القواعد الفقهية (جامعة الأصول)

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
20 /
263

الفصل الحادى عشر في انّ الأصل في الاشياء الطّهارة

قال بعضهم: هذا الأصل داخل تحت القاعدة لانّ الطّاهر هو ما ابيح ملابسته في الصّلاة اختياراً و النّجاسة ما حرم استعماله في الصّلاة، فالشارع لمّا امرنا بالصّلاة مستقبلًا طاهراً ساتراً للعورة تحصل هذه الماهيّة بأيّ فرد كان و البدن متلطّخاً (1) بأيّ شيء كان و كذا الثوب متلطّخاً (2) بأيّ شيء كان فإذا خرج بعض الاشياء و هو النّجاسات بقي الباقي على عدم مانعيّته من الصّلاة و تحقّق الصّلاة معه، و هو معنى الطهارة، فيكون طهارة الاشياء مستفادة من الامر بالصّلاة مع السّاتر ساكتاً عمّا عدا النجاسات اذا كانت في البدن أو الثوب- انتهى- (3).

(1)

____________

(2) 1 و 2- كذا.

(3) وافية الاصول ص 184

264

و خلاصة كلامه انّ الشارع امرنا بالصّلاة مع الطّهارة و منعنا منها مع النّجاسات و بيّن انّ النّجاسات ما هي و سكت عن غيره فيعلم انّ غير ما بيّن نجاسته على الطّهارة.

و لا يخفى انّ العلم بذلك يحتاج امّا إلى ضميمة أصل العدم أو أصل البراءة، و الّا فمن اين يعلم انّ الامر و السّكوت المذكورين يدلّان على ذلك؟ فهذا الأصل في الحقيقة هو أصل البراءة لأنّ النّجاسة تكليف يحتاج إلى الثبوت فما لم يتيقّن ثبوته يمكن اجراءِ أصل البراءة فيه.

و يمكن ان يكون داخلًا تحت أصل الاباحة لانّه إذا كان الأصل في الاشياء الاباحة و الحليّة باعتبار الآيات و الاخبار كما عرفت مفصّلًا، فالاصل الطّهارة ايضاً لانّ حليّتها موقوفة على طهارتها فما يثبت حليّته يثبت طهارته ايضاً.

ثمّ لا يخفى انّه قد ورد بعض الاخبار عن الصادقين (صلوات اللّٰه عليهم اجمعين) يدلّ على طهارة الاشياء كقولهم (عليهم السلام): كلّ شيء نظيف حتى يعلم انّه قذر (1).

فإن تمّ الاستدلال بهذا الخبر يكون هذا الأصل تحت القاعدة الّا انّ لبعضهم تامّلًا في اثبات هذا الأصل العظيم بامثال هذه الاخبار فالحقّ حينئذ ما قدّمناه.

____________

(1) الوسائل 3/ 467 نقلًا عن التهذيب 1/ 284

265

الفصل الثاني عشر في ذكر بعض الأصول المتداولة في ألسنتهم الداخلة تحت الأصول المذكورة و الاشارة إلى انّ كلّ واحد منها داخل تحت أيّ أصل من الأصول المذكورة.

فمنها قولهم: الأصل عدم بلوغ الماء كرّاً

و الحقّ ان هذا ان كان على سبيل التدريج يكون داخلًا في «الاستصحاب» و ذلك لانّه إذا دخل قليل من الماء في موضع و كان قلته يقينيّة ثمّ شرع بالتدريج يدخل فيه ماء فالاصل بقاء القلّة على ما كان أوّلًا حتى يحصل الجزم ببلوغه كرّاً.

و أمّا إذا القي مقدار من الماء في موضع دفعة و حصل الشكّ في انّ هذا الماء هل هو كر أم لا؟ لا يمكن ان يكون داخلًا تحت الاستصحاب

266

لانّه في اوّل الامر كان كلّ من القلّة و الكثرة مشكوكاً فيه و لم يتحقّق القلّة في الاوّل يقيناً حتى يقال: الأصل بقاؤه على ما كان، فالظاهر انّه داخل تحت «الأصل بمعنى الاخذ بالاقلّ عند فقد الدّليل على الاكثر» و ذلك لانّ وجود ماء اقل من الكرّ يقينى و انّما الشكّ في الزيادة.

و منها: الأصل عدم اجزاء كلّ من الواجب و الندب عن الآخر

و هذا داخل تحت «القاعدة» لانّ الواجب ما في فعله مصلحة و في تركه مفسدة، و الندب ما في فعله مصلحة و في تركه ليس مفسدة، فهما امران مختلفان، و قال الشارع: انّما الاعمال بالنيّات و لكلّ امرء ما نوى (1) فيفهم من كلام الشارع انّ براءة الذمّة من التكليف انّما يحصل إذا اتى المكلّف بالمأمور [به] على وجهه فالاتيان به على وجهه قاعدة مستفادة من الشارع.

قال الشهيد (قدّس سرّه) في قواعده: الفائدة الخامسة: الأصل انّ كلًّا من الواجب و الندب لا يجزي عن صاحبه لتغاير الجهتين.

و قد يتخلّف هذا الأصل في مواضع:

منها اجزاء الواجب عن الندب في صلاة الاحتياط التي يظهر الغناء عنها و كذا لو صام يوماً بنيّة القضاء عن رمضان فتبيّن انّه كان قد صامه فانّه يستحقّ على ذلك ثواب الندب

____________

(1) الوسائل 1/ 48 نقلًا عن التهذيب و راجع ذيل ص 74 من القواعد و الفوائد للشهيد الأوّل

267

و أمّا اجزاء الندب عن الواجب ففي مواضع: منها صوم يوم الشكّ- ثمّ عدّ مواضع اخر- منها اجزاء الوضوء المستحبّ عن الواجب (1) هذا ما ذكروه في هذا المقام. و فيه نظر بيّن لانّ الحقّ انّ نيّة الوجه ليست واجبة، و غاية ما يستفاد من اخبار القربة و سائر الادلّة التي ذكرها القوم في اعتبار نيّة الوجه مردودة. بل القدر المسلّم انّه يجب امتياز الفعل عند المكلّف فإذا كان الفعل متحداً ممتازاً لا يجب نيّة الوجه. بل ان نوى خلافه ايضاً يكون صحيحاً مثل ان يكون الفعل واجباً و نوى الندب أو العكس.

قال المحقّق في بعض تصانيفه: الذي ظهر لي انّ نيّة الوجوب و النّدب ليست شرطاً في صحّة الطّهارة و انّما يفتقر الوضوء إلى نيّة القربة و هو اختيار الشيخ أبي جعفر الطوسى (رحمه اللّٰه) في النهاية [إلىٰ أن قال:] و انّ الاخلال بنيّة الوجوب ليس مؤثّراً في بطلانه (2) و لا اضافتها مضرّة و لو كانت غير مطابقة بحال الوضوء في وجوبه و ندبه. و ما يقوله المتكلّمون من انّ الارادة تؤثّر في حسن الفعل و قبحه فإذا نوى الوجوب و الوضوء مندوب فقد قصد ايقاع الفعل على غير وجهه كلام شعرى و لو كان له حقيقة لكان النّاوي مخطئاً في نيّته و لم تكن النيّة مخرجة للوضوء

____________

(1) القواعد و الفوائد 1/ 83 و فيه: «الفائدة السادسة» لا «الخامسة»

(2) في المصدر: في بطلان.

268

عن التقرّب به- انتهى كلامه رفع مقامه- (1).

و هو يدلّ على انّه ان نوى خلاف الواقع بان كان واجباً فنواه ندباً أو بالعكس لم يكن مضرّاً و قد نسبه صاحب المدارك إلى الجودة ايضاً (2) و هو كذلك بعد ما كان الفعل متّحداً متميّزاً بدون نيّة الوجه، و ذلك لانّ الفعل إذا كان متّحداً متميزاً و كان واجباً مثلًا فإذا نواه ندباً لا شكّ في انصرافها إليه و يكون ممتثلًا لانّ المفروض عدم وجود غيره و غاية ما ثبت من ادلّتهم اشتراط الامتياز و القربة و قد بسطنا الكلام في هذا المقام في تعليقاتنا على شرح الدّروس للمحقّق الخوانساري.

و منها: الأصل في تصرّفات المسلم الصحّة لانّ القاعدة التي وضعها الشّارع في احكام المسلمين الصحّة فيكون هذا الأصل داخلًا تحت «القاعدة»

و لا يخفى انّ هذا على قسمين:

أحدهما ان يصدر فعل من مسلم و كان ذا وجهين: أحدهما صحيح

____________

(1) الرسائل التسع للمحقّق الحلّي (المسائل الطبريّة) ص 318

(2) مدارك الأحكام في بحث نيّة الوضوء، قال بعد نقل كلام المحقّق: هذا كلامه اعلى اللّٰه تعالى مقامه و هو في غاية الجودة.

269

و الآخر غير صحيح فيجب حمله على الوجه الصحيح كما إذا رأينا عالماً دخل على جابر فيمكن حمله على ركونه إلى الظالم و يمكن حمله على استخلاص مظلوم، فيجب ان نحمله على الثاني.

و ثانيهما ان يصدر فعل من شخص و يكون هذا الفعل ايضاً ذا وجهين و كان الحمل على الوجه الصحيح موقوفاً على العلم- و يكون العلم شرطاً فيه- كما إذا أفتى رجل في مسألة شرعيّة (1) و لا نعلم انّ هذا الرّجل هل يصلح لبيان المسائل الشرعيّة أم لا مع انّ قبول المسألة الشرعيّة منه موقوف على العلم بقابليّته فحينئذ الحمل على الوجه الصحيح محلّ تأمّل لانّ العلم هنا شرط نعم ان حصل العلم أولًا ثمّ حصل الشكّ فالظاهر عدم الاعتناء به كما إذا حصل العلم بعدالة امام ثمّ حصل الشكّ باعتبار فعل ذي وجهين.

و منها: الأصل في البيع الصحّة

و لا يخفى انّه ان كان المراد منه انّه إذا حصل الصحّة فالاصل بقاؤه حتى يجزم بخلافه فيكون داخلًا تحت «الاستصحاب» الّا انّه لا تأمّل في ان غرض القوم منه ليس ذلك. و ان كان المراد منه ان القاعدة الّتي وضع الشارع في البيع الصحّة نظراً إلى انّه من تصرفات المسلم، و الأصل فيها الصحّة فيكون داخلًا تحت «الأصل السابق» و يكون صحيحاً الّا انّه يبقى

____________

(1) و في نسخة: إذا قال رجل مسألة شرعيّة

270

التأمّل في انّ الصّحة أمر وجودي و الأصل عدمه فيكون من باب تعارض الأصلين.

و منها: الأصل عدم القبض الصحيح

و لا يخفى انّه ان كان مرادهم بهذا الأصل أصل العدم فهو انّ الأصل عدم مطلق القبض لا الصحيح منه، بل الظاهر انّه إذا حصل العلم بالقبض يكون الأصل عدم القبض الفاسد نعم يمكن ان يقال: الصحّة امر وجوديٌّ و الأصل عدمه فيكون من باب تعارض الأصلين ايضاً و ان كان مرادهم من الأصل غير ذلك فلا بد من البيان.

و منها: قولهم: الأصل في البيع اللزوم

و هو داخل تحت «القاعدة» لانّ القاعدة الّتي قرّرها الشارع في البيع اللّزوم. و لا يخفى انّ الغرض من قولهم: الأصل فيه اللزوم انّه مع قطع النّظر عن الامور الخارجة يكون الأصل فيه اللّزوم، فلا ينافي وضع الخيار فيه.

و قال الشهيد في قواعده: الأصل في البيع اللزوم و كذا في سائر العقود. يخرج عن الأصل في مواضع لعلل خارجة فالبيع يخرج إلى الفسخ أو الانفساخ بامور:

منها: اقسام الخيار المشهورة و خيار فوات شرط معيّن [او وصف معيّن] أو عروض الشركة قبل القبض و تلف المبيع المعيّن أو الثمن المعيّن

271

قبله أو في زمن الخيار إذا كان الخيار للمشتري و ان قبضه و الاقالة و التحالف عند التّحالف في تعيين المبيع أو تعيين الثمن أو تقديره على قول و تفريق الصّفقة و الاخلال بالشرط و خيار الرجوع عند الافلاس- انتهى موضع الحاجة- (1).

و كلام الشهيد (قدّس سرّه) ايضاً يدلّ على انّ الخروج من اللّزوم باعتبار امر خارجي و هذا لا ينافي كون اللزوم اصلًا فيه و بذلك يندفع كلام بعض الفضلاء (2).

و منها: انّ النيّة فعل المكلّف و لا اثر لنيّة غيره لانّ النيّة الّتي اعتبرها الشارع هي القصد مع القربة و لا معنى لقصد شخص لشخص آخر.

و هذا معنى قطعي و امر جزميّ. فالامتثال العرفي انّما يحصل إذا حصل النيّة من المكلّف دون غيره فيمكن ان يكون داخلًا تحت «القاعدة» و يمكن ان يكون داخلًا تحت «الراجح».

قال الشهيد في قواعده: الفائدة الثلاثون: الأصل انّ النيّة فعل المكلّف و لا اثر لنيّة غيره و تجوز النيّة عن غير المباشر في الصّبيّ غير المميز و المجنون إذا حجّ بهما الوليّ

____________

(1) القواعد و الفوائد 2/ 243

(2) و هو صاحب الوافية. قال فيها: ص 198: قوله: «الاصل في البيع اللزوم» ليس له وجه لأنّ خيار المجلس ممّا يعمّ اقسام البيع

272

و قد يؤثّر نيّة الانسان في فعل المكلّف و له صور:

منها ان يأخذ الامام الزكاة قهراً من الممتنع فيمتنع ان يعرى عن النيّة فيمكن ان يقال يجب النيّة من الامام ((عليه السلام)) و ان كان الدافع المكلّف- انتهى- (1).

و قال بعض الافاضل المتأخرين (2): الصّبيّ و المجنون ليسا مكلّفين و نسبتهما إلى الولي المكلّف كنسبة يده و رجله إليه فلا بدّ له في فعله الّذي كلّف به و هو الحجّ بهما من النيّة و قوله لهما قل احجّ حجّة الاسلام مثلًا ليس بنيّة و انّما هو تلقين لصورة النيّة و لسانهما بمنزلة جارحة منه و بالجملة الفاعل في الحقيقة هو الولي و هما الثاني (3) لفعله و نيّته امر قلبي قائم به. فهذه الصور ليست خارجة عن الأصل و أمّا المكلّف المقهور الدافع للزكاة فإن صار بحيث ارتفع عنه القصد لاجل القهر و كان بحيث لم يتقرّب بفعله إلى اللّٰه فليس دفعه عبادة و اداء للزكاة من حيث هي عبادة و عدم وجوب الدفع عليه مرّة بعد اخرى غير مستلزم لان يكون الدفع عبادة محتاجة إلى النيّة حتى يقال: انّها لا يجوز ان يعري عن النيّة فنيّة الامام و هي قصده الدفع عمن لا قصد له، أولا تقرّب

____________

(1) القواعد و الفوائد 1/ 122 و فيها الفائدة الحادية و الثلاثون

(2) لعلّه السيّد الصدر شارح الوافية في ذيل قول الفاضل التوني: قال الشهيد الاوّل: الاصل في النيّة فعل المكلّف و لا اثر لنيّة غيره

(3) كذا في النسختين و هو تصحيف ظاهراً

273

له، تقرباً إلى اللّٰه تعالى اثرت في فعل هذا المقهور و الحاصل انّ الزكاة لها حيثيتان: الاولى كون دفعها عبادة يقصد بها التقرّب، و الثانية كونها ديناً لازم الاداء و على الاوّل مشروطة بالنيّة و يمتنع ان يعري عنها، و أمّا الثاني فلا، و لا دليل على كون دفع المقهور عبادة حتى يحتاج إلى النيّة بل لمّا لم يقصد التقرّب لم يكن عبادة و لمّا وصل المال إلى الفقير لم يجب الاعادة فاتضح ان كون هذه الصّورة ايضاً خارجة عن هذا الأصل لا وجه له ظاهر- انتهى- (1).

و كلامه جيّد متين عند المتأمّلين.

و منها: الأصل في العقود الحلول اي حلول العوضين

و الظاهر انّ هذا الأصل داخل في «القاعدة» لانّ الغرض من العقود ان يترتّب اثرها المقصود منها و لا شكّ انّ الاثر تقابض العوضين و كلّما حصل التقابض اسرع يكون الاثر اقوى و الغاية ان يحصل التقابض عاجلًا و عند الاطلاق يكون ذلك في الاغلب مقصود النّاس.

قال الشهيد: الأصل الحلول في العقود و بالنّسبة إلى الاجل اقسام اربعة:

____________

(1) راجع شرح الوافية للسيد صدر الدين القمي. مخطوط

274

اوّلها: ما يشترط فيه الاجل و قد سلف (1).

و ثانيها: ما يبطله الاجل و تقدّم ايضاً (2) كالرّبوي.

و ثالثها: ما فيه خلاف اقربه جواز الحلول و هو السّلم.

و رابعها: ما يجوز حالًّا و مؤجّلًا و هو معظم العقود (3).

و منها: ما قال الشهيد (قدّس سرّه) الأصل في الميراث النّسبي التولّد

فمن ولد شخصاً يترتّب عليه طبقات الارث و في الميراث السّببي الانعام بالعتق أو الضمان أو الولاية العامّة.

و النسب المقدّم لانّه أصل الوجود ثمّ العتق لانّه أصل في وجود العتيق لنفسه ثمّ الضّامن لانّه منعم خاصّ ثمّ الامام ((عليه السلام)) انتهى (4).

قال بعض الافاضل (5): الظّاهر انّ المراد بالاصل هنا ليس أحد المعاني الاربعة بل غرضه انّ العلّة الّتي من اجلها شرّع الميراث النّسبي التولّد و الّتي من اجلها شرّع السّببي الانعام، و كلّ من العلّتين له فروع تترتب عليه و تنضمّ إلى كلّ منهما ضمائم يختلف لاجلها الحكم و هما مضبوطتان في جميع الصور.

____________

(1) في قاعدة 250 من القواعد و الفوائد ج 2 ص 257

(2) في قاعدة 249 من القواعد و الفوائد ج 2 ص 257

(3) القواعد و الفوائد 2/ 261 في قاعدة 254

(4) القواعد و الفوائد 2/ 287 في قاعدة 275

(5) هو صاحب شرح الوافية ظاهراً فراجع

275

و منها: الأصل في الاسباب عدم تداخلها

لانّ العقل يحكم بانّه إذا حدث امور و كلّ واحد منها سبب لحكم ان يتكرّر الحكم بتكرّر الاسباب فيكون داخلًا تحت «القاعدة» و قد استثنى من هذا الأصل مواضع ذكر جملة منها الشهيد في قواعده (1) و في أصل هذه القاعدة تأمّل و قد بسط الكلام فيه المحقّق الاستاذ الخوانساري في شرح الدّروس (2).

و منها: الأصل حمل اللفظ على الحقيقة الواحدة،

فالمجاز و الاشتراك يحتاج إلى دليل و هذا يمكن ان يكون داخلًا تحت «القاعدة» و يمكن ان يكون داخلًا تحت «الراجح».

و منها: الأصل عدم تقدّم الاسلام

و هذا داخل تحت «الاستصحاب» لانّه إذا كان كفره سابقاً على اسلامه و فعل فعلًا كان الاسلام شرطاً لصحته فوقع الشكّ في انّ هذا الفعل هل كان في حال كفره أو اسلامه فالاصل هنا عدم تقدّم الاسلام.

و لا يخفى انّ هذا في صورة يكون الكفر مقدّماً على الاسلام، و أمّا إذا كان الاسلام مقدّماً على الكفر يكون الامر بالعكس.

و منها: الأصل انّ الاحكام الّتي علّقت على مسمّيات ارتباطها

____________

(1) القواعد و الفوائد 2/ 223 في قاعدة 229

(2)-

276

بحصول جميع المسميات (1) مثلًا علّق الشارع العدّة في الحامل على وضع الحمل فالاصل تعليقها على خروج جميع الولد دون بعضه و علّق الارث على خروج الولد حيّاً فالاصل خروج جميعه حيّاً فلا يكفي البعض و من هذا الأصل ما ورد من الشّارع انّه يجزي الحجّ إذا مات المحرم بعد دخوله في الحرم (2) فإنّه يشترط دخوله بتمامه و كذا ما ورد منه انّ الطّواف يجب ان يكون خارج البيت (3) فإنّه يشترط خروجه بجميع بدنه و هذا الأصل يمكن ان يكون داخلًا تحت «القاعدة» و يمكن ان يكون داخلًا تحت «الرّاجح» و ذلك لانّه إذا علّق الشارع امراً على لفظ، فالظاهر انّ المراد حصول جميع معنى هذا اللفظ، فالحمل على حصول بعضه مجاز فيكون داخلًا تحت القاعدة العقليّة أو الراجح الظاهر.

و منها: الأصل ان كل واحد لا يجوز له ان يجبره غيره على فعل الّا في مواضع مستثناة.

____________

(1) راجع القواعد و الفوائد 1/ 359 قاعدة 139

(2) راجع الوسائل 11/ 68، الباب 26 من ابواب وجوب الحج

(3) راجع الوسائل 13/ 353، الباب 30 من ابواب الطواف

277

قال الشهيد (قدّس سرّه): قاعدة الأصل ان كلّ واحد لا يجوز له ان يجبر غيره على فعل الّا في مواضع اجبار السيّد رقيقه على النكاح و ليس لرقيقه اجباره عندنا و الاب و الجدّ للصغيرة و المجنونة و الصغير مطلقاً و المجنون الكبير إذا كان النكاح صلاحاً له بظهور امارة التوقان أو برجاء الشفاء المستند إلى الاطباء و لو طلبت البالغة البكر النكاح اجبر الاب و الجد على تزويجها ان قلنا لا ولاية لهما أو بالاشتراك و هل يجبر الولي على تزوج الصّغيرين عند ظهور الغبطة لهما نظر و كذا يجبر الولي على تزويج السفيه و الاقرب انّ له اجبار السفيه مع الغبطة و المضطر يجبر صاحب الطعام و هو يجبره إذا امتنع من الاكل و اشرف على التلف. انتهى (1).

و لا يخفى ان هذا الأصل يمكن ان يكون داخلًا تحت «أصل العدم» لانّ الاجبار فعل ممكن وجودي و الأصل عدمه حتى يثبت، و يمكن ان يكون داخلًا تحت «الراجح» لانّ المواضع الّتي لا يمكن اجبار الغير فيها أغلب و أكثر من المواضع الّتي يمكن اجبار الغير فيها.

و منها: الأصل قصر الحكم على مدلول اللفظ و لا يسري إلى غيره

و الأصل هنا بمعنى الراجح الظاهر لانّ الظاهر الراجح انّ المراد من

____________

(1) القواعد و الفوائد 1/ 356 قاعدة 136

278

الحكم ما يدلّ عليه اللّفظ.

قال الشهيد: الأصل يقتضي قصر الحكم على مدلول اللفظ و انّه لا يسري إلى غير مدلوله الّا في مواضع منها العتق في الاشقاص لا في الاشخاص الّا على مذهب الشيخ من السّراية إلى الحمل، و العفو عن بعض الشقص في الشفعة على احتمال، و عن بعض القصاص في النّفس على وجه، و السّراية في نيّة الصّوم إلى اوّل النّهار و يحتمل سراية ثواب الوضوء إلى المضمضة و الاستنشاق إذا نوى عند غسل الوجه لانّه يعدّ وضوءاً واحداً و يمكن الفرق بينه و بين الصّوم ان بعض اليوم مرتبط ببعضه بخلاف الوضوء فإنّه لا يرتبط بالمقدّمات و من السّراية تسمية الاكل في الاثناء إذا قال على اوّله و آخره بعد نسيان التسمية و سراية الظّهر (1) إلى تحريم غيره. و هذا من الغرائب انّ الشقص يسري إلى الكلّ من غير عكس كما لو قال انت كأمّي، و مثله الإيلاء يختصّ بالجماع قبلًا و يسري [دبراً] على احتمال- انتهى- (2).

و منها: قول الشهيد في قواعده: قضيّة الأصل: وجوب استحضار النيّة

____________

(1) الظهار. خ.

(2) القواعد و الفوائد 1/ 323 قاعدة 116

279

فعلًا في كلّ جزء من اجزاء العبادة لقيام دليل الكلّ في الاجزاء، فانّها عباده ايضاً، و لكن لما تعذّر ذلك في العبادة البعيدة المسافة أو تعسّر في القريبة المسافة، اكتفى بالاستمرار الحكمي. و فسّر بتجديد العزم كلّما ذكر. و منهم من فسّره بعدم الاتيان بالمنافي- انتهى- (1).

اقول: المراد بالاصل هنا امّا القاعدة المستفادة من العقل أو الظاهر الراجح لانّ الشارع بيّن انّ العبادة محتاجة إلى النيّة فالظاهر انّ حكم مجموع العبادة كذلك.

و منها: قوله: الأصل في هيئة المستحبّ ان يكون مستحبّة

لامتناع زيادة الوصف على الأصل [في الاكثر (2)]- انتهى- (3).

و الأصل هنا بمعنى الظاهر الرّاجح، لانّ الاغلب في المستحبات كون هيئاتها ايضاً مستحبّة و قد تخلف في مواضع ذكر بعضها الشهيد (قدّس سرّه) و من هذا يظهر انّ المراد بالامتناع في قول الشهيد (قدّس سرّه) هو اباء العقل لا امتناع الذّاتي أو العادي.

و منها: الأصل عدم تحمّل الانسان عن غيره في التكاليف الشرعيّة

____________

(1) القواعد و الفوائد 1/ 93 الفائدة الثالثة عشرة

(2) كذا في الوافية ص 197

(3) القواعد و الفوائد 2/ 304 قاعدة 289

280

و هذا داخل تحت القاعدة المستفادة من العقل لانّ العقل يحكم بانّه إذا كلّف الشارع انساناً إلى امر يجب على المكلّف ان يتحمّل هذا الامر و لا يعقل تحمّل الغير له بحيث حصل له اثره من الثواب أو سقوط العذاب أو براءة الذمّة نعم قد إذن الشارع تحمّل الغير في مواضع.

قال الشهيد (قدّس سرّه): الأصل عدم تحمّل الانسان عن غيره ما لم يأذن له فيه الّا في مواضع:

تحمّل الولي عن الميّت قضاء الصّلاة و الصّيام و الاعتكاف و تحمّل الامام القراءة عن المأموم مطلقاً و عند بعض العامّة إذا ادركه راكعاً و تحمّل السجود السّهو عن المأمومين في وجه و تحمّل الغارم (1) لاصلاح ذات البين و كذا تصرف الزكاة إليه و التحمّل في زكاة الفطرة عن الزوجة و واجب النفقة و المملوك بناء على ملاقات الوجوب لهؤلاء أولًا و التحمّل عنهم بعده و يبعد في العبد و القريب و الزوجة المعسرة، لانّهم لو تجرّدوا عن المنفق لما وجب عليهم شيء فكيف يتحمّل ما لم يجب (2).

و بعد كلام قال: و تحمّل الاب المزوّج ولده الصّغير المهر في ماله. ثمّ

____________

(1) القادم خ العازم خ.

(2) القواعد و الفوائد 1/ 353 قاعدة 135

281

بسط الكلام فيه و ذكره غير محتاج إليه هنا (1).

و منها: الأصل السّلامة من العيب

كان يشتري عبداً فوجد به عيباً و شكّ في انّه وقت العقد كان معيباً أم لا فهذا داخل تحت «الرّاجح الظاهر» لانّ الظاهر من خلقة الانسان كونه سالماً. و يمكن ان يكون داخلًا تحت «أصل العدم» أو «أصل تاخر الحادث».

و منها: قول الشهيد (قدّس سرّه) قد يتعارض الاصلان كدخول المأموم في صلاة و شكّ هل كان الامام راكعاً أم لا (2)

و الظّاهر انّ الأصلين أحدهما و هو كونه راكعاً «الاستصحاب» لانّ الرّكوع للامام كان محقّقاً فالاصل بقاؤه في صورة الشكّ ايضاً حتى يثبت المزيل. و يمكن ان يكون «أصل البراءة» لانّ الأصل عدم وجوب التكليف بصلاة اخرى و ثانيهما و هو عدم كونه راكعاً يمكن ان يكون «أصل العدم» لانّ الأصل عدم ادراكه الامام راكعاً و يمكن ان يكون «أصل تأخر الحادث» لانّ الحاق المأموم بالامام امر حادث و شكّ انّ هذا الالحاق هل كان سابقاً على رفعه أم لا؟ فالاصل تأخّره عن الرّفع. و الشهيد رجّح الثاني لمعاضدته بالاحتياط و هو كما ترى.

____________

(1) راجع القواعد و الفوائد 1/ 353

(2) القواعد و الفوائد 1/ 134

282

و منها: ما تعارض فيه الاصلان ايضاً كالشكّ في تخمير العصير عند الرّاهن أو بعده

إذا وقع التنازع بين الرّاهن و المرتهن إذا اراد المرتهن فسخ البيع المشروط به (1).

و الاصلان هنا عدم القبض الصّحيح و صحّة البيع و قد عرفت مرجع هذين الأصلين.

و لا يخفى على الفطن الذكي و المتدرّب الالمعي انّ من أحاط بما ذكرنا من مرجع هذه الأصول يتمكّن من استنباط كلّ أصل أورد عليه و لا يحتاج إلى شيء آخر و لهذا اكتفينا بها

[الخاتمة]

و ليكن هذا آخر ما اردنا ايراده في هذا الكتاب و الحمد للّٰه على اتمامه.

صورة خط المصنّف:

و قد فرغت من تأليفه في اوّل الليلة العاشرة من شهر شوّال المكرّم سنة 1180 ثمانين و مائة بعد الالف من الهجرة النبويّة المصطفويّة على هاجرها الف صلاة و تحيّة و اسأل اللّٰه تعالى ان يجعله خالصاً لوجهه الكريم و ينتفع به اصحاب التفهيم و التّعليم.

قد فرغت من كتابة هذه الرسالة الشريفة في ضحوة يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر ذي الحجّة الحرام سنة 1181 من الهجرة المقدّسة النبويّة على هاجرها الف الف صلاة و سلام و تحيّة.

و قد كتبت هذه من نسخة الأصل التي كانت بخط مصنّفه ادام اللّٰه ظلّه

____________

(1) راجع القواعد و الفوائد 1/ 135

283

العالى على رءوس المقتبسين من مشكاة انواره.

حررّه العبد الاقل الجاني محمّد رضا بن محمّد صفي الحسيني الكاشاني عفى عنهما غيّهما بالنّبي و الولي عليهما و على آلهما صلوات اللّٰه الملك العلي.