 ص 348.

(7) الجامع للشرائع: ص 579.

(8) المختصر النافع: ص 287.

(9) شرائع الإسلام: ج 4 ص 231.

(10) المبسوط: ج 7 ص 61.

(11) الخلاف: ج 5 ص 182 المسألة 47.

51

فإن سبق الأوسط أو الأخير فثبت القتل استحبّ للإمام أن يبعث إلى الأوّل فيعرّفه ذلك، فإن لم يفعل و مكّن هذا من قتله فقد أساء، و سقط حقّ الباقين عندنا لا إلى مال، و عند بعضهم إلى الديات و الترتيب مستحقّ فإن جاء رجل فثبت عنده القصاص فقضى له ثمّ وافى آخر فثبت القصاص لنفسه فكان قبل الأوّل قدّمنا حقّ من قتله أوّلًا.

و إن كان وليّ أحدهما غائباً أو صغيراً و وليّ الآخر كبيراً لكنّه قد قتل وليّ الصغير أو الغائب أوّلًا صبرنا حتّى كبر الصغير و يقدم الغائب، فإن قتله الحاضر البالغ فقد أساء و سقط حق الصغير و الغائب عندنا لا إلى مال و عندهم إلى الدية.

و إن كان قد قتلهم دفعة واحدة مثل أن أمرّ السيف على حلوقهم أو جرحهم فماتوا في وقت واحد حرّقهم أو غرقهم أو هدم عليهم بناءً فليس بعضهم أولى من صاحبه فيقرع بينهم فكلّ من خرج اسمه كان التخيير إليه، ثمّ يقرع بين الباقين أبداً، و إن أشكل الأمر قلنا للقاتل من قتلته أوّلًا؟ فإن أخبرنا عملنا على قوله، و إن لم يخبرنا أقرعنا بينهم، كما لو كان دفعة واحدة (1). انتهى بعبارته نقلناها لما فيها من التفصيل.

و لو قطع يمين رجل و مثلها من آخر قطعت يمينه بالأوّل و يساره بالثاني لأنّ ظاهرهم و صريح الخلاف (2) و الغنية (3) الإجماع على أنّ من قطع يميناً و لا يمين له قطعت يسراه و به الرواية الآتية.

فإن قطع يد ثالث قيل في السرائر (4) سقط القصاص لفوات محلّه وجبت الدية، و قيل في النهاية (5) و الخلاف (6) و الكافي (7) و الوسيلة (8) و الكامل (9) و الغنية (10) و الإصباح (11) و الجامع (12):

____________

(1) المبسوط: ج 7 ص 60 61.

(2) الخلاف: ج 5 ص 193 المسألة 59.

(3) الغنية: 410.

(4) السرائر: ج 3 ص 396 397.

(5) النهاية: ج 3 ص 447.

(6) الخلاف: ج 5 ص 193 المسألة 59.

(7) الكافي في الفقه: ص 389.

(8) الوسيلة: ص 453.

(9) نقله عنه في مختلف الشيعة: ج 9 ص 394.

(10) الغنية: 410.

(11) إصباح الشيعة: 496.

(12) الجامع للشرائع: ص 596.

52

يقطع رجله اليمنى و كذا لو قطع رابعاً يده قطعت رجله اليسرى للإجماع كما ادّعي في الخلاف (1) و الغنية (2) و خبر حبيب السجستاني، سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قطع يدي رجلين اليمينين، فقال (عليه السلام): تقطع يمينه أوّلًا، و تقطع يساره الّذي قطع يمينه أخيراً، لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير و يمينه قصاص للرجل الأوّل، قال حبيب: فقلت: إنّ علياً (عليه السلام) إنّما كان يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى، قال فقال: إنّما يفعل ذلك فيما يجب من حقوق اللّٰه تعالى، فأمّا ما كان من حقوق المسلمين فإنّه يؤخذ لهم حقوقهم في القصاص اليد باليد إذا كان للقاطع يدان، و الرجل باليد إن لم يكن للقاطع يدان، فقلت له: إنّما نوجب عليه الدية و نترك رجله؟ فقال: إنّما توجب عليه الدية إذا قطع يد رجل و ليس للقاطع يدان و لا رجلان، فثمّ توجب عليه الدية لأنّه ليست له جارحة يتقاصّ منها (3). و لا خلاف في أنّه لو قطع و لا يد له و لا رجل أو قطع يد خامس و لم يرض الأربعة إلّا بالقصاص فعليه الدية لفوات محلّ الاستيفاء.

و لو قتل الجماعة واحداً اقتصّ منهم و ردّ عليه فاضل دياتهم كما مرَّ، و إن شاء الوليّ عفا عنهم على الدية فيأخذ منهم بالسويّة، و إن شاء اقتصّ من واحد فيردّ الباقون عليهم قدر جنايتهم، و إن شاء اقتصّ من أكثر من واحد فيؤدّي الباقون قدر جنايتهم و ما فضل يؤدّيه الوليّ. فلو قتل ثلاثة واحداً و اختار الوليّ قتلهم أدّى إليهم ديتين يقتسمونها بينهم بالسويّة إن كافؤوا المقتول و سيأتي حكم خلافه، و لو قتل اثنين أدّى الثالث ثلث الدية إليهما و الوليّ ثلثي الدية، و لو قتل واحداً أدّى الباقيان ثلثي الدية و لا شيء على الوليّ و من عفا عنه أدّاه الوليّ بما يراه كما في الأخبار (4).

____________

(1) الخلاف: ج 5 ص 193 المسألة 59.

(2) الغنية: 410.

(3) وسائل الشيعة: ج 19 ص 131 ب 12 من أبواب قصاص الطرف ح 2.

(4) وسائل الشيعة: ج 19 ص 29 ب 12 من أبواب القصاص في النفس.

53

و كذا لو قطعوا طرفاً خلافاً لأبي حنيفة (1).

فلو اجتمع ثلاثة فصاعداً على قطع يده أو قلع عينه اقتصّ منهم بعد ردّ ما يفضل لكلّ واحد منهم من جنايته. و له الاستيفاء من واحد و يردّ الباقيان على المقتصّ منه قدر جنايتهما كما في القتل سواء كما نطق به صحيح أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل، قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد و اقتسماها، و إن أحبّ أخذ منهما دية يد، قال: و إن قطع يد أحدهما ردّ الّذي لم تقطع يده على الّذي قطعت يده ربع الدية (2).

و تتحقّق الشركة في ذلك بالاشتراك في الفعل بأن لا ينفرد أحدهم بما يمتاز عن فعل الباقين فلو قطع أحدهم ثلث اليد و الثاني ثلثاً آخر و أكمل الثالث، أو وضع أحدهما آلته فوق يده و الآخر تحتها، و اعتمدا على آلتيهما حتّى التقت الآلتان، فلا قصاص على واحد منهم في تمام اليد في الأوّل، و لا في تمام ما قطع منهما بالآلتين في الثاني بل إنّما القصاص على كلّ منهم في قدر جنايته، لأنّ كلّ واحد منهم قد انفرد بجناية عن صاحبه.

أمّا لو أخذ الثلاثة مثلًا آلة واحدة و اعتمدوا عليها دفعة حتّى قطعوا اليد أو رموه دفعة بحجر واحد رفعوه دفعة، أو شهدوا عليه بما يوجب القطع، أو أكرهوا من قطعها تحقّقت الشركة.

و كذا لو قطع أحدهم بعض اليد من غير إبانة و الثاني في موضع آخر كذلك و الثالث في موضع ثالث، وسرى الجميع حتّى سقطت اليد كما يتحقّق الشركة في النفس إذا جرحوه جراحات فسرت الجميع.

و لو اشترك حرّ و حرّة في قتل حرّ فللوليّ قتلهما، و يؤدّي نصف

____________

(1) المبسوط للسرخسي: ج 26 ص 137.

(2) وسائل الشيعة: ج 19 ص 140 ب 25 من أبواب قصاص الطرف ح 1.

54

الدية إلى الرجل خاصّة وفاقاً للمشهور، فإنّه الّذي فضلت ديته على جنايته، و ينصّ عليه خبر أبي بصير، أنّه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام لم يدرك و امرأة قتلا رجلًا خطأً، فقال: إنّ خطأ المرأة و الغلام عمد، فان أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما و ردّوا على أولياء الغلام خمسة آلاف درهم، و إن أحبّوا أن يقتلوا الغلام قتلوه و تردّ المرأة على أولياء الغلام ربع الدية، قال و إن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوا المرأة قتلوها و يردّ الغلام على أولياء المرأة ربع الدية، و إن أحبّ أولياء المقتول أن يأخذوا الدية، كان على الغلام نصف الدية، و على المرأة نصف الدية (1) و لكن الخبر مختلّ المتن من وجوه لا يخفى.

و قيل في المقنعة يقسّم بينهما أثلاثاً بناءً على تقسيم الجناية بينهما (2) كذلك فيكون الرجل جنى ثلثيها، و المرأة ثلثها، ترجيحاً له فيها كما يرجّح في الدية و ليس بجيّد.

و له قتل الرجل خاصّة فتؤدّي المرأة إلى أوليائه تمام ديتها لأنّه الفاضل من ديته على جنايته و هي قد جنت بقدره و قيل في النهاية (3) و المهذّب (4) نصف ديتها كما في خبر أبي بصير هذا الّذي سمعته الآن و ليس بمعتمد و في النكت: لا ريب أنّ هذا و هم (5) و ربما وجّه بمثل ما وجّه به كلام المفيد: من أنّها جنت نصف جناية الرجل، و ضعفه ظاهر و له قتل المرأة و أخذ نصف الدية من الرجل.

و لو قتله امرأتان قتلتا به و لا ردّ، إذ لا فاضل لهما عن ديته و سأل محمّد بن مسلم في الصحيح أبا جعفر (عليه السلام) عن ذلك، فقال: تقتلان به، ما يختلف فيه أحد (6).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 19 ص 64 ب 34 من أبواب القصاص في النفس ح 1.

(2) المقنعة: ص 752.

(3) النهاية: ج 3 ص 381.

(4) المهذّب: ج 2 ص 468.

(5) نكت النهاية: ج 3 ص 381.

(6) وسائل الشيعة: ج 19 ص 62 ب 33 من أبواب القصاص في النفس ح 15.