سداد العباد و رشاد العباد

- الشيخ حسين آل عصفور المزيد...
580 /
3

[ترجمة المؤلف]

نص الكلمة التي ألقاها المشرق على هذه الطبعة في جامع الجمعة في قرية عالي في الحفل الذي أقيم بمناسبة الذكرى المائتين على رحيل علامة البحرين المصنف بتاريخ 12/ 10/ 1416 ه

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

تمرّ علينا في هذه السنة و هي سنة 1416 للهجرة النبوية المباركة و في ليلة الحادي و العشرين من شهر شوال ذكري مرور مائتين عاما على فقد شخصية فذة من الشخصيات التي كان لها الدور الأكبر في خدمة مذهب أهل البيت عليهم أفضل الصلاة و السلام، و ترسيخ جذوره و توطيد دعائمه لا في حدود البحرين فقط بل في حدود عالمنا الشيعي على اتّساع رقعته.

و نحن عند ما نجدد عهدنا بمثل هذه القمم الشامخة في تأريخنا إنما نحاول أن نعزز الثقة في نفوسنا، و نؤصل مبدأ العظمة و الشموخ و الرفعة و العزة في واقعنا، و ننطلق باقتدار في مسيرتنا المتصاعدة نحو التكامل على طريق الولاء المطلق للمبدإ المقدس الذي ندين و نعتقد به في رسالتنا الإلهية الخاتمة.

و ما سأذكره في مقدمتي هذه إنما هو إطلالة خاطفة و موجزة عن شيخنا الذي أردنا إحياء ذكراه و الإشادة بخدماته و أياديه البيضاء على المذهب و الإسلام، فمن هو صاحب هذه الذكرى.

نسبه الشريف

أمّا من جهة النسب فهو الشيخ حسين بن المحقّق البارع الشيخ محمد بن الشيخ أحمد ابن الشيخ إبراهيم ابن الحاج أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور بن أحمد ابن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي ابن الأمير هلال ابن الأمير موسى ابن الأمير حسين ابن الأمير مانع ابن الأمير عصفور ابن الأمير راشد بن عميرة بن سنان بن غفيلة بن شبانة بن عامر بن عوف بن مالك بن عوف بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد النبي الأكرم (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم).

4

و هو صاحب الوسام الذهبي الثاني لعهد أسره آل عصفور العلمي حيث أخلف عمّه المقدس العلامة المحقق الشيخ يوسف (قدس سرّه) في الشهرة و العلم و الفضل و الزعامة الدينية لا في حدود البحرين بل على المستوي العالم الشيعي بأكمله.

أمّا والده فهو الشيخ محمد، و هو أخ فقيه أهل البيت (عليهم السلام) الشيخ يوسف (قدس سرّه) و أصغر منه بخمس سنوات، وصفه المحقّق الشيخ محمد علي العصفوري في كتابه تاريخ البحرين بقوله: هو الإمام العلامة، الهمام الفهامة، شيخ الإسلام، ملجأ الأنام، كشّاف مشكلات العلوم، حلّال معضلات المفهوم، إمام الفقه و الحديث، و كان من أعيان هذه الطائفة، و انتهت إليه رئاسة البحرين بعد رحلة أبيه و مهاجرة أخيه صاحب الحدائق إلى الديار العجمية، ثم اشتغل بالتدريس و التأليف إلى أن قام بأعباء الفتوى، فله في الفقه كتاب في أحكام المسافرين و آدابهم كامل في الفن المذكور المسمى بمرآة الأخبار، و له رسالة في صلاة الجمعة و أعمال ليلتها و يومها، و له أجوبة مسائل متفرقة، و له في المراثي كتاب الضرام الثاقب في مقتل سيّدنا و إمامنا علي بن أبي طالب و خصائص الجمعة و له ديوان الشعر في الرثاء.

و أمّا جده من أمه فهو أحد عمالقة الفقه و التحقيق و التصنيف العلامة الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه الماحوزي (قدس سرّه) الذي انتهت إليه رئاسة المذهب في البحرين في وقته.

تتلمذه و دراسته

نشأ و تتلمذ على يد أبيه الشيخ محمد المتقدّم ذكره ثم هاجر إلى العتبات المقدسة بمعيّة ابن عمه الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي، و لازما درس عمهما المحقق الشيخ يوسف حتى منحهما إجازته المبسوطة المسماة ب(لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين) و قد تأثّر شيخنا المترجم كثيرا بعمّه المذكور منهجا و أسلوبا و صياغة و تحقيقا و تنميقا و تحبيرا كما تشهد به كتبه و مصنفاته، بل وصية عمّه له بإكمال ما لم يستطع إكماله من مصنفاته إذا عاجلته المنية و الأجل المحتوم أكبر شاهد على ذلك، إذ امتثل أمره في تتميم ما سنح له الأجل تتميمه من كتاب الحدائق الناضرة حيث صنّف كتاب عيون الحقائق الفاخرة الآتي ذكره.

5

و أمّا كلمات الإطراء و الثناء عليه

فلم يكد يخلو كتاب من كتب التراجم إلّا النزر الشاذ من جمل الثناء عليه و إطرائه و الإشاذة بعلو كعبه في المعقول و المنقول، و سموّ درجته في الفقه و الحديث و الأصول حتى عدّه بعضهم من المجدّدين في المذهب على رأس المائة الثانية بعد الألف كما ألمح إليه العلامة الأميني في شهداء الفضيلة.

قال في ترجمته المحقّق المتبحّر السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: كان متبحّرا في الفقه و الحديث طويل الباع كثير الاطلاع، انتهت إليه الرئاسة و التدريس.

و قال عنه العلامة البحّاثة الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الكرام البررة: كان من المصنفين المكثرين المتبحرين في الفقه و الأصول و الحديث و غيرها.

و قال عنه حسن يوسفي الاشكوري في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى في المجلد الأول (ص 581):

و قد عرف عنه بأنه أكبر فقيه إخباري في عصره، و ما يصفه البعض بأنه كان مجدّدا للدين في مطلع القرن الثالث عشر يؤيّد مكانته العلمية و الفقهية، و دوره في ترويج الدين، و كان ملما بأكثر العلوم المتداولة في عصره يؤيّد ذلك تآليفه المتنوّعة.

و أثنى عليه الشيخ علي البلادي في أنوار البدرين بقوله:

العلّامة الفاضل الفهّامة الكامل خاتمة الحفّاظ و المحدّثين و بقية العلماء الراسخين الأخباريين، الفقيه النبيه الشيخ حسين ابن العالم الأمجد الشيخ محمد بن الشيخ أحمد آل عصفور الدرازي البحراني .. كان (رحمه اللّٰه تعالى) من العلماء الربانيين و الفضلاء المتتبعين و الحفاظ الماهرين من أجلّة متأخّري المتأخّرين و أساطين المذهب و الدين بل عدّه بعض العلماء الكبار من المجدّدين للمذهب على رأس ألف و مائتين .. إلى غير ذلك من الأقوال التي يقف عليها المتتبّع.

عادته الغالبة في ميدان التصنيف

و من عجائب أمره و غرائب عادته في ميدان التصنيف و التأليف أنه كان يملي كتبه الاستدلالية الموسعة كالأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع للفيض

6

الكاشاني، و رواشح العناية في شرح الكفاية الخراسانية، و كتاب السوانح النظرية في شرح البداية الحرية للحر العاملي على بعض تلامذته الذي اختصهم لهذا الغرض اعتمادا على حفظه للأقوال و أدلّة كلّ مسألة بجزئياتها التفصيلية في سابق عهده بها في سني دراسته و تتلمذه من دون تجشّم الرجوع إليها عند التصنيف و التأليف، و تؤكد هذه المقولة النسخ الخطية الموروثة عن مكتبته الخاصة، و كذا النسخ المستنسخة عنها حيث نجد كيف أنها كتبت بخط تلامذته و ختمت أجزاؤها بخاتمه الشريف و إمضائه فقط.

و مما يدخل في هذا المضمار إملاؤه كتاب «النفحة القدسية» في ثلاثة أيام على تلامذته من دون سبق تبويب أو ترتيب.

و قد تعرّض لامتحانات من جمع من الفضلاء مرارا لاستكشاف دقّة حفظه و عجيب أمره فوجدوا أنه لا يسقط كلمة و لا حرفا مما أرادوا منه حكايته و ذكره.

و مما حكي في ذلك ما ذكره الشيخ علي البلادي في أنوار البدرين حيث ذكر ما ملخصه أنه أتى لبلاد القطيف مسافرا لحجّ بيت اللّٰه الحرام فاجتمع فيها بالسيد محمد الصنديد، و كان عند الأخير من الكتب النادرة ما لا توجد عند غيره، و كان ضنينا بها فاستعار منه أحدها ثلاثة أيام ثم أرجعه إليه و سافر إلى مكّة، و بعد قضاء مناسكه عاود كرّته بالقطيف فأمر السيد المزبور بأن يأتي بذلك الكتاب فأخرج إليه نسخة منه جديدة و أخبره بأمرها، و أنه أملاها في سفرته تلك اعتمادا على حفظه له مدّة استعارته فتعجّب منه مع جملة الحاضرين فقابلوه فلم يجدوا شيئا منه يخالف الأصل إلّا يسيرا لا يذكر.

مؤلفاته و مصنفاته

كان (قدس سرّه) من المكثرين المجيدين و المصنفين المبدعين حيث نمّقت يراعته في أكثر العلوم الشرعية كالتفسير و الحديث و الأدب و الشعر و اللغة و الكلام و المراثي كما هو مثبت في تراجم مترجميه و متون إجازاته ما يعدّ من الرعيل الأول حيث أتى ببنات فكره الصائب و دقّة ذهنه الوقّاد ما يبهر العقول و يخلب الأنظار و الأفكار.

فله في الفقه ثلاث موسوعات استدلالية فقهية

7

(أولها) الرواشح الربانية في شرح الكفاية الخراسانية، خرج منه إلى عالم النور خمس مجلدات ضخمة بلغ فيها إلى أحكام مكان المصلي، و هو محاولة جادة لتدوين أضخم فقه استدلالي عرفه مذهب الشيعة الإمامية، إلّا أنه حال بينه و بين الفراغ منه اليد الآثمة التي امتدت إليه بالاغتيال.

(ثانيها) السوانح النظرية في شرح البداية الحرّية، و هي موسوعته الفقهية الاستدلالية الوسطى، خرج منها سبع مجلّدات.

(ثالثها) الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع، و هي موسوعته الفقهية الاستدلالية الصغرى التي تمكّن من إكمالها حتى النهاية، و تقع في أربعة عشر مجلّدا، و تعدّ من روائع الفقه الشيعي حيث ضمّت الفروع الفقهية الكثيرة التي خلت منها غيرها، و قد ذكر (قدس سرّه) الباعث على تأليفه و منهجه بشكل إجمالي في أوّل شرح كتاب الزكاة بقوله: (و بعد فهذا شرح وجيز قد علقته على كتاب مفاتيح الشرائع للمحدّث الكاشاني مقتصرا فيه على التنبيه و الإعلام على ما رمز فيه و أشار من الأدلة و الأقوال، و توضيح المراد منه و المرام، و بدأت فيه بكتاب الزكاة حيث إن المشتغلين بالقراءة عليّ في هذه الأوقات و الأعوام قد جعلوه من أعظم المقاصد و المهام، و سنرجع بعد إلى شرح بقية العبادات من الطهارة و الصلاة، و نجعله جزءا على حدة ليتمّ ذلك الشرح إن شاء اللّٰه تعالى على أحسن نسق و نظام، و سميته بالأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع، نسأل اللّٰه الاعتصام في المبدأ و الختام).

و قد بدأت قبل خمسة أعوام بالبحث و التفتيش عنه في قصة يطول شرحها حتى تمكّنت و للّٰه الحمد من تحصيل جميع أجزائه و باشرت في طباعتها، و إخراجها إلى عالم النور، و قد أخرجت في عام واحد ستة أجزاء منه بهدف إكماله قبل الذكرى المائتين لرحيل مصنفه أعلى اللّٰه مقامه، إلّا أنني فوجئت بعد رجوعي إلى البحرين قبل عام و جلب النسخ المطبوعة لترويجها بقصد طباعة البقية بخذلان أقرب الناس من الذين كنت أؤمل منهم كل خير و دعم و مساندة، ممن يشار إليهم بالبنان، و لا زلت متفائلا في تيسير اللّٰه عزّ و جلّ و تسهيله.

و له أيضا في الفقه مجموعة أخرى من الكتب و الرسائل و المصنفات نذكر

8

لك منها:

1- عيون الحقائق الفاخرة في تتميم الحدائق الناضرة، طبعت أخيرا في جزءين و ألحقت بالأصل (الحدائق الناضرة) و قد تطفلت إنا أيضا و دوّنت مقدمة للحدائق أسميتها بالمقدمة الفاخرة لكتاب الحدائق الناضرة، تقع في أربعة أجزاء، أولها عن حياة المصنف و أسرته، و الثاني منها عن معالم مدرسته العلمية و نظرياته و آرائه، و الثالث دراسة عن الحقائق نفسه، و عن منهجيته و نسخه الخطية و ما إلى ذلك، و الرابع شرح للمقدمات الاثني عشر الموجودة في أول الكتاب.

2- سداد العباد و رشاد العبّاد، و هو الرسالة العملية المشهورة الآن، و توجد منه نسخة كاملة من الطهارة إلى الديات عثر عليها المحقّق البحّاثة آقا بزرگ الطهراني، و أشار إليها في كتابه الموسوم بالذريعة (ج 12 ص 153) بقوله: (رأيت في مكتبة السيد خليفة بخط الشيخ أحمد بن خلف بن عبد علي مجلده الأول في العبادات إلى آخر الحج، و الثاني من المتاجر إلى آخر الديات).

و المراد من مكتبة السيد خليفة مكتبة خليفة بن علي بن أحمد الأحسائي العائلية التي أسسها بتاريخ 1256 ه، و آل أمرها بعده إلى حفيده عبد اللّٰه خليفة المتوفّى سنة 1374 هالذي فرّط بها البيع بالحراج في النجف الأشرف قبل وفاته بثلاث سنوات، فتنافرت كتبها و تبعثرت و لا يوجد في أيدينا منها الآن إلّا أسماؤها، حيث تمكّن البحاثة آقا بزرگ من مراجعة نسخها و فحص مخطوطاتها و تسجيلها قبل البيع المذكور، و تسجيل ما عثر عليه منها في مواضع من كتاب الذريعة، ذكر ذلك ابنه علي المنزوي في فهارسه لكتاب الضياء اللامع في القرن التاسع عند ذكره للمكتبات المنقول عنها في الطبقات و الذريعة.

3- رسائل أهل الرسالة و دلائل أهل الدلالة في العبادات.

4- الجنّة الواقية في أحكام التقيّة.

5- رسالة في الحبوة.

6- رسالة الأشراف في المنع من بيع الأوقاف، و قد قمت بطباعتها قبل أربع سنوات تقريبا.

7- منظومة في الفقه.

9

8- النفحة القدسية في فقه الصلاة اليومية، طبعت في النجف الأشرف بهمة الفاضلين الشيخ عبد المجيد و السيد رءوف جمال الدين.

9- الفرحة الإنسية في شرح النفحة القدسية، طبعت أخيرا في بيروت بهمة فضيلة الشيخ على العصفور.

10- المنسك الكبير.

11- المنسك الوسيط الموسوم بابتهاج الحاج.

12- المنسك الصغير.

و قد أعدت صياغة ما ورد في الأخيرين منها مع ما ورد في كتاب الحج من السداد في كتاب عصري اسميته ب(تبصرة الناسكين بسنن الحجاج و المعتمرين)، يقع في أكثر من ثمانمائة صفحة، و قد طبع و نزل إلى الأسواق، كما قمت باختصاره تحت اسم (مختصر تبصرة الناسكين)، و قد طبع أيضا و وزعت منه 3500 نسخة مجانا من حساب ثلث المرحوم الحاج عبد العزيز العالي.

13- الجنة الواقية في أحكام التقية.

14- ذريعة الهداة في بيان معاني ألفاظ الصلاة، و قد طبعناها في حجمين جيبيين و قد وزعت منها عشرة آلاف نسخة مجانا.

15- وسيلة الأنام في أحكام الصيام، و قد طبعت في مجلد بتحقيق الشيخ علي المبارك.

16- هداية القلوب و الحواس في أحكام الزكاة و الأخماس.

17- رسالة حاسمة القال و القيل في تحديد المثيل.

و له أيضا في علم الكلام و العقائد كتب:

1- القول الشارح في التوحيد.

2- محاسن الاعتقاد، و قد قمت بطباعته سنة 1415 ه.

3- الحجة لثمرات المهجة في المعارف الإلهية.

4- شارحة الصدور منظومة مختصرة في الأصول الخمسة.

5- كشف اللثام في شرح إعلام الأنام بعلم الكلام للشيخ سليمان الماحوزي.

10

6- الأنوار الوضية في شرح العقائد الرضوية.

7- منظومة في التوحيد.

و له في التفسير كتاب واحد اسمه: مفاتيح الغيب و التبيان في تفسير غريب القرآن.

و له في الحديث كتابان: الحدق النواظر في تتميم النوادر للفيض الكاشاني، و كتاب الخمائل في الأحاديث المتفرقة.

و له في النحو و اللغة منظومة في النحو أو أرجوزة في (ظن و أخواتها)، و رسالة في العوامل السماعية و القياسية.

و له في أجوبة المسائل رسائل كثيرة منها:

1- البراهين النظرية في أجوبة المسائل البصرية.

2- المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية.

3- النفحات العصفورية في أجوبة المسائل اليوسفية.

4- جلاء الضمائر و إزالة الحيرة عن الحائر في جواب مسائل الشيخ حسين ابن محمد بن باقر.

5- أجوبة المسائل الشيرازية.

6- أجوبة المسائل القطيفية في رسائل عدّة متكررة.

و له في الشعر و المراثي و التاريخ كتب و رسائل منها:

1- رسالة باهرة العقول في نسب الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و شرح أحوال آبائه إلى آدم (عليه السلام).

2- مريق الدموع في ليالي الأسبوع.

3- المراثي، ثلاثون مجلسا.

4- الفوادح الحسينية، على غرار المنتخب للطريحي، و اشتهر بمقتل آل عصفور.

5- الدرّة الغرّاء في وفاة الطاهرة الزهراء.

6- ديوان رثاء الإمام الحسين (عليه السلام).

7- مقتل أولاد مسلم.

11

8- وفاة النبي يحيى بن زكريا (عليه السلام).

9- مجموعة مواليد الأئمة (عليهم السلام).

10- مجموعة وفيات الأئمة (عليهم السلام).

و له (قدس سرّه) أيضا رسالة في شرح عبارة من دعاء كميل (و ما كانت لأحد فيها مقرّا و لا مقاما).

و له إجازات كثيرة منها إجازتان للشيخ مرزوق بن محمد الشويكي، صغيرة و كبيرة، و اجازة للشيخ أحمد بن زيد الدين الأحسائي، و اجازة للشيخ عبد القاهر بن حسن التوبلي، و اجازة للشيخ محمد بن إسماعيل بن ناصر بن عبد السلام، و اجازة للشيخ موسى بن الشيخ محمد بن الشيخ يوسف صاحب الحدائق و غيرها.

حوزته العلمية

لما انتهت إلى شيخنا المترجم رئاسة المذهب و ألقيت إليه مقاليد الزعامة الدينية أضحت حوزته و مجلس درسه و بحثه مركزا هاما يستقطب الفضلاء و روّاد العلم و الفضيلة من البلدان و النواحي المجاورة، و على وجه الخصوص من القطيف و الأحساء.

و تخرّج على يديه جموع غفيرة من ذوي الفضل و النباهة، و لما عادوا إلى ديارهم صاروا من أعلام الدين فيها و حماة الشرع المبين، و قد أحصى عددهم بعض المترجمين بما ينوف عن الألفين و المأتين، و لكن و يا للأسف أصبح اليوم بناء حوزته التي كانت توصف بالعظمة و السعة أطلالا دارسة و معالم مطموسة، و قد وقفت على أطلال بنائها الدراسة قبل فترة و اختنقتني العبرة حيث بلغني أن وزارة الإسكان قد وضعت يدها عليها، و قسمتها عدّة قسائم لبناء مساكن لأهالي المنطقة، إلّا أن هناك جهودا مضنية لاستعادتها إن شاء اللّٰه تعالى في القريب العاجل.

مرجعيته في الفتيا و الدين

إن غالبية شعب البحرين ظلّت وفية لزعيمها و مرجعها المذكور على امتداد عقود القرنين الماضيين، و يرجع سبب ذلك إلى الموقعية المتميزة التي احتلتها منذ

12

مهدها الأول و التي سرعان ما تبوأت سنامها و امتطت علياءها، و أضحت مركز أشعاع فكري و عقائدي و قطب مرجعية اقليمية استقطبت الكثير من جميع أبناء دول حوض الخليج بقسميه العربي و الفارسي فانتشر مقلدوه في مسقط رأسه البحرين و منطقة خوزستان و الكويت و المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية و قطر و دولة الإمارات العربية المتحدة و سلطنة عمان و بومبي و بعض نواحي أفغانستان كما تثبته أجوبة المسائل المشار إليها آنفا .. إلخ.

تذييل خاص بهذه الطبعة

أهمية كتاب سداد العباد

يعتبر كتاب سداد العباد و رشاد العباد من الكتب الفقهية التي لها وزنها الخاص على الصعيد الفقهي الشيعي لكثرة ما ضمن مصنفه بين دفتيه من فروع فقهية و مسائل و أحكام جمة قلّما جمعت في كتاب بهذا الحجم، و كل من كان من ذوي الاختصاص بالفقه يدرك هذه الحقيقة بجلاء و وضوح.

و قد نقل لي العم الشيخ أحمد (حفظه اللّٰه) أن المرجع الأعلى في زمانه المرحوم السيد محسن الحكيم (قدس سرّه) كان قد طلب منه أثناء مجاورته و سكناه في النجف الأشرف للدراسة و تردده عليه في مجلسه الخاص أن يأتي له بأحد كتب علماء البحرين الفقهية المعروفة ليعلق عليه رسالته العملية الاولى فجلب له نسخة من كتاب السداد فأخذها و عكف على مطالعتها أسبوعا ثم أرجعها إليه و أخبره بأن هذا الكتاب يستعصي على العلماء فهم بعض عباراته فكيف بعوام الناس ثم أمره بأن يأتي له بكتاب آخر فجلب له الرسالة الصلاتية للمحقق الشيخ يوسف فوجدها سلسلة العبارة واضحة المعنى صغيرة الحجم فكانت أول رسالة عملية للسيد محسن الحكيم (طاب ثراه) هو تعليقة عليها و أمر بطباعتها و توزيعها.

طبعات الكتاب

طبع الكتاب ثلاث طبعات فيما سبق يضاف إليها هذه الطبعة بالنحو التالي

13

الطبعة الأولى الطبعة الهندية: حيث طبع لأول مرة في المطبعة المظفرية في مدينة بومبي الهندية سنة 1339 هبأمر العلامة الميرزا محمد تقي البحراني نزيل البصرة آن ذاك و بهمة السيد علوي البحراني و على نفقة الخواجة حسن محمد حسن التاجر، و ضمت جزئي العبادات و الحج فقط، و قد أعيدت طباعتها نفسها بالأفست سنة 1411 هفي مدينة قم.

الطبعة الثانية الطبعة النجفية: و قد كانت بهمة صاحب الفضيلة السيد جواد السيد فضل الوداعي (حفظه اللّٰه و رعاه) الذي بذل جهودا مضنية لتصحيحه و ضبطه و إخراجه بحلّة قشيبة حديثة و جزأه إلى ثلاثة أجزاء إلّا أنه لم يتمكّن سوى من طباعة الجزءين الأولين منها و هما (العبادات و الحج) في النجف الأشرف فقد طبع كتاب العبادات في تاريخ سنة 1381 ه، و الحج في سنة 1408 هبينما طبع الثالث بعد سنوات في بيروت بهمة دار مكتبة أهل البيت للأستاذ علي الشرقي.

ثم اختصت بعد ذلك بطباعته ثلاث دور نشر في البحرين هي:

1- دار مكتبة الإرشاد لصاحبها المرحوم الحاج عبد الحميد الشهابي اختصت بطباعة كتاب العبادات و ما زالت تعيد طباعته بالأفست على النسخة النجفية مكرّرا في بيروت ابتداء من سنة 1980 م كلما نفذت نسخه من السوق.

2- دار مكتبة العلوم العامة لصاحبها الحاج عبد العزيز الشهابي و اختصت بطباعة كتاب الحج و ما يلحق به من كتابي الجهاد و الأمر بالمعروف ابتداء من سنة 1408 هالموافق لسنة 1987 م، و ما زالت تعيد طباعته هي الأخرى بالأفست مكررا أيضا في الهند كلما نفذت نسخه من السوق.

3- دار مكتبة أهل البيت (عليهم السلام) لصاحبها الأستاذ على الشرقي في مدينة جد حفص و اختصت بطباعة كتاب المتاجر و المكاسب (الجزء الثالث) و لكنها و بعد نفاد نسخه من السوق لم تعد طباعته ثانيا كما هو دأب المكتبتين المتقدمتين، و بسبب ذلك أصبحت نسخه نادرة الوجود على الرغم من الطلب المتزائد عليها.

الطبعة الثالثة الطبعة البيروتية في سنة 1413 هالموافق 1993 م، و هي عبارة عن إعادة صف حروفي للجزء الأول (كتاب العبادات) فقط طبقا لطبعة النجف، و قد أشرفت على هذه الطبعة مكتبة فخراوي بالتنسيق مع مكتبة الإرشاد

14

المذكورة، و نظرا لعدم إشراف أحد العلماء على تصحيحها فقد وقعت فيها أغلاط مطبعية كثيرة اضطررنا لوضع فهرس خاص لها سيطبع قريبا إن شاء اللّٰه تعالى في كرأس صغير لإعلام مقتنيها عن أماكن وجودها لتصحيحها، و قد تكرّر إعادة طباعة هذه الطبعة بالأفست بما يزيد على الثلاث مرات خلال السنوات الثمان الأخيرة على الرغم من وجود تلك الأخطاء المطبعية فيها.

الطبعة الرابعة: الطبعة القمية، و هي طبعتنا هذه الماثلة بين يدي القارئ، و تمتاز هذه الطبعة ب:

1- الدقّة في التصحيح و مراجعة المتن و الإخراج.

2- استدراك بعض السقط الطفيف في الطبعة الحروفية النجفية من الطبعة الهندية خصوصا في كتاب الحج.

3- الجمع بين أجزاء الكتاب الثلاثة في مجلد واحد يوازي في حجمه كتاب العبادات من الطبعة النجفية، و ذلك بفضل تقنية الصف الكمبيوتري الحديث، و وضع فهرس موحد لها في آخر الكتاب.

4- الاقتصار في الهوامش على التوضيحات اللغوية غالبا.

5- إضافة متن توضيحي تفصيلي لنيات الحج في الهامش الخاص بالموضع المشار إليه في المتن.

6- مجانية التوزيع حيث طبعت هذه الطبعة بهمّة و جهود و مساعي السيد حسين القلاف (أيّده اللّٰه تعالى) في دولة الكويت الشقيقة من ثلث تركة المرحوم السيد ماجد السيد نور الشماع ((رحمه اللّٰه)) حيث طبع منه أربعة آلاف نسخة لتوزيعها على المؤمنين و طلاب العلم و الفضيلة و العلماء الأعلام.

سداد العباد الميسّر

و نظرا لكثرة مسائله و تداخلها و صعوبة فهم أحكام الكتاب على بعض الأذهان فقد شرعنا بإعادة صياغة عباراته و تفكيك مسائله بحلة حديثة تحت اسم (فقه السداد الميسّر) و ستصدر أجزاؤه عن قريب تباعا إن شاء اللّٰه تعالى.

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[خطبة المؤلف]

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه الذي فقهنا في أحكامه، و أوقفنا على مسائل حلاله و حرامه، و أوعز لنا على لسان رسوله و خلفائه كمال بيانه و أعلامه، و وفقنا للاستنان بسنته للتوصل لأرفع مقامه، و الصلاة و السلام عليهم من مبدأ الدهر إلى ختامه.

و بعد: فيقول المتعطش لفيض رواشح أنعامه، الراجي لمزيد إحسانه و إكرامه، حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني محا اللّٰه عنه موبقات سيئاته و آثامه، أنه قد التمس مني من هو واجب الإجابة لسؤاله و كلامه أن أؤلف كتابا جامعا لفنون المسائل الفقهية الفروعية من مفتتحه إلى تمامه، مما ظهر لديّ من الكتاب و السنّة المحمدية الكاشفة لإشكال الحكم و إبهامه لينتفع به المنتهي و المتوسط و المبتدي لمطلوبه و مرامه، و يجعله حجة بينه و بين ربّه في فتاويه و أعماله و أحكامه، و قد سميته ب(سداد العباد و رشاد العبّاد) و رتبته ترتيب الفقهاء لكتبهم الفقهية من الطهارة إلى الحدود و الديات كتبا مفصلة بفصول و أبواب و مسائل لكمال ترتيبه و نظامه، و باللّه أستعين إنه خير موفق و معين لإتمامه و إحكامه.

18

كتاب الطهارة

و هي تطلق لغة على النزاهة من الأدناس، و على رفع الأخباث، و اختصت شرعا بالوضوء و الغسل و التيمم عند تأثيرها في استباحة الصلاة، و هو المعنى الأكمل المستقر عليه اصطلاح علماء الخاصة و المعني بالطهور في قولهم (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور، و النظر في أطرافها الخمسة:

الطرف الأوّل فيما تشرع له

لا ريب في توقف استباحة الصلاة و إن كانت مندوبة سوى صلاة الجنازة، و الطواف الواجب مطلقا بخلاف المندوب، و مس كتابة القرآن عليها، و توقف صوم الجنب لشهر رمضان و قضائه، و كذا الحائض و المستحاضة الكثيرة الدم على الغسل منها، و كذا دخول المسجدين، و اللبث في المساجد و وضع شيء فيها، و مشاهد الأئمة (عليهم السلام) و بيوتهم أحياء و أمواتا إلا مسجده (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بالنسبة إليهم (عليهم السلام) فهو كبيوتهم، و قراءة العزائم حتى البسملة بقصدها، و الجواز في المسجدين الأعظمين.

و التيمم بدلا من الوضوء و الغسل في محلّهما عند حصول الشرائط، و يختص بخروج الجنب و الحائض من المسجدين، و لا يراعى تعذّر الغسل إذ هو ظاهر الأخبار و الأصحاب لإطلاقها.

و ينحصر وجوبها فيما ذكر من الأمور حيث تجب أو تكون مشروطة بها و إن لم يدخل الوقت، و الأقوى في غسل الجنابة الوجوب النفسي بالمعنى المشهور و الوجوب الغيري بما ذكرناه و فسّرناه به، و الاقتصار على القربة مفتاح السلامة، و الاحتياط إلا عند الوجوب للغاية فيراعى الاستباحة هنالك.

و قد تجب بالعارض كالنذر و شبهه فإن عيّن حينئذ أحدها تعين، و إن خيّر مطلقا تخيّر بين الوضوء و الغسل حيث يجد الماء و يقدر على استعماله، و إن أدرج التيمم في التخيير اشترط عدم الماء كما يشترط عند تعيينه بالخصوص، و إن أطلق الطهارة فالأقرب حمله على الطهارة المائيّة الرافعة للحدث أو المبيحة للصلاة، لأنها الفرد الأكمل، و لا يجزي التيمم إلا مع التعذر لذلك الفرد، و لا يجزي وضوء الجنب مع بقاء جنابته في تأدية النذر، و يكفي غسل الجمعة بل سائر الأغسال المندوبة، أما مع

19

تعيينها فلا إشكال في انعقاد نذرها.

و أما ما تستحب له فالوضوء لندبي الصلاة و الطواف و إن اتصفت بالوجوب الشرطي تجوزا، و قراءة القرآن، و حمل المصحف، و دخول المسجد، و صلاة الجنازة، و السعي لقضاء الحاجة، و زيارة المقابر، و عقيب الحدث لاستمرار الطهارة و استدامتها، و أفعال الحج و مناسكه كلها من مبدئه إلى ختامه، و لمعاودة الجماع، و لدخول المسافر لأهله، و عند الغضب، و لسجدة الشكر، و لنوم الجنب على طهارة، و لجماع الحامل، و للتأهب لصلاة الفرض، و كذا لو خرج بلل مشتبه بعد الاستبراء، و مع الأغسال المندوبة، و لتكفين الميت قبل اغتسالة، و لجماع غاسله قبل الغسل أيضا، و لذكر الحائض، و جماع المحتلم، و للتجديد.

و جاء للمذي، و الوذي، و التقبيل بشهوة، و مس الفرج، و لخروج بلل مشتبه بعد الاستنجاء، و للمتوضئ قبله في البول و في الغائط و لو استجمر بالأحجار، و للرعاف، و القيء، و التخليل المصاحب للدم إذا استكرههما الطبع، و للزيادة على أربعة أبيات من الشعر الباطل، و للقهقهة في الصلاة عمدا، و لمصافحة الكافر، و جاء في مس الكلب أيضا، و للنوم على طهارة، و لكتابة القرآن من المحدث و الحائض.

و الغسل للجمعة، و وقته من طلوع فجر ذلك اليوم إلى الزوال أداء، و ما قرب منه فهو أفضل، ثم يقضي مع فواته إلى آخر السبت مؤكدا، و لو قضاه في سائر الأسبوع أجزأه، و اجتناب قضائه ليلة السبت أحوط، و يقدمه يوم الخميس لعوز الماء، و لا يجزي التقديم لخوف الفوات مطلقا، و يسوغ هذا التقديم و إن تمكن من القضاء، و تأخير المعجل له أفضل، كما أن أول أوقات القضاء أفضل، و لفرادى شهر رمضان كلها، و في كل ليلة من العشر الأواخر، و يتأكد في أول ليلة منه، و كذلك في أول أيام السنة، و إن قلنا بأنه أول المحرم، و في النصف منه، و في سبع عشرة، و تسع عشرة، و إحدى و عشرين، و ثلاث و عشرين أول الليل، و آخره، و ليلة عيد الفطر، و يومي العيدين، و وقته كغسل الجمعة، و يقضي لو فات أيضا، و ليوم المولد و هو سبعة عشر من ربيع الأول، و يوم المبعث و هو يوم سبعة و عشرين من رجب، و ليوم الغدير و هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، و لدحو الأرض و هو اليوم الخامس و العشرون من ذي القعدة، و يوم المباهلة، و قد جاء فيه انه اليوم الثالث و العشرون من ذي الحجة، و الرابع و العشرون و السابع و العشرون، و التاسع و العشرون فإيقاع الغسل في هذه الأيام كلها أكمل، و يوم عرفة، و هو اليوم التاسع منه ناسكا و في الأمصار، و وقته قبل الزوال و بعده، و يوم التروية، و هو اليوم الثامن منه أيضا، و النيروز و هو تحويل الشمس إلى برج الحمل، و ليلتي نصف رجب و شعبان، و للإحرام، و الطواف، و لأول رجب،

20

و آخره، و لزيارة أحد المعصومين (عليهم السلام) حيا و ميتا، و لسائر مناسك الحج فقد جاء في جميعها الغسل كما جاء الوضوء، و لصلاة الحاجة، و للاستخارة بجميع أقسامها، و لدخول الحرم و مكة و مسجدها و كعبتها، و لدخول المدينة المنورة و لحرمها و مسجدها، و للتوبة عن فسق أو كفر، و لتزين المرأة لغير زوجها، و للسعي إلى رؤية المصلوب عمدا بعد ثلاثة أيام، و لترك صلاة الكسوفين عمدا مع الاستيعاب، و الوجوب فيه غير بعيد كما حققناه، و للمولود حين ولادته، و للاستسقاء، و قتل الوزغ، و لأخذ التربة الحسينية من الضريح أو ما قاربه، و للمباهلة كيومها، و لقطع الحيض بالدعاء عمّن ضاق عليها الوقت لطوافها أو لزيارتها النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و الغسل في الليالي الباردة للنشاط في صلاة الليل.

و يجوز التيمم للنوم بدلا ندبا مع القدرة على الماء، و كذا للصلاة على الجنازة، و التيمم بدلا عن هذه الأغسال المندوبة كلها حيث يفقد الماء، و كذا عن الوضوءات المندوبة و للكون على طهارة.

و ينبغي تقديم أغسال الفعل إلا التوبة و السعي إلى رؤية المصلوب، و استحبابها عام في الرجال و النساء و إن رخص في ترك الغسل للنساء سفرا لقلة الماء و للعليل من الرجال.

و هي تتداخل تقدمت أسبابها أو تأخرت، و خصوصا مع انضمام الواجب إليها، و إذا اغتسل بعد الفجر أجزأه إلى آخر النهار و عند غروب الشمس لطلوع الفجر، و في اشتراط التيمم للصوم و بعد الناقض الأصغر قبل الفجر كلام، و الأقرب عدم وجوبه نعم لا يشترط بعده، و يشرع تجديد التيمم كالوضوء فيستحب أن يصلي بتيمم آخر و إن لم ينتقض استحبابا مؤكدا.

الطرف الثاني في أسبابها و الموجبات لها و نواقضها

فللوضوء خروج البول و الغائط من المخرج الطبيعي، و من غيره مع انسداده و اعتياده و بدونهما فلا، و الريح كذلك لا من قبل المرأة و لا من الذكر، و النوم المزيل للإحساس و هو الغالب على السمع و البصر، و هو المغطي للعقل، و إن كان في الصلاة أو قاعدا لم ينفرج، و للإغماء الناشئ من المرتين، و استعماله لكل مزيل للعقل أحوط، و الاستحاضة مع القلّة أو التوسط لرجوعها إليها في الصلوات كلها، و إضافة الغسل للغداة أحوط، و لا ينقض الطهارة غير ذلك من الخارج من السبيلين إلا أن يخالطه

21

الناقض، و لا من لمس النساء و قلّم الظفر و حلق الشعر و أكل لحم الجزور و ممسوس النار و مس فرج البهيمة.

و للغسل: الجنابة بما تتحقق به من الأمور الثلاثة الآتي ذكرها، و الدماء الثلاثة للمرأة، و الموت، و مس الميّت الآدمي بعد برده و قبل تغسيله، و كل هذه أسباب للتيمم بدلا منها أيضا.

و تتداخل أسباب الوضوء، و كذا الغسل على الأظهر، فإن نوى الخصوصيّة استتبعت حكمها، و غسل المستحاضة المتحيرة لا يتداخل مع غسل الحيض، و لو أطلق الاستباحة أو الرفع في الوضوء مع إمكانه و في الغسل أجزأ من غير وضوء، و إن كان عليه ما فيه الوضوء عندهم و هو ما عدا غسل الجنابة، أما غسل الأموات فلا يجامعه غيره لسقوط التكليف به بالموت، و وضوؤه لما قلنا به ندب، و لا فرق في انتفاء الوضوء مع غسل الجنابة بين من أجنب مع نقض الوضوء و بين غيره فلا يستحب في حال.

و يجب على المتخلي حيث يضرب الخلاء لاستحبابه قبل طهارتي الصغرى و الكبرى ستر العورة قبلا و دبرا، و هي في الرجل الدبر و الذكر و الأنثيان و ليس الأليتان منها، و الأحوط ستر موضع العانة و لو بالإبعاد عن الناظر المحترم، و في المرأة و الخنثى سوى ما ظهر منهما، و غسل البول بالماء خاصة مرتين، و أقله في كل غسلة مثلاه، و التثليث للغسلات فيه مؤكد بل لا يبعد وجوبه و يكتفى هنا بزوال العين، و لا يجب الدلك، و غسل الغائط مع التعدي، و لا معه تجزي مسحات ثلاث بطاهر غير محترم و لا محرم و لا مطعوم، مزيل للعين و لا عبرة بالأثر إلا في الماء، أما الريح فمغتفر فيهما، و يحرم بالروث و المطعوم و المحترم و لا يجزي في التطهير.

و يحرم استقبال القبلة، و هي ما يجب توجه المصلي إليها اختيارا و استدبارها مطلقا، و لا يحل الجلوس إليها في كنيف بني على ذلك، و ينحرف مستقبلها و مستدبرها وجوبا، و يجوز لواجد ما يتمكن فيه من تمام المخالفة و إن كان مكروها.

و يستحب ستر البدن كله بالجلوس في أستر موضع أو بالبعد و تغطية الرأس و تقنيعه و الجمع بينهما أكمل، و تقديم اليسرى دخولا و اليمنى خروجا، و نزع ما فيه اسم اللّٰه تعالى من الخاتم أو آية من القرآن، و التسمية و الدعاء بالمأثور داخلا و خارجا و مستنجيا، و في جميع حالاته إلى أن يخرج، و المبالغة في الاستنجاء حتى تزول الرائحة إذا أمكن، و دلك البول، و لو لم ينق بالثلاثة وجب الزائد، و لو نقي بدونها أكملها وجوبا، و يستحب الوتر، و الجمع بين المطهرين معا في المتعدي و غيره، و الاستبراء للرجل عند وجود الماء، و يجب عند فقده بمسح ما بين المقعدة إلى أصله ثم ينتره ثم عصر الحشفة ثلاثا، و هذا أكمله، فلو وجد بعده بللا مشتبها لم يضره، و بدونه

22

يعيد الوضوء دون الصلاة الواقعة قبله، و مسح بطنه قائما عند الفراغ بيمينه، و لا يستحب للمرأة الاستبراء عرضا، فلا تنسحب فيها الفائدة لو فعلته، و لا تعبأ بما خرج منها مشتبها، و الاعتماد على الرجل اليسرى و فسح اليمنى، و الاقتصار في الاستجمار على الأرض أو ما أنبتت.

و يكره ضرب الخلاء بولا و غائطا في الشارع، و المشرع، و مواضع اللعن، و فناء الدار، و تحت المثمرة من الأشجار بالفعل، و فيء النزّال و ما يتأذى به، و جحرة الهوام، و استقبال النيرين و استدبارهما، و الريح كذلك بولا و غائطا، و قائما و مطمحا بالبول، و في الصلبة، و الكلام بغير ذكر اللّٰه أو آية الكرسي أو آية الحمد للّٰه رب العالمين أو حكاية الأذان حتى الحيعلات أو لحاجة يضر فوتها، و إطالة اللبث، و مسّ الذكر باليمنى و مصاحبة دراهم بيض، و المصحف، و السواك، و الأكل سيما إذا كان المأكول خبزا أو تمرا، أمّا الشرب فلا مستند له، و على القبور و بينها، و التحريم فيهما ليس ببعيد، و البول في الماء الجاري و الراكد، و إن كان في الجاري أخف كراهة، و كذلك التغوط، و الاستنجاء باليمين فإنّه من الجفاء، و باليسرى و فيها خاتم فصه من حجارة زمزم أو عليه اسم اللّٰه تعالى أو اسم محمد (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أو اسم أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أو آية من كتاب اللّٰه تعالى.

و لا يكتفى في الأحجار بما نقص عن الثلاثة و إن كان ذا جهات ثلاثة، و ليس الاستنجاء بشرط في صحة الوضوء و إن كان من البول، و تستحب الإعادة لو تركه في البول، و كذا لاشتراط طهارة غير محل الأفعال نعم يعيد الصلاة لو صلّى بدونها في موضع إعادتها لو صلّى بنجاسة، و يجب أن تكون الأحجار طاهرة و السنة أن تكون أبكارا، و لو استعمل نجسا لم يجزه و تعين الماء لخروجه عن نجاسة الاستنجاء و إن كان بالغائط.

و تنتقل أحكام الاستنجاء إلى ما ينتقل إليه الخروج بحيث يكون مخرجا، و يختص الخارج من الحدثين بالاستنجاء لأن ما سواهما يقال عليه الغسل، و ربما جاء إطلاقه على غسل المني إذا بال قبل الغسل، و الصقيل الذي يزلج عن النجاسة غير مطهر، و لو تعذر الاستنجاء بما يستنجي به شرعا فالموضع باق على النجاسة و يعفى عنه لتعذر إزالته و تصح الصلاة حينئذ ثم يغسل عند الإمكان و لا تجب عليه إعادة الصلاة.

23

الطرف الثالث في الكيفية المتعلقة بالثلاثة و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول في الوضوء

و تجب فيه ثمانية:

الأول: النية

المشتملة على الوجوب حيث يلاحظه في محله و إن كانت ملاحظته غير شرط حيث يكون متعيّنا، و على القربة، و هي الركن الأعظم في النيّة، و لو فسّرت بأدنى مراتبها و هو طلب الثواب و الخوف من العقاب، و الاستباحة و هي شاملة للمرتفع حدثة و لمن يستمر، و إن أضاف الرفع معها في موضع إمكانه كان أقوى و أحوط.

و باقي القيود لا مستند لها، و محلها القلب، و لا يستحب الجمع بينه و بين اللسان، و لا تعتبر في رفع الخبث، و إن توقف عليها الكمال و استحقاق الثواب لأنه لكل شيء نيّة، و هي تخرج المباحات عن مرتبتها و تلحقها بالعبادات.

و يستحب تقديمها عند مندوبات الوضوء السابقة عليه كغسل اليدين حيث يستحب، أو عند المضمضة أو الاستنشاق لتنصرف تلك الأفعال إلى الوضوء بها، و إيلاؤها لغسل أول الوجه أولى و لو بتجديدها، و يجب الاستمرار على حكمها بحيث لا يحدث نيّة تنافيها إلى آخره، و لا تجب الاستدامة الفعليّة لتعسرها بل لتعذرها، فلو نوى القطع بطل حينئذ لا قبله فيعيد النيّة لباقي الأعضاء إن لم تفت الموالاة المعتبرة شرعا و إلا استأنف، و هي مراعاة الجفاف كما سيجيء تحقيقه، و تبطل بضم ما ينافيها كالرياء، أما ما يلزمها من التبرّد أو التنظيف فلا.

و المرفوع من الحدث هو القدر المشترك في المنع من الصلاة، و نيّة الخصوصية ملغاة، و لو جمع بين النفي و الإثبات في حدثين واقعين كأن قال: (أتوضأ لرفع حدث البول دون الغائط) و هما واقعان أو (لاستباحة صلاة الظهر دون العصر) بطل، أما لو قصد رفع حدث معيّن أو استباحة صلاة معينة و لم ينو غيرهما لم يضر، و حصل الرفع و الاستباحة لما لم يتعرّض له.

24

و على ما قلناه من الاستدامة الحكمية لا يضر عزوب النية في الأثناء، و لو استند إلى غفلته عمدا إلا أن ينوي ما يبطل ضمه ابتداء، و لو غلط في تعيين الحدث أو الصلاة التي لا يتصور وقوعها كاستباحة صلاة طواف و هو بغير مكة فالأقوى الصحة، أما لو تعمّد ذلك فالبطلان قوى، و ذلك لأن الغرض من الصلاة الاستباحة لا الوقوع بالفعل.

و الجزم معتبر في النية لابتنائها على ذلك فتبطل بالتردد، و الجزم من الشاك في الحدث مع كونه متيقن الطهارة لغو لا يعبأ به، كما أن التردد من معاكسه مبطل بغير إشكال لأنه لا شك في حدثه، و لو نوى استباحة موقوف الكمال كفى بخلاف استباحة الممتنع كنية الحائض الاستباحة، و لو ظهر انقطاعه بعد الوضوء لأن النية ممتنعة الاستباحة.

و لا يجوز تفريق النيّة على الأعضاء و لا أفراد الأعضاء كلّ بنيّة لرجوع ذلك إلى تفكيك الأجزاء عن الكل، و هو عبادة واحدة، و لو قصد فيها الاستباحة المطلقة أو الرفع المطلق، و لو نوى من وجب عليه الوضوء الندب لم يجز و بالعكس مجز لإطلاق الوجوب على المندوب كثيرا فيثمر التأكيد، و لو نوى في الغسلة الثانية الوجوب و لم تكن مندوبة لم تشرع و خرج ماؤها عن الوضوء، و لو نوى بها الندب أو الإباحة فصادفت لمعة لم تصبها الأولى فالأقرب الأجزاء، و لو صادفت نية التجديد الحدث فكذلك، و لو صادف الوقت الناوي ندبا أجزأ إن كان خطأ، و لم يجز مع التعمّد، و لا اعتداد بتقرّب الكافر و لا تصح منه الطهارة لأن من شروط صحتها الإسلام، بل الأقوى عدم وجوب الطهارة عليه لأنّهم غير مكلّفين بالفروع من الصلوات و غيرها من العبادات حتى يستكملوا العقائد الخمس، و لو كانت ذمية زوجة لمسلم و قد طهرت من الحيض أو النفاس أمرها بإيقاع صورته الشرعية فإن امتنعت جاز وطؤها و إن منعنا الوطي في المسلمة حتى تغتسل، و سيأتي في تغسيل الميت ما يدل على جواز تغسيل الذمّي و الذمّية للمسلم و المسلمة و ذلك مما يصحح بعض العبادات له.

الثاني غسل الوجه

و هو أوّل الفروض بعد النية، و ليس معنى الوجه اللغوي بمعتبر، بل حدّه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن في الطول و ما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى عند استدارتهما من القصاص إلى الذقن و جرت عليه الإصبعان فهو الوجه، و ما دخل فيه من العذار و العارض و بعض مواضع التحذيف داخل، و أما الصدغ فخارج، و العبرة بمستوي الخلقة، و غيره يحال عليه، و تجب البدأة بأعلاه، و لا يجب تخليل ما خف من الشعر و لا ما كثف لأنّ ما أحاط به الشعر ليس على العباد أن يطلبوه و لا أن يبحثوا عنه بل يجرون عليه الماء، و يجب غسل ما استرسل من اللحية

25

احتياطا.

و الواجب في الغسل مسمّاه و لو كان دهنا مع صدق الجريان عرفا، هذا عند الاختيار و عند قلّة الماء و عوزه يجزي غسل الوجه وحده و مسح باقي الأعضاء و إن كانت مغسولة.

الثالث غسل اليدين

مرتبا بينهما من المرفقين مدخلا لهما بالأصالة منتهيا إلى أطراف الأصابع، و الناكس اختيارا لا طهارة له، و اللحم النابت و الأصابع الزائدة منهما يجب غسلها إن كانت تحت المرفق أو فيه، و اليد الزائدة كذلك، و لو كانت فوق المرفق غسلت مع عدم تميّزها عن الأصلية من باب المقدمة و إلا فالأصلية لا غير، و الجلدة المتدلية عن محل الفرض إلى غيره ساقطة الغسل، بخلاف العكس لدخولها في المغسول وجوبا، و المشتركة بين المرفق و ما فوقه يغسل ما حاذى المرفق منها خاصّة، و مقطوع بعض اليد المغسولة يغسل الباقي منها، و المقطوعة من المرفق يجب غسل ما بقي من عضده، و الأظفار من اليد و إن طالت، و يجب تخليل ما تجافى منها إن كان تحته ما يمنع و إلا فلا، و لا يجب تخليل ما بينها و بين الأصابع و إن كان مستحبا، و كذا يجب تحريك ما يمنع وصول الماء إلى البشرة من خاتم و غيره، و إن كان غير مانع استحب تحريكه، و الأحوط تخليل الشعر النابت على اليدين فإن العفو إنما هو عمّا تحت شعر الوجه كما هو الظاهر، و إن كان ذا رأسين أو أزيد فالأحوط وجوب غسل جميع الأعضاء على كل منهما و الاعتبار في ذلك بعلامة الميراث المشعرة بالتعدد و الاتحاد، و لو احتاج إلى توضية غيره له في الغسلتين لعذر فالنية من القابل لا من الفاعل، و لو نوى الفاعل معه كان حسنا، و لو لم يتبرع على المعذور متبرّع وجبت الأجرة عليه مع المكنة من صلب ماله و إن كان مريضا، فإن تعذّر توقّع المكنة و إلا قضى، و لا يجب على الزوج فعل ذلك لزوجته و لا مئونة المعين لها و إن وجب عليه ماء الوضوء.

الرابع مسح مقدّم الرأس

من مستوي الخلقة و الأنزع يحال عليه، و الواجب مسمّاه و لو إصبعا، و الأحوط للمختار مقدار ثلاثة أصابع، و اختصاص الإصبع بحالة الضرورة و البرد، و لا بأس به مقبلا و مدبرا و الأفضل الاستقبال، و يحرم الاستيعاب عند اعتقاد رجحانه، و إبطاله للمسح غير بعيد و كذا تكراره، و لو غسل موضع المسح لم يجز، و كذا المسح على الحائل و إن كان شعرا حيث لم يختص بالمقدّم، و لو استرسل و مسح عليه لم يجز، و كذا عند جعودته حيث يخرج بمدّه عن حدّه، و يجب ببقية بلّة الوضوء، و لا يجوز الاستيناف و لو بعد الجفاف، و يكفيه ما على لحيته و أشفار عينيه عند جفاف الأعضاء، و لو جفّ بالمرّة وجب استيناف الوضوء من أصله، و لو تعذّر البلل لإفراط الحرّ و شبهه فإن أمكن الصب على اليسرى و تعجيل المسح بها لقرب

26

رطوبتها من المسح وجب فإن تعذّر جميع ذلك اغتفر الاستيناف و أجزأه ثم يتبعه بالتيمم احتياطا.

الخامس مسح الرجلين

من رءوس الأصابع إلى الكعبين أو بالعكس كما سيجيء، و هما قبتا القدمين و ينتهيان بالمفصل دون عظم الساق فتثبت لهما البداية و النهاية، و استيعاب المسح لهما على هذا التقدير ليس فيه خروج عن التحديد، و تجزي المعيّة في مسحهما بل هي الأفضل، فإن عدل إلى الترتيب بدأ باليمنى وجوبا، و لا يجب الاستيعابان، و الأحوط المسح بكفّه كله من رءوس الأصابع إلى الكعبين سواء حصل الاستيعابان أم لا، و لا بأس بالمسح على النعلين لبروز الواجب منهما، و يجب بالبلّة أيضا كالرأس، و لا يجزي الغسل أو ما استلزمه من المسح إلا للتقية، و معها يتعيّن فلا يجزي المسح و إن سلم من تبعته، و لو دارت التقيّة بينهما فغسل موضع المسح أجزأ كالمسح، و لو عدل إلى المسح في التقيّة فالبطلان ظاهر، و لا يجوز المسح على حتى ينتقض بأحد النواقض، و لا يشترط فيها عدم المندوحة، و لا يجوز المسح على الحائل كالعمامة و لا الطلا و لا على الخف إلا لضرورة و لا يضر زوالها، و التقية الشديدة المخوفة على النفس و المال المضر بالحال مسوغة له لا بأدنى تقيّة كالغسل، و حيث يمكن الغسل و تندفع به التقيّة فلا يصار إليه، و لو دارت التقيّة بينهما وجب الغسل، و لو قطع بعض الرجل مسح على الباقي، و لو قطعت من الكعب مسح المفصل كما فلنا في العضد، و ما جاء من الغسل فيه فمحمول على التقية أو على المسح.

السادس الترتيب

بين الأعضاء المذكورة حسب ما بدأ اللّٰه به في الكتاب، الأول فالأول، و هي المتابعة في السنّة، فيغسل وجهه أولا ثم اليد اليمنى، ثم اليد اليسرى، ثم يمسح الرأس ثم الرجلين، و لا يقدّم شيئا بين يدي شيء فيخالف ما أمر به، و لا تجزي المعيّة، و ما ورد من التوضؤ بماء المطر الوارد على بدنه منزل على ترتيبه عند غسله به أو على التقيّة، و لو خالف وجبت الإعادة على ما يحصل معه الترتيب، و لو تخلّفت لمعة تزيد على قدر الدرهم في العضو المتقدم فيمسح عليها ثم يغسل العضو الذي بعدها، فإن كانت أقل من ذلك أجزأه المسح عليها من غير إعادة و لو باستيناف ماء جديد، و صور النكس المتعددة لا يصح شيء منها لمكان المخالفة، و لو قدم الشمال على اليمين حتى غسل اليمين أجزأه غسل الشمال مرّة أخرى، و الأفضل العود عليهما مرتبا، و لا يعذر الجاهل و لا الناسي في تركه و لا في غيره من أفعال الوضوء و لو قدر لمعة لأن الطهارة لا يغتفر اغتفالها.

السابع الموالاة

و وجوبها فيه في الجملة مما اتفق عليه النص و الفتوى، و الاختلاف إنما وقع في المراد منها، و هي مراعاة الجفاف الناشئ عن نفاد الماء في الأثناء

27

المتعلق بجميع الأعضاء، و يكتفي في تحققها بمطلق البلل و إن كان على عضو متقدم مع المتابعة و عدمها، و لو فرّق و لم يجف فلا إثم و لا إبطال إلا أن يفحش التراخي فيأثم مع الاختيار أما البطلان فلا إلا مع الجفاف المخصوص، و مع العذر فلا تحريم و لا إبطال ما بقي ذلك البلل في البعض، و لو التزم الإتباع بنذر و شبهه فأخل به ففي الصحة نظر، و الأقرب بقاؤها مع الإثم بالإخلال و وجوب التكفير مع التعيين، و كذا ناذر الوضوء المستحب في العبادة المشترطة به ثم يجردها عنه فإنّه يبرأ من نذرها، و لكن يكفّر بإخلاله بالوضوء لها، و الكفّارة لازمة للتعيين و بدونه منتفية أيضا، و المتابعة في وضوء المستحاضة و صاحب السلس و المبطون وجوبها غير بعيد تقليلا للحدث زمن إيقاعها و كذا تجب في أغسالها.

الثامن المباشرة له بنفسه

بحيث يتولّى الغسل و المسح إما بدلك العضو أو غمسه في الماء أو إيصاله إليه، فلو ولاه غيره اختيارا بطل، و لو اضطر إليه لمرض و نحوه وجب و لو ببذل أجرة يقدر عليها لدخوله تحت الخطاب.

و يلحق بذلك بحثان:

الأول: في مستحباته و سننه

[مستحباته]

و هي كثيرة، سابقة و لاحقة:

فمنها السواك؛ و هو في الأصل من سنن الرأس لكن نسب لكثير من العبادات مثل الطهارة، و الصلاة، و الطواف، و قراءة القرآن، و العبادات اللسانية من الدعوات و الأوراد، و هو من المؤكدات حتى لو نسيه أعاده و تمضمض عقبه ثلاثا، و يقدّم على المضمضة و الاستنشاق، و يتأكد و لو كان صائما أول النهار و آخره، و لكنه يتجنّب الرطب على الأحوط، و آلاته كثيرة و المكروه منها عود الرمّان و الرّيحان، و المستحب منها الأراك و الزيتون و قضبان الشجر و تجزي المسبحة و الإبهام لفاقد الآلات و سيما إذا فجأه الصبح، و ليكن عرضا و وترا لأن الوتر محبوب من كل شيء، و يكره في الحمام و في الخلاء، و يستحب تعدد المساويك بعدد الصلوات و أن يكتب على كل واحد منها علامة تلك الصلاة، و يستاك بجميعها في الغداة، و يكره تركه، و يتأكد فعله بعد ثلاثة أيام، و عند كل صلاة و في السحر و عند القيام من النوم مطلقا، و يسقط استحبابه عند ضعف الأسنان من الكبر.

و منها: التسمية؛ و أفضلها بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ثم اتباعها بالمأثور حتى عند النظر إلى الماء.

و منها: وضع الإناء على اليمين، و لو كان بين يديه و غسل يديه ثلاثا مطلقا لوضوئه عن الحدث فمن النوم مرة و من البول و الغائط مرّتين، ثم يأخذ الماء باليمين

28

و يغسل الوجه بها، و يغسلها بعد إدارته إلى اليسرى، و إن شاء اغترف باليسرى لها و الأمران سواء، و قصر غسل الوجه على اليمين، و لا يستعين باليسرى إلا لضرورة أو تقيّة فما ورد من جوازه فمحمول على أحد هذه الوجوه.

و المضمضة ثلاثا ثم الاستنشاق كذلك بست غرفات مع سعة الماء، و مع عدمها كل ثلاث بغرفة، و تثنية غسل الأعضاء لطالب الإسباغ إذا لم يتأت بواحدة و إلا فمباحة و الثالثة بدعة مبطلة، و إن لم يمسح بمائها، و بدأة الرجل بظاهر ذراعيه و المرأة بعكسه بل الوجوب ليس ببعيد كما هو الظاهر من تلك الأدلة، و لا فرق بين الغسلة الأولى و الثانية، و تتخير الخنثى المشكل و ذو الثقب الخالي من الفرجين في الفضيلتين، و ليكن الوضوء بمد، و تضع المرأة القناع في الصبح و المغرب، و سيما في الأول، و لا تنقص المسح عن ثلاث أصابع، و تقديم غسل الرجلين عليه، لو احتيج إليه للنظافة أو التبرّد، فإن أخره تراخى به عن المسح شيئا و إن لم يتراخ أعاد المسح بعده استحبابا، و الدلك للأعضاء المغسولة، و الحكم بالوجوب قوي جدا، و ضرب الوجه بالماء إن حضر شيء من النعاس أو كان الوقت باردا، و إفاضة الماء على مسترسل اللحية، و تقديم الاستنجاء من البول و الغائط على الوضوء، و تحريك ما لا يمنع وصول الماء، و الدعاء عند كل فعل فعل بما ورد من المأثور، و بعد الفراغ يقرأ القدر، و يقول: الحمد للّٰه رب العالمين اللهم إنّي أسألك تمام الوضوء و تمام الصلاة و تمام رضوانك و الجنّة، و إشراب العين ماء الوضوء و فتحها عنده و الإسباغ في مائه و سيّما في السبرات.

و مكروهاته

التوضؤ في إناء فيه تماثيل، أو مفضض، و في المسجد من حدث البول و الغائط و لا بأس به من الريح و النوم، و استعمال المشمس و الآجن و ما أدخل الجنب يده فيه قبل غسلها، و سؤر الحائض و الجنب الغير المأمونة، و كذلك الوزغ و الحيّة و العقرب و الفأرة و سؤر ما لا يؤكل لحمه و الاستعانة، و التمندل، و تقديم الاستنشاق على المضمضة، و ترك الإسباغ مع وجود الماء و صبّ مائه في الكنيف، و ترك المتابعة و التسمية، أما التكرار في المسح فقد تقدّم بيانه و أنه محرّم، و الماء المسخن بالنار إذا لم يضطر إليه، و تخليل الشعر الذي في الوجه كثيفا أو خفيفا إلا في حال التقيّة و ما ورد من الأمر به فهو ناش عنها.

البحث الثاني: في أحكامه و فروعه

قد مرّ أن حقيقة الغسل لا تحصل إلا بالجريان فهو واجب اختيارا، و اخبار المسح و الدهن كناية عن أقلّه، أما المسح فالإصابة بإمرار الماسح مع عدم الجريان، و التباين بينهما يكون كليا كما في الكتاب و السنّة، و يقوم المسح مقام الغسل عند قلّة الماء فيما

29

سوى الوجه كما قد بيّناه فيما سبق، و من كان على أعضائه جبائر أو طلاء أو لصوق تمنع من وصول الماء إلى البشرة غسلا و مسحا وجب عليه إيصال الماء إلى ما تحتها إن أمكن و لم يكن هناك ضرر شرعي أو عرفي و لو بالنزع، و يكفي التكرار و التروي في غير موضع المسح، و إن تضرر بذلك أو تعذّر مسح على الجبائر و الطلاء و لو في موضع الغسل، و إن تضرر بذلك اقتصر على غسل ما حولها سواء كان التجبير مستوعبا العضو أو لم يكن، و لو تضرر بغسل ما حولها انتقل إلى التيمم، و لو كانت غير مجبّرة غسلها إن أمكن و إلا مسح عليها و غسل ما حولها، فإنّ تعذّر أو تضرر انتقل إلى التيمم، و ذو القروح الكثيرة إن أمكن غسلها من غير تضرر و إلا انتقل إلى التيمم، و الأحوط عند الاشتباه الجمع بين غسلها و بين التيمم للجمع بين الأخبار المتعارضة فيها، و لو كانت نجسة وضع الطاهر عليها و مسح، و لو تعذّر الطاهر طهرها بالماء أولا ثم مسح عليها، و المسح عليها في موضع الغسل رخصة و ليس بعزيمة فالغسل حينئذ أفضل، و لو زال العذر لم تبطل الطهارة كما مرّ في حال التقية، و لو حلق ذو الشعر بعد الغسل لم تجب الإعادة، و لا يجب تجفيف ماء الرأس و الرجلين في المسح إذا غلب ماء الوضوء إلا إذا خيف صدق الغسل، و يحرم مسح الأذنين و غسلهما إلا للتقية، و كذلك التطوق، و الخبر الوارد بذلك محمول عليها، أو أنها سنة غير التطوق تؤخذ من ذلك الخبر.

و السلس و من يجد البلل بعد البلل كالخصي يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد، و إن توضأ لكل صلاة و جمع فهو أحوط، و صاحب البطن الغالب إن وجد فترة قطع صلاته و توضأ و بنى و اغتفر جميع ذلك منه، و ان استمر لم يقطع و يتوضأ لكل صلاة و يبالغ في الجمع، و لا يقطع صاحب السلس و يبني نعم يتحفّظ باستعمال كيس مصون يضع فيه الذكر، و الخصي ينضح ثيابه في النهار مرّة أو مرّتين، و الشاك في كل من الحدث و الطهارة بعد تيقن الآخر يأخذ باليقين للقاعدة المقررة العامة و للنصوص الواردة بالخصوص الناهية عن أن يحدث وضوءا حتى يستيقن فلو أراد فعله نوى التجدد كحالة اليقين، و لو تكافئا كان محدثا و وجب الوضوء عليه، و لو استفاد من التعاقب و الاتحاد يقينا بعد التأمل صار إليه و أخذ به و خرج من هذا الباب، و لو دخل بيقين الطهارة بعد الحدث، ثم عرض له الشك في أثناء الصلاة صار محدثا، و وجبت عليه الطهارة و الاستئناف للصلاة، و بعد الفراغ لا يلتفت و تجب عليه الطهارة لما استقبل من الصلاة و ذلك للنص لا للقاعدة المشهورة لأنه حقه أن يكون محدثا كالناسي للطهارة بيقين.

و لو شك في أثنائه أو بعد الفراغ منه قبل الانصراف المتعارف في نيّة أو في حدث أو في شيء من أجزائه أو من ترتيبه أعاده على وجه محصل للترتيب و الموالاة عندهم،

30

و إن توقف على الاستئناف استأنف، و بعد الانصراف لا يلتفت إلا إذا شك في الأثناء، و بعد الدخول في الصلاة في المسح و قد بقيت بلّة يستحبّ له إعادته و المضي في صلاته.

و لو تيقن ترك واجب منه أتى به و بما بعده مطلقا و لو أخلّ بالموالاة الواجبة استأنف، و لو ذكر المنسي بعد الصلاة أعادها وقتا و خارجا، و لو تردد بين وضوئين واجبين أو مندوبين رافعي الحدث أو مبيحي الصلاة أجزأ، و لو تردد بين واجب و مجدد فهو موضع اشكال، و الأقوى الإجزاء كما في الأولى و الأولى الإعادة، و لو تعددت الصلاة فكل صلاة عن طهارتين صحيحة و غيرها فاسدة، و عند اشتباه الصلاة يأتي بما يعلم معه البراءة و يسقط التعيين هنا كالناسي لصلاة مشتبهة من الخمس، و لا فرق بين المسافر و الحاضر و لا بين فساد طهارة و ما زاد عليها إذا أتى بالمحتمل.

و يشترط في الماء الملك أو ما في حكمه، و الطهارة فيعيد لو تطهر بالنجس مطلقا، و بالمغصوب مع العلم و هو الأحوط للناس أيضا، و لا يعيد الجاهل بالغصب بخلاف الجاهل بالحكم، و تصح الصلاة به و إن بقي عليه بلل، و يمسح بمائه إذا علم بعد الفراغ من غسل اليسرى و قبله يتمّه بغيره إن أمكن و إلا بطل، نعم يضمنه بالمثل، و الشراء الفاسد كالغصب مع العلم بالفساد، أما لو كان الإناء مغصوبا أو آلة الصب مغصوبة أو ذهبا أو فضّة أو كان أحدهما مصبا للماء فالأقوى الصحة و إن أثم، أما المكان المغصوب فالأحوط البطلان مع العلم أو جهل الحكم، و لو استعمل الماء المغصوب في الإزالة الخبثيّة طهر و أثم و ضمن، و غسل الأموات كالطهارة الحدثية و ان انضمت إليها الخبثية.

و لا تبطل الردة الوضوء على الأقوى، و لا خروج المقعدة الخالية و لو خرجت ملطخة بالعذرة ثم عادت من غير انفصال فالأقوى الصحة و الأحوط البطلان.

و المراد باليد المغسولة قبل الوضوء هو الكف من الزند، و لو أدخلها قبل غسلها كره، و في استحباب الغسل بعد ذلك لها فيه كلام، فإن قلنا به حسب بمرّة فيبني عليها و يستحب العدول إلى إناء آخر أو له إذا اتصل بالكثير فيبقى استحباب الغسل بحاله، و لا يستحب غسلها من الريح، و القول بتعميم هذا الغسل حتى من الكثير و الجاري قوي جدا، و لا فرق بين كون النائم مشدود اليد أو مطلقها مستورة أو مكشوفة مستور العورة أم لا، و لا بين نوم الليل و نوم النهار، و النية غير مشترطة فيه و كذلك التسمية نعم تستحبّان، و تتداخل الغسلات لو اجتمعت الأسباب و الأقل يدخل تحت الأكثر، و المتوضي مكشوف العورة و لم يكن هناك ناظر غير مضر كشفها و مع الناظر يأثم و لا يبطل الوضوء على الأقوى.

31

الفصل الثاني في الغسل و مباحثه ستة:

الأول: في الجنابة و فيه ثلاث مقامات:

[المقام] الأول قد ثبت أن لها سببين:

إنزال المني مطلقا

و لو من قبل الخنثى المشكل من الذكر و الفرج، و الأحوط الاعتداد بذلك من أحدهما، و يتميز عند الاشتباه من الصحيح بالشهوة و الدفق و فتور الجسد، و في المريض تكفي الشهوة، و الغلظ و البياض في مني الرجل أكثري كما أن الرقّة و الصفرة في مني المرأة كذلك، و ما قيل من أن رائحته كالطلع و العجين فلا أعرف له دليلا سوى الوجدان الغالب، و لو علم كونه منيا وجب الغسل و إن فارق هذه الصفات، و لا عبرة به عند الاشتباه و تخلفها عنه، و لو خرج من غير الطبيعي فكالحدث الأصغر في اعتبار المعاودة و عدمها، و لو وجده على جسده أو ثوبه المختصّ به وجب الغسل، و لو شاركه غيره مع حصره وجب عليهما، و الظاهر أنه باجتماعهما يقطع بجنب، و على القول بسقوطه بالاشتراك فلا يأتم أحدهما بصاحبه، و لا يكمل بهما عدد انعقاد الجمعة، و يعيد الواجد في المسألة الأولى كل صلاة و صوم و طواف يعلم عدم سبقها، و الأحوط أن يعيد ما لا يعلم سبقه، و يقضي بنجاسة الثوب أو البدن في أقرب أوقات الإمكان، و لو حبس المني بآلته فلا غسل، و مثله ما لو احتلم و لم يخرج، و لا غسل على المرأة بخروج مني الرجل إلا أن تعلم خروج منيها معه، و مع الشك و الاشتباه فهي كالرجل.

السبب الثاني الجماع

في قبل المرأة مع غيبوبة الحشفة، و في دبرها و دبر الغلام على الأحوط، و لا فرق في الحشفة بين البارزة و الملفوفة غليظة كانت أم رقيقة، و يكفي قدرها من مقطوعها مع الإنزال و عدمه فاعلا و قابلا، و لا يجب بوطي البهيمة، و الخنثى المشكل لو أولج و أولج فيه من رجل أو واضح يجب عليه بغير اشكال، و لا يجب بأحد الأمرين إلا أن يوطأ دبرا على القول به و على الأحوط، و لو توالج الخنثيان فعدم الوجوب هو المحقق من الدليل و ذلك مع عدم الإنزال، و في الميتة يجب به، و لو استدخلت ذكر الميت وجب عليها الغسل.

و تتعلق أحكام الجنابة بالصبي و الصبيّة بحصول الإيلاج و إن تأخر وجوبه إلى

32

البلوغ، و قبله يستحب تمرينا و يستبيح به ما يستبيح المكلّف لو فعله ندبا، و الكافر قد عرفت أنّه غير مكلّف بالفروع من العبادات و لا تصح منه إلا في بعض المواضع النادرة كما قلناه في تغسيل الكافرة الذمية للمسلمة و الكافر للمسلم فإذا فعل موجبها و أسلم وجب عليه الغسل فإن الإسلام لا يجبه بل يبقى مجنبا، و كذلك باقي الأحداث بهذه المنزلة، و الارتداد لا يسقط وجوب الغسل و لا ينقضه لو تقدم في الأصح.

و ربما توجّه (سبب ثالث للجنابة) و هو الماء المشتبه الخارج من الجنب بعد غسله إذا لم يستبرئ بالبول إلا أن الأكثر أدخلوه في المني و لذلك ثنوا القسمة.

الثاني: في كيفية الغسل:

تجب فيه النية أولا مقارنة لغسل الرأس أو متقدمة كما سلف، و العنق و الرقبة من الرأس، ثم الجانب الأيمن ثم الأيسر للاحتياط و لأخبار غسل الموتى، فلو خالف الترتيب بين الرأس و الجسد وجبت إعادته بغير اشكال و إن كان ناسيا أو جاهلا إلا لشبهة المذهب، و المخالفة بين الجانبين موجبة للإعادة احتياطا، و بقاء اللمعة من الجانب الأيمن غير مخل بالترتيب فيجزيه المسح عليها من غير إعادة سواء كانت دون درهم أو أكثر، و كذا لو كانت في الرأس على الأظهر، و يجب غسل الشعر فيه مع ما تحته من البشرة، و يجب تخليل ما يمنع وصول الماء إلى البشرة.

و يسقط الترتيب فيه بالارتماس ارتماسة واحدة بحيث يكون عند فعلها خارجا من الماء لا بمجرّد الكون تحت الماء، و لا ترتيب فيه لا حكما و لا نيّة، أمّا الاغتسال بالمطر الغزير و المجرى فلا يصح إلا إذا رتّبه و ليس بمرتمس و لا بكيفية ثالثة كما يعطيه ذلك النص.

و يستحب فيه البدأة بغسل اليدين ثلاثا من الزندين أو من المرفقين أو من نصف الذراع، و المراتب الثلاث مرتبة في الفضل و أكثرها أكملها، و يستحب تثنية غسل الأعضاء، و التثليث أكمل، و الدلك، و الأحوط أن لا ينقص الرأس عن الثلاث الأكف، و لا يغسل بدونها إلا من ضرورة، و يستحب الدعاء بالمأثور بعد التسمية، و تخليل ما يصل إليه الماء، و المضمضة و الاستنشاق ثلاثا ثلاثا كما مر في الوضوء، و الغسل بصاع- و هو أربعة أمداد- إن انفرد بالغسل، و ان انضم إليه الوضوء كفاه خمسة أمداد، و الموالاة و هي المتابعة لا مراعاة الجفاف، و لا تجب إلا بالنذر و شبهه، و الأحوط التزامها لدائم الحدث، و تقديم الاستبراء بالبول ثم بالاجتهاد عقيبه، و لو تعذّر البول سقط فإن الاجتهاد بغير بول لا يثمر شيئا، و لا تسقط الإعادة بخروج البلل المشتبه بعده، و مع البول تسقط إعادة الغسل، و بالاستبراء بعده يسقط الوضوء، و يجب تقديم إزالة النجاسة عن العضو و البدن مقدما على غسل الرأس، و لا يكفي

33

تقديمه على غسل العضو الذي هو فيه، و لا يكفي ماء واحد عن الخبث و الحدث بل يجب إمرار الماء بعد زوال الخبث، و الحدث في أثنائه يبطله و إن كان أصغر إن لم يوال بين الأعضاء، فإن والى فالأحوط أيضا الإعادة، و كذا في أثناء غيره من الأغسال، و يعيد فيها الوضوء أيضا لو كان قد قدمه، أما الأغسال المسنونة فلا أثر له فيها إذ لا يشترط فيها الطهارة من الحدثين و لهذا تجامع الحدث المستمر، و ليست بمبيحة في تلك الحال، و الأحوط وجوب غسل العورة على الطرفين معا لما في تنصيفها من الإشكال، و لا يجب على المرأة نقض الظفائر حيث يصل الماء إلى أصول الشعر بحيث يعمّه و البشرة نعم يستحب، و لا يضر بقاء صفرة الطيب على الأجساد إذا علم وصول الماء إلى البشرة، و لو وجد لمعة بعد الغسل غسلها و لو بالمسح عليها إن كان مرتبا، و استأنف إن كان مرتمسا، و لو شك في الإنزال بعد الجماع استحب له الاستبراء، و لا استبراء على من لم ينزل، و لا على المرأة، و تجب المباشرة إلا مع الضرورة كما في الوضوء، و تكره الاستعانة و كذا المياه السابقة في الوضوء المنبه على كراهتها، و يجب ماء الغسل على الزوج لغسلها و كذا يجب إسخانه لو احتيج إليه لأنه من المؤن، و كذا أجرة الحمام لو توقف عليه الغسل لذلك.

الثالث: في الأحكام و الفروع الملاءمة لهذه الواجبات

فيحرم قبل الغسل ما سلف مما تتوقف إباحته عليه كما بيّناه في الأسباب، و لا فرق في العزيمة بين الجميع و البعض حتى البسملة، و مس خط المصحف و لو نسخ الحكم، بخلاف منسوخ التلاوة و إن بقي الحكم، و كذا يحرم مس ما نقش منه و كتب في الكتب و الأواني و ما ذكر شاهدا إلا أن يخرج عن التلاوة، و كذا يحرم مس ما عليه اسم اللّٰه تعالى من درهم أو دينار، و وضع شيء في المساجد، و أما أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) فلم ينهض الدليل بتحريمه إلا أن الاجتناب أحوط، و حمل ما دل على الجواز على التقية.

و يكره قراءة باقي القران و يتأكد فيما زاد على سبع آيات إلى السبعين، و كذا حمل المصحف، و لمس هامشه، و مسّ الكتب السماوية المنسوخة، و النوم ما لم يتوضأ أو يتيمم، و الأكل و الشرب ما لم يتمضمض و يستنشق و يغسل يديه، و الوضوء أفضل.

و يكره الخضاب و الدهن و الجماع لو كانت جنابته عن احتلام، و لا بأس بتكرار الجماع من غير غسل و لا وضوء و إن كان استعمالهما أفضل، و لو اضطر إلى المقام بالمسجد و تعذّر عليه الغسل تيمم له، و تجب عليه إعادته كلما أحدث و لو أصغر.

34

البحث الثاني: في أحكام الحيض و أحكام غسله

و هو في الكيفية كالجنابة، و يستحب معه الوضوء قبله، و كذا باقي الأغسال، و بذلك فارقت غسل الجنابة لبدعيته معه.

و الحيض هو الدم الأسود أو الأحمر الخارج من الرحم بحرارة و حرقة غالبا، و له تعلق بانقضاء العدة بحيث تراه بعد التسع الكاملة الهلالية و قبل الخمسين، و مخرجه المعتاد الطبيعي معتبر في ترتب الأحكام عليه و إن سمّي حيضا، و الحكمة فيه إعداد الرحم للحمل ثم اغتذاؤه جنينا ثم رضيعا باستحالته لبنا و من ثم قلّ حيض الحامل بل قيل بعدمه مطلقا أو انه مع الاستبانة خاصة، و المرضع قد تحيض قطعا.

و إذا حاضت المرأة في مقام الاعتدال كان في كل شهر مرة و ما سواه استرابة، و مع الاشتباه بالعذرة يختبر بالتطوق و عدمه فالأول للعذرة و الثاني للحيض، و بالقرحة بالخروج من الأيمن و الأيسر، فالأول للقرحة و الثاني للحيض كما هو الأظهر، و كل دم يمكن كونه حيضا يحكم به إلا مع مجاوزة العادة و الاستظهار فيحكم بأنه استحاضة، و ان انقطع على العشرة فما دونها، و كذا الزائد على العادة إذا كانت العادة لا تختلف عليها، و أقلّه ثلاثة أيام و لو في ضمن عشرة، و أكثره عشرة إلا مع الاضطراب عند رجوعها إلى التمييز، و أقل الطهر عشرة و لا حدّ لأكثره، و لا يشترط فيه النقاء بل الدم الزائد على العشرة إلى أن تنتهي العشرة طهر في ما بين الحيضتين، أمّا الطهر المتخلل للحيضة الواحدة فلا يكون أقله عشرة كما توهمه الأكثر بل هو طهر صالح لجميع العبادات و إتيان الزوج و لا يحسب في أطهار الطلاق، و لا يعتد به في العدد.

و تثبت العادة باستواء مرتين عددا و وقتا و أخذا و انقطاعا، و لو اختلفتا ثبت ما تكرر منهما إن وقتا و إن عددا، ثم قد تتعدد العادة على اتساق (1) و عدمه، و هي المرجع عند تجاوزها فالمستقيمة تأخذ بها إن علمتها و إلا بالأقل فالأقل إلى آخر العادات، و ربما

____________

(1) الاتساق هو أن تكون نسبة الأوّل إلى الثاني كنسبة الثاني إلى الثالث و هكذا، و مثاله أنّها كانت تحيض في الشهر الأوّل ثلاثة أيّام و في الثاني أربعة و في الثالث خمسة، فلها كل دورة ثلاثة أشهر، و عدمه أن تختلف النسبة بين الأوّل و الثاني و الثالث كأن يكون الأوّل ثلاثة و الثاني خمسة و الثالث ثمانية.

35

اكتفي بالتمييز طريقا إلى العادة كما إذا استوى الدم القوي مرتين مع تخلل ضعيف بينهما هو أقل الطهر فصاعدا.

و العادة بعد استقرارها مقدّمة على التمييز عند التعارض حتى مع صفرة الدم و كدورته، و المتقدّم عليها بيوم أو يومين بمنزلتها، و كذلك المتأخر و الزائد على ذلك تختبره بالعلامات المميزة.

و شروط التمييز اختلاف اللون، و مجاوزة العشرة، و عدم نقص القوي عن ثلاثة أيام و إن زاد على العشرة، فما بعد الثلاثة إلى العشرة حيض كيف اتفق إذا لم يتجاوزها في غير ذات العادة، و لو تجاوز في ذات العادة لها استظهرت بيوم أو يومين أو ثلاثة، إن كانت تختلف عليها فيما سبق أحيانا، و إلا فلا استظهار بل تتعبّد عند انقضاء العدة ثم تغتسل و يحكم بطهرها و إن بقي الدم، و مع مجاوزة العشرة لا شك في استحاضتها، و لو استظهرت ذات السبعة فما فوقها إلى العشرة كان مطابقا لما سبق في عدد الاستظهار، و لا تقضي الصلاة أيام الاستظهار في حال أعم من أن يتجاوز العشرة أو لم يتجاوز على اختلاف الأقوال.

و المبتدئة و المضطربة ترجعان مع التجاوز إلى التمييز المشار إليه فيما سبق فإن فقدناه رجعت المبتدئة إلى عادة نسائها من أقاربها و أقرانها من بلدها لشمول نسائها لهما، و لا ترتيب بينهما و إن كانت الأقارب أولى، فإن فقدتهما فالروايات سبيلها و هي ستة أو سبعة في كل شهر، و عشرة من شهر و ثلاثة من شهر آخر، و إن أكثره عشرة و أقله ثلاثة، أو العشرة ابتداء و بعد ففي كل شهر ثلاثة (1).

و المضطربة مع فقد التمييز ترجع إلى الستة أو السبعة لا غير، هذا إذا أغفلت العدد و الوقت، و ذاكرة العدد خاصة تحسبه من مبدأ الدم إلى أن تستوفيه ثم بعد هي مستحاضة، و ما ثبت لها من الفروع و الحالات المتكلفة عند فقهائنا تبعا لفقهاء العامة فتشريع لا يحل استعماله، و إن ذكرت الوقت خاصة أخذت العدد من الروايات في ذلك الوقت و تحيضت أيضا برؤية الدم.

و أما الأحكام

فتحرم عليها كل عبادة شرطها الطهارة من الحدثين و لو نفلا، و كذا ما يستلزم دخول المسجدين و الكون فيهما و اللبث في باقي المساجد، و جعل مشاهدهم (عليهم السلام) كالمساجد ليس ببعيد.

____________

(1) تفيد هذه الجمل القول بالتخيير بين ما ورد في الروايات المشار إلى مضمونها و ليس ترددا منه في الفتوى.

36

و تتيمم للخروج من المسجدين لو فجأها الدم فيهما كما جاء في الجنب، و كذا لو دخلت فيهما نسيانا مع سبق حيضها، و لا بأس بالأخذ منها، و إنما يحرم الوضع فيها إلا مع الضرورة، و قراءة العزائم أو شيء منها، و لو كان مشتركا بينها و بين غيرها حرم أو كره و المدار على القصد، و يكره ما عداها و لكنه كمكروه العبادة لإذن الاخبار بقراءة ما سوى العزائم، و تتأكد الكراهة فيما زاد على السبع أو السبعين و تخف فيهما و مس كتابة القرآن و منه المد و التشديد، و كذا ما عليه اسم اللّٰه تعالى، و اجتناب أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) أحوط، و يحرم الاعتكاف و الطلاق مع الدخول و حضور الزوج أو ما في حكمه، و وطؤها قبلا و اجتناب ما بين السرّة و الركبة على جهة الاستحباب للتغليظ في ذلك أحوط، و يباح غير ذلك و إن كان الأفضل أن تتدرع بالدرع و يستمتع بما فوقه.

و يجب عليها قضاء شهر رمضان، و في النذر و شبهه إذا وافق الحيض تردد، و الوجوب أقرب، كما أن الأقرب عدم وجوب قضاء الصلاة غير اليومية عند عروض أسبابها حالة الحيض، أما ركعتا الطواف فلا حقة بالطواف في القضاء.

و لو عرض الحيض بعد التمكن من الصلاة قضت، و لو انقطع و قد بقي من الوقت قدر الطهارة و ركعة وجب الأداء، و الوجوب دائر مدار وقت الفضيلة كما هو المتيقن و ترتبه على الإجزاء أحوط، و مع الإخلال فالقضاء واجب، و لو تلت العزيمة فعلت حراما و سجدت وجوبا، و لا بأس باستماعها و سماعها مع سجودها وجوبا.

و يجب تعزير الواطي عالما عامدا، و يثبت ارتداده مستحلا، و على ممكنته التعزير أيضا، و الأحوط له التكفير بدينار في ثلثه الأول و بنصفه في ثلثه الثاني و بربعه في ثلثه الآخر، و لو تصدق على مسكين بقدر شبعه أجزأه، و لو كانت أمته تصدّق بثلاثة أمداد طعاما.

و يكره وطؤها بعد الانقطاع و قبل الغسل و بعد غسل الفرج مع الشبق و بدونه يحرم، و لا تترتب عليه الكفارة المتقدمة و إن وجب تعزيره.

و لو عرض الحيض في أثناء الوطي نزع فإن استدام لزمته تلك الأحكام، و لو اشتبه الحيض بغيره من الدماء فالأحوط الامتناع تغليبا للحرمة، و القيمة غير مجزية في الكفارة على القول بوجوبها.

و يستحب لها الجلوس في مصلاها بعد الوضوء و غسل الفرج و التحشي ذاكرة اللّٰه تعالى بقدر زمان الصلاة، و ليكن تسبيحا و تهليلا و تحميدا و جاء أو قراءة.

و هذه الأحكام متعلقة برؤية الدم للمعتادة و كذلك المبتدأة و المضطربة فعلا و تركا.

و لتنو في كل من الوضوء و الغسل الرفع و الاستباحة أو هما سواء قدمت

37

الوضوء أو الغسل عندهم و التزام التقديم أحوط، و لو أحدثت بين الغسل و الوضوء لم يقدح في الغسل، و لو كان المقدم الوضوء أعادته لا غير، و في أثناء الغسل كما مرّ في الجنب مع قوة الاجتزاء بالوضوء هنا مع إتمام الغسل لاختصاص الدليل بالجنب.

البحث الثالث: في الاستحاضة

و دمها في الأغلب أصفر بارد رقيق يلزمه الفتور غالبا لندور غيرها، فلو اتفقت في أيامها غير هذه فاستحاضة، كما أن هذه الصفات قد تجامع الحيض لذات العادة، و الضابط فيها انها كل دم يخرج من الرحم و ليس بحيض و لا نفاس و لا قرح و لا جرح، و منه ما زاد على العادة و الاستظهار و ما تجاوز العشرة، و ما زاد على غاية النفاس، و ما نقص عن أقل الحيض، و ما تراه حالة الصغر و اليأس، و لا يشترط فيها إمكان الحيض، و الاشتقاق للغالب.

و لا يحرم عليها شيء من محرمات الحيض إذا أتت باللازم شرعا و هو الوضوء لكل صلاة مع تغيير القطنة و غسل الفرج لما لا يغمس منه، و ذلك مع تغيير الخرقة و الغسل للغداة احتياطا إذا غمس و لم يسل، و جميع ذلك مع غسل للظهرين و مثله للعشاءين مع الجمع بينهما إذا سال بحيث تؤخّر هذه و تعجّل هذه فيحصل الجمع بدخول وقت الثانية، و المحقق منها حالتان لا غير، فمع السيلان كبرى توجب هذه الأعمال و الأغسال، و مع عدمه فصغرى لا تجب معها الأغسال، و صحة الصلاة موقوفة على الكل، و كذا صحة الصوم فتقضي لو تركت، و يتوقف الوطي عليها، و عليها الاستظهار في التحفّظ بقدر الإمكان، و لو فجأها الحدث في الصلاة فلا شيء، و انقطاع الدم لا حكم له إن كان للبرء، و إلا وجب ما كان سابقا إن غسلا و إن وضوءا، و الشاكة في البرء كذات الاستمرار، و يجوز لها دخول المساجد مع أمن السريان كالمجروح و السلس و المبطون، و لو اختلفت دفعات الدم عملت على أكثرها ما لم يكن للبرء، و لتنو الاستباحة لوضوئها و غسلها لا الرفع، و عند برئها تجوز نيّة الرفع، و لو نوت رفع ما تقدّم أجزأها، و لتتبع الطهارة بصلاتها فإن أخرتها و لم يفجأ الحدث لم يضر و إلا استأنفت الطهارة، و لو انقطع الدم في أثناء الصلاة لم يضر أيضا، و لو انقطع قبلها احتاطت بالوضوء إن كان السابق يوجبه و إلا فبالغسل، و لو تركتهما رأسا صحّ لها الدخول بتلك الطهارة التي هي عليها.

38

البحث الرابع: في النفاس

و هو دم الولادة و اشتقاقه من النفس التي هي الدم، و لا بد من خروجه مع الولد، و يكتفى بخروج جزء منه أو بعده إلى تمام العشرة في غير ذات العادة، و في ذاتها تعتبر بعادتها، و لو رأته قبل خروج بعض الولد مقارنا له فهو استحاضة، و أقله مسمّاه و أكثره للمعتادة عادتها و لغيرها ثمانية عشر يوما، و لها الاستظهار في الحالين بيوم أو يومين أو ثلاثة إن استمر كالحائض، و لو لم تر دما إلا في آخر العادة أو آخر الثمانية عشر لغيرها فهو النفاس، و لو رأته في أوله و آخره خاصة فالدمان خاصة نفاس و ما بينهما طهر في أثنائه، و لو تعدد الولد فلكل نفاس منفرد، و يكفي في الولادة كونه مضغة أو علقة احتياطا، أما النطفة فلا، و لو انقطع الدم استبرأت بالقطنة كالحائض، و لو كانت مبتدأة و تجاوزت ثمانية عشر عملت عمل المستحاضة، و لا ترجع إلى التمييز و لا إلى النساء، و كذلك المضطربة، و حكمها كالحائض في المحرمات و المكروهات، و تخالف الحائض في أمور أنهيت إلى عشرة في المشهور و لا حاجة لنا في استقصائها، و لو وطأها فنفست أو قارن الوطء النفاس ثم انقطع عند النهاية أو في أثنائه و تعمد البقاء بعد العلم فكفّارة واحدة و احتمال ثلاث كفارات بعيد.

البحث الخامس: في غسل الأموات و أحكامه

و مجموعها خمسة:

الأول الاحتضار:

- أعاننا اللّٰه عليه و ثبتنا بالقول الثابت لديه- و يجب الاعتداد للموت عند ظهور اماراته و قبل معاينته بالتوبة، و الأعمال الصالحة، و الإكثار من ذكره قلبا و لسانا، و الوصية لمن عليه حق أو له، و يكره تمني الموت، و الشكاية للمريض، بل ينبغي الصبر على المرض احتسابا للأجر، و في عيادة المريض في غير الرمد و الدماميل و وجع الضرس ثواب عظيم و خصوصا في الصباح و المساء، و ينبغي الإذن للعائد في الدخول، و إيذان إخوانه بمرضه، و أن يستصحب العائد هدية معه و الدعاء له، و وضع اليد على جبهته و ترغيبه في التوبة، و تذكيره بالوصية و تخفيف العيادة إلا مع التماس المريض ذلك، و أن يلي أمره أرفق أهله به أو أصحابه، فإذا ظهرت أمارات الموت رغّبه

39

في حسن الظن باللّه، و تلا عليه الآية و الأخبار المتضمنة لذلك، فإذا حضره السوق وجب استقبال القبلة و توجيهه لها بأخمصيه بحيث لو جلس لكان مستقبلا، و يستحب تلقينه الشهادتين و الإقرار بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) و كلمات الفرج، و نقله إلى مصلاه إن اشتد به النزع، فإذا مات أغمضت عيناه و أطبق فوه، و مدت يداه إلى جنبيه، و كذلك ساقاه و سجي بثوب، و لا يترك وحده، و ليقرأ عنده القرآن و قراءة الصافات تعجل الفرج له و كذلك يس تخفف عليه النزع و يحصل بها البركة، و يعجل بتجهيزه فإنه كرامة له إلا مع الاشتباه فيصبر عليه ثلاثة أيام أو ما دونها بحيث يترتب عليها وضوح أمره، أو يختبر بالعلامات الدالة عليه، و يكره أن يحضره جنب أو حائض.

[الثاني] في التغسيل:

و أولى الناس به أولاهم بميراثه إمّا لزيادة إرثه أو لحجبه، و تجب المساواة في الذكورة و الأنوثة إلا في ما استثني كمن لم يتجاوز سنه ثلاثا من الصبي أو خمسا من الصبية، و إلا الزوجين و المالك و مملوكته غير المزوجة و لا المكاتبة، و الأحوط اعتبار كونها أم ولد لانتقالها بموت سيدها لورثته، و الزوج أولى بزوجته حتى من المالك.

و يجب أن يكون الغاسل مكلفا بالبلوغ و العقل و مسلما إلا أن يفقد فتغسله أهل الذمّة بتعليم المسلم الذي لا يمكنه المباشرة، و الأحوط إعادة الغسل بوجود مستكمل الشرائط قبل الدفن.

و يجوز لذوي الرحم و هم المحارم نسبا و مصاهرة التغسيل لغير المماثل من وراء الثياب عند عدم إمكانه، و الخنثى المشكل تغسله محارمه و لا يغسلهم إلا مع فقد المماثل، و لا تغسل الخنثى مثلها، و مع فقد ذوي الرحم يسقط التغسيل، و الأجانب لا يشرع غسلها و لو من وراء الثياب، و لا يجزي في ذلك تغميض العينين، و لا يكفي عن تغسيلها غسل مواضع التيمم.

و الأفضل للزوجين أن لا يغسل أحدهما الآخر إلا من وراء الثياب و ليس ذلك بشرط، و إنما يغسل المسلم و من بحكمه من الأطفال و ان كان سقطا له أربعة أشهر، و ما دونها يلف في خرقة و يدفن بلا غسل، و ذو الأربعة تثبت له الاحكام كلها حتى القطع الثلاث و التحنيط و لا يتوقف على بلوغ ستة.

و حكم الصدر كالميت في التغسيل و التحنيط و التكفين، يلف في ثلاثة أثواب، و كذلك عظامه أجمع يثبت لها ما يثبت للميت، و لا يغسّل الكافر حتى لو كان مخالفا إلا للتقية و يغسله تغسيل المخالفين، و الخوارج و الغلاة و المجسمة و المجبرة بمنزلة أولئك و إن أظهروا الإسلام، و الشهيد إذا مات في المعركة أو خارجها و لم يدرك و به رمق لا يغسّل و لا يكفّن، و هو مختص بالشهادة بين يدي الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاص، و إن جرد كفن،

40

و لا فرق بين المقتول بحديد أو غيره بالغا كان أو غير بالغ جنبا كان أو غير جنب.

و يجب تغسيل كل قطعة فيها عظم و تلف و تدفن، و من أريد قتله حدا أو قصاصا غسّل و كفّن و حنّط قبله و أجزأه عن ذلك بعد موته بذلك السبب.

و تجب إزالة النجاسة عن بدنه أولا، و تستر عورته إن كان من يغسّله باصرا و ليكن بقميصه إن كان عليه و إلا بخرقة توضع على عورته، و لو جرّد من القميص و جمع على عورته ليحصل التمكين من التغسيل تأدت السنة بذلك.

و يستحب شق القميص لينزع إلى العورة و إن كان مملوكا للوارث إلا أن ذلك حق عليه حتى لو امتنع من ذلك ألزم به مراعاة لحرمة الميت، و وضعه على ساجة، و يستقبل به القبلة وجوبا كحالة الاحتضار إلا أن يتعذّر ذلك، و تحفر له حفيرة تجاه القبلة ليقع ماء الغسل فيها و تعلى جهة الرأس لينحدر الماء عنه بسرعة، و ليكن تحت ظل ساتر من سقف و نحوه، و ليكن مستور الجهات أيضا لكراهة التغسيل في الفضاء، و لتليّن أصابعه برفق و لا تغمز مفاصله بعنف، ثم تغسل يداه ثلاثا من المرفقين أو من نصف الذراع أو من الزندين كما مرّ في الجنب.

ثم تجب النية- لأنه غسل لا غسالة و ان ارتفع به الحدث و الخبث- من الغاسل، و هما الصاب و المقلّب، و يجب تغسيله ثلاث غسلات أولاهن بماء السدر، ثم بماء الكافور، ثم بماء القراح الخالص منهما، و الأحوط بقاء الإطلاق في الماء من الأولين لأن المضاف في الحقيقة غير مطهّر، و لا يقدر السدر بقدر و كذا الكافور و إن استحب أن يكون قدره ثلاثة مثاقيل، و كيفيته كغسل الجنابة، و لا يجب الوضوء قبله بل و لا يستحب إلا للتقيّة، و الترتيب بين هذه الأغسال واجب كوجوبه بين الأعضاء، و لا يجزي هنا الارتماس لاختصاصه بالجنب الحي، و لو فقد الخليطان غسّل ثلاثا بالقراح احتياطا، و المحرم لو مات غسّل بالسدر و القراح و أبدل من الكافور بالقراح احتياطا.

و يستحب غسل الرأس أولا برغوة السدر و فرجه بالحرض و السدر ثلاثا أمام الغسل بماء السدر، ثم غسل فرجه أيضا بالحرض و الكافور ثلاثا أمام الغسل بالكافور، ثم غسلهما بالقراح ثلاثا أمام الغسل بالقراح، و البدأة بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، و تثليث كل عضو، و اضافة شق الرأس الأيمن إلى الأيمن من البدن و الأيسر إلى الأيسر، و غمز بطنه في الغسلتين الأولتين قبلهما إلا الحامل و قد مات ولدها، و غسل يد الغاسل مع كل غسلة، و وقوفه عن يمينه لا مضغوطا بين رجليه إلا للتقية، و صب الماء في حفيرة و هي التي حفرت لغسله أو بالوعة غير بالوعة النجاسة فإنها كالكنيف في المنع، و ينشف بثوب صونا للكفن عن الإبلاء.

و يكره إقعاده و قلم أظافيره و ترجيل شعره و حلق عانته، و الاخبار غير قاصرة

41

عن التحريم فالاجتناب لها اجتناب المحرمات أحوط، و لو انفصل منه شيء وضع معه في كفنه.

و يكفي في الغسل إمرار الماء، و لا يكفي الغرق في الماء عن الغسل لفقد النية و الخليط، و لو خرجت منه نجاسة في الأثناء أو بعد الفراغ أجزأه غسلها من غير استئناف، و لو عدم الماء يمم ثلاثا، و لو وجد لغسلة واحدة فهو للأولى و يمم للأخيرتين، و كذا لو وجد لغسلتين اختص التيمم بالأخيرة، و لو خيف من غسله تناثر لحمه كالمحترق و المجدور كان كفاقد الماء ييمم، و لو كان التناثر ناشئا عن الدلك سقط و غسّل بصب الماء عليه، و المقتول يغسّل دمه و تربط جراحاته بالقطن و التعصيب ثم يصب الماء عليه و لا يبالغ في الدلك، فإن أبين الرأس غسل أولا ثم الجسد ثم وضع القطن فوق الرقبة تحت الرأس و يحمل في الكفن.

و ليس لماء الغسل حد بل ما يطهره، و يستحب الإكثار منه إلى ست قرب أو سبع.

و لا يجب التغسيل إلا على الولي عينا و لا يصير كفائيا على الغير إلا إذا فقد الولي أو كان غير حاضر، و لا يجوز تغسيل الغير له و لو تبرعا إلا بإذنه، لكن يستحب مباشرة غسل الميت لغيره استحبابا عينيا، و ليكتم ما يرى من الميت إلى أن يدفن و هو معنى تأديته الأمانة فيه، و يستحب الرفق به و أن لا يغمز له مفصلا، و يكره بماء أسخن بالنار إلا أن يخاف الغاسل على نفسه البرد أو يكون حال تقيّة.

و يستحب أن يغسل رأسه و لحيته بالخطمي أمام السدر، و أن يلف الغاسل على يديه خرقة عند غسل بدنه، و يجب عند غسل العورة إلا في تغسيل الزوجين فيستحب في جميع الحالات، و ليجنّب منخريه و مسامعه الماء في الغسلات كلها، و إذا صب الماء على العضد لم يقطع الصب حتى ينتهي إلى آخره و هذا على سبيل الاستحباب.

[الثالث] في التكفين:

و يجب فيه ثلاثة أثواب وجوبا تخييريا بين كونها لفافتين و قميصا أو ثلاث لفافات يدرج فيها أو قميصا و مئزرا و لفافة، و كلّما أمكن القميص فهو أفضل، و إن جمع بين القميص و اللفافتين و المئزر كان أحوط.

و يجب أن تكون تلك الأثواب من جنس ما يصلّى فيه، و يحرم في سواها، طاهرة من النجاسة، ساترة للبدن، غير مغصوبة، و المراد ما يصلي فيه الرجل لا المرأة على المشهور فلا يجزي تكفينها في الحرير على القول بجوازه فيها إليها، و لا يجزي الثوب الواحد إلا لضرورة، و كلما تعذّر سقط وجوبه من تلك الأثواب.

و لا يجوز التكفين في جلد ما يؤكل لحمه لأنه لا يعد في الأثواب، و لا في

42

الحرير، و لو تعذّر غيرهما دفن بغير كفن، أما المغصوب فلا يجوز مطلقا، و لو كان الحرير غالبا على القطن بحيث يكون مستهلكا فكالحرير.

و يستحب في القطن الأبيض إلا في الحبرة، و يستحب أن يزاد الرجل و المرأة على تلك القطع الواجبة خرقة لشد الفخذين، و ليكن طولها ثلاثة أذرع و نصفا فصاعدا في عرض شبر تقريبا يشد طرفاها على الحقوين، و يلف الفخذان بما استرسل منها لفا شديدا بعد وضع قطن تحتها، و الرجل يزاد عمامة و المرأة مقنعة و خرقة للثديين، و في بعض الأخبار المرسلة زيادة المرأة نمطا، و أما الحبرة اليمانية العبرية فسنّة للرجل و المرأة، و يستحب أن تكون زائدة على الثلاثة الأثواب، و تتأدى السنة بكونها أحد الأثواب الثلاثة أيضا، و جاء الحث عليها حتى انها توضع معه على النعش أو في قبره إذا لم يلف فيها.

و يكره التكفين في الحرير الممتزج مما يجوز فيه التكفين، و في السواد و عمل الأكمام للأكفان المتبدأة، أما في غير المبتدأة فلا بأس ببقائها و إنما تقطع الأزرار منها.

و يستحب كتابة اسمه و أنه يشهد أن لا إله إلا اللّٰه و أن محمدا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم) على اللفافة و القميص بتربة الحسين (عليه السلام)، و أما أسماء الأئمة (عليهم السلام) فلم نقف على مستنده، نعم يستحب كتابة القرآن و دعاء الجوشن، و دعاء العرش، و تستحب إجادة الأكفان و المغالاة في أثمانها و إن ماكس الوارث تقديما لحقه.

و يكره أن يكون من كتّان، و كذلك لا يجوز التكفين في كسوة الكعبة و تكره المماكسة فيه إلا أن يتعدّى في السوم.

و يستحب التبرع بكفن الرجل المؤمن، و أن يكون مما صلى فيه أو أحرم، و أن يستعد المؤمن قبل موته و يجعله معه في بيته، و يكثر من النظر إليه، و أن يكون من طهور المال.

و يستحب التخضير للميت استحبابا مؤكدا و إن اشتدت التقيّة استعملت سرّا، و هو أن يشق له جريدتان خضراوتان قدر كل واحدة ذراعا أو قدر عظم الذراع أو نصف ذراع، فإن فقد النخل فمن السدر ثم من الخلاف ثم من الرمان ثم من شجر رطب.

و كيفية التكفين واجبة و سننه أن تفرش الحبرة أولا و تذر عليها ذريعة ثم اللفافة فوقها، ثم القميص، ثم المئزر، ثم يضع الميت فوق الجميع، فيؤزره بالإزار أولا و يستحب أن يكون عريضا يستر من صدره إلى قدمه و يجزي في تأديته واجبا أن يكون من السرة إلى الركبة، ثم يلبس القميص فوقه، ثم تلف عليه اللفافة، ثم تلف عليه الحبرة، و ذلك بعد تحنيطه في مساجده السبعة بالكافور، و الأحوط أن يضيف كل مفصل من مفاصله، و أن يضع في اللبة و في الإبطين، و في باطن القدم، و في موضع

43

الشراك على جهة الاستحباب، فإن كان محرما لم يحنّط.

و يجزي في التحنيط مسمّاه من الكافور الخالص و أقلّه في الفضيلة مثقال، و أوسطه أربعة دراهم، و أكمله وزن ثلاثة عشر درهما و ثلث، و لو جعل الأوسط أربعة مثاقيل كان أحوط، و كافور التغسيل غير داخل فيه.

و يستحب أن يخلط بالتربة الحسينية على مشرفها السلام و إذا أردت أن تلفّه بتلك اللفافة فابدأ بالشق الأيسر و يمد على الجانب الأيمن، ثم يمد الأيمن على الأيسر.

و كيفية التعميم له أن تثنيها على رأسه بالتدوير و تلقي فضل الشق الأيمن على الأيسر و الأيسر على الأيمن، ثم تمد على صدره، و قبل أن تلبسه قميصه تأخذ شيئا من القطن و تجعل عليه شيئا من الحنوط و تحشو به دبره، و تضع شيئا من القطن على قبله، و تجعل عليه شيئا من الحنوط أيضا، و تبدأ بجهته في التحنيط، و تمسح تلك المفاصل كلها فإن فضل منه فضل وضع على صدره، و لا يجعل في فمه، و لا في منخره، و لا في عينيه و لا في مسامعه، و لا على وجهه قطن و لا كافور، و حنوط المرأة و الرجل سواء.

و أما كيفية وضع الجريدتين معه في التخضير فأشهرها رواية و فتوى أن تجعل إحداهما من جانبه الأيمن و تلصقها بجلده، و الأخرى من الأيسر بين القميص و الإزار، و جاء جعل إحديهما عند ترقوته تلصقها بجلده ثم تمد عليه قميصه و الأخرى عند وركه، و جاء أيضا واحدة عند ركبته تلصق إلى ساقه و الأخرى تحت إبطه الأيمن ما بين القميص و الإزار، و لا يجوز أن يقرب الميت شيء من الطيب و لا البخور إلا الكافور.

و يستحب اغتسال الغاسل قبل تكفينه غسل المس، فإن لم يغتسل أجزأه غسل اليدين من المرفقين أو الزندين ثلاثا مع غسل الرجلين إلى الركبتين.

و كفن الميت من أصل تركته، و يقدّم على الدين المقدم على الوصية، و على المنجزات في مرض الموت و إن كانت من الأصل، و كذلك على حج الإسلام و على الحقوق المالية التي تخرج من الأصل، و لو كان الكفن أو أصله مرهونا فالأقرب تقديم الكفن أيضا لأن استيفاء الدين مما يفضل عن الكفن، أما العبد الجاني فحق الجناية مقدم و لو جنى بعد الموت و لم يكن كفن إلا منه تعارض سبق تعلق الكفن بعينه و لحوق تعلق الجناية و هو الأقوى لأن للكفن جهة بيت المال و سهم السبيل من الزكاة، و لو فقد أقدّم حق الجناية.

و القدر المخرج من الأصل هو الواجب، و الزائد بالوصية من الثلث إلا مع اجازة الورثة، و لو استوعب دينه بطلت الوصيّة و لم تكف اجازة الوارث نعم إن أجاز ذلك الديّان نفذ لكنها تنفيذ لفعل الموصي فيبقى قدر الكفن الزائد في ذمته للديان.

44

و لا تجوز الزيادة على الندب في العدد و إن قلّت القيمة إلا في جودة الصفة و إن كثرت، و تدخل العمامة في كفن الموصى بالمندوب و نفي كونها من الكفن يراد به الواجب فيزول الإشكال في عدم القطع بسرقتها، و لو لم يخلف كفنا و لا بيت المال و لا زكاة دفن عاريا و لا يجب على المسلمين بذل الكفن بل يستحبّ مؤكدا، و كذا الماء و الخليطان و جميع المؤن الواجبة كالكفن من أصل التركة.

و كفن المرأة الدائمة العقد على الزوج و إن كانت ذات مال، و الماء و الخليطان من أصل مالها، و لو كان معدما إلا ما ورثه منها ففي وجوبه في حصته من الإرث أو من أصل مالها وجهان و الأقوى الثاني لأنه لا إرث إلا بعد الكفن.

و لو تنجّس الكفن غسل ما عليه فإن كان بعد طرحه في القبر قرض ان لم يمكن الغسل، و لو استلزم القرض عدم الستر سقطا معا و دفن بنجاسته.

و النفساء لا يرقى دمها تدخل في سراويل من الجلود و تلبس الكفن فوقه.

و يجب تغطية رأس المحرم و وجهه بالكفن كالمحل و كذا رجلاه، و لا توضع الجريدة مع المخالف و لو قلنا بتغسيله و تجهيزه، و توضع مع الصبي و المجنون، و إن تعذّر وضعها في الكفن وضعت في القبر فإن تعذّر غرست على قبره.

[الرابع] في الصلاة عليه:

و هي فرض عيني على الولي كالتغسيل و التكفين، و هو الأولى بميراثه بأن يباشرها إن كان أهلا لذلك أو يأمر من هو أهل لها جماعة أو فرادى، و على غير الولي فرض كفائي و هو كل مسلم عالم بذلك متمكن من الحضور لإقامتها بعد إذن الولي له.

و لا تجب إلا على من بلغ التكليف بحيث خوطب بالصلاة الشرعية، و تستحب على من بلغ ست سنين، و على من دون ذلك بدعة لا تجوز إلا في حالة التقية.

و يشترط حضور الميت و لو كان موضوعا في قبره فلا صلاة على الغائب، و لا تحل إلا على المسلم و من بحكمه، و يصلى على المنافق و الناصب و المخالف لمكان التقية و يدعى عليهم بعد الرابعة.

و لو اشتبه المسلم بالكافر اختبر بكماشة الذكر و عدمها فلا يصلّى إلّا على الأوّل و مع فقد هذه العلامة يجمعهما في الصلاة و ينوي بها على المسلم.

و يصلى على الشهيد و النفساء و المبطون و الغريق و المقتول في الدفاع عن نفسه أو حرمة أو ماله و قاطع الطريق و المقتول حدا أو قودا أو الغال من الغنيمة و قاتل نفسه.

و لا صلاة على الغلاة و لا الخوارج و المجسمة لكفرهم و لا على ولد الزنا إذا لم يظهر الإسلام، و يصلّى على المجهول في دار الإسلام.

و الأولى بالصلاة عليه و التقدم الأحق بالإرث و الأكثر نصيبا فيه إلا الأب فإنّه

45

أولى من الابن و الزوج أولى مطلقا، و الذكر أولى من الأنثى، و الحرّ مقدم على العبد إلا أن يعتق قبل الصلاة، و له أن يقدم غيره، و ليس لغيره التقدم بغير اذنه و لو أوصى إليه الميت بالصلاة.

و يجب أن يأذن للإمام إذا حضر فإن لم يأذن صلى الامام بغير إذن، و لو تعذّر الوالي فالأفقه لمكان النيابة عنه، و لا عبرة بالإقرار و لا بالأسن هنا، و يستحب تقديم الهاشمي إذا جمع الشرائط.

و يجوز للمرأة إيقاعها، و تؤم النساء فيها و إن كانت فريضة إلا انها لا تتقدمهن، و كذلك العراة لا يتقدم أمامهم بخلاف غيرهم فإنه يبرز، و إن كان المأموم واحدا، و لتتأخر النساء عن الرجال وجوبا، و يستحب انفراد الحائض عن صف النساء.

و لو اجتمعت الجنائز روعي في تقديم أوليائهم ما يراعى في أولياء الميت الواحد، و لا يجوز للمأذون الاستنابة إلا بإذن الولي.

و كيفيتها أن ينوي و يكبّر و يشهد الشهادتين ثم يكبّر و يصلي على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم) ثم يكبر ثالثة و يدعو للمؤمنين و المؤمنات ثم يكبر الرابعة و يدعو للميت إن كان مؤمنا و يلعنه إن كان مخالفا أو منافقا، و يدعو للمستضعفين بدعائهم و للمجهول بالحشر مع من يتولاه و في ابن الست لأبويه ثم يكبّر الخامسة و يقتصر في المخالف على الأربع إلزاما له بما يعتقد.

و يجب جميع ما ذكر مع الاستقبال و القيام و الستر، و لا تشترط الطهارتان، و يجب جعل رأس الميت على يمين المصلّى و هو مستلق على قفاه.

و يجب تأخير الصلاة عن التغسيل و التكفين، و يقدمها مع التمكن على الدفن، و لو لم يكفّن وضع في قبره و وضع عليه اللبن و سترت عورته به و صلى عليه.

و لو دفن بغير صلاة صلي على قبره إلى ثلاثة أيام، و كذا من فاتته الصلاة عليه و إن كان الاقتصار على الدعاء في الصورة الأخيرة أحوط لأخبار النهي عن الصلاة عليه.

و لا يشترط فيها العدد و لا الجماعة و إن استحبا، و يكفي الواحد و إن كان امرأة، أما الصبي المميز فلا تكفي صلاته في سقوط الواجب الكفائي، و تجزي صلاة الفاسق و صلاة الجالس لعذر لكفايتها.

و لو تبين بعد الدفن جعل رأس الميت على يسار المصلي لم تعد، و لو كان قبله أعيدت، و لا قراءة فيها و لا استفتاح و لا استعاذة و لا تسليم إلا للتقية.

و التكبيرات كلها أركان، و تنعقد بالأولى، و يحصل الانصراف بالأخيرة، و لو أدرك المأموم بعض التكبيرات أتم ما بقي ولاء، و لو رفعت الجنازة أتم و لو على القبر.

46

و لو لم يكبر المأموم مع الإمام حتى كبر أخرى فإن تعمد أثم، و إلا فلا اثم عليه و يتم بعد الفراغ، و لو سبق المأموم بتكبيرة فما زاد عمدا أثم، و نسيانا لا اثم، و يستأنفها مع الإمام أو بعده، و لو أدركه بين التكبيرات لم ينتظر تكبيرة أخرى بل يتابعه و تكون تكبيرة الإمام من بعد ثانية للمأموم.

و لو حضرت جنائز فالأفضل أن يجعل لكل واحد صلاة، و لو جمعهم جاز، و يجعل الرجل مما يلي الإمام و العبد بعده ثم الخنثى ثم المرأة، و لو جعلت الفضيلة لجهة القبلة جاز أيضا، و مستنده هو الصحيح، و الجمع بالتخيير قائم فتتبع الفضيلة النيّة.

و لو كان هناك صبي تشرع الصلاة عليه ندبا قدّم على المرأة لشرف الذكورية، و لا يخص ذلك بما إذا كانت الصلاة عليه واجبة بل مطلقا، و لو كان رجالا و نساء جعلهنّ صفا مدرّجا و وقف على الوسط، و لو حضرت جنائز في أثناء صلاة الأولى تخيّر المصلي بين الاستئناف عليها و بين التشريك فيما بقي من التكبيرات ثم يأتي بوظيفة كل منهما عند اختلافهما، فلو حضرت في الثانية نوى التشريك فيها ثم يتشهد و يصلي على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و دعا للمؤمنين و هكذا حتى يتم ما بقي على الثانية، و يقدم الصلاة الحاضرة ندبا لو اجتمعتا و اتسعتا و إلا قدم المضيقة حتما، و لو تضايقتا قدمت الحاضرة.

و تجوز في جميع الأوقات حتى في الأوقات التي يكره فيها ابتداء النوافل.

و تستحب أمور منه إعلام المؤمنين بموته، و التشييع، و أن يمشي المشيّع خلفها و هو أفضل مراتب التشييع أو إلى أحد جانبيها، و يكره التقدّم عليها إلا لذي الجنازة، و يحرم في جنازة الكافر لاستقبال ملائكة العذاب لها، و تربيعها بالحمل كيف اتفق و أفضله أن يبدأ بمقدم السرير الأيمن و هو الذي يلي يمين الميت ثم يدور من ورائه إلى رجله اليمنى ثم رجله اليسرى ثم يده اليسرى، و وضع اليمين على الكتف الأيمن و اليسرى على الكتف الأيسر، و قول المشاهد (الحمد للّٰه الذي لم يجعلني من السواد المخترم) و يمشي القصد، و يستحب الإسراع إذا خيف على الميت، و التفكر في أمور الآخرة.

و يكره التحدّث بأمور الدنيا و رفع الصوت بالبكاء و الضحك و الركوب إلا لضرورة، و قول المشيع (ارفقوا به)، و المشي أمامها إلا للتقية سيما جنازة المخالف، و الجلوس حتى توضع في اللحد.

و من المستحبات أيضا الطهارة من الحدث و لو بالتيمم، و وقوف الامام عند وسط الرجل و صدر المرأة أو عند صدر الرجل و رأس المرأة فإن اجتمعتا حاذى لصدرها و وسطه، و نزع نعليه و رفع اليدين في كل تكبيرة و الوجوب في ذلك ليس ببعيد، و الوقوف للإمام حتى ترفع الجنازة، و إيقاع الصلاة في المواضع المعتادة لذلك، و ترك

47

تعدد الصلاة إلا لأهل الفضائل و المناقب إن لم يناف التعجيل، و إذا كانت الصلاة فرادى يغتفر التعدد و تقديم الأفضل إلى الامام.

و لا يستحب لرائي الجنازة القيام، و يجوز التيمم مع وجود الماء و إن لم يخف الفوات.

و يستحب اتخاذ النعش في جنائز النساء و لا يحمل ميتان على سرير واحد إلا لضرورة، و لا يضع رداءه في غير جنازته، و يستحب الاحتفاء سيما في جنائز المعظمين.

[الخامس] في الدفن:

و يجب لموتى المسلمين وجوبا عينيا على الولي و كفائيا مع فقده، و تجب معاونة الولي لو عجز عن ذلك بنفسه، و أن يكون في حفيرة قبرا أو لحدا بحيث تكتم الرائحة و تحرس البدن عن صغار السباع و كبارها، و لا يجوز في الأبنية و لا بأس بالسراديب لاشتهارها من زمنهم (عليهم السلام) إلى زماننا هذا، و لو تعذّر الحفر لصلابة الأرض استعمل له من البناء ما يستره.

و يجب أن يكون في أرض مباحة و لو بإعدادها للدفن فإن توقف على اشتراء الأرض وجب أخذها من أصل المال، و لو أمر بدفنه في أرضه المملوكة له وجب و أجري من الثلث إن وجد محل معد للدفن مجانا.

و لو تعددت الأمكنة لذلك روعي الأقرب فالأقرب إلا إذا كان في الأبعد مزية كجوار الصالحين أو القرابة و الرحم أو كثرة الزائرين.

و يجب أن يكون مستقبلا بمقاديم بدنه القبلة مضطجعا على يمينه و يسقط هذا عند تعذره و عند اشتباه القبلة، و لا يكفي التوجه إلى القبلة المنسوخة، و يجب مع الاختيار أن يكون لكل ميت قبر بالاستقلال، و عند الضرورة لا بأس بدفن الميت و الميتين و الثلاثة في قبر واحد.

و يستحب تعميق القبر قامة أو إلى الترقوة، و يستحب اللحد و هو أن يحفر القبر مما يلي القبلة إلا مع رخاوة الأرض أو كون الميت بادنا و حينئذ فالشق أفضل.

و ينبغي وضعه أولا على الأرض ثم نقله ثلاثا، و لا فرق بين الرجل و المرأة، و إنزاله في الثالثة سابقا برأسه إن كان رجلا، و المرأة تؤخذ عرضا من جهة القبلة إن أمكن، و حفاء النازل في القبر، و كشف رأسه، و حل أزراره و الدعاء له عند وضعه فيه، و قراءة الحمد و المعوذتين و آية الكرسي، و أن يكون رحما في المرأة بعد إذن الولي، و أما الرجل فيواريه أولى الناس به إلا أن يكون أباه فلا ينزل في قبره، نعم يأذن لمن يضعه في قبره، و تغشية قبر المرأة بثوب، و يجوز تعدد النازل و اتحاده، و كونه وترا أفضل و أمر

48

ذلك إلى الولي، و حل عقد الكفن من عند الرأس و الرجلين و شداد الوسط إن كان، و جعل تربة الحسين (عليه السلام) بحذاء وجهه، و تلقينه بما سلف في الاحتضار و الدعاء له بالثبات، و تحريك منكبه عند التلقين، و شرج اللبن، و الدخول من قبل الرجلين و كذلك الخروج، و في قبر المرأة من عند الرأس، و هيل التراب بظهور الأكف مسترجعا، و لا يوضع فيه من غير ترابه، و رفع القبر أربع أصابع مفرجات مربعا مسطحا، و يحرم تسنيمه إلا للتقية و كذلك تخديده بالمعجمة، و صب الماء عليه من قبل رأسه دورا مستقبلا للقبلة ثم صب الباقي في الوسط، و وضع اليد عليه مؤثرة في التراب أو الطين، و الترحّم عليه، و يتأكد في حق الهاشمي و من لم يصل عليه، و تلقين الولي أو مأذونه بعد الانصراف بأرفع صوته مستقبلا للقبر مستدبرا للقبلة، و يجوز العكس لإطلاق الأدلة، و هذا هو التلقين الثالث، و ليس عند التكفين تلقين و إن أثبته البعض، و التعزية بالدعاء للحي بالسلوة و الصبر و الرضاء بقضاء اللّٰه تعالى و للميت بالرحمة و المغفرة و الجنة.

و يجوز النوح على الميت و البكاء و الندب بما هو فيه من الصفات الحسنة و المزايا الفاضلة، و قد ورد جواز النوح على أهل الفضل و الشرف و بذل الأجرة على ذلك و الوصية به و الوقف عليه، و يحرم اللطم و الخدش و جز الشعر و تشويه الخلقة و إظهار السخط و النياحة بالباطل.

و ليتميّز المصاب بوضع الرداء، و إما إرسال طرف العمامة أو جعل مئزر فوقها فلم نقف على مستنده سوى الشهرة بين الطائفة و يكره بغير ذلك.

و يستحب أن توضع لبنة أو شبهها عند رأس القبر ليعلم بها، و وضع الحصى عليه سيما الحمر، و ترك فرش القبر بالساج إلا لضرورة، و ترك تجصيصه و تجديده بعد اندراسه و لا بأس بتطيينه ابتداء و كذا البناء على قبور أولي الشرف و المزيّة سيما الأئمة (عليهم السلام) فهي كتجديد المساجد و عمارتها، و ترك هيل ذي الرحم على رحمه فإنه يورث القسوة، و ترك النقل من محل موته، لا سيما عند شد الرحال، إلا إلى أحد المشاهد المشرّفة بالنبي و الآل (عليهم السلام)، و إلى حرم مكة و المدينة.

و يكره الجلوس على القبر و الاستناد إليه و المشي فوقه إلا للتنزيل و الزيارة، و دفن ميتين في قبر ابتداء و قد مرّ الكلام عليه و استظهرنا التحريم إلا لضرورة.

و لا يجوز النبش لدفن آخر و لا التغوط بين القبور و عليها، و بناء مسجد على القبر، و الصلاة عليه، و لا بناء مسجد في المقابر، و يكره المقام عندها و التظليل إلا المشاهد الشريفة.

و يحرم نبش القبر إلا في مواضع قد استثنوها و أكثرها لا مستند له سوى

49

الاعتبار، و المروي منها من لم يجهز بالتغسيل و التكفين و لا الصلاة عليه، و من لا احترام لقبره كاللوطي و نحوه، أو للنقل إلى أحد المشاهد المشرّفة للخبر المرسل، و لا يحل في غيرها لعموم المنع منه.

و يحرم شق الثوب على غير الأب و الأخ للرجال، و يحل للنساء على سائر أرحامها و قرابتها.

و يحرم دفن غير المسلمين في مقابرهم إلا الذمية الحاملة من مسلم حملا يلحق به فليستدبر بها القبلة احتياطا.

و لو تعذر الأرض كالميت في البحر ثقل أو جعل في خابية و يوكأ رأسها و يرسل.

و لو ماتت الحامل دون الحمل شق جوفها من الجانب الأيسر و اخرج و خيط الموضع، و لو مات هو دونها قطع من النساء القوابل و اخرج أو من الزوج أو من المحارم حيث لا مماثل و لا زوج، و لا دية مع تعذّر خروجه إلا بذلك.

و المصلوب يجب إنزاله بعد ثلاثة أيام و يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن فإن تعذر إنزاله صلي عليه و هو مصلوب و روعي استقبال القبلة و لو ما بين المشرق و المغرب، و عدم مزايلة (1) مناكبه بحيث يقوم على منكبه الأيمن إن أمكن و إلا فعلى منكبه الأيسر، و كذا من خيف عليه النبش و الحرق يوضع في خابية و يوكأ رأسها و يرسل في البحر.

و يستحب الدفن في البقاع المباركة المتقاربة و لو بالنقل إليها إذا لم يخش الفساد على الميت، و أفضلها الحرمان أو أحد مشاهد المعصومين و مسجد بيت المقدس و مقابر الشهداء و الصالحين، و اجتناب الدفن في المساجد في هذه الأعصار أحوط و التحريم غير معلوم لظواهر اخبار شاهدة به.

و يستحب جمع الأقارب في مقبرة، و يجوز أن يختص بقبر وحده و لو في منزله، و مع عدم هذا الاختصاص للمزايا المذكورة فالمسبلة أولى من الدفن في الملك، و دفن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في بيته من خواصه، ثم السابق إلى المسبلة أولى ممن لم يسبق فإن تساووا و تعذر الجمع فالقرعة، و لو دفن في أرض مشتركة بين الورثة لم يكن لهم قلعه حتى لو كان بعضهم غائبا و يعوض من لم يرض بقيمة الأرض أو بأجرة مستمرّة إلى بلائه، و يقدّم مختار المسبلة على مختار الملك من الورثة.

و يستحب عمل طعام لأهل الميت ثلاثة أيام، و يكره الأكل عندهم إلا إذا كان عن وصية فلا كراهة.

و تتأكد زيارة القبور سيما يوم الاثنين و الخميس و السبت و الجمعة قبل طلوع الشمس، فيضع الزائر يده عليه و يدعو و يترحّم و يقرأ شيئا من القرآن، و أفضله القدر

50

سبعا أو بإضافة المعوذتين لها و آية الكرسي بعد الحمد و التوحيد احدى عشر مرة، و عند دخوله يسلّم على أهل القبور بالتسليم المشهور و هو: (السلام عليكم من ديار المؤمنين أنتم لنا فرط و نحن إن شاء اللّٰه بكم لاحقون) أو (السلام عليكم يا أهل الجنّة).

و تستحب الصدقة عند القبر عن الميت، و سيما عشيّة الخميس، و الأعمال الصالحة من العتق و الصلاة و الصيام و الدعاء و الحج و كل فعل حسن، و أن الميت ليكون في ضيق فيوسّع عليه بها.

و بقيت هنا آداب كثيرة إلا أنها نادرة الفتوى و الدليل.

البحث السادس في غسل مس الميت:

و بتحقق مس الميت الآدمي بعد البرد بالموت و قبل التطهير بالغسل، أو بمس قطعة فيها عظم قد أبينت من حي أو ميت، و لا يكفي العظم وحده، لكن العظام كلها بحكم الميت في جميع الأحكام، و لو خلت القطعة من العظم فلا غسل و إن وجب الغسل بمسّها مع الرطوبة و تعديتها مع اليبوسة أحوط، و يجب غسل العضو اللامس كسائر الأخباث، كما يجب غسل البدن كسائر الأحداث الكبرى، و يستحب معه الوضوء.

و مس ما تمّ غسله من البدن موجب للغسل حتى يقع على جميع البدن.

و لا غسل بمس غير الآدمي، نعم ينجس العضو اللامس مع الرطوبة لا مع عدمها، و لا فرق بين المسلم و الكافر و لا بين الميمم و غيره.

و أما مغسول الكافر و الشهيد و من قدّم غسله قبل قتله قصاصا أو حدا فلا غسل بمسّه، و لو مات بسبب غير القتل أو قتل بغير ما اغتسل له وجب الغسل بمسّه، و في انتقاض هذا الغسل بالحدثين أو أكبرهما كلام أقربه عدم النقض.

51

الفصل الثالث في التيمم

و هي الطهارة الاضطرارية، و هي ثابتة بالكتاب و السنّة و الضرورة من الدين، و مباحثه أربعة:

[البحث] الأوّل: في مسوّغة

و هو عدم وجدان الماء و يحصل بأمور:

أحدها فقده من المكلّف، فيجب عليه تحصيله و طلبه من مظانه و لو بثمن مقدور للمكلّف غير مضرّ به في الحال، و لو زاد عن ثمن المثل أضعافا مضاعفة.

و لو وهب له الماء لزمه القبول، و كذلك الثمن ليشترى به، و كذا البحث في الآلة فيجب استيجارها أو شراؤها أو قبول إعارتها أو قبول هبتها.

و يجب الاحتفار لو توقف تحصيله عليه مع سعة الوقت و القدرة، و مع ضيق الوقت يكون فاقدا له، و لو أمكن الشراء بثمن في الذمّة يقدر عليه عند المطالبة وجب و إن كان عاجزا عنه في الحال، و لو امتنع البائع من قبض الثمن المبذول المقدور له وجب أيضا إلا مع علمه بالعجز عنه وقت المطالبة، و لو وجد الماء بغير باذل تيمم و لم يكابره عليه.

و يجب الطلب- مع ارتفاع الموانع و عدم الخوف على النفس و المال و البضع ما دام في الوقت المقدر للفضيلة بحيث يصلي في آخره- بالضرب في الأرض بنفسه أو بمن يأتمنه عليه في الغلوات الأربع من الجهات الأربع في حزن الأرض و ضعفها في سهلها، و الأول تقدير للزمان و الثاني للمكان، و عند اختلاف الأمرين تتوزع تلك المقادير بالنسبة بأن يطلب في الحزنة غلوة سهم و في السهلة غلوتين، و عند كون نصف الجهة سهلا و نصفها صعبا يطلبه في النصف السهل غلوة سهم و في الصعبة نصف غلوة، و يسقط مع العلم بالعدم، و لو ظنّه في الزيادة على النصاب سقط التقدير و وجب الطلب.

و يجدد ذلك الطلب للفرض الثاني إن لم يحصل العلم بالعدم بالأول، و يجب أن يكون الطلب بعد دخول الوقت و السابق عليه غير كاف و إن أفاد العلم بالعدم.

و لو أخل بالطلب حتى ضاق الوقت أثم بعصيانه و صحت صلاته بالتيمم، فإن وجده بعدها مع أصحابه الباذلين أو في رحله أو في الغلوات وجبت عليه إعادتها في الجميع.

52

و يجب تقديم إزالة النجاسة على الطهارة، و لا يجزي لو خالف عمدا، و خوف العطش على نفسه أو رفيقه المحترم أو حيوانه المضطر إليه مسوّغ له، و لا يجوز له شرب النجس لو كان معه الطاهر، و يكفي في خوف العطش في الآجل قول العارف و لو كان كافرا أو فاسقا أو صبيّا مميزا حيث يثمره ظنا، و كذا من معه ماء لا يجزيه لطهارته وضوءا كان أو غسلا و لا تبعيض هنا شرعا نعم لو كان مكلفا بالوضوء و الغسل فوجد ماء لأحدهما وجب و تيمم للآخر بعد صرفه للماء فيه.

و لو كان الماء بحضرته و هو في قيد أو حبس أو في مرض لا حراك له فيه و ليس هناك ناقل ففرضه التيمم، و لو وجد متبرعا أو بأجرة مقدورة له وجب عليه، و لو كان ذا نوبة في الماء فظنّ فوت الوقت قبل نوبته ساغ له التيمم، فإن كذب ظنّه فكالواجد للماء بعد التيمم.

و لو أراق الماء عمدا مع علمه باستمرار العدم عصى و قضى، و لو أراقه بظن أن غيره موجود فلا معصية و لا قضاء، و لو وهبه لغيره بعد الوقت و لا ماء سواه فالهبة باطلة، و كذا لو باعه بثمن لا يفيد تحصيل بدله، و لو فعل ذلك قبل الوقت و كان عالما باستمرار العدم ألحق بالوقت، و يحتمل بعيدا العدم إذ لا تكليف حينئذ، و لا يعلم حياته إلى الوقت، و يجب عليه ارتجاعه من المشتري أو المتهب، و لو تعذّر ارتجاعه و الحال هذه يتيمم و يأثم و يقضي لتفريطه.

و ثانيهما: الخوف من استعماله و إن كان موجودا على النفس من موت أو مرض لا يحتمل عادة أو يخشى من بطئه أو إتيانه على النفس و لو بحسب ظنّه، و لو توقف على تسخينه وجب و لو بأجرة زائدة عن أجرة المثل، و لو كان مضرّا مع الإسخان سقط، و يكفي في ذلك قول العارف و لو كان فاسقا أو كافرا إذا أثمرت معرفته الظن الراجح، و مع احتمال الألم و عدم خوف العاقبة لا يسوغ التيمم.

و ثالثها: الخوف من تحصيله أو طلبه على النفس أو البضع أو المال المضر بالحال من لص أو سبع أو عدو أو عطب، أو على العقل فيمن يعرض له ذلك، أما مجرّد الوهم فلا، و كذاك لو كان هناك مريض أو ضعيف أو طفل أو مجنون يخاف عليه بالمفارقة في زمن تحصيله و لا يمكن استصحابه معه.

البحث الثاني: في ما يتيمم به

و هو الصعيد الطاهر، و هو التراب خاصّة بجميع أنواعه و أقسامه إلا ما أخرجه الاستيلاء عن الاسم و كذلك الخلط بغيره، و يدخل فيه السبخ و الرمل و إن كرها و لا يجزي الحجر إلا إذا كان عليه تراب، و منه تراب القبر و أرض النورة و الجص أما النورة نفسها و الجص فلا يجوزان إلا لضرورة جمعا بين الدليلين المجوز و المانع.