الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - ج3

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
404 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

6

جميع الحقوق محفوظة لشركة دار المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم لإحياء التراث

7

42 درّة نجفيّة في رسالة الهادي (عليه السلام) إلى أهل الأهواز حول الجبر و التفويض

رسالة مولانا علي بن محمد الهادي (عليهما السلام) إلى أهل الأهواز في الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين، رواها الحسن بن علي بن شعبة من أصحابنا- رضوان اللّه عليهم- في كتاب (تحف العقول) أحببت إيرادها في هذا الكتاب، حيث إنها قليلة الدوران في كتب الأصحاب، مع ما فيها من الفوائد التي لا تخفى على ذوي الألباب. إلّا إن النسخة المنتسخ منها لا تخلو من الغلط، و هي هذه: «من علي بن محمد، سلام على من اتّبع الهدى و رحمة الله و بركاته، فإنّه ورد عليّ كتابكم، و فهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم و خوضكم في القدر، و مقالة من يقول منكم بالجبر و من يقول بالتفويض، و تفرّقكم في ذلك و تقاطعكم، و ما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه و بيانه لكم، و فهمت ذلك كله. أعلموا- رحمكم الله- أنا نظرنا في الأثار و كثرة ما جاءت به الأخبار، فوجدناها (1) عند جميع من ينتحل الإسلام ممن يعقل عن الله (عزّ و جلّ)، لا تخلوا عن معنيين: إمّا حق فيتبع، و إمّا باطل فيجتنب.

و قد اجتمعت الامّة قاطبة أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، و في حال اجتماعهم مقرّون بتصديق الكتاب و تحقيقه، مصيبون مهتدون، و ذلك بقول رسول الله: لا تجتمع أمّتي على ضلالة، فأخبر أن جميع ما اجتمعت عليه الامة كلّها حق. هذا إذا لم يخالف بعضها بعضا.

____________

(1) في «ح»: فوجدنا.

8

و القرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله و تصديقه، فإذا شهد القرآن بتصديق خبر و تحقيقه و أنكر الخبر طائفة من الامة، لزمهم الإقرار به ضرورة، حيث اجتمعت في الأصل على تصديق الكتاب، فإن هي جحدت و أنكر لزمها الخروج عن الملة.

فأول خبر يعرف تحقيقه من الكتاب و تصديقه و التماس شهادته عليه، خبر ورد عن رسول الله وجد بموافقة الكتاب و تصديقه، بحيث لا تخالفه أقاويلهم حيث قال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي لن تضلوا ما تمسّكتم بهما و إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (1). فلمّا وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب الله نصا، مثل قوله (عزّ و جلّ) إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ. وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْغٰالِبُونَ (2). و روت العامة في ذلك أخبارا لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنه تصدّق بخاتمه و هو راكع فشكر الله ذلك له و أنزل الآية فيه (3). فوجدنا رسول الله قد أتى بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه (4)، و بقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا إنه لا نبي بعدي (5)، و وجدناه يقول: عليّ يقضي ديني و ينجز موعدي، و هو خليفتي عليكم من بعدي (6).

فالخبر الأول استنبط منه هذه الأخبار، و هو خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم، و هو أيضا موافق للكتاب. فلمّا شهد الكتاب بتصديق الخبر و هذه الشواهد الاخر، لزم الامة الإقرار بها ضرورة؛ إذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقة

____________

(1) كشف اليقين: 241، سنن الترمذي 5: 662/ 3788، مناقب علي بن أبي طالب:

234/ 281.

(2) المائدة: 55- 56.

(3) الدر المنثور 2: 519- 520.

(4) المستدرك على الصحيحين 3: 119/ 4578، الدر المنثور 2: 519.

(5) المستدرك على الصحيحين 3: 117/ 4575، تاريخ مدينة دمشق 42: 53.

(6) تاريخ مدينة دمشق 42: 48- 50.

9

و وافقها القرآن و وافقت القرآن.

ثم وردت حقائق الأخبار عن رسول الله عن الصادقين (عليهم السلام) نقلها قوم ثقات معروفون، فصار الاقتداء بهم بهذه الأخبار فرضا واجبا على كل مؤمن و مؤمنة لا يتعدّاه إلى أهل العناد؛ و ذلك أن أقاويل آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) متّصلة بقول الله و (1) ذلك مثل قوله في محكم كتابه إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذٰاباً مُهِيناً (2).

و وجدنا نظير هذه الآية قول رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله): من آذى عليا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى الله و من آذى الله (3) يوشك أن ينتقم منه (4) و كذلك قوله (صلّى اللّه عليه و آله): من أحبّ عليا فقد أحبّني و من أحبّني فقد أحب الله (5). و مثل قوله لبني وليعة: لأبعثن غدا عليهم رجلا كنفسي يحبّ الله و رسوله و يحبّه الله و رسوله، قم يا علي، فسر إليهم (6). و قوله: يوم خيبر: لأبعثن إليهم غدا رجلا يحبّ الله و رسوله و يحبّه الله و رسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله عليه. فقضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالفتح (7) قبل التوجيه، فاستشرف لكلامه أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله)، فلما كان من الغد دعا عليا (عليه السلام) فبعثه إليهم (8)، فاصطفاه بهذه المنقبة، و سمّاه كرارا غير فرار، و سماه محبا لله و لرسوله، و أخبر أن الله و رسوله يحبانه.

و إنّما قدمنا هذا الشرح و البيان دليلا على ما أردناه و قوّة لما نحن مبينوه من أمر

____________

(1) في «ح» بعدها: في.

(2) الأحزاب: 57.

(3) و من آذى اللّه، سقط في «ح».

(4) مناقب آل أبي طالب 3: 245، الاستيعاب 3: 204، المناقب (الخوارزمي): 3280/ 344.

(5) المعجم الكبير 23: 380/ 901، تاريخ مدينة دمشق 42: 271.

(6) شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد) 9: 167.

(7) من «ح» و المصدر.

(8) مسند أحمد بن حنبل 1: 99، تاريخ مدينة دمشق 42: 115.

10

الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين، و بالله العون و القوّة، و عليه نتوكّل في جميع امورنا، فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق (عليه السلام): لا جبر و لا تفويض و لكن منزلة بين المنزلتين، و هي: صحة الخلقة، و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و مثل الزاد و الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله. فهذه خمسة أشياء جمع بها الصادق (عليه السلام) جوامع الفضل، فإذا نقص العبد منها خلّة كان العمل عنه مطروحا بحسبه، فأخبر الصادق (عليه السلام) بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته و نطق الكتاب بتصديقه، فشهد بذلك محكمات آيات رسوله؛ لأن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) [و آله (عليهم السلام) لا يعدون] (1) شيء من قوله و أقاويلهم حدود القرآن، فإذا وردت حقائق الأخبار و التمست شواهدها من التنزيل، فوجد لها موافقا و عليها دليلا كان الاقتداء بها فرضا لا يتعداه إلّا أهل العناد كما ذكرنا في أول الكتاب.

و لما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق (عليه السلام) من المنزلة بين المنزلتين و إنكاره (2) الجبر و التفويض، وجدنا الكتاب قد شهد له و صدّق مقالته في هذا. و خبر عنه أيضا موافق لهذا أن الصادق (عليه السلام) سئل: هل أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال الصادق (عليه السلام): هو أعدل من ذلك. فقيل له: فهل (3) فوّض إليهم؟ فقال: هو أعزّ و أقهر لهم من ذلك.

و روي عنه أنه قال: الناس في القدر على ثلاث أوجه:

رجل يزعم أن الأمر مفوض إليه، فقد وهّن الله في سلطانه؛ فهو هالك.

و رجل يزعم أن الله جلّ و عزّ أجبر العباد على المعاصي و كلفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم الله في حكمه؛ فهو هالك.

و رجل يزعم أن الله كلّف العباد ما يطيقون و لم يكلفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد الله و إذا أساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ.

____________

(1) من المصدر، و في النسختين: لم يعد.

(2) في «ح»: إنكار.

(3) في «ح»: فهو.

11

فأخبر (عليه السلام) أن من تقلد الجبر و التفويض و دان بهما فهو على خلاف الحقّ. فقد شرحت الجبر الذي من دان به لزمه الخطأ، و أن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما».

ثم قال (عليه السلام): «و أضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلا يقرّب المعنى للطالب، و يسهل له البحث عن شرحه، يشهد به محكمات آيات الكتاب و تحقّق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله التوفيق و العصمة:

فأما الجبر الذي يلزم من دان به (1) الخطأ، فهو قول من زعم أن الله جلّ و عزّ أجبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها. و من قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه و كذبه و ردّ عليه قوله وَ لٰا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (2)، و قوله ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ يَدٰاكَ وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ (3)، و قوله إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَظْلِمُ النّٰاسَ شَيْئاً وَ لٰكِنَّ النّٰاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (4) مع آي كثير في ذكر هذا.

و من زعم أن الله مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله و قد ظلمه في عقوبته، و من ظلم الله فقد كذب كتابه، و من كذب كتابه فقد لزمه الكفر بإجماع الامة.

و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه و لا يملك عرضا من عرض الدنيا و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها و لم يملّكه ثمن ما يأتيه به من حاجته، و علم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلّا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، و أوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أن سيمنعه، و علمه أن المملوك لا يملك ثمنها و لم يملّكه

____________

(1) في «ح»: الذي من دام فيه يلزمه، بدل: الذي يلزم من دان به.

(2) الكهف: 49.

(3) الحج: 10.

(4) يونس: 44.

12

ذلك. فلما صار العبد إلى السوق و جاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى إليها وجد عليها مانعا يمنع منها (1) إلّا بشراء، و ليس يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير (2) قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه من ذلك و عاقبه. أ ليس يجب في عدله و حكمته ألّا يعاقبه و هو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا، و لم يملّكه ثمن حاجته؟ فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذّب نفسه (3) في وعيده إياه حين أوعده [ب] الكذب و الظلم اللذين ينفيان العدل و الحكمة، تعالى الله (4) عما يقولون علوا كبيرا.

فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظلم الله و نسبه إلى الجور و العدوان؛ إذ أوجب على من أجبر العقوبة، و من زعم أن الله أجبر العباد فقد أوجب على قياس قوله أن الله يدفع عنهم العقوبة، و من زعم أن الله يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذب الله في وعيده حيث يقول بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ (5)، و قوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (6)، و قوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نٰاراً كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَزِيزاً حَكِيماً (7)، مع آي كثير في هذا الفن فيمن كذب وعيد الله، و يلزمه في تكذيبه آية من كتاب الله الكفر، و هو ممن قال الله أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلّٰا خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ (8).

____________

(1) من «ح» و المصدر.

(2) في «ح»: يوم.

(3) من «ح» و المصدر.

(4) ليست في «ح».

(5) البقرة: 81.

(6) النساء: 10.

(7) النساء: 56.

(8) البقرة: 85.

13

بل نقول: إن الله جلّ و عزّ يجازي العباد على أعمالهم و يعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إياها، فأمرهم و نهاهم، بذلك نطق كتابه مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا وَ مَنْ جٰاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلٰا يُجْزىٰ إِلّٰا مِثْلَهٰا وَ هُمْ لٰا يُظْلَمُونَ (1)، و قال جل ذكره يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ (2)، و قال الْيَوْمَ تُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ لٰا ظُلْمَ الْيَوْمَ (3). فهذه آيات محكمات تنفي الجبر و من دان به. و مثلها في القرآن كثيرا اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب و بالله التوفيق.

و أمّا التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) و أخطأ (4) من دان به و تقلّده فهو قول القائل:

إن الله جل ذكره فوّض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم. و في هذا كلام دقيق لمن يذهب (5) إلى تحريره و دقته. و إلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فإنهم قالوا: لو فوض إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا منه الثواب، و لم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعا.

و تنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد (6) تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة؛ كره ذلك أم أحبّ، فقد لزم الوهن، أو يكون جلّ و عزّ عجز عن (7) تعبّدهم بالأمر و النهي على إرادته؛ كرهوا أو أحبّوا ففوّض أمره إليهم و أجراهما على محبّتهم؛ إذ عجز عن تعبدهم بإرادته، فجعل الاختيار إليهم في الكفر و الإيمان.

____________

(1) الأنعام: 160.

(2) آل عمران: 30.

(3) المؤمن: 17.

(4) في هامش المصدر إشارة إلى أن في بعض نسخه: خطّأ، و هو الأقرب. تحف العقول:

463/ ه: 3.

(5) من «ح» و المصدر، و في «ق»: ذهب.

(6) من «ح» و المصدر، و في «ق»: العقاب.

(7) في «ح»: من، بدل: عجز عن.

14

و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل روايته، و يقف عند أمره و نهيه، و ادّعى مالك العبد أنه قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه، و وعده على اتّباع أمره عظيم الثواب، و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، و لم يقف عند أمره و نهيه، فأي أمر أمره و أي نهي نهاه لم يأته على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه و اتّباع هواه، و لا يطيق المولى أن يردّه إلى اتّباع أمره و نهيه و الوقوف على إرادته ففوّض اختيار أمره و نهيه إليه، و رضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادة المالك، و بعثه في بعض حوائجه و سمّى له الحاجة، فخالف على مولاه، و قصد لإرادة نفسه، و اتّبع هواه، [فلمّا] رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال له: لم أتيتني بخلاف ما أمرتك؟ فقال العبد: اتّكلت على تفويضك الأمر إلي فاتّبعت هواي و إرادتي، لأنّ المفوض إليه غير محظور عليه (1)؛ فاستحال التفويض.

أو ليس يجب على هذا السبب:

إما أن يكون المالك للعبد قادرا [يأمر] (2) عبده اتباع أمره و نهيه على إرادته لا على إرادة العبد، و يملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به و ينهاه عنه، فإذا أمره بأمر و نهاه عن نهي عرفه الثواب و العقاب عليهما. و حذّره و رغّبه بصفة ثوابه و عقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاعة لأمره و نهيه و ترغيبه و ترهيبه، فيكون عدله و إنصافه شاملا له و حجته واضحة عليه للإعذار و الإنذار، فإذا اتّبع العبد أمر مولاه جازاه، و إذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه.

أو يكون عاجزا غير قادر، ففوّض إليه أمره؛ أحسن أم أساء، أطاع أم عصى، عاجزا عن عقوبته و ردّه إلى اتّباع أمره، [و] في [إثبات] (3) العجز نفي القدرة و التألّه، و إبطال

____________

(1) في «ح»: إليه.

(2) من المصدر، و في «ح»: بأمره، و في «ق»: يأمره.

(3) من المصدر، و في النسختين: ثبات.

15

الأمر و النهي، و الثواب و العقاب، و مخالفة الكتاب؛ إذ يقول وَ لٰا يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (1)، و قوله (عزّ و جلّ) اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ وَ لٰا تَمُوتُنَّ إِلّٰا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (2)، و قوله وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ (3)، مٰا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ مٰا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (4)، و قوله وَ اعْبُدُوا اللّٰهَ وَ لٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (5)، و قوله أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لٰا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (6)؟

فمن زعم أن الله تعالى فوض أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه (7) قبول كل ما عملوا من خير و شر، و أبطل أمر الله و نهيه، و وعده و وعيده؛ لعلة ما زعم أن الله فوضها (8) إليه لأن المفوض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء (9) الكفر أو الإيمان كان غير مردود عليه و لا محظور. فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده و وعيده و أمره و نهيه و هو من أهل هذه الآية أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلّٰا خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ (10) تعالى الله عما يدين به أهل التفويض علوّا كبيرا.

لكن نقول: إن الله جلّ و عزّ خلق الخلق بقدرته، و ملّكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم و نهاهم بما أراد، فقبل منهم اتّباع أمره، و رضي بذلك لهم، و نهاهم عن معصيته، و ذمّ من عصاه و عاقبه عليها، و لله الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد و يأمر به و ينهى، عما يكره و يعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتّباع أمره و اجتناب

____________

(1) الزمر: 7.

(2) آل عمران: 102.

(3) الذاريات: 56.

(4) الذاريات: 57.

(5) النساء: 36.

(6) الأنفال: 20.

(7) العجز و أوجب عليه، سقط في «ح».

(8) في «ح»: فوّضهما.

(9) شطب عنها في «ح».

(10) البقرة: 85.

16

معاصيه؛ لأنّه ظاهر العدل و النصفة و الحكمة البالغة. بالغ الحجة بالإعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته و احتجاجه على عباده، اصطفى محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) و بعثه برسالاته إلى خلقه، فقال من قال من كفّار قومه حسدا و استكبارا:

لَوْ لٰا نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (1) يعني بذلك اميّة بن أبي الصلت، و أبا مسعود الثقفي، فأبطل الله اختيارهم و لم يجز لهم آراءهم حيث يقول:

أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ (2).

و لذلك اختار من الامور ما أحبّ، و نهى عمّا كره، فمن أطاعه أثابه، و من عصاه عاقبه و لو فوض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار اميّة بن أبي الصلت و أبي مسعود الثقفي؛ إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

فلهذا أدّب الله المؤمنين بقوله وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (3)، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم، و لم يقبل منهم إلّا اتّباع أمره و اجتناب نهيه على يدي من اصطفاه، فمن أطاعه رشد و من عصاه ضلّ و غوى و لزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره و اجتناب نهيه؛ فمن أجل ذلك حرمه ثوابه و أنزل به عقابه.

و هذا القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) عباية ابن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم و يقعد و يفعل، فقال له أمير المؤمنين: سألت عن الاستطاعة، تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية فقال له

____________

(1) الزخرف: 31.

(2) الزخرف: 32.

(3) الأحزاب: 36.

17

أمير المؤمنين (عليه السلام): قل يا عباية. قال: و ما أقول؟ قال: إن قلت: إنك تملّكها مع الله قتلتك، و إن قلت: تملّكها من دون الله قتلتك. قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين؟

قال: تقول إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن يملّكها إياك كان ذلك من عطائه، و إن يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملك و القادر على ما (1) عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حين يقولون: لا حول و لا قوة إلّا بالله؟

قال عباية: و ما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول عن معاصي الله إلّا بعصمة الله، و لا قوّة لنا على طاعة الله إلّا بعون الله». قال: «فوثب عباية فقبّل يديه و رجليه.

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة الله قال: يا أمير المؤمنين بما ذا عرفت ربك (2)؟ قال: بالتمييز الذي خوّلني، و العقل الذي دلّني. قال:

أ فمجبول أنت عليه؟ قال: لو كنت مجبولا ما كنت محمودا على إحسان و لا مذموما على إساءة، و كان المحسن أولى باللائمة من المسيء، [فعلمت] (3) أن الله قديم باق، و ما دونه حدث حائل [زائل]، و ليس القديم الباقي كالحدث الزائل. قال نجدة: أجدك أصبحت حكيما يا أمير المؤمنين، قال: أصبحت مخيّرا؛ فإن أتيت السيئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها.

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه (4) قال لرجل سأله بعد انصرافه من الشام، فقال:

يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاء و قدر (5)؟ قال (عليه السلام) (6): نعم يا شيخ؛ ما علوتم تلعة و لا (7) هبطتم واديا (8) إلّا بقضاء و قدر من الله (9). فقال الشيخ: عند الله

____________

(1) قوله (عليه السلام): على ما، من «ح» و المصدر، و في «ق»: لما.

(2) من «ح» و المصدر، و في «ق»: ربي.

(3) من المصدر، و في النسختين: فقلت.

(4) من «ح» و المصدر.

(5) في «ح» بعدها: من اللّه.

(6) في «ح»: فقال له أمير المؤمنين، بدل: قال.

(7) من «ح» و المصدر، و في «ق»: ما.

(8) في «ح»: بطن واد.

(9) في «ح»: من اللّه و قدر، بدل: و قدر من اللّه.

18

أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟ فقال: مه يا شيخ، فإن الله قد عظم اجوركم في مسيركم و أنتم سائرون، و في مقامكم و أنتم مقيمون، و في انصرافكم و أنتم منصرفون، و لم تكونوا في شيء من اموركم مكرهين و لا إليه مضطرّين، لعلّك ظننت أنه قضاء حتم و قدر لازم، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب و العقاب و لسقط الوعد و الوعيد، و لما ألزمت الأشياء أهلها على الحقائق، ذلك مقالة عبدة الأوثان و أولياء الشيطان. إن الله (عزّ و جلّ) أمر تخييرا، و نهى تحذيرا، و لم يطع مكرها، و لم يعص مغلوبا، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ (1). فقام الشيخ فقبل رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنشأ يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * * * يوم النجاة من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * * * جزاك ربّك عنا فيه رضوانا

فليس معذرة في فعل فاحشة * * * عندي لراكبها ظلما و عصيانا

فقد دلّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام) على موافقة الكتاب و نفي الجبر و التفويض اللذين يلزمان من دان بهما و تقلّدهما الباطل و الكفر و تكذيب الكتاب، و نعوذ بالله من الضلالة و الكفر.

و لسنا ندين بجبر و لا تفويض لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين، و هو الامتحان و الاختبار بالاستطاعة التي ملّكنا الله و تعبّدنا بهما على ما شهد به الكتاب و دان به الأئمّة الأبرار من آل الرسول، صلوات الله عليهم.

و مثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا و ملك مالا كثيرا أحب أن يختبر عبده على علم منه بما يؤول إليه، فملّكه من ماله بعض ما أحب، و أوقفه على امور عرّفها العبد فأمره أن يصرف ذلك المال فيها، و نهاه عن أشياء لم يحبّها، و تقدم إليه أن يجتنبها

____________

(1) ص: 27.

19

و لا ينفق من ماله فيها، و المال ينصرف في أي الوجهين، فصرف العبد أحدهما في اتّباع أمر المولى و رضاه، و الآخر صرفه في اتّباع نهيه و سخطه، و أسكنه دار اختبار أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار، و أن له دارا غيرها، و هو مخرجه إليها فيها ثواب و عقاب دائمان، فإن أنفذ العبد المال الذي ملّكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها، و إن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود. و قد حد المولى في ذلك حدّا معروفا و هو المسكن الذي أسكنه في الدار الاولى، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال و بالعبد، على أنه لم يزل مالكا للمال و العبد في الأوقات كلّها إلّا إنه وعد ألّا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى إلى أن يستتم سكناه فيها، فوفى له لأن من صفات المولى العدل و الوفاء و النصفة و الحكمة.

أو ليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب، و تفضل عليه بأن استعمله في دار فانية و أثابه على طاعته فيها نعيما دائما في دار باقية دائمة، و إن صرف العبد المال الذي ملّكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الأولى في الوجه المنهيّ عنه، و خالف أمر مولاه كذلك تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذّره إياها غير ظالم له؛ لما تقدم إليه، و أعلمه و عرّفه و أوجب له الوفاء بوعده و وعيده؟ بذلك يوصف القادر القاهر.

أما المولى، فهو الله جلّ و عزّ، و أما العبد فهو ابن آدم المخلوق، و المال قدرة الله الواسعة، و محنته إظهار الحكمة و القدوة، و الدار الفانية هي الدنيا، و بعض الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم، و الامور التي أمر الله بصرف المال إليها هي الاستطاعة لاتّباع الأنبياء و الإقرار بما أوردوه عن الله جلّ و عزّ، و اجتناب الأشياء التي نهى عنها [هي] طريق إبليس.

و أما وعده فالنعيم الدائم و هي الجنة، و أما الدار الاخرى فهي الدار الباقية و هي

20

الدار (1) الآخرة. و القول بالجبر و التفويض هو الاختبار و الامتحان و البلوى بالاستطاعة التي ملك العبد و شرحها في خمسة الأمثال التي ذكرها الصادق (عليه السلام) أنها جمعت جوامع الفضل، و أنا مفسرها بشواهد من القرآن و البيان إن شاء الله تعالى.

تفسير صحة الخلقة

أما قول (2) الصادق (عليه السلام) فإنّ [معناه] (3) كمال الخلق للإنسان [و] كمال الحواس و ثبات العقل و التمييز و إطلاق اللسان بالنطق، و ذلك قول الله تعالى وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ الطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلًا (4)، فقد أخبر (عزّ و جلّ) عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم و السباع و دواب البحر و الطير و كل ذي حركة تدركه حواسّ بني آدم بتمييز العقل و النطق، و ذلك قوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (5)، و قوله يٰا أَيُّهَا الْإِنْسٰانُ مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّٰاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مٰا شٰاءَ رَكَّبَكَ (6)، [و] في آيات كثيرة.

فأول نعمة الله على الإنسان صحة عقله و تفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل و تمييز البيان، و ذلك أن كل ذي حركة على بسيط الأرض هو قائم بنفسه بحواسه مستكمل في ذاته، ففضّل ابن آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس، فمن أجل النطق ملّك الله ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمرا ناهيا و غيره مسخّرا له، كما قال الله كَذٰلِكَ سَخَّرَهٰا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ (7)، و قال وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهٰا (8)، و قال:

____________

(1) من «ح».

(2) أي قوله (عليه السلام): «و هي صحة الخلقة، و تخلية السرب ..» الذي مر في الصفحة: 10.

(3) من المصدر، و في النسختين: معنى.

(4) الإسراء: 70.

(5) التين: 4.

(6) الانفطار: 6- 8.

(7) الحجّ: 37.

(8) النحل: 14.

21

وَ الْأَنْعٰامَ خَلَقَهٰا لَكُمْ فِيهٰا دِفْءٌ وَ مَنٰافِعُ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ. وَ لَكُمْ فِيهٰا جَمٰالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ. وَ تَحْمِلُ أَثْقٰالَكُمْ إِلىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بٰالِغِيهِ إِلّٰا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ (1).

فمن أجل ذلك دعا الله الإنسان إلى اتّباع أمره و إلى طاعته بتفضيله إياه باستواء الخلق و كمال النطق و المعرفة بعد أن ملّكهم استطاعة ما كان تعبّدهم به بقوله فَاتَّقُوا اللّٰهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا (2)، و قوله لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (3)، و قوله لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا (4) [و] في آيات كثيرة.

فإذا سلب العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ* (5)- الآية- فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد و الأعمال التي لا يقوم بها، و كذلك أوجب على ذي اليسار الحجّ و الزكاة لما ملّكه من استطاعة ذلك، و لم يوجب على الفقير الزكاة و الحج بقوله وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (6)، و قوله في الظهار وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ إلى قوله فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (7)، كل ذلك دليل على أن الله تبارك و تعالى لم يكلف عباده إلّا ما ملّكهم استطاعته بقوة العمل به، و نهاهم عن مثل ذلك. فهذه صحة الخلقة.

تفسير تخلية السرب

و أما قوله: تخلية السرب، فهو الذي ليس عليه رقيب يحظر عليه و يمنعه العمل بما أمر الله به و ذلك (8) قوله فيمن استضعف و حظر عليه العمل فلم يجد حيلة و لم يهتد

____________

(1) النحل: 5- 7.

(2) التغابن: 16.

(3) البقرة: 286.

(4) الطلاق: 7.

(5) النور: 61.

(6) آل عمران: 97.

(7) المجادلة: 3- 4.

(8) في النسختين بعدها: به و، و ما أثبتناه وفق المصدر.

22

سبيلا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (1)، فأخبر أن المستضعف لم يخلّ سربه، و ليس عليه من القول شيء إذا كان مطمئن القلب بالإيمان.

تفسير المهلة في الوقت

و أما المهلة في الوقت، فهو العمر الذي يمنع الإنسان من حد ما تجب عليه المعرفة إلى أجل الوقت، و ذلك من وقت تمييزه و بلوغ الحلم (2) [إلى أن] يأتيه أجله، فمن مات على طلب الحق و لم يدرك كماله فهو على خير، و ذلك قوله تعالى وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ (3)- الآية- و إن كان لم يعمل بكمال شرائعه لعلة ما، لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره. و قد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ (4)- الآية- فلم يجعل عليهن حرجا في [إبداء] (5) الزينة [للطفل و] (6) كذلك لا تجوز عليه الأحكام.

تفسير الزاد و الراحلة

و أما قوله: الزاد، فمعناه الجدة (7) و البلغة التي يستعين بها العبد على ما أمر الله به، و ذلك قوله مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (8)- الآية- أ لا ترى أنه قبل عذر من لم يجد ما ينفق، و ألزم الحجة على كل من أمكنه البلغة و الراحة للحج و الجهاد و أشباه ذلك، [و] كذلك قبل عذر الفقراء و أوجب لهم حقا في مال الأغنياء بقوله لِلْفُقَرٰاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ (9)- الآية- فأمر بإعفائهم و لم يكلفهم الإعداد لما لا يستطيعون و لا يملكون.

____________

(1) النساء: 98.

(2) في النسختين بعدها: و.

(3) النساء: 100.

(4) النور: 31.

(5) من المصدر، و في النسختين: اثر.

(6) من المصدر، و في النسختين الطفل.

(7) الجدّ: الحظ و الرزق. لسان العرب 2: 198- جدد.

(8) التوبة: 91.

(9) البقرة: 273.

23

تفسير السبب المهيّج

و أما قوله السبب المهيج، فهو النية التي هي داعية الإنسان إلى جميع الأفعال و حاستها القلب، فمن فعل فعلا و كان بدين لم يعقد قلبه على ذلك، لم يقبل الله منه عملا إلّا بصدق النية، كذلك أخبر عن المنافقين بقوله يَقُولُونَ بِأَفْوٰاهِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا يَكْتُمُونَ (1)، ثم أنزل على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) توبيخا للمؤمنين يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ (2)- الآية- فإذا قال الرجل قولا و اعتقد في قوله دعته النية إلى تصديق القول بإظهار الفعل؛ و إذا لم يعتقد القول لم تتبين حقيقته، و قد أجاز الله صدق النية و إن كان الفعل غير موافق لها لعلة مانع يمنع إظهار الفعل في قوله إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ (3)، و قوله لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ* (4)، الآية.

فدل القرآن و إخبار الرسول أن القلب مالك لجميع الحواس يصحّح أفعالها، و لا يبطل ما يصحّح القلب شيء.

فهذا شرح جميع الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق (عليه السلام) أنّها تجمع المنزلة بين المنزلتين و هما الجبر و التفويض. فإذا اجتمع في الإنسان كمال هذه الخمسة الأمثال وجب عليه العمل كملا لما أمر الله به و رسوله، و إذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحا بحسب ذلك.

و أما شواهد القرآن على الاختيار و البلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرة، و من ذلك قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّٰى نَعْلَمَ الْمُجٰاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصّٰابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبٰارَكُمْ (5)، و قال سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ* (6)، و قال

____________

(1) آل عمران: 167.

(2) الصفّ: 2.

(3) النحل: 106.

(4) البقرة: 225، المائدة: 89.

(5) محمّد: 31.

(6) الأعراف: 182، القلم: 44.

24

الم. أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لٰا يُفْتَنُونَ (1). و قال في الفتن التي معناها الاختبار وَ لَقَدْ فَتَنّٰا سُلَيْمٰانَ (2)- الآية- و قال في قصة قوم موسى فَتَنّٰا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السّٰامِرِيُّ (3) و قال موسى إِنْ هِيَ إِلّٰا فِتْنَتُكَ (4) أي اختبارك، [فهذه] (5) الآيات يقاس بعضها ببعض و يشهد بعضها لبعض.

و أما آيات (6) البلوى [بمعنى] (7) الاختبار، فقوله لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ* (8)، و قوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ (9)، و قوله إِنّٰا بَلَوْنٰاهُمْ كَمٰا بَلَوْنٰا أَصْحٰابَ الْجَنَّةِ (10)، و قوله خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (11)، و قوله:

وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ (12)، و قوله وَ لَوْ يَشٰاءُ اللّٰهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لٰكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ (13)، و كل ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أولها فهي اختبار، و أمثالها في القرآن كثيرة، فهي إثبات الاختبار و البلوى. إن الله جلّ و عزّ لم يخلق الخلق عبثا و لا أهملهم سدى و لا أظهر حكمته لعبا، بذلك اخبرني قوله:

أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً (14).

فإن قال قائل: فلم يعلم الله ما يكون من العباد حتى اختبرهم؟

قلنا: بلى، قد علم الله ما يكون منهم قبل كونه، و ذلك قوله وَ لَوْ رُدُّوا لَعٰادُوا لِمٰا نُهُوا عَنْهُ (15)، و إنما اختبرهم ليعلّمهم عدله و لا يعذّبهم إلّا بحجة بعد الفعل، و قد أخبر

____________

(1) العنكبوت: 1- 2.

(2) ص: 34.

(3) طه: 85.

(4) الأعراف: 155.

(5) من المصدر، و في «ح»: فمن، و في «ق»: و اما عن.

(6) في «ح»: الآيات.

(7) من المصدر، و في النسختين: لبعض.

(8) المائدة: 48، الأنعام: 165.

(9) آل عمران: 152.

(10) القلم: 17.

(11) الملك: 2.

(12) البقرة: 124.

(13) محمّد: 4.

(14) المؤمنون: 115.

(15) الأنعام: 28.

25

بقوله وَ لَوْ أَنّٰا أَهْلَكْنٰاهُمْ بِعَذٰابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقٰالُوا رَبَّنٰا لَوْ لٰا أَرْسَلْتَ إِلَيْنٰا رَسُولًا (1)، و قوله وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا (2)، و قوله رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ (3). فالاختبار من الله بالاستطاعة التي ملكها عبده و هو قول بين الجبر و التفويض. بهذا نطق القرآن و جرت الأخبار عن الأئمّة من آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

فإن قالوا: ما الحجة في قوله (4) يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ* (5)، و ما أشبهها (6)؟

قيل: مجاز هذه الآية كلها على معنيين:

أما أحدهما، فإخبار عن قدرته، أي أنه قادر على هداية من يشاء و ضلال من يشاء، و إذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثواب و لا عليهم عقاب [على] نحو ما شرحناه في الكتاب.

و المعنى الآخر أن الهداية منه تعريفه كقوله وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ أي عرفناهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمىٰ عَلَى الْهُدىٰ (7). فلو جبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلوا، و ليس كلما وردت آية مشتبهة كانت الآية حجّة على محكم الآيات اللواتي امرنا بالأخذ بها؛ من ذلك قوله مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ- الآية- و قال:

فَبَشِّرْ عِبٰادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (8)، أي أحكمه و أشرحه، أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ (9).

____________

(1) طه: 134.

(2) الإسراء: 15.

(3) النساء: 165.

(4) في «ح»: قول اللّه.

(5) النحل: 93، فاطر: 8.

(6) البقرة: 26، النساء: 88، الأعراف: 155.

(7) فصّلت: 17.

(8) الزمر: 17- 18.

(9) آل عمران: 7.

26

وفقنا اللّه و إياكم [إلى] (1) القول و العمل لما يحب و يرضى، و جنّبنا و إياكم المعاصي بمنّه و فضله، و الحمد للّه كثيرا كما هو أهله، و صلّى اللّه على محمد و آله الطيبين، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل» (2).

____________

(1) من المصدر، و في النسختين: من.

(2) تحف العقول: 458- 475.

27

43 درّة نجفيّة في أن ولد الولد ولد على الحقيقة أو على المجاز

اختلف الأصحاب- رضوان اللّه عليهم- في المنتسب إلى هاشم رضى اللّه عنه جد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالام خاصة في أن حكمه حكم المنتسب بالأب فتحرم عليه الزكاة المفروضة و يباح له أخذ الخمس أم لا، بل يجوز له أخذ الزكاة و يحرم عليه الخمس؟ قولان مبينان على أن المنتسب بالام هل يكون ابنا حقيقة أو مجازا؟

ظاهر المشهور الثاني و إلى الأول ذهب جمع أولهم السيد المرتضى رضى اللّه عنه (1)، و تبعه جملة من أفاضل متأخّري المتأخّرين (2)، و هو الحقيق بالاتّباع (3) و إن كان قليل الأتباع. و نقل (4) أيضا عن ابن حمزة و ابن إدريس (5)، و نقله في (المسالك) في بحث ميراث أولاد الأولاد (6) عن المرتضى، و ابن إدريس و معين الدين المصري، و نقله في بحث الوقف على الأولاد (7) عن جماعة منهم الشيخ المفيد و القاضي،

____________

(1) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 262- 265، المجموعة الرابعة: 328/ 5.

(2) شرح الكافي (المازندراني) 12: 423، الأربعون حديثا (الماحوزي): 310/ شرح الحديث: 24.

(3) من «ح»، و في «ق»: الاتباع.

(4) عنه في الأربعون حديثا (الماحوزي): 310.

(5) السرائر 3: 238.

(6) مسالك الأفهام 13: 125.

(7) مسالك الأفهام 5: 393.

28

و ابن إدريس، و نقل بعض أفاضل العجم [1] في رسالة له صنّفها في هذه المسألة و اختار فيها ما اخترناه هذا القول عن القطب الراوندي (1) و الفضل بن شاذان، و نقله المقداد في كتاب الميراث من كتابه (كنز العرفان) (2) عن الراوندي، و الشيخ أحمد ابن المتوج البحراني الذي كثيرا ما يعبّر عنه بالمعاصر.

و نقله في الرسالة المشار إليها أيضا عن ابن أبي عقيل و أبي الصلاح و الشيخ الطوسي في (الخلاف) (3)، و ابن الجنيد و ابن زهرة في (الغنية) (4)، و نقل عن الملّا أحمد الأردبيلي (5) الميل إليه أيضا.

و يدل على المشهور قول الكاظم (عليه السلام) في مرسلة حماد بن عيسى: «و من كانت امه من بني هاشم و أبوه من سائر قريش فإنّ الصدقات تحل له، و ليس له من الخمس شيء؛ إن الله تعالى يقول ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ (6)» (7)، و هي صريحة في المدعى.

و احتجوا على ذلك أيضا بأن الولد حقيقة إنّما يقال على ابن الابن دون ابن الابنة، كما ورد عن العرب من قولهم:

____________

[1] قد وقفت في إجازات بعض الأفاضل و هو الحاج الميرزا محمد باقر [..] (8) على رواية بطريق الإجازة عن الفاضل العالم المحدّث محمد إبراهيم عن أبيه الفاضل [..] (9) محمد جعفر عن أبيه محمد باقر بن محمد الشريف السبزواري صاحب (الكفاية) و (الذخيرة).

و فيه تحقيق لما ذكرناه من أن صاحب الرسالة المذكورة هو ابن المولى محمد باقر المشار إليه آنفا. منه (رحمه اللّه)، (هامش «ح»).

____________

(1) فقه القرآن 2: 362- 363، و فيه: و نحن إذا قلنا بخلافه نقول: لو خلينا و الظاهر لقلنا بذلك.

(2) كنز العرفان 2: 328.

(3) الخلاف 4: 50/ المسألة: 57.

(4) غنية النزوع 1: 323.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 11: 359- 360.

(6) الأحزاب: 5.

(7) الكافي 1: 539- 540/ 4، باب الفيء و الأنفال و تفسير الخمس، وسائل الشيعة 9: 513- 514، أبواب قسمة الخمس، ب 1، ح 10.

(8) كلمة غير مقروءة.

(9) كلمتان غير مقروءتين.

29

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا. بنوهن أبناء الرجال الأباعد (1) احتج السيد المرتضى رضى اللّه عنه على ما نقل (2) عنه بأن ولد البنت ولد حقيقة و ذلك أنه لا خلاف بين الامة في أن بظاهر قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ (3) حرمت علينا بنات أولادنا، فلو لم يكن بنت البنت بنتا على الحقيقة لما دخلت تحت هذه الآية. قال: (و مما يدل على أن ولد البنت يطلق عليه اسم الولد على الحقيقة أنه لا خلاف في تسمية (4) الحسن و الحسين (عليهما السلام) ابني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و أنهما يفضلان بذلك و يمدحان، و لا أفضلية و لا مدح في وصف مجازي مستعار. فثبت أنه حقيقة).

ثم قال: (و لا زالت العرب تنسب الولد إلى جدّه إما في موضع مدح أو ذم و لا يتناكرون ذلك و لا يحتشمون منه. و لا خلاف بين الامّة في أن عيسى من بني آدم و ولده، و إنما ينسب إليه بالامومة دون الأبوة).

ثم اعترض على نفسه فقال: (إن قيل: اسم الولد يجري على ولد البنات مجازا و ليس كل شيء استعمل في غيره يكون حقيقة). ثم أجاب فقال: (قلت: الظاهر من الاستعمال الحقيقة، و على من ادّعى المجاز الدلالة) (5) انتهى كلامه زيد مقامه.

و اعترض عليه في (المدارك) ب(الاستعمال كما يوجد مع الحقيقة فكذا يوجد مع المجاز، فلا دلالة فيه على أحدهما بخصوصه. و قولهم: الأصل في الاستعمال الحقيقة إنما هو إذا لم يستلزم الاشتراك، و إلّا فالمجاز خير منه كما قرر في محله) (6) انتهى.

____________

(1) البيت من الطويل. شرح ابن عقيل 1: 233/ 51، خزانة الأدب 1: 444/ 73.

(2) عنه في مختلف الشيعة 3: 204/ المسألة: 109.

(3) النساء: 23.

(4) في «ح»: نسبة.

(5) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 265، عنه في مدارك الأحكام 5: 402.

(6) مدارك الأحكام 5: 402.

30

و أجيب عنه بأن الاستعمال هنا على سبيل الحقيقة لا يستلزم الاشتراك اللفظي الذي يترجّح عليه المجاز لجواز أن يكون استعمال الابن في ولد الابن و البنت على سبيل الاشتراك المعنوي.

أقول: و الحق كما قدمنا هو ما ذهب إليه (1) السيد رضى اللّه عنه و يدل عليه وجوه:

الأول: الآيات القرآنية الواردة في باب النكاح و الميراث فإنها متفقة في صدق الولد شرعا على ولد البنت و الابن و صدق الأب على الجدّ منهما، و لذلك ترتبت عليه الأحكام الشرعية في البابين المذكورين، و الأحكام الشرعية لا ترتب إلّا على المعنى الحقيقي اللفظ دون المجازي المستعار الذي قد يثبت و قد لا يثبت.

و ها أنا أتلو عليك شطرا من تلك الآيات الواردة في هذا المجال لتحيط خبرا بأن ما ذهبنا إليه لا تعتريه غشاوة الإشكال، فمن ذلك قوله (عزّ و جلّ) وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ (2)؛ فإنه لا خلاف في أنه بهذه الآية يحرم على ابن البنت زوجة جدّه من الامّ لكونه أبا له بمقتضى الآية. فهي تدلّ على أن أب الأم أب حقيقة؛ إذ لو لا ذلك لما اقتضت الآية تحريم زوجة جدّه عليه، فيكون ولد البنت ولدا حقيقة؛ للتضايف.

و من ذلك قوله (عزّ و جلّ) في تعداد المحرمات وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ (3)، فإنه لا خلاف أن بهذه الآية يحرم نكاح الرجل لزوجة ابن بنته؛ لصدق الابنية عليه في الآية المذكورة.

و من ذلك قوله تعالى في تعداد المحرمات أيضا وَ بَنٰاتُكُمْ (4)، فإنه بهذه حرمت بنت البنت على جدّها.

و منه أيضا في تعداد من يحل له النظر إلى الزينة قوله سبحانه:

____________

(1) سقط في «ح».

(2) النساء: 22.

(3) النساء: 23.

(4) النساء: 23.

31

أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ (1)، فإنه بهذه الآية يحل لابن البنت النظر إلى زينة جدّته لأمّه، بل زوجة جدّه بقوله أَوْ أَبْنٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ (2).

و منه في الميراث في باب حجب الزوجين عن السهم الأعلى، و حجب الأبوين عما زاد على السدس قوله سبحانه فَإِنْ كٰانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ (3)، فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ (4)، وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (5) فإن الولد في جميع (6) هذه المواضع شامل بإطلاقه لولد البنت، و الأحكام المذكورة مرتبة عليه بلا خلاف كما ترتبت على ولد الصلب بلا واسطة. و من الظاهر البين أنه لو لا صدق الإطلاق حقيقة لما جاز ترتب الأحكام الشرعية المذكورة في جملة هذه الآيات و نحوها عليه.

و أما ما أجاب في (المسالك) في بحث الوقف على الأولاد من (7) دخول أولاد الأولاد بدليل من خارج لا من حيث الإطلاق، فهو مردود بأن الروايات قد فسرت الآيات المذكورة بذلك، و أنه قد اريد بها هذا المعنى، و منها الروايات الآتية في المقام حيث استدل الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- بالآيات على هذا المطلب، لا أن (8) هذا المعنى إنما استفيد من الأخبار خاصة فخص به إطلاق الآيات. فلو لا أن أولاد الأولاد مطلقا داخلون في الإطلاق و مستفادون منه لما صحّ هذا الاستدلال الذي أوردوه (عليهم السلام).

و بالجملة فكلامه (رحمه اللّه) (9) شعري لا (10) يعتمد عليه.

____________

(1) النور: 31.

(2) النور: 31.

(3) النساء: 12.

(4) النساء: 12.

(5) النساء: 11.

(6) من «ح».

(7) في «ح»: على من أن، بدل: من.

(8) في «ح»: لان، بدل: لا أن.

(9) في «ح»: فكلامهم- (رحمهم اللّه)- كلام.

(10) من «ح»، و في «ق»: بما.

32

الثاني: الأخبار الظاهرة المنار، الساطعة الأنوار و منها ما رواه ثقة الإسلام و علم الأعلام- نوّر اللّه تعالى مرقده- في كتاب روضة (الكافي) بسنده عن أبي الجارود قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): «يا أبا الجارود، ما يقولون لكم في الحسن و الحسين (عليهما السلام)؟». قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: «فأي شيء احتججتم عليهم؟». قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه (عزّ و جلّ) في عيسى بن مريم (عليه السلام) وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ وَ كَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ زَكَرِيّٰا وَ يَحْيىٰ وَ عِيسىٰ (1) [فجعل] (2) عيسى بن مريم من ذرية نوح (عليه السلام). قال: «فأي شيء قالوا لكم؟». قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد و لا يكون من الصلب. قال (3): «فأي شيء احتججتم عليهم؟». قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه تعالى لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ (4). قال: «فأي شيء قالوا؟». قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب أبناء رجل و آخر يقول: أبناؤنا.

قال: فقال [أبو] جعفر (عليه السلام): «يا أبا الجارود، لأعطينّكها من كتاب اللّه (عزّ و جلّ) أنّهما من صلب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يردها إلّا كافر». قلت: فأين ذلك جعلت فداك؟ قال:

«من حيث قال اللّه (عزّ و جلّ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ- الآية إلى أن انتهى إلى قوله تبارك و تعالى- وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ (5)، فسلهم يا أبا الجارود: هل كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نكاح حليلتهما؟ فإن قالوا: نعم كذبوا و فجروا، و إن قالوا: لا، فهما ابناه لصلبه» (6) الحديث.

و لا يخفى ما فيه من الصراحة في المطلوب و الظهور و التشنيع الفظيع على من

____________

(1) الأنعام: 84- 85.

(2) من المصدر، و في النسختين: بجعل.

(3) من «ح» و المصدر.

(4) آل عمران: 61.

(5) النساء: 23.

(6) الكافي 8: 263- 264/ 501.

33

قال بالقول المشهور في الخبر كما ترى دلالة واضحة على أن إطلاق الولد في الآيات المتقدمة على ابن البنت على جهة الحقيقة و أنه ولد للصلب حقيقة و إن كانوا بواسطة لا فرق بينه و بين الابن للصلب كما هو متفق عليه بينهم.

و منها ما رواه في (الكافي) أيضا في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: «لو لم يحرم على الناس أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لقول اللّه (عزّ و جلّ):

وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّٰهِ وَ لٰا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (1) حرم على الحسن و الحسين (عليهما السلام) لقول اللّه تبارك و تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ (2) و لا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جدّه، و التقريب فيها ما تقدم عند ذكر الآية المشار إليها.

و منها ما رواه الطبرسي (قدّس سرّه) في كتاب (الاحتجاج) في حديث طويل عن الكاظم (عليه السلام) يتضمن ذكر ما جرى بينه و بين الخليفة الرشيد العباسي لما ادخل عليه. و موضع الحاجة منه أنه قال له الرشيد: لم جوّزتم للعامة و الخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يقولون: يا بن رسول اللّه، و أنتم من علي و إنما ينسب المرء إلى أبيه، و فاطمة إنما هي وعاء، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جدكم من قبل امكم؟ فقال: «يا أمير المؤمنين، لو أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟». فقال:

سبحان اللّه و لم لا اجيبه، بل أفتخر على العرب و قريش بذلك. فقال: «لكنه لا يخطب إليّ (3) و لا أزوجه». فقال: و لم؟ فقلت: «لأنّه ولدني و لم يلدك». فقال: أحسنت يا موسى (4)، الحديث.

و مرجع الاستدلال بالخبر إلى الآية التي قدمناها في تحريم البنات من قوله سبحانه وَ بَنٰاتُكُمْ.

____________

(1) الأحزاب: 53.

(2) النساء: 22.

(3) سقط في «ح».

(4) الاحتجاج 2: 338/ 271.

34

و أنت خبير بما في هذه الروايات:

أولا من الصراحة في أن إطلاق الولد في تلك الآيات على ولد البنت حقيقة لا مجاز.

و ثانيا من حيث دلالتها على أن نسبهم- (صلوات اللّه عليهم)- بالبنوّة إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) حقيقة لا مجازا (1) كما يدّعيه الخصم في هذه المسألة.

و لا يخفى عليك أيضا ما في الرواية الأخيرة من الدلالة الصريحة على خلاف ما تضمّنته مرسلة حمّاد المتقدّمة عن الكاظم (عليه السلام)؛ فإنه (عليه السلام) حكم في تلك المرسلة بأن المرء إنما ينسب إلى أبيه و استدلّ بالآية ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ (2)، و في هذه الرواية لمّا أورد عليه الرشيد ذلك، الموجب لعدم جواز نسبتهم بالبنوّة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، احتجّ عليه بعدم جواز تزويج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ابنته، الموجب لكونه ابنا له (صلّى اللّه عليه و آله) بمقتضى الآية المتقدّمة. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى مزيد تحقيق الجواب عن المرسلة المذكورة.

و منها أيضا ما رواه ثقة الإسلام (قدّس سرّه) في (الكافي) (3) و الصدوق في (الفقيه) (4) و الشيخ (5) بطرق عديدة و متون متفاوتة عن عابد (6) الأحمسي قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا اريد أن أسأله عن صلاة الليل، فقلت: السلام عليك يا بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال (عليه السلام): «و عليك السلام، إي و اللّه إنا لولده و ما نحن بذوي قرابته» الحديث.

أقول: فانظر إلى صراحة كلامه (عليه السلام) في المطلوب و المراد، و قسمه على ذلك

____________

(1) ثانيا .. مجازا، من «ح».

(2) الأحزاب: 5.

(3) الكافي 3: 487/ 3، باب نوادر كتاب الصلاة.

(4) الفقيه 1: 132/ 615.

(5) الأمالي: 228/ 401.

(6) في المصدر: عائذ.

35

بربّ العباد، و أنه ليس انتسابهم إليه (صلّى اللّه عليه و آله) بمجرد القرابة كما يدّعيه ذوو العناد و الفساد و إن تبعهم من حاد في هذه المسألة من أصحابنا عن طريق السداد؛ حيث حملوا لفظ الابنيّة في حقهم- (صلوات اللّه عليهم)- على المجاز، و هي صريحة كما ترى في الابنيّة الحقيقية لا مسرح للعدول عنها و الجواز.

و منها ما رواه في (الكافي) في أبواب الزيارات بسنده عن بعض أصحابنا قال: حضرت أبا الحسن الأول (عليه السلام) و هارون الخليفة و عيسى بن جعفر و جعفر بن يحيى بالمدينة و قد جاءوا إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: هارون لأبي الحسن (عليه السلام) تقدم، فأبى، فتقدم هارون فسلم و قام ناحية، و قال عيسى بن جعفر لأبي الحسن (عليه السلام): تقدّم. فأبى (عليه السلام)، فتقدّم عيسى فسلم و وقف مع هارون، فقال جعفر لأبي الحسن (عليه السلام): تقدم. فأبى، فتقدّم جعفر و سلم، و وقف مع هارون، و تقدم أبو الحسن (عليه السلام) و قال: «السلام عليك يا أبه، أسأل اللّه الذي اصطفاك و اجتباك و هداك أن يصلّي عليك». فقال هارون لعيسى سمعت ما قال؟ قال: نعم. قال هارون: أشهد أنه أبوه حقا (1). فانظر أيدك اللّه إلى شهادة هارون بابوته (صلّى اللّه عليه و آله) حقا، و أي مجال للحمل على المجاز كما لا يخفى على من لا حظ قرائن الحال (2).

و بالجملة، فإن هذه الأخبار- كما ترى- صريحة في أن بنوّتهم بالنسبة إليه (صلّى اللّه عليه و آله) إنما هي بطريق الحقيقة التي لا ينكرها إلّا جاهل عادم الفهم و السليقة، أو من لم يقف على هذه الأخبار العالية المنار، كجملة من قال بالقول المشهور من علمائنا الأبرار، فإنهم لم يعطوا النظر حقه في تتبع الأخبار كما لا يخفى على من راجع كلامهم في المقام بعين الاعتبار.

____________

(1) الكافي 4: 553/ 8، باب دخول المدينة ..

(2) و منها ما رواه في الكافي .. قرائن الحال، من «ح».

36

و حينئذ، فمتى ثبت ذلك في حقهم (عليهم السلام) ثبت في حقّ (1) غيرهم من أولاد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، المنتسبين إليه بالام بلا ريب و لا إشكال في المقام، بل تثبت البنوّة لكلّ من انتسب بالامّ في سائر الأحكام كما لا يخفى على ذوي الألباب و الأفهام.

الثالث: أن جملة الأخبار التي وقفت عليها بالنسبة إلى مستحقّي الخمس غير مرسلة حمّاد المتقدّمة إنما تضمنت التعبير عنهم بكونهم آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أو ذريّته أو عترته أو ذوي قرابته أو أهل بيته، و نحو ذلك من الألفاظ التي لا تناكر في دخول المنتسب بالأم إليه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها. فإن معنى الآل على ما رواه الصدوق- طاب ثراه- في كتاب (معاني الأخبار) عن الصادق (عليه السلام): «من حرّم على محمد (صلّى اللّه عليه و آله) نكاحه» (2).

و في رواية اخرى فسّره بالذرية (3).

و لا ريب أيضا في صدق الذرية على من انتسب بالامّ؛ للآية الدالة على كون عيسى من ذرية نوح، (صلوات اللّه عليهما). و لما في رواية الطبرسي المتقدم نقلها في حديث الرشيد مع الكاظم (عليه السلام) حيث قال له الرشيد أيضا بعد الكلام المتقدم آنفا: كيف قلتم: إنا ذرية النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يعقب و إنما [العقب] (4) للذكر لا للأنثى، و أنتم ولد الابنة، و لا يكون لها عقب؟

ثم ساق الخبر إلى أن قال: «فقلت: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، بسم اللّه الرحمن الرحيم وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ وَ كَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ زَكَرِيّٰا وَ يَحْيىٰ وَ عِيسىٰ (5) من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟». فقال: ليس لعيسى أب. فقلت: «إنما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من

____________

(1) سقط في «ح»، و في «ق»: حقهم.

(2) معاني الأخبار: 93- 94/ 1.

(3) معاني الأخبار: 94/ 3.

(4) من المصدر، و في النسختين: الصلب.

(5) الأنعام: 84- 85.

37

طريق مريم (عليها السلام)، و كذلك الحقنا بذراري النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من قبل امّنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) (1)» (2) الحديث.

و حينئذ، فإذا كان التعبير عن مستحقّي الخمس في الأخبار إنما وقع بأمثال هذه الألفاظ التي لا إشكال في دخول المنتسب بالامّ إليه- (صلوات اللّه عليه) و آله- فيها؛ فإنه لا مجال لنزاع القوم في هذه المسألة باعتبار عدم صدق البنوّة على من انتسب إلى هاشم بالامّ؛ لأن علة النسبة إلى هاشم لم نقف عليه إلّا في المرسلة المتقدمة حيث قال فيها: «و هؤلاء الذين جعل اللّه لهم الخمس هم قرابة النبي الذين ذكرهم اللّه فقال وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (3) و هم بنو عبد المطلب أنفسهم؛ الذكر منهم و الانثى».

إلى أن قال: «و من كانت امّه من بني هاشم» إلى آخر ما تقدم، و كذا في رواية زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لو كان عدل ما احتاج هاشمي و لا مطلبي إلى صدقة إن اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم» (4).

و الثاني منهما لا صراحة فيه في المنع ممّا ندّعيه؛ لأن النسبة إلى هاشم تصدق بكونه من الذرية، و هي حاصلة بالانتساب إليه بالامّ كما عرفت. فلم تبق إلّا المرسلة المتقدّمة، و موضع المنافاة فيها- و هو الصريح في المنافاة- إنما هو في قوله: «و من كانت امّه من بني هاشم و أبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحل له» إلى آخره. و إلّا فتفسيرهم بالقرابة و أنهم بنو عبد المطلب لا صراحة فيه:

أما أولا، فإن ظاهر قوله: القرابة «الذين ذكرهم اللّه بقوله وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

____________

(1) ليست في «ح».

(2) تهذيب الأحكام 4: 59/ 159، الاستبصار 2: 36/ 111، وسائل الشيعة 9: 276- 277، أبواب المستحقين للزكاة، ب 33، ح 1.

(3) الشعراء: 214.

(4) تهذيب الأحكام 4: 59/ 159، الاستبصار 2: 36/ 111، وسائل الشيعة 9: 276- 277، أبواب المستحقين للزكاة، ب 33، ح 1.

38

، إنما يتبادر من الموجودين يومئذ كما يؤكده قوله: «و هم بنو عبد المطلب أنفسهم».

و أما ثانيا، فإنا قد أثبتنا بالآيات و الروايات المتقدّمة حصول البنوّة بالامّ، و تعلق الخصم بعدم صدق الابنيّة الحقيقية. و الاستناد إلى ذلك الشعر المنقول في مقابلة ما ذكرنا من المنقول غير معقول عند ذوي الألباب و العقول، بل هو أوهن من بيت العنكبوت و إنه لأوهن البيوت (1)؛ لما شرحناه من صراحة الآيات القرآنية و الأحاديث المعصومية.

و ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في قرينة المجاز من صحة السلب في قول القائل: (هذا ليس ابني بل ابن بنتي، أو ابن ابني) مردود:

أوّلا بأنّه غير مسلم على إطلاقه، فإنا لا نعلم سلب الولدية حقيقة؛ إذ حاصل المعنى بقرينة الإضراب أن مراد القائل المذكور: إنه ليس بولدي بلا واسطة، بل ولدي بالواسطة، فالمنفيّ حينئذ إنما هو كونه ولده من غير واسطة، و الولد الحقيقي عندنا أعمّ منهما. و لو قال ذلك القائل: ليس بولدي من غير الإتيان بالإضراب منعنا صحة السلب.

و بالجملة، فقد تلخّص ممّا ذكرناه و نتج ممّا حققناه أنه لم يبق هنا شيء ينافي ما ذكرناه إلّا قوله في المرسلة المذكورة: «و من كانت أمه من بني هاشم» (2) إلى آخره. و لا ريب أن مقتضى القواعد المقررة عن أهل العصمة- (صلوات اللّه عليهم)- عرض الأخبار على (القرآن) و الأخذ بما يوافقه و طرح ما يخالفه، و كذا العرض على مذاهب العامة و الأخذ بما يخالفها و طرح ما وافقها.

____________

(1) إشارة إلى الآية: 41 من سورة العنكبوت.

(2) الكافي 1: 539- 540/ 4، باب الفيء و الأنفال و تفسير الخمس، وسائل الشيعة 9: 513- 514، أبواب قسمة الخمس، ب 1، ح 10.

39

و بمقتضى هاتين القاعدتين يجب طرح هذا الحكم الذي تضمنته هذه المرسلة [1]؛ أما مخالفته ل(القرآن) مع الأخبار المتقدمة فقد عرفته؛ و أما موافقته للعامة فهو أظهر ظاهر ممّا عرفت من الأخبار المتقدمة و لا سيما رواية أبي الجارود، و كذا رواية الطبرسي، و ما وقع بين الكاظم (عليه السلام) و بين الرشيد في ذلك، و رواية عابد الأحمسي.

و مما يؤكد ذلك أيضا ما نقله الفقيه محمد بن طلحة الشامي الشافعي في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول)، قال: (و قد نقل أن الشعبي كان يميل إلى آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و كان لا يذكرهم إلّا و يقول: هم أبناء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ذريته. فنقل عنه ذلك إلى الحجاج بن يوسف، و تكرر ذلك منه و كثر نقله عنه، فأغضبه ذلك من الشعبي و نقم عليه، فاستدعاه الحجاج يوما و قد اجتمع لديه أعيان المصرين:

الكوفة و البصرة و علماؤهما و قرّاؤهما، فلما دخل الشعبي عليه و سلم لم يبشّ له و لا وفاه حقّه من الرد عليه، فلما جلس قال له: يا شعبي ما أمر يبلغني عنك فيشهد عليك بجهلك؟ قال: ما هو يا أمير؟ قال: أ لم تعلم أن أبناء الرجل هل

____________

[1] أقول: و ممّا يؤكد ذلك أيضا أن هذه الرواية قد اشتملت على جملة من الأحكام المخالفة لاتفاق العلماء الأعلام، منها تصريحها بوجوب الزكاة في حاصل الأرض الخراجية و الحال أنها لجملة المسلمين تصرف في مصالحهم، و الاتفاق قائم على أن الزكاة إنما تجب على المكلف البالغ العاقل مثل الصلاة. و أمّا الجهات العامّة، فلا زكاة فيها.

و منها تصريحها بأن الإمام بعد إخراج الزكاة من حاصل الأرض الخراجيّة يقسمه على الأصناف الثمانية على جهة البسط بما يغنيهم (1) به في السنة، و لا قائل به.

و منها أنها صرحت بأن ما فضل عن مؤنة سنتهم فهو له، و ما أعوز وجب عليه الإتمام من ماله.

و هذا الحكم إنما هو في الخمس لا في الزكاة اتفاقا، إلى غير ذلك من المخالفات التي يقف عليك من تأمّل الرواية هناك (2) بطولها حقّ التأمّل. منه (رحمه اللّه)، (هامش «ح» و «ع»).

____________

(1) كلمة غير مقروءة، و ما أثبتناه وفق لسان المرسلة.

(2) من «ع».

40

ينسبون إلّا إليه، و الأنساب لا تكون إلّا بالآباء؟ فما بالك تقول عن أبناء علي:

إنهم أبناء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ذرّيته؟ و هل لهم اتّصال برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بامّهم فاطمة، و النسب لا يكون بالبنات و إنما يكون بالأبناء؟

فأطرق الشعبي ساعة حتى بالغ الحجاج في الإنكار عليه و قرع إنكاره مسامع الحاضرين، و الشعبي ساكت، فلما رأى الحجاج سكوته أطمعه ذلك في زيادة تعنيفه، فرفع الشعبي رأسه فقال: يا أمير ما أراك إلّا متكلما بكلام من يجهل كلام اللّه تعالى و سنّة نبيّه، أو من يعرض عنهما. فازداد الحجّاج غضبا و قال: أ لمثلي تقول هذا يا ويلك؟ قال الشعبي: نعم، هؤلاء قرّاء المصرين حملة (الكتاب) العزيز فكل منهم يعلم ما أقول، أ ليس قد قال اللّه تعالى حين خاطب عباده يٰا بَنِي آدَمَ* (1)، و قال (2) يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ* (3)، و قال عن إبراهيم وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلى أن قال وَ عِيسىٰ (4)، فترى يا حجاج اتصال عيسى بآدم و إسرائيل نبي اللّه و إبراهيم خليل اللّه بأي آبائه كان؟ أو بأي أجداد أبيه؟ هل كان إلّا بامّه مريم، و قد صح النقل عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «ابني هذا سيد»؟ فلما سمع منه ذلك أطرق خجلا ثم عاد يتلطّف بالشعبي و اشتدّ حياؤه من الحاضرين) (5) انتهى.

الرابع: أن الظاهر أن معظم الشبهة عند من منع في هذه المسألة من تسمية المنتسب بالامّ ولدا حقيقيا بالنسبة إلى جده من امّه هو أنّه (6) إنما خلق من ماء الأب. و الامّ إنما هي ظرف و وعاء كما سمعته من كلام الرشيد للإمام الكاظم (عليه السلام) في حديث (الاحتجاج). و يومئ إليه أيضا كلام الحجّاج، و هذا في البطلان أظهر

____________

(1) الأعراف: 26، و غيرها.

(2) من «ح».

(3) البقرة: 40، و غيرها.

(4) الأنعام: 84- 85.

(5) مطالب السؤول: 24.

(6) من «ح».

41

من أن يحتاج إلى بيان، لدلالة الآيات الشريفة و الأخبار المنيفة على أنه مخلوق من مائهما معا كقوله سبحانه و تعالى يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرٰائِبِ (1) أي صلب الرجل و ترائب المرأة، و قوله (عزّ و جلّ) مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشٰاجٍ (2) أي مختلطة من ماء الرجل و ماء المرأة.

و دلالة جملة من الأخبار على مشابهة الولد امّه و قرابتها تارة، و لأبيه و قرابته اخرى باعتبار سبق نطفة كل منهما فإن سبقت نطفة المرأة أشبه الولد امّه و من يتقرّب بها، و إن سبقت نطفة أبيه أشبه الأب و من يتقرب به (3).

هذا، و ممّن وافقنا على هذه المقالة فاختار ما اخترناه و رجّح ما رجّحناه المحقق المدقق العماد مولانا المير محمد باقر الداماد، و قد وقفت له على رسالة في خصوص هذه المسألة قد أطال و أكثر من الاستدلال فيها على صحة هذا القول ورد القول المشهور.

و منهم الفاضل المدقق الملّا محمد صالح المازندراني (قدّس سرّه) في شرحه على اصول (الكافي) حيث قال في شرح حديث أبي الجارود المتقدم عند قوله:

(ينكرون علينا أنهما ابنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)) ما صورته: (أي أبناؤه حقيقة من صلبه؛ إذ لا نزاع في إطلاق الابن و البنت و الولد و الذرية على ولد البنت، و إنّما النزاع في أن هذا الإطلاق من باب الحقيقة أو المجاز، فذهب طائفة من أصحابنا و منهم السيد المرتضى (رحمه اللّه) إلى الأول، و ذهب طائفة منهم و منهم الشهيد الثاني و جمهور العامة إلى الثاني. و تظهر الفوائد في كثير من المواضع كإطلاق السيد و إجراء أحكام السيادة و النذر لأولاد الأولاد و الوقف عليهم.

و الظاهر هو الأول؛ للآيات و الروايات، و أصالة الحقيقة. و ضعف هذه الرواية

____________

(1) الطارق: 7.

(2) الدهر: 2.

(3) علل الشرائع 1: 117- 121، ب 85.

42

بأبي الجارود الزيدي الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية لا يضر؛ لأن المتمسّك هو الآية و دلالة الآيتين الاوليين على المطلوب ظاهرة، و الثالثة صريحة، و احتمال التجوّز غير قادح لإجماع أهل الإسلام على أن ظاهر (القرآن) لا يترك إلّا بدليل لا يجامعه بوجه. و ما روي عن الكاظم (عليه السلام)- و هو مستند المشهور (1) على تقدير صحة سنده- حمله على التقية ممكن، و استناده باستعمال اللغة غير تامّ؛ لأن اللغة لا تدلّ على مطلوبه. قال في (القاموس): (ولدك من دمّى عقبيك، أي من نفست به فهو ابنك) (2) فليتأمل) (3) انتهى كلامه، علت في الخلد اقدامه.

أقول: قد عرفت أن رواية حماد بن عيسى المشار إليها أيضا ضعيفة بالإرسال و لهذا أن شيخنا الشهيد الثاني لم يعتمد عليها في الاستدلال، و إنما اعتمد على ما ادّعوه من حمل ذلك الاطلاق على المجاز كما عرفت آنفا. و قد عرفت ممّا قدمنا أن ما حكمنا به غير مقصور على هذه الرواية إن كانت باصطلاحهم قاصرة، بل الآيات و الروايات به متظاهرة متضافرة.

و قال شيخنا المحدّث الصالح الشيخ عبد اللّه بن صالح (4) البحراني- نوّر اللّه مرقده، و قد سئل عن هذه المسألة فأجاب بما ملخصه، و من خطه (قدّس سرّه) نقلت إلّا إنه طويل قد كتبته على جهة الاستعجال و تشويش من البال فانتخبنا ملخصه قال-:

(إنه قد تحقق عندي و ثبت لديّ بأدلة قطعية عليها المدار و المعتمد من (كتاب اللّه) و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)- و كفى بهما حجة- مع اعتضادهما بالدليل العقلي أن أولاد البنات أولاد لأبي البنت حقيقة لا مجازا؛ خلافا للأكثر من علمائنا وفاقا للسيد المرتضى و أتباعه، و هم جماعة من المتأخّرين كما حققته في (من لا يحضره النبيه في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه) مبسوطا منقحا بحيث لا يختلجني فيه

____________

(1) في المصدر: الشهيد.

(2) القاموس المحيط 1: 650- الولد.

(3) شرح الكافي 12: 423- 424.

(4) سقط في «ح».

43

الرين، و لا يتطرق إليّ (1) فيه المين، و لكن حيث طلبت بيان الدليل فلنشر الآن إلى شيء قليل).

ثم ذكر آية عيسى (عليه السلام) و أنه من ذرية نوح (عليه السلام)، و ذكر آية وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ (2) إلى أن قال: (و يدل عليه ما رواه الكليني في (الكافي) في صحيح محمد بن مسلم).

ثم ساق الرواية كما قدمناه، إلى أن قال: (فقد وضح من هذا أن الجد من الام أب حقيقة لا مجازا).

ثم ذكر آيتي يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرٰائِبِ (3)، و قوله مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشٰاجٍ نَبْتَلِيهِ (4)، و عضدهما بالأخبار التي أشرنا إليها آنفا في مشابهة الولد لأمّه و من يتقرب بها تارة، و لأبيه و من يكون من جهته اخرى، ثم أضاف إلى ذلك أنه لو اختص الولد بنطفة الرجل لم يكن العقر (5) من جانب المرأة و إنما يكون من جانب الرجل خاصة مع أنه ليس كذلك ثم قال:

(و أما السنة فالأخبار فيها أكثر من أن تحصى، و منها ما (6) سبق، و منها قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيما تواتر عندنا للحسنين (عليهما السلام): «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا» (7)، و قوله للحسين (عليه السلام): «ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام» (8).

و بالجملة فتسميتهما- (صلوات اللّه عليهما)- ابنين، و كونهما و جميع أولادهما التسعة المعصومين يسمونه (صلّى اللّه عليه و آله) أبا، و خطاب الامة إياهم بذلك من غير أن ينكر أمر متواتر لا شبهة فيه، و من أنكره فهو منكر للضروريات.

____________

(1) ليست في «ح».

(2) النساء: 23.

(3) الطارق: 7.

(4) الدهر: 2.

(5) في «ح»: القصر.

(6) من «ح».

(7) مناقب آل أبي طالب 3: 418، كشف الغمّة 2: 156.

(8) كفاية الأثر: 28، و فيه: أنت الإمام ابن الإمام و أخو الإمام.

44

و الأصل في الإطلاق الحقيقة حتى إنه قد روى الكليني في (الكافي) (1) و الصدوق في (الفقيه) (2) بإسنادهما الصحيح عن عائذ الأحمسي).

ثم ساق الرواية بزيادة (ثلاث مرات) بعد قوله: «و اللّه (3) إنا لولده و ما نحن بذوي قرابته»، قال: (و لا وجه لتقرير السائل على ما فعله، و قسمه (عليه السلام) بالاسم الكريم و تكريره ذلك ثلاثا للتأكيد- لأنه في مقام الإنكار و نفيه انتسابهم إليه (صلّى اللّه عليه و آله) من جهة القرابة، بل من جهة الولادة- دليل واضح و برهان لائح على أنهم أولاده حقيقة، و ليس كونهم أولاده إلّا من جهة امّهم لا من أبيهم. فما ادّعاه الأكثر من علمائنا- من أن تسميته (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاهم أولادا و تسميتهم (عليهم السلام) إياه (صلّى اللّه عليه و آله) (4) أبا مجازا- لا حقيقة له بعد ذلك.

و قولهم: إن الإطلاق أعمّ من الحقيقة و المجاز كلام شعري لا يلتفت إليه و لا يعوّل عليه بعد ثبوت ذلك. و لو كان الأمر كما ذكروه لما جاز لأئمتنا- (صلوات اللّه عليهم)- الرضا بذلك إذا خاطبهم من لا يعرف كون (5) هذا الإطلاق حقيقة و لا مجازا؛ لأن فيه إغراء بما لا يجوز، مع أنه لا يجوز لأحد أن ينتسب لغير نسبه أو يتبرّأ من نسب و إن دقّ، فكيف بعد القسم و التأكيد و دفع ما عساه (6) يتوهم؟ و أما قول الشاعر (7):

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا * * * بنوهن أبناء الرجال الأباعد (8)

____________

(1) الكافي 3: 487/ 3، باب نوادر كتاب الصلاة.

(2) الفقيه 1: 132/ 615.

(3) من «ح».

(4) إياهم .. إيّاه (صلّى اللّه عليه و آله)، من «ح».

(5) ليست في «ح».

(6) في «ح» بعدها: ان.

(7) قول الشاعر، من «ح»، و في «ق»: قوله.

(8) البيت من الطويل. شرح ابن عقيل 1: 233/ 51، خزانة الأدب 1: 444/ 73.

45

فقول بدويّ (1) لا يتمّ حجة، و لا يوضح محجة، فلا يجوز الاستدلال به في معارضة (القرآن) و الحديث و الدليل العقلي.

أما استدلال بعض فقهائنا بصحة السلب في قول أب الأم لولدها لمن سأله:

هذا ابنك أم لا؟ فإنه يصح أن يقول: هذا ليس بابني بل ابن بنتي، فكلام ساقط عن درجة الاعتبار و خارج عن الأدلّة الواضحة المنار؛ لأنّه إن كان مراد السائل من كونه ابنه لصلبه بلا واسطة صح السلب و لا ضرر فيه، و إلّا فهو عين المتنازع.

و نحن نقول: لا يصح سلبه لما أثبتناه من الأدلة مع أنه بعينه جار في ولد الولد الذي لا نزاع فيه. و الفرق بينهما لا يمكن إنكاره. و على هذا فقد تبين لك الجواب، و أن من كانت امّه علوية، أو أمّ أبيه، أو أمّ أمّ أبيه فقط، أو أمّ امّه، أو أمّ أمّ امّه فصاعدا، و أبوه من سائر الناس؛ فإنه علوي حقيقة و فاطمي إن كان منسوبا إلى جدّه أو جدته أبا أو امّا إلى فاطمة بغير شك و ترتب عليه كل ما (2) يترتب على السيادة من جواز الانتساب إليهم- (صلوات اللّه عليهم)- و الافتخار بهم، بل لا يجوز إخفاؤه و التبري منه لما عرفت. و على هذا فيجوز النسبة لهم في اللباس و غير ذلك.

نعم، عندي توقّف في استحقاق الخمس لحديث رواه الكليني في الكافي) (3) و إن كان خبر واحد ضعيف الإسناد محتملا للتقية و أن الترجيح لعدم العمل به للأدلّة الصحيحة الصريحة المتواترة الموافقة ل(القرآن) المخالفة للعامة، إلّا إن

____________

(1) في «ح» بعدها: جاهل.

(2) كل ما، من «ح»، و في «ق»: كما.

(3) الكافي 1: 539- 540/ 4، باب الفيء و الأنفال، وسائل الشيعة 9: 513- 514، أبواب قسمة الخمس، ب 1، ح 8.

46

التنزه عن أخذ الخمس أولى خصوصا عند عدم الضرورة، و العلم عند اللّه.

و كتب خادم المحدّثين، و تراب أقدام العلماء و المتعلمين، العبد الجاني عبد اللّه ابن صالح البحراني بضحوة يوم الاثنين من الثاني و العشرين من ربيع الثاني [ال] سنة الرابعة و الثلاثين بعد المائة و الألف، بالمشهد الحسيني- على مشرّفه السلام- حامدا مصلّيا مسلما (1)) انتهى.

أقول: ما ذكره (قدّس سرّه) جيد إلّا إن توقفه أخيرا في جواز أخذ الخمس للرواية المشار إليها التي هي مرسلة حمّاد المتقدمة لا وجه له؛ و ذلك لأنه قد علل فيها عدم جواز أخذ الخمس بعدم صحة النسبة بالبنوّة، كما ينادي به استدلاله بالآية:

ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ (2)، و هو قد صرّح في صدر كلامه بأن ثبوت البنوّة قد تحقق عنده و ثبت له بالأدلّة القطعية، و اعترف أخيرا بأن هذه الرواية مخالفة ل(القرآن) و موافقة للعامّة. و بذلك يتعين وجوب طرحها من غير إشكال و لا ريب من هذه الجهة.

نعم، لو كانت الرواية قد منعت من الخمس بقول مجمل من غير ذكر هذه العلة لأمكن احتمال ما ذكره، و لكن مع وجود العلة و ظهور بطلانها يبطل ما رتب عليها البتة.

على أن هذا الكلام منه خلاف المعهود من طريقته في غير مقام، بل طريق جملة العلماء الأعلام؛ فإنه متى ترجّح أحد الدليلين- و لا سيما بمثل هاتين القاعدتين المنصوصتين- فإنهم يرمون بالدليل المرجوح، و لا يلتفتون إليه بالكلية، بل قد يرجّحون بامور استحسانية غير منصوصة، و يعملون على الراجح

____________

(1) من «ح».

(2) الأحزاب: 5.

47

بذلك، و يرمون بالمرجوح، فكيف في مثل (1) هذا المقام؟

و بالجملة، فكلامه (قدّس سرّه) غير موجّه، و قد شاع عن شيخنا العلّامة الشيخ سليمان ابن عبد اللّه البحراني- نوّر اللّه مرقده- أنه كان يتوقف في دفع الخمس للمنتسب بالامّ، و يحتاط بمنعه من الخمس و الزكاة، مع ترجيحه لمذهب السيد المرتضى.

و الظاهر أن شيخنا الصالح المشار إليه، جرى على ما جرى عليه استاذه المشار إليه. و ظاهر صاحب (المدارك) (2) أيضا التوقف في أصل المسألة، و كذا ظاهر المولى الفاضل محمد باقر الخراساني في (الذخيرة) (3). و لعمري إن من سرح بريد نظره فيما سطرناه لا يخفى عليه صحة ما اخترناه، و لا رجحان ما رجحناه و أن خلاف من خالف في هذه المسألة أو توقّف من توقف إنما نشأ عن قلّة إعطاء التأمّل حقه في أدلة المسألة و التدبر فيها، و إلّا فالحكم أوضح واضح و الصبح فاضح.

و ممن صرّح بهذه المقالة أيضا السيد المحدّث السيد نعمة اللّه الجزائري- عطر اللّه مرقده- قال في شرح قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ ابني هذا سيد» (4) من كتاب (عوالي اللآلي) ما صورته: (و في قوله: «إن ابني هذا ..» نص على أن ولد البنت ابن على الحقيقة، و الأخبار به مستفيضة، و ذكر الرضا (عليه السلام) في مقام المفاخرة مع المأمون أن ابنته (عليه السلام) تحرم على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ (5)، و إليه ذهب السيد المرتضى- طاب ثراه- و جماعة من أهل الحديث و هو الأرجح و الظاهر من الأخبار، فيكون من امّه علوية سيدا يجري عليه و إليه ما يكون للعلويّين، و إن

____________

(1) من «ح».

(2) مدارك الأحكام 5: 401- 402.

(3) ذخيرة المعاد: 486.

(4) عوالي اللآلي 1: 390/ 24.

(5) النساء: 23.

48

وجد ما يعارض بالأخبار الدالّة على ما ذكرناه فسبيله إمّا الحمل على التقية أو التأويل كما فصّلنا الكلام فيه في شرحنا على (التهذيب)، و (الاستبصار) ..)

انتهى.

و ما نسبه للرضا (عليه السلام) مع المأمون إما سهو من قلمه؛ فإن ذلك كما عرفت إنما هو للكاظم (عليه السلام) مع الرشيد، أو مضمون خبر آخر اطّلع عليه، و اللّه العالم.

49

44 درّة نجفيّة الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة (عليها السلام)

قد اتفق بعد توطننا في العراق أن بعض السادة من أهل البحرين جمع في نكاحه بين فاطميتين، فأنكرنا ذلك عليه، و منعناه من الجمع بينهما لما استقر عليه رأينا من التحريم في المسألة المذكورة و إن كانت في كتب الأصحاب- رضوان اللّه عليهم- غير مشهورة، و شاع الأمر عند علماء العراق فخالفوا في ذلك كملا و منعوه من الطلاق و أفتوه بالكراهة دون التحريم، و جوّزوا له المقام على ذلك الأمر الذميم حيث إن المسألة لم تطرق أسماعهم قبل ذلك، و لم يقفوا عليها في (المدارك)، و لا (المسالك) و لم يجر لها ذكر في كلام المتقدمين و لا المتأخّرين و إنما تفطن لها [شذاذ] (1) من أفاضل متأخّري المتأخّرين.

فلذا خفي أمرها على أكثر الناس و وقع الإشكال فيها و الالتباس، و قال كثير منهم بالصدّ عما ذكرناه و الاستكبار لما عليه جملة من الناس في تلك الأوقات من الابتلاء بهذه المصيبة من غير تناكر و لا إنكار، و كثر فيها القيل و القال و البحث و السؤال، و كتب فيها بعض فضلاء الوقت شرحا شافيا بزعمه في رد القول بالتحريم و تأويل الخبر الوارد في المسألة بما يرجع إلى الكراهة الغير الموجبة

____________

(1) في النسختين: شذوذ.

50

للذم و التأثيم، فألجأنا الحال إلى أن كتبنا في المسألة رسالة شافية بسطنا فيها الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام، و أحطنا بأطراف المقال بما لم يجد به الخصم مدخلا للنزاع في ذلك المجال. و نقلنا كلام ذلك الفاضل و بيّنّا ما فيه، و كشفنا عن ضعف باطنه و خافيه، فرجع فضلاؤهم عن ذلك بعد الوقوف على ما قررناه و التأمل فيما سطرنا، و منهم الفاضل المشار إليه، و كتبوا خطوطهم على حواشي الرسالة بالرجوع عما كانوا عليه و ها أنا ذاكر هنا صورة الرسالة المذكورة و هي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

أمّا بعد حمد اللّه سبحانه على مزيد أفضاله، و الصلاة على محمّد و آله، فيقول الفقير إلى جود ربّه الكريم يوسف بن أحمد بن إبراهيم- وفّقه اللّه للعمل في يومه لغده، قبل أن يخرج الأمر من يده-: هذه كلمات رشيقة و تحقيقات أنيقة، قد رقمتها في مسألة قد كثر الكلام فيها في هذه الأيام بين جملة من الأعلام، فأخطأ من أخطأ، و أصاب من أصاب بتوفيق من الملك العلّام، و هي مسألة الجمع بين اثنتين من ولد فاطمة- عليها الصلاة و السلام- و قد وسمتها ب(الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة).

فأقول- و به سبحانه الاستعانة لإدراك كلّ مأمول-: لا يخفى أن هذه المسألة لم يجر لها ذكر في كلام أحد من علمائنا المتقدّمين و لا المتأخّرين، و لم يتعرّضوا للبحث عنها في الكتب الفروعيّة، و لا ذكروا حكمها في الكتب الاستدلاليّة، و لم أقف على قائل بمضمونها سوى شيخنا الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي (قدّس سرّه)؛ فإنّه جزم بالتحريم في هذه المسألة (1)، عملا بالخبر الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) بداية الهداية: 124.

51

و كذلك شيخنا الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني، على ما وجدته بخط والدي (قدّس سرّه)، نقلا عنه، حيث قال- بعد نقل الحديث الآتي برواية الصدوق- رضوان اللّه عليه- في كتاب (العلل و الأحكام) (1)- ما صورته: (قد نقل هذا الحديث بهذا السند الفقيه النبيه الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني قال (قدّس سرّه) عقيب ذكره ما صورته: (يقول كاتب هذه الأحرف جعفر بن كمال الدين البحراني: هذا الحديث صحيح، و لا معارض له، فيجوز أن يخصّص به عموم (القرآن)، و يكون الجمع بين الشريفتين من ولد الحسن و الحسين بالنكاح حراما، و اللّه أعلم) انتهى كلامه (قدّس سرّه).

و هذا الحديث ذكره الشيخ في (التهذيب) (2) أيضا، إلّا إن سنده فيه غير صحيح، و هذا الشيخ كما ترى قد نقله بهذا السند الصحيح على الظاهر، و لا نعلم من أين أخذه- (قدس اللّه روحه)- و لكن كفى به ناقلا. و كتب الفقير أحمد بن إبراهيم) انتهى كلام والدي، طيّب اللّه ثراه، و جعل الجنّة مثواه.

و أقول: إنّه (3) قد أخذه من كتاب (العلل)، و لكنّ الوالد لم يطّلع عليه، و ليته كان حيّا فاهديه إليه، و المفهوم كما ترى من كلام الشيخ جعفر المذكور القول بمضمون الخبر.

و أمّا شيخنا علّامة الزمان و نادرة الأوان، الشيخ سليمان- عطّر اللّه مرقده- فقد اختلف النقل عنه في هذه المسألة، فإني وجدت بخط بعض الفضلاء الموثوق بهم نقلا عن خطّه- طاب ثراه- بعد نقل الخبر الوارد في المسألة ما صورته: (و مال إلى العمل به بعض مشايخنا. و هو متّجه بجواز تخصيص عمومات الكتاب بالخبر الواحد الصحيح و إن توقّفنا في المسألة الاصوليّة. و لا

____________

(1) علل الشرائع 2: 315/ ب 385، ح 38.

(2) تهذيب الأحكام 7: 463/ 1855.

(3) في «ح»: أقول، بدل: و أقول إنه.

52

كلام في شدّة المرجوحيّة، و شدّة الكراهة) انتهى.

و نقل شيخنا المحدّث الصالح الشيخ عبد اللّه بن صالح البحراني- نوّر اللّه تعالى مرقده- في كتاب (منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين) عنه التوقّف، حيث قال- بعد ذكر المسألة المذكورة-: (و كان شيخنا علّامة الزمان يتوقّف في هذه المسألة و يأمر بالاحتياط فيها، حتّى إني سمعت من ثقة من أصحابنا أنه أمره بطلاق واحدة من نسائه؛ لأنه كان تحته فاطميّتان، و نقل عنه أنه يرى التحريم، إلّا إنّي لم أعرف منه غير التوقّف) (1).

ثم قال (قدّس سرّه) بعد كلام في البين: (إلّا إنّي بعد، عندي نوع حيرة و اضطراب و دغدغة و ارتياب، فأنا في المسألة متوقّف، و الاحتياط فيها عندي لازم. و قد سألني بعض الإخوان المتورّعين عن هذه المسألة سابقا و كان مبتلى بها، حيث إنّه جامع بين فاطميّتين، فكتب له جوابا يشعر بالتوقّف و الأمر بالاحتياط، فامتثل ما كتبته، و طلّق واحدة. و لا شكّ أن في هذا الطريق السلامة و السلوك في مسالك الاستقامة. نسأل اللّه الوقوف عند الشبهات و التثبّت عند الزلّات) (2) انتهى كلامه، علت في الخلد أقدامه.

أقول: أمّا ما نقله عن شيخه العلّامة من التوقّف، فإنّه لا ينافي النقل عنه بالجزم، كما نقلناه، و نقله هو عن ذلك الرجل المذكور؛ إذ يجوز أن يكون مذهبه صار إلى التحريم بعد التوقّف أوّلا فلا منافاة.

و ما ذهب إليه هو (قدّس سرّه) من التوقّف فإنّما أراد به التوقّف في الفتوى بالتحريم و إن كان يقول بالتحريم من حيث الاحتياط، كما صرّح به في قوله: (و الاحتياط عندي فيها لازم)؛ و ذلك أن الأحكام عند أصحابنا الأخباريين ثلاثة: حلال بيّن،

____________

(1) منية الممارسين: 555.

(2) منية الممارسين: 569.

53

و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، و الحكم عندهم في موضوع الشبهة وجوب الاحتياط. فليس الفرق بينه و بين من قال بالتحريم- ممّن قدّمنا ذكره- إلّا من حيث المستند، و إلّا فالجميع متّفقون على التحريم في المسألة. و العجب من شيخنا المحدّث الصالح المشار إليه مع تبحره في الأخبار لم يطّلع على حديث (العلل)، كما يدلّ عليه كلامه في الكتاب المتقدّم ذكره، و لعلّه لذلك حصل له التوقف.

ثم أقول: و القول بالتحريم أيضا ظاهر شيخنا الصدوق- عطّر اللّه مرقده- في كتاب (العلل) و ها أنا اوضّح لك المقام بما ترتاحه الأفهام (1)، و لا يخفى على المنصف من الأنام؛ و ذلك فإنّه لا ريب في أن إيراد الصدوق للخبر المذكور إنّما هو من حيث اشتماله على تعليل عدم الحليّة في الخبر بالمشقة، فإن كتابه موضوع لبيان العلل الواردة في الأخبار كما ينبئ عنه اسمه.

و لا يخفى على العارف بطريقة الصدوق (قدّس سرّه) في جملة كتبه و مصنّفاته أنه لا يذكر من الأخبار إلّا ما يعتمده و يحكم بصحّته متنا و سندا و يفتي به، و إذا أورد خبرا بخلاف ذلك ذيّله بما يشعر بالطعن في سنده أو دلالته و نبّه على عدم قوله بمضمونه، هذه طريقته المألوفة و سجيّته المعروفة. و هذا المعنى و إن كان لم يصرّح به إلّا في صدر كتابه (من لا يحضره الفقيه) (2) إلّا إن المتتبّع لكلامه في كتبه، و الواقف على طريقته، لا يخفى عليه صحّة ما ذكرناه.

و حيث إن هذا الكلام ممّا يكبر في صدور بعض الناظرين القاصرين، فيقابله بالإنكار و الصدّ و الاستكبار؛ لقصور تتبّعه في ذلك المضمار، فلا بأس لو أرخينا زمام القلم في الجري في هذا الميدان، و أملينا له في الجري ساعة من الزمان و إن

____________

(1) في «ح»: توجه بالأفهام.

(2) الفقيه 1: 3.

54

طال به (1)؛ فإنّه من أهم المهام في جملة من الأحكام، فنقول: من المواضع التي تدلّ على ما ادّعيناه ما صرّح به في كتاب (العلل و الأحكام) في جملة من المواضع؛ منها في باب العلّة التي من أجلها حرّم على الرجل جارية ابنه و أحلّ له جارية ابنته، فإنّه أورد خبرا يطابق هذا المضمون، و يدلّ على جواز نكاح جارية الابنة؛ لأن الابنة لا تنكح، ثم قال عقيبه: (قال مؤلّف هذا الكتاب).

و ساق الكلام إلى أن قال: (و الذي افتي به أن جارية الابنة لا يجوز للأب (2) أن يدخل بها) (3).

و منها في باب علّة تحصين الأمة الحرّ، فإنّه أورد خبرا يدلّ على أن الأمة يحصل بها الإحصان، ثم قال بعده: (قال محمّد بن علي رضى اللّه عنه مصنّف هذا الكتاب:

جاء هذا الحديث هكذا، فأوردته كما جاء في هذا الموضع؛ لما فيه من ذكر العلّة.

و الذي افتي به و أعتمد عليه ما حدّثني به محمّد بن الحسن) (4) ثم ساق جملة من الأخبار دالة على أن الحرّ لا تحصنه المملوكة.

و منها في باب علّة شرب الخمر في حال الاضطرار، فإنّه أورد خبرا يدلّ على أن المضطر لا يجوز له أن يشرب الخمر، و قال بعده: (قال محمّد بن علي بن الحسين مصنّف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا كما أوردته، و شرب الخمر في حال الاضطرار مباح) (5)، إلى آخر كلامه.

و منها في باب العلّة التي من أجلها جعلت أيام منى ثلاثة أيام، فإنّه أورد حديثا يدلّ على أن من أدرك شيئا من أيام منى، فقد أدرك الحجّ، ثم قال بعده:

(قال محمّد بن علي مصنّف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا، فأوردته في

____________

(1) من «ح»، و في «ق»: به.

(2) في «ع»: للرحل للأب، و ما أثبتناه وفق «ح».

(3) علل الشرائع 2: 242/ ب 303، ح 1.

(4) علل الشرائع 2: 226/ ب 285، ح 1.

(5) علل الشرائع 2: 190/ ب 227، ح 1.