رسائل الميرزا القمي - ج2

- الميرزا القمي المزيد...
497 /
593

كتاب القضاء

594

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

595

كتاب القضاء

و فيه مقدّمة و مطالب

أمّا المقدّمة:

في تعريف القضاء و في الفرق بين القاضي و الحاكم و المفتي و المجتهد و الفقيه.

[تعريف القضاء]

فعرّفه جماعة ب«أنّه ولاية الحكم شرعا لمن له أهليّة الفتوى بجزئيات القوانين الشرعيّة على أشخاص معيّنة من الناس بإثبات الحقوق، و استيفائها للمستحق» (1).

قيل: و من خواصّه عدم جواز نقضه له و لغيره إلّا فيما أستثني. (2)

و هو على إطلاقه ممنوع؛ إذ قد لا يجوز نقض الفتوى أيضا. و تحقيق ذلك مستقصى في القوانين المحكمة. (3)

[الفرق بين القاضي و الحاكم و المفتي]

و الفرق بينه (4) و بين المفتي و المجتهد و الفقيه بالاعتبار:

فباعتبار أنّه عالم بالحكم من الدليل، فقيه.

____________

(1). منهم: الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 325، و الفاضل الأصفهاني في كشف اللثام 2: 320، و لا بأس بالنظر للتنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع 4: 230.

(2). انظر الدروس الشرعية 2: 68.

(3). القوانين المحكمة 2: 252.

(4). كذا، و هو يعني بين القاضي.

596

و باعتبار أنّه مستدلّ مستخرج، مجتهد.

و باعتبار أنّه يلزم أو يطلق لآحاد البريّة بالأحكام الشخصيّة، قاض.

و من حيث إنّه مخرج علمه بالدليل كلّية، مفت.

و يمكن أن يقال: إنّ الحاكم مغاير للقاضي أيضا بالاعتبار، فيسمّى حاكما من حيث ولايته على المولّى عليهم، و تسلّطه على العباد في إقامة الحقّ، و إزهاق الباطل.

[و أما المطالب فهي:]

المطلب الأوّل في القاضي

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تعيين من له الحكم

لا يجوز الحكم بين الناس إلّا للنبيّ، أو الوصيّ، أو النائب عنه، أو من نصبه النائب، أو من أذن له الإمام فى ذلك صريحا أو بشاهد الحال، كما إذا كانت الناحية وسيعة جدّا.

و الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، منصوب من قبل الإمام بالإجماع و الأخبار (1).

و ظاهرهم تخصيصه بحال الغيبة و إن كانت الروايات (2) تفيد الأعمّ، بل ظاهرها حال الحضور، كما يفيده قول الصادق (عليه السلام): «انظروا إلى رجل منكم- إلى أن قال- فاجعلوه قاضيا، فتحاكموا إليه» (3).

و كذلك سؤال الراوي عن حال الاختلاف، و ظاهر تفصيل الإمام (عليه السلام) في الجواب

____________

(1). ستأتي الإشارة إليها.

(2). وسائل الشيعة 18: 98، أبواب صفات القاضي، ب 11.

(3). الفقيه 3: 2 ح 1؛ تهذيب الأحكام 6: 219 ح 516؛ وسائل الشيعة 18: 4، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 5.

597

بتقديم الأفقه و الأعدل و غيره (1). فإن كان إجماعا، و إلّا فلا إشكال بحال.

و ظاهرهم الإجماع، كما يشعر به استثناؤهم قاضي التحكيم، مع أنّهم لم يخالفوا في اشتراط كونه مجتهدا، و هذا- مع أنّ الأصل عدم حجيّة غير قول المعصوم (عليه السلام)- يعيّن التخصيص. و النزاع فيه الآن قليل الفائدة، كالكلام في قاضي التحكيم و استثنائه في اشتراط إذن الإمام، و هو من تراضى الخصمان به من الرعيّة، جامع لشرائط القضاء سوى إذن الإمام؛ فإنّه مختصّ بحال الحضور، فإنّ إمضاء حكم المجتهد الجامع في حال الغيبة، لا يتوقّف على تراضي الخصمين.

نعم، يمكن أن يقال: باختصاص استثناء قاضي التحكيم بزمان النبي (صلى اللّه عليه و آله) و من يحذو حذوه من الأئمّة (عليهم السلام) المسلّطين، و أمّا الغير المسلّطون منهم (عليهم السلام): فيكفي في المجتهد الإذن العامّ؛ إذ عدم تسلّطهم في معنى غيبتهم.

و في الروايات الدالّة على كفاية عموم الإذن (2)، تنبيه على ذلك، كما يظهر من المسالك (3) و غيره.

و لو تشاحّ الخصمان في مجتهدين متساويين حال الغيبة، فيقدّم مختار المدّعي؛ لأنّه الطالب و يترك لو ترك، فإذا ترك إلّا عند هذا المجتهد، فلا بحث عليه.

و أمّا مع التفاوت: فيقدّم الأعلم بالمشهور (4) المدّعى عليه الإجماع؛ لمقبولة عمر بن حنظلة (5)، المنجبر ضعفها بعمل الأصحاب، الموافقة للعقل و النقل، و إن كان

____________

(1). الكافي 1: 54، ح 10؛ تهذيب الأحكام 6: 301، ح 845؛ وسائل الشيعة 18: 75، أبواب صفات القاضي، ب 9، ح 1.

(2). انظر الكافي 7: 412، ح 4؛ الفقيه 3: 2، ح 1؛ تهذيب الأحكام 6: 219، ح 516؛ وسائل الشيعة 18: 4، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 5.

(3). مسالك الأفهام 13: 334، و انظر الدروس الشرعية 2: 67 و 68.

(4). نسبه إلى الأشهر في مسالك الأفهام 13: 343.

(5). الكافي 1: 54، ح 10؛ تهذيب الأحكام 6: 301، ح 845؛ وسائل الشيعة 18: 75، أبواب صفات القاضي، ب 9، ح 1.

598

يظهر من المحقّق الأردبيلي (1) (رحمه اللّه) المنع في الترجيح و في الإجماع أيضا؛ لأنّ المدار في الأحكام على الظنون، و كثيرا ما يصيب المفضول و يخطئ الأفضل، و قبح تقديم المفضول إنّما في الرئاسة العظمى المتوسّط بالعلم الحقّ الإلهي.

و في الدروس نقل جواز تولية المفضول مع وجود الفاضل عن قوم (2).

و أمّا الأورعية: فلا توجب الترجيح؛ لوجود نفس العدالة في الآخر، و إن كان أولى.

المسألة الثانية: [في وجوب الحكم بين الناس كفاية]

يجب الحكم بين الناس كفاية، و لا ينافيه اشتراط إذن الإمام حال الحضور في حقّ غيره، كصلاة الجنازة بالنسبة إلى إذن الولي. و يتعيّن مع تعيين الإمام أو انحصاره في الواحد، فيجب الإعلام عند حضور الإمام لو احتاج إليه.

و أمّا الإعلام مع عدم الضرورة أو مع التعدّد: فهو مستحبّ. و توهّم الكراهة لما ورد من التحذير و التهديد في أمر القضاء (3)، ضعيف.

المسألة الثالثة: [في بيان شرائط القاضي]

يشترط في القاضي مطلقا العقل، و البلوغ و الإيمان و العدالة و الذكورة و طهارة المولد إجماعا.

و اشترط جماعة غلبة الحفظ و النطق أيضا (4).

و ربّما يشكل في اشتراط الذكورة و غلبة الحفظ و النطق مطلقا؛ لأنّ العلل

____________

(1). مجمع الفائدة و البرهان 12: 20.

(2). الدروس الشرعية 2: 70. و نقل الإجماع عليه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 343.

(3). انظر وسائل الشيعة 18: 17، أبواب صفات القاضي، ب 5.

(4). كالشهيد في الدروس الشرعية 2: 65.

599

المذكورة لها من «عدم تمكّن النسوان من ذلك غالبا لاحتياجه إلى البروز و تمييز الخصوم و الشهود، و من أنّ التمييز و الإتقان، لا يحصل مع كثرة النسيان و الخرس» غير مطردة، فلا وجه لعدم الجواز مطلقا، إلّا أن ينعقد الإجماع مطلقا.

أقول: و يمكن أن يكون الإجماع بالنظر إلى أصل اختيار الولاية و المنصب عموما، و أمّا في حكومات خاصّة، فلم يعلم ذلك من ناقله، و إن احتملته بعض العبارات، فالإشكال ثابت في الاشتراك مطلقا.

قال في الدروس: «و أمّا الصمم: فلا يمنع من القضاء مطلقا» (1).

و لعلّ إطلاقه بالنظر إلى أقسام القاضي، و إلّا فالظاهر عدم الجواز فيما لو لم يسمع مطلقا، و نقل عليه الإجماع فخر المحقّقين (2).

و أمّا الكتابة و البصر و الحرية: ففي اشتراطها خلاف، و الأشهر الاشتراط، و الأقوى عدمه في الأخير؛ إذا حصل الإذن من المولى؛ لعموم الأدلّة، و ثبوته في الأوّلين إن أريدت الولاية العامّة؛ لتوقّف الضبط و التمييز عليها غالبا.

و كونه (صلى اللّه عليه و آله) أميّا، و كون شعيب (عليه السلام) أعمى،- مع تسليمهما- لا يدلّ على المطلوب؛ لمكان العصمة.

و أمّا اشتراط العلم بالأحكام بالاجتهاد فيها فهو المعروف من المذهب، المدّعى عليه الإجماع.

جواز القضاء للمجتهد المتجزّئ و عدمه

ظاهر الأكثر اشتراط كونه مجتهدا في الكلّ (3).

و لا يبعد جوازه للمتجزّئ على القول به في الاجتهاد، كما هو الأظهر، سيّما حال

____________

(1). الدروس الشرعية 2: 65.

(2). إيضاح الفوائد 4: 299.

(3). نسبه السبزواري إلى المشهور في كفاية الأحكام: 261.

600

فقد المجتهد المطلق؛ لخصوص رواية أبي خديجة (1)، المنجبر ضعفها بالعمل في الجملة، و لظاهر غيرها من الأدلّة.

و ما ذكره صاحب الكفاية: أنّ كلام الشهيد الثاني في المسالك حيث قال:

«لا يكفي اجتهاد القاضي في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزّي الاجتهاد أيضا» و لم ينقل خلافا، يفيد أنّ عدم الجواز إجماعيّ (2)، غير ظاهر الوجه. مع أنّه (رحمه اللّه) قال في الروضة- في كتاب الأمر بالمعروف في شرح كلام المصنّف حيث اعتبر معرفة الأحكام في الحكم بين الناس-: «إنّ المراد بالأحكام العموم، بمعنى التهيؤ لمعرفتها بالدليل إن لم نجوّز تجزّي الاجتهاد، أو الأحكام المتعلّقة بما يحتاج إليه من الفتوى و الحكم إن جوّزناه، و مذهب المصنّف جوازه، و هو قوي» (3) و هو كالصريح في تقويته جواز الحكم له، و أنّه مذهب المصنّف.

و قال الشهيد في الذكرى: «و الأولى جواز تجزّي الاجتهاد؛ لأنّ الغرض الاطّلاع على مأخذ الحكم و ما يعتبر فيه، و هو حاصل، و يندر و يبعد تعلّق غيره به فلا يلتفت إليه؛ لقيام هذا التجويز في المجتهد المطلق، و عليه نبّه في مشهورة أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام): «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم حاكما، فإنّي قد جعلته قاضيا» (4)، (5)

و التمسّك به صريح في تجويز المرافعة، و حكم المتجزّي، و هكذا.

أقول: في كلّ ما استدلّ بالرواية في جواز التجزّي، و كذلك الكلام في مقبولة

____________

(1). الكافي 7: 412، ح 5؛ الفقيه 3: 10، ح 1؛ تهذيب الأحكام 6: 219، ح 516؛ وسائل الشيعة 18: 4، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 5.

(2). كفاية الأحكام: 261، و انظر مسالك الأفهام 13: 328.

(3). الروضة البهيّة 2: 418.

(4). الكافي 7: 412، ح 5؛ الفقيه 3: 10، ح 1؛ تهذيب الأحكام 6: 219، ح 516، وسائل الشيعة 18: 4، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 5.

(5). ذكرى الشيعة 1: 43.

601

عمر بن حنظلة إن قلنا بأنّ إضافة الأحكام لا تفيد العموم، بل هي للجنس، كما في قولهم: «حكم اللّه هو خطابه المتعلق بأفعال المكلّفين»؛ إذ لا التفات فيها لعموم الأحكام و خصوصها، بل المراد فيه الردع عن متابعة المخالفين.

بل استدلّ بها جماعة من الأصحاب على التجزّي، و منهم المحقّق الأردبيلي (1)، و يظهر منه (رحمه اللّه) أنّ جواز العمل به حين فقد المجتهد في الكلّ قطعي، و الخلاف إنّما هو في صورة الإمكان.

و يظهر من الشهيد في الدروس أيضا الجواز (2).

و استقرب في الكفاية الجواز في صورة فقد المجتهد في الكلّ، و استدلّ على عدمه في صورة الوجدان بما دلّ على تقديم الأعلم، و بمثل مقبولة ابن حنظلة (3)، (4).

و فيه نظر، سيّما إذا كاد دليل مجتهد الكلّ متعيّنا، و يكون اشتباهه ظاهرا، و كان المتجزّي مطّلعا عليه، و كان فطنا ذكيا، عرفت منزلته في فهم الدليل.

و أمّا ادّعاء بعضهم الإجماع على تقديم الأعلم مطلقا (5): ففيه نظر؛ إذ المستدلّ به علّله بكونه أقرب إلى الحقّ، و الجمع بين الإجماع الناشئ عن التعبّد و التعليل بكونه أقرب إلى الحقّ، كما ترى، مع أنّ كون كلّ ما يقوله الأعلم أقرب إلى الحقّ، محلّ نظر واضح، سيّما يشاهد اختلاف الأعلمين، و موافقة بعضهم المفضولين و مخالفة بعضهم، و كون الأعلمين قائلين بأقوال مختلفة في مسألة واحدة، و غير ذلك، كما بيّنته مستقصى في القوانين (6).

____________

(1). مجمع الفائدة و البرهان 12: 19.

(2). الدروس الشرعية 2: 66.

(3). الكافي 1: 54، ح 10؛ الفقيه 3: 5، ح 2؛ تهذيب الأحكام 6: 301، ح 845؛ وسائل الشيعة 18: 75، أبواب صفات القاضي، ب 9، ح 1.

(4). كفاية الأحكام: 261.

(5). حكاه في مجمع الفائدة و البرهان 12: 21.

(6). القوانين المحكمة 2: 246.

602

و الاستدلال في تقديم الأعلم بمثل رواية ابن حنظلة (1) أيضا غير تمام؛ لأنّه إنّما هو في صورة تشاحّ المتداعيين، و ليس في ذلك؛ لتعيّنه في نفس الأمر، كما ذكروه في تشاحّ المأمومين في الأئمّة.

حكم قضاء غير المجتهد

و أمّا غير المجتهد: فظاهرهم الاتّفاق على عدم جواز حكمه في حال من الأحوال، و دعوى الإجماع مصرّح بها في كلامهم، فلاحظ الروضة (2) و غيرها (3).

و لكنّ المحقّق الأردبيلي (رحمه اللّه) نقل قولا منسوبا إلى ابن فهد (رحمه اللّه) بجوازه حين فقد المجتهد، و قال: «إنّه وجده في حاشية الدروس» (4).

و أنا أيضا وجدت في حاشية نسخة من الإرشاد ما نقله (رحمه اللّه) عنه.

و جنح (رحمه اللّه) أيضا إلى ذلك، و نفى عنه البعد في كتاب الأمر بالمعروف، قال: «و نقل ذلك عن قواعد الشهيد أيضا» (5) ثمّ استدلّ عليه ببعض الروايات (6).

أقول: بل هذا القول لم يكن مهجورا بين الأصحاب، بل كان معروفا، فقد نقل الفاضل المقداد في التنقيح عن الشيخ في المبسوط ذكر هذا القول.

قال في شرح قول المحقّق: «و لا ينعقد إلّا لمن له أهليّة الفتوى، و لا تكفيه فتوى العلماء (7): حكى الشيخ في المبسوط (8) في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: الأوّل: جواز

____________

(1). الكافي 1: 54، ح 10؛ الفقيه 3: 5، ح 2؛ تهذيب الأحكام 6: 301، ح 845؛ وسائل الشيعة 18: 75، أبواب صفات القاضي، ب 9، ح 1.

(2). الروضة البهية 3: 70.

(3). كما في مسالك الأفهام 13: 328.

(4). مجمع الفائدة و البرهان 12: 14.

(5). نفس المصدر 7: 548.

(6). مثل ما في وسائل الشيعة 18: 3، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 2.

(7). المختصر النافع 2: 279.

(8). المبسوط 8: 83.

603

كونه عاميّا، و يستفتي العلماء، و يقضي بقولهم، الثاني: أن يكون له ثلاث صفات:

العلم، و العدالة، و الكمال، و لا يكون عالما حتى يكون عالما بالكتاب و السنّة و الإجماع و الخلاف و لسان العرب.

إلى أن قال: و الثالث: لا يشترط علمه بجميع الكتاب، بل يكفي منه الآيات المحكمة و هي خمسمائة، و كذا لا يشترط أن يكون عالما بجميع أخبار الرسول و آثاره، بل ما تتوقّف عليه الأحكام من سنّته (صلى اللّه عليه و آله).

هذا حاصل ما قاله في المبسوط، و لم يصرّح باختيار شيء من هذه المذاهب، لكن عبارته محتملة للقولين الأخيرين، و الثاني ممنوع و الثالث مسلّم؛ لأصالة البراءة من وجوب ما لا يتعلّق بالأحكام من الكتاب و السنة» (1) انتهى ما أردنا نقله من عبارة التنقيح.

فإنّ الظاهر أنّ الأقوال كانت من أصحابنا، و تقديم القول الأوّل مشعر بكونه قولا مهتمّا به لو لم نقل أرجح الأقوال عنده، بل لم يظهر من التنقيح إنكاره أيضا، سيّما مع تمسّكه بأصالة البراءة في دفع القول الثاني.

[الاستدلال على الجواز برواية أبي خديجة]

و يمكن الاستدلال برواية أبي خديجة (2)، المنجبر ضعفها بعمل الأصحاب، و إن كان في غير هذا المدلول.

و لعلّ تركهم العمل في ذلك لعدم تفطّنهم بالدلالة، لا لضعف المدلول، كما أنّ المنكر لجواز حكم المتجزّي مع القول بجواز التجزّي في الاجتهاد مع استدلاله في التجزّي بتلك الرواية غفل عن ذلك، مع أنّ منطوقها الصريح الحكم، و الفتوى مدلوله الطبيعي، كما أشرنا سابقا. بل و بمقبولة عمر بن حنظلة الموثقة (3).

____________

(1). التنقيح الرائع 4: 234 و 235.

(2). الكافي 7: 412، ح 4؛ الفقيه 3: 2، ح 1؛ تهذيب الأحكام 6: 219، ح 516؛ وسائل الشيعة 18: 4، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 5.

(3). الكافي 1: 54، ح 10؛ الفقيه 3: 5، ح 2؛ تهذيب الأحكام 6: 301، ح 845؛ وسائل الشيعة 18: 75، أبواب صفات القاضي، ب 9، ح 1.

604

و تخصيصهم إيّاها بمجتهد الكلّ غير ظاهر الوجه؛ إذ مجرّد إضافة الجمع لا يفيد العموم، بل لعلّه من باب أفعال المكلّفين في تعريف الحكم الشرعي، فيمكن الاستدلال بها للمتجزّي أيضا، كما مرّ.

و وجه الاستدلال فيما نحن فيه، أنّ المراد بالعلم و المعرفة فيهما ليس معناه الحقيقي جزما؛ لفقده في المجتهد في الكلّ أيضا.

و القول بأنّ علاقة وجوب العمل، قرينة لإرادة ظنّ المجتهد في الكلّ، و ليس بموجود فيما نحن فيه. مدفوع بأنّ كون مجتهد الكلّ ظانّا بما يجب العمل به علاقة لتصحيح إرادة الظنّ الخاصّ من العلم. و أمّا جواز حكمه و قضائه؛ فهو مستفاد من قوله (عليه السلام): «جعلته قاضيا و حاكما» (1). و حينئذ، فالعلاقة هي وجوب عمل الظانّ بظنّه كالعالم بعلمه، و هذه العلاقة موجودة فيما نحن فيه و المتجزّي.

و كذلك جواز عمل الغير بفتواه مستفاد من الرخصة في الرجوع إليه، لا من إطلاق لفظ العلم على ظنّه، فالعلاقة إنّما تصحّح إطلاق العلم على الظنّ باعتبار وجوب عمل العالم بعلم نفسه، لا عمل الغير بعلمه؛ إذ من البيّن الواضح أنّه لا يصحّ أن يقال:

إنّ مقتضى علم العالم من حيث إنّه عالم أن يعمل غيره به أيّ شخص كان ذلك العالم، فالحقيقة و المجاز إنّما يلاحظان بالعلاقة، و العلاقة إنّما تتمّ في عمل العالم بعلم نفسه، لا عمل غيره به، كما هو واضح. فلا ريب أنّ مجتهد الكلّ كما يجوز له العمل بظنّه بل يجب، فكذلك المقلّد، بل المتجزّي على الأصحّ الأشهر.

و كذلك الكلام لو قيل: إنّ ظنّ المجتهد في الكلّ هو حكم اللّه الظاهري في حقّه، فمن عرفه فقد علمه، فهو عالم حقيقة.

و فيه- مع أنّه موجب لإرادة معنيين مختلفين بالحقيقة و المجاز و الاشتراك من اللفظ؛ إذ ليس كلّ معلومات مجتهد الكلّ ظنّا، بل قد يحصل له العلم الواقعي،

____________

(1). انظر وسائل الشيعة 18: 98، أبواب صفات القاضي، ب 11.

605

و إخراج القطعيّات مطلقا من الفقه و الاجتهاد لا، وجه له كما بيّنّاه في القوانين (1)- أنّ ذلك أيضا تجوّز حقيقة؛ إذ ليس معنى علم بالمظنون إلّا ظنّ به، و كونه حكم اللّه الظاهري في حقّه لا يوجب كونه علميا.

و مع ذلك فحكم اللّه الظاهري في حقّ المقلّد أيضا هو ما أخذه من المجتهد حيّا أو ميّتا، أو ما فهمه من الكتب بعد عجزه عنهما على التفصيل المبيّن في محلّه.

و ما يقال في هذا المقام: إنّ ظنّ مجتهد الكلّ واجب العمل اتّفاقا، فهو مراد جزما، و غيره مشكوك فيه، فهو أجنبيّ عن هذا المقام؛ إذ الكلام في الاستدلال بالرواية، لا الإجماع. غاية الأمر أنّه داخل في مدلول اللفظ المجازي جزما، و هو لا يوجب خروج غيره، و لذلك يستدلّ برواية أبي خديجة (2)، بل موثّقة ابن حنظلة (3)، على جواز التجزّي و حكم المتجزّي مع عدم تحقّق الإجماع فيه.

[تقريب الاستدلال بالرواية]

إذا تقرّر هذا فتقريب الاستدلال: أنّ المقلّد العارف العادل العالم بفتاوى مجتهده الحيّ أو الميّت، على القول بالعمل به، إذا عرف فتاوى مجتهده ممّا له مدخليّة في الواقعة الخاصّة من مسائله الفقهيّة و مسائله القضائية، مثل أنّه إذا علم أنّ عشرة رضعات يحرّمن بفتوى مجتهده، و إنّما يثبت بشهادة النسوان، فإذا حصل الإشكال في أمر زوجته المتّفقة له في التقليد، و المسلّمة لأمر مفتيها، و حصل لهما العلم بشهادة النسوان بحصول الرضاع المذكور، و أنّ معنى العدالة أيّ شيء، و مقبول الشهادة من هو، فيتفارقان بمحض معرفتهما بالحال من دون احتياج إلى حاكم.

فإذا وقع النزاع بين رجل آخر و امرأة أخرى في المفارقة، و ادّعى أحدهما

____________

(1). القوانين المحكمة 1: 101.

(2). الكافي 7: 412، ح 4؛ الفقيه 3: 2، ح 1؛ تهذيب الأحكام 6: 219، ح 516؛ وسائل الشيعة 18: 4، أبواب صفات القاضي، ب 1، ح 5.

(3). الكافي 1: 54، ح 10؛ الفقيه 3: 5، ح 2؛ تهذيب الأحكام 6: 301، ح 845؛ وسائل الشيعة 18: 75، أبواب صفات القاضي؛ ب 9، ح 1.

606

حصول الرضاع، و أنكر الآخر، و فرضت موافقة المتخاصمين لذلك المقلّد في التقليد، فيجوز لهذا العارف أن يرفع النزاع بينهما بمسائله التقليدية التي من جملتها معرفة المدّعي و المنكر. مثل أنّه عرف بالتقليد أنّ مدّعي الحرمة مدّع، و مدّعي الحل منكر، فإذا ضمّ إلى ذلك رواية أبي خديجة و ما في معناها يثبت أنّه له رفع النزاع بينهما؛ لأنّه يصدق عليه أنّه عارف بأحكامهم و لو بتقليد مجتهده، و المتخاصمان أيضا مقلّدان لمجتهد ذلك العالم، و جعله الإمام قاضيا و حاكما بسبب معرفة أحكامهم، فيصحّ حكمه.

[توهّم البعض في معنى الرواية]

و توهّم أنّ مدلول الرواية هو معرفة الأحكام، و الحكم غير الفتوى، و المقلّد المذكور إنّما يعرف فتوى مجتهده لا حكمه، و كذلك إنّما هو يعرف فتاويهم (عليهم السلام) في الكلّيات لا أحكامهم، ضعيف، و ذلك الفرق اصطلاح جديد لا يحمل عليه كلامهم (عليهم السلام)، و هو في الأصل أعمّ من الفتوى.

مع أنّه لا يتصوّر معنى للحكم بالمعنى المصطلح لهم حتّى تحمل الرواية عليه؛ إذ الحكم المصطلح جزئي حقيقي شخصي ينبعث من الموارد الشخصية، و عموم قولهم: «من قامت عليه البيّنة يجب أن يؤدّي المدّعى به إلى المدّعي» (1) أيضا فتوى من الفتاوى، و ليس بحكم.

و يشبه أن تكون دعوى الإجماع في هذا المقام ناشئة من حكم تولية الولاة، يعني تفويض الامور برمّتها إلى المجتهد، كما أشرنا إليه في المرأة و غير المكاتب.

و أمّا جواز القضاء في المواضع الّتي حصل له أسبابها من المعرفة بجميع أطرافها بالتقليد: فلا نعلم أنّه مراد مدّعيه. غاية الأمر أنّهم أطلقوا دعوى الإجماع، و كم من هذا القبيل، و قد استشكلنا فيها كالإجماع على أنّ المخطئ في العقليات آثم، و أنّ مخالف الإسلام مطلقا مخلّد في النار و إن لم يكن مقصّرا أصلا و قطعا، و لا يكلّف

____________

(1). انظر وسائل الشيعة 18: 170، أبواب كيفية الحكم، ب 3 و 4.

607

اللّه نفسا إلّا وسعها.

و كذلك قولهم: «إنّ عبادة غير المجتهد و المقلّد باطلة و إن وافقت الواقع، و إنّ الناس صنفان لا غير؛ إذ لم يثبت عندي وجوب إعادة الغافل الغير المقصّر، إذا وافق الواقع، و كذلك في مواقع كثيرة في الأصول و الفروع أشرنا إليها في القوانين (1) و في هذا الكتاب في مواقع شتّى.

و لذلك تراهم يعتذرون في دعوى الإجماع في الأصول بأنّ اللّه تعالى نصب علما هاديا فيها و أتمّ الحجّة، فالمخطئ مقصّر، و ذلك اعتراف بأنّ غير المقصّر معذور، فالنزاع إنّما هو في إمكان الغافلة و المعذورية، و لا ريب أنّ إنكار إمكان فرض مورد لم تتمّ الحجّة فيه و لم تحصل الغافلة مكابرة.

نعم، الغالب التقصير. فالمدّعون للإجماع إمّا غفلوا عن صورة الاضطرار و العجز، و اشتبهت عليهم مسألة إمكان تحقّق هذا الفرض، و هكذا في الغافل في الفروع من وجوب الاجتهاد و التقليد. فإذا رأينا من الصلحاء من يكون جميع همّه التفحّص عن المسائل التكليفيّة، حتى أنّه يسأل عن الفروض الّتي لا يحتمل أحد أنّها كانت مورد الإشكال، و يغافل عن السؤال عن بعض المسائل المحتاج إليها، مثل أنّه علم أنّه يكفيه تقليد المجتهد الفلاني و بناؤه على أنّه لا يصدر من أمر و لا يرد في أمر إلّا بتقليده، و لم يتفطّن لأنّ التقليد في دخول الوقت جائز أم لا، فإذا قال مجتهده:

«دخل وقت الظهر» يقوم و يصلّي و لا يتفطّن أصلا للسؤال عن ذلك، هل يجوز أم لا، و هكذا.

فلعلّ مبدأ الإجماع هذا كان مبنيّا على بيان مطلق القضاء و تفويض الأمر برمّته ثمّ استمرار الإطلاق.

و الحاصل: أنّ الإجماع المتحقّق فيما نحن فيه غير ثابت، و المنقول لا يقاوم ما

____________

(1). انظر القوانين المحكمة 2: 143، 150.

608

ذكرناه من الأدلّة.

و دلّ عليه أيضا: عموم نفي الضرر و العسر و الحرج (1) أيضا، كما تدلّ عليه حجيّة ظنّ المجتهد و لزوم متابعته.

و استدلّوا به أيضا، و تقريب الاستدلال هو ما ذكره حكماء الإسلام في إثبات حسن التكليف، و المتكلّمون في إثبات النبوّة و الإمامة.

و حاصله: أنّ الإنسان مدنيّ بالطبع، محتاج إلى التعاون في أمر المعاش؛ لتوقّفه على صنائع كثيرة لا يمكن القيام بها لواحد، فإذا اجتمعوا فمقتضى الشهوة و الغضب الموجود في الطباع يحصل التعدّي و التجاذب، و لا يرتفع إلّا بحكم عارف بطريقة مستقيمة منسوبة إلى اللّه تعالى، مقترنة بالمعجزات و الآيات الباهرة القاهرة، و إلّا لشاع الفساد، و اختلّ النظام الذي هو مقصود الخالق، فحسن التكليف و لزوم وجود المبلّغ، و هو النبيّ أو الوصيّ، و بعد فقدهما و عدم التمكّن منهما لا يرتفع هذا الفساد إلّا بعالم بأحكامهم، و هو المجتهد، و بعد فقده، فالداعي إلى دفع الفساد موجود، فإذا وجد العالم الموصوف و ارتفع الفساد بحكمه، فيحكم العقل بلزوم متابعته لرفع الفساد و الضرر و الحرج، و إلّا لزم تلف الأموال، و هتك الأعراض، و اختلاط الأنساب، و حصل الهرج و المرج، و دفع الفساد بحكام الجور مع النهي في الآيات (2) و الأخبار (3) في غاية التأكيد يوجب الإعانة على الإثم في الرجوع إليهم.

و ما استثنوا من جوازه، مع توقّفه على الرجوع إليهم إنّما هو من باب الاستنقاذ لو ثبت الحقّ، و ليس كلّ ما يحتاج إليه من المخاصمات ممّا حصل العلم بالحقّ للمدّعي فضلا عن غيره، كما لو علم الحال بالشاهد أو بالإقرار و غير ذلك، مع أنّه

____________

(1). مثل الآيات الكريمة في الحجّ: 78، و المائدة: 6، و البقرة: 185، و مثل أحاديث وسائل الشيعة 1: 118، أبواب الماء المطلق، ب 9، ح 5 و 11 و 14 و ....

(2). مثل ما في النساء: 60.

(3). وسائل الشيعة 18: 2، أبواب صفات القاضي، ب 1.

609

أجنبيّ بالعقل و الشرع ترك مثل هذا العالم إلى الجائر.

[حكم القضاء بالتقليد]

و القول بعدم جواز خلوّ العصر عن مجتهد، ضعيف، كما بيّنّاه في القوانين (1)، مع أنّه قد لا يمكنه الوصول إلى كلّ النواحي، لا بنفسه، و لا بواسطة المكاتبة و غيرها.

فإن قلت: قد يمكن رفع الفساد بالصلح.

قلنا: مسائل الصلح أيضا أكثرها اجتهادية في غاية الإشكال، سيّما في مواقع الصلح الإجباري، و سيّما إذا كان الطرفان أو أحدهما يتيما أو غائبا، و المفروض فقد المجتهد حتّى يقلّد في ذلك. مع أنّا نقول: إنّ الرجوع إلى هذا العالم أحد الطرق لرفع العسر و الحرج، لا أنّه منحصر فيه، فربّما يكون أحد فردي الواجب المخيّر، و ربّما يكون معيّنا.

فإن قلت: على ما ذكرت، يلزم التعدّي إلى العاميّ البحت لو فقد مثل هذا العالم و انحصر في الرجوع إليه.

قلت: فرض انتفاء المقلّد المذكور و لو من الكتب الفقهيّة في غاية البعد، فلو فرض فتلزمه أيضا لرفع الفساد؛ إذ غاية الأمر أنّه يصير مثل أيّام الجاهليّة، و لا ريب أنّ العقل الذي هو رسول الباطن حاكم مستقلّ قبل التمكّن من الشرع، فمهما حكم بوجوب رفع الفساد و حسب الممكن يجب اتّباعه و لو بارتكاب أقلّ القبيحين.

فإن قلت: غاية الأمر هنا وجوب متابعة العقل فيما يستقلّ به، و أمّا جعل ذلك حكما شرعيا من حاكم شرعيّ لا يجوز نقضه من أين؟! و هو إنّما يتمّ في رفع الفساد، أمّا مطلق نفي الضرر و الحرج فمن أين؛ إذ لم يستقل العقل في جميع موارده كثبوت خيار الغبن و لزوم الإجبار في القسمة إذا لم يتصوّر في تركه فساد؟!

قلت: نعم، و لا نريد فيه إلّا ذلك.

فإن قلت: فلم لا تقول في المقلّد المتعارف أنّ جواز حكمه إنّما هو من جهة رفع

____________

(1). القوانين المحكمة 2: 274.

610

الفساد، و لا يثبت ذلك كونه حكما فيه أيضا حتّى يترتّب عليه عدم جواز نقضه، و تترتّب آثاره عليه إلى آخر الأبد.

قلت: لمّا كان نفي العسر و الحرج و الضرر من الدلائل النقلية الشرعيّة، فيلاحظ بعد ملاحظة الشرع، و يلزم إعماله حسب الممكن، و إعماله على أقسام، فقد يستدلّ به على إثبات حكم ابتدائي كطهارة الحديد مع ورود الأخبار في نجاسته (1).

و قد يستدلّ به على تخفيف الكلفة عن طبيعة المكلّف به بالنسبة إلى أوساط الناس و الأصحّاء الخالين عن العذر، كالصلاة قاعدا، و إفطار الصوم للمريض، و إلّا فأكثر التكاليف لا تخلو عن مشقّة، سيّما مثل الجهاد و الصوم في الأيّام الحارّة، و كذا الحجّ في أغلب الأوقات. و الغالب أنّ النسبة بين نفي الضرر و الحرج و سائر الأدلّة عموم من وجه، مثل وجوب القيام مع التضرّر به، و لزوم البيع مع ضرر الغبن، فنفي العسر و الحرج و الضرر فيما نحن فيه مثبت للحكم ابتداءً كطهارة الحديد، و شموله لمثل المقلّد العامل العارف بالأحكام واضح، و لمثل العامي البحت الجاهل غير واضح، فيجب إعماله ما لم يكن دخوله تحت الجواز أجنبيّا.

و قد يبقى العسر بحاله مكلّفا به، كالجهاد، و حرمة التولّي عن الزحف، و التمكّن من الجرح و القتل. فناسبه للحكم لا مانع منه في المقلّد العارف؛ لعلمه بأحكام اللّه تعالى، و ارتباطه بطريقته الشرعية. بخلاف الجاهل البحت، فإنّه لا يعلم شمول عموم الحرج لمثله، فيتبع ما يحكم العقل به مستقلا من لزوم دفع الفساد، و هو دائر مدار دفع الفساد، لا للزوم الضرر و العسر.

و من هذا القبيل أنّهم حكموا في زوجة المفقود بوجوب الفحص أربع سنين ثمّ التزويج على الوجه المقرّر في الشرع، و مع عدم التمكّن من الفحص المذكور

____________

(1). تهذيب الأحكام 1: 425، ح 1353؛ الاستبصار 1: 96، ح 311؛ وسائل الشيعة 2: 1102، أبواب النجاسات، ب 83، ح 6.

611

لم يجوّزوا التزويج لها و إن لزم منه العسر الشديد و الحرج الأكيد كالجهاد.

نعم إذا بلغ الأمر إلى الهلاك فهو مثل ما يستقلّ العقل بحكم رفعه، و لكن ذلك لا يثبت جواز التزويج؛ إذ قد يمكن بفعل آخر و لو كان حراما، كأكل الميتة لحفظ المهجة.

و تفاوت المحرّمات أيضا، لا بدّ من ملاحظته، فربّما يكون شاب شبق اجتمع المني في أوعيته يخاف منه هلاك نفسه، تجوز له مجامعة البهيمة، و أسهل منه الاستمناء، و إلّا فالشارع جعل لكلّ من تلك الامور علاجا بالصوم و الرياضات و المجاهدات. و كذلك المرأة لو بلغ أمرها إلى حدّ الهلاك في عدم المواقعة قد يمكن تسكين نفسها بإعمال آلة من نبتة أو جماد أو شيء آخر.

و لو فرض انحصار الدفع بالحرام- العياذ باللّه- فلا نمنعه، كأكل الميتة، و ذلك لا يوجب تشريع تزويجه؛ إذ تزويجه لزوجته و زناها و مساحقتها كلّها من المحرّمات، فلا ينحصر ذلك في شيء حتّى يصير نفي الحرج مؤسّسا لحكم معيّن من الأحكام. فالاستدلال بنفي الضرر و الحرج في تزويج النساء المفقود أزواجها غفلة عن تحقيق الحقّ. فنفي العسر و الحرج دليل متين قويّ إذا لم يزاحمه أقوى منه، قد يحصل منه تأسيس حكم شرعي ابتدائي. و إذا زاحمه شيء آخر كوكول حكم اللّه تعالى إلى العاميّ الجاهل، فلا يفهم اندراجه في تلك العمومات، و إنّما المجوّز له هو دفع الفساد و الهرج و المرج، و هو معنى آخر غير دفع الضرر و الحرج.

و أمّا توهّم «التزام العسر و الحرج مطلقا حتّى لو وجد المقلّد المذكور؛ لأنّ العسر و الحرج بل التكليف بما لا يطاق إذا كان من جهة تقصير المكلّفين بتفويت اللطف على أنفسهم فلا مانع منه» فهو في غاية الضعف؛ إذ كون ذلك من تقصيرهم في جميع الطبقات و جميع الأوقات، و بالنسبة إلى جميع الأشخاص خلاف المشاهد و المعاين.

سيّما في أيّام التحصيل التي هي بمنزلة مدّة النظر في العقائد و غيرها. و سيّما إذا مات المقصّرون. و سيّما إذا حصل المانع من جانب نفس المجتهد في التعليم؛ إذ التقصير

612

منه ممكن، بخلاف الإمام، فإنّ تفويت اللطف ليس إلّا من جهة الامّة. و هو أيضا إنّما يتمّ في أشقيائهم، و لا شكاية على الصلحاء المتّقين المحرومين بوساطة الأشقياء.

فتأمّل جدّا فيما ذكرته لتبيّن لك حقيقة المقال، و المعوّل على اللّه المتعال المفضال. و لزوم العسر و الحرج الشديد يقرّب ذلك، سيّما إذا كان في غاية الورع و الدقّة مع مرتبة من العلم، و الاحتياط سبيل النجاة.

و إذا لم يجز العدول إلى ذلك، فحكّام الجور أولى بعدم الجواز، مع ما ورد من المنع الشديد في الآيات و الأخبار. و في بعضها عدم جواز أخذ شيء بحكمهم و إن كان حقّا.

و قد يستثنى من ذلك ما لو توقّف حصول حقّه عليه، بحمل تلك الأخبار على صورة الاختيار، ثمّ تشعر به رواية أبي بصير (1)، و ليس بذلك البعد.

و ما ذكرنا جار في حكّام الجور منّا أيضا.

المسألة الرابعة: في عدم جواز أخذ الحاكم الأجرة و الجعالة من الخصوم

لا يجوز أخذ الأجرة و الجعالة من الخصوم و غيرهم على القضاء؛ لأنّه واجب، و لا يجوز توقيف الواجب على شرط، عينيا كان أو كفائيا، و قياسه على الصنائع التي لا يقوم النظام إلّا بها باطل؛ لأنّ الوجوب فيها أعمّ من المجاز، بل ظاهر الأدلّة و مقتضى نظام الكلّ جوازه، مضافا إلى ما نطقت به الأخبار، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ مقتضى الأمر المطلق هو الواجب المطلق، و ما قيل بالفرق بين ما تعيّن عليه القضاء و ما لم يتعيّن ضعيف (2).

و هناك أقوال أخر أضعف منه، و الحقّ ما ذكرنا.

____________

(1). الكافي 7: 411، ح 3؛ تهذيب الأحكام 6: 219، ح 517؛ وسائل الشيعة 18: 2، أبواب كيفية الحكم، ب 1، ح 3.

(2). كشف اللثام 2: 143.

613

جواز الارتزاق من بيت المال

و أمّا الارتزاق من بيت المال أو غيره، فلا بأس به إن لم يكن المقصود من القضاء ذلك، و كان القاضي محتاجا، أو غير محتاج على كراهة. و بيت المال معدّ للمصالح العامّة للمسلمين، كما نطقت به مرسلة حمّاد بن عيسى (1) المعمول بها، بل المجمع عليها، و هو من أعظمها، و هي كثيرة: مثل أئمّة الصلاة، و والي بيت المال، و المؤذّنون، و المكاتبون، و الكاتب، أو لضبط بيت المال، و معلّمو القرآن و الآداب و غيرها.

و قيل: إن كان القضاء متعيّنا عليه بتعيين الإمام أو الانحصار فيه، و كان له كفاية، فلا يجوز له الارتزاق (2)، و هو أحوط.

حرمة الرشوة

و أمّا الرشوة، و هي أخذ شيء لأن يحكم لأحد أو على خصمه، أو لإرشاده إلى ما يقتضي ذلك: فهي حرام بإجماع المسلمين، سواء كان حكم له أو عليه، بحقّ أو باطل، و خصّصه بعضهم بالباطل (3).

و الأقوى ما ذكرنا؛ لدلالة العرف و اللغة (4). و في الروايات الكثيرة: أنّه الكفر باللّه العظيم (5).

____________

(1). الكافي 1: 539، ح 4؛ تهذيب الأحكام 4: 128، ح 366؛ وسائل الشيعة 18: 162، أبواب آداب القاضي، ب 8، ح 2.

(2). الشيخ في المبسوط 8: 84.

(3). كما في النهاية في غريب الحديث و الأثر 2: 266 قال: فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل.

(4). القاموس المحيط 4: 336.

(5). الكافي 7: 409، ح 2؛ تهذيب الأحكام 6: 222، ح 526؛ وسائل الشيعة 18: 162، أبواب آداب القاضي، ب 8، ح 3.

614

و كذلك يحرم الإعطاء؛ لقوله (عليه السلام): «لعن اللّه الراشي و المرتشي» (1) و لكونه إعانة على الإثم.

ثم قيل: إلّا أن يتوقّف تحصيل حقّه عليها، فيحرم على المرتشي خاصّة (2)، و لا بأس به؛ لأنّ الضرورات تبيح المحظورات (3).

و في بعض الصحاح: نفي البأس من الرشاء لغاصب المنزل حتّى يحول منه.

و يجب ردّها على صاحبها بعينها إن كانت باقية، و إلّا فمثلها أو قيمتها بلا خلاف ظاهر بيننا، بل يظهر الإجماع من المسالك (4) و غيره. و نقل عن بعض العامّة حصول الملك و إن حرم الأخذ.

حكم الهدية

و أمّا الهدية حال الدعوى: فنقل عن الشيخ في المبسوط أنّه قال بالحرمة إذا كان حال الخصومة أو في غيرها إن لم يعهد منه هدية قبل تولّي القضاء، و كان في محلّ ولايته أو عهده، و لكن أحسّ منه إرادة الحكم؛ لما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله): «هدايا العمّال غلول» (5) و «إنّ هدية العمّال سحت» (6) و غير ذلك، و بالكراهة إذا كانت في غير حال الحكومة ممّن جرت عادته بذلك قبل التولّي. و استحسنه في المسالك و قال:

«لم يتعرّض إليه كثير».

____________

(1). عوالي اللآلي 1: 266، ح 60؛ مستدرك الوسائل 17: 355، أبواب آداب القاضي، ب 8، ح 8.

(2). اللمعة الدمشقية (الروضة البهية) 3: 75.

(3). تهذيب الأحكام 6: 375، ح 1095؛ وسائل الشيعة 12: 207، أبواب ما يكتسب به، ب 85، ح 3 و انظر الباقي من أحاديث الباب.

(4). مسالك الأفهام 3: 136.

(5). أمالي الشيخ 1: 268؛ وسائل الشيعة 18: 163 أبواب آداب القاضي، ب 8، ح 6. و متن الحديث «هدية الامراء غلول».

(6). كنز العمال 6: 111 و فيه: هدايا العمال ...

615

ثمّ قال: «و في حكم غير المعتاد ما لو زادها وصفا و قدرا، و هديّته في غير محلّ الولاية كهديّته ممّن عهد منه الهدية، و كذا لو أرسلها من غيره إليه لا بقصد حكومة» (1).

أقول: عمومات ما دلّ على استحباب الهدية (2) لا يجوز تخصيصها إلّا بما يقاومها، و دلالة الأخبار الّتي استدلّ بها الشيخ مع سلامة سندها ليست بذلك الظاهر، بل الظاهر منها الهدية من جهة العمل، لا مطلق الهدية.

فما تبيّن المراد منها من كونها لأجل الحكومة فحرام، أو لا لأجله فحلال، و أمّا المشتبه: فالكراهة، و لا ريب أن سدّ الباب أولى و أحفظ.

المسألة الخامسة: في وجوب التسوية بين الخصمين

لا خلاف في وجوب التسوية بين الخصمين في العدل في الحكم.

و أمّا التسوية بغيره من السلام، و ردّه، و النظر، و الإشارة، و طلاقة الوجه، و الكلام و الإجلاس، و القيام لهما، و سائر أنواع الإكرام، و الإنصاف لكلّ منهما إذا وقع منه ما يقتضيه، و الإنصات في غير ما يتوقّف عليه سماع نفس الدعوى: فالمنقول عن الأكثرين (3) الوجوب؛ لخبر السكوني (4) و غيره (5).

و ذهب سلّار و العلّامة في المختلف إلى الاستحباب (6)؛ استضعافا؛ و عملا بالأصل.

____________

(1). مسالك الأفهام 13: 419.

(2). وسائل الشيعة 12: 215، أبواب ما يكتسب به، ب 90 و 91.

(3). نقله عن الصدوقين في مختلف الشيعة 8: 421، و اختاره في النهاية: 338؛ شرائع الاسلام 4: 80؛ تحرير الأحكام 2: 183 و نسبه في الروضة البهية 3: 72 إلى المشهور.

(4). الكافي 7: 413، ح 3؛ تهذيب الأحكام 6: 226، ح 543؛ وسائل الشيعة 18: 157، أبواب آداب القاضي، ب 3، ح 1.

(5). وسائل الشيعة 18: 157، أبواب آداب القاضي، ب 3؛ مستدرك الوسائل 17: 350، أبواب آداب القاضي، ب 3.

(6). المراسم: 230؛ مختلف الشيعة 8: 421، مسألة 22.

616

و لا ريب أنّ الأوّل أحوط إن لم نقل بالوجوب؛ لانجبار ضعف السند هذا بالنظر إلى الظاهر.

و أمّا الميل القلبي: فما لا يملك منه لا يكلّف، فقد روي عنه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه لمّا قسم بين نسائه كان يقول: «هذا قسمي فيما أملك، فأنت أعلم بما لا أملك» (1).

و ما ذكرنا إنّما هو في المتساويين في الإسلام و الكفر، و إلّا فيجوز رفع المسلم على الكافر في المجلس، و إجلاس المسلم دونه، بل المتميّز بسائر أفراد الإكرام عدا العدل في الحكم.

المسألة السادسة: في حرمة تلقين أحد الخصمين ما يضرّ بخصمه

قالوا: إنّه يحرم عليه تلقين أحد الخصمين ما يضرّ بخصمه، و أن يهديه لوجوه الاحتجاج؛ معلّلا بأنّه منصوب لسدّ باب المنازعة، و هذا يوجب فتحه.

فإن أرادوا بذلك تعليم ما ليس بحقّ- كما لو أراد الإقرار بالحقّ فعلّمه الإنكار، أو اليمين فيلقّنه النكول، أو النكول فيجريه على اليمين كما فسرّه في التحرير (2)- فلا خفاء في حرمته.

و إمّا أن يعلّمه دعوى صحيحة مع علمه بالحقّ- مثل أن يدّعي عليه قرضا فأراد الجواب بالأداء، فيلقّنه إنكار أصل الحقّ لئلّا تلزمه البيّنة، أو يدّعي بعنوان التردّد، فيعلّمه الجزم بالدعوى حتّى تكون مسموعة، كما فسّر به غيره- فالحكم بالحرمة غير واضح.

و مال إليه المحقّق الأردبيلي (رحمه اللّه) قال: «إذ فتح باب المنازعة الحقّة الّتي تصير سببا لعدم إبطال حقوق الناس ما نعرف فساده، إلّا أن يكون لهم دليل آخر من إجماع أو

____________

(1). مسند أحمد 6: 144؛ سنن الدارمي 2: 144؛ سنن أبي داود 2: 242، ح 2134؛ سنن ابن ماجة 1: 634، ح 1971؛ سنن النسائي 7: 64؛ سنن الترمذي 3: 446، ح 1140؛ سنن البيهقي 7: 298.

(2). تحرير الأحكام 2: 183.

617

غيره فتأمّل» (1).

قال في المسالك: «نعم، لا بأس بالاستفسار، و إن أدّى إلى صحّة الدعوى، بأن يدّعي دراهم فيقول: أ هي صحاح أم مكسورة؟ إلى غير ذلك، و يحتمل المنع منه أيضا» (2).

قال في الدروس: «و لا يحرم تلقين التحرير؛ لأنّ فيه تحقيق الدعوى، خلافا للمبسوط؛ لأنّ فيه كسر قلب خصمه» (3).

المسألة السابعة: في عدم وجوب أمرهما بالتكلّم إذا سكتا

إذا سكت الخصمان، فلا يجب على القاضي أمرهما بالتكلّم، و لكنّهم ذكروا أنّه يستحبّ له أن يكون هو أو من يأمره «تكلّما» أو يتكلّم المدّعي متكلّما من غير تخصيص أحدهما بالخطاب، إذ هو مخالف للتسوية المتقدّمة.

إلّا أن يقال: إنّه ابتداء التكلّم في طي الدعوى، و يلزمه التوجّه إلى كلّ منهما لاستماع كلامه، فلا يستفاد منه ترجيح، فلا يكون حراما، و هو مشكل؛ لأنّ الابتداء بالالتفات بدون ضرورة أيضا ترجيح. إلّا أن يقال بعدم انصراف إطلاق دليل التسوية إلى مثل ذلك و لذلك، حكم بعض من أوجب التسوية بكراهة التخصيص هنا، كالشهيد في اللمعة (4) و المحقق (5). و القول بأنّه رجوع عن الفتوى السابقة بعيد.

المسألة الثامنة: في من يسمع القاضي كلامه أوّلا من المتداعيين

إذا ورد خصمان كلّ واحد منهما يدّعي على الآخر، فابتدأ أحدهما فلا إشكال

____________

(1). مجمع الفائدة و البرهان 12: 54.

(2). مسالك الأفهام 13: 430.

(3). الدروس الشرعية 2: 84، و انظر المبسوط 8: 156.

(4). اللمعة الدمشقية (الروضة البهية) 3: 75.

(5). شرائع الإسلام 4: 72.

618

في تقديمه، و إن قال الآخر: كنت أنا المدّعي فيجيب عن هذه الدعوى ثمّ يلتفت إلى الآخر.

و إن ابتدءا معا، فالمشهور الأقوى أنّه يستمع من الذي على يمين صاحبه (1).

و جعله المرتضى (رحمه اللّه) ممّا انفردت به الإمامية، و نقل إطباقهم عليه في الانتصار (2).

و عن الشيخ: أنّه بعد نقل إجماع الطائفة على ذلك مال إلى القرعة (3). و الأصل فيه:

رواية محمّد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن يقدّم صاحب اليمين في المجلس بالكلام» (4). و أوّله ابن الجنيد بالمدّعي؛ لأنّه صاحب اليمين المردودة (5).

و طعن عليه السيّد (6)، و هو في محلّه، مع أنّ فهم الأصحاب متّفقين عليه قرينة واضحة على إرادة الجانب.

و تؤيّده صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا تقدّمت مع خصم إلى وال أو إلى قاض، فكن على يمينه، يعني يمين الخصم» (7).

و أنّ ما لو تعدّد الخصوم فيقدّم أسبق المدّعين- و لا تعتبر سبقة المدّعى عليه- فالأسبق، و لهذا مع عدم تضرّر بعضهم كالمسافر الذي تذهب رفقته، و مع الاتّفاق أو الجهالة تستعمل القرعة.

و الظاهر أنّه يعتبر في كلّ واحد منهم خصومة واحدة. و كذلك الكلام في اجتماع

____________

(1). حكاه عن المشهور في مختلف الشيعة 8: 412، المسألة 14، و في مسالك الأفهام 13: 434.

(2). الانتصار: 243.

(3). الخلاف 6: 234، المسألة 32.

(4). الفقيه 3: 7، ح 25؛ وسائل الشيعة 18: 160، أبواب آداب القاضي، ب 5، ح 2.

(5). حكاه عنه السيد في الانتصار: 244، و العلامة في مختلف الشيعة 8: 413، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 434.

(6). الانتصار: 243.

(7). الفقيه 3: 7، ح 26؛ تهذيب الأحكام 6: 227، ح 548؛ وسائل الشيعة 18: 159، أبواب آداب القاضي، ب 5، ح 1.

619

الطلبة عند المدرّس، و المستفتين عند المفتي مع وجوب التعليم و الإفتاء. و يجوز جمعهم على درس واحد مع تقارب الأفهام. و الظاهر أنّ الكلام في الطلبة المتزاحمين بعد تعيين الدرس أيضا كذلك في التقديم و التأخير.

المسألة التاسعة: في وجوب الحكم إذا كانت الدعوى واضحة و في كيفية صورة الحكم

إذا كان الحكم بعد تحرير الدعوى واضحا عند القاضي، فيجب أن يحكم لصاحبه، و الظاهر أنّه بعد مطالبة المدّعي به صريحا أو فحوى، و إلّا فلا يجب؛ لأنّه حقّه، و قد يريد تركه.

و إن لم يكن واضحا عنده، فيرجي حتّى يتبيّن له بالمراجعة و التأمّل.

و صورة الحكم أن يقول: «حكمت» أو «قضيت» أو «أنفذت» أو «ألزمت» أو نحو ذلك، دون قوله: ثبت عندي، أو دعواك ثابتة، و نحوها؛ لعدم دلالتها على الحكم.

و لا ريب أنّ القاطع للدعوى هو حكم الحاكم و إن كان قد ثبت الحكم بدونه، كما في صورة إقرار المنكر بالحقّ.

و الظاهر أنّ أمره بأخذ العين أو التصرّف فيها و نحوهما أيضا مجز.

و يستحبّ قبل الحكم ترغيبهما في الصلح، لأنّه خير و لكنّهم ذكروا أنّه يكره أن يشفع إلى المستحقّ في إسقاط أولي، و إلى المدّعي في إبطال دعوى (1)، و ظاهرهما التنافي.

و وجه الجمع كما ذكر في المسالك إمّا بجعل الصلح متوسّطا بين الإسقاط و عدمه، أو جعله مستثنى كما يقتضيه كلام الأصحاب؛ لأنّ الصلح خير، أو بعث

____________

(1). كما في شرائع الإسلام 4: 81؛ قواعد الأحكام 2: 205.

620

غيره على ترغيبهما في ذلك و الوساطة بينهما في الصلح، كما صرّح به أبو الصلاح (1)، قال: و هذا أولى (2).

خاتمة في آداب القاضي

[كراهة اتّخاذ الحاجب]

قالوا: يكره أن يأخذ حاجبا؛ للرواية عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال: «من ولي شيئا من أمور الناس فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم احتجب اللّه دون حاجته و فاقته و فقره» (3).

و قيل بالحرمة (4)، عملا بظاهر الرواية.

و ربّما قيّدت الكراهة بوقت القضاء.

و التحقيق أن يقال: إنّه إذا كان مانعا عن حوائج الناس مطلقا أو في بعض الأحيان، فيحرم؛ لوجوبه عليه، و لا يتمّ إلّا بترك أخذ الحاجب.

و أمّا إن لم يمنع من ذلك- كما إذا عيّنه لمنع من يجوز منعه من الظلمة أو المفسدين أو البطالين الشاغلين للوقت، المضيّعين للعمر، أو لأنّه عيّن وقتا خاصّا للقضاء، و وقتا آخر للمشاغل الدينية أو الدنيوية، و لم نقل بفورية الحكم مطلقا، بل بفوريته فيما يتضرّر أرباب الحاجة بتركه، إن لم يعارضه تضرّر القاضي دون غيره، و عيّن الحاجب لحراسته ذلك الوقت، و إعلام حال ذوي الحاجات- فالحرمة غير معلومة.

و وجه الكراهة: احتمال استحياء ذوي الحاجة عن استئذان الحاجب، فتفوت حاجته، أو التباسه على الحاجب، أو تعدّي الحاجب عمّا يلزمه من التمييز و ترخيص المستحقّ. و عليه يحمل ظاهر الرواية.

____________

(1). الكافي في الفقه: 447.

(2). مسالك الأفهام 13: 435.

(3). مسند أحمد 5: 238؛ سنن أبي داود 3: 135، ح 2948؛ مستدرك الحاكم 4: 93؛ سنن البيهقي 10: 101؛ تلخيص الحبير 4: 188، ح 2089.

(4). نقله الشيخ فخر الدين في إيضاح الفوائد 4: 310 عن بعض الفقهاء و استحسنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 377.

621

و يظهر ممّا ذكر: أنّه إذا كان الحاجب لدفع الضرر، فالكراهة أيضا غير معلومة، بل عدمها معلوم.

و ربّما يقال بكراهة الحاجب لغير القاضي أيضا، من المفتي و المدرّس، بل لغيرهم؛ لمنعه عن زيارة الإخوان، مع جبر احتمال عدم الرضا بلزوم الاستئذان المقرّر من الشارع، إلّا مع الخوف كما ذكرنا.

و لا ينافي كراهة الحاجب للقاضي لزوم الاستئذان، فلا وجه لتفريع عدم وجوب الاستئذان على كراهة الحاجب كما لا يخفى. و إن كان الأولى للقاضي أن يجلس في محلّ و لا يحتاج إلى الاستئذان.

و يجب أن يكون كاتب القاضي عدلا؛ ليكون مؤتمنا على ما يكتب، كقيّم الأيتام، و الغيّب.

و يستحبّ أن يكون فقيها؛ ليكون أبصر بمواقع الأحوال.

[كراهة القضاء مع عروض ما يشغل الفكر]

و يكره أن يقضي في حال الغضب، و الهمّ، و الجوع، و الفرح، و الوجع المفرطات و النعاس، و مدافعة الأخبثين، و كلّ ما يشغل الفكر و يقسمه بشهادة العقل و الأخبار في كثير منها (1)، و يستفاد منها أنّ العلّة هي اشتغال النفس.

و قيّد بعضهم الغضب بغير ما كان لغير اللّه، فلا كراهة فيما كان الغضب للّه، كما في محاكمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بين الزبير و الأنصاري (2).

و فيه إشكال، و القياس بالمعصوم كما ترى.

و كيف كان فيمضي الحكم في جميع هذه الأحوال إذا كان حقّا.

و يكره له تولّي البيع و الشري لنفسه؛ لبعض الروايات (3)، و لا يضرّ ضعفها؛

____________

(1). وسائل الشيعة 18: 156، أبواب آداب القاضي، ب 2.

(2). سنن البيهقي 10: 106.

(3). الروايات الواردة في تولّي التجارة كما في الجامع الصغير للسيوطي 2: 500، ح 7941؛ المغني لابن قدامة 11:

440، ح 8269.

622

للمسامحة في أمثال ذلك.

و الظاهر أنّ سائر المعاملات أيضا كذلك، و دلالة الاعتبار أيضا عليه.

بل ربّما قيل بكراهتها بوكيله المعلوم للناس أيضا.

و كذلك تكره له الحكومة بنفسه عند قاض.

و استعمال الانقباض و اللّين المفرطين، لتسبيبهما للإيحاش و الجرأة.

و ضيافة أحد الخصمين؛ للرواية (1)، و منافاته للتسوية المقدّمة.

و كذلك تعيين قوم معيّنين للشهادة مع تساويهم في أصل العدالة.

و أنّ يغيّب الشهود، فيفرّق بينهم، و يدقّق في الاستفسار مع عدم التهمة.

و يستحبّ مع الريبة و احتمال غلطهم تفريقهم، و يسأل كلّ واحد عن مشخّصات القضيّة زمانا و مكانا و غيرهما من المشخّصات؛ ليعرف بذلك صدقهم و كذبهم، كما نقل في الأخبار، عن دانيال و داود (عليهم السلام)، ثمّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2).

[حرمة تعتعة الشاهد]

و يحرم عليه أن يتعتع الشاهد، و هو أن يداخله في الكلام في الأثناء، و يتعقّب كلامه بشيء يتمّه به، بحيث يوجب ذلك صحّة الشهادة أو فسادها، بل يصبر حتّى يتكلّم بما عنده، ثمّ يقضي بمقتضاه.

و إذا تردّد الشاهد، فلا يجوز له ترغيبه على الإقامة، و لا تزهيده عن الشهادة، فإنّه قد يكون لشكّ حصل له، فلا تجوز الإقامة، أو لنسيان طرأ عليه، فقد يتذكّر بعد التأمّل.

و ذلك كلّه لئلّا يوجب الحكم إزهاق حقّ أو إقامة باطل.

و أمّا إعلام الشهود، و وعظهم بوجوب الأخذ باليقين، و عدم جواز الشهادة إلّا على ما علم مع ارتيابه فيهم؛ فلا يضرّ.

____________

(1). الكافي 7: 413، ح 4؛ الفقيه 3: 7، ح 3؛ تهذيب الأحكام 6: 226، ح 544؛ وسائل الشيعة 18: 157، أبواب آداب القاضي، ب 3، ح 2.

(2). وسائل الشيعة 18: 204، أبواب كيفية الحكم، ب 20؛ مستدرك الوسائل 17: 387، أبواب كيفية الحكم، ب 17.

623

و لا يجوز أن يوقف عزم الغريم عن الإقرار، فإنّ ذلك سبب لإتلاف الحقّ.

نعم، لا بأس بذلك إذا كانت الدعوى في حقوق اللّه، بل يستحبّ ذلك.

و كذلك يكره للغير تحريضه على الإقرار؛ لأنّ اللّه تعالى ستّار يحبّ البرّ، و حقوقه مبنيّة على التخفيف، كما دلّت عليه الأخبار، منها قضيّة ماعز (1).

و في كراهة القضاء في المسجد مطلقا؛ لما ورد في الأخبار أنّه إنّما بني للذكر (2)، و القضاء ليس بذكر عرفا. و في خبر آخر: «جنّبوا المساجد صبيانكم و مجانينكم و خصوماتكم و رفع أصواتكم» (3)، و لاستلزامه لدخول الغير المتوقّين عن النجاسة و الحيض أحيانا.

و استحبابه مطلقا؛ لإيقاع أفضل الأعمال في أفضل المواضع.

أو كراهته دائما لا في بعض الأوقات؛ جمعا بين ما دلّ على المنع (4)، و عموم ما دلّ على وجوب القضاء (5)، سيّما مع كونه فوريا، و خصوص ما دلّ على فعل أمير المؤمنين، و اشتهار دكّة القضاء (6) لا يستلزم دوام القضاء فيها، مع ثبوت الفرق بينه (عليه السلام)، و بين غيره.

أو جوازه بالمعنى؛ لتصادم الأدلّة، و الرجوع إلى الأصل.

أو كراهة إجراء الحدود و التعزيرات دون غير أقوال.

و لا يبعد ترجيح القول بالكراهة دائما، دون بعض الأحوال؛ جمعا بين الأدلّة.

و قد ذكروا آدابا أخر من السنن و المكروهات تركناها إيثارا للأهمّ.

____________

(1). نيل الأوطار 7: 104، باب استفسار المقرّ بالزنا، و نقلها الشهيد الثاني في الروضة البهيّة 3: 92.

(2). ورد مضمونه في وسائل الشيعة 3: 492، أبواب أحكام المساجد، ب 14.

(3). سنن ابن ماجة 1: 247، ح 750؛ سنن البيهقي 10: 103؛ مجمع الزوائد 2: 25 و 26؛ نصب الراية 2: 492؛ تفسير القرطبي 12: 270.

(4). وسائل الشيعة 3: 507، أبواب أحكام المساجد، ب 27.

(5). نفس المصدر 18: 3، أبواب صفات القاضي، ب 1.

(6). حكاه في التنقيح الرائع 4: 241، و انظر مسالك الأفهام 13: 379.

624

المطلب الثاني: في الدعوى و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في تعريف المدّعي و المنكر

المدّعي هو من ترك لغير الكلام؛ لأنّه المتبادر عرفا.

فحمل من ورد في الأخبار من اسم المدّعى عليه؛ لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و المدار على العرف.

و قيل: هو من ادّعى خلاف الأصل، و هو أيضا مصداق للأوّل.

و قيل: هو من ادّعى خلاف الظاهر (1) و المنكر مقابله في الجميع.

و يتّفق مورد الجميع في الأغلب، كما لو ادّعى أحد مالا في يد مسلم، أو دينا على ذمّته.

و قد يختلف، و مثّلوا له: بما لو أسلم الزوجان قبل الدخول، و ادّعى الزوج التقارن لتبقى الزوجيّة و الزوجة التعاقب لتفسخ، فالتقارن موافق للأصل، و التعاقب مخالف لأصالة تأخّر الحادث، فلا يثبت تقدّم أحد الحادثين على الآخر، لكنّ التعاقب هو الظاهر؛ لندرة وقوع التقارن، فيختلف مورد التعريفين الأخيرين هنا.

و أمّا التعريف الأوّل: فقالوا: إنّ المدّعي هنا الزوجة؛ لأنّها تترك لو تركت، و لكن الزوج لا يترك لو ترك؛ لأنّ المرأة تدّعي انفساخ النكاح، فإمّا يحلف الزوج و يستمرّ على النكاح، أو ينكل فيفسخ.

و قيل: إنّ الزوج هو المدّعي؛ لأنّ النكاح حقّه، فإذا لم يطالبها ترك، و هي لا تترك لو سكتت (2).

____________

(1). حكاهما الشهيد الثاني في الروضة البهية 3: 76، و المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 12: 114.

(2). انظر الروضة البهيّة 3: 77؛ مجمع الفائدة و البرهان 12: 114.

625

و الحقّ أنّ المدّعي هو من لو ترك الكلام و بقي على حاله من كونه زوجا الذي كان عليه قبله يترك، لا أنّه يترك (1) مطلقا. فالمدّعي حينئذ هي الزوجة؛ لأنّها لو تركت الدعوى و بقيت على حالها التي كانت عليها من الزوجية تركت؛ بخلاف الرجل، فإنّه لو ترك الكلام و بقي على حاله من كونه زوجا لم يترك.

فإذا انعكس الأمر و ادّعى الرجل التعاقب، فقال: لا نكاح و لا مهر، و ادّعت هي المقارنة و النكاح و المهر فينعكس.

و توجّه اليمين في بعض الموارد إلى المدّعي لا يوجب نقضا في تعريف المدّعي لشبهة كونه منكرا كالأمين و غيره.

المبحث الثاني: في الشرائط المعتبرة في المدّعي

يشترط أن يكون المدّعي عاقلا بالغا رشيدا. و أن يدّعي لنفسه، أو لمن له ولاية الدعوى عنه، كالأب و الجدّ و الوصيّ و الحاكم و الوكيل حين ثبوتها عندهم.

قالوا: و لا يحلف هؤلاء إذا ردّ عليهم، و كذا لا يحلفون المنكر؛ إذ لا صلاح للمولّى عليه في إسقاط حقّه، فينتظر رفع المانع عنه. و أن يكون ممّا يملك، و ممّا يملكه المسلم أو يستحقّه.

[اشتراط كون الدعوى ملزمة]

و كذلك قالوا: و يشترط كون الدعوى تلزمه، فلو ادّعى هبة غير لازمة مثلا، و أنكر المدّعى عليه لا يسمع؛ لأنّ الإنكار في معنى العكس.

و ربّما يستشكل ذلك بمثل شراء الحيوان، فلا يجوز إلّا مع ضمّ مضي زمان الخيار مثلا، و الظاهر أنّه لا قائل به، فالملك أمر، و لزومه أمر آخر، فلا ينافي عدم اللزوم صحّة الدعوى.

و يمكن أن يقال: إنّ مرادهم كونها ملزمة في الجملة، فلا يسمع في مثل

____________

(1). في «ح»: لا يترك.

626

شراء الحيوان إذا لم تنقض أيّام الخيار دعوى الملك الذي لا يقبل الانفساخ، لا مطلق الملك. فدعوى الملك في زمان الخيار دعوى لحصول الملك في الجملة لا مطلقا، و هي ملزمة، و تترتّب عليها ثمرات الملك قبل الفسخ.

و على هذا، فتسمع دعوى الهبة الغير اللازمة، و الرهن الغير المقبوض إن شرطنا فيه القبض في نحو ذلك، بمعنى حصول ثمرة تترتّب على أصل وجودهما، و إن لم يسمع بالنظر إلى لزومهما.

[كفاية معلومية المدّعى به في الجملة]

و هل يشترط كون ما يدّعى به معلوما معيّنا بالشخص أو بالوصف أو القيامة أو بالجنس و النوع و القدر، أو تكفي معلوميته في الجملة، كأن يدّعي ثوبا أو فرسا أو مالا؟

ذهب الشيخ (1) و الشهيد في الدروس (2) إلى الأوّل؛ لعدم الفائدة، و هو حكم الحاكم لو أقرّ به المدّعى عليه.

و آخرون إلى الصحّة (3)، و هو أقوى؛ للعمومات (4)، و لحصول الفائدة بإلزامه بالمسمّى، و يحلف على نفي الزائد إذا أدّعي عليه، أو على نفي العلم بالزائد إن ادّعى هو الجهالة أيضا.

و أيضا قد يعلم المدّعي حقّه بوجه ما، لا بشخصه و صفته، فيبطل حقّه لو لم يسمع.

و ربّما يؤيّد ذلك بسماع الإقرار المجهول اتّفاقا، و كذا دعواه، و نقل عليه الإجماع أيضا.

____________

(1). المبسوط 8: 157.

(2). الدروس الشرعية 2: 84.

(3). كالشهيد الثاني في الروضة البهيّة 3: 79.

(4). كالآية 49 من المائدة وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ و الآية 64 من النساء فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.

627

[اشتراط الجزم في الدعوى و عدمه]

و في اشتراط الجزم في الدعوى قولان:

[الأول] نقل عن المشهور اعتبار الجزم في الدعوى، فلو قال: أظنّ أو أتوهّم، لم تسمع (1)، خلافا للشيخ نجيب الدين بن نما (رحمه اللّه) فإنّه جوّز سماعها في التهمة (2).

[الثاني] نقل في المسالك القول بالسماع للظاهر أيضا (3).

و المفهوم من كلام القطب الكيدري (4) و الفاضلين (5) و الشهيدين (رحمهما اللّه) (6) أنّ مرادهم من اعتبار الجزم كونها في صورة الجزم، بأن يقول: لي عنده كذا، دون أن يقول: أظنّ و نحوه. لا الجزم به في نفس الأمر؛ لأن المدّعي إذا كانت له بيّنة شهدت له و هو لا يعلم به، فلا يحصل من البيّنة و الإقرار غالبا إلّا الظنّ.

و استدلّوا على ذلك بأنّ المتبادر من الدعوى و المدّعي هو ذلك، فلا يتحقّق مورد الأخبار القائلة: إنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر (7)، إلّا بذلك.

و بأنّ الدعوى يلزمها تعقّب اليمين المردودة على المدّعي، و القضاء بالنكول، فيلزم مع عدم الجزم أخذ مال المدّعى عليه بمجرد المظنّة.

و اعترض عليهم المحقّق الأردبيلي (8) (رحمه اللّه) و صاحب الكفاية (9) بأنّ ذلك تدليس و كذب إن لم ينو التوراة، و أنّ تعقّب اليمين المردودة، و القضاء بالنكول يقتضي الجزم في نفس الأمر في جواز الدعوى، لا الجزم بحسب الصيغة، و إنّما هو ينفع القاضي،

____________

(1). كالمحقّق في شرائع الإسلام 4: 82، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 436، و السبزواري في كفاية الأحكام: 266، و السيّد عليّ في رياض المسائل 2: 410.

(2). حكاه عنه فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 4: 327 و 328، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 438.

(3). مسالك الأفهام 13: 438.

(4). إصباح الشيعة: 527، و حكاه عنه في رياض المسائل 2: 410.

(5). شرائع الإسلام 4: 80.

(6). الدروس الشرعية 2: 84؛ مسالك الأفهام 13: 438.

(7). وسائل الشيعة 18: 170، أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ب 3.

(8). مجمع الفائدة و البرهان 12: 125.

(9). كفاية الأحكام: 266.

628

فدليلهم لا ينطبق على مدّعاهم.

[تحقيق حول اشتراط الجزم]

أقول: و الظاهر من هؤلاء الفحول أنّهم لم يجوّزوا إتيان الصيغة الدالّة على الجزم في غير ما جاز ذلك، مثل المثالين المذكورين، فإنّ الظن الحاصل من البيّنة و الإقرار تصحّ معه هذه الدعوى؛ لأنّ الظنّ الشرعي قائم مقام العلم.

و مرادهم بتعقيب اليمين المردودة و القضاء بالنكول، هو التعقّب في الجملة لا مطلقا، يعني أنّ هذه الفروع لا توجد إلّا في مورد تلك الصيغة، لا أنّ تلك الصيغة تكون موردا لها دائما، فلا تكون صيغة الظنّ و الوهم موردا لها.

و يمكن أن يراد أنّ هذه الفروع إنّما تترتّب على الصيغة الجازمة الصحيحة عند القاضي على الظاهر بالنسبة إلى حال المسلم، المفيدة بإطلاقها الجزم الواقع و إن كان باطلا في نفس الأمر، كما في صورة الأداء بصيغة الجزم، مع كونه كاذبا في نفس الأمر.

و مرجع هذا الكلام إلى أنّ شرط سماع الدعوى هو الجزم بها، لا أنّه لا بدّ أن يأتي المدّعي بصيغة الجزم و إن لم يكن جائزا له.

و أمّا موارد جواز الإيراد كذلك و عدمه: فهو مبيّن في الخارج عند أهل الإسلام.

فعلى هذا. لو أدّى الدعوى بصيغة الظنّ مع كونه جازما في نفس الأمر، لم تسمع، و لو أدّى بعكسه، تسمع. فهذا من الأحكام الوضعية لا الطلبية حتّى يستلزم تجويز التدليس و الكذب. فلو ظهر بعد ردّ الحلف و نحوه خلاف ما ظهر من ادّعائه الجزم، فيبدّل الحكم.

نعم، يبقى الكلام في أصل المسألة و النظر في الأدلّة.

و الحقّ عدم الاشتراط؛ لمنع عدم شمول الدعوى لدعوى المظنّة، بل هي أيضا دعوى و منع عموم الدعوتين المتقدّمتين، بل إنّما نسلّمها فيما لو ضمّ إلى ذكر الصيغة بعنوان الجزم لنفس الأمر، و لم يظهر خلافه عند القاضي، و بذلك تظهر قوّة السماع

629

مطلقا، سيّما في التهمة، كما ذهب إليه نجيب الدين بن نما (1) (رحمه اللّه) كما يظهر من جماعة من المتأخّرين، كالشهيد في غاية المراد (2)، و الشهيد الثاني (رحمه اللّه) في شرح اللمعة (3).

و لعلّهما أرادا من ذلك التفصيل الذي يظهر من ابن نما (رحمه اللّه).

و الأقوى السماع مطلقا؛ لعموم الأدلّة، مثل قوله تعالى: وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ (4) فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ (5) و غيره (6)، و أصالة عدم الاشتراط.

و يدلّ عليه أيضا: ما رواه الصدوق في الصحيح، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «لا يضمن الصائغ و لا القصّار و لا الحائك إلّا أن يكونوا متّهمين، فيجيئون بالبيّنة، و يستحلف لعلّه يستخرج منه شيئا» (7).

و الشيخ، عن بكر بن حبيب، عنه (عليه السلام)، قال: «لا يضمن القصّار إلّا ما جنت يداه، و إن اتّهمته أحلفته» (8).

و أيضا بهذا الإسناد قال، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أعطيت جبّة إلى القصّار، فذهبت بزعمه، قال: «إن اتّهمته فاستحلفه، و إن لم تتّهمه فليس عليه شيء» (9).

قال في المسالك: «و على القول بسماعها فيما يخفى، كالتهمة إن حلف المنكر

____________

(1). حكاه عنه فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 4: 327 و 328.

(2). غاية المراد، و حكاه عنه السيّد علي في رياض المسائل 2: 410.

(3). الروضة البهية 3: 80 و 81.

(4). المائدة: 49.

(5). النساء: 65.

(6). كقوله تعالى في النساء: 65، و ص: 26.

(7). الفقيه 3: 163، ح 715؛ تهذيب الأحكام 7: 218، ح 951؛ وسائل الشيعة 13: 274، أبواب أحكام الإجارة ب 29، ح 11.

(8). تهذيب الأحكام 7: 221، ح 967؛ الاستبصار 3: 133، ح 481؛ وسائل الشيعة 13: 275، أبواب أحكام الإجارة، ب 29، ح 17.

(9). تهذيب الأحكام 7: 221 ح 966، وسائل الشيعة 13: 275، أبواب أحكام الإجارة، ب 29، ح 16.

630

فلا كلام، و إلّا فإن قضينا بالنكول، قضينا هنا أيضا؛ إجراء له مجرى الإقرار و البيّنة، فيستبيح المدّعي الأخذ، و إن قلنا: لا يقضى إلّا بردّ اليمين لم يردّ هنا؛ لعدم إمكانه، و لو عاود بعد ذلك و ادّعى العلم فالأقوى السماع؛ لإمكان تجدّده» (1).

أقول: و الظاهر أنّه على القول بردّ اليمين و عدم القضاء بالنكول أيضا يمكن القضاء بالنكول هنا؛ لأنّ الظاهر من أدلّة هذا القول هو الردّ فيما يمكن الردّ، لا مطلقا، و لذلك حكم في الدروس بإمكان القضاء بالنكول فيما لا يمكن ردّ اليمين على المدّعي من المواضع التي سنذكر بعضها لو لم يحلف المنكر، مع أنّه من جملة القائلين بعدم القضاء بالنكول (2).

المبحث الثالث: في إجابة الخصم بعد تمام دعوى المدّعي

إذا تمّت دعوى المدّعي، فإن أجاب الخصم فهو، و إلّا فهل يتوقّف طلب الجواب منه على طلب المدّعي لأنّه حقّه، أم لا؛ لأنّ الظاهر من إحضار الخصم في مجلس الحكم هو رضاه بذلك، و أنّ الطلب حينئذ حقّ الحاكم؟ قولان.

و لا يبعد ترجيح الأوّل إن لم يشهد الحال على رضاه.

و كذلك الكلام في الحكم بعد ذكر الخصم كلامه فيه؛ لأنّهما ناظران إلى ما ذكر.

و يظهر من المحقّق تضعيف القول الأوّل هنا بعد اختياره ثمّة (3)، و لعلّه لقوّة دلالة التداعي على طلب الحكم، و قوّة ظهور اختيار الحكم هنا بيد الحاكم؛ لثبوته عنده حينئذ بمجرد الجواب في بعض الصور، بل ربّما يثبت عند غيره أيضا، كما إذا كان الجواب بالإقرار؛ فإنّ الظاهر أنّ الإقرار يكفي في ثبوت الحكم، إمّا لكون ذلك المعنى ضروريا، أو إذا قلّد مجتهدا في ذلك.

____________

(1). مسالك الأفهام 13: 438.

(2). الدروس الشرعية 2: 90.

(3). شرائع الإسلام 4: 82.

631

و بالجملة توقّف الحكم على طلب المدّعي غير معلوم.

البحث الرابع: في حكم ما إذا كان الجواب إقرار المدّعى عليه بالمدّعى به

جواب المدّعى عليه: إمّا إقرار، أو إنكار، أو سكوت.

فإن أقرّ بجميع المدّعى أو بعضه إقرارا جامعا للشرائط- من البلوغ و العقل و عدم الحجر في الماليات و غير ذلك من الشرائط- ثبت، سواء حكم الحاكم به أم لا؛ لأنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

فحينئذ تظهر فائدة الحكم لقاض آخر، بخلاف الثبوت عنده بالبيّنة، فإنّ الحكم هنا جزء السبب، و لا يثبت بذلك عند الغير بدون حصول العلم؛ إذ يتوقّف قبولها على اجتهاد الحاكم في جرحها و تعديلها.

و لو طلب المدّعي من الحاكم كتابة الحجّة على المدّعى عليه، ففي وجوبه و استحقاقه قولان.

و الأشهر الوجوب (1)، و هو أقوى فيما يتوقّف وصول الحقّ و استمراره عليه، كما تجب الشهادة إذا طلبها.

و وجه العدم: أنّ الأصل عدم وجوب غير الحاكم و الإشهاد.

و في جواز أخذه الاجرة على الكتابة، و ما يتوقّف عليه إجراء الحكم و وصول الحقّ إشكال، و الأظهر عدم الجواز.

و إذا كتب، فليكتب الاسم و النسب، بحيث يتميّز إن عرفه، و إلّا فيختار بين أن يعرّفه شاهدان عدلان، فيكتب ما يعرفانه، أو يكتب حليته بحيث يتميّز و لا يختلط، و يشهد على ذلك.

و لا يكتفى بمجرّد الإقرار و إن صادقه المدّعي؛ لجواز تواطئهما على نسب

____________

(1). انظر المهذّب البارع 4: 468، و الروضة البهية 3: 81.

632

لغيرهما، ليلزما ذا النسب بما ليس عليه.

قالوا: و لا يجب عليه إعطاء الكاغذ و القلم و المداد، فإمّا يبذله الملتمس، أو يؤخذ ذلك من بيت المال، فإنّ ذلك من المصالح العامّة، بل أهمّها، فيمكنه أخذ شيء بإزاء المذكورات لو أعطاها من نفسه.

قالوا: و ينبغي أن يكتب كتابين، يعطي أحدهما الملتمس، و يضبط الآخر في ديوان الحكم؛ لينوب عن الآخر على تقدير تلفه، و يؤمن معه من إدخال شيء فيه.

و أن يجمع قضايا كلّ أسبوع و شهور و سنة، و يكتب على كتب كلّ واحد قضاء يوم كذا، و أسبوع كذا، و شهر كذا، و هكذا؛ لتسهيل الأخذ عند الحاجة.

إلزام المقرّ بالإعطاء إن كان واجدا و حكم صورة العجز

ثمّ إن كان واجدا للمال فيلزم بإعطائه، و لو بحبس الحاكم و إغلاظ القول، أو بأن يبيع ماله في أداء دينه لو لم يمكن الاستيفاء إلّا بذلك، فإنّ لي الواجد يحلّ عرضه و عقوبته.

و إن ادّعى الإعسار و عدم مالكيته لشيء سوى مستثنيات الدين المعهودة، فإن علم ذلك بعلم الحاكم أو تصديق المدّعي، فالمشهور أنّه يخلّى و يترك إلى أن يقدر (1)؛ لقوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ (2).

و لرواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (عليه السلام): «إنّ عليّا (عليه السلام) كان يحبس بالدين، فإذا تبيّن له إفلاس و حاجة خلّى سبيله» (3).

____________

(1). حكاه الشهيد الثاني في الروضة البهية 3: 83، و مسالك الأفهام 13: 445، و السبزواري في كفاية الأحكام:

267، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 336.

(2). البقرة: 280.

(3). تهذيب الأحكام 6: 196، ح 433 و ص 299، ح 834؛ الاستبصار 3: 47، ح 156؛ وسائل الشيعة 13: 148 أبواب أحكام الحجر، ب 7، ح 1.

633

و مثلها رواية الأصبغ بن نباتة (1).

و رواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام): «إنّ امرأة استعدت على زوجها أنّه لا ينفق عليها، و كان زوجها معسرا، فأبى أن يحبس، و قال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (2). (3)

و أمّا صحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام)، قال: «كان عليّ (عليه السلام) لا يحبس في السجن إلّا ثلاثة: الغاصب، و من أكل مال اليتيم ظلما، و من ائتمن على أمانة فذهب بها، و إن وجد له شيئا باعه غائبا كان أو شاهدا» (4)، فلا دلالة فيها على المطلوب إلّا من جهة إطلاق الجزء المنفي من الحصر.

فيكون معنى الرواية: أنّه لا يحبس أحد في حال القدرة، و لا في حال العجز إلّا هؤلاء الثلاثة، فيحبسهم في الحالتين، و المطلوب إثبات عدم جواز الحبس في حال العجز مطلقا، سواء كان من الثلاثة أو غيرهم، فإن خصّص بصورة العجز في العجز المنفي و صورة القدرة في الجزء المثبت بالدليل لزم التفكيك في جزئي الحصر، و هو كما ترى.

و القول بجواز الحبس في حال العجز لهذه الثلاثة أيضا دون غيرهم، قول بالفصل، و لا أعرف قائله.

و الذي أفهمه من الرواية أنّ الكلام فيمن لم يثبت عجزه، سواء ثبت ليّه أم لا، لا فيمن ثبت عجزه، فحينئذ يمكن أن يكون التخصيص بالنظر إلى الحبس في

____________

(1). الفقيه 3: 19، ح 43؛ تهذيب الأحكام 6: 232، ح 568؛ وسائل الشيعة 18: 180، أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ب 11، ح 1.

(2). تهذيب الأحكام 6: 299، ح 837 و ج 7: 454، ح 1817؛ وسائل الشيعة 13: 148، أبواب أحكام الحجر، ب 7، ح 2.

(3). الشرح: 6.

(4). تهذيب الأحكام 6: 299، ح 836؛ الاستبصار 3: 47، ح 154؛ وسائل الشيعة 18: 181، أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ب 11، ح 2.

634

السجن، فإنّ الحبس أعمّ منه.

و يناسب ما ذكرنا ما قاله الشيخ في التهذيب بأنّ المراد هو الحبس على سبيل العقوبة، أو الحبس الطويل (1).

بالجملة الآية و الأخبار المتقدّمة المطلقة المنجبر ضعفها بالعمل و الكتاب و غيرها من الأصول و الأدلّة تكفي في إثبات المطلوب.

و في مقابل المشهور قول الشيخ في النهاية بأنّه يسلّم إلى الغريم ليستعمله و لو أجرة (2).

و قول ابن حمزة بأنّه إذا كان ذا حرفة و صنعة فكما ذكره الشيخ، و إلّا فيخلّى سبيله (3).

و دليل الشيخ رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام): «أنّه كان يحبس في الدين ثمّ ينظر فإن كان له مال أعطى الغرماء، و إن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا ما شئتم، إن شئتم فأجروه، و إن شئتم فاستعملوه (4)».

و يمكن حملها على مذهب ابن حمزة جمعا بين الأدلّة.

و يؤيّده أنّ أداء الدين واجب، و لا يتمّ إلّا بذلك.

مع أنّ الظاهر أنّ ذا الكسب المتمكّن من الأداء قادر، و ليس بعاجز، و لذلك لم يجز له أخذ الزكاة.

لكن غاية ما يستفاد من ذلك وجوب العمل و الاستيفاء، لا التسليم إلى الغريم، إلّا أن يتوقّف على ذلك. و ليس قوله بعيدا عن الصواب، كما ذهب إليه في المختلف أيضا (5).

____________

(1). تهذيب الأحكام 6: 300، ذيل ح 838.

(2). النهاية: 352، ح 16.

(3). الوسيلة: 212، و ص 274.

(4). تهذيب الأحكام 6: 300، ح 838؛ الاستبصار 3: 47، ح 155؛ وسائل الشيعة 13: 148، أبواب أحكام الحجر ب 7، ح 3.

(5). مختلف الشيعة 5: 402، المسألة 20.

635

و لكنّ جماعة من الأصحاب- على ما نقل عنهم- ذهبوا إلى عدم وجوب التكسّب في قضاء الدين (1). فالفرق على قول من أوجب الكسب من علمائنا الأكثرين (2) أنّ ذلك تكليف عليه عندهم، و يجب عليه إتيانه و لا تسلّط للغريم عليه عندهم أوّلا، و إن ثبت ذلك في بعض الأخبار (3)، بخلاف قول ابن حمزة (4)، فإنّه يقول بالتسليط أوّلا.

هذا كلّه إذا ثبت الإعسار بأحد الأمرين المتقدّمين.

و أمّا إذا لم يثبت بهما: فإن علم له مال، أو كان المدّعى به مالا بأن أقرضه مالا لو باعه شيئا و طلب ثمنه، فالدعوى تؤول إلى تلف المال، و الأصل بقاؤه، فيحتاج زواله إلى البيّنة، فإن أقام فتجيء فيه الأقوال المتقدّمة.

قالوا: إذا قامت البيّنة على تلف المال، فتقبل و إن لم تكن مطّلعة على بواطن أمره؛ لأنّها بيّنة على الإثبات، بخلاف ما لو قامت على مطلق الإعسار؛ لأنّه في معنى الشهادة على النفي، فيجب كونها مراقبة لأحواله، لتضبط ما دلّ على الإعسار من الامور الثبوتية. و إن لم يقم حبس حتّى يثبت بالبيّنة، أو يبرئ المدّعي ذمّته، أو يحصل له التمكّن من الأداء.

هذا، إذا لم نقل بتحليف صاحب الدين أوّلا.

فمع العجز عن البيّنة يحلف الدائن إن أنكر تلف المال، ثمّ يحبس، كما ذكره في التذكرة (5)، و ظاهر الأدلّة يقتضي ذلك، و كلام كثير منهم خال عن ذلك كما ذكره

____________

(1). كالشيخ في الخلاف 3: 272، المسألة 15، و ابن إدريس في السرائر 2: 196، و حكاه عنهما العلامة في مختلف الشيعة 5: 402، و الشهيد الثاني في الروضة البهية 4: 40.

(2). كالسبزواري في كفاية الأحكام: 267، و السيّد عليّ في رياض المسائل 2: 396.

(3). تهذيب الأحكام 6: 300، ح 838؛ الاستبصار 3: 47، ح 155؛ وسائل الشيعة 13: 148، أبواب أحكام الحجر ب 7، ح 3.

(4). الوسيلة: 274.

(5). تذكرة الفقهاء 2: 58 (الطبعة الحجرية).

636

في المسالك (1).

و وجه الحبس حينئذ أصالة بقاء المال، و ظاهر رواية غياث (2) و أصبغ (3) المتقدّمتان.

و ربّما يستشكل في جواز الحبس حينئذ، سيّما إذا كان ظاهر حاله ذلك، و عدم تمكّنه من إقامة البيّنة، سيّما إذا صرف المال في خفايا أحواله، و حيث لا يمكن الإشهاد عليه، لظاهر قوله تعالى: وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ (4) فإنّ ظاهره كونه معسرا على الظاهر.

و فيه إشكال؛ لأنّ الألفاظ أسام للحقائق النفس الأمرية.

حكم ما إذا لم يعلم له مال و لم تكن الدعوى مالا

و إن لم يعلم له مال، و لم تكن الدعوى مالا أيضا، كادّعاء الصداق و النفقة و أرش الجناية و نحو ذلك، فلا يكلّف البيّنة عند الأصحاب، و إنّما نقل القول به عن بعض العامّة (5)؛ بناء على أنّ الظاهر مالكيته لمال في الجملة، قليلا كان أو كثيرا، فإن أقام البيّنة المطّلعة على خفيات أمره، المراقبة له في خلواته، الواجدة له حال حصل له العلم بفقره، و أشهد على ما لم يكن نفيا صرفا، فثبت الإعسار أيضا، و إلّا فيقبل قوله مع يمينه؛ لأنّه منكر وجود المال، و إن لم يحلف أيضا فيحبس كالسابق.

ثمّ في لزوم الحلف أيضا في صورة إقامة البيّنة خلاف، فظاهر الأكثر (6) عدمه في

____________

(1). مسالك الأفهام 4: 129.

(2). تهذيب الأحكام 6: 196، ح 433 و ص 299، ح 834؛ الاستبصار 3: 47، ح 156؛ وسائل الشيعة 13: 148، أبواب أحكام الحجر، ب 7، ح 1.

(3). الفقيه 3: 19، ح 43، تهذيب الأحكام 6: 232، ح 568؛ وسائل الشيعة 18: 180، أبواب كيفية الحكم، ب 11، ح 1.

(4). البقرة: 280.

(5). المجموع 10: 227، و انظر مسالك الأفهام 4: 134.

(6). كالشهيد الثاني في الروضة البهية 3: 83 حيث قال: «و هو أجود القولين».

637

صورة إقامة البيّنة على تلف المال؛ لأنّها شهادة على الإثبات، دون مطلق الإعسار، فإنّه أشبه بالإنكار، و الاحتمال لا يزول هنا مع البيّنة رأسا؛ لورودها على النفي.

و عن التذكرة أنّه عكس (1)؛ لأنّ بعد ثبوت تلف المال المعلوم فكأنّما يدّعي المدّعي مالا آخر و ينكره، بخلاف الصورة الأخرى، فإنّه لا يبقى مجال للدعوى و نفي اليمين في موضع آخر منها في الموضعين؛ لأنّ فيه كذبا للشهود، و لقوله (عليه السلام):

«البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» (2) و التفصيل قاطع للشركة.

و الحقّ أن يقال: إن كان المدّعي معترفا بعدم غير المال المعلوم، فلا ضرورة إلى اليمين بعد إقامة البيّنة على تلفه، و إلّا فاليمين متعيّن؛ لأنّ إقامة البيّنة على تلف مال خاصّ، لا تدلّ على عدم مطلقه.

و أمّا في صورة إقامة البيّنة على مطلق الإعسار، سواء كانت الدعوى مالا، أو علم له مال، أو كان بلا مال أصلا: فلا دليل على لزوم اليمين يعتمد عليه.

[حكم الحاكم بعلمه]

جواز حكم الحاكم بعلمه إن أنكر المدّعى عليه

و إن أنكر المدّعى عليه، فلا يخلو إمّا أن يكون الحاكم عالما بالحال أو لا. فإن كان عالما بالحال، فالمعروف من مذهب الأصحاب المدّعى عليه الإجماع من فخر المحقّقين (3)، بل السيّد المرتضى (4) أيضا، أنّ الإمام الأصل يحكم بعلمه؛ لأنّ علمه و عصمته مانعان عن تطرّق التهمة و الغلط. و تدلّ عليه الأدلّة الآتية أيضا.

و أمّا غيره: فالأشهر الأظهر بينهم أيضا ذلك، و السيّد ادّعى عليه الإجماع في الانتصار (5).

____________

(1). تذكرة الفقهاء 2: 58.

(2). وسائل الشيعة 18: 170، أبواب كيفية الحكم، ب 3.

(3). إيضاح الفوائد 4: 313.

(4). الانتصار: 237.

(5). نفس المصدر.

638

و اعترض على نفسه في دعوى الإجماع بأنّ ابن الجنيد يذهب إلى عدم جواز الحكم بعلمه في شيء من الحقوق و لا الحدود.

و أجاب بأنّ إجماع الإماميّة متقدّم عليه و متأخّر عنه، و إنّما عوّل ابن الجنيد على الرأي و الاجتهاد، و خطؤه ظاهر (1).

و فهم بعض الأصحاب مثل ابن فهد (2) و الشهيد الثاني (3) من سوق كلام السيّد أنّه لا يجوز حكم الإمام الأصل بعلمه أيضا، و هو غير معلوم، سيّما مع ملاحظة نقله عنه في آخر كلامه الفرق بين علم المعصوم و غيره من الحكّام و جوابه عنه.

و كيف كان، فالأقوى هو المشهور (4) من جواز الحكم بالعلم مطلقا.

ثمّ إنّ في مقابل هذين الإطلاقين تفصيلات شتّى، أكثرها من العامّة.

و ذهب ابن إدريس (5) و ابن حمزة (6) إلى جوازه في حقوق الناس، دون حقوق اللّه؛ لابتنائها على التخفيف.

و نقل عن ابن الجنيد في كتابه الأحمدي (7) عكس قول ابن إدريس، و لا شاهد له من الأدلّة.

و الذي يدلّ على المشهور- مضافا إلى الإجماع المنقول، و أنّه يستلزم ترك إقامة المعروف، و إزاحة المنكر غالبا- العمومات الواردة في الحدود، مثل قوله تعالى:

وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا (8) و

____________

(1). حكاه عنه السيد في الانتصار: 237 و كذا حكاه عنه الفاضل المقداد السيوري في التنقيح الرائع 4: 242، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 13: 384.

(2). المهذب البارع 4: 462.

(3). مسالك الأفهام 13: 384.

(4). منهم: الشهيد الثاني في الروضة البهية 3: 83.

(5). السرائر 2: 179.

(6). الوسيلة: 218.

(7). كما في مسالك الأفهام 13: 384.

(8). المائدة: 38.

639

الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ (1) و نحوهما (2)، فإنّ الألفاظ أسام للامور النفس الأمرية، فشمولها لما علم اتّصاف ذوات موصوفاتها بها، أوضح من غيرها.

و قد يتمّ الدليل بالأولوية بالنسبة إلى حقوق الناس، و فيه تأمّل.

و تمّمه السيّد في الانتصار بعدم القول بالفصل، فقال: «إنّ أحدا من الامّة لم يجزه في الحدود دون الأموال» (3) و كأنّه لم يعتن هنا أيضا بقول ابن الجنيد في كتابه على ما نقلنا عنه (4).

و الأولى في إثبات العموم، أن يثبت بعدم القول بالفصل مع ملاحظة لزوم الحكم فيما يتوقّف عليه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و بالجملة ترك العمل بالعلم و متابعة الجهل أو إيقاف الأحكام و تعطيلها، خلاف الأقوى في طريقة العقل و الشرع.

و احتجّ المانع مطلقا بما روته العامّة عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في قضية الملاعنة: «و لو كنت راجما من غير بيّنة لرجمتها» (5).

و بأنّ فيه تهمة و تزكية للنفس.

و الجواب عن الأوّل، ضعف السند.

و الظاهر أنّ هذا الاستدلال أيضا منهم، فلا يمكن الاستشهاد بهذا الاستدلال للمانعين مطلقا على وجود القائل منّا بمنع عمل المعصوم بعلمه أيضا، كما وقع من ابن فهد (6) (رحمه اللّه) حيث قصد بذلك الردّ على فخر المحقّقين في دعواه الإجماع على جواز عمل المعصوم (7) بعلمه، كالاستشهاد بمحاجّة السيّد مع ابن الجنيد بالأخبار

____________

(1). النور: 2.

(2). كقوله تعالى في الآية 4 من النور.

(3). الانتصار: 238.

(4). مسالك الأفهام 13: 384.

(5). عوالي اللآلي 3: 518، ح 14؛ سنن ابن ماجة 2: 855، ح 2560؛ مسند أحمد 1: 336.

(6). المهذّب البارع 4: 463 و 464.

(7). إيضاح الفوائد 4: 312.

640

الدالّة على حكم الإمام بعلمه على كون ابن الجنيد قائلا بالمنع مطلقا؛ لأنّ المفهوم من تلك الأخبار أنّ مجرّد العلم مجوّز للحكم، لا خصوصيّة علمهم (عليهم السلام) من حيث هو، فينافي دعوى الإجماع.

و عن الثاني بمنع حرمة التعريض لمثله كما فيما لو حكم بالبيّنة أيضا.

و عن الثالث بأنّ التزكية تحصل بنفس التولية لا بإمضاء الحكم. مع أنّه معارض بالصور المستثناة عند المانعين أيضا، كما سيأتي.

فإن قيل: تدلّ على المنع الأخبار القائلة بأنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر، فأوجب اليمين على المدّعي، فكيف يكتفي الحاكم بمجرّد العلم.

قلنا: مدلول هذه الأخبار أنّ كلّ بيّنة فهي على المدّعي، لا أنّ كلّ مدّع تجب عليه البيّنة.

و أيضا الظاهر منها أنّها في صورة الجهل بالواقعة، فالبيّنة شأنها التبيين، و لا تبيين في المبيّن.

ثمّ إنّ المانعين قد استثنوا من ذلك تزكية الشاهد و جرحه؛ للزوم التسلسل إن لم يعتبر الأوّل، و الدور إن اعتبروا الإقرار في مجلس القضاء، و إن لم يسمعه غيره، و العلم بخطإ الشهود أو كذبهم، و تعزير من أساء الأدب في مجلسه و إن لم يعلم غيره؛ لإقامة أبّهة القضاء.

و نقل في الدروس عن بعضهم خامسا، و هو أن يعلم فيشهد مع آخر، فإنّه لا يقضى عن شاهد (1).

عدم جواز مطالبة البيّنة في صورة العلم

ثمّ إذا قلنا بالعمل بالعلم، فلا يجوز طلب البيّنة إن فقدها المدّعي.

____________

(1). الدروس الشرعية 2: 78.

641

و إن وجدها و طلبها دفعا للتهمة، فالأظهر عدم جواز الإلزام، سيّما إذا كان ذلك مفوّتا لحقّه، كما إذا ظهر الجرح في البيّنة بعد الإقامة.

و لو ادّعى المدّعي حكم الحاكم له، و كان متذكّرا له، فيمضيه، و ليس هذا من باب الحكم بالعلم. و لو لم يتذكّر فلا يمضي، إلّا إذا أقام البيّنة على ذلك؛ ففيه خلاف، فعن المبسوط: أنّه لا تقبل الشهادة على فعل نفسه عندنا و عند جماعة (1)، و قال جماعة:

تستمع الشهادة و إن قامت البيّنة عليها (2).

و الأقوى: ما ذهب إليه جماعة المتأخّرين من قبول الشهادة و إمضاء الحكم (3)؛ لعموم ما دلّ على قبول البيّنة.

و يؤيّده أنّه لو قامت البيّنة عند حاكم آخر يمضيه بغير خلاف، و جواز الرواية عن الراوي الذي نسي الرواية أصلا و رأسا، بل تجوز رواية الناسي عن الراوي عنه عن نفسه.

و حجّة الشيخ قياس مع الفارق؛ لاشتراط العلم في الشهادة، و معارض بقياسه بحاكم آخر، فإنّ الظاهر عدم الفرق بينه و بين حاكم آخر.

و ما يقال: «إنّه يمكن في حقّه التذكّر لفعل نفسه، بخلاف القاضي الآخر فيجب أن يتوقّف، و لا يمضي حتّى يحصل التذكّر»، فمدفوع بأنّه قد لا يتذكّر، و يفوت حقّ المدّعي، و قد يتذكّر القاضي الآخر إذا تأخّر و تأمّل. مع أنّ الظاهر أنّ الظنّ يكفي.

حكم ما لو وجد الحكم مكتوبا بخطّه

و أمّا لو وجد الحكم مكتوبا بخطّه، فهل يقوم هذا مقام البيّنة لو لم يحصل العلم و التذكّر؟.

____________

(1). المبسوط 8: 121، و حكاه عنه المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 12: 97.

(2). كالشهيد الثاني في الروضة البهية 3: 84.

(3). وسائل الشيعة 18: 170، أبواب كيفية الحكم، ب 3.

642

قالوا: لا يحلّ له أن يحكم به و إن أمن من التزوير؛ لإمكان التذكّر، فيحصل العلم، و لأنّه كالشهادة، فإنّه لا يجوز بمثله كما ورد في الأخبار، إلّا أنّ في بعضها: «لا تشهد بشهادة لا تذكرها، فإنّه من شاء كتب كتابا أو نقش خاتما» (1).

و في بعضها: «الرجل يشهدني على الشهادة فأعرف خطّي و خاتمي، و لا أذكر من الباقي قليلا و لا كثيرا، قال، فقال لي: «إذا كان صاحبك ثقة و معك رجل ثقة فاشهد له» (2).

و يظهر منها أنّ المنع في غيرهما من الأخبار لخوف التزوير، أو احتمال السهو و الغافلة، فعلى هذا لو جزم بعدم المذكورات فيجوز الحكم، كما يظهر من المحقّق الأردبيلي (رحمه اللّه) أيضا (3).

و الحاصل أنّ العلم إمّا يحصل أوّلا بما في نفس الأمر، أو بواسطة ما يستلزمه، و لذلك استدلّ الأصحاب (4) على جواز القضاء بالعلم بالأخبار الّتي دلّت على قضاء عليّ (عليه السلام) للنبي (صلى اللّه عليه و آله)، معلّلا بأنّا نصدّقك بالجنّة و النار و غيرها، فكيف لا نصدّقك فيما تدّعي (5)، فالعلم حصل باعتبار العصمة، لا باعتبار العلم بوقوع الواقعة بخصوصها.

[أحكام إقامة البينة و رد اليمين]

مطالبة المدّعي بالبيّنة

و إن لم يكن الحاكم عالما بالحال بوجه، فإن علم المدّعي أنّه موضع المطالبة بالبيّنة حينئذ، فيختار الحاكم بين السكوت و بين أن يسأله عن البيّنة.

____________

(1). الكافي 7: 383، ح 4؛ تهذيب الأحكام 6: 259، ح 683؛ الاستبصار 3: 22، ح 66؛ وسائل الشيعة 18: 235، أبواب الشهادات، ب 8، ح 4.

(2). الكافي 7: 382، ح 1؛ الفقيه 3: 43، ح 145؛ تهذيب الأحكام 6: 258، ح 681؛ وسائل الشيعة 18: 234، أبواب الشهادات، ب 8، ح 1.

(3). مجمع الفائدة و البرهان 12: 95.

(4). الانتصار: 237؛ غنية النزوع (الجوامع الفقهية): 624؛ السرائر 2: 179.

(5). وسائل الشيعة 18: 200، أبواب كيفية الحكم، ب 18.