جامع الشتات

- الشيخ الخواجوئي المزيد...
234 /
3

مقدمة المحقّق:

لا يسعني المجال التحدّث عن شخصيّة مؤلّف هذا الكتاب، و قد كتبنا مراراً في مقدّمة الكتب و الرسائل المطبوعة للمؤلّف نبذة عن حياته العلميّة و الاجتماعيّة، و عن عصره الذي كان يعيش فيه. و نكتفي هنا في الإطراء عليه و على ما ذكره معاصره العلّامة الشيخ عبد النبيّ القزويني في كتابه تتميم أمل الآمل، قال في حقّه: (كان من العلماء الغائصين في الأغوار، و المتعمّقين في العلوم بالأسبار، و اشتهر بالفضل، و عرفه كلّ ذكيّ و غبيّ، و ملك التحقيق الكامل حتّى اعترف به كلّ فاضل زكيّ، و كان من فرسان الكلام، و من فحول أهل العلم، و كثرة فضله تزري بالبحور الزاخرة عند الهيجان و التلاطم، و الجبال الشاهقة و الأطواد الباذخة إذا قيست إلى علوّ فهمه كانت عنده كالنقط، و الدراري الثاقبة إذا نسبت إلى نفوذ ذهنه كأنّها حبط. و كان (رحمه الله) ذا بسطة كثيرة في الفقه و التفسير و الحديث مع كمال التحقيق فيها). انتهى. و تخرّج من مدرسته جمع من الفحول و الأعلام، منهم العالم النحرير الملّا مهدي النراقي صاحب كتاب (جامع السعادات)، و العالم العارف الآقا محمّد البيدآبادي، و المولى محراب الجيلاني، و غيرهم. و له تآليف قيّمة في شتّى العلوم من الفقه و الكلام و التفسير و الحديث و المعارف

4

الإلهيّة، و قد وفّقني اللّٰه تعالى لجمع أكثر مؤلّفاته و نشرها لأوّل مرّة، و قد طبع جملة منها تحت عنوان (سلسلة آثار المحقّق الخواجوئي). و كانت وفاته في شعبان سنة 1173 هق و دفن في المزار المعروف بتخت فولاد في أصفهان في بقعة لسان الأرض. و أمّا كتابه هذا جامع الشتات، فهو كما أذعن كثير من أرباب التراجم كتاب لطيف، مشتمل على فوائد متفرّقة في شتّى العلوم، من التفسير و الحديث و الفقه و الرجال و الكلام و غيرها من المعارف الإلهيّة، و أكثرها شرح للأحاديث المنتخبة في المواضيع المختلفة. و الكتاب مشحون بالتحقيقات و التدقيقات العميقة، و ناقش بعض الكلمات و الأقوال الصادرة عن بعض الفحول و الأعلام. و أمّا الخطوات التي سبرناها في إخراج الكتاب بهذه الحلّة فهي إني قمت أوّلًا باستنساخ الكتاب، ثمّ مقابلته بنسختين ممتازتين تقرب إحداهما من عصر المؤلّف، و استخرجت ما يحتاج إلى الاستخراج، و النسختنان المخطوطتان محفوظتان في خزانة مكتبة المرحوم آية اللّٰه العظمى السيّد شهاب الدين النجفي المرعشي تغمّده اللّٰه برحمته. ختاماً أسأل اللّٰه تعالى أن يتقبل منّي هذا العمل المبارك، و يوفّقنا و سائر إخواننا لإحياء تراث أسلافنا الطاهرين، و السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته. السيّد مهدي الرجائي 1/ رمضان المبارك/ 1416 هق قم المقدّسة ص ب 753

5

مقدمة المؤلف

بعد حمد اللّٰه وليّه جامع الشتات، و الصلاة على نبيّه المتحلّي بأحسن السمات، و على آله الشاعرين بقاطبة الدقائق و تمام النكات. يقول العبد الراجي رحمة ربّه الجليل محمّد بن الحسين بن محمّد رضا المدعو بإسماعيل عفا اللّٰه عن جرائمهم بمحمّد و آله و قائمهم: هذه نبذة من النكات و قبضة من الشتات، استقبضتها من أبواب متفرّقة و استفدتها من أسباب متشتّتة، جمعتها بتفرّق بالي و تشتّت أحوالي، تذكرة للحديد و تبصرة للبليد، بل لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد، و سمّيته ب«جامع الشتات» لجمعه طوائف مختلفات و متفرّقات، و المرجوّ من العاثر فيه بالخلل و الواقف عليه بالزلل، إصلاح الفساد و ترويج الكساد «إنّ اللّٰه لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (1).

[المناقشة في كلام ابن سينا في مسألة الإمامة]

قال ابن سينا (2) في الفصل الخامس من المقالة العاشرة من كتاب الشفاء في

____________

(1) التوبة: 120.

(2) نقل عن الشيخ العارف مجد الدين البغدادي أنّه قال: رأيت النبيّ (صلى الله عليه و آله) في المنام، فقلت: ما تقول في حقّ ابن سينا؟ فقال (صلى الله عليه و آله): هو رجل أراد أن يصل إلى اللّٰه بلا وساطتي فحجبته هكذا بيدي فسقط في النار. أقول: و يؤيّده أنّه قال بقدم العالم، و إجماع المسلمين بل الملّيِّين على كفر من قال به «منه».

6

مقام تعيين الخليفة و الإمام و وجوب طاعتهما على الأنام: ثمّ يجب أن يفرض الإنسان طاعة من يخلفه، و أن لا يكون الاستخلاف إلّا من جهته، أو بإجماعٍ من أهل السابقة علىٰ من يصحّحون علانيته عند الجمهور: أنّه مستقلّ بالسياسة، و أنّه أصيل العقل، حاصل عنده الأخلاق الشريفة من الشجاعة و العفّة و حسن التدبير، و أنّه عارف بالشريعة، حتّى لا يكون أعرف منه تصحيحاً يظهر و يستعلن و يتّفق عليه الجمهور، و يسنّ عليهم أنّهم إذا افترقوا أو تنازعوا بالميل و الهوى، أو أجمعوا على غير من وجدوا الفضل فيه و الاستحقاق له فقد كفروا باللّٰه. و الاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب و التشاغب و الاختلاف. ثمّ يجب أن يحكم في سنّته أن من خرج فادّعى خلافته بفضل قوّةٍ أو مالٍ فعلى الكافّة من أهل المدينة قتله و قتاله، فإن قدروا و لم يفعلوا فقد عصوا اللّٰه و كفروا به، و يحلّ دم من قعد عن ذلك و هو متمكّن بعد أن يصحّح على رأس الملأ ذلك منه. و يجب أن يسنّ أنّه لا قربة عند اللّٰه بعد الإيمان بالنبيّ أعظم من إتلاف هذا المتغلّب، فإن صحّح الخارجي أنّ المتولّي للخلافة غير أهلٍ لها، و أنّه ممنوّ بنقص، و أنّ ذلك النقص غير موجود في الخارجي، فالأولىٰ أن يطابقه أهل المدينة. و المعوّل عليه الأعظم العقل و حسن الإيالة، فمن كان متوسّطاً في الباقي و متقدّماً في هذين بعد أن لا يكون غريباً في البواقي و صائراً إلىٰ أضدادها فهو أولىٰ ممّن يكون متقدّماً في البواقي و لا يكون بمنزلته في هذين، فيلزم أعلمهما أن يشارك أعقلهما و يعاضده، و يلزم أعقلهما أن يعتضد به و يرجع إليه، مثل ما فعل علي و عمر (1). أقول و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه: لا شبهة في أنّ السياسة المدنيّة و رئاستها العامّة، الجامعة لإصلاح أمر المعاش و انتظامه علىٰ وجهٍ صالحٍ يؤدّي إلى الفلاح و الصلاح، لا يتيسّر و لا يتحقّق إلّا إذا كان السائس عالماً بالأُمور السياسيّة

____________

(1) الشفاء/ الالهيّات: ص 451 452 ط القاهرة.

7

و الرئاسة مستقلا فيها، أصيلًا في العقل شريفاً في الأخلاق حسناً في التدبير عارفاً بالشريعة، حتّى لا يكون أعرف بها منه في وقته، بحيث يحتاج إليه الكلّ في الكلّ و يكون هو غنيّاً عن الكلّ، ممتازاً عنهم بالفضائل النفسانيّة و الكمالات الجسمانيّة من العلم و الحكمة و العفّة و الشجاعة و القوّة و شدّة البأس، بحيث يكون خطيراً في القلوب قويّاً على مقاومة العدوّ و مكابدة الحروب؛ و مع ذلك يكون فائزاً بالخواصّ النبويّة، ليصير ربّاً إنسانيّاً و سلطاناً في العالم الأرضي و خليفة اللّٰه فيه، فيحلّ تفويض معرفة الدخل و الخرج، و إعداد أُهبه الأسلحة و الحقوق و الثغور و غير ذلك من الأهوال و الأحوال و خاصّة في العبادات و المعاملات إليه. و قد اعترف بذلك أقاصيهم و أقرّ به أدانيهم، فما بالهم يقولون: إنّ الرجل كان ممّن لا كلام في عموم مناقبه و وفور فضائله، و اتّصافه بالكمالات و اختصاصه بالكرامات، و إنّه كان عظيم الخطر في القلوب قويّاً على مقاومة العدوّ و مكابدة الحروب، و بسيفه فتح اللّٰه البلاد و بسطوته آمن العباد، و إنّه كان عارفاً بالسياسات عالماً بالديانات و خصوصاً بهذا الدين و الشريعة، حتّى ما كان أعرف بها منه في وقته؛ لقوله: «أقضاكم علي» (1) و لرجوعهم في العويصات إليه، و اعتضادهم في المشكلات به كما اعترف به حكيمهم ابن سينا،. الىٰ غير ذلك؟! و مع ذلك كلّه هم ينكرونه، و يقولون: إنّ السياسة و الرياسة كانت ممّا لا بدّ منه في انتظام أمر المعاش و المعاد إلّا أنّه كان غيره أحقّ بها منه، لمجرّد إجماعٍ يدّعونه و لا يثبتونه؛ لعدم تحقّق شرائطه كما سننبّه عليه، مع أنّ بديهة العقل شهدت و كفى بها شهيداً بأنّ الاستخلاف إذا كان بطريق النصّ لا يؤدّي إلى الافتراق و الاختلاف و غيرهما، ممّا يؤدّي إليه تركه من المنازعات و المناقشات الصادّة عن انتظام أمر المعاش و المعاد. و كيف خالف اللّٰه و رسوله مقتضىٰ بديهة العقل و ما هو الأصلح و الأصوب من

____________

(1) راجع: إحقاق الحق 4: 321 323، و 15: 370 371.

8

الاستخلاف بالنصّ الذي لا يؤدّي إلى تشتت الشمل و تفرّق الكلمة كما يؤدّي إليه تركه، فإنّ تركه يشوّش فيما بين أيديهم الدين، و يوقعهم في تنازع، فينصرفوا إلى المباحثات و المقايسات التي تصدّهم عن أعمالهم المدنيّة، و ربّما أوقعهم في آراءٍ مخالفة لإصلاح المدينة و منافية لواجب الحقّ، فيكثر فيهم الشكوك و الشبهات، فيصعب الأمر على السائس في ضبطهم من حيث إنّه خليفة؟! ثمّ كيف يجب علىٰ هذا الإنسان أن يفرض طاعة خليفته، و أن يحكم في سنّته أنّ من خرج فادّعىٰ خلافته بفضل قوةٍ أو مالٍ فعلى الكافّة من أهل المدينة قتله و قتاله و ذلك لينصروا به خليفته، و لا خليفة له من جهته؟! بل كيف يجب عليه أن يرتّب المدينة علىٰ أجزاءٍ ثلاثة: المدبّرون و الصنّاع و الحفظة، و يرتّب في كلّ صنف منهم رئيساً يرتب تحته رؤساء يلونه، و يرتّب تحتهم رؤساء يلونهم إلى أن ينتهي إلىٰ أفناء الناس، فلا يكون في المدينة إنسان معطّل ليس له مقام محدود، و لا يجب عليه أن ينصّ على من يخلفه و يجعله رئيساً على المدينة و حافظاً على سنّته و شريعته التي هي أسباب وجودهم، و به ينتظم أسباب معاشهم و مصالح معادهم؟! أو كيف يتصدّى لعقد البيت و النكاح و السنن الكليّة و الجزئيّة حتّى آداب الخلوة و الخلاء، و يترك هذه السنّة السنيّة التي لا بدّ منها في قوام أمر المعاش و المعاد، و عليها يتوقّف نظام كلّ ما يجب أن يسنّه من عند اللّٰه؟! أو كيف يجب عليه أن يقدّر لأهل الآفات و العاهات موضعاً يكون فيه أمثالهم، و أن يجعل عليهم قيّماً ينتظم به أُمورهم، كلّ ذلك في حياته، و لا يجب عليه أن يجعل لأهل المدينة و من والاهم من رعيّته و أُمّته قيّماً ينتظم به معاشهم و معادهم؟! و العجب من ابن سينا لولا تقيّته كما هو الظاهر من سياق كلامه في هذا الفصل، حيث جمع بين المذهبين مع إيماءٍ لطيفٍ إلى تفضيل مذهب الشيعة و ترجيحه أنّه بعد ما نصّ بذلك كلّه، كيف جوّز أن يكون ذلك بإجماعٍ من أهل

9

السابقة علىٰ من يصحّحون علانيته؟! و فيه إيماء إلى دقيقةٍ إذا تأمّله عاقل يعرفها، و يعرف بتأمّله ما في كلامه من الاضطراب و التشويش، فإنّه بعد ما اعتبر في الخليفة أن يكون من أعرف الأُمّة بالشريعة حتّى لا يكون أعرف بها منه في زمانه و هو الحقّ؛ لأنّ الخليفة حافظ الشريعة فيجب أن يكون أعرف بها من أهل زمانه طرّاً؛ لئلّا يلزم تفضيل المفضول على الفاضل، غفل (1) عن هذا أو تغافل؛ لتصريحه بأنّ المعوّل الأعظم العقل و حسن الايالة لا الأعرفية بالشريعة و الديانة، بل يلزم الأعرف أن يشارك الأعقل و يعاضده، و يلزم الأعقل أن يعتضد به و يرجع إليه مثل ما فعل علي (عليه السلام) و عمر. و هذا منه تصريح بأعلمية علي (عليه السلام) من عمر و إن كان فيه تناقض صريح و تهافت قبيح ارتكبه لترويج الكاسد و إصلاح الفاسد «و هل يصلح العطّار ما أفسد الدهر» و إن كان ثاقباً ذهنه الحديد و فكره السديد، و ما هي من الظالمين ببعيد. ثمّ بعد ما صحّ و ثبت أنّ الخارجي كامل و المدّعي للخلافة ناقص، كيف يسوّغ الحكم بأولويّة إطباق أهل المدينة دون وجوبه، و هذا الحكيم لا يصحّح الترجيح من غير مرجّح فضلًا عن تصحيحه ترجيح المرجوح على الراجح؟! و قد حكم آنفاً بأنّهم إذا أطبقوا على غير من وجدوا الفضل فيه و الاستحقاق له فقد كفروا باللّٰه، و هذا هو الحقّ الذي يقتضيه النظر الفلسفي، و كأنّه تأشعر بعد ما تفلسف. و مع قطع النظر عن ذلك، كيف يتصوّر ذلك التصحيح من الخارجي و هم يدّعون أنّ إجماع أهل السابقة من الأُمّة لا يتطرّق إلى صحّته شوب شبهة و إلى حقّيّته وصمة شكّ؛ لبراءتهم عن الزلّة و الخلل و عصمتهم عن الخطأ و الزلل، و ينقلون على ذلك حديثاً، و بعد ذلك كلّه ما ذكره من شرائطه كان موجوداً فيهم؟! أمّا تصحيح أهل السابقة كصاحب الحقّ و أهله و أولاده و أقربائه و أصحابه كعمّه العبّاس و أبنائه و أُسامة بن زيد و الزبير، و مشاهير الصحابة الكبار كسلمان

____________

(1) في «خ»: تغفّل.

10

و أبي ذرّ و المقداد و عمّار و حذيفة بن اليمان و أبي بريدة الأسلمي و أبيّ بن كعب و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين و أبي الهيثم بن التيّهان و سهل بن حنيف و أخيه عثمان و أبو أيّوب الأنصاري و جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري، و كخالد بن سعيد و سعد ابن عبادة و قيس بن سعد و غيرهم، فأشهر من أن يحتاج إلى البيان أو يمكن أن ينكره الإنسان، و قد ذكر ابن قتيبة في كتابه ثمانية عشر رجلًا منهم، قال: و كانوا رافضية، و أخذ من بعضهم البيعة بالوعيد و التهديد و لو بعد حين، و قد أصرّ بعضهم على إنكارهم و بقوا عليه إلى يوم الدين (1). و أمّا العقل، فإن أراد به الشيطنة و النكراء فكان موجوداً فيهم كما في سائر أفراد الملوك المتغلّبة كمعاوية و ابنه، و لكنّه ممّا لا مدخل له في تدبير المدينة العادلة على وجهٍ يؤدّي الىٰ إصلاح المعاش و المعاد، بل هو من مقولة دفع الفساد بالأفسد. و إن أراد به غير ذلك ممّا له مدخل في السياسة و الرياسة النبويّة و ما تقتضيه الحكمة الإلهية فما كان ذلك فيهم موجوداً أصلًا، كيف و هم قد أشركوا باللّٰه سنين و شهوراً و أيّاماً و دهوراً، و لم يكن فيهم من العقل ما يثبتون به التوحيد مع فطريّته و بداهته، بل لم يتنبّهوا به أصلًا، و بعد ما نُبِّهوا عليه طلبوا دليلًا عليه و معجزة؟! فكان عقولهم و استعدادهم نفساً دون عقول أوساط الحكماء و استعداد نفوسهم كأفلاطون الإلهي و أرسطاطاليس و غيرهما، فإنّهم قد أثبتوا التوحيد بمحض عقلهم و لم يشركوا باللّٰه، بل قتل بعضهم بمنعه عن الشرك. فإذا كان عقلهم هذا، و استعداد نفوسهم في هذه المرتبة، فكيف يستحقّون مرتبة الرئاسة النبويّة و الخلافة الإلهيّة؟! و متى يسوغ لأهل السابقة تصحيح علانيتهم عند الجمهور بأنّهم أصيل العقل شريف الأخلاق من الشجاعة و العفّة و هم من أجبن الناس نفساً، و قد فرّوا و لم يكرّوا في كثير من الغزوات و المصارعات، و باءوا بغضب من اللّٰه، و لشهرتها و ظهورها لا حاجة لنا إلى شرحها.

____________

(1) لم أعثر علىٰ نصّ العبارة في الإمامة و السياسة و عيون الأخبار لابن قتيبة، و لكن حول مسألة السقيفة و ما جرى فيها انظر الإمامة و السياسة: ص 12 20.

11

و هذا بخلاف صاحب الحقّ، فإنّه لم يشرك باللّٰه طرفة عين، و أخلاقه الفاضلة و شيمه الكاملة موصوفة كما يشهد به التتبّع، مع تطرّق الدروس الىٰ كثير ما ورد فيه؛ لمعارضته الدول المخالفة و مباينته الفرق المنافية؛ لأنّ أحبّاءه كتموا فضائله خوفاً و فرقاً، و أعداءه كتموها بغياً و حسداً، و للّٰه الحمد أن ظهر ما بين الكتمين ما ملأ الخافقين، و شجاعته بالغة حدّ التواتر كما اعترف به الفريقان، و ضرباته يوم الخندق و الخيبر و غيرهما مشهورة، و «لا فتى إلّا علي و لا سيف إلّا ذو الفقار» (1) معروفة. روى الجمهور كافّة: «أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) لمّا حاصر خيبر بضعاً و عشرين ليلة و كانت الراية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلحقه رمد أعجزه عن الحرب و الخروج من حيث يتعرّض للحرب، فدعا النبيّ (صلى الله عليه و آله) أبا بكر فقال له: خذ الراية، فأخذها في جمعٍ من المهاجرين، فاجتهد و لم يغن شيئاً و رجع منهزماً، فلمّا كان من الغد تعرّض لها عمر، فصار غير بعيد ثمّ رجع يجبّن أصحابه، فقال النبيّ (صلى الله عليه و آله): جيئوني بعلي، فقيل: إنّه أرمد العين، فقال: أرونيه تروني رجلًا يحبّ اللّٰه و رسوله، و يحبّه اللّٰه و رسوله ليس بفرّار، فجاءوا بعلي (عليه السلام) فتفل في يده و مسحها على عينيه و رأسه، فبرئ و أعطاه الراية، ففتح على يديه و قتل مرحباً» (2). و فيه من إظهار فضله و حطّ منزلة الآخرين، فإن تأمّله عاقل يعرفه، و في ذلك يقول حسّان بن ثابت

و كان عليٌّ أرمد العين يبتغي * * * دواءً فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول اللّٰه منه بتفلةٍ * * * فبورك مرقيّاً و بورك راقيا

و قال ساعطي راية القوم فارساً * * * كميّاً شجاعاً في الحروب محاميا

يحبّ إلهاً و الإلٰه يحبّه * * * به يفتح اللّٰه الحصون الأوابيا

فخصّ بها دون البريّة كلّهم * * * عليّاً و سمّاه الوليّ المؤاخيا

____________

(1) رواه ابن المغازلي في المناقب: 197، و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمّة: 38.

(2) راجع: العمدة لابن بطريق: 139 157، و الطرائف للسيّد ابن طاوس: 55 57.

12

هذا، و أمّا العفّة فغنيّة عن الذكر و البيان، فإنّ الابنة النافع لها ماء الرجال، المفسّر في كتبهم بالنبت، المردود عليهم بأنّه كان يخرج من بين الصلب و الترائب في الألسنة و الأفواه مذكورة (1). و أمّا المعرفة بالشريعة فكانوا من أجهل الناس نفساً، حتّى اعترفوا بأنّ كلّ الناس أفقه منهم حتّى المخدّرات في الحجال (2)، «و لو لا معاذ لهلك عمر» من المسلّمات عندهم، و إن كان «لولا علي لهلك عمر» (3) أشهر منه و لكنّهم لشدّتهم عناداً و فرطهم جهلًا ينكرونه و لا يعرفونه، فويل للذين يعرفون نعمة اللّٰه ثم ينكرونه، و ما أُولئك بالمؤمنين. نعم قول هذا الرجل السينائي: «و يجب أن يسنّ النبيّ على الجمهور أو على أهل السابقة أنّهم إذا افترقوا و تنازعوا بالميل و الهوى، و أجمعوا علىٰ غير من وجدوا الفضل فيه و الاستحقاق له فقد كفروا باللّٰه» و فيه إيماء إلى ما يعرفه العاقل إذا تأمّله مطابق للحقّ و موافق للواقع، و نحن علىٰ ذلك من الشاهدين و علىٰ صدقه من المصدّقين الىٰ يوم الدين، و ما شهدنا الّا بما علمنا. ثمّ أنت خبير بما في كلامه من الإشارة إلى أنّ عليّاً كان قد صحّح أنّ عمر غير أهلٍ للخلافة، و أنّه كان ممنواً بنقص، و أنّ هذا النقص كان موجوداً فيه، بل كان أعلم منه بالشريعة و أشجع و أعفّ، و كان هو يعتضد به و يرجع إليه في معرفة السنّة النازلة، و إصلاح أحوال المدن الفاسدة، و ذلك أيضاً مشهور و في الدفاتر مسطور. و أمّا أنّه كان أعقل منه و أحسن فيأمر الايالة، و كان متوسّطاً في البواقي و لم يكن غريباً فيها و لا صائراً إلى أضدادها، فمع أنّه ممنوع و السند ما سبق آنفاً، فمجاب: بأنّ العقل عبارة عن الفهم، يقال: عقل هذا أي فهمه، ثمّ استعمل في غريزة نفسانيّة مدركة لما فيه صلاح النفس في النشأة الآخرة، و قد يطلق على نفس ذلك الإدراك، و على من كان مصلحاً لأُمور معاشه إذا كان دخيلًا في صلاح المعاد

____________

(1) راجع بشارات الشيعة للمؤلّف المطبوع في الرسائل الاعتقاديّة 1: 124.

(2) رواه البيهقي في سننه 7: 233، و الهيثمي في مجمعه 4: 283.

(3) رواه السبط بن الجوزي في تذكرته: 87، و فخر الرازي في الأربعين: 466 و غيرهما.

13

و و صلة إلى الحياة الأبديّة و الفيوضات السرمديّة. و لا شكّ في أنّ علياً (عليه السلام) كان أعقل من عمر بجميع هذه المعاني، و المعوّل الأعظم في ذلك النقل الوارد في طريقي المتخاصمين. نعم يمكن أن يقال: إنّ العقل في أصل اللغة ما كان سبباً لجلب النفع و دفع الضرّ، ثمّ إنّ أهل العرف لمّا شاهدوا وجود هذا المعنى في أمثال عمر بحسب الظاهر، و هم كما قيل يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون، و ذلك مبلغهم من العلم، أطلقوا عليه اسم العاقل. و أمّا أهل الحقيقة، فلمّا نظروا الىٰ عواقب الأُمور و وجدوا النفع العاجل في جنب الضرر الآجل أقلّ قليل، بل لا شيء في الحقيقة، سلبوا عنه اسم العقل، و قالوا: إنّ ما كان في عمر و معاوية و من ينزل منزلتهما، يقال له: الجربزة و النكراء و الشيطنة و الغوغاء كما أشار إليه ابن سينا في مواضع من هذا الفصل، و هي شبيهة بالعقل و ليست هو. فالاختلاف بين الفريقين ليس في معنى العقل بل في اندراج هذا الفرد في مفهومه، هذا. ثمّ بما تقرّر في العقول من عدم جواز تفضيل المفضول بل المساوي لامتناع ترجيح أحد المتساويين، يلزم أن يكون الخليفة أفضل أهل زمانه كلا، و صاحب النفس القدسيّة بل صاحب معجزةٍ تدلّ علىٰ خلافته، و تكون آية ملكه و علامة سلطانه، بل يجب أن يكون متصرّفاً في أجزاء العالم، ظاهراً بالسيف و باطناً بالهمّة و بالجملة: يكون أشبه الخلائق بالنبيّ (صلى الله عليه و آله) نفساً و روحاً و علماً و عملًا، و ما هو في المشارق و المغارب إلّا علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما أُشير إليه بقوله: «وَ أَنْفُسَنٰا» (1) فكان هو الخليفة بالحقّ ظاهراً و باطناً، شيّد به اللّٰه هذا الدين، أظهره بالسيف و عصمه من الجور، فحكم بالعدل الذي هو حكم الحقّ في النوازل، فهو مع الحقّ و الحقّ يدور معه حيثما دار. فالذين خرجوا عليه و ادّعوا خلافه فقد عصوا اللّٰه و كفروا به بلا مرية و هم لا يشعرون.

____________

(1) آل عمران: 61.

14

و اعلم أنّ الجواب الحاسم لمادة المشاغبة و المشاجرة: ما سبق من أنّ الاستخلاف بالنصّ لمّا كان هو الأصلح و الأصوب لعدم أدائه إلى التشعّب و التشاغب، كان من الواجب في سنّة هذا الإنسان لكونه من أكمل أفراد نوع الإنسان أن ينصّ علىٰ من يخلفه، و أن لا يكون الاستخلاف إلّا من جهته، لا بإجماع جماعةٍ من أهل الغرض و العناد و طائفةٍ من أهل الزور و الفساد؛ حسماً لمادّة المخالفة و الجدال و سدّاً لطريق المنازعة و القتال، إذا سِير بسيرته و عُمِل بشريعته و سنّته، و ذلك معلوم من استقامة طريقته و حسن سيرته و صفاء طويّته و غاية لطفه بأُمّته، و المنازع مكابر مقتضى عقله و بصيرته، و اللّٰه يعلم ذلك من سريرته. و من هنا تراهم يقولون: إنّ الرئاسة العامّة إذا لم تكن على وجه الغلبة و القهر بل كانت على طريقة مؤدّية إلىٰ صلاح المدينة في معاشهم و معادهم لا بدّ و أن تكون من قِبَل اللّٰه و وحيه؛ لأنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) و ما يسنّه فإنّما هو من عنده، و واجب في حكمته أن يسنّه؛ لأنّه أعلم بمصالح عباده منهم في أُمور دينهم و دنياهم فيختار لهم من يشاء لما يشاء بعد أن كان مستعدّاً لذلك و أهلًا له، و ذلك ممّا لا يعلمه كما هو إلّا هو، و اللّٰه أعلم حيث يجعل رسالته، حتّى أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) مع كماله و توسطه بين اللّٰه و بين عباده عاجز عن هذا الخطب العظيم و الأمر الجسيم من دون توسط الإنباء و إيحاء، فيقتضي النصّ و التصريح به. و لمّا سأل سادة بني إسرائيل نبيّهم أن يملكهم ليقاتلوا به في سبيل اللّٰه «وَ قٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً قٰالُوا أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمٰالِ قٰالَ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ» (1) بمن اصطفاه للملك و الرياسة. فانظر رحمك اللّٰه نظر طالب حقٍّ لا يكون له ميل بطرف دون طرف كيف ردّ عليهم تعلّلهم بأنّ لا ملك إلّا بالرجال و لا رجال إلّا بالمال و هو فقير لا سعة له و لا مال، بأنّ الركن الأعظم الشديد الحاجة إليه في الملك و الرياسة بعد

____________

(1) البقرة: 247.

15

العلم و الجسامة و الشجاعة هو اصطفاء اللّٰه و اختياره؛ لعلمه بقبول المحلّ، لا ما ذكروه من الثروة و المال و السعة في الحال، فلمّا أذنوا بذلك انقطعوا و رضوا برضا اللّٰه و رسوله فانحسمت مادّة نزاعهم و تألّفت قلوبهم. و أنت و كلّ من هو قابل للخطاب خبير بأنّ عليّاً (عليه السلام) كان أزيد من عمر في العلم و الجسم و الشجاعة كما اعترف به حكيمهم ابن سينا، و لذلك كان يرجع إليه و يعتضد به، فدلّت زائدة على دلالتها على أُمور متعلّقة بأمر السياسات و الرياسات إذا تأمّلها عاقل يعرفها على أصوبيّة الاستخلاف بالنصّ و أصلحيّته، و الأصلح واجب في حكمة الحكيم تعالى شأنه؛ إذ الحكيم لا يترك الأصوب بالصواب و لا الأصلح بالصلاح و لو سلّم لهم ذلك الصلاح و الصواب. روي أنّ نبيّهم لمّا دعا اللّٰه أن يملكهم أتى بعضاً يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلّا طالوت، و مثل ذلك في هذه الأُمّة درع نبيّهم في أئمّتهم عليه و عليهم من الصلوات أفضلها و من التسليمات أكملها. [تحقيق حول آية «لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ» (1)] قال البيضاوي بعد قوله تعالى في قصّة خليله (عليه السلام): «لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ»: فيه تنبيه علىٰ أنّه قد يكون من ذرّيته ظَلَمة، و أنّهم لا ينالون الإمامة؛ لأنّها أمانة من اللّٰه و عهده، و الظالم لا يصلح لها و إنّما يناله البرَرَة الأتقياء منهم (2). و قال الفاضل المحشّي عصام الدين محمّد (3) في حواشيه علىٰ هذا التفسير: معناه: لا ينال عهدي الظالمين ما داموا ظالمين، فالظالم إذا تاب لم يبق ظالماً. و كيف لا يكون المراد ذلك و قد نالت الإمامة أبا بكر و عمر و عثمان، و مراده أنّ هذه قضية سالبة و المتبادر (4) من السالبة المطلقة كما ذكره المنطقيّون هو العرفية

____________

(1) البقرة: 124.

(2) أنوار التنزيل 1: 111.

(3) كذا في النسخ، و في كشف الظنون [1: 190]: الفاضل المحقّق عصام الدين إبراهيم بن محمّد بن عربشاه الاسفرائني المتوفّىٰ سنة ثلاث و أربعين و تسعمائة، و حاشيته مشحونة بالتصرفات اللائقة و التحقيقات الفائقة.

(4) في خ: «و المراد».

16

العامّة، فالآية لا تدلّ على عدم نيل الإمامة الظالم بعد توبته؛ لعدم صدق الظالم عليه حينئذٍ. أقول: أيّة فائدة في الاخبار بأنّ الظالم أي الكافر كما هو مراد المحشِّي، و يدلُّ عليه قوله تعالىٰ: «وَ الْكٰافِرُونَ هُمُ الظّٰالِمُونَ» (1) ما دام كافراً لا تناله الإمامة و هي الرئاسة العامّة في أمر الدين و الدنيا خلافة عن اللّٰه أو عن النبيّ، فإنّ من الأوّليات بل الأجلى منها أنّ الإمامة و الظلم بالمعنيين المذكورين لا يجتمعان، و لا يتوهّمه عاقل ليحتاج الىٰ دفعه بإنزال آية من السماء، ضرورة ثبوت التنافي بينهما، فكيف يصير هذا الحكم موضعاً للإفادة، و خاصّة إذا صدر من الحكيم العليم الذي لا يتطرّق إليه و لا الىٰ كلامه عبث و لا لغو، و لا يكون كلامه ككلام الساهي و النائم و الهاذي؟! فظهر أنّه لا يمكن أن يراد بالظالم المنفيّ عنه الإمامة مَن يباشر الظلم و يرتكبه حتّى يصحّ أن يقال: إنّه إذا تاب عنه و أصلح لم يبق ظالماً فيمكن أن تناله الإمامة، بل هو واقع؛ لأنّها قد نالت هؤلاء بثلاثتهم بعد أن تابوا عن ظلمهم و كفرهم و أصلحوا، و هل هذا إلّا مصادرة و تفسير للآية بما يطابق أهواءهم؟ بل المراد به من وجد منه الظلم وقتاً ما و إن لم يكن في الحال ظالماً بل كان تائباً؛ لأنّ إبراهيم (عليه السلام) لم يسأل الإمامة لبعض ذرّيته المباشرين للظلم من قبل أن يتوبوا عنه، فإنّه قبيح عمّن يدّعي صحبة عاقل من العقلاء، فكيف لا يكون قبيحاً عمّن هو من أعقل الأنبياء؟! فتعيّن أنّ سؤاله الإمامة: إمّا لبعض ذرّيته مطلقاً، أو للذين لم يظلموا منهم أصلًا، أو ظلموا ثمّ تابوا عنه. و الأوّل لا يحتمل المباشرين للظلم منهم كما مرّ لما مرّ، فيتحقّق في ضمن أحد الأخيرين، فقوله تعالى في جوابه: «لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ» منهم صريح في أنّ الذين ظلموا منهم، أي سبقوا في الظلم و الكفر لا ينالهم عهد اللّٰه و إن تابوا بعد ظلمهم و أصلحوا و لم يكونوا في الحال ظالمين

____________

(1) البقرة: 254.

17

، فدلّت علىٰ أنّ الإمامة عهد من اللّٰه و أمانة منه لا تنال من كان ظالماً و لو وقتاً ما. و يدلُّ عليه ما رواه الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن عبد اللّٰه بن مسعود في تفسير الآية، قال: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «انتهت الدعوة إليَّ و إلى عليٍّ، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني اللّٰه نبيّاً و اتّخذ عليّاً وصيّاً» (1). و هذا نصّ بالباب. و إلى ذلك أشار صاحب التجريد بقوله: و لسبق كفر غير علي (عليه السلام) فلا يصلح للإمامة غيره، فتعيّن هو (2). و جواب القوشجي بأنّ غاية الأمر ثبوت التنافي بين الظلم و الإمامة و لا محذور إذا لم يجتمعا مندفع بما سبق. و اعلم أنّ الشافعي و شيعته كالبيضاوي ذهبوا إلى أنّ إطلاق المشتقّ بعد وجود المشتقّ منه و انقضائه كالظالم لمن قد ظلم قبل و هو الآن لا يظلم حقيقة مطلقاً، سواء كان ممّا يمكن بقاؤه كالقيام و القعود أو لا كالمصادر السيّالة نحو التكلّم و الإخبار. فعلى قاعدتهم هذه يرد عليهم أنّ الظالم و إن انقضى ظلمه و تاب عنه و قبل توبته لا يصلح للإمامة؛ إذ يصدق عليه أنّه ظالم حقيقةً علىٰ ما ذهبوا إليه، و قد نفى اللّٰه عنه الإمامة، فكيف نالت الإمامة من يعتقدون إمامته مع ظلمه و كفره بالاتّفاق؟! و هذا مع قطع النظر عمّا سبق منّا أمر يلزمهم بخصوصهم و هم لا يشعرون، و ما وقفت في كلام أحد تفطّن بهذا فهو من سوانح الوقت و الحمد للّٰه. و إذا ثبت أنّ الظالم و هو من وضع الشيء في غير موضعه و إن كان وقتاً ما أو من تعدّىٰ حدود اللّٰه التي هي الأوامر و النواهي لقوله تعالى: «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ» (3) لا تناله الإمامة، ثبت أنّ الإمام لا بدّ و أن يكون معصوماً، و إلّا لكان ظالماً: إمّا لنفسه أو لغيره، و قد سبق أنّه منفيّ عنه الإمامة، فالآية ممّا دلّت على اعتبار العصمة في الإمام، و الحمد للّٰه وحده ذي الجلال و الإكرام.

____________

(1) مناقب ابن المغازلي: 277.

(2) التجريد: 237.

(3) البقرة: 229.

18

[حكم المخالفين في الإمامة]

اختلف الأصحاب في مَن خالفونا في الإمامة، فمنهم من حكم بكفرهم؛ لدفعهم و إنكارهم ما علم من الدين ضرورة، و هو النصّ الجليّ علىٰ إمامة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مع تواتره، و قال الآخرون منهم: إنّهم فسقة، و هو الأقوىٰ. ثم اختلفوا على أقوال، الأوّل: أنّهم مخلّدون في النار لعدم استحقاقهم الجنّة، الثاني: أنّهم يخرجون منها إليها، الثالث: أنّهم يخرجون منها لعدم كفرهم الموجب للخلود، و لا يدخلون الجنّة لعدم إيمانهم المقتضي لاستحقاقهم الثواب، و المسألة لا تخلو عن إشكال، و ظاهر الأخبار الواردة في الطرفين يؤيّد الأوّل، فمنها: ما صحّ و استفاض عند الفريقين: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» (1). قال صاحب الفتوحات و مدّعي الكشف و الكرامات: إنّي لم أسأل اللّٰه أن يعرّفني إمام زماني، و لو كنت سألته لعرّفني! فانظر وقاك اللّٰه عن الضلالة و الغواية كيف خذله اللّٰه و تركه مع نفسه، فاستهواه الشيطان في أرض العلوم حيران، فقال ما يضحك منه الصبيان و يستهزئ به النسوان. و قد رواه أصحابنا بطرق عديدة، أصحّها سنداً ما رواه ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني بإسناده إلى الحارث بن المغيرة، «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): من مات و لم يعرف (2) إمامه مات ميتة جاهليّة، قال: نعم، قلت: جاهليّة جهلاء أو جاهليّة لا يعرف إمامه؟ قال: جاهليّة كفر و نفاق و ضلال» (3). أقول: الميتة بالكسر أصلها الموتة على زنة الفعلة بكسر الفاء للحالة التي يموت عليها، و الظاهر أنّه مفعول مطلق وقع للتشبيه أي: مات علىٰ حالة شبيهة بحالة موت الجاهليّة، أو منصوبة بحذف أداة التشبيه أي: مات ميتة كميتة جاهليّة.

____________

(1) راجع: كمال الدين للصدوق: 412 413، و 668.

(2) في الكافي: لا يعرف.

(3) أُصول الكافي 1: 377 ح 3.

19

و الظاهر منه أنّ موت الجاهل بإمام زمانه شبيه بموت أهل الجاهليّة و النفاق، فيظهر منه أنّ معرفته و قد فاتت منه تلك المعرفة المخصوصة بأُمور المبدئيّة و المعاديّة غير نافعة له في النشأة الآخرة، حيث لا تدفع عنه العقاب الأُخروي، و هو ظاهر. و أمّا أنّ حياته شبيهة بحياة أهل الجاهليّة أو هو كافر مدّة حياته أو لا يجوز إجراء أحكام المسلمين عليه، فلا دلالة له عليه بدلالةٍ من الدلالات، كيف و هو خلاف ما دلّت عليه أخبار كثيرة من إسلام أهل الخلاف، كما سيأتي طرف منه. و بذلك يظهر فساد ما أفاده وحيد زمانه ميرزا محمد طاهر (قدس سره) بقوله: اعلم أنّ الملّيين من المسلمين مع اختلاف مذاهبهم اتّفقوا على صحّة ما نُقل عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) و هو قوله: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة» و لا شك في أنّ هذا الحديث صريح في أنّ الجاهل بإمام زمانه كافر، و لا شك في أنّ علياً (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر مدّة، فعلى هذا يلزم أن لا تكون إمامة أبي بكر حقّا، و إلّا لزم أن يكون علي و عبّاس و كلّ من تأخّر عن بيعته كافراً، و لم يقل به أحد، فثبت المطلوب. و ذلك لأنّ غاية ما يفهم منه أنّ موت الجاهل بإمام زمانه علىٰ تقدير بقائه علىٰ هذا الجهل و موته عليه شبيه بموت الجاهليّة؛ لأنّ من متأخّر عن بيعة إمامٍ برهة من الزمان، و لعلّه كان لإجالة النظر و إطالة الفكر ليظهر عليه صدقه و حقيّته في دعواه الإمامة، ثمّ بايعه و عرفه ثمّ مات على معرفته و الإقرار بإمامته يلزم منه أن يكون كافراً مدّة حياته، أو يكون موته شبيهاً بموت الجاهليّة حتّى يلزم منه المطلوب. كيف و كثير من أصحاب علي (عليه السلام) لم يبايعوه مدّة ثمّ بايعوه طوعاً أو كرهاً ثمّ استقاموا على الإقرار بإمامته و ماتوا عليه، فيلزم بناءً على ما ذكره أن يكونوا كفّاراً جهلاء محشورين بعد موتهم مع الجاهليّة، و ظاهر أنّه لم يقل به أحد. و العجب أنّه مع ثقوب فهمه و جودة قريحته كيف تفوّه بذلك، و تفاخر في آخر دليله بقوله: و هذا طريق أنيق في إثبات إمامة علي (عليه السلام)، لم يذهب إليه أحد، قد وفّقنا اللّٰه به. مع ظهور بطلانه و فساد بنيانه.

20

ثمّ قال (قدس سره): ثمّ إنّ الإمام الحقّ في كلّ عصر يجب أن يكون واحداً، و إلّا يلزم تجويز حقيّة النقيضين علىٰ تقدير اختلافهم، و هو ممتنع. و إذا لم يكن الإمام عبارة عن السلطان و من يقتدىٰ به في الصلاة ثبت أنّ له معنىً آخر يخصّص به عمّن يصدق عليه هذا اللفظ بحسب اللغة، و ليس للرعيّة سبيل الىٰ معرفته، فيجب بيانه و تعيينه على النبيّ، و تأخير البيان عن محلّ الحاجة قبيح، و النبي منزّه عنه، فثبت أنّه نصّ علىٰ علي (عليه السلام)؛ إذ لم يدّع أحد ادّعاء نصّه على غيره، فثبت المطلوب. أقول: المقدّمة الأُولىٰ مستدركة، و كان المناسب أن يقول بعد إبطال إمامة أبي بكر: ثمّ إنّ خلوّ الزمان عن الإمام باطل بإجماع الفريقين، فاذاً لم يكن عبارة عن السلطان. إلى آخر ما ذكره. على أنّه يرد عليه أيضاً أنّهم فسّروا الإمامة برئاسة عامّة في أمر الدين و الدنيا خلافة عن النبيّ، فهم لا يجوّزون تعدّد الإمام حقّا كان أو باطلًا في عصرٍ من الأعصار ليحتاج في نفيه إلى دليل و في إبطاله إلى حجّة.

و منه يعلم أنّ للإمام معنىً آخر غير متعارف اللغة، فهو أيضاً من المسلّمات عندهم. و أمّا أنّه ليس للرعيّة سبيل الىٰ معرفته فهو أوّل المسألة في حيّز المنع؛ لأنّ إجماع الأُمّة على أمرٍ دليل علىٰ حقيّته، و هو سبيل المؤمنين المشار إليه في القرآن (1).

و لعلّه حاول أن يشير الىٰ وجوب عصمته، و أنّها من الأُمور الخفيّة التي لا يعلمها إلّا عالم السرائر و الضمائر، فيجب أن يكون منصوصاً كما هو المشهور عندنا، و إن لم يكن مسلّماً عند خصومنا، و إلّا فبعد إثبات وجوب عصمته كما قدّمناه (2) أو تسليمه لا حاجة في نفي إمامة أبي بكر و إمامة علي (عليه السلام) الىٰ تلك التطويلات الركيكة، بل يكفي مجرّد أن يقال: إنّ الإمام بعد النبيّ: إمّا علي (عليه السلام) أو أبو بكر، و الثاني باطل لعدم عصمته إجماعاً، فثبت عصمة علي (عليه السلام)، و إلّا لزم

____________

(1) النساء: 115.

(2) في كريمة «لٰا يَنٰالُ.» منه. البقرة: 124.

21

عدم إمامته أيضاً و هو يستلزم خلاف الإجماع المركّب من الفريقين، فإذا كان معصوماً تعيّن إمامته و هو المطلوب. و أمّا ما ذكره من وجوب كون النبيّ (صلى الله عليه و آله) منزّهاً عن القبيح فغير مسلّم عندهم، كيف و هم قد كتبوا علىٰ ذلك تخطئة الأنبياء، و جوّزوا فيهم الاجتهاد، فصوّبوهم تارة و خطّؤوهم اخرىٰ. و بالجملة دليله هذا غير مسكت للخصم، بل هو دليل اقناعي عند الشيعة بعد تسليم أكثر مقدّماته، على أنّ مقدّماته من المشهورات عندهم، و قد ورد على أكثرها النصّ عن أئمّتهم فكيف ساغ له دعوى التفرّد بذلك؟ و أمّا تأويل الإمام المذكور في الخبر المسطور بالكتاب العزيز، أو بصاحب الشوكة من ملوك الدنيا، عالماً كان أو جاهلًا، عادلًا كان أو فاسقاً كما عليه مخالفونا فممّا لا وجه له أصلًا. و أيّة فائدة في معرفة الفاسق و الجاهل حتّى من لم يعرفهما يموت ميتة جاهليّة و هما لا يصلحان للإمامة؟ و كيف يصلح لها من لا يجوز حكمه و شهادته، و لا تجب طاعته، و لا يقبل خبره، و لا يقدّم للصلاة كما صرّح به مفسّروهم و منهم الزمخشري و البيضاوي في ذيل كريمة «لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ»؟ و إضافة الإمام إلى زمان ذلك الشخص ينفي كون المراد به الكتاب العزيز، و هو ظاهر. و لنرجع الىٰ ما كنّا فيه، فنقول: و منها ما رواه الكليني عن جابر، «قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَنْدٰاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّٰهِ» (1) قال: هم و اللّٰه أولياء فلان و فلان، اتّخذوهم أئمّة دون الإمام الذي جعله اللّٰه للناس إماماً» (2). فالمراد بمن دون اللّٰه من دون أولياء اللّٰه على حذف المضاف، أو أنّه تعالى خلط أولياءه بنفسه فجعل طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته، جعل من اتّخذ لهم أنداداً كمن اتّخذ له أنداداً.

____________

(1) البقرة: 165.

(2) أُصول الكافي 1: 374 ح 11.

22

و منها ما رواه عن ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) «قال: سمعته يقول: ثلاثة لا يكلّمهم (1) اللّٰه يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم: من ادّعى إمامةً من اللّٰه ليست له، و من جحد إماماً من اللّٰه، و زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً» (2). و هذا صريح في كفرهم، و لكنّه قابل للتأويل. و من طرق العامّة ما رواه أبو أُمامة الباهلي عن النبيّ (صلى الله عليه و آله): «أنّ اللّٰه تعالى خلق الأنبياء من أشجار شتّىٰ، و خُلقت أنا و علي من شجرة، فأنا أصلها و علي فرعها و فاطمة لقاحها و الحسن و الحسين ثمارها و أشياعنا أوراقها، فمن تعلّق بغصنٍ من أغصانها نجا، و من زاغ هوى، و لو أنّ عبداً عبد اللّٰه بين الصفا و المروة ألف عام ثمّ ألف عام ثمّ ألف عام حتّى يصير كالشنّ البالي ثمّ لم يدرك محبّتنا أكبّه اللّٰه علىٰ منخريه في النار، ثمّ تلا «قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ» (3)». و روى الصدوق بأسانيد متعدّدة عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنّه «قال لنا: أيّ البقاع أفضل؟ فقلت: اللّٰه و رسوله و ابن رسوله أعلم، فقال: أما أنّ أفضل البقاع بين الركن و المقام، و لو أنّ رجلًا عمّر ما عمّر نوح في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما، يصوم النهار و يقوم الليل في ذلك المكان، ثمّ لقي اللّٰه بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً» (4). و روى محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد الحميد بن أبي العلاء، عن الصادق (عليه السلام) أنّه «قال: قال لي: يا أبا محمّد و اللّٰه لو أنّ إبليس سجد للّٰه بعد المعصية و التكبّر عمر الدنيا ما نفعه ذلك و لا قبله اللّٰه عزّ ذكره ما لم يسجد لآدم كما أمره اللّٰه أن يسجد له، و كذلك هذه الأُمّة العاصية المفتونة بعد نبيّها و بعد تركهم الإمام الذي نصبه نبيّهم لهم فلن يقبل اللّٰه لهم عملًا، و لن يرفع لهم حسنة حتّى يأتوا اللّٰه من

____________

(1) في الكافي: لا ينظر.

(2) أُصول الكافي 1: 374 ح 12.

(3) كفاية الطالب: 187، ميزان الاعتدال 2: 328.

(4) من لا يحضره الفقيه 2: 245 ح 2313.

23

حيث أمرهم، و يتولّوا الإمام الذي أُمروا بولايته، و يدخلوا من الباب الذي فتحه اللّٰه و رسوله لهم» (1). و عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) «قال: بُني الإسلام علىٰ خمسة أشياء، و هي: الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية، قال: فقلت: و أي شيء من ذلك أفضل؟ قال: الولاية أفضل؛ لأنّها مفتاحهنّ، و الوالي هو الدليل عليهنّ و ساق الحديث الىٰ أن قال: ثمّ قال: ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ وَ مَنْ تَوَلّٰى فَمٰا أَرْسَلْنٰاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» أما لو أنّ رجلًا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي اللّٰه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّٰه حقّ في ثوابه، و لا كان من أهل الإيمان» (2). و عن محمد بن مسلم «قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كلّ من دان اللّٰه عز و جل بعبادةٍ يجهد فيها نفسه و لا إمام له من اللّٰه فسعيه غير مقبول، و هو ضالّ متحيّر و اللّٰه شانئ لأعماله، و مثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها و قطيعها، فهجمت ذاهبة و جائية يومها، فلمّا جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها، فحنّت إليها و اغترّت بها، فباتت معها في مربضها، فلمّا أن ساق الراعي قطيعة أنكرت راعيها و قطيعها فهجمت متحيّرة تطلب راعيها و قطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها فحنّت إليها و اغترّت بها، فصاح بها الراعي: ألحقي براعيك و قطيعك فأنت تائهة متحيّرة عن راعيك و قطيعك، فهجمت ذعرة متحيّرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها، فبينما هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، و كذلك و اللّٰه يا محمّد من أصبح من هذه الأُمّة لا إمام له من اللّٰه عز و جل ظاهراً عادلًا أصبح ضالّاً تائهاً، و إن مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق، و اعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّٰه قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها

____________

(1) الروضة من الكافي 8: 271 ح 399.

(2) أُصول الكافي 2: 18 19 ح 5.

24

كرمادٍ اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد» (1). الىٰ غير ذلك من الأخبار، و يظهر منها أنّ أهل الخلاف كفّار أو منافقون، و كلّ من هو كذلك فهو مخلد في النار «وَعَد اللّٰهُ المُنافقِينَ و المنَافِقَاتِ و الكُفَّارَ نَارَ جَهنَّم خَالدِينَ فِيها هِي حَسبُهُم وَ لَعنَهُم اللّٰهُ وَ لَهُم عَذَابٌ مُقيِم» (2) و ذلك لا ينافي إسلامهم بحسب الظاهر كما ذهب إليه عامّة أصحابنا، و يشير اليه قوله (عليه السلام) «مات ميتة كفر و نفاق» حيث ذكر الكفر بعد الإيمان لينبّه على أنّ كفرهم ليس كفراً ظاهراً كسائر أصناف الكفر، بل كفرهم مكتوم ككفر المنافقين، فهذا الإسلام الظاهري يحقن دماءهم، و يحفظ أموالهم، و يحلّ ذبيحتهم، و يحصل التوارث بيننا و بينهم، و يُغسَّلون و يُصلَّى عليهم، و يدفنون في مقابر المؤمنين. و بالجملة: فهم يشاركون أهل الإيمان في الأحكام الدنيويّة، و يفارقونهم في الأحكام الأُخرويّة. ففي الحسن عن الفضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام) «قال: سمعته يقول: إنّ الإيمان يشارك الإسلام و لا يشاركه الإسلام، إنّ الايمان ما وقِّر في القلوب، و الإسلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدماء» (3). و في الموثّق عن سماعة عنه (عليه السلام) ما يقرب من ذلك (4). و في الصحيح عن حمران بن أعين عن الباقر (عليه السلام): «الإيمان ما استقرّ في القلب و أفضى به إلى اللّٰه، و صدّقه العمل بالطاعة للّٰه و التسليم لأمره، و الإسلام ما ظهر من قولٍ أو فعلٍ و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها، و به حقنت الدماء، و عليه جرت المواريث و جاز النكاح الىٰ أن قال قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الأحكام و الحدود و غير ذلك؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد، و لكن للمؤمن فضل على المسلم في إعمالهما و ما.

____________

(1) أُصول الكافي 1: 183 184 ح 8 و 375 ح 2.

(2) التوبة: 68.

(3) أُصول الكافي 2: 26 ح 3.

(4) أُصول الكافي 2: 25 ح 1.

25

يتقرّبان به إلى اللّٰه» (1). و في خبر آخر: «الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: بشهادة أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و حجّ البيت و صيام شهر رمضان، فهذا هو الإسلام، و أمّا الايمان فمعرفة هذا الأمر مع هذا، فإن أقرّ بها و لم يعرف هذا الأمر كان مسلماً و كان ضالّاً» (2). و يظهر منها و من أمثالها أنّ ما ورد من عدم نصيب مخالفينا في الإسلام المراد به النصيب الأُخروي، و أنّ ما ذهب إليه جماعة من أصحابنا من عدم استحلال ذبيحتهم كالقاضي و ابن إدريس، أو عدم جواز الصلاة عليهم كالشيخين، أو عدم ثبوت التوارث بأن نرثهم و لا يرثونا كالمفيد و أبي الصلاح، أو عدم جواز مناكحتهم كما عليه كثير من الأصحاب، ضعيف؛ لأنّ هذه الأحكام بالنسبة الىٰ من لم يكن على ظاهر الإسلام كسائر أصناف الكفّار لا مطلق الكافر، و هذا أمر معلوم من سيرته (صلى الله عليه و آله) مع المنافقين. ثمّ لا فرق في ذلك بين كلّ صنف من أصناف المخالفين؛ إذ المعتبر هو التصديق بكلّ واحد واحد منهم (عليهم السلام)، يدلّ عليه: قوله (صلى الله عليه و آله): «من أنكر واحداً منهم فقد أنكرني» (3). و قول الرضا (عليه السلام): «من جحد حقّي كمن جحد حقّ آبائي» (4). و قول الصادق (عليه السلام) لمّا سئل عن الزيديّ و المخالف: «هما و اللّٰه سواء»، و لمّا روجع ثانياً، قال: «لا فرق بين من أنكر آية من القرآن، و بين من أنكر آيات منه، و بين من أنكر نبيّاً من الأنبياء، و بين من أنكر كلا منهم». و قوله: «و نحن الذين فرض اللّٰه طاعتنا لا يسع الناس إلّا معرفتنا، و لا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، و من أنكرنا كان كافراً، و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالّاً حتّى يرجع إلى الهدى الذي افترض اللّٰه من طاعتنا الواجبة،

____________

(1) أُصول الكافي 2: 26 ح 5.

(2) أُصول الكافي 2: 24 25 ح 4.

(3) راجع أُصول الكافي 1: 373.

(4) راجع أُصول الكافي 1: 528.

26

فإن يمت على الضلالة يفعل اللّٰه به ما يشاء» (1).

[اعتقاد الشيعة في الرجعة]

قال صاحب الكشّاف بعد كريمة «أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لٰا يَرْجِعُونَ» (2): و هذا ممّا يردّ قول أهل الرجعة (3). و أراد بهم أصحابنا الإماميِّين، فإنّ القول بالرجعة و الإيمان بها ممّا تفرّدوا به، و نقلوا فيه أخباراً كثيرة: منها: أنّ اللّٰه سيعيد قوماً عند قيام المهدي (عليه السلام) ممّن تقدّم موتهم من أوليائه و شيعته ممّن محض الإيمان محضاً ليفوزوا بنصرته و معونته و يتبهّجوا بظهور دولته، و يعيد أيضاً قوماً من أعدائه ممّن محض الكفر محضاً لينتقم منهم و ينالوا بعض ما يستحقّونه من العقاب في القتل علىٰ أيدي شيعته أو الذلّ و الخزي ممّا يشاهدونه من علوّ كلمته (4). و هذا أي تفرّدهم بذلك هو المشهور بين أصحابنا. و لكن يظهر من ابن الأثير في نهايته أنّ القول بالرجعة ليس من متفرّداتهم، حيث قال: إنّ الرجعة مذهب قوم من العرب في الجاهليّة معروف عندهم، و مذهب طائفة من فرق المسلمين من اولي البدع و الأهواء، يقولون: إنّ الميّت يرجع إلى الدنيا و يكون فيها حيّاً كما كان، و من جملتهم طائفة من الرافضة يقولون: إنّ علي ابن أبي طالب مستقرّ في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتّى ينادي منادٍ من السماء أخرج مع فلان، و يشهد لهذا المذهب السوء قوله تعالى: «حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً» (5) يريد الكفّار، نحمد اللّٰه على الهداية و الإيمان (6) انتهى. و هذا منهم افتراء و بهتان عظيم على الرافضة، فإنّهم و إن قالوا برجعته (عليه السلام) و لكن لم يقل به أحد منهم بحياته و استقراره في السحاب، بل القول بحياته قول طائفة من الغلاة ليس إلّا. أقول: و فيما ذكره الكشّاف نظر؛ إذ غاية ما دلّت عليه الآية أنّ القرون الهالكة

____________

(1) أُصول الكافي 1: 187 ح 11.

(2) سورة يس: 31.

(3) الكشاف 3: 321.

(4) بحار الأنوار 53: 126 127.

(5) سورة المؤمنون: 99.

(6) نهاية ابن الأثير 2: 202.

27

الخالية لا يرجعون بصورهم الأصليّة إلى العباد المستهزئين للرسل مدّة حياتهم. و أمّا أنّهم لا يرجعون أبداً لا إليهم و لا إلى غيرهم، أو أنّ غير هؤلاء الهالكين لا يرجع قبل يوم القيامة إلى الدنيا بصورته التي كان عليها فلا دلالة لها عليه بشيء من الدلالات. ثمّ أيّة منافاة بين رجوع علي (عليه السلام) إلى الدنيا و بين نكاح نسائه و قسمة ميراثه إذا كان ذلك جائزاً في الشرع؟ فما حكاه عن ابن عبّاس أنّه قيل له: إنّ قوماً يزعمون أنّ علياً (عليه السلام) يبعث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن اذن نكحنا نساءه و قسمنا ميراثه. فمع أنّه فرية لا مرية فيها لا يدلّ على عدم الجواز، فإنّ كثيراً من القرون الماضية و غيرهم ماتوا و نكحت نساؤهم و قسّمت أموالهم ثمّ رجعوا إلى الدنيا و عاشوا فيها ما شاء اللّٰه ثمّ ماتوا بآجالهم. و كيف يصير قول ابن عبّاس معارضاً لقول علي (عليه السلام) في حديث أبي الطفيل في الرجعة: «هذا علم يسع الأُمّة جهله و ردّ علمه إلى اللّٰه تعالى، قال: و قرأ عَلَيّ بذلك قراءة كثيرة و فسّر تفسيراً شافياً حتّى صرت ما أنا بيوم القيامة أشدّ يقيناً منّي بالرجعة» الحديث (1). و كان عامر بن واثلة بن الأسقع بن عامر بن واثلة الكناني أبو الطفيل هذا آخر من مات ممّن رأى النبيّ (صلى الله عليه و آله) كما في الاستيعاب، قال: و قد روىٰ عنه (صلى الله عليه و آله) نحو أربعة أحاديث، و كان محبّاً في علي (عليه السلام)، و كان من أصحابه في مشاهدة، و كان ثقةً مأموناً يعترف بفضل الشيخين إلّا أنّه كان يقدّم عليّاً (عليه السلام) (2). و يقال (3): أنّه أدرك من حياة النبيّ (صلى الله عليه و آله) ثمان سنين، و كان مولده في عام الفيل، و مات سنة مائة أو نحوها انتهى. و في مختصر الذهبي هكذا: و كان أبو الطفيل من محبّي علي، و به خُتم

____________

(1) بحار الأنوار 53: 129.

(2) الاستيعاب 3: 15.

(3) و القائل هو ابن الأثير في جامع الأُصول، راجع التعليقة على اختيار معرفة الرجال 1: 309، و رجال الشيخ: 47.

28

الصحابة في الدنيا، مات سنة عشر و مائة (1) انتهى. و هذان الكتابان و هما الاستيعاب و المختصر من كتب رجال العامّة. و في الكشّي في ترجمة عامر بن واثلة أبي الطفيل هذا بإسناده إلى شهاب بن عبد ربّه «قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): كيف أصبحت جعلت فداك؟ قال: أصبحت أقول كما قال أبو الطفيل، يقول

و إنّ لأهل الحقّ لا بدّ من دولة * * * على الناس إيّاها أُرجّي و أرقب

ثمّ قال: أنا و اللّٰه ممّن يرجي و يرقب» و كان يقول: ما بقي من السبعين غيري (2). و أراد بهم الذين قتلوا مع الحسين (عليه السلام)، و يظهر منه أنّه من أصحابه (عليه السلام) أيضاً، و من كلامه

و بقيت سهماً من الكنانة واحداً * * * سترمي به أو يكسر السهم كاسره (3)

و كان يحفظ الأحاديث على ما يكون، و لا يخلي دخول الغلط فيها. و من لطيف ما وقع بين محمّد بن علي بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقّب بمؤمن الطاق و بين أبي حنيفة أنّه قال له يوماً: يا أبا جعفر تقول بالرجعة؟ فقال: نعم، فقال له: أقرضني من كيسك هذا خمسمائة دينار، فإذا عدت أنا و أنت رددتها إليك، فقال له في الحال: أُريد ضميناً يضمن لي أنّك تعود إنساناً، فإنّي أخاف أن تعود قرداً فلا أتمكّن من استرجاع ما أخذت منّي (4). ثمّ من العجب أنّ هذا الرجل الناصبيّ المعتزليّ صاحب التفسير يفوه بكلّ ما خطر بباله و لا يراعي ما عليه من مآله، و لعلّه ذهب عنه ما نقلوه في كتبهم أنّ المهدي (عليه السلام) إذا خرج نزل عيسى (عليه السلام) فصلّى خلفه، و نزوله إلى الأرض رجوعه إلى الدنيا بعد موته؛ لأنّه تعالى قال: «إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رٰافِعُكَ إِلَيَّ» (5) أ لا يرى الىٰ قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقٰالَ لَهُمُ اللّٰهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيٰاهُمْ» (6) فهؤلاء ماتوا ثمّ رجعوا إلى الدنيا، و قال اللّٰه تعالى في

____________

(1) راجع تهذيب التهذيب لابن حجر 5: 82.

(2) اختيار معرفة الرجال 1: 308 309.

(3) اختيار معرفة الرجال 1: 308 309.

(4) رجال النجاشي: 326.

(5) آل عمران: 55.

(6) البقرة: 243.

29

قصّة عُزير و إرميا على الاختلاف: «فَأَمٰاتَهُ اللّٰهُ مِائَةَ عٰامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» (1). قال هذا الرجل المنكر للرجعة في تفسيره المذكور: إنّه كان كافراً بالبعث، و هو الظاهر لانتظامه مع نمرود في سلك، ثمّ قال: و قيل: هو عُزير أو الخضر (2). أقول: و على الأقوال فهذا مات مائة عام، ثمّ رجع إلى الدنيا و بقي فيها ثمّ مات بأجله. و قال صاحب التفسير بعد قوله تعالى: «وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّٰاسِ» قيل: أتى قومه راكب حماره و قال: أنا عزير، فكذّبوه، فقال: هاتوا التوراة، فأخذها يهذّها هذّاً عن ظهر القلب و هم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفاً، فقالوا: هو ابن اللّٰه. و لم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير، فذلك كونه آية، و قيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً و هو شابّ، فإذا حدّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة (3) انتهى. و في قصّة المختارين من قوم موسى لميقات ربّه «ثُمَّ بَعَثْنٰاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (4) فأحياهم فرجعوا إلى الدنيا فأكلوا و شربوا و نكحوا و ولد لهم الأولاد و بقوا فيها ثمّ ماتوا بآجالهم، و كذلك جميع الموتى الذين أحياهم اللّٰه لعيسى (عليه السلام) رجعوا إلى الدنيا و بقوا فيها ثمّ ماتوا، و قصّة أصحاب الكهف معروفة، و الرواية النبويّة: «كلّ ما كان في الأُمم السالفة يكون في هذه الأُمّة مثله حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة» (5) مشهورة، و سائر الأقاصيص في محالّها مسطورة. و ليس ينبغي أن يعجب من ذلك فضلًا عن أن ينكر، فإنّ الأُمور المجهولة العلل لا يعجب منها في شريعة العقل، فكيف يعجب منها في طريقة النقل؟! أ لا يرى إلى قول باب مدينة العلم و قد سبق: «هذا علم يسع الناس جهله، و ردّ علمه إلى اللّٰه تعالى» (6) مع أنّ بعض علله كفوز الأولياء بثواب النصرة و المعونة

____________

(1) البقرة: 259.

(2) الكشاف 1: 389.

(3) الكشاف 1: 390 391.

(4) البقرة: 56.

(5) مسند أحمد بن حنبل 2: 325 و 327 و 336 و غيرها.

(6) بحار الأنوار 53: 129.

30

و بهجتهم بظهور الدولة و السلطنة و الانتقام من الأعداء و نيلهم بعض ما يستحقّونه من العقاب و الذلّة. إلى غير ذلك من البواعث في الحكمة في الأخبار مذكور و في الآثار مسطور، و قد سبق في الخبر الأوّل، و له نظائر لا يسع ذكرها المقام، و الصلاة على محمّد و آله خير البريّة و الأنام.

تنبيه نبيه [وجوب حفظ النفس و دفع الضرر عنها]

لا شبهة في وجوب حفظ النفس مهما أَمكن، و دفع الضرر المظنون عنها، بل ما يحتمل الضرر مطلقاً كما يحكم به العقل، من غير توقّفه في شيء منه على ورود النقل، و لذا لا يشرب العاقل مثلًا السمّ القاتل إلّا و يُلام عليه، و كذا لا يلقي بنفسه إلى التهلكة و يتحرّز عن المؤذيات عامّةً، ورد به الشرع أو لم يرد، علم بما فيه أم لم يعلم، فإذا طلب طالبٌ عن أحدٍ نفسه وجب على المطالب نفسه دفعه إن أمكنه و إلّا وجب عليه الهرب منه؛ لأنّه أحد أفراد ما يدفع به عن النفس الواجب حفظها عقلًا. و في حكم طلبه النفس طلبه الفساد بالحريم في وجوب دفعه إن أمكنه، و كذلك وجب عليه الدفع عن الأقارب و أخيه المؤمن، مع القدرة و الأمن من الضرر و ظنّ السلامة، معتمداً في الدفاع على الأسهل فالأسهل كالصياح في الخصام ثمّ الضرب ثمّ الجرح ثمّ التعطيل بقطع جوارحه بحيث يصير معطّلًا عن المجادلة و المقاومة، فإن لم يندفع إلّا بالقتل كان دمه هدراً و قتله واجباً. نعم لا يجب الابتداء و المبادرة إليه إلّا مع العلم و الظنّ الغالب بقصده، ثمّ لو كفَّ كفّ عنه، و لو عاد عاد إليه، كلّ ذلك بالعقل، و لذا لو قصّر الدافع و قد أمكنه الدفع ليم و سفّه، مع قطع النظر عن ورود الشرع بذلك، و لذلك شاع و ذاع في سائر أصناف الناس الغير المتشرّعين بل في الأعاجم من الحيوانات، و لذا يذبّ عنه و عمّا ولد عنه و عن حماه و حريمه بقدر الإمكان، و إلّا فرّ ثمّ كرّ الىٰ أن يغلب أو يُغلب، و هذا مشاهد محسوس.

31

فما نقله في الكشّاف: قيل: كان هابيل أقوى من قابيل، و لكن تحرّج عن قتله و استسلم له خوفاً من اللّٰه؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت، أو تحرّياً لما هو الأفضل، قال (عليه السلام): «كن عبد اللّٰه المقتول، و لا تكن عبد اللّٰه القاتل» (1) محلّ نظر؛ إذ التسليم غير ظاهر، و كذا كونه مباحاً، فإنّ وجوب حفظها عقليّ كما سبق، و لا يمكن إباحة التسليم الذي ينافيه بل هو قتل النفس. و قوله: «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مٰا أَنَا بِبٰاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخٰافُ اللّٰهَ رَبَّ الْعٰالَمِينَ» (2) لا يدلّ على التسليم، بل يدلّ على عدم بسطه يده بقصد قتله لا للدفع أيضاً، و هو ظاهر حسن مطابق لما سبق من أنّ المظلوم إنّما يحسن منه قتل الظالم على وجه المعارضة و المدافعة طلباً للتخلّص من غير أن يريد قتله و يقصده، و لعلّه لذلك نسبه إلى القيل. و كذا الحال فيما قيل لينصر (3) به القيل: إذا كان حفظ النفس مستلزماً للدفع المستلزم لقتل نفس آخر، فكونه حينئذٍ عقليّاً في محلّ المنع، كما إذا أمر حاكم الجور بقتل مؤمن فإنّه لا يجوز كما صرّح به الفقهاء؛ لأنّه لا تقيّة في الدماء، مع أنّه يستلزم حفظ نفسه، فإنّ حاكم الجور إذا أمر بقتل مؤمن فإنّما لا يجوز قتله لأنّه لا يقصد قتل المأمور و لا ضرره. نعم يجب على المأمور أن يدفع الآمر عن نفسه أو يقتله مع الإمكان و أمن الضرر و ظنّ السلامة، و يهرب عنه لو أراد نفسه أو ماله أو حريمه، أو نفس أخيه المؤمن أو ماله أو حريمه. ثمّ لمّا كان هابيل على ما اعترفوا به أقوى من قابيل و أشدّ منه و أبطش، و أراد أن يتحرّى ما هو أفضل، كان عليه أن يدفعه عن نفسه من غير أن يقتله، بل بأحد من الأنحاء المذكورة، و لا أقلّ من أن يحبسه أو يكتفه أو يربطه. إلى غير ذلك، فإنّه كان سبباً لحياة نفسين و هو أحرى من التسليم المنافي لوجوب حفظها. و أمّا الخبر فعلى تقدير ثبوته و صحّته، فلعلّ المراد به النهي عن الإقدام الى

____________

(1) الكشّاف 2: 606 607.

(2) المائدة: 28.

(3) هذا الناصر هو الفاضل القاساني في بعض حواشيه «منه».

32

القتل ابتداءً من دون سابقة العلم بقصده، فإن أدّى تركه قتله حينئذ إلى قتله، فكونه مقتولًا في تلك الصورة خير من كونه قاتلًا بدون العلم أو الظنّ بقصده، أو المراد كن عبد اللّٰه الذي قتل نفسه و غلب هواه و سلب مناه فصار كأنّه مقتول نفسه، و لا تكن عبد اللّٰه الذي غلبه هواه و سلبه مناه فصار بذلك كأنّه قاتل غيره. و الأظهر أنّ معناه: إذا أُمرت بقتل من لا يجوز قتله شرعاً فلا تقتله، فإن أفضى ذلك إلى قتلك فكن عبد اللّٰه المقتول و لا تقدم إلى قتله فتكون عبد اللّٰه القاتل، و لذا حرم على المكره القتل، و أُوجب عليه القصاص. و بالجملة: إذا كان أمر الإنسان دائراً بين أن يكون قاتلًا بغير حقّ و مقتولًا مظلوماً فليكن مقتولًا و لا يكن قاتلًا، إذ لا تقيّة في الدماء، و الصلاة على محمّد و آله الأتقياء.

[تحقيق حول آية المتعة]

قال البيضاوي بعد كريمة «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» (1): أنّها نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيّام حين فُتحت مكّة ثمّ نُسخت، كما روي «أنّه (صلى الله عليه و آله) أباحها ثمّ أصبح يقول: أيّها الناس إنّي كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألٰا إنّ اللّٰه تعالى حرّم ذلك إلى يوم القيامة» (2). و قال الزمخشري في الكشّاف: كان الرجل ينكح وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أُسبوعاً بثوب أو غير ذلك، و يقضي منها وطره ثمّ يسرحها، ثمّ نقل الرواية المذكورة (3). أقول: هذه الرواية و المشهورة بين الفريقين «عن ابن الخطّاب أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّٰه حلالًا و أنا أنهى عنهما و أُعاقب عليهما» (4) متناقضتان، إذ الأُولىٰ صريحة في عدم بقاء المتعة إلى زمان عمر بل تدلّ على

____________

(1) النساء: 24.

(2) أنوار التنزيل 1: 269.

(3) الكشاف 1: 519.

(4) سنن البيهقي 7: 206.

33

نسخها في عهد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) حيث أصبح يخاطب الناس بإسناد تحريمها إليه تعالى من وقته الىٰ يوم القيامة، و المشهورة عنه صريحة في بقائها و شهرتها إلى زمنه حيث أسند تحريمها و النهي عنها و المعاقبة عليها الىٰ نفسه بضرب من الرأي، فلولا بقاؤها و انتشارها بينهم في زمانه و فعلهم إيّاها في هذا الزمان لما كان لقوله: «أنا احرّمهما» (1) كما في رواية، أو «أنا أنهى عنهما و أُعاقب عليهما» (2) كما في الرواية المذكورة معنى. و كذلك ما في الكشّاف عن عمر أنّه قال: لا اوتي برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلّا رجمتهما بالحجارة (3). و ما في تفسير الثعلبي عن عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب اللّٰه تعالى و لم تنزل بعدها آية تنسخها، فإنّا أمرنا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) فتمتّعنا مع الرسول، فمات و لم ينهنا عنها، فقال رجل بعده برأيه ما شاء (4). و ما في صحيح الترمذي: أنّ رجلًا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء، فقال: هي حلال، فقال: إنّ أباك قد نهىٰ عنها، فقال: أ رأيت إن كان أبي نهىٰ عنها و سنّها رسول اللّٰه أترك السنّة و نتّبع قول أبي (5)؟ و ما في نهاية ابن الأثير عن ابن عبّاس: ما كانت المتعة إلّا رحمة رحم اللّٰه بها امّة محمّد، و لو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلّا شفا أي قليلًا من الناس (6). و ما في رواية الحكم بن عتيبة و هو من أكابر أهل السنّة قال: قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): لولا أن نهى عن المتعة ما زنىٰ إلّا شقيّ (7). و ما في النقل المشهور أنّ يحيى بن أكثم قال لشيخ من البصرة: بمن اقتديتم في تحليل المتعة؟ فقال: بعمر بن الخطاب؛ لأنّه قال: إنّ اللّٰه و رسوله أحلّا لكم متعتين و أنا احرّمهما عليكم و أُعاقب عليهما، فقبلنا شهادته، و لم نقبل تحريمه.

____________

(1) رواه البيهقي في سننه 7: 206.

(2) رواه البيهقي في سننه 7: 206.

(3) الكشاف 1: 519.

(4) صحيح مسلم 2: 900 ح 172.

(5) صحيح الترمذي 1: باب ما جاء في التمتع، شرح معاني الآثار للطحاوي: 373.

(6) نهاية ابن الأثير 2: 488.

(7) التفسير الكبير للرازي 9: 50.

34

و ما في صحيح مسلم بن حجّاج عن ابن جريح، قال عطاء: قدم جابر بن عبد اللّٰه معتمراً، فجئنا منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثمّ ذكر المتعة، فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و أبي بكر و عمر (1). كلّها صريحة في بقائها إلىٰ زمانه، فالمنافاة ظاهرة. و أيضاً فما فائدة هذا التزويج المؤجّل بعد نسخة إلى زمن الثاني حتّى يستوجب فاعله الرجم بالحجارة أو المعاقبة؟ و هل فرق بعد نسخه بينه و بين الزنا؟ فلولا أنّ غرضهم إباحة الفروج به و التسنّن بسنّة النبيّ (صلى الله عليه و آله) لما فعلوه الىٰ وقت نهيه، و خاصّة كبار الصحابة الموثّقين كعبد اللّٰه بن عباس و من في طبقته، حيث قالوا: إنّها لم تنسخ و كانوا يقرءون: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى، على ما في الكشاف. و في تفسير الثعلبي عن أبي نصر قال: سألت ابن عبّاس عن المتعة، فقال: أما قرأت سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال: أما تقرأ: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى؟ قلت: لا أقرأ هكذا، قال ابن عبّاس: و اللّٰه هكذا أنزله اللّٰه عزّ و جلّ ثلاث مرّات (2). و أمّا رجوعه عن القول بالمتعة و توبته عند موته بقوله: اللهمّ إنّي أتوب إليك من قولي بالمتعة و قولي بالصرف على ما نسب إليه الزمخشري (3) و البيضاوي (4) فمع كونه بعيداً عنه غاية البعد غير ثابت و لا دافع للمنافاة كما لا يخفىٰ، و كيف يصحّ منه الرجوع و التوبة عنه عند موته مع عدم ظهور دليل خلافه في حياته؟ و ظهور دليله عند الموت و كونه مخفياً عليه و على غيره حتّى يمنعوه عنه الىٰ حين موته بعيد، بل ممتنع عادةً. علىٰ أنّ إسناد الثاني التحريم إلى نفسه في الرواية المشهورة عنه منافٍ أيضاً لما في الرواية الاولىٰ من إسناده إليه تعالى، و هو ظاهر. و بالجملة فبين تلك الروايات الواردة في طريقهم من التدافع

____________

(1) صحيح مسلم 2: 1023 ح 15.

(2) كتاب السبعة من السلف: 72 عن تفسير الثعلبي.

(3) الكشّاف 1: 519.

(4) أنوار التنزيل 1: 269.

35

و التناقض ما لا يخفىٰ. و العجب إنّ الزمخشري و البيضاوي مع نقلهما رواية الرجم بالحجارة لم يتفطّنا بذلك و لم يتصدّيا لدفعه، و أنّى لهما ذلك و قد ورد في طريقهما عن علي (عليه السلام) «أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) نهى عن متعة النساء يوم خيبر» (1). و رووا عن الربيع بن سبرة عن أبيه، «قال: شكونا العزبة في حجّة الوداع، فقال: استمتعوا من هذه النساء، فتزوّجت امرأة، ثمّ غدوت على رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و هو قائم بين الركن و الباب و هو يقول: كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع، ألا و إنّ اللّٰه قد حرّمهما إلى يوم القيامة» (2). و اللازم من الروايتين نسخها مرّتين؛ لأنّ إباحتها في حجّة الوداع أوّلًا ناسخة لتحريمها يوم خيبر و يوم فتحت مكّة، و لا قائل به، و الآية كما قيل ظاهرة في المتعة، و القراءة المنقولة صريحة فيها، و الإجماع واقع على أنّها سائغة، و كذلك الروايات فالكتاب و السنّة و الأُمّة متّفقة على جوازها، و اختلفت الأُمّة في بقائها، و الأصل و الاستصحاب و عدم دليلٍ واضحٍ على النسخ و كونه خلاف الأصل مع الخلاف في جواز نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة و عدم الإجماع مع عدم العلم بالتواتر منّا و عدم جوازه بالخبر الواحد على تقدير صحّته و ثبوته بالعقل و النقل من الإجماع و غيره دليل البقاء، و الحمد للّٰه ما دامت الأرض و السماء، و الصلاة على أشرف الأنبياء محمّد و آله المعصومين الامناء.

[تحقيق حول حديث الإفك]

قال آية اللّٰه العلّامة في جواب مسألة سُئل عنها بهذه العبارة: ما يقول سيّدنا العلّامة في قصّة الإفك و الآيات التي نزلت ببراءة المقذوفة، هل ذلك عند أصحابنا في عائشة أم نقلوا أنّ ذلك كان في غيرها من زوجات سيّدنا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)؟: ما عرفت لأحد من العلماء خلافاً في أنّ المراد بها عائشة (3).

____________

(1) صحيح مسلم 2: 1027.

(2) صحيح مسلم 2: 1025.

(3) أجوبة المسائل المهنائيّة: 121.

36

أقول: هذا جواب غريب، و صدور مثله عن مثله أمر عجيب؛ لأنّ في تفسير علي بن إبراهيم الثقة: أنّ العامّة روت (1) أنّها نزلت في عائشة و ما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، و أمّا الخاصة فإنّهم رووا أنّها نزلت في مارية القبطيّة و ما رمتها به عائشة (2). و هذا صريح في أن لا خلاف بين أصحابنا في أنّ المراد بها مارية. روىٰ روّح اللّٰه روحه بإسناده عن ابن بكير عن زرارة «قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لمّا مات إبراهيم ابن رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) حزن عليه حزناً شديداً، فقالت عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلّا ابن جريح! فبعث رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) عليّاً (عليه السلام) و أمره بقتله، فذهب علي (عليه السلام) إليه و معه السيف، و كان جريح القبطي في حائط، فضرب علي (عليه السلام) باب البستان، فأقبل إليه جريح ليفتح له الباب، فلمّا عرف علياً (عليه السلام) عرف في وجهه الغضب، فأدبر راجعاً و لم يفتح باب البستان، فوثب علي (عليه السلام) على الحائط و نزل إلى البستان و اتبعه، و ولّى جريح مدبراً، فلمّا خشي أن يرهقه صعد في نخلة و صعد علي (عليه السلام) في أثره، فلمّا دنا منه رمىٰ جريح نفسه من فوق النخلة، فبدت عورته فإذا ليس له ما للرجال و لا ما للنساء، فانصرف علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّٰه إذا بعثتني في أمرٍ أكون فيه كالمسمار المحمي في الوبر أم أتثبّت؟ فقال (صلى الله عليه و آله): لا بل تثبّت، فقال (عليه السلام): و الذي بعثك بالحقّ ماله ما للرجال و ما له ما للنساء، فقال (صلى الله عليه و آله): الحمد للّٰه الذي يصرف عنّا السوء أهل البيت» (3). و فيه و فيما سيأتي إشكال، إذا تأمّله عاقل يعرفه، و يعرف بتأمّله دفعه. و في بعض التفاسير: «أنّ قوله تعالىٰ: «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» (4) نزل في من قال للنبيّ (صلى الله عليه و آله): إنّ مارية أُمّ إبراهيم يأتيها ابن عمٍّ لها قبطيّ، فدعا رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) عليّاً (عليه السلام)، فقال: يا أخي خذ هذا السيف فإن وجدته عندها فاقتله،

____________

(1) في التفسير: رووا.

(2) تفسير علي بن إبراهيم القمّي 2: 99.

(3) تفسير القمّي 2: 99 100.

(4) الحجرات: 6.

37

فقال: يا رسول اللّٰه أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكّة المحماة أمضي ما أمرتني أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: بل الشاهد يرىٰ ما لا يرى الغائب، قال: فأقبلت متوشّحاً بالسيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلمّا عرف أُريده أتى نخلةً فرقي إليها، ثمّ رمىٰ بنفسه على قفاه و شغر برجليه، فإذا أنّه أجبّ أمسح ماله ممّا للرجال قليل و لا كثير، فرجعت فأخبرت النبي (صلى الله عليه و آله)، فقال: الحمد للّٰه الذي يصرف عنّا السوء أهل البيت» (1). و المشهور أنّ هذه الآية نزلت في واقعة الوليد بن عتبة بن أبي معيط، حيث بعثه النبيّ (صلى الله عليه و آله) إلى بني المصطلق مصدّقاً، فلمّا قرب الىٰ ديارهم ركبوا مستقبلين فظنّهم مقاتليه، فرجع و أخبر النبيّ (صلى الله عليه و آله) بأنّهم ارتدّوا، فأُمر المؤمنون بالتثبّت و التوقّف ليعلموا فسقه و عدمه. و الحقّ ما ذكره القمّي طاب ثراه. و علىٰ تقدير كون تلك الآيات نازلة في عائشة و براءتها لا تدلّ على مكانتها و منزلتها، بل ما كان ذلك إلّا لإظهار منصب الرسول و إعلاء منزلته كما سيأتي. و المراد بالإفك: الكذب العظيم، واصلة من الإفك و هو القلب؛ لأنّه قول مأفوك عن وجهه. و سببه على المشهور بين الجمهور: أنّ عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، و كانت قد خرجت لقضاء حاجة، فرجعت طالبة له، و حمل هودجها علىٰ بعيرها ظنّاً منهم أنّها فيها، فلمّا عادت إلى الموضع وجدتهم قد رحلوا، و كان صفوان من وراء الجيش، فلمّا وصل الىٰ ذلك الموضع و عرفها أناخ بعيره حتّى ركبته و هو يسوقه حتّى أتى الجيش و قد نزلوا قائم الظهيرة، و كان عتبة بن أبي معيط (2) رأس أصحاب الإفك، و كان يجتمع الناس عنده فيحدّثهم بحديث الإفك و يشيعه بين الناس، و كان يقول: امرأة نبيّكم باتت مع رجلٍ حتّى أصبحت ثمّ جاء يقودها، و اللّٰه ما نجت منه و لا نجى منها (3).

____________

(1) مجمع البيان 5: 132.

(2) في «خ»: عبد اللّٰه بن ابيّ.

(3) التفسير الكبير للفخر الرازي 23: 175.

38

فإن قلتَ: هل تجب عصمة نساء الأنبياء من الزنا فلا يجوز ذلك عليهنّ أم يجوز و لكنّه لم يقع منهنّ؟ قلتُ: لو لم يجز لكان على رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) حين قُذفت زوجته أن يخبر بأنّه لا يجوز عليها، و لكنّه بقي أيّاماً و الناس يخوضون فيه الىٰ أن نزل الوحي ببراءتها، و كيف لا يجوز و قد قال اللّٰه تعالىٰ: «يٰا نِسٰاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ إلى قوله فَلٰا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» (1) الآيات؟ و لذلك لم يشترط أحد من العلماء عصمتهنّ عنه، و لكنّ اللائق بمنصب النبوّة نزاهتهنّ عنه و سلامتهنّ منه، و لم يقع من واحدة منهنّ، فعن ابن عبّاس: ما زنت امرأة نبيٍّ قطّ (2). و أمّا ما توهّم من قوله تعالى: «يٰا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صٰالِحٍ» (3) أنّه يدل على تلوّث ذيلها و تدنّس إزارها و قذارة ثيابها، و لذا نقل عن الحسن و مجاهد أنّه ما كان ابنه على الحقيقة و إنّما ولد على فراشه فقال: يا «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» على ظاهر الحال فأعلمه تعالى بأنّ الأمر على خلاف الظاهر (4)، فهو فاسد يأباه «وَ نٰادىٰ نُوحٌ ابْنَهُ» (5) مع أنّ الأنبياء يجب أن ينزّهوا عن مثل هذه الحال لأنّها تنفر و تشين، و قد نزّه اللّٰه أنبياءه عمّا دون ذلك توقيراً لهم و تعظيماً ممّا ينفر من القبول و خاصّة على مذاهب أهل الحقّ، فالمراد أنّه ليس على دينك، فكان كفره أخرجه أن يكون له أحكام أهله. روى الحسن بن علي الوشّاء «عن الرضا (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: قال أبي: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ اللّٰه عزّ و جلّ قال لنوح: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» لأنّه كان مخالفاً له، و جعل من اتّبعه من أهله، قال: و سألني كيف تقرؤون هذه الآية في ابن نوح؟ فقلت: يقرؤها الناس على وجهين: إنَّهُ عملٌ غَيرُ صالح، و إنَّهُ عَمِلَ غَيرَ

____________

(1) الأحزاب: 30 33.

(2) مجمع البيان 3: 167.

(3) هود: 46.

(4) مجمع البيان 3: 167 عنهما.

(5) هود: 42.

39

صالح، فقال: كذبوا، هو ابنه و لكنّ اللّٰه عزّ و جلّ نفاه عنه حين خالفه في دينه» (1). و يحتمل أن يكون المراد أنّه ليس من أهلك الذي وعدتك بنجاتهم معك؛ لأنّه ثقة استثني من أهله الذين وعده أن ينجيهم من أراد إهلاكه بالغرق، فقال: «إِلّٰا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ» (2) و قيل: إنّه كان ابن امرأته و كان ربيبة. قال السيّد المرتضى: إنّ التقدير أنّ ابنك ذو عملٍ غير صالح، أي صاحب عملٍ غير صالح، و استشهد عليه بقول الخنساء

ترتعُ ما رَتعت حتّى إذا ادَّكرتْ * * * فإنّما هي إقبالٌ و إدبارُ (3)fn}~fn

}

و أما قوله تعالى حكاية عن امرأة نوح: «امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كٰانَتٰا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبٰادِنٰا صٰالِحَيْنِ فَخٰانَتٰاهُمٰا» (4) فقال ابن عبّاس: كانت امرأة نوح كافرة تقول: إنّه مجنون و إذا آمن بنوح أحدٌ أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، و كانت امرأة لوط تدلّ على أضيافه، فكان ذلك خيانتهما. و قيل: كانت خيانتهما النميمة، إذا أوحى اللّٰه إليهما أفشتاه إلى المشركين (5). و قال صاحب الكشّاف: و لا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور؛ لأنّه سمج في الطباع نقيصة عند كلّ أحد، بخلاف الكفر فإنّ الكفّار لا يستسمجونه بل يستحسنونه و يسمّونه حقّا (6). هذا ما عندنا و العلم عند اللّٰه و عند أهله.

[تحقيق حول المراد من السلطان في حديث السكوني]

قال القاساني في الوافي في باب من يصلّي على الميّت بعد نقل رواية النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا حضر سلطان من سلطان اللّٰه جنازة فهو أحقّ بالصلاة عليها إن قدّمه وليّ الميت، و إلّا فهو غاصب» (7): أراد بسلطان اللّٰه الإمام المعصوم (عليه السلام)، فإنّ سلطنته من قبل

____________

(1) عيون أخبار الرضا 2: 75 76 ح 3.

(2) هود: 42.

(3) أمالي السيّد المرتضى 2: 146.

(4) التحريم: 10.

(5) مجمع البيان 5: 319.

(6) الكشّاف 4: 131.

(7) تهذيب الأحكام 3: 206 ح 37.

40

اللّٰه عزّ و جلّ على عباده، و سلطنته ذاتيّة حقيقيّة، و جواب الشرط في قوله (عليه السلام) «إن قدّمه» محذوف، يعني: إن قدّمه فقد قضى ما عليه، و إلّا فقد غصب حقّ الإمام (عليه السلام). أقول: و فيه أنّ المتبادر من قوله: «إنّ قدّمه وليّ الميت» أنّه شرط لقوله: «أحقّ بالصلاة عليها» كما هو الأصحّ من مذهب الكوفيّين المجوّزين تقدّم الجزاء على الشرط؛ إذ ليس عندهم للشرط صدارة كما في قول القائل لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار، و أمّا عند البصريّين المعتبرين له صدر الكلام فالمتقدّم قرينة الجزاء و دليل عليه، أي: إذا حضر السلطان جنازة فإن قدَّمه الوليّ فهو أحقّ بها عليها، و إلّا فهو غاصب. نعم لو كان الكلام هكذا: «فإن قدّمه الولي» بالفاء لكان لما ذكره احتمال، و ليس فليس. و الظاهر أنّ المراد بالسلطان من له سلطنة شرعيّة على قوم، لا من له رئاسة عامّة كنائب الإمام خاصّاً أو عامّاً كالقضاة و الفقهاء الجامعين المؤتمنين، فإذا حضر واحد منهم جنازة و قدّمه الوليّ بأن أذن له للصلاة فهو أحقّ بها علىٰ من غيره ممّن ليست له السلطنة الكذائيّة، و إن أذن له الوليّ أيضاً كما إذا كانوا جماعة بعضهم موصوف بالسلطنة الشرعيّة و بعضهم لا و الوليّ أذن لهم جميعاً، فمن له السلطنة فهو أحقّ بها عليها في تلك الصورة، و إلّا أي و إن لم يقدّمه الولي بأن لا يأذن له بل تقدّم هو بمحض سلطنته و مجرّد ولايته الكذائيّة من دون أن يأذن له وليّ الميت فهو غاصب لحقّه؛ لأنّه ليست له هذه الولاية بحسب أصل الشرع. و على هذا فمرجع الضميرين أعني: هو و هو أمر واحد. و هذا معنىً ظاهر صحيح لا حاجة في تصحيحه الىٰ أن يصرف الكلام عن وجهه، فليحمل عليه حيث لا مانع منه. ثمّ الدليل على أنّ المراد بالسلطان في هذا الخبر غير المعصوم زائداً على ما مرّ، قوله (عليه السلام): «إن قدّمه وليّ الميّت» فإنّ المعصوم لا يحتاج إلى التقديم و الإذن من الوليّ كما هو صريح رواية طلحة بن زيد، عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا حضر

41

الإمام الجنازة فهو أحقّ الناس بالصلاة عليها» (1) و لأنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و الإمام قائم مقامه، و لذلك ذهب كثير من فقهائنا إلى عدم احتياجه إلى الإذن. نعم ذهب الشيخ في المبسوط (2) إلىٰ أنّه يحتاج إليه، و استدل عليه بهذا الخبر، و هو حجّة عليه؛ لأنّ تنكير «سلطان» يفيد الكثرة و العموم فيشمل غير المعصوم (عليه السلام) فليحمل عليه لما أشرنا إليه، و لأنّ السكوني و إن وثّقه السيّد السند الداماد في الرواشح (3) و بالغ فيه بما لا مزيد عليه إلّا أنّه عاميّ ضعيف كما هو المشهور، و كذلك الحسين بن يزيد النخعي المعروف بالنوفلي من أصحاب الرضا (عليه السلام) و إن كان شاعراً أديباً إلّا أنّ قوماً من القمِّيين رموه بالغلو في آخر عمره (4). و ظاهر أنّ الجرح مقدّم على التعديل، بل على فرض ثبوته و هم لم يوثّقوه و لم يمدحوه سوى أنّه شاعر أديب، و هذا لا يفيد توثيقه، مع أنّ السند يتبع أخسّ رجاله، و حال السكوني معروفة فلا يقوم خبره حجّة، و لا يعارض خبره خبر طلحة و لا الآية. ثمّ أنت خبير بأنّ استدلال الشيخ بالخبر على ما ادّعاه مبنيّ على أنّه جعل «إن قدّمه وليّ الميّت» شرطاً لأحقّ بالصلاة عليها، و أرجع الضمير في الموضعين إلى السلطان، و نسب الغصب إليه لا إلى الوليّ، و هذا كلّه صحيح صريح فيما قلناه. نعم في حمله السلطان على إمام الأصل ثمّ في القول باحتياجه إلى الإذن نظر مرَّ وجهه، فتذكّر ثمّ تفكّر.

[تحقيق حول ابتلاءات أيّوب (عليه السلام)]

قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنّ أيّوب (عليه السلام) مع جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة، و لا قبحت له صورة، و لا خرجت منه مدّة من دم و لا قيح، و لا استقذره أحد رآه،

____________

(1) فروع الكافي 3: 177 ح 4.

(2) المبسوط 1: 183.

(3) الرواشح: 56 58.

(4) انظر رجال النجاشي: 38.

42

و لا استوحش منه أحد شاهده، و لا تدوّد شيء من جسده، و هكذا يصنع اللّٰه عزّ و جلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه و أوليائه المكرمين عليه، و إنّما اجتنبه الناس لفقره و ضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بماله عند ربّه تعالى ذكره من التأييد و الفرج» الحديث (1). و روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضّال عن عبد اللّٰه بن بحر عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال: «قال إبليس: يا ربّ سلّطني على بدنه، فسلّطه على بدنه ما خلا عقله و عينيه، فنفخ فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه، فبقي في ذلك دهراً طويلًا يحمد اللّٰه و يشكره، حتى وقع في بدنه الدود، و كانت تخرج من بدنه فيردّها و يقول لها: ارجعي إلى موضعك الذي خلقك اللّٰه منه، و نتن حتى أخرجوه (2) أهل القرية من القرية، و ألقوه في مزبلة خارج القرية، و كانت امرأته رحيمة بنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق (صلوات اللّٰه عليهم) تتصدّق من الناس و تأتيه بما تجده، قال: فلمّا طال عليه البلاء، و رأىٰ إبليس صبره، أتى أصحاباً لأيّوب كانوا رهباناً في الجبال، و قال لهم: مرّوا بنا إلى هذا العبد المبتلى فنسأله عن بليّته، فركبوا بغالًا شهباء و جاءوا، فلمّا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه، فنظر بعضهم إلى بعض ثمّ مشوا إليه» الخبر (3). أقول: الرواية الأُولىٰ هي المطابقة لما عليه إطباق المتكلّمين من وجوب كون النبيّ منزَّهاً عن كلّ ما تنفر عنه الطباع كالجذام و البرص و سلس البول و الريح و شبهها من الأمراض المنفّرة كما صرّحوا به في كتبهم الكلاميّة، و أمّا الثانية و هي المشهورة بين الجمهور حتّى نقل مضمونها جامع قصص الأنبياء فيها مع شيء زائد، فهي مع كونها مخالفة لقواعدهم و مناقضة للأُولى، ضعيفة بعبد اللّٰه بن بحر الكوفي كما صرح به الغضائري، حيث قال: عبد اللّٰه بن بحر كوفيّ، روىٰ عن أبي بصير، ضعيف مرتفع القول (4). و كذلك الحسن بن علي بن فضّال الكوفي فطحيّ،

____________

(1) الخصال: 399 400.

(2) في التفسير: أخرجه.

(3) تفسير القمّي 2: 239 240.

(4) رجال العلّامة: ص 238.

43

و كان يقول بعبد اللّٰه بن جعفر قبل أبي الحسن (عليه السلام)، ثم رجع عنه على ما صرّح به الكشي (1). فإذا لم يمكن جمعها مع الأُولىٰ أو كان الجميع مؤدّياً إلى ما لا يدلّ اللفظ عليه أصلًا وجب طرحها. اعلم أنّ مؤلّف نور الثقلين بعد أن نقل الرواية الاولى في سورة الأنبياء (2) و الثانية في سورة ص (3) أمر في الحاشية بالتأمّل في الجمع بينهما، و هذا في الحقيقة أمر بالجمع بين النقيضين، و لذا قال في مجمع البيان بعد أن قال: قيل: اشتدّ مرضه حتّى تجنّبه الناس، فوسوس لهم الشيطان أن يستقذروه، و يخرجوه من بينهم، و لا يتركوا امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم: و أهل التحقيق لا يجوّزون أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها؛ لأنّ في ذلك تنفيراً، فأمّا المرض و الفقر و ذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه اللّٰه تعالى بذلك (4). و فيه إيماء لطيف إلى قبول الرواية الأُولىٰ و ردّ الثانية.

تنبيه

ظهر فساد ما قاله صاحب الكشّاف: فقد بلغ أمر أيّوب إلى أن لم يبق منه إلّا القلب و اللسان (5). و كذا عدم اعتبار ما قاله القاساني في الصافي في الجمع بين الروايتين: المراد ببدنه الذي قيل في الرواية الاولىٰ: إنّه المنتن رائحته، و لم يتدوّد بدنه الأصلي الذي يرفع من الأنبياء و الأوصياء إلى السماء الذي خُلق من طينة خُلقت منها أرواح المؤمنين، و ببدنه الذي قيل في هذه الرواية: إنّه أنتن و تدوّد بدنه العنصريّ الذي هو كالغلاف لذلك، و لا مبالاة للخواصّ به، فلا تنافي بين الروايتين (6). و ذلك لأنّه مع كونه مخالفاً لما أطبقوا عليه حيث إنّه جوّز كون بدنه العنصري منتناً متدوّداً و هم لا يجوّزون ذلك بعيد غاية البعد؛ إذ لا يخفى على ذي مسكة أنّ قوله (عليه السلام) في الرواية الأُولى: «و إنّما اجتنبه الناس لفقره و ضعفه» إنّما

____________

(1) اختيار معرفة الرجال 2: 837.

(2) نور الثقلين 3: 446 ح 126.

(3) نور الثقلين 4: 464 ح 69.

(4) مجمع البيان: 4: 478.

(5) الكشاف 3: 377.

(6) الصافي 4: 305.

44

يتصوّر له معنىً إذا حمل البدن على العنصري، فإذا ما اجتنبوه إنّما هو ذلك البدن لا بدنه الأصلي. و كذلك الاستقذار و الاستيحاش و الرؤية و المشاهدة و التدوّد و خروج الدم و القيح و نتن الرائحة و قبح الصورة إنّما يتصور بالإضافة الىٰ ذلك البدن، فإنّ عاقلًا لا يتوهّم أنّ بدنه الأصلي صار متّصفاً بتلك الصفات ليحتاج في دفعه إلى سلبها عنه، بل بدنه الأصلي الذي بدنه العنصري كالغلاف له ممّا لا يفهمه كثير من الناس؛ لكونه غير معروف بينهم و لا معهود، بل لا معنى له على قوانين الشرع؛ إذ المراد به كما يظهر منه (قدس سره) في بعض رسائله هو ما يتشكّل في عالم الخيال و المثال الذي هو برزخ جامع بين العالمين: عالمي الأرواح و الأجساد. قال في رسالة سمّاها بقرّة العيون: و إلى هذا العالم يترقّى المتروّحون في معارجهم الروحانيّة الحاصلة بالانسلاخ من هذه الصور الطبيعية العنصريّة، و اكتساء أرواحهم المظاهر الروحانية، و فيه تتشكّل النفوس الكاملة بصورهم المحسوسة في مكان آخر غير مكانهم الذي كانوا فيه، أو تتشكّل بإشكال غير إشكالهم المحسوسة و هم في دار الدنيا، و يظهرون لمن يريدون الظهور له، و بعد انتقالهم إلى الآخرة أيضاً لازدياد تلك القوّة بارتفاع المانع البدني. (1) إلى آخر ما قاله هناك. نعم لمّا كان المشهور بين الناس أنّ بدنه العنصري اتّصفت بتلك الصفات دفعه (عليه السلام) بهذا الكلام، و العلم عند اللّٰه و عند أهله محمّد و آله العلماء الكرام.

[تحقيق في سبب محو القمر]

قال صاحب التحفة: سبب محو القمر أنّ الأشعّة تنعكس من البخار و كرة البخار لصقالتهما انعكاساً بيّناً، و لا تنعكس كذلك من سطح الربع المكشوف لخشونته، فيكون المستنير من وجهه بالأشعّة المنعكسة من كرة البخار و سطوح أضوأ من المستنير بالأشعّة المستقيمة و المنعكسة من الربع المكشوف (2).

____________

(1) قرّة العيون للفيض الكاشاني: 362 ط سنة 1399 هبيروت.

(2) التحفة: مخطوط، الحديقة الهلاليّة: 119 عنها.

45

قال البهائي في الحديقة و الكشكول بعد نقله هذا الوجه: و أُورد عليه أنّ ثبات الانعكاس دائماً على نهج واحد مع اختلاف أوضاع الأشياء المنعكس عنها من الجبال و البحار في جانبي المشرق و المغرب مستحيل (1). قال صدر الدين محمّد علىٰ ما نُقل عنه في بعض الحواشي: و لا يخفى أنّ العلّامة قال بانعكاس الأشعّة من البحر المحيط و كرة البخار، و لا شكّ في عدم اختلاف وضع كلّ منهما شرقاً و غرباً، فلا يرد ما أُورد فتدبّر. أقول: و فيه أنّ العلّامة كما قال بانعكاسها منهما، كذلك قال بانعكاسها من سطح القمر المكشوف و فيه عمارات و جبال و تلال و وهاد، و في البحر مراكب و جزائر مختلف الهيئات و الأشكال، و لا شبهة في اختلاف أوضاعها بالنسبة إلى القمر شرقاً و غرباً، فكيف يتصوّر ثباته دائماً على وتيرة واحدة و نهج مستمر مع اختلاف الأوضاع في طرفي الخافقين؟ فالإيراد بحاله. نعم يمكن الاعتذار للعلّامة بأنّ الاختلاف المذكور لا يحسّ به في صفحة القمر لصغر تلك الأشياء و بُعد المسافة، و مراده أنّ مقابلة القمر لتلك الأشياء المستضيئة بالغير تعدّه لحدوث الضوء فيه؛ إذ الضوء كما يحدث في المستضيء لمقابلته المضيء بالذات كذلك يحدث فيه لمقابلته المستضيء بالغير، إلّا أنّ حدوث الضوء منها في وجه القمر مقول بالتشكيك لاختلافها في الصقالة و الخشونة، كما كان من جهة مقابلاته للبخار و البحار يكون أشدّ استناراً لصقالتها، و ما كان منه مقابلًا لسطح الربع المكشوف يكون أضعف لخشونته، و ليس المراد أنّ الأشعّة تنعكس منها ثمّ ترتقي منها حقيقةً إليه و تنفذ فيه ليرد عليه أنّ العرض لا يجوز عليه الانتقال. نعم يمكن المناقشة بأنّ الأرض لكثافتها تمنع الضوء من النفوذ فيها أكثر ممّا يمنعه الماء للطافته، فكان يجب أن يحدث من ضوء الربع المكشوف على وجهه

____________

(1) الحديقة الهلاليّة: 119، الكشكول: لم نعثر عليه فيه.

46

أكثر ممّا يحدث منه علىٰ وجهه من سطوح البحار بل من كرة البخار؛ لأنّهما و إن كانتا صقيلتين إلّا أنّهما للطافتهما لا تمنعان الأشعّة من النفوذ، و لذا تنفذ فيهما الىٰ وجه الأرض، فكان الواجب أن تكون الأشعّة المنعكسة منهما أخفى و أضعف من المنعكسة من سطح الربع المكشوف، فإنّ مناط الانعكاس و عدمه الكثافة و اللطافة و إن كان لتفاوت مراتب الصقالة مع الكثافة دخل عظيم في تفاوت مراتب الانعكاس شدّةً و ضعفاً، فتأمّل. قال المدقّق الخفري في شرحه على التذكرة و في منتهى الإدراك: إنّ الأجرام إمّا صغيرة نيّرة مركوزة في جرم الشمس، أو في فلكها الخارج المركز بحيث تكون متوسّطة دائماً بين الشمس و القمر، و هي مانعة من وقوع شعاع الشمس على مواضع المحو من القمر (1). قال البهائي في الحديقة: فيه نظر، فإنّ تلك الأجرام كانت صغيرة جدّاً، تلاقت الخطوط الخارجة من حولها إلى القمر بالقرب منها و لم يصل ظلّها إليه، و إن كان لها مقدار يعتدّ به بحيث يصل ظلّها الىٰ جرم القمر، فوصوله إلى سطح الأرض في بعض الأوقات كوقت الاستقبال أولى، فكان ينبغي أن يظهر إلى سطح الأرض كما يظهر ظلّ الغيم و نحوه، و ليس فليس (2). أقول: و فيه نظر، أمّا أوّلًا: فلأنّه ليست هناك في الحقيقة خطوط خارجة حتّى يتصوّر تلاقيها أو لا تلاقيها بالقرب أو البُعد، بل الجسم المستضيء إذا قابل جرم الشمس استعدّ لأن يفيض منه عليه ضوء مثله، فسمّوا حدوث الضوء فيما يقابله بخروج الضوء منه إليه مجازاً؛ إذ الضوء على المشهور عرض قائم بالمحلّ، معدّ لحصول مثله في الجسم المقابل لمحلّه، فإذا كانت تلك الأجرام النيّرة مركوزة في جرمها كانت مانعة من حدوث الضوء فيما يقابلها، و لمّا كان جرم القمر لصقالته و ملاسته كالمرآة أكثر قبولًا للظلّ و الضوء من سطح الربع المكشوف لخشونته

____________

(1) شرح الخفري على التذكرة: في أواخر الفصل السابع من الباب الأوّل، و منتهى الإدراك: مخطوط.

(2) الحديقة الهلاليّة: 121.

47

تظهر ظلال تلك الأجرام في سطحه دون سطحه. و أما ثانياً: فلأنّه على تقدير حمل خروج الخطوط على الحقيقة بناءً على ما زعم بعض أهل الحكمة: أنّ الضوء أجسام صغار تنفصل من المضيء و تتّصل بالمستضيء، فيكون المراد بالخطوط أجساماً دقاقاً لاستحالة الخطّ الجوهري يجوز أن يكون تلك الخطوط الخارجة متوازية، فإذا خرجت من حولها إلى القمر لا يلزم تلاقيها؛ إذ الخطّان المتوازيان هما اللذان إذا خرجا لا إلى نهاية لم يتلاقيا، تأمّل. و أمّا ثالثاً: فلأنّ مواضع المحو من القمر مع أنّها غير نيّرة لا يظهر ظلالها على سطح الأرض، فعدم ظهور ظلال تلك الأجرام على سطحها مع أنّها نيّرة أولىٰ. و أمّا رابعاً: فلأنّه قال: تكون تلك الأجرام النيّرة مانعة من وقوع شعاعها على مواضع محوه، و لا يلزم منه أن يكون لها ظلّ واصل إليها، بل الظاهر أنّ المراد أنّها نيّرة غير مظلّة كسائر الكواكب، إلّا أنّ أنوارها لمّا كانت مخالفة لنور الشمس و كان نور القمر مستفاداً من خصوص نورها فما كان من مواضع محوه مقابلًا لتلك الأجرام النيّرة لم تستفد منها نوراً أصلًا، فبقيت على ما كانت عليه من الكمودة الأصليّة و الزرقة الذاتيّة. و أمّا خامساً: فلما ثبت في الأبعاد و الأجرام بالرصد و الحساب: أنّ قطر الشمس ثمانية و ثلاثون و خمسمائة و سبع عشر ألف فرسخ، و جرمها ستّ و عشرون و ثلاثمائة مقابل لجرم الأرض، فيمكن أن تكون تلك الأجرام المركوزة فيها مانعة من وقوع شعاعها على مواضع محوه بأن يصل ظلّها إليها و لا يصل إلى سطح الأرض لعدم تقابلهما، بل يقع خارجة عنه؛ لعظم حجمها و اتّساع جرمها و تباعد أطرافها و صغر حجم الأرض و اتّضاق جسمها و تقارب أطرافها، و على تقدير الوصول فيمكن أن يصل إلى البقاع و الأصقاع الغير المعمورة الفاقدة المارّة كالبحار و البرار التي لا يتّفق أن يتردّد إليها متردّد، و على تقدير الاتّفاق فيمكن أن يمنع من رؤيته مانع، أ لا يرىٰ أنّ المرآة إذا كانت كبيرة جدّاً و كان في موضع منها

48

مانع من انعكاس الخطوط الشعاعيّة ككونه غير مصقول و نحوه، فإذا قابلها إنسان بوجهه بحيث لا يحاذي ذلك الموضع وجهه فإنّه يرىٰ وجهه و لا يصل إليه ظلّ ذلك الموضع. و إن كان يصل إلى موضع آخر فهاهنا أيضاً يمكن أن تكون تلك الأجرام على وجهٍ يصل ظلّها إلى مواضع محوه و لا يصل إلى سطح الربع المكشوف لعدم المقابلة، فتأمل. و اعلم أنّ وقت الاستقبال عندهم عبارة عن كون الشمس و القمر في جهتين متقابلتين من فلك البروج، و مقابلة وقت الاجتماع و هو كونهما في موضع واحد منه. إذا عرفت هذا تعرف بتأمّلك أنّ تقييده وصول الظلّ إلى سطح الأرض بقوله: «في بعض الأوقات كوقت الاستقبال» ممّا لا تظهر له فائدة، فإنّ ظلالها إن أمكن وصولها إليه فلا تتفاوت فيه الحال وقت الاستقبال و الاجتماع و غيرهما، و إن لم يمكن فكذلك. و إن رام المبالغة في عظم مقاديرها بأنّ ظلالها إن أمكن وصولها إلى جرم القمر وقت الاستقبال مع كونه في ذلك الوقت في غاية البعد المتصوّر بينها، فوصولها إلى سطح الأرض مع كونه أقرب إليها بالنسبة إلى القمر في ذلك الوقت أولىٰ، فكان عليه أن يقول: و إن كان لها مقدار يعتدّ به بحيث يصل ظلّها الىٰ جرم القمر وقت الاستقبال، فوصوله إلى سطح الأرض أولىٰ. و الحاصل أنّه اعتبر وقت الاستقبال بالنسبة إلىٰ وصول الظلّ إلى سطح الأرض، و منظوره إنّما يتمّ إذا اعتبره بالإضافة إلىٰ جرم القمر. و لعلّ في نظم كلامه تقديماً و تأخيراً وقع سهواً من قلم الناسخ، أو يكون قوله: «في بعض الأوقات كوقت الاستقبال» متعلّقاً بقوله: «يصل ظلّها الىٰ جرم القمر» و إن كان خلاف الظاهر و بعيداً عن سياق كلامه، و علىٰ كل حال لا يتّجه نظره. نعم يرد على الخفري أنّ تصريحهم بوجوب بساطة الشمس و امتناع تغيّره عن وضعه الطبيعي ينافيان كون تلك الأجرام النيّرة مركوزة فيه، و منه يظهر فساد ما قيل: إنّ سبب محوه اختلاف أجزاء سطحه في قبول النور، فتأمّل.

49

[تفسير قوله (عليه السلام): «يولج كلّ واحد منهما في صاحبه. إلخ»

] قال البهائي بعد قوله (عليه السلام) في دعاء الصباح و المساء: «يولج كلّ واحد منهما في صاحبه و يولج صاحبه فيه»: الواو للحال، و المعنىٰ: يدخل كلا من الليل و النهار في آخر، بأن ينقص من أحدهما شيئاً و يزيده في آخر، كنقصان نهار الشتاء و زيادة ليله، و زيادة نهار الصيف و نقصان ليلة. فإن قلتَ: هذا المعنى يستفاد من قوله: «يولج كلّ واحد منهما في صاحبه» فأيّ فائدة في قوله: «و يولج صاحبه فيه»؟ قلتُ: مراده (عليه السلام) التنبيه على أمر مستغرب و هو حصول الزيادة و النقصان معاً في كلٍّ من الليل و النهار في آنٍ واحد، و ذلك بحسب اختلاف البقاع كالشماليّة عن خط الاستواء و الجنوبيّة عنه، سواء كانت مسكونة أو لا، فإنّ صيف الشماليّة شتاء الجنوبيّة و بالعكس، فزيادة النهار و نقصانه واقعان في وقت واحد لكن في بقعتين، و كذلك زيادة الليل و نقصانه، و لو لم يصرّح (عليه السلام) بقوله: «و يولج صاحبه فيه» لم يحصل التنبيه على ذلك، بل كان الظاهر من كلامه وقوع زيادة النهار في وقتٍ و نقصانه في آخر، و كذلك الليل، كما هو محسوس معروف للخاصّ و العامّ (1). أقول: كون الواو للحال مبنيّ على تقدير المبتدأ، كما في: نجوت و أرهنهم مالكاً، و قمت و أصكّ وجهه. و حاصل الجواب: أنّ معنى الجملة الحاليّة و إن كان يفهم من الاولىٰ فيكون تأكيداً إلّا أنّها ذكرت للتنبيه. و أنت خبير بأنّ إيلاج كلّ واحد منهما في صاحبه يتضمّن حصول الزيادة و النقصان معاً في كلّ واحد منهما في آنٍ واحدٍ بحسب اختلاف البقاع؛ إذ لا يمكن إيلاج الليل في النهار في بقعةٍ إلّا حال إيلاج النهار في الليل في بقعة أُخرى و بالعكس، فزيادة النهار تتضمّن نقصانه حال زيادته، و كذلك الليل في بقعتي الشماليّة و الجنوبيّة عن خط الاستواء، فالتنبيه حاصل بدون ذكرها، و إنّما ذكرت للتصريح بما علم ضمناً؛ لأنّه لمّا كان أمراً مستغرباً لم يكتف في الدلالة عليه بالضمنيّة بل دلّ عليه بالدلالتين الضمنيّة

____________

(1) مفتاح الفلاح: 107 108 ط بيروت.

50

و التصريحيّة إيماءً لطيفاً بذلك إلى شأن الأمر. ثمّ علىٰ ما ذكره (قدس سره) فتمام معنى الجملتين إنّما يتحقّق في فصلين و إن كان بعض كلٍّ منهما يتحقّق في آنٍ واحد؛ لأنّ مفاد الأُولىٰ إدخال بعض زمان النهار في الليل و بالعكس، و مع كلٍّ منهما يتحقّق معنى الجملة الحاليّة في آنه كما ذكره، و ذلك لا يتحقّق إلّا في فصلين من الفصول الأربعة أو الثمانية. ثمّ أقول: اختلاف البقاع في العرض الشمالي و الجنوبي، و انتقال الشمس عن مدارٍ من المدارات اليوميّة بحركتها الخاصّة، يوجب أن يدخل بعض زمان الليل في زمان النهار و بالعكس في البقاع الشماليّة عن خطّ الاستواء و الجنوبية عنه في كلّ يوم بليلته في أيّام السنة في جميع الآفاق، إلّا في المستقيم و الرحوي، و هذا معنى قوله: «يولج كلّ واحد منهما في صاحبه». و كذا اختلاف طول البقاع مع الحركة الأُولىٰ، ففي حال زيادة زمان النهار و نقصان الليل و بالعكس في البقاع المذكورة بحسب الاختلاف العرضيّة يدخل بعض زمان الليل في النهار و بالعكس في الأماكن الشماليّة عن خطّ الاستواء المختلفة في الطول، و كذا الجنوبيّة عنه المختلفة فيه بحسب هذا الاختلاف، و هذا معنى قوله: «و يولج صاحبه فيه» فالحاليّة تأسيس لأنّها إشارة إلىٰ نوع آخر من الزيادة و النقصان. و عليه يتفرّع وجوب صوم أحد و ثلاثين يوماً في صورةٍ و ثمانية و عشرين في أُخرى على المسافر من بلد إلى آخر بعيد عنه بعد رؤية الهلال، و ذلك لأنّ الكواكب تطلع في المساكن الشرقيّة قبل طلوعها في الغربية، و كذا في الغروب، فكلّ بلد غربيّ بَعُد عن الشرقيّ بألف ميل يتأخّر غروبه عن غروب الشرقي بساعة، و إنّما عُرف ذلك بإرصاد الكسوفات القمريّة، حيث ابتدأت في ساعات أقلّ من ساعات بلدنا في المساكن الغربية، و أكثر من ساعات بلدنا و غروبها في الغربية بعد غروبها في بلدنا. و يحتمل عكس ذلك بأن تكون الأُولىٰ إشارة الىٰ ما يكون بالاختلافات الطوليّة

51

مع الحركة اليومية، و الثانية الىٰ ما يكون بالاختلافات العرضيّة مع الحركة الخاصّة الشمسية. و يحتمل أن يكون معنى الأُولىٰ إدخال كلٍّ من الليل و النهار مكان آخر بدلًا منه في كلّ البقاع فعبَّر عن إحداث النهار مع امتلاء العالم بالليل و بالعكس بالإيلاج الذي هو إدخال الشيء في مضيق، و معنى الثانية إدخال بعض زمان كلٍّ منهما في زمان الآخر في كلّ يوم بليلته في كلّ البقاع بحسب اختلافاتها العرضيّة و الطوليّة في حال الإدخال الأوّل و يحتمل العكس. و عليه أيضاً فالحالية تأسيس، و معنى الجملتين أكثر ممّا سبق، و يتحقّق معناهما في كلّ الآفاق حتّى في الرحوي في بعض أيّامه. و بهذا التقرير يظهر أنّ في كلامه (عليه السلام) إيماءً إلى كرؤيّة الأرض و السماء، فتأمّل. و الحكمة في نقصان كلٍّ منهما و زيادة الآخر شيئاً بعد شيء الىٰ أن ينتهي كلٌّ منهما منتهاه في الزيادة و النقصان ظاهرة؛ إذ لو كان دخول أحدهما على الآخر و ذلك بحركة الشمس فلتة لأضرّ بالأبدان و الثمار و غيرهما، كما أنّ الخروج من حمام حارّ إلى موضع بارد دفعة يضرّ البدن و يسقمه. و القول بأنّ هذا التدريج مستندٌ إلىٰ إبطاء الشمس في الارتفاع و الانحطاط مجاب بنقل الكلام إلى سبب ذلك، فإن أُجيب ببُعد ما بين المشرقين سُئل عن العلّة فيه، و هكذا إلى أن ينتهي إلىٰ تدبير الحكيم العليم في مصلحة العالم و ما فيه.

[تحقيق في الأرواح بعد مفارقتها الأبدان و خلق الجنّة و النار]

قال البهائي (قدس سره) في الأربعين بعد أن روى عن بعض الصادقين (عليهم السلام) أنّه سئل عن أرواح المؤمنين، فقال: «في الجنّة على صور أبدانهم، لو رأيته لقلت فلان»: ظاهره يعطي أنّ الجنّة مخلوقة الآن، و من قال بخلق الجنّة قال بخلق النار (1). أقول: و فيه نظر؛ لأنّ المراد بالجنّة في هذا الخبر و أمثاله هو الجنّة البرزخيّة

____________

(1) الأربعون حديثاً: 501 ط قم.

52

المخلوقة في المغرب التي تخرج إليها أرواح المؤمنين من حفرتهم على صور أبدانهم العنصريّة، أي الأشباح المثاليّة في عالم البرزخ، فإنّ صورة الشيء قد يقال لشبحه و مثاله كصورة الفرس المنقوشة على الجدار، و قد يقال لجزئه الذي يكون به الشيء هو ما فيه بالفعل كالنفس الفرسيّة. و المراد بها هنا هو المعنى الأوّل، لا جنّة الخلد التي يدخلونها بعد قيام الساعة بأبدانهم العنصريّة بعد جمع أجزائها المتفرّقة، و هي المتنازع فيها بين المعتزلة و الأشاعرة، و لعلّ ما أسقطه في تلك الورطة هو اشتراك لفظ الجنّة و الغفلة عن محلّ النزاع. و العجب أنّه قال بُعيد هذا في ذيلٍ تنبيه: أنّ الأرواح تتعلّق بعد مفارقة أبدانها العنصريّة بأشباح مثالية تشابه تلك الأبدان، ثمّ قال: و الذي دلّت عليه الأخبار أنّ تعلّقها بها مدّة البرزخ فتتنعّم أو تتألّم بها الىٰ قيام الساعة فتعود عنده إلى أبدانها، ثمّ روى روايات تدلّ علىٰ أنّ أرواح المؤمنين في صفة الأجساد في شجر في الجنّة يتعارفون و يتساءلون، و يأكلون من طعامها و يشربون من شرابها و يقولون: ربّنا أقم لنا الساعة و أنجز لنا ما وعدتنا (1). و مع ذلك ذهب عنه أنّ جنّة الخلد إذا استقرّ فيها أهلها للثواب لم يخرجوا منها أبداً بالاتّفاق، و ليست لهم حينئذٍ حالة منتظرة ليقولوا: ربّنا أقم لنا الساعة و أنجز لنا ما وعدتنا، بل إنّما يطلبون ذلك و يسألونه في الجنّة البرزخيّة مع ما هم فيها من طعامها و شرابها، لكونه ناقصاً في جنب ما ينالونه بعد إقامة الساعة و إنجاز الوعد الصدق من التقرّب و الزلفى بالدرجات العلى و العيش بالحياة الطيّبة و الأُنس الدائم، و ذلك بعد أن دخلوا الجنّة التي وعدهم اللّٰه تعالىٰ على ألسنة أنبيائه (عليهم السلام)، فإنّهم وقتئذٍ يجلسون فيها «عَلىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهٰا مُتَقٰابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوٰابٍ وَ أَبٰارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لٰا يُصَدَّعُونَ عَنْهٰا وَ لٰا يُنْزِفُونَ وَ فٰاكِهَةٍ إلى قوله تعالى جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ». (2) و في فروع الكافي عن ضريس الكناسيّ قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام): أنّ

____________

(1) الأربعون حديثاً: 503 504.

(2) الواقعة: 15 24.